Полный текст (598 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
وكانت هذه الحملة الثامنة آخر الحملات الصليبية، وأدرك العالم النصراني بها أنه لا يزال عاجزاً عن قهر المسلمين، وعدل عن فتح فلسطين، وظلت الراية الإسلامية تخفق فوقها حتى الآن.
وبينما كان العرب يدفعون نصارى الغرب في أثناء الحروب الصليبية، ويخرجون منها ظافرين -ظهر في الشرق الأقصى عدو مخيف، فقد قذفت نجود التتر تيار المغول الذي انقض على آسية بقيادة جنكيز خان، واكتسح بلاد الصين وفارس والهند، ثم استولى المغول على بغداد في سنة ١٢٥٨ م، وقضوا على العباسيين الذين كان لهم السلطان منذ خمسمائة سنة.
وعلى ما بين الترك والمغول من شبه في الهمجية كان المغول أكثر استعداداً للثقافة، فالمغول وإن لم يكونوا أهلاً لإبداع حضارة جديدة كما أبدع العرب، استطاعوا أن ينتفعوا بحضارة العرب الذين، وإن زال ملكهم في الشرق، ظلت حضارتهم تهيمن عليه.
وانحصر سلطان العرب في مصر وإسبانية بعد أن تكمش أمام أولئك الفاتحين.
القرن الثامن من الهجرة: كان القرن الثامن من الهجرة حافلاً باقتتال الترك والمغول على ميراث العرب في الشرق، وقد دقت ساعة انحطاط هؤلاء الآخرين.
القرن التاسع من الهجرة: قضي على دولة العرب وحضارتها في إسبانية التي ملكوها نحو ثمانمائة سنة، وذلك أن فردياند استولى على عاصمة العرب الأخيرة غرناطة في سنة ١٤٩٢ م، وأنه أخذ يمعن في قتلهم وتشريدهم جماعات جماعات، وأن خلفاءه ساروا على سنته، وأنه قتل من العرب وشرد ثلاثة ملايين نفس، فخبت إلى الأبد شعلة حضارة العرب التي كانت تنير أوربة منذ ثمانية قرون.
وكانت خاتمة دولة العرب في القرن التاسع من الهجرة، ولم يبق للعرب في الشرق من الشأن الكبير في غير دينهم ولغتهم وحضارتهم، وحاولت الأمم التي قهرت العرب أن تسير على نحو العرب كما صنع البرابرة الذين قهروا الرومان، فأحلت الهلال باسم القرآن محل الصليب في القسطنطينية التي كانت عاصمة الروم، فارتعدت فرائص العالم النصراني فرقاً من ذلك.
ولكن الترك، وإن كانوا أهل حرب وقتال، لم يكونوا أهلاً ليصعدوا في سلم الحضارة، ولم يقدروا على الانتفاع بتراث العرب المغلوبين الثقافي، فضلاً عن إنمائه، ويقول العرب: «لا ينبت العشب على أرض يطأها الترك»، والحق أنه لم ينبت، فسترى
стр. 142
في فصل آخر دركة الانحطاط التي هبطت إليها دولة العرب القديمة بسرعة بين أيدي سادتها الجدد.
стр. 143
الباب الثالث
دولة العرب
стр. 144
الفصل الأول
العرب في سورية
(١) اختلاف البيئات التي لاقاها العرب
وقفنا هذا الفصل وما يليه في فصول هذا الباب على البحث في شأن العرب في مختلف البلدان التي استولوا عليها، وغايتنا من ذلك بيان حضارة العرب بياناً مجملاً، وإيضاح تأثيرهم في الأمم التي عاشروها، وتأثير هذه الأمم فيهم، ونرى أن نقدر حضارة العرب بالبحث في آثارهم في كل بلد افتتحوه، فإذا تيسر لنا ذلك أمكننا أن ندرس، في فصول هذا الكتاب، مختلف العناصر التي تتألف من مجموعها حضارة العرب.
كانت أمم البلاد التي استولى العرب عليها في آسية وإفريقية وأوربة وأقاموا عليها دولتهم العظمى متباينة أشد التباين حين الفتح العربي، فأنت، إذ كنت ترى بينها أمماً من أنصاف البرابرة، كالتي في بعض أجزاء إفريقية، كنت ترى منها أمماً بلغت الذروة من الحضارة اليونانية والحضارة اللاتينية كالتي في سورية.
إذن، كانت الأحوال التي صاقبت العرب مختلفة باختلاف الأماكن، وكان من الحق أن يجد الإنسان تفاوتاً في درجات حضارتهم تبعاً لتفاوت البيئات.
ذلك ما يتجلى لنا في تاريخ حضارة العرب كلما توغلنا في تفصيلاته، وتشتمل حضارة العرب التي دامت ثمانية قرون على درجات كثيرة خلافاً لما ذهب إليه المؤرخون الذين تعودوا، حين البحث في حضارة العرب، أن ينظروا إليها من خلال أمة واحدة ودور واحد، وكان للعمارة والآداب والعلوم والفلسفة والدين درجات تطور مختلفة باختلاف الأقطار التي خضعت لسلطان العرب، ولم يمنع ذلك من أن يكون للعرب تراث مشترك من الناحية الدينية والناحية اللغوية ما دام الإسلام دينهم والعربية لغتهم، ولكن وحدة اللغة والدين لا تعني وحدة حضارة العرب في مختلف البلدان التي خضعت
стр. 145
لشريعة محمد، كما أنك لا تستطيع أن تخلط حضارة الأمم النصرانية في القرون الوسطى بحضارتهم في عصر النهضة أو في الوقت الحاضر.
(٢) استقرار العرب بسورية
كان البلد الغني، سورية، قد أصبح رومانيا قبل الفتح العربي بنحو سبعة قرون، ويوجد ارتباك وغموض في أخبار المعارك الأولى التي أدت إلى فتح العرب السورية، فأما مؤرخو العرب، وعلى رأسهم الواقدي الذي يرجع إليه على العموم، فإنهم مزجوا الحقائق بالخيال، فحط ذلك من قيمة قصصهم، فأنت إذا أنعمت النظر في روايات الواقدي رأيته يذكر، حين بحثه في وقائع العرب الحربية، بأبطال أوميرث مع رفع لقيمة المرأة في تلك الوقائع، وأما مؤرخو الروم فقد التزموا جانب الصمت عن فتح سورية الذي كان كله
عاراً على دولة بزنطة القوية.
شكل ١ - ١: أسوار دمشق (من صورة فوتوغرافية).
ومهما تكن دقائق الفتح العربي السورية فإن سورية خضعت لحكم العرب بعد حرب سجال بين العرب والروم.
وفتح دمشق من أهم فتوح العرب في سورية، ولم تلبث دمشق الشهيرة أن أصبحت في العهد الأموي عاصمة الدولة العربية بدلاً من المدينة.
وتم فتح دمشق يوم وفاة الخليفة الأول أبي بكر في السنة الثالثة عشرة من الهجرة (٦٣٤ م)، وصرخ هرقل حين أتاه خبر سقوط دمشق قائلاً: «وداعاً يا سورية! »
حقاً لقد خسر الروم سورية، فقد استولى العرب بعد معركة اليرموك الشهيرة، التي دامت ثلاثة أيام وانتهت بانتصار العرب، على جميع مدن سورية، وفتحوا عنوة تذمر
стр. 146
وبعلبك وأنطاكية وطبرية ونابلس والقدس وطرابلس وغيرها، وأكره القيصر على مغادرة سورية إلى الأبد بعد أن ملكها أسلافه منذ سبعة قرون.
وكان لفتح القدس دوي عظيم بين المدن التي استولى عليها المسلمون، وكان المسلمون يعلقون أهمية كبيرة على فتح هذه المدينة التي كانوا يقدسونها تقديس النصارى لها، ففيها توفي المسيح الذي هو عند المسلمين من أعاظم الأنبياء، وفيها الصخرة الشهيرة التي تخرج منها محمد في السماء.
هجم العرب على القدس بشدة كالتي أبديت للذب عنها، وحث البطرك صفرونيوس الحماة النصارى على الدفاع عن قبر الرب فلم يجد ذلك نفعاً تجاه القدر الذي قضى بأن تحل راية الإسلام محل الصليب فوق قبر يسوع، ورأي صفرونيوس أن يذعن بعد حصار دام أربعة أشهر، واشترط أن يتسلم الخليفة عمر القدس بنفسه فقبل ذلك، فركب عمر بعيراً، وغادر المدينة وحده تقريباً، ولم يأخذ معه من الزاد سوى قربة ماء وجراب شعير وأرز وتمر، وأغذ عمر في السير ليل نهار؛ ليصل إلى القدس في وقت قصير، فلما دخل القدس أبدي من التسامح العظيم نحو أهلها ما أمنوا به على دينهم وأموالهم وعاداتهم، ولم يفرض سوى جزية زهيدة عليهم.
وأبدى العرب تسامحاً مثل هذا تجاه المدن السورية الأخرى كلها، ولم يلبث جميع سكانها أن ترضوا بسيادة العرب، واعتنق أكثر أولئك السكان الإسلام بدلاً من النصرانية وأقبلوا على تعلم اللغة العربية، وظلت سورية بلداً عربياً إسلامياً كما كانت في أوائل الفتح العربي مع تداول كثير من الفاتحين لسيادتها بعد ذلك.
ولما توالت هزائم الروم في سورية استحوذ عليهم خوف عظيم من العرب الذين أمعنوا في ازدرائهم.
