← Общие книги

Общие книги · id 150939

حضارة العرب - غوستاف لوبون

غوستاف لوبون

Полный текст (598 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

هذه هي حال بغداد اليوم، وقد لحقت بغداد الخلفاء، في أعفار الماضي، بطيبة وبابل ومنفيس وكل عاصمة كبيرة كانت سيدة الدنيا، ولكن هذه المدن لم تسيطر على العالم بغير السلاح، وخلفاء بغداد ملكوا العالم بحضارتهم على الخصوص. ويجب، لنحسن تقدير تلك الحضارة، أن نخرج من دائرة الإجمال، التي التزمناها في هذا الجزء من كتابنا، وأن ندخل دائرة التفصيل، فندرس ما أسفرت عنه من العلوم والآداب والفنون والصناعة، وهذا ما نفعله في فصول أخرى بعد أن تم دراستنا المختصرة التاريخ العرب في مختلف الأقطار التي استولوا عليها. وكلما تقدمنا في الكتاب بدا لنا، بوضوح، أمران جوهريان لم نفعل غير الإشارة إليهما حتى الآن، وهما: أن العرب استطاعوا أن يبدعوا حضارة جديدة مستعينين بما استعاروا من الفرس واليونان والرومان، وأن حضارة العرب كان لها من المناعة ما استطاعت أن تهيمن به على البرابرة الذين حاولوا هدمها، وقد ظهر لنا أن جميع أمم الشرق الكثيرة التي ساعدت على قهر العرب، ومنها الترك، أعانت بلا استثناء على نشر نفوذ العرب، وأن أمماً قديمة قدم العالم، كالمصريين والهنود، اعتنقت ما جاءها به العرب أو ورثتهم من الحضارة والدين واللغة.

стр. 177

الفصل الثالث العرب في بلاد فارس والهند (١) العرب في بلاد فارس تختلف بقايا حضارة العرب باختلاف البلدان التي استولوا عليها، وإذ كان درس هذه الحضارة يقوم على البحث في آثار العرب العلمية أو الأدبية أو الفنية أو الصناعية، فإننا لا نستطيع أن نسير في فصول هذا الكتاب على نهج واحد، وقد رأيت أننا اعتمدنا في كلامنا عن سورية على الآثار الماثلة، وأننا سلكنا طريقاً آخر حينما بحثنا في أمر بغداد التي لا تجد فيها آثاراً شاخصة، فاقتصرنا حين الكلام عنها على التنويه بتنظيم العرب السياسي والمالي والإداري وما إلى ذلك، فإذا ما وصلنا تلك العناصر المختلفة بعضها ببعض أمكننا أن نرسم صورة جامعة لحضارة العرب في مختلف الأزمنة. ولا نعرف إلا القليل عن آثار العرب في بعض البلدان التي دانت لهم، كبلاد فارس على الخصوص، فترانا مضطرين إلى الإيجاز في ذلك، ومع ذلك يثبت علمنا القليل عنها أن ذلك الشأن كان عظيماً جداً. رأى العرب أنفسهم، حين هدموا دولة بني ساسان الفارسية، تجاه حضارة قديمة قويمة، فاقتبسوا الشيء الكثير من فنونها على الخصوص. وتم النصر للعرب على بلاد فارس في الدور الأول من الإسلام، كما اتفق لهم في سورية، واستولوا على أصبهان في خلافة عمر بن الخطاب (٦٥٤ م)، ودام السلطان للخلفاء في بلاد فارس مدة ثلاثة قرون، وكان تاريخ بلاد فارس مرتبطاً في تاريخ بغداد بعض الارتباط، ثم تداولت حكم بلاد فارس دول مستقلة مؤقتة كان يدال منها، ونعد من تلك الدول دولة الترك السلجوقيين الذين قضى المغول على سلطانهم في القرن الثالث عشر، ثم دولة التركمان الذين طردوا المغول من بلاد فارس في سنة ١٤٠٣ م.

стр. 178

ونشأ عن تتابع الغزو هدم المباني القديمة التي شادها العرب وبنو ساسان في بلاد الفرس وزوال ما كان منها في مدينة أصبهان، على الخصوص، زوالاً تاماً، وما نراه الآن في أصبهان هو من صنع الشاه الفارسي الشهير عباس الذي اتخذها قاعدة مُلكه في سنة (٩٩٨ هـ/١٥٨٩ م) والذي استرد من الترك معظم بلاد فارس، ويظهر أن ذلك القطر استرد رخاءه القديم لمدة قرن، فقد قاتل الفرسُ منصورين دولة المغول في الهند سنة ١٥٣٩ م، وانتزعوا منها ولايات كثيرة واقعة غرب نهر السند، ثم سادت الفوضى والانحطاط بلاد فارس، ونرى اليوم بلاد فارس، الواقعة بين الروس الذين يرغبون في التقدم نحو بلاد الهند والإنكليز الذين يمانعون في ذلك، مهددةً بأن تكون ميدان قتال لهذين الفريقين، وأن تقع فريسة للغالب منهما، فكأنه كتب على بلاد فارس أن تكون مسرح حروب تمهيداً لإقامة الأجنبي الغالب دولة عالمية كما تم في القرون الغابرة. وثبت تأثير العرب في الفرس من اعتناق الفرس لدين العرب ونظمهم، ومن شيوع اللغة العربية بينهم شيوع اللغة اللاتينية في أوربة في القرون الوسطى، وذلك من غير أن تكون لغة البلاد الدارجة كما ثبت من استمرار الفرس إلى الوقت الحاضر على تلقي علم التوحيد والتاريخ والعلوم الأخرى من كتب العرب. وتبدو بقايا ما تركه العرب من الآثار الماثلة في بلاد فارس من القلة ما لا تكفي معه لبيان تأثير هاتين الأمتين إحداهما في الأخرى، ولا نعرف حال فن العمارة الفارسي قبل الإسلام بالضبط وفي ظل العرب، وما بحث فيه بعض الرواد من المباني لم يخرج عن حد الأنقاض التي يصعب معها بيان الحالة التي كانت عليها فيما مضى، ونقول مع ذلك، وبعد إنعام النظر في تلك البقايا وفيما رواه المؤرخون: إن قصور أكاسرة الفرس قبل الفتح العربي كانت على جانب عظيم من الزخرف والزينة، وإن الفرس كانوا يعرفون إقامة القباب، وإنهم كانوا يعلمون كيف يكون المباني بالميناء، وإن العرب رضوا في دور الفتح بفن العمارة الفارسي مع قليل من التبديل، وإن أهم ما اقتبسه العرب من متفنني الفرس في ذلك الدور الأول هو جزئيات الزخرف واستعمال الميناء على الخصوص، لا طراز البناء الذي استعاروه في البداءة، من البيزنطيين في سورية ومصر على الأقل. ثم تغيرت الأوضاع مع الزمن، فصار العرب يؤثرون في الفرس، فاقتبس الفرس من العرب شكل قبابهم والنقوش المتدلية (المقرنصات) وضروب الزينة كالكتابات، وسنعود إلى هذه المسائل في الفصول التي خصصناها للبحث في فنون العرب.