ومن الأدلة على ذلك الكتاب الآتي الذي أرسله عمر بن الخطاب إلى هرقل يطالبه فيه بإطلاق قائد عربي أسرة الروم في إحدى الوقائع:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله، من عبد الله عمر بن الخطاب إلى هرقل ملك الروم، أطلقوا الأسير المسلم، عبد الله بن حذافة، حين وصول كتابي هذا إليكم، فإن فعلتم ذلك رجوت من الله أن يهديكم الصراط المستقيم، وإن لم تفعلوا فإنني أبعث إليكم رجالاً لا تلهيهم تجارة ولا بيغ عن الجهاد في سبيل الله، والسلام على من اتبع الهدى.
стр. 147
ولم يكن القيصر هرقل ليغضب من هذا الكتاب الشديد، فقد أطلق الأسير مصحوباً بهدية ثمينة إلى الخليفة، وهرقل هذا هو وارث عرش القياصرة الجبارين الذين دوخوا العالم، فخلف من بعدهم خلف فقدوا المشاعر التي كان فيها سر عظمتهم.
وعاد عمر إلى المدينة بعد أن تم فتح سورية، ونظم شؤون الدولة الفتية موصياً قواده بتوسيع رقعتها، ووزع عمر الغنائم العظيمة التي أخذها المسلمون من الروم والفرس على أصحابه، وجعل لهم، على حسب قدم خدمهم، رواتب سنوية تترجح بين ألف درهم وخمسة آلاف درهم.
(٣) حضارة سورية أيام سلطان العرب
استردت سورية أيام الحكم العربي ما أضاعته من الرخاء منذ زمن طويل، وبلغت درجة رفيعة من الرقي في العهد الأموي والصدر الأول من العهد العباسي، وكان العدل بين الرعية دستور العرب السياسي، وترك العرب الناس أحراراً في أمور دينهم، وأظل العرب أساقفة الروم ومطارنة اللاتين بحمايتهم، فنال هؤلاء ما لم يعرفوه سابقاً من الدعة والطمأنينة، وبلغت الصناعة والزراعة درجة رفيعة في سورية، وازدهرت بسرعة كبريات المدن السورية كالقدس وصور وصيدا ودمشق.
شكل ١ - ٢: حي الميدان بدمشق (من صورة فوتوغرافية التقطها المؤلف).
كانت سورية من أغنى أقطار العالم دائماً ما لم تنلها أيدي التخريب، فهي ذات أرض كانت تثبت البر والقطن والشعير والأرز والتوت والزيتون والليمون والبرتقال من غير عناء، وكانت جبال لبنان مستورة بأعز الأشجار، كشجر البلوط والدلب والجميز ... إلخ، ولولا الإنسان لكان هذا البلد القديم جنة الأرض، واستحق تسمية العبريين له بأرض
стр. 148
الميعاد، ذلك البلد العجيب الذي وصف شعراء العرب كل جبل فيه بأنه يحمل الشتاء على رأسه، والربيع على كتفيه، والخريف على صدره على حين يرقد الصيف متثاقلاً على قدميه.
شكل ١ - ٣: شارع في دمشق (من صورة فوتوغرافية).
ويستدل على حضارة سورية أيام سلطان العرب بما رواه الكتاب، وبما لا يزال قائماً فيها من المباني.
وروى المؤرخون أن سورية لم تلبث أن ازدهرت بعد أن فتحها العرب، فقد جد العرب في دراسة كتب اليونان والرومان مثلما كثروا في ميادين القتال، وأنشأوا المدارس في كل مكان، وصاروا أساتيذ من فورهم بعد أن كانوا تلاميذ، وأنهضوا العلوم والشعر والفنون الجميلة أيما إنهاض.
стр. 149
ودام رخاء سورية حتى دور الانقسام الذي زلزل دولة الخلافة، وأخذ ينقص، ولم يتم زواله إلا حين غدت سورية تابعة لدولة الترك، فصرت لا ترى فيها شيئاً مما كان في أيام الحكم العربي من النفائس والفنون والصناعة، وأصبحت المدن الكبيرة القديمة، كصيدا وصور، قرى حقيرة، وتعرت الجبال تماماً، وهجر الناس الحقول الغنية بعد ازدهارها فيما مضى، وأضحت هذه الأماكن الخصبة لا تنبت عشباً ما ثقلت عليها وطأة الترك، قال مسيو دافيد في تاريخه عن سورية:
كأن من العبث أن أدت حضارة الخلفاء في قرنين، كما أدى الأغارقة والرومان، إلى إنشاء المباني الرائعة، وصنع النفائس الفاخرة، ونشر اللغة الراقية، ووضع طرائف نحوها المنطقية، وقول أشعارها البليغة، وكان من العبث أن سقت دمشق الفولاذ، وغزلت حلب الحرير اللامع، وكأن من العبث أن أزينت ربا حوران وهضابها بالزرع وأشجار الفاكهة الذهبية، وأن أبدى أهلوها نشاطاً فائقاً، فقد حرق، عن عمد، أجلاف القفقاس، الذين بزوا جميع قدماء الفاتحين جهلاً وقسوة وطمعاً، آثار الفن والعلوم، وهدموا المصانع، وقتلوا العمال، وسحقوا كل شيء لم يستطيعوا نقله.
وعادت سورية لا تكون غير بلاد جديبة خربة في الوقت الحاضر، واستوقفت ندرة نباتها نظري حين طفت فيها، ولاح لي أنها بلغت من الفقر ما لا تأتي معه بغير كلأ قليل، ومررت من الطريق الواقعة بين بيروت ودمشق فلم أجد أثراً للنبات في غير ما قرب من أبواب المدن، وعاد لبنان وما وراء لبنان لا يكونان سوى صخور عارية، وليس الجدب في أبواب القدس أقل من ذلك، ولا ترى في كل مكان سوى الحجارة والصخور، ولا تجد شيئاً من الكلأ.
(٤) المباني التي تركها العرب في سورية
لم تكن المباني التي تركها العرب في سورية كثيرة، وإنما يقيد درسها كثيراً لقدمها وروعتها.
ذكرنا آنفاً أنه كان للعرب مدن مهمة قبل ظهور محمد، وأنه كان في الكعبة الشهيرة أكثر من ثلاثمائة صنم، وإننا نجهل، مع الأسف، كيف كان فن العمارة العربية قبل الإسلام، وأن ما حدث في الحرم المكي، وهو البناء العربي القديم الوحيد المعروف، من
стр. 150
شكل ١ - ٤: ساحة المسجد الكبير في دمشق (من صورة فوتوغرافية).
الترميم المتصل يجعل وصف ما كان عليه أيام الجاهلية أمراً صعباً، وكل ما نتصوره هو أن المسلمين حافظوا على ترتيبه الأول.
ومهما يكن من أمر فإن مما لا ريب فيه أن مباني الدور الإسلامي الأول لم تكن من صنع العرب، وأن عمال البلاد التي دانت لهم هم الذين غيروا معالم الكنائس؛ لتكون موافقة لعبادة المسلمين، وأنهم أقاموا مباني العرب بأنقاض الكنائس، وأن عمال الفرس والروم هم الذين أتيح للعرب، على الأكثر، أن يستخدموهم في سورية ريثما يكونون أهلاً لذلك.
وكان شأن العرب بالنسبة إلى المهندسين الأجانب الذين استخدموهم في دور الفتح كشأن الرجل الغني الذي يقيم لنفسه بيتاً، فكما أن المهندس الذي يرشم بيت ذلك الغني يراعي فيه، لا ريب، ذوقه نرى مهندسي الروم قد راعوا ذوق العرب فيما أقاموا لهم من المباني الأولى، فتجلت عبقرية العرب فيها.
ولم يلبث العرب، بعد أن تحرروا من المؤثرات الأجنبية، أن أصبح لعمارتهم من الأشكال والنقوش الخاصة ما صار يتعذر معه خلطها بغيرها، وإن أمكن أن يرى شيء من الأثر البيزنطي أو الفارسي أو الهندي في بعض زخارفها مع محافظة البناء في مجموعة على طابعه العربي.
ولنبحث الآن في بعض المباني المهمة التي تركها العرب في سورية:
стр. 151
(٤ - ١) جامع عمر
جامع عمر الشهير القائم في القدس هو عند المسلمين أقدس مكان في الأرض بعد الحرم المكي والحرم المدني، وقد كان دخوله، حتى السنين الأخيرة، محرماً على كل أوربي، وإلا قتل، وقد قضى الصليبيون منه أعظم العجب حين اقتحموا القدس، وقد عدوه معبد سليمان، وقد نال شهرة عظيمة في أوربة فأقيمت فيها كنائس كثيرة على طرازه، وقد يكون جامع عمر البناء الديني العالمي الوحيد المقدس عند المسلمين واليهود والنصارى على السواء.
بني جامع عمر على مكان هيكل سليمان الشهير الذي جده هيرودس، وأعجب بأبهته تيطس، ذات ساعة، حين حاول إنقاذه من اللهب، وعلى الصخرة التي أراد إبراهيم ذبح ابنه عليها امتثالاً لأمر الله كما تقول القصة، والأماكن التي تجمع في العالم من الذكريات مثل هذا المكان قليلة إلى الغاية ولا تجد مكاناً اتفق له من التقديس ما اتفق لهذا المكان لا ريب، ففيه كان سليمان يعبد رب اليهود القادر، وعليه كان الرومان يسبحون بحمد ملك الآلهة والناس جو بيتر العظيم، وفيه وضع الصليبيون صورة المسيح، والآن يعبد المسلمون فيه إله النبي محمد.
ولم تكن قيمة جامع عمر بما يثير من الذكريات فقط، بل هو من أهم ما شاده الإنسان أيضاً، وهو أعظم بناء يستوقف النظر في فلسطين بالحقيقة.
ويقوم جامع عمر في وسط ساحة فسيحة يبلغ طولها خمسمائة متر، وتعدل مساحتها ربع مساحة القدس تقريباً، ويحيط بها سور يطلق العرب عليه اسم الحرم الشريف، وتشتمل على مبان مهمة كثيرة نذكر منها المسجد الأقصى على الخصوص.
وأثبتت مباحث علم الآثار الحديثة أن ساحة الحرم القدسي هي ذروة جبل مرية التي مهدها سليمان وسواها وأنشأ عليها هيكله، ووسع ملوك اليهودية، ولا سيما هيرودس، نطاقها مرة بعد مرة، ونرجح أن الصخرة المقدسة الواقعة في وسط جامع عمر كانت أعلى نقطة في ذروة جبل مرية؛ فاحترمها سليمان في أثناء تلك التسوية.
وبني جامع عمر على رقعة من الرخام قائمة الزوايا مرتفعة ثلاثة أمتار من أرض الحرم، وقام جامع عمر على المكان الذي كان فيه هيكل إسرائيل على التحقيق، ويرقى إليه بمراق كثيرة قليلة الدرج تعلوها حنايا مصنوعة على رسم البيكارين قائمة على أعمدة رخامية ذات تأثير حسن جداً.
стр. 152
شكل ١ - ٥: مئذنة عيسى في المسجد الكبير بدمشق.
ويزين تلك الرقعة من الحرم منابر للوعظ ومحاريب للصلاة ... إلخ، ويرى بعض هذه الآثار طريفاً إلى الغاية.
ويخطئ الأوربيون حين يسمون ذلك المسجد جامع عمر، فهذا البناء ليس مسجداً في الحقيقة، ولم ينشئه عمر، وإنما أشار عمر، الذي لم يمكث في القدس سوى زمن قصير، إلى المكان الذي رغب في إقامة مسجد عليه، ويرى مسيو دوفوغيه أن بناء هذا الجامع تم بعد وفاة عمر بمدة طويلة، أي في السنة الثانية والسبعين من الهجرة (٦٩١ م)، ولا يسميه العرب بغير اسم قبة الصخرة؛ لاشتماله، بالحقيقة، على الصخرة المقدسة التي تكلمنا عنها.
стр. 153
شكل ١ - ٦: مدرسة وأساتذتها وتلاميذها في دمشق (من صورة فوتوغرافية التقطها المؤلف).
ويذكرنا ذلك البناء الإسلامي القديم في مجموعه بالطراز البيزنطي، ولكن ملوك المسلمين أصلحوه وأتموه في مختلف الأدوار، فاشتمل على نماذج مهمة للفن العربي في تلك الأدوار.
وجامع عمر مثمن الزوايا، ويدل من أربعة أبواب مقابلة للجهات الأربع، ويكسو الرخام جوانبه السفلية، ويستر الميناء الفارسي الجميل جوانبه العليا التي تم تصفيحها به بعد إنشائه بزمن طويل، أي في زمن السلطان سليمان القانوني (سنة ١٥٦١).
ويتلألأ ذلك الميناء الجميل كالحجارة الكريمة حين تلقي الشمس أشعتها على جامع عمر فيكتسب خارج هذا الجامع منظراً سحرياً خيالياً لا عهد لجوانب المباني الأوربية الدكن بمثله، والمرء قد يفكر في تلك القصور السحرية التي يبصرها بخياله أحياناً، ولكن الخيال دون الحقيقة في أمر جامع عمر.
стр. 154
وليس داخل جامع عمر شيء من التعقيد، ففيه طاقان مثمنان ذوا مركز واحد، ويحاط هذان النطاقان بسياج مدور حول الصخرة الشريفة التي هي في وسط هذا الجامع.
وزينة داخل جامع عمر غنية إلى الغاية، وسيقان أعمدة نطاقه الأول من الرخام المأخوذ من المباني القديمة والمختلف شكلاً وارتفاعاً، وتختلف تيجان هذه الأعمدة في الشكل أيضاً، ويرجع أكثرها إلى أوائل العصر البيزنطي، ويستر أعلى جدران هذا الجامع فسيفساء باهرة ترجع إلى القرن العاشر من الميلاد كما يظن، ويحيط بقاعدة قبته عصابة عريضة مزينة بآيات قرآنية عن المسيح مكتوبة بخطوط كوفية ذهبية.
شكل ١ - ٧: مسجد عمر في القدس (من صورة فوتوغرافية التقطها المؤلف).
وجددت قبة جامع عمر في سنة ١٠٢١ م، أي في زمن ازدهار الفن العربي، وهي ذات زخرف داخلي رائع، أي مكسوة بالفسيفساء والنقوش والرسوم العربية الجميلة المتشابكة المعقدة إلى الغاية.
وداخل المسجد باهر جميعه، فحواجزه مستورة بالميناء والفسيفساء والرسوم الذهبية وصحائف البرونز المطرقة، ونوافه مزينة بقطع زجاجية ملونة في القرن السادس عشر، موصول بعضها ببعض وصلاً منسجماً بالجص، لا بالرصاص كما في أوربة، وينشأ عن هذا الوصل المنسجم ما لا نراه في كنائسنا من الظل والنور.
стр. 155
شكل ١ - ٨: جامع عمر بالقدس (من تصوير المؤلف الفوتوغرافي).
وترى في وسط جامع عمر تلك الصخرة الشريفة التي يقال: إن ملكيصادق وإبراهيم وداود وسليمان كانوا يضحون بقرابينهم عليها، ونرى مع ذلك، أن تلك الصخرة هي ذروة جبل مرية التي احترمها سليمان حين توطئته لهذا الجبل، كما ذكرنا آنفا، فاتخذها مذبحاً في هيكله لا ريب.
ويبلغ طول تلك الصخرة المقدسة سبعة عشر متراً، ويبلغ ارتفاعها مترين، ويحيط بها سياج حديدي مصنوع في زمن الصليبيين، ويشار في الغار الذي تحت تلك الصخرة إلى المكان الذي روي أن داود وسليمان صليا فيه.
وتقول القصة العربية: إن محمداً ذهب على الدابة الخيالية التي تكلمنا عنها آنفاً من ذروة تلك الصخرة ليكلم الله، وتؤيد هذه القصة بوجود سرج رخامي لتلك الدابة لا يزال مرصعاً في قبة الصخرة، وتذهب هذه القصة إلى أن جبريل هو الذي منع تلك الصخرة من مصاحبة محمد في رحلته بعد أن ارتفعت من الأرض بضعة أمتار، وأن تلك الصخرة بقيت معلقة في الهواء منذ ذلك الحين راغبة عن العودة إلى حيث كانت، وهذا ما يردده سدنة جامع عمر للزائرين بإخلاص، ومع ذلك، فقد أتيح لي في أثناء دراستي الطويلة لجامع عمر وحديثي الكثير مع قيمه أن أسأل هذا القيم عن رأيه في ذلك فرأيته ضعيف الإيمان بصحته، وظهر لي أن حاكم القدس العثماني في الوقت الحاضر حظر على سدنة ذلك الجامع رواية هذه الأسطورة للنصارى.
стр. 156
شكل ١ - ٩: داخل مسجد عمر (من صورة فوتوغرافية التقطها المؤلف).
ويعلو قبة جامع عمر هلال عظيم.
ويرى في الحرم، أمام جامع عمر، منبر عربي جميل مصنوع من الرخام الأبيض وتعلوه قبة صغيرة قائمة على حنايا مصنوعة على شكل نعل الفرس، ويسمى هذا المنبر منبر عمر وإن أنشئ بعد عمر بزمن طويل، أي في القرن الخامس عشر من الميلاد.
ونذكر من بين الأبنية المهمة القائمة في الحرم البناء المعروف بقبة السلسلة أو محكمة داود، وهذا البناء جوسق حجري أنيق مبني على الطراز البيزنطي ومستور بالميناء الفارسي، وتقول القصة: إن محكمة داود كانت قائمة هنالك.
стр. 157
(٤ - ٢) المسجد الأقصى
بني المسجد الأقصى في الحرم القدسي، وهو قديم أيضاً، وأصل المسجد الأقصى كنيسة بناها القيصر جوستنيان تبجيلاً للعذراء، وحولها العرب إلى مسجد بأمر الخليفة عمر، ثم هدم الزلزال المسجد الأقصى، وجدد بناؤه في سنة ٧٨٥ م، ثم نالته يد الإصلاح وأكسبته مسحة عربية مع الزمن، ولو في الجزئيات على الأقل، ثم رممه صلاح الدين في سنة (٥٨٣ هـ /١١٨٧ م)، ثم جدد في القرن الخامس عشر من الميلاد، بعض أجزائه، كرواقه مثلاً.
ويشتمل المسجد الأقصى على أعمدة أخذت من مبان كثيرة، ونرجح أن صحونه المركزية، التي هي على الطراز البيزنطي، أنشئت في القرن السابع.