стр. 179

شكل ٣ - ١: جوسق جهل ستون في أصبهان (من تصوير كوست). ولم يبق في بلاد فارس من مباني دور خلفاء العرب الأولين سوى عدد قليل، كبقايا مسجد همذان التي نشرنا صورتها في فصل آخر، ويظهر أن في مدينة مشهد بقايا من مباني ذلك الدور امتزج فيها الطراز العربي بالطراز الفارسي، وهي التي تكلم عنها مسيو دوكانيكوف، فتجلى الطراز الفارسي في أقواسها ومينائها ومآذنها المخروطة الشكل التي لا رواق لها في غير رأسها، وتجلى الطراز العربي في خطوطها المزخرفة وأعمدتها الهيف ومتدلياتها ... إلخ. شكل ٣ - ٢: داخل مسجد في أصبهان (من تصوير كوست).

стр. 180

شكل ٣ - ٣: جامع أصبهان الكبير (من تصوير كوست). وما بين بقايا مباني عصر الخلفاء في بلاد فارس والمباني التي أقامها الشاه عباس في أصبهان مؤخراً من التقارب يثبت لنا سير المهندسين على نمط قديم واحد، وسنرى في الفصل الذي ندرس فيه تاريخ فن العمارة العربية، أنه طرأ على ذلك النمط القديم بعض التغيير في الجزئيات المهمة مع الزمن ولا سيما في شكل القباب، فبعد أن كانت القباب منخفضة، ثم ذات نصف كرة، صارت مخصرة بصلية الشكل. ومهما يكن من أمر فإن لفن العمارة الفارسي طابعاً خاصاً، ونعد المآذن المخروطة الشكل. والأبواب العظيمة المفرطحة القناطر والجدران المزينة بالميناء الملون من أهم ما اختص به فن العمارة الفارسي ذو التأثير في مباني الهند كما نقطع في ذلك.

стр. 181

وانتحل المغول، بعد أن قهروا العرب، دين العرب وحضارتهم، واستخدموا في بلاد فارس والهند التي استولوا عليها مهندسين من الهندوس والفرس، فمزج هؤلاء المهندسون مختلف الفنون في المباني التي أقاموها كما تراه بعد قليل، وتدل بقايا الآثار في مدينة سمرقند العظيمة، التي اتخذها تيمورلنك عاصمة لدولته سنة ١٤٠٤ م، فأصبحت نصف متداعية اليوم- على المؤثرات الفارسية في فن العمارة، وأعظم من ذلك ما كان للعرب من التأثير في الهند في بدء الأمر على الأقل. ويظهر أنه صار للمغول فن عمارة خاص، مع أنهم لم يبدعوا أي عنصر في هذا الفن الخاص، وقد قام هذا الفن على مزج فنون مختلف الأمم التي خضعت لحكمهم فيما شادوا من المباني كما تدل عليه الصور التي نشرناها. والخلاصة هي أن تأثير العرب في بلاد فارس كان كبيراً في أمور الدين والعلوم واللغة، وأنه كان ضعيفاً بعض الضعف في العادات وفن العمارة، وأن الفرس، خلافاً للمصريين، حافظوا على أقسام حضارتهم القديمة الأساسية مع صلتها بحضارة الغالبين، وذلك خلافاً للمصريين. (٢) العرب في بلاد الهند لم يتفق للعرب في بلاد الهند شأن سياسي أعظم مما كان لهم في بلاد فارس، وللعرب، مع ذلك، تأثير ديني قوي ونفوذ مدني كبير في بلاد الهند منذ القديم، ففي الهند يخضع نحو خمسين مليون نفس للشريعة النبي في الوقت الحاضر. وبدأ ظهور العرب في الهند منذ السنة الأولى من الهجرة (٦٣٧ م)، فقد خرجت أساطيل عربية من عمان والبحرين، وتقدمت إلى مصاب السند، ثم أدى ملك كابل الجزية إلى العرب في سنة ٦٦٤ م، وفتح جيش العرب في سنة ٧١١ م مملكة السند التي كانت تمتد إلى كشمير من الشرق ونهر السند والبحر من الغرب. ولم يكن لاستقرار العرب هنالك أهمية كبيرة، فقد انتهى في سنة ٧٥٠ م، فآل الحكم فيها إلى ملوك من الهندوس، فإلى الترك والمغول الذين اعتنقوا الإسلام. وملوك غزنة أهم أولئك وأقدمهم. والغزنويون أخذوا يفتحون بلاد الهند حوالي سنة ١٠٠٠ م، وانتهى قتالهم في هذه السبيل بعد إحدى عشرة معركة قاموا بها في خمس وعشرين سنة، واستولوا نهائياً على ضفة السند الشرقية وعلى كشمير والبنجاب ولاهور وأجمير، وأعلن الغزنويون عن أنفسهم في كل مكان أنهم دعاة دين العرب وحضارتهم،

стр. 182

شكل ٣ - ٤: جوسق المرايا في أصبهان (من تصوير كوست). ومنحهم خلفاء بغداد لقب أيامن المؤمنين، وهكذا خضعت الهند للفاتحين من الأجانب للمرة الأولى منذ زمن الإسكندر. وكان سلطان الإسلام السياسي والديني قوياً في بلاد الهند، ورسخ فيها ثمانية قرون بفضل ملوك الإسلام الذين تداولوا حكمها، ولا يزال سلطان الإسلام الديني قائماً في بلاد الهند، وإن توارى سلطانه السياسي عنها، وهو يمضي قدماً نحو الاتساع. ووجد المسلمون، حين أوغلوا في الهند، حضارة قديمة أرقى من حضارتهم، وعرفوا كيف يمزجونها بها، ومما يستوقف النظر ما استطاعوه في زمن قصير من نشرهم لمعتقداتهم في قسم كبير من هذا القطر الواسع. وأعجب غزاة المسلمين بمباني الهندوس المغلوبين، واسمع ما قاله محمود الغزنوي في كتاب أرسله إلى أحد قواده عن مدينة مترا، التي كانت مشهورة أيضاً، في القرن الخامس عشر قبل الميلاد: تحتوي مدينة مترا العجيبة على أكثر من ألف من المباني المتينة متانة أهل الإيمان، والمصنوع أكثرها من الرخام، ولا يشتمل هذا العدد على معابد الكافرين، وإذا عد المال الذي أنفق على إنشاء هذه المباني بلغ ألوف الألوف

стр. 183

شكل ٣ - ٥: باب مسجد قطب وعمود الملك دهاوا المصنوع من الحديد «بالقرب من دهلي» (من تصوير فريث الفوتوغرافي). من الدنانير، فضلاً عن أنه لن يقام مثل هذه المدينة في أقل من قرنين، ووجد جنودي في معابد المشركين خمسة أصنام من الذهب ذوات عيون من ياقوت أحمر تساوي قيمته خمسين ألف دينار، ووجدوا فيها صنماً آخر من الذهب مزخرفاً بما زنته أربعمائة مثقال من الياقوت الأزرق، وذا نصمة بلغ وزنها عند الصهر ثمانية وتسعين مثقالاً من الذهب الخالص، ووجدوا فيها، فضلاً عن ذلك، نحو مائة صنم من الفضة يعدل وزنها حمل مائة بعير. وقام ملوك جدد مقام أصحاب غزنة، ثم جاء المغول فحلو محلهم، وهنا نرى تنبيه القارئ إلى أن الذين تم لهم السلطان على الهند لم يكونوا عرباً بدمائهم، وإنما كانوا من دعاة دين العرب وحضارتهم. ويصل الباحث، حين يدرس تأثير العرب في الأمم التي اختلطوا بها، إلى إحدى النتيجتين الآتيتين، وهما: إما أن تكون حضارة العرب قد حلت محل حضارة الأمة المقهورة كما حدث في مصر، وإما أن تكون قد امتزجت بحضارة الأمة المغلوبة كما حدث في بلاد فارس والهند، وفي بلاد الهند بلغ امتزاج حضارة العرب بحضارة الهند مبلغاً

стр. 184

بدت علائمه حتى على المذاهب الدينية، ثم حدث أن أتى بعدئذ عنصر الحضارة الفارسية، فاشترك هذا العنصر أيضاً في ذلك الامتزاج. ويدل درس المباني في بلاد الهند على درجة تأثير العرب فيها في مختلف الأدوار، وعلى درجة تمازج تلك العناصر الثلاثة، وكان تأثير العرب سائداً لمباني الدور الأول، كباب علاء الدين الذي يكاد يكون أثر الفن الفارسي فيه غير موجود، والذي لا يبدو أثر الفن الهندي في غير تفرعاته؛ لعدم ملاءمة معابد الهند القديمة لمناحي الحضارة الجديدة، فاقتصر أتباع النبي على الانتفاع ببعض أجزاء هذه المعابد. وظل تأثير الفن العربي في تلك المباني واضحاً بضعة قرون أخرى وإن توارى العرب عن مسرح العالم بالتدريج، ثم أخذ المجال يتسع للفن الفارسي فتم له النفوذ على حساب الفن العربي والفن الهندوسي اللذين أخذ نطاقهما يضيق. شكل ٣ - ٦: منارة قطب بالقرب من دهلي (من صورة فوتوغرافية).

стр. 185

وكان دور تحول مباني الهند بعد الإسلام طويلاً، وتأخر زمن ظهور المباني التي كان للعبقرية العربية أثر فيها، ويرجع سبب هذا إلى أن دعاة شريعة الرسول لم يكونوا من العرب، بل من الترك والمغول المشابهين للبرابرة الذين استولوا على العالم الروماني، والذين لم يهضموا حضارة المغلوبين إلا بعد انقضاء زمن طويل. حقاً إنهم لم يهضموها إلا بعد زمن طويل، وبهذا البطء يبدو لنا الفرق الأساسي بين الأمم التي تكون على جانب كبير من الذكاء فتتطور بسرعة، كالأمة العربية، والأمم المنحطة التي تتطور ببطء كبرابرة القرون الوسطى الذين قضوا على دولة الرومان، وكأجلاف الآسيويين الذين غمر طوفانهم دولة محمد. ولقد أبدع العرب من فورهم تقريباً، حضارة جديدة أفضل من الحضارات التي جاءت قبلها، وذلك بعد أن استعانوا بحضارة اليونان وحضارة الرومان وحضارة الفرس، وكانت عقول البرابرة عاجزةً عن إدراك كنه الحضارة التي قهروا أهلها، وكان انتفاعهم بها ممسوخاً في بدء الأمر، وهم لم يسيروا بها نحو الرقي إلا بعد أن قلت أدمغتهم، وصارت قادرةً على إدراك معانيها بعد زمن طويل. والواقع أن تقدم أولئك البرابرة الذين هدموا الدولة الرومانية لم يحدث إلا بتوالي الأجيال، وأنهم، لبطء تقدمهم، لم يستطيعوا إقامة حضارة جديدة على أنقاض حضارة العالم السابق إلا بعد جهود استمرت قروناً كثيرة. ودام سلطان أصحاب غزنة حتى سنة ١١٨٦ م وحل الغوريون، الذين هم من التركمان، محلهم، ونذكر من ملوكهم المشهورين قطب الدين الذي توفي سنة ١٢١٠ م، والذي أقام في بلاد الهند مباني ذات قيمة كما سيأتي بيان ذلك. وأصبحت مدينة دهلي، في سنة ١٢٥٠ م، ملجأ لرجال العلم والفن من الغرباء، وصارت تحدب عليهم حدب بغداد فيما مضى، ثم أتى المغول، وصاروا يغزون الدولة الجديدة، ونازلهم علاء الدين تحت أسوار دهلي في سنة ١٢٩٧ م فوجد أمامه خمسمائة ألف رجل، على ما يروى، فدحرهم. وفتح تيمور لنك مدينة دهلي عنوة في سنة ١٣٧٨ م، ولم يكن أمره غير عابر سبيل فقد نشأ عن الفوضى التي أسفرت عنها فتوحه قيام دولة مستقلة مؤقتة هنا وهنالك، ولما حلت سنة ١٥١٧ م استولى ملك كابل، الذي هو من ذرية تيمورلنك، على مدينة دهلي، وأسس دولة المغول الكبرى التي كتب لها البقاء مدة ثلاثة قرون، ثم قضى عليها الإنكليز. والآن ندرس على طريقتنا أهم ما في الهند من المباني العربية أو المباني التي كان للفن العربي أثر واضح فيها، فما نقش على الحجارة أفصح مما جاء في الكتب.

стр. 186

شكل ٣ - ٧: باب علاء الدين بالقرب من دهلي (من تصوير فريث الفوتوغرافي). شكل ٣ - ٨: مزار أكبر في سكندرا (من صورة فوتوغرافية).

стр. 187

(٢ - ١) منارة قطب يرجع أقدم ما انتهى إلينا من المباني العربية في الهند إلى أواخر القرن الثاني عشر من الميلاد، ونعد مسجد قطب -الذي أقيم في سنة ١١٩٠ م بالقرب من دهلي- ومنارة قطب من أهم تلك المباني. ومنارة قطب، ذات الشرف الكثيرة المخرمة، برج طويل مخطط ذو نقوش عربية مخروط الشكل مشدود بنطق مزينة بالكتابة. ولا نرى ما هو عربي في منارة قطب سوى زخارفها وأروقتها، وقد أقامها، أو أتم إنشاءها، قطب الدين، فأضيف اسمها إلى اسمه مع الاختصار، فعرفت في أوربة باسم منارة قطب. ويدل شكل منارة قطب الخاص على أن مهندسيها من الهندوس، ويعدونها في الهند من العجائب، قال السيد أحمد خان، الذي عرف عنه مسيو غراسين دوتاسي مخطوطاً هندوسياً مهماً خاصاً بدهلي: «إن عظمة هذه المنارة وجمالها مما لا يمكن وصفه كما يجب، فهي مما لا نظير له على وجه الأرض»، ويرى ذلك المؤلف أن الملك الهندوسي بيثوره هو الذي بدأ بإنشائها في سنة ١١٤٣ م فأتمها قطب الدين. ويشاهد بالقرب من منارة قطب الدين أنقاض معبد هندوسي قديم حول إلى مسجد، ويرجع تاريخ إنشائه إلى (سنة ٥٨٧ هـ/١١٩١ م). (٢ - ٢) باب علاء الدين يشتمل ذلك النطاق الذي يحوي مسجد قطب ومنارته على كثير من الآثار المهمة الأخرى كمعبد بيثوره، وأهم تلك الآثار الباب العظيم الشهير الذي أنشأه علاء الدين في سنة ١٣١٠ م، والذي يستوقف النظر بجماله الرائع من حيث تاريخ الفن عند المسلمين، والذي هو من أهم آثار الفن العربي التي انتهت إلينا، ولم أشاهد بين الأبواب ما يماثله سوى بعض أبواب الحمراء الداخلية مع ما بينها وبينه من التفاوت في الاتساع كالذي بين الفسطاط والكاتدرائية. وإن القارئ الذي يتأمل صورة ذلك الباب الصادقة التي نشرناها في هذا الكتاب ليعجب من عبقرية المهندسين الذين استطاعوا أن يمزجوا مختلف الفنون، فأقاموا باب علاء الدين المبتكر المنسجم الذي تبدو أعمدة أطره هندوسية، وتبدو قناطره ومعظم