وأقواس المسجد الأقصى مصنوعة على رسم البيكارين على العموم، وسكن الصليبيون المسجد الأقصى، واتخذوا دهليزه مستودعاً لأسلحة فرسان الهيكل.
ويحتوي المسجد الأقصى على محراب أنيق مزين بالفسيفساء، وتدل كتابته على أن صلاح الدين هو الذي أنشأه في سنة (٥٨٣ هـ/١١٨٧ م)، وأقيم منبره العجيب المصنوع من الخشب المنقور المرصع بالعاج والصدف في سنة ٥٦٤ هـ/١١٦٨ م) ويعود زجاج نوافذه التي تعلو محرابه إلى القرن السادس عشر من الميلاد.
ويرى في جانبي المسجد الأقصى كوتان طريقتان للصلاة؛ أحدهما: ذات أعمدة مبرومة، وحنايا مصنوعة على رسم البيكارين، وتدعي محراب عمر على زعم أن عمر صلى فيه، وتدعى الأخرى: محراب زكريا عادة.
(٤ - ٣) المباني العربية الأخرى في القدس
مباني العرب الأخرى في القدس أقل أهمية مما ذكرناه آنفاً، ونكتفي بأن نذكر منها: باب دمشق الجميل الذي جدد السلطان سليمان بناءه، وإن شئت فقل رممه، في سنة (٩٤٤ - ١٥٣٧ م).
ونحن إذا استثنينا المباني الأثرية الأخرى القليلة، ككنيسة القيامة، لم نر في القدس غير المباني العصرية، وللنفوذ الأوربي في القدس أثر ظاهر مؤد إلى نزع طابعها الشرقي بالتدريج، والمرء حينما يقترب من القدس عن طريق يافا، يشعر بتبدد أحلامه، فهو يرى أديار الرهبان والمشافي والقنصليات الكثيرة فيظن نفسه في ضاحية إحدى المدن الكبيرة،
стр. 158
ومن يرغب في اجتلاء عظمة القدس وجلالها فليصعد في جبل الزيتون على الخصوص، ثم ليرجع البصر ليرى القدس الزاخرة بالقباب والمآذن والأسوار والبروج ذات الشرفات والبيوت ذات الباحات.
وما في القدس من الذكريات يكفي وحده؛ لجعلها موضع تمجيد، ولاجتذاب الحجاج إليها من أقصى أقطار الأرض، ويا لسحر تلك الذكريات ويا لروعتها في قلوب المؤمنين الذين يزورون القبر المقدس وجبل الزيتون ووادي قدرون ووادي يهوشافاط وضريح العذارء وتربة ملوك اليهودية والطريق المقدس وجبل صهيون ... وما إلى ذلك من الأمكنة التي تكثر في الجوار!
ومهما يكن المرء ملحداً فإنه لا يستطيع ألا يكترث للقدس التي هي منبت إحدى الديانات الكبرى، ويخيل إلى الإنسان أن ظل المسيح يشرف على القدس التي شهدت وفاته، ولا يزال اسمه يطن فيها، وليس بجائز أن يبحث بحثاً عميقاً في أمر هذه الأماكن المقدسة؛ لما في هذا من حط لنفوذها، والخيال الذي أملاه الإيمان المتين هو الذي دل عليها مع ضياع أثرها منذ زمن طويل، فهل تلك الحديقة هي حديقة الزيتون التي ندب المسيح فيها حظه؟ وهل تلك الطريق هي الطريق التي مشى عليها المسيح ليصلب؟ وهل ذلك القبر الذي يعظمه النصارى هو القبر الذي ضم جثمان المسيح بعد موته؟
إن علم الآثار الحديث شديد في أجوبته عن هذه الأسئلة، فهو يقول: إن القدس الحاضرة قائمة، عدة أمتار، على أنقاض القدس الماضية التي أمر بهدمها تيطس، فيتعذر رسم خططها القديمة، ولكن الإيمان وحده يكفي المؤمن، ولا غرو، فالإنسان لا يقدس غير الخيالات، والقديم منها أكثر ما يكرم؛ لأنه أكثر ما أكرم.
(٤ - ٤) برج الرملة العربي
أذكر برج الرملة من بين مباني العرب القديمة القليلة في سورية، ويقوم هذا البرج بالقرب من مدينة الرملة الصغيرة الواقعة بين القدس ويافا.
ويسمي العرب برج الرملة ببرج الشهداء الأربعين، ويؤكد العرب أنه دفن فيه أربعون شهيداً من المسلمين.
وبرج الرملة مثال جميل لفن العمارة العربية، وهو مربع الشكل، ويدخله النور من نوافذ مصنوعة على رسم البيكارين، وتبلغ ذروته بمرقاة مؤلفة من? ? ? درجة لا تزال في حالة جيدة خلا الدرجات الأخيرة منها.
стр. 159
شكل ١ - ١٠: سقف الرواق الأول الداخلي في جامع عمر (من صورة فوتوغرافية التقطها المؤلف).
وعد بعضهم برج الرملة أثراً صليباً، وهو يذكرنا بالطراز الذي نقله الصليبيون إلى أوربة في الحقيقة، ولكنه لا ينبغي الشك في أصله العربي الثابت بدقائقه وفن بنائه، وبالكتابة التي تدل على أنه أنشئ في سنة (٧٠٠ هـ/١٣١٠ م)، والتي تطابق ما رواه أحد مؤرخي العرب من أن ابن السلطان قلاوون هو الذي بناه، وتنفي الحالة التي عليها الحجر المنقوشة عليه تلك الكتابة كل احتمال بإضافة هذا الحجر مؤخراً إلى برج الرملة.
(٤ - ٥) مباني العرب في دمشق
ذكرنا، حين بحثنا في أحوال العرب قبل ظهور محمد، أن دمشق كانت مستودع تجارة الشرق في فجر التاريخ، وكان العرب يعرفون دمشق قبل ظهور محمد بعدة قرون لجلبهم محاصيل بلادهم إليها، وكانت دمشق جنة الدنيا في نظرهم، وكانت دمشق من
стр. 160
أروع مدن العالم في غابر القرون كما هي الآن، ودمشق هي التي قال القيصر جوستنيان إنها «نور الشرق.»
شكل ١ - ١١: محراب زكريا في المسجد الأقصى (من صورة فوتوغرافية التقطها المؤلف).
وكانت دمشق من الأهمية ما اتخذها العرب معه عاصمة لدولتهم بدلاً من المدينة، كما قامت بغداد مقام دمشق بعد زمن طويل.
وظلت دمشق مركزاً كبيراً للتجارة والعلوم والصناعة في الشرق حتى بعد أن عادت لا تكون عاصمة لدولة العرب، وكانت لمدرستها الطبية ومرصدها الفلكي وقصورها ومساجدها شهرة عالمية.
وظلت دمشق، التي كانت معاصرة لدور الأهرام، موجودة مع استيلاء الآشوريين والميديين والمصريين والفرس والأفارقة والرومان والعرب والترك عليها بالتتابع، ولكن انتهابها وإحراقها مما أتي على قصورها تقريباً.
والعرب، وإن زالت سيادتهم عن دمشق، يملكونها بدينهم وعاداتهم ولغتهم، وقد تكون دمشق من أكثر مدن العالم اصطباغاً بصبغة العرب، وقد نجت دمشق من النفوذ
стр. 161
شكل ١ - ٢٢: محراب عمر في المسجد الأقصى (من صورة فوتوغرافية التقطها المؤلف).
الأوربي تماماً؛ لعطلها من مكان للأوربي إلا نادراً، وذلك خلافاً لبقية سورية، وليست دمشق كالقاهرة التي تتفرنج كل يوم مع أن العرب هم الذين أنشأوا القاهرة، وثبت ملكهم فيها عدة قرون، ومع أن القاهرة تشتمل على أبنية عربية أعظم قيمة مما في دمشق.
وعلى من يريد أن يطلع على طبائع الشرق، وأن يرجع إلى منبع التاريخ، ويعيش في الماضي، أن يزور دمشق.
وتبدو دمشق ذات المآذن الجميلة، وغوطتها للناظر من بعيد ذات منظر ساحر أجمع السياح على امتداحه وإن لم أره يعدل منظر القاهرة الفتان من فوق قلعتها، قال مسيو دافيد:
يرى السائح الذي يقترب من دمشق أنه لا شيء يعدل عظمتها وروعتها وسحرها، فلدمشق غوطها النضرة التي تقع بين سهل واسع، والتي تتخللها منازل القوم وحدائقهم، والتي تحيط بأغرب ما في الدنيا وأسطع ما فيها
стр. 162
من أسوار خلافاً لمعاقل الغرب الشاحبة الكامدة القذرة، وتبدو هذه الأسوار، المؤلفة من حجارة صفر وسود مدورة ومربعة ومثلثة على ألف شكل مع الانسجام، خملة موشاة بالزبارج كما وصفها شعراء الشرق.
وليس ذلك النطاق كل ما يبدو للأعين، فهنالك أسوار في داخل المدينة تفصل بين أحيائها، وهنالك أسوار ذات أبراج مربعة قائمة على جوانبها، وهنالك أسوار تعلوها زخارف على شكل عمائم.