стр. 188

دقائق زخارفه عربية، ويكاد باب علاء الدين يذكرنا في مجموعه بالأبواب الفارسية الضخمة. شكل ٣ - ٩: معبد بندرابن بالقرب من متره (من صورة فوتوغرافية). وتناسب متانة باب علاء الدين ضخامته، فقد قامت حجارته مقام الأجر الذي شيدت به قصور العرب في الأندلس، وحلت نقوش حجارته محل نقوش قوالب الحمراء السهلة. (٢ - ٣) مزار ألتمش نجد بالقرب من مسجد قطب مزار الملك ألتمش الذي أنشئ في سنة (٦٣٣ هـ/١٢٣٥ م) على طراز البناء المذكور آنفاً، فيعد من أقدم المباني العربية في الهند.

стр. 189

(٢ - ٤) معبد بندرابن كان أول ما تجلى به تأثير العرب في الهند تطعيم مبانيها القديمة بالفن العربي. وأقتصر، لبيان ذلك، على نشر صورة لقسم من معبد بندرابن الذي بني على طراز شمال الهند، وأقيمت قنطرة بابه على الطراز الفارسي العربي. (٢ - ٥) مزار أكبر في سكندرا شكل ٣ - ١٠: تاج محل في أغرا (من صورة فوتوغرافية). قامت المباني التي نذكرها الآن أيام سلطان المغول، وكان قد انتهى شأن العرب السياسي في الهند، فممصر نفوذهم في العلوم والفنون والدين، وقد أشال نفوذ الفرس والهندوس كفة فن العرب، فنشأ عن ذلك امتزاجه بالفنون الأخرى، فصرت لا ترى التأثير البالغ لطراز العرب في مباني الهند كما كان مع بقائه حياً فيها. ويعد مزار الملك أكبر -الذي أقيم حوالي سنة ١٦٠٠ م في سكندرا الواقعة بالقرب من دهلي- من أهم مباني ذلك الدور الجديد، وهذا المزار شرع بناؤه في زمن الملك أكبر، وانتهى في زمن شاهجهان.

стр. 190

شكل ٣ - ١١: قاعة تاج محل المثمنة الكبرى وقبته من الداخل. وكان أكبر -الذي هو من حفدة تيمورلنك- من أعظم من عرفتهم بلاد الهند، فقد بلغت بلاد الهند في عهده، الذي دام من سنة ١٥٥٠ م إلى سنة ١٦٠٥ م، ما لم تعرفه من الرخاء قبله، وكان عصره عصر فن العمارة الذهبي في الهند. حقاً لقد كان أكبر راغباً في شيد المباني، فقد أقام في عشر سنين، بدأت من سنة ١٥٦٠ م، وعلى الصحراء القريبة من أغرا، مدينة فتح بور وقصورها التي تذكرنا أنقاضها العجيبة بمدن رواية ألف ليلة وليلة البائدة، ولا أعياه جو هذه المدينة بعد قليل، وهي التي يتمنى بعض الدول الأوربية العظمى أن تكون عاصمةً لها، ارتحل عنها هو وسكانها هاجراً لها ولقصورها ومساجدها التي أصبحت مأوى للنمر وبعض الزهاد بعدئذ. ولم يقتصر أكبر على إقامة المباني، بل كان يعني بشؤون الفلسفة أيضاً، فقد عن له ذات يوم وهو الذي كان متسامحاً غير متين العقيدة، أن يصهر جميع الأديان في دين واحد، فعقد مؤتمراً من رجال الأديان المعروفة، ومنها النصرانية؛ ليبسط لهم خطته.

стр. 191

ومن دواعي الأسف أن نسي أكبر أن كل واحد من مستمعيه كان يعتقد أنه على الحق الواضح وأن الآخرين على الضلال المبين، وأن التوفيق بين المؤتمرين من المستحيل، فلم يسفر ذلك المؤتمر عن غير تشاتم هؤلاء وتلاعنهم. وأيقن أكبر بذلك أن الملوك، وإن قدروا مثله على بناء المدن والقصور في الصحراء، لأعجز من أن يبددوا الأوهام القوية التي تسيطر على قلوب الناس، فالتاريخ لم يعرف ديانة قامت على مناقشات باردة أملاها العقل. (٢ - ٦) تاج محل في أغرا شكل ٣ - ١٢: حاجز من الرخام الأبيض المنقوش المحيط بقبر شاهجهان وزوجه في تاج محل. يرى في مدينة أغرا عدة أبنية مهمة قامت على الطراز الهندوسي الفارسي العربي، ولا سيما مزار تاج محل الشهير الذي يتطلب وصفه الكامل أكثر من مجلد. بدأ الملك شاهجهان ببناء تاج محل في سنة ١٦٣١ م ليكون ضريحاً لزوجه التي لم يقدر على سلوها، فعزم على إقامة أثر لها أجمل من كل ما عرفه بنو الإنسان، ودعا الملك شاهجهان مهندسي الشرق إلى التسابق في وضع رسمه، وحمل أقصى البلاد على جلب أغلى الحجارة وأعزها لرفعه، وأنفق، على ما يقال، ستين مليوناً في سبيل إنشاء ذلك الأثر العظيم، خلا عوض أعمال الفعلة الذين كانوا يسخرون، ورأي تافرنيه أن إقامة تاج محل اقتضت جهود عشرين ألفاً من العمال في اثنتين وعشرين سنة، فبناء مثل تاج محل لا يقام في أوربة بثلاثة أمثال هذا المبلغ.