ولكن هذا ليس سوى المرحلة الأولى من المنظر، فصميم المدينة أسنى وأبهى، وهو يتألف من أشجار تألفه من بيوت، وذلك أن هنا صفا من شجر السرو، وهنا محلاً للنزهة، وهناك أقواساً عربية، وهناك سوقاً للأخذ والعطاء، وهنالك نخلاً تهز رؤوسها الجميلة فوق حوض على شكل نصف دائرة لعين عظيمة، وهنالك أشجاراً مثمرة مصفوفة على شكل رقاع الشطرنج داخل قصر إسلامي، ثم هنالك أكثر من ألف قبة تعلوها الأهل النحاسية والمآذن الرفيعة القائمة على جوانبها.
ولتلك الروضة المزهرة أشجار عالية وحدائق جميلة ذات وقع في النفوس كأشعة الشمس الوهاجة، ولها شعب بردى السبع التلوية الفضية التي تهب دمشق سحر الألوان أيضاً تلك هي دمشق التي يسميها العرب بالشام، والشام ما يسمي به العرب بلاد سورية.
والأوربي، حين يدخل دمشق التي يسميها العرب درة الشرق، لا تستهويه أول وهلة، وإنما تؤثر فيه طرق معوجة قذرة تقوم على طرفيها بيوت خربة ذات جدران مصنوعة من طين وتبن، وتؤثر فيه أعفار تعمي الأبصار بما لا يتصوره الإنسان، ولا يزول هذا التأثير السيئ عن الأوربي إلا بعد تألفها.
وتجارة دمشق الواسعة القائمة بينها وبين بقية الشرق تمنحها حياة عظيمة وطابقاً شرقياً خاصاً، والقوافل التي تأتي من بغداد توصل إليها منتجات فارس والهند، وتحمل القوافل إلى ذينك البلدين نسائجها الحريرية المشهورة وبزوزها وجلودها المدبوغة ونحاسها المكفت بالفضة.
وأقول، مكرراً: إنه يجب على من يرغب في اجتلاء الشرق وألوانه اللامعة أن يزور دمشق، وأهم ما يستوقف النظر في هذه المدينة القديمة ويبدو متنوعاً هو طرقها
стр. 163
وأسواقها التجارية الطريفة، واستجلاء أمثلة مختلف أمم الشرق في بضع ساعات، ففيها يرى الفرس ذوو القلانس الفروية والخناجر الزنارية، ويرى السوريون ذوو الحُلل المخططة والكوفيات والعقل الوبرية، وترى النساء العربيات ذوات المآزر البيض التي تلمع عيونهن المتوقدة من خلالها، ويرى الدمشقيون ذوو الطرابيش الحمر أو العمائم البيض والألبسة الحريرية المخططة بخطوط بيض وسود والمشدودة بزنانير، ويرى حجاج البيت الحرام ذوو الثياب الرثة، ويرى قواسو القناصل ذوو السياط والملابس الموشاة الزرق والخطوات الموزونة، ويرى الموظفون العثمانيون ذوو الأردية الرسمية القاتمة، ويرى فرسان الدروز ذوو العجب المنطقون بالسلاح والراكبون عتاق الخيل التي تعلوها سروج جلدية قرمزية مزينة بقطع لامعة من الذهب والفضة، وترى قطر الجمال يحرسها تجار آتون من كرمان والأناضول وشواطئ الفرات، ويرى الأكراد والأعراب والأرمن والموارنة واليهود وروم الأرخبيل، ويرى في هذه الأخلاط اختلاف في الألوان كالذي يرى في قوس قزح، ويرى فيها ذوو البياض الناصع وذوو السواد الحالك وذوو الألوان التي بين اللونين.
وقد خيل إلي، حينما كنت جالساً على متكأ في إحدى القهوات العربية بدمشق، وكنت أتأمل أولئك الناس من خلال دخان نارجيلتي، أي من خلال هذا المنظار السحري الغريب، أن قدرة ساحرة نقلتني من فوري، ولساعة، إلى بيئة حاوية لأمم آسية في غابر الأزمان.
أجل، رأيت، على ما يحتمل، منظراً ممنوعاً كذلك على الجسر الممتد من غلطة إلى الضفة الأخرى من القرن الذهبي في الآستانة، ولكن العنصر الأوربي هو الغالب هنالك مقداراً فمقداراً، ومن ثم أرى أن الشرق عاد لا يتجلى وحده في الآستانة مع ما فيها من الأمثلة المتباينة لمختلف شعوب العالم.
ويستعذب علماء الآثار وهواة التحف ورجال الفن طول الإقامة بدمشق؛ لما يجدون فيها من بقايا المباني ما يتطلب وصفة مجلداً ضخماً، وما يخشى أن يزول بعد زمن قليل لتداعيه يوماً بعد يوم، ويرى في كل خطوة من ضاحية الميدان الواقعة على مدخل طريق مكة أنقاض مساجد وعيون وأبنية أخرى ترجع إلى ما قبل مئتي سنة أو ثلاثمائة سنة، وتشتمل على ضروب من الزينة القديمة وفق تقاليد العرب، ويشاهد في تلك الآثار أثر للفن الفارسي غير قليل.
стр. 164
ويمكن الباحث أن يلاحظ في دمشق وحدها قصوراً على الطراز العربي القديم مشتملةً على وسائل الراحة والرفاهية مع الذوق لا يرى مثلها في أرقى مساكن أوربة، ومن دواعي الأسف أن نرى سنة الكون تجري حكمها على هذه القصور فتزول.
شكل ١ - ١٣: محراب المسجد الأقصى ومنبره بالقدس (من تصوير المؤلف الفوتوغرافي).
وبما أنني سأتكلم في فصل آخر عن أحد هذه القصور فإنني أكتفي الآن بذكر الجامع الكبير الذي هو أقدم مباني دمشق.
بني الجامع الكبير، الذي يرجع قسم منه، على الأقل، إلى ما بعد الهجرة بزمن قليل، على أنقاض معبد وثني حوله النصارى إلى كنيسة، ثم التهمته النيران في سنة (٤٦١ هـ/ـ ١٠٦٩ م) فجدد بناؤه، وهو دون ما كانت عليه حالته الأولى، وأقل أهمية من مساجد القاهرة على الخصوص.
وأقيم جامع دمشق الكبير على هيئة المساجد الإسلامية الأولى، فهو يتألف مثلها من ساحة كبيرة قائمة الزوايا ذات أروقة خصص بعضها للصلاة، وأقيمت على أركانها مآذن، وسنصف في الفصل الذي نتكلم فيه عن عرب مصر مساجد كثيرة من هذا الطراز.
وروى مؤرخو العرب أن الرخام النادر كان يستر أسفل جدران ذلك المسجد الجامع، وأن الفسيفساء كانت تستر أعلاها كما تستر قبته، وأن سقفه كان مصنوعاً من الخشب
стр. 165
شكل ١ - ١٤: برج الرملة (من صورة فوتوغرافية).
المموه بالذهب، وأن مصابيحه، وعددها ستمائة، كانت من الإبريز، وأن محاريبه كانت مرصعة بالحجارة الثمينة.
ولم يبق من تلك الزينة سوى الشيء القليل، وتزين جدرانه الآن خطوط جميلة، ويزين نوافذه زجاج ذو ألوان كثيرة، ويشاهد في مواضع منه أثر للفسيفساء القديمة.
ويشتمل ذلك الجامع الكبير على مئذنتين مربعتي الشكل، وعلى مئذنة ثالثة أنيقة مثمنة الشكل ذات أروقة منضدة ومنتهية بكرة وهلال، ومئذنة العروس أقدم هذه المآذن
стр. 166
الثلاث، وترجع في قدمها إلى القرن الأول من الهجرة كما يعتقد، ومئذنة عيسى، وهي إحدى هذه المآذن، مربعة الشكل، وتقول القصة العربية: إن عيسى سينزل على ذروتها يوم الحساب لا ريب.
ظهر مما تقدم أن العرب احترموا منذ دور الفتح الأول، آثار الأمم التي ملكوها ولم يفكروا في غير الانتفاع بحضارتها وترقيتها، وذلك خلافاً لكثير من الأمم الفاتحة التي جاءت بعدهم، وأن العرب الذين كانوا أميين في بدء الأمر لم يلبثوا أن فاقوا أساتذتهم، وأنهم تعلموا بسرعة ما كانوا يجهلون من فنون الحرب، واستعمال آلات الحصار الرومية؛ فسبقوا أعداءهم في ذلك، وأنهم بعد أن كانوا مبتدئين في العلوم والفنون ماثلوا الأمم الأخرى فيها بفضل ما أنشأوا من المدارس ثم تقدموها، وأنهم، بعد أن كانوا غير عالمين بفنون العمارة، وبعد أن استخدموا مهندسين من الروم والفرس في تشييد مبانيهم، استطاعوا بالتدريج أن يتخلصوا كل الخلاص من كل مؤثر أجنبي بما أحدثوا من التغيير والتبديل في فنون العمارة وفق ذوقهم الفني كما نرى ذلك عما قليل.
هوامش
стр. 167
الفصل الثاني
العرب في بغداد
(١) حضارة العرب في الشرق في دور الخلافة ببغداد
دور الخلافة في بغداد بآسية ودورها في قرطبة بإسبانية أنضر أدوار الحكم العربي، ولا استقلت تانك الدولتان بسرعة، وفضلت بينهما مساوف عظيمة، كان لهما أصل واحد ودين واحد ولغة واحدة، تقدمتا تقدماً متوازياً عدة قرون، وكانت المدينتان الكبيرتان، بغداد وقرطبة، وهما القاعدتان اللتان كان السلطان فيهما للإسلام من مراكز الحضارة التي أضاءت العالم بنورها الوهاج أيام كانت أوربة غارقة في دياجير الهمجية.