стр. 192

بني تاج محل الذي نشرنا بعض صوره الصادقة في هذا الكتاب، مع عدم كفايتها لإظهار جماله، من المرمر الأبيض في وسط قاعدة فسيحة رخامية تعلو خمسة أمتار عن وجه الأرض، وتمتد مائة متر من كل جانب، ويقوم على زوايا تلك القاعدة الأربع أربع مناور، ويلمس ماء النهر أسفل إحدى جنباتها، وتحيط الحدائق ذات النبات الجميل بجنباتها الثلاث الأخرى إحاطة تأخذ بمجامع القلوب، ويحف حول تلك الحدائق سورٌ ذو شرفات، وتدخل من باب كبير أنشئ على الطراز الفارسي. ولتاج محل أبعاد كبيرة، فترتفع قبته عن سطح الأرض أكثر من ثمانين متراً، ويدخل من أربعة أبواب يبلغ ارتفاع كل واحد منها عشرين متراً، ويرى في وسط تاج محل ضريح شاهجهان وضريح زوجته المحبوبة. ويعد السياح تاج محل من عجائب الدنيا، وإليك ما قاله كاتب لم يصرح باسمه في مجلة المصور مع صورة مقتبسة من ميناء هندي صحيحة صحة الصور الفوتوغرافية تقريباً: إن تاج محل مصنوع من المرمر الناصع المصقول، ويكاد البصر يخطف من نور هذا البناء العجيب حينما تلقي الشمس أشعتها عليه، ولذا تجد نور القمر الشاحب أليق بتاج محل الأنيق، وإن كل ما يمكن الفن أن يجود به من الكمال صبه في تاج محل الساحر، فترى فيه الجدران المرمرية المنقوشة بما لا يتصوره الإنسان من الأزهار والأوراق والورد والزخارف العربية الزاهية، وترى فيه الأعمدة الصغيرة الهيف والأطر الغانية والأورقة النيرة والنقوش المتدلية والفسيفساء المتقنة الثمينة الباهرة، ترى فيه كتابات جميلة من الرخام الأسود، وترى في ذلك المكان الساحر جميع ما يسمح به الفن على الوجه الفياض الأكمل. وإذا نظرت إلى الضريحين المصنوعين من المرمر الناصع رأيتهما مثقلين بالكتابات والزينة الغنية مع عظيم إتقان وظرف، وعلمت أن أزهارهما المرصعة بالفسيفساء، والتي تطفح بها من الأسفل إلى الأعلى، من أجمل ما صنع الإنسان، فتتألف كل زهرة من مائة من الحجارة الصقيلة الملونة المتنوعة التي جمع ما بينها صانع ماهر فأكسبها الصورة التي أرادها، وتلك الحجارة الملونة هي من اللازورد والزبرجد والعقيق واليصب والرخام السماقي والمرمر الأصفر الذهبي ... إلخ، وزين أسفل الإطار المثمن والغرف القريبة منه بما

стр. 193

شكل ٢ - ١٣: المسجد الكبير في دهلي (من صورة فوتوغرافية). شكل ٣ - ١٤: داخل ردهة في قصر ملوك المغول بدهلي (من صورة فوتوغرافية).

стр. 194

ارتفاعه متر و ٣٠ سنتيمتراً من الألواح الرخامية الناصعة الكبيرة ذات النقوش البارزة من الفسيفساء على شكل الأزهار وأواني الأزهار، ومثل تلك الألواح مما يشاهد أيضاً في أسفل القباب التي تعلو مداخل تاج محل المزينة بالخطوط العربية المكتوبة بالرخام الأسود. وتاج محل هو من المباني الإسلامية النادرة التي تفلتت من يد التخريب الإنكليزية المنظمة، والمصادفة هي التي أنقذت تاج محل من عدوان الإنكليز، فقد رأى الحاكم الإنكليزي لورد بنتنك أن تاج محل لا يدر شيئاً، فاقترح أن يهدم وتنزع فضته وتباع قطعه في الأسواق، ولولا ما لتاج محل، الذي هو من أعظم المباني التي شادها الإنسان، من الأهمية العالمية الكبرى التي تكفي وحدها لزيارة الهند لنكب العالم بهدمه، والحق أن الذوق الفني مما لا يلائم الطبائع التجارية التي قد يؤدي طغيها على العالم إلى دخوله في دور يستباح فيه تحطيم تمثال كتمثال أفروديت (فينوس دوميلو) لتصنع منه أجران وهواوين! (٢ - ٧) مسجد المعطي أو مسجد اللؤلؤ في أغرا ومن بين مباني أغرا المهمة أذكر أيضاً «مسجد المعطي» الذي أمر بإنشائه شاهجهان في سنة ١٦٨٥ م وفق طراز عهده، وهذا هو المسجد الذي صاح الأسقف إيبرت حين رآه قائلاً: إن الخزي ليعتريه وقتما يفكر في عجز أبناء دينه عن إقامة مثل بيت الله هذا. (٢ - ٨) المسجد الكبير في دهلي تشتمل مدينة دهلي على كثير من المباني التي أقيمت على الطراز الإسلامي في زمن المغول، والتي نعد بعضها باختصار، والمسجد الكبير الذي أقيم في سنة (١٠٦٠ هـ/ ١٦٥٠ م)، هو أول ما نذكر منها. بني هذا المسجد الضخم على ذروة ساحة فسيحة يوصل إليها بدرجات عظيمة مؤدية إلى مدخل هائل أنشئ على الطراز الفارسي، وبني من حجارة رملية حمر، ويستر مقدمه رخام أبيض ورخام أسود متداخلان تداخلاً بديعاً، ولم يشذ عن طراز تلك المباني التي تمازج فيها الفن العربي والفن الفارسي والفن الهندي، وتجد في الصورة التي نشرناها ما يكفي للوقوف على شكله الخاص.

стр. 195

(٢ - ٩) قصر المغول في دهلي (أو قلعة شاهجهان) تم بناء هذا القصر، الذي أنشأه شاهجهان، في سنة (١٠٥٨ هـ/ ١٦٤٨ م) وهذا القصر هو أجمل القصور الإسلامية التي أقيمت في بلاد الهند وفارس، وما في رداهه من الفسيفساء يجعلها قطعاً من الحلي. ولم ينل هذا القصر الشهير (الذي هو من أعجب ما شاده البشر، والذي ضن به البرابرة الذين توخوا دهلي غير مرة ونهبوها فلم يخربوه) من الإنكليز ما يستحق من العناية، فقد هدموا جميع أجزائه التي رأوا أنهم لا ينتفعون بها، وأقاموا في مكانها ومن أنقاضها ثكناً، ولم يحترموا سوى الرداه التي رأوا فيها بعض النفع لهم، وذلك مع علمنا أن الإنكليز، الذين حسبوا مقدماً نفقة تنظيف تلك الرداه من فسيفسائها وزخارفها الجميلة عند تحويلها إلى إسطبلات ومراقد للجنود، لم يروا للخلاص من تلك النفقة ما هو أسهل من تكليسها، فسخط العالم على هذا العمل الهمجي الذي تحمر منه وجوه وحوش البرابرة خجلاً، فاضطر الإنكليز إلى كشط ما جنت أيديهم من عمل حقير، وما أبقاه الإنكليز من ذلك القصر يكفي، مع ذلك، لبيان ما كانت عليه حاله قبل أن تصيبه يدهم الهدامة، ويمكن القارئ أن يتمثله بسهولة عند نظره إلى الصورة التي نشرناها في هذا الكتاب عن إحدى رداهه. قال مسيو روسله: «إن أبهة داخل ذلك القصر مما لم تسمعه أذن، فقد زينت أساطينه وحناياه وأطرقبته بالنقوش العربية العجيبة التي رسمت بالحجارة الكريمة المرصعة في الرخام، وتهب الشمس وقتما تلقي أشعتها على فسيفساء ذلك القصر من خلال حناياه، الحياة لطاقات زهوره المصنوعة من اللازورد والعقيق واليصب، وما لا يحصى من أنواع الحجارة الثمينة.» وزار هذا القصر الشهير في إبان عظمته فرنسيان، أحدهما: طبيب اسمه بيرنيه، والآخر: صائغ اسمه تافرنيه، ووصفا دقائق كنوزه في سنة ١٦٧٠ م وسنة ١٦٧٧ م، وأذن للصائغ تافرنيه في فحص حجارته الكريمة ورسمها، وتجد في كتابه تقديراً ورسوماً لأهمها، ومما جاء فيه أن في القصر سبعة تيجان مرصعة بالألماس، وأن ثمن أهم هذه التيجان السبعة يقدر بـ ١٦٠٥٠٠٠٠٠ فرنك. وليس من الصعب أن نستعين بما ذكرناه آنفاً، وبما جاء في كتب المتقدمين من الوصف، فنتصور الحال التي كان عليها بلاط ملوك الهند المعاصرين لملك فرنسة لويس الثالث عشر تقريباً، فالسائح الذي يقترب من دهلي يشاهد في الأفق غابة من القباب