ولم يلبث دور ازدهار حضارة العرب أن بدأ بعد أن فرغوا من فتوحهم، وما بذلوا من الجهود في الوقائع الحربية في البداءة وجهوا مثله إلى الآداب والعلوم والصناعة، فتقدموا في الفنون السلمية مثل تقدمهم في الفنون الحربية.
ورأينا أن دمشق أصبحت عاصمة دولة الأمويين العربية بعد المدينة، فلما قبض العباسيون على زمام الخلافة في سنة (١٣٢ هـ/٧٤٠ م) عزموا على تبديل العاصمة، فأقاموا بالقرب من بابل وعلى شاطئ دجلة، مدينة بغداد التي لم تلبث أن صارت أشهر مدن الشرق.
ولم يبق من المباني التي شادها الخلفاء في بغداد مثل ما بقي في سورية، ولكن ما انتهى إلينا من آثار العرب في العلم والأدب في ذلك الدور وما ورد في كتب مؤرخيهم يكفي لتمثل حضارتهم في القرن التاسع من الميلاد، وما نذكره الآن، وما ندرسه في الفصول الآتية من تاريخ العلوم والفنون، يلقي نوراً على ناحية مهمة من نواحي الحضارة العربية لم نوضحه في الفصل السابق.
بلغت بغداد ذروة الرخاء في عصر بطل رواية ألف ليلة وليلة هارون الرشيد الشهير (٧٨٦ م-٨٠٩ م) وابنه المأمون (٨١٣ م-٨٣٣ م) وصارت أهم مدن الشرق، وذاع صيت
стр. 168
الرشيد، وطبق الآفاق، فأرسلت بلاد التتر والهند والصين رسلاً إلى بلاطه، وأرسل عاهل الغرب الحقيقي وصاحب الحول والشوكة، الإمبراطور شارلمان، الذي كان يملك ما بين المحيط الأطلنطي ونهر الإلب، وهو الذي لم يملك غير أناس من الهمج - وفداً ليبلغ الرشيد أطيب تحياته، ويلتمس منه الحماية لحجيج القدس، فأجابه الرشيد إلى سؤاله، ورد إليه وفده مع هدايا عظيمة، ومن بينها فيل مجهز بأفخر جهاز، والفيل كانت تجهله أوربة تماماً، ولآلئ وجواهر وحلي وعاج وعطور ونسائج حريرية وساعة دقاقة تدل على الوقت، وقد قضى إمبراطور الغرب شارلمان العجب من هذه الساعة هو وحاشيته المتبربرون اللذين لم يكن بينهم من قدر على إدراك كنهها، والذين حاول شارلمان عبثاً أن يحملهم على إحياء حضارة الرومان.
وجلس الرشيد على عرش الخلافة في الثالثة والعشرين من سنيه، وكان تنظيم شؤون دولته الواسعة أول ما فكر فيه، فوصلت ولايات الدولة بوسائل نقل منظمة، وأنشئت مرابط؛ لتتمكن الرد بها من قطع المساوف الكبيرة على عجل، وغني بحمام الزاجل لربط ما بين المدن بالرسائل كما هو واقع بين بعض المدن في الوقت الحاضر، وكانت إدارة البريد ببغداد من أهم وظائف الدولة كما في أوربة الحديثة.
وكان الولاة على رأس الولايات، وكانوا يمتثلون أوامر الخليفة، وكان يقوم مقام الخليفة في الولايات النائية، كشمال إفريقية، أمراء وراثيون استقلوا مع الزمن استقلالاً تاماً.
وكانت مالية الدولة دقيقة الضبط، وكان دخل الدولة قائماً على الجزية والخراج والمكوس وإحياء الموات واستخراج المعادن، وروى مؤرخو العرب أن دخل الخلافة السنوي بلغ مئتي مليون فرنك، أي مبلغاً عظيماً في ذلك الزمن.
وكان يقوم بأعمال الجباية لجنة تدعى الديوان، قال ابن خلدون: «إن ديوان الأعمال والجبايات من الوظائف الضرورية للملك، وهي: القيام على أعمال الجبايات، وحفظ حقوق الدولة في الدخل والخرج، وإحصاء العساكر بأسمائهم وتقدير أرزاقهم وصرف أعطياتهم في إباناتها، والرجوع في ذلك إلى القوانين التي يرتبها قومة تلك الأعمال وقهارمة الدولة، وهي كلها مسطورة في كتاب شاهد بتفاصيل ذلك في الدخل والخرج مبني على جزء كبير من الحساب لا يقوم به إلا المهرة من أهل تلك الأعمال، ويسمى ذلك الكتاب بالديوان، وكذلك مكان جلوس العمال المباشرين لها.»
стр. 169
وكانت إدارة الدولة موزعة بين أربعة دواوين مماثلة لدواوين الزمن الحاضر: وهو ديوان الغنائم ونفقات الجند، وديوان الضرائب، وديوان الجباية، وديوان رقابة الدخل والخرج.
وكانت جميع أوامر الخلفاء تكتب في سجل مصون؛ ليرجع إليها فيه من يأتون بعدهم.
وكان الوزير مرجع شؤون الدولة الأعلى، وكان أكثر الخلفاء يتركون له مقاليد الحكم تماماً، ويشابه منصبه في عصر الخلفاء منصب رئيس الوزراء في أيامنا.
ولم تكن الشرطة في عهد الخلفاء أقل انتظاماً من البريد والمالية، وكانت للتجار نقابة مسئولة لرقابة أمور البيع والشراء ومنع الغش والتدليس.
وكانت انتظام مالية الخلفاء سبباً في القيام بأعمال عظيمة تعود على الناس بالخير، كتعبيد الطرق وإنشاء الفنادق والمساجد والمشافي والمدارس في جميع نواحي الدولة، ولا سيما بغداد والبصرة والموصل ... إلخ.
واتسع نطاق الزراعة والصناعة، واشتهر نبيذ شيراز وأصبهان، وصار يصدر إلى البلاد البعيدة، وأنشئت مصانع للنسائج الحريرية في الموصل وحلب ودمشق، وصار العرب يستغلون الممالح ومناجم الكبريت والرخام والحديد والرصاص ... إلخ، بطرق فنية.
ووسعت دائرة التعليم العام، واستدعي الأساتذة من مختلف أقطار العالم، وبلغ علم الفلك درجة رفيعة من التقدم، وانتهى إلى نتائج لم ينته إليها الأوربيون إلا في العصر الحاضر، كقياس دائرة نصف النهار، ونقلت إلى اللغة العربية كتب علماء اليونان واللاتين، ولا سيما كتب الفلسفة والرياضيات، وصارت تدرس في جميع المدارس، وبحث العرب في آثار القدماء، فسبقوا الأوربيين إلى ذلك ببضعة قرون.
وأقدم العرب على تلك المباحث، التي لم يكن لهم عهد بها، بشوق ونشاط، وأكثروا من إنشاء المكتبات العامة والمدارس والمختبرات في كل مكان، وكانت لهم اكتشافات مهمة في أكثر العلوم كما سترى ذلك في الفصول التي ندرس فيها تفاصيل حضارتهم.
وترى من الخلاصة السابقة أن العرب بلغوا درجة رفيعة من الثقافة بعد أن أتموا فتوحهم بزمن قصير، ولكن الإدارة الرشيدة والفنون المعقدة كالتعدين وطراز العمارة، والعلوم كعلم الفلك؛ إذ كانت مما لا يأتي عفواً لم يفعل العرب غير مواصلة الحضارات التي ظهرت قبلهم، كالحضارة اليونانية اللاتينية، فكانت لهم مبتكرات فيما ورثوه من
стр. 170
علومها وفنونها وطرق حكمها، وكانوا بذلك على نقيض الروم الذين سلموا إلى العرب تراث تلك الحضارات من غير أن ينتفعوا به، والذين سقطوا في أسفل دركات الانحطاط.
شكل ٢ - ١: مسجد أورفة (العراق، من تصوير فلاندان).
وكان حب العرب للعلم عظيماً، ولم يترك الخلفاء في بغداد طريقاً لاجتذاب أشهر العلماء ورجال الفن في العالم إلا سلكوها، ومن ذلك أن شهر أحد أولئك الخلفاء الحرب على قيصر الروم؛ ليأذن لأحد الرياضيين المشهورين في التدريس ببغداد.
وكان العلماء ورجال الفن والأدباء من جميع الملل والنحل، من يونان وفرس وأقباط وكلدان، يتقاطرون إلى بغداد، ويجعلون منها مركزاً للثقافة في الدنيا، وقال أبو الفرج عن المأمون إنه «كان يخلو بالحكماء، ويأنس بمناظرتهم، ويلتذ بمذاكرتهم علماً منه بأن أهل العلم هم صفوة الله من خلقه ونخبته من عباده ... فلهذا السبب كان أهل العلم مصابيح الدجى وسادة البشر، وأوحشت الدنيا لفقدهم.»
وكان أولئك يحيطون بخلفاء بغداد، وكان يمكن هؤلاء الخلفاء أن يعدوا قصرهم أول قصور العالم وأنضرها، وتتجلى لنا أبهة بغداد الشرقية بالقول الآتي الذي وصف به المؤرخ العربي، أبو الفداء، استقبال أحد الخلفاء العباسيين لسفير قيصر الروم في سنة ٣٠٥ هـ.