стр. 196

والمناور التي تناطح السماء، ثم يمتع -بعد أن يدخل دهلي- نظره بمئات القصور والمباني الساحرة المكسوة بالميناء الملون الذي لا يقدر على الإعراب عن جماله غير التصوير، ويجب عليه، إذا ما رغب في اجتلاء طلعة سيد تلك العجائب، أن يسأل عن الساعة التي يذهب فيها إلى المسجد، وهو يشاهد، في أثناء انتظاره صابراً أزوف تلك الساعة، الرياض الغن ذات الجواسق المخرمة المغطاة بالفسيفساء والمنعكس رخامها في مياه الفساقي والحياض العميقة والبارزة من بين أزهار الجلول والياسمين وشجر البرتقال والليمون والأشجار العطرة الطيبة الرائحة التي لا تعرف بلادنا مثلها. وبينما يقضي السائح العجب من تلك العجائب، فيقول في نفسه: إن ملائكة رواية ألف ليلة وليلة لا تستطيع أن تبدع ما هو أروع منها، يسمع ألوف الصنوج تدق إيذاناً بمجيء الملك، ويرى أنه يخرج من باب القصر الهائل جمع كبير من الدم المتسربلين بسرابيل براقة، ومن الجنود المدججين بالسلاح اللامع، ومن العبيد السمر ذوي الخلاخل الفضية، والحاملين للمحامل الزاهية ذات المظلات المخملية، ويري، في وسط موكب من فرسان الهندوس والفرس والتركمان الحاملين سيوف الهند المرهفة، ومن أكابر الأمراء والأعيان اللابسين أفخر الثياب المطرزة بالذهب والفضة والحجارة الكريمة، صاحب الجلالة الملك الراكب فيلاً ضخماً متنز الخُطا، والذي تظلله مظلة من الحرير المطرز بالألماس والزمرد، ويرى الجمهور وهو يخر ساجداً لذلك الملك المطلق الذي هو سيد الهند، وظل الله الحي المرهوب في الأرض، والمالك لخمس عشرة مملكة، والذي هو ملك أغرا ودهلي وكابل ولاهور وكجرات ومالوا وبنغال وأجمير، ويرى على جوانبه فريقاً من حاشية الملك يحرك مراوح من ريش الطاووس ذوات أهداب مرصعة بالحجارة الكريمة على حين تلقي الشمس أشعتها الذهبية على ذلك الموكب الملكي الشرقي الباهر.

стр. 197

الفصل الرابع العرب في مصر (١) حال مصر حين الفتح العربي درسُ شأن العرب في مصر ذو فائدة عظيمة، فمصر من البلدان التي طالت إقامة العرب بها، وهي من البلدان التي أنشأوا فيها دولة مهمة، وهي من البلدان التي كان تأثيرهم فيها أعظم مما في أي بلد آخر، ولا شيء يستوقف النظر كحفدة قدماء المصريين الذين قاوموا نفوذ الأغارقة والرومان على الخصوص، ثم اعتنقوا دين العرب ولغة العرب وحضارة العرب الغالبين، وصاروا عرباً خالصي العروبة، وفي فارس والهند امتزجت حضارة العرب بالحضارة السابقة، وفي مصر توارت أمام حضارة أتباع النبي الجديدة حضارة الفراعنة القديمة وحضارة اليونان والرومان التي تنضدت فوقها في قليل من المدن. وتثبت دراسة آثار العرب الماثلة في مصر أن ذلك الاستبدال كان تاماً، والعرب لم يقتبسوا شيئاً من المباني القديمة الكثيرة التي وجدوها في أنحاء القطر المصري. وتنطوي دراسة العرب في مصر على فائدة عظيمة من الناحية الإثنوغرافية، وقد ذكرنا في فصل سابق أنه لم ينشأ عن توالد العرب والمصريين عرق جديد وسط بين العرقين، وأن المصريين الذين صاروا عرباً باللغة والدين والحضارة لم يصيروا عرباً بدمائهم، فالشبه الوثيق بين فلاحي شواطئ النيل المعاصرين ووجوه أجدادهم المنقوشة على آثار العصر الفرعوني يدل على أن دم القدماء لا يزال يجري في عروق أهل مصر. ورأى العرب حينما استولوا على مصر أنهم في بلاد تختلف بطرق معايشها وبيئتها عن جزيرة العرب وسورية، وكان كل شيء في مصر، من حضارة وسكان وأرض وجو، جديداً غير مألوف لديهم.

стр. 198

شكل ٤ - ١: من عرب وادي النيل (مصر العليا، من صورة فوتوغرافية التقطها المؤلف). ولا بد لنا من النظر إلى تاريخ مصر وأحوال العيش الخاصة فيها لإدراك أسباب السرعة في استيلاء العرب على مصر، ولفهم سر تأثيرهم فيها. وترجع بعض الآثار المصرية القديمة إلى ما قبل سبعة آلاف سنة أو ثمانية آلاف سنة، كما دلت عليه المباحث الحديثة، ومهما بعدنا في الرجوع إلى عصور التاريخ وجدنا المصريين أصحاب حضارة راقية. ونجهل مصدر حضارة قدماء المصريين تماماً، وإن كنا نعلم أنها أقدم من جميع الحضارات التي أينعت على شواطئ البحر المتوسط، وأنها قامت على ضفتي النيل قبل أن تقتبس الشعوب الإغريقية منها فنونها ومعتقداتها بقرون كثيرة. وظن العلماء المعاصرون، حين أحيوا بمباحثهم مصر الغابرة، أنها لم تتبدل مع الزمن، ولكن إنعام النظر في آثارها التي تمت في مختلف الأدوار يدل على أنها لم تشذ عن سنة التطور العامة، وإن سارت حضارتها ببطء فيما مضى. ويظهر أن كل شيء ثابت خالد في معابدها ذات الأبواب الهائلة، وفي أهرامها التي تتحدى الدهر، وفي تحنيطها الذي يزري بسنة الزمن، ونُظُمها التي تحرم كل تغيير وتبديل. ولم يسهل، والحالة هذه، على الفاتحين أن يؤثروا في أمة تلك حضارتها، فلقد تتابع غزو الأجنبي لمصر فظلت ثابتة على قديمها، واستولى الأغارقة والرومان على مصر من

стр. 199

شكل ٤ - ٢: نخيل الجيزة (من صورة فوتوغرافية). شكل ٤ - ٣: جزيرة الروضة في القاهرة (من تصوير إيبر). غير أن يؤثروا فيها، ونرى في المباني التي شادها البطالة والقياصرة في مصر على طراز