قال أبو الفداء:
стр. 171
قدم رسل ملك الروم إلى بغداد، فلما استحضروا عبئت لهم العساكر وصفت الدار بالأسلحة وأنواع الزينة، وكان العساكر المصفوفون حينئذ مائة ألف وستين ألفاً ما بين راكب وواقف، ووقف الغلمان ذوو الزينة الحجرية والمناطق المحلاة، ووقف الخدام الخصيان كذلك، وكانوا سبعة آلاف، أربعة آلاف خادم أبيض وثلاثة آلاف خادم أسود، ووقف الحجاب كذلك، وهم حينئذ سبعمائة حاجب، وألقيت المراكب والزوارق في دجلة بأعظم زينة، وزينت دار الخلافة، فكانت الستور المعلقة عليها ثمانية وثلاثين ألف ستر، منها اثنا عشر ألفاً وخمسمائة ستر من الديباج المذهب، وكانت البسط اثنين وعشرين ألفاً، وكان هناك مائة سبع مع مائة سباع، وكان في جملة الزينة شجرة من ذهب وفضة تشتمل على ثمانية عشر غصناً، وعلى الأغصان والقضبان الطيور والعصافير من الذهب والفضة، وكذلك أوراق الشجرة من الذهب والفضة، والأغصان تمايل بحركات موضوعة، والطيور تصفر بحركات مرتبة، وشاهد الرسل من العظمة ما يطول شرحه، وأحضروا بين يدي المقتدر، وصار الوزير يبلغ كلامهم إلى الخليفة، ويرد الجواب عن الخليفة.
شكل ٢ - ٢: عبور الفرات عند بيره جك (من تصوير فلاندان).
стр. 172
وكانت قوة الخلفاء الحربية في بغداد تناسب أهمية دولتهم، ويمكننا اجتلاء ما كانت عليه من الهيبة في الخارج بما أكره عليه قيصر بيزنطة الوارث لعظمة اليونان والرومان من دفع الجزية حين تمتنع عن إعطائها عبثاً، فلما رفض خليفة الإمبراطورة إيرين، القيصر نيقفور، إعطاء الجزية في كتاب أرسله إلى الخليفة هارون الرشيد أجابه هارون الرشيد بالكتاب الموجز العنيف الدال على درجة الاحتقار الذي أضحى عرضة له أبناء اليونان والرومان الضعفاء، وإليكه:
بسم الله الرحمن الرحيم، من هارون الرشيد أمير المؤمنين إلى نيقفور كلب الروم، قد قرأت كتابك يا ابن الكافر، والجواب ما تراه، لا ما تسمعه.
رأى «كلب الروم» الجواب، فقد خرب هارون الرشيد بلاده تماماً، وأرغم قيصر القسطنطينية النصراني على دفع الجزية إلى أمير المؤمنين.
ومن الإنصاف أن عد سلطان العرب السياسي في عصر الرشيد وابنه المأمون أقصى ما انتهى إليه سلطان العرب في الشرق، فقد كانت بلاد الصين حداً لدولة العرب في آسية، ودحر العرب قبائل إفريقية المتوحشة إلى حدود بلاد الحبشة، ودحروا الروم إلى البسفور، ولم يقفوا في الغرب إلا عند المحيط الأطلنطي، والحق أن هؤلاء القوم الشجعان الذين لبوا دعوة محمد، وغدوا أمة واحدة، أقاموا دولة بلغت ما بلغته دولة الرمان من الاتساع في أقل من قرنين، وأن هذه الدولة بدت أكثر دول الأرض هيبة وتمدناً.
بيد أن مصير الدول الحربية العظمى المطلقة تابع لاقتدار ولاة أمورها، فإذا كان هؤلاء الولاة من العباقرة، كهارون الرشيد وابنه المأمون، أينعت تلك الدول وتقدمت، وإذا لم يكونوا أبناء بجدتها هبطت بسرعة أعظم من التي قامت بها.
ولم يكن كثيراً على أعاظم الرجال أن يحفظوا للخلافة هيبتها تجاه ما كان يبدو من تفرق كلمة العرب في أنحاء الدولة، وتجاه الأمم التي دحروها حيناً من الزمن من غير أن يقوضوا أركانها، وقد استقل البربر بعيد استقلال الأندلس، وقد أخذ الترك يقبضون بدسائسهم على السلطة التي سينالونها كاملة بسلاحهم ذات يوم.
ولم تخب شعلة الخلفاء العباسيين إلا في القرن العاشر من الميلاد، ولكن الخلافة العباسية كانت قد خسرت سلطانها منذ زمن طويل حينما غابت عن التاريخ.
لم يكن الترك الذين جيء بهم إلى بغداد من غير الأسري أو الموالي الذين أعجبت الخلفاء قدودهم ففوض الخلفاء إليهم أمر حراستهم، ولم يلبث هؤلاء الموالي أن صنعوا
стр. 173
كما صنع المماليك بمصر، فانفردوا بالأمر غير تاركين لسادتهم الخلفاء سوى سلطة اسمية.
ولم يقدر الخلفاء على مقاومة جميع المطامع التي كانت تحيق بهم، فانقسمت دولتهم إلى إمارات مستقلة، فلما توارى آخر العباسيين عادت بغداد لا تستطيع الادعاء بلقب آخر غير كونها الملجأ الأول لعلوم الشرق وآدابه.
شكل ٢ - ٣: منظر في بغداد بالقرب من مسجد أحمد كهيا (من تصوير فلاندان).
والمغول هم الذين قضوا على الخلافة العباسية، والمغول جيل من الآدميين البدويين يؤلف مع الترك عروقاً مختلفة تعد منها أجلاف هضبة آسية الوسطى الواسعة التي تحدها الجبال الفاصلة لها عن سيبرية من الشمال، والتي تحدها الصين والتبت وبحر قزوين من الجنوب، ويرى علماء وصف الإنسان ولا سيما صديقي العالم الأستاذ دالي، أن الترك والمغول والمماليك، وأهل التبت على ما يحتمل، من أصل واحد يدعي الأرومة المغولية، وظاهرة هذه الأرومة هي هيئة وجوهها الخاصة وجلودها المصفرة الكامدة وشعورها المسندرة ... إلخ، ولا نزال نجد شبها بين التركمان والمغول، ومثل هذا الشبه كان موجوداً في غابر القرون بين الترك الخلص والمغول لا ريب، فقد ذكر رشيد الدين في تاريخه عن المغول، الذي ألفه في القرن الثالث عشر، أن المغول والترك متشابهون تشابهاً يستوقف النظر، وأن اسم هذين الجيلين كان واحداً في غابر الأزمان.
стр. 174
ومن المستحيل أن ترى اليوم قرابة بين المغول وترك أوربة، ويرجع ذلك، لا ريب، إلى تزوجهما في قرون كثيرة بنساء من العرق القفقاسي كالكرجيات والشركسيات، والفارسيات على الخصوص.
واستولى المغول على بغداد سنة (٦٥٦ هـ/١٢٥٨ م) وخربوها تماماً، وخنقوا آخر العباسيين، المستعصم بالله، بأمر رئيس الغالبين «هولاكو» ونهبوا ما في بغداد من الأموال، وحرقوا كتبها التي جمعها قبل هذه الكارثة الهائلة محبو العلم وألقوها إلى نهر دجلة، فتألف منها جسر كان يمكن الناس أن يمروا عليه رجالاً وركباناً، وأصبح ماء دجلة أسود من مدادها، كما روى قطب الدين الحنفي.
شكل ٢ - ٤: منظر في بغداد (من تصوير فلاندان).
ولكن أولئك الوحوش الضارية الذين أضرموا النار في المباني، وأحروقوا الكتب، وخربوا كل شيء نالته أيديهم خضعوا لسلطان حصارة المغلوبين بدورهم، حتى إن «هولاكو» الذي خرب بغداد وأمر بجر جثة آخر العباسيين تحت أسوارها بهرته عجائب حضارة العرب الجديدة في نظره، فلم يلبث أن صار من حماتها، وفي المدرسة العربية تمدن المغول، واعتنقوا دين العرب وحضارتهم، وشملوا متفنني العرب وعلماءهم برعايتهم، وأقاموا في بلاد الهند دولة قوية عربية من فورهم كما يمكن أن يقال، وذلك
стр. 175
لأنهم أحلوا حضارة العرب محل الحضارة القديمة، ولأن سلطان حضارة العرب لا يزال مسيطراً هناك حتى اليوم.
شكل ٢ - ٥: منظر في بغداد (من تصوير فلاندان).
أجل، قامت بغداد من تحت الأنقاض، ولكن الترك استولوا عليها بعد ثلاثة قرون فأصيبت بانحطاط تام، فغابت عنها المكتبات ورجال الفن والعلماء إلى الأبد.
واليوم لا تزال بغداد مركزاً مهماً بفضل موقعها التجاري، ولكنها مدينة عصرية لا تجد فيها غير الأنقاض من مباني الخلفاء، وما يصادف فيها اليوم من الأبنية، المتداعية على العموم، حديث نسبياً، وهو فارسي أكثر منه عربياً، قال مسيو فلاندان: «تتوارى تحت طبقة كثيفة من الغبار أسس المباني، ولا تكاد تجد فيها أثر هارون الرشيد وزبيدة، وهنا وهناك يكتشف في بعض زوايا الأسواق وعلى الشاطئ وبين أنقاض أضاعت اسمها وحوه جدران يقرأ عليها بصعوبة قطع من خطوط كوفية، ومئذنة يشهد خرابها على قدمها، وبقايا رتاج ذي ميناء وذي فسيفساء لامعة تنفصل على أساس البناء المحطم.