стр. 200

فن العمارة المصري القديم من الأدلة ما يكفي لإثبات ثبات الحضارة المصرية القديمة بتوالي القرون. وكانت مصر، حين ظهور العرب على مسرح التاريخ طعمة للغزاة الفاتحين منذ قرون كثيرة، فقد استولى الإسكندر عليها في سنة ٣٣٢ ق. م، وطرد الفرس منها وأقام مدينة الإسكندرية فيها، ثم نادي أحد قواده، بطليموس سوتر، بنفسه ملكاً عليها في سنة ٣٠٤ ق. م، وملكت أسرة البطالمة مصر مدة ٢٧٤ سنة، وكان آخر من تولوا أمور مصر من تلك الأسرة الملكة كليوباترا الشهيرة، ولما هزم أكتافيوس كليوباترا وأنطونيوس في معركة أكسيوم في سنة ٣٠ ق. م، أصبحت مصر ولاية رومانية، ولما قسمت الدولة الرومانية على أثر وفاة ثيودوز في سنة ٣٩٥ م كانت مصر من نصيب دولة الشرق الرومانية، وظلت مصر تابعة لهذه الدولة حتى سنة ٦٤٠ م، أي السنة التي فتحها العرب فيها. وداومت مصر في زمن البطالمة على تقاليدها القديمة، وعاشت فيه عيش رغد ورخاء، وصارت الإسكندرية فيه مركزاً تجارياً مهتماً وملجأ ثقافياً، وأقيمت فيه أبنية عظيمة على الطراز الفرعوني، كما تشهد بذلك بعض تلك الأبنية التي لا تزال قائمة في جزيرة الفيلة، فتعد مصدقة لما قلناه من انتحال جميع الفاتحين الجدد لتقاليد المصريين، وأنت إذا ما استثنيت المدن الإغريقية الرومانية التي أقيمت في مصر، كالإسكندرية مثلاً، لم تكد تشعر بأي تأثير كان لأولئك الغزاة في مصر. وعندما أصبحت النصرانية دين دولة القسطنطينية الرسمي أمر القيصر ثيودوز، في سنة ٣٨٩ م، بهدم جميع تماثيل الآلهة المصرية القديمة ومعابدها وجميع ما يذكر الناس بها، واكتفى بتشويه كتابات المعابد المصرية التي كانت من المتانة بحيث لم يقدر على هدمها بسهولة. ولا تزال مصر ملأى بأنقاض ذلك التخريب الذي أملاه التعصب، وتعد تلك الأعمال من أفظع ما عرفه التاريخ من أثر عدم التسامح والبربرية، ومن دواعي الأسف أن كان من بواكير أعمال ناشري الدين الجديد، الذي حل محل دين الأفارقة والرومان، هدم المباني التي احترمها أكثر الفاتحين منذ خمسة آلاف سنة. وأدت هذه الأعمال الوحشية بسرعة إلى إمحاء الحضارة المصرية، وزوال دور الخط الهيروغليفي الذي حلت رموزه في الزمن الحاضر، وأكرهت مصر على انتحال النصرانية، وهبطت بذلك إلى دركات الانحطاط مقداراً فمقداراً إلى أن جاء العرب.

стр. 201

شكل ٤ - ٤: منظر القاهرة، ويرى مسجد قاغباي في أول الصورة (من صورة فوتوغرافية). وكان قيصر الروم هرقل سيد مصر حينما حاول العرب فتح مصر بقيادة أحد رجال الخليفة الثاني، وكان أشد البؤس والشقاء مما تعانيه مصر التي غدت ميدان قتال للمذاهب النصرانية، وكانت هذه المذاهب تكثر في ذلك الزمن وتتلاعن وتتقاتل. وكانت مصر التي أكلتها الانقسامات الدينية، ونهكتها مظالم الحاكم تحقد أشد الحقد على سادتها الكئيبين، وكانت تعد من يحررونها من أيدي قياصرة القسطنطينية منقذين، فحفظ هذا الشأن للعرب. تلك هي حال مصر عند ظهور أتباع النبي، ولنتكلم عن طرق حياتها الخاصة في ذلك الزمن: يجب أن ننتقل إلى وادي النيل؛ لكي نطلع على أخلاق قدماء المصريين، وطرق حياتهم، ولأرض مصر وجوها من الخواص الثابتة بتقادم الزمن ما جعل الحياة فيها غير متحولة، ووصف مصر الحاضرة وسكانها المعاصرين يتضمن تمثل ما كان عليه وادي النيل وأهلوه عندما ظهر العرب في هذا القطر.

стр. 202

من المعلوم أن مصر هي الوادي الضيق الذي أوجده النيل في سواء الصحراء، ويبلغ طول هذا الوادي مستقيماً من الشلال الأول الواقع على حدود بلاد النوبة إلى البحر نحو مئتي فرسخ، ويبلغ طوله معوجاً من ذلك الشلال إلى البحر أكثر من ثلاثمائة فرسخ. ويختلف وادي النيل عرضاً، فبينما تراه لا يزيد على خمسة كيلو مترات في مصر العليا تراه يزيد على عشرين كيلو مترًا في مصر الوسطى، وهو لا يكون عظيم الاتساع إلا بالقرب من مصب نهر النيل حيث ينقسم إلى ضلعيه اللتين يتألف من ابتعاد إحداهما عن الأخرى شكل ٧، فيسمى السهل الواقع بينهما بالدلتا؛ لمشابهته الحرف اليوناني الذي يحمل هذا الاسم، ويبلغ أكبر طول في المثلث الذي يتألف على هذا الوجه نحو أربعين فرسخاً، ويبلغ أكبر عرض في هذا المثلث، أي من ناحية البحر، ستين فرسخاً. والغرين الذي تتألف منه مصر خصب جداً، وهو لا يحتاج إلى أكثر من نضحه بالماء ليخرج زرعه، والنيل هو الذي يقوم بذلك حين فيضانه، وفي مصر نظام للري، كالذي كان في زمن الفراعنة لا ريب، يؤدي إلى توزيع المياه بين أقسام الأرض التي لا يصل إليها النيل بنفسه. وبلغت أقسام كثيرة من تلك الأرضين العجيبة من الخصب مبلغاً تخرج معه في كل سنة ثلاثة زروع في كثير من الجهات، ويتم زرع تلك الأرضين من غير عناء تقريباً، أي أنها لا تحتاج في الغالب إلى من يثيرها لبذرها، وهي تغل أكثر من أراضي البلدان الأخرى مع ذلك، فبينما تعطي البرة ما يترجح بين خمسة أمثالها وعشرة أمثالها في أخصب أراضي فرنسة تراها تعطي خمسة عشر مثلاً في أراضي مصر. ولا يحتاج سكان مصر، بسبب جوها الحار، إلى وفرة القوت، ولا إلى ثقيل الثياب، ولا إلى محكم المنازل، فالفلاح المصري يقتصر في طعامه على كسر يابسة من الخبز وقليل من الفواكه والبقول، ويسكن كوخاً حقيراً من تراب النيل المجبول بالتبن والماء، ويلبس جلباباً أزرق، وإذا ما كان عمره أقل من أربع عشرة سنة كان من العراة، وقد رأيت في مصر العليا وبالقرب من حدود النوبة، على الخصوص، عمالاً كثيرين لا يكاد يزيد ثوب كل واحد منهم على زنار عرضه بضعة سنتيمترات مشدود على وسطه، وتترجح جميع نفقات الفلاح المصري السنوية في زماننا، الذي كثرت فيه نفقات الإنسان، بين سبعين فرنكاً و ١٢٠ فرنكاً، ويندر أن تزيد أجرته اليومية على خمسين سنتيماً، وأنبأني دليلي في الأقصر، أحمد، وهو لم يكن من سفلة الناس، أن نفقاته السنوية، هو وزوجه وأولاده الأربعة، نحو أربعمائة فرنك، وأنه يعيش بهذا المبلغ عيشاً لائقاً كثيراً.