«ولم يبال الترك بضياع هذه الأدلة على حضارة منافسة الحضارة بيزنطة، ونحن إذا ما استثنينا تلك البقايا النادرة المجردة من الفائدة معاً كان من العبث إزالة الغبار المتراكم ببغداد، فالحق أن هذه المدينة العظيمة لم يبق فيها ما يذكر بخلفائها الأعزاء كما يمكن أن يقال.»
стр. 176
هذه هي حال بغداد اليوم، وقد لحقت بغداد الخلفاء، في أعفار الماضي، بطيبة وبابل ومنفيس وكل عاصمة كبيرة كانت سيدة الدنيا، ولكن هذه المدن لم تسيطر على العالم بغير السلاح، وخلفاء بغداد ملكوا العالم بحضارتهم على الخصوص.
ويجب، لنحسن تقدير تلك الحضارة، أن نخرج من دائرة الإجمال، التي التزمناها في هذا الجزء من كتابنا، وأن ندخل دائرة التفصيل، فندرس ما أسفرت عنه من العلوم والآداب والفنون والصناعة، وهذا ما نفعله في فصول أخرى بعد أن تم دراستنا المختصرة التاريخ العرب في مختلف الأقطار التي استولوا عليها.
وكلما تقدمنا في الكتاب بدا لنا، بوضوح، أمران جوهريان لم نفعل غير الإشارة إليهما حتى الآن، وهما: أن العرب استطاعوا أن يبدعوا حضارة جديدة مستعينين بما استعاروا من الفرس واليونان والرومان، وأن حضارة العرب كان لها من المناعة ما استطاعت أن تهيمن به على البرابرة الذين حاولوا هدمها، وقد ظهر لنا أن جميع أمم الشرق الكثيرة التي ساعدت على قهر العرب، ومنها الترك، أعانت بلا استثناء على نشر نفوذ العرب، وأن أمماً قديمة قدم العالم، كالمصريين والهنود، اعتنقت ما جاءها به العرب أو ورثتهم من الحضارة والدين واللغة.
стр. 177
الفصل الثالث
العرب في بلاد فارس والهند
(١) العرب في بلاد فارس
تختلف بقايا حضارة العرب باختلاف البلدان التي استولوا عليها، وإذ كان درس هذه الحضارة يقوم على البحث في آثار العرب العلمية أو الأدبية أو الفنية أو الصناعية، فإننا لا نستطيع أن نسير في فصول هذا الكتاب على نهج واحد، وقد رأيت أننا اعتمدنا في كلامنا عن سورية على الآثار الماثلة، وأننا سلكنا طريقاً آخر حينما بحثنا في أمر بغداد التي لا تجد فيها آثاراً شاخصة، فاقتصرنا حين الكلام عنها على التنويه بتنظيم العرب السياسي والمالي والإداري وما إلى ذلك، فإذا ما وصلنا تلك العناصر المختلفة بعضها ببعض أمكننا أن نرسم صورة جامعة لحضارة العرب في مختلف الأزمنة.
ولا نعرف إلا القليل عن آثار العرب في بعض البلدان التي دانت لهم، كبلاد فارس على الخصوص، فترانا مضطرين إلى الإيجاز في ذلك، ومع ذلك يثبت علمنا القليل عنها أن ذلك الشأن كان عظيماً جداً.
رأى العرب أنفسهم، حين هدموا دولة بني ساسان الفارسية، تجاه حضارة قديمة قويمة، فاقتبسوا الشيء الكثير من فنونها على الخصوص.
وتم النصر للعرب على بلاد فارس في الدور الأول من الإسلام، كما اتفق لهم في سورية، واستولوا على أصبهان في خلافة عمر بن الخطاب (٦٥٤ م)، ودام السلطان للخلفاء في بلاد فارس مدة ثلاثة قرون، وكان تاريخ بلاد فارس مرتبطاً في تاريخ بغداد بعض الارتباط، ثم تداولت حكم بلاد فارس دول مستقلة مؤقتة كان يدال منها، ونعد من تلك الدول دولة الترك السلجوقيين الذين قضى المغول على سلطانهم في القرن الثالث عشر، ثم دولة التركمان الذين طردوا المغول من بلاد فارس في سنة ١٤٠٣ م.
стр. 178
ونشأ عن تتابع الغزو هدم المباني القديمة التي شادها العرب وبنو ساسان في بلاد الفرس وزوال ما كان منها في مدينة أصبهان، على الخصوص، زوالاً تاماً، وما نراه الآن في أصبهان هو من صنع الشاه الفارسي الشهير عباس الذي اتخذها قاعدة مُلكه في سنة (٩٩٨ هـ/١٥٨٩ م) والذي استرد من الترك معظم بلاد فارس، ويظهر أن ذلك القطر استرد رخاءه القديم لمدة قرن، فقد قاتل الفرسُ منصورين دولة المغول في الهند سنة ١٥٣٩ م، وانتزعوا منها ولايات كثيرة واقعة غرب نهر السند، ثم سادت الفوضى والانحطاط بلاد فارس، ونرى اليوم بلاد فارس، الواقعة بين الروس الذين يرغبون في التقدم نحو بلاد الهند والإنكليز الذين يمانعون في ذلك، مهددةً بأن تكون ميدان قتال لهذين الفريقين، وأن تقع فريسة للغالب منهما، فكأنه كتب على بلاد فارس أن تكون مسرح حروب تمهيداً لإقامة الأجنبي الغالب دولة عالمية كما تم في القرون الغابرة.
وثبت تأثير العرب في الفرس من اعتناق الفرس لدين العرب ونظمهم، ومن شيوع اللغة العربية بينهم شيوع اللغة اللاتينية في أوربة في القرون الوسطى، وذلك من غير أن تكون لغة البلاد الدارجة كما ثبت من استمرار الفرس إلى الوقت الحاضر على تلقي علم التوحيد والتاريخ والعلوم الأخرى من كتب العرب.
وتبدو بقايا ما تركه العرب من الآثار الماثلة في بلاد فارس من القلة ما لا تكفي معه لبيان تأثير هاتين الأمتين إحداهما في الأخرى، ولا نعرف حال فن العمارة الفارسي قبل الإسلام بالضبط وفي ظل العرب، وما بحث فيه بعض الرواد من المباني لم يخرج عن حد الأنقاض التي يصعب معها بيان الحالة التي كانت عليها فيما مضى، ونقول مع ذلك، وبعد إنعام النظر في تلك البقايا وفيما رواه المؤرخون: إن قصور أكاسرة الفرس قبل الفتح العربي كانت على جانب عظيم من الزخرف والزينة، وإن الفرس كانوا يعرفون إقامة القباب، وإنهم كانوا يعلمون كيف يكون المباني بالميناء، وإن العرب رضوا في دور الفتح بفن العمارة الفارسي مع قليل من التبديل، وإن أهم ما اقتبسه العرب من متفنني الفرس في ذلك الدور الأول هو جزئيات الزخرف واستعمال الميناء على الخصوص، لا طراز البناء الذي استعاروه في البداءة، من البيزنطيين في سورية ومصر على الأقل.
ثم تغيرت الأوضاع مع الزمن، فصار العرب يؤثرون في الفرس، فاقتبس الفرس من العرب شكل قبابهم والنقوش المتدلية (المقرنصات) وضروب الزينة كالكتابات، وسنعود إلى هذه المسائل في الفصول التي خصصناها للبحث في فنون العرب.
стр. 179
شكل ٣ - ١: جوسق جهل ستون في أصبهان (من تصوير كوست).
ولم يبق في بلاد فارس من مباني دور خلفاء العرب الأولين سوى عدد قليل، كبقايا مسجد همذان التي نشرنا صورتها في فصل آخر، ويظهر أن في مدينة مشهد بقايا من مباني ذلك الدور امتزج فيها الطراز العربي بالطراز الفارسي، وهي التي تكلم عنها مسيو دوكانيكوف، فتجلى الطراز الفارسي في أقواسها ومينائها ومآذنها المخروطة الشكل التي لا رواق لها في غير رأسها، وتجلى الطراز العربي في خطوطها المزخرفة وأعمدتها الهيف ومتدلياتها ... إلخ.
شكل ٣ - ٢: داخل مسجد في أصبهان (من تصوير كوست).
стр. 180
شكل ٣ - ٣: جامع أصبهان الكبير (من تصوير كوست).
وما بين بقايا مباني عصر الخلفاء في بلاد فارس والمباني التي أقامها الشاه عباس في أصبهان مؤخراً من التقارب يثبت لنا سير المهندسين على نمط قديم واحد، وسنرى في الفصل الذي ندرس فيه تاريخ فن العمارة العربية، أنه طرأ على ذلك النمط القديم بعض التغيير في الجزئيات المهمة مع الزمن ولا سيما في شكل القباب، فبعد أن كانت القباب منخفضة، ثم ذات نصف كرة، صارت مخصرة بصلية الشكل.
ومهما يكن من أمر فإن لفن العمارة الفارسي طابعاً خاصاً، ونعد المآذن المخروطة الشكل.
والأبواب العظيمة المفرطحة القناطر والجدران المزينة بالميناء الملون من أهم ما اختص به فن العمارة الفارسي ذو التأثير في مباني الهند كما نقطع في ذلك.
следующие страницы →