стр. 203

ولم تتقدم طرق الزراعة والاستغلال في مصر ما كانت عليه في زمن الفراعنة، ولا نرى من الفوائد ما يحفها إلى تغييرها ما دام النيل والشمس يغنيان فيها عن الأسمدة والحرث. شكل ٤ - ٥: منظر القلعة ومسجد محمد علي في القاهرة (من صورة فوتوغرافية). وتنظيم شؤون إلي مقداراً فمقداراً بزيادة القنوات والترع هو كل ما يمكن إصلاحه وما تقضي المصلحة بإصلاحه، فبهذا يمكن إنقاذ أجزاء مصر التي يصل إليها ماء النيل من الصحراء، وتحويلها إلى حقول خصبة. ولا بد من أن تكون مصر الغنية قد أثرت تأثيراً حسناً في العرب الفاتحين الذين جاءوا من صحاري بلادهم، فالكتابان الآتيان اللذان تبادلهما عمر بن الخطاب وعامله عمرو بن العاص يثبتان درجة تقديرهما لفتح مصر. كتب خليفة أبي بكر، عمر بن الخطاب، إلى عامله عمرو بن العاص يقول له: «أطلب منك يا عمرو أن تصف لي مصر وصفاً دقيقاً عند أخذك كتابي هذا؛ لأتمثل ذلك البلد الجميل والسلام عليك.»

стр. 204

واسمع جواب عمرو بن العاص: ورد إلى كتاب أمير المؤمنين، أطال الله بقاءه، يسألني عن مصر، اعلم يا أمير المؤمنين، أن مصر تربة غبراء، وشجرة خضراء، طولها شهر، وعرضها عشر، يكتنفها جبل أغبر، ورمل أعفر، يخط وسطها نهر مبارك الغدوات، ميمون الروحات، يجري بالزيادة والنقصان كجري الشمس والقمر له أوان، يدر حلابه، ويكثر عجاجه، وتعظم أمواجه، فتفيض على الجانبين، فلا يمكن التخلص من القرى بعضها إلى بعض إلا في صغار المراكب، وخفاف القوارب، وزوارق كأنهن المخايل، أو ورق الأصائل، فإذا تكامل في زيادته نكص على عقبه كأول ما بدأ في جريته وطما في درته، فعند ذلك تخرج ملة محقورة يحرثون بطون الأرض، ويبذرون بها الحب، يرجون بذلك النماء من الرب، لقيهم ما سعوا من كدهم، فناله عنهم أناس بغير جدهم، فإذا أشرق الزرع وأشرف، سقاه الندا، وغذاه من تحته الثرى، فبينما مصر يا أمير المؤمنين لؤلؤة بيضاء، فإذا هي عنبرة سوداء، فإذا هي زمردة خضراء، فإذا هي ديباجة رقشاء، فتبارك الله الخالق ما يشاء، والذي يصلح هذه البلاد ويقر قاطنها فيها ألا يقبل قول خسيسها في رئيسها، وألا يستأدى خراج ثمرة إلا في أوانها، وأن يصرف ثلث ارتفاعها في عمل جسورها وترعها، فإذا تقرر الحال مع العمال على هذه الأحوال تضاعف ارتفاع المال، والله يوفق إلى حسن الحال. وقد يكون نهر النيل الذي فيه سر غنى مصر سبب بؤسها، فإذا ما كان فيضانه دون الدرجة الكافية ضربت المجاعة أطنابها في مصر، وإذا دام القحط في مصر عدة سنين لم يبق أمام الكثيرين من الفلاحين سوى الموت جوعاً، ومن ذلك القحط الهائل الذي نكبت به مصر سنة (٤٦٢ هـ/١٠٦٩ م) أيام الحكم العربي، فقد روى مؤرخو العرب أنه حين نقص فيضان النيل عن درجة الكفاية خمس سنين متتابعة، وتعذر جلب القمح من الخارج بسبب الحروب الكثيرة التي كانت تقع في تلك السنين بلغت المجاعة في مصر مبلغاً صارت تباع معه البيضة الواحدة بخمسة عشر فرنكاً والهرة الواحدة بخمسة وأربعين فرنكاً، وأن الناس أكلوا في أثناء تلك المجاعة جمال الخليفة وأفراسه التي كان عددها عشرة آلاف، وأنهم رموا في إبانها وزير الخليفة عن ظهر بغلته حينما كان ذاهباً إلى الصلاة في المسجد فذبحوها وأكلوها على مرأى منه، ثم أكلوا جثث الذين قتلوا بسبب

стр. 205

هذا الاعتداء، ودامت تلك المجاعة، وكانت كلما دامت أكل الناس بعضهم بعضاً، فكان يذبح من يخرج من البيوت من الأولاد والنساء ويؤكل لحمه مع عويله، ومما حدث أن نجت امرأة وكتب لها حظ البقاء حية بعد أن أكل بعضها في تلك الأيام، فكان الناس يشيرون إليها الطويل زمن بعد انقضاء المجاعة. (٢) استيلاء العرب على مصر فتح القائد عمرو بن العاص، الذي هو من عمال الخليفة الثاني، عمر، بلاد مصر في السنة الثامنة عشرة من الهجرة (٦٣٩ م)، وقد ذكرنا ما كان عليه عمرو بن العاص من الحذق والمهارة نحو سكان مصر، فهو لم يتعرض إلى ديانتهم، ولا إلى نظمهم ولا عاداتهم، ولم يطالبهم بغير جزية سنوية قدرها خمسة عشر فرنكاً عن كل رأس مقابل حمايتهم، فرضي المصريون بذلك شاكرين، ولم يند سوى الروم، أي الجنود والموظفين ورجال الدين الذين أبوا أن يخضعوا للغزاة فالتجأوا إلى الإسكندرية، فحاصرها العرب حصاراً دام أربعة عشر شهراً، وقتل في أثنائه ثلاثة وعشرون ألفاً من العرب. وكان عمرو بن العاص سمحاً رحيماً نحو أهل الإسكندرية مع تلك الخسارة التي أصيب بها العرب، ولم يقس عليهم، وصنع ما يكسب به قلوبهم، وأجابهم إلى مطالبهم، وأصلح أسدادهم وترعهم، وأنفق الأموال الطائلة على شؤونهم العامة. وأما إحراق مكتبة الإسكندرية المزعوم؛ فمن الأعمال الهمجية التي تأباها عادات العرب، والتي تجعل المرء يسأل: كيف جارت هذه القصة على بعض العلماء الأعلام زمناً طويلاً؟ وهذه القصة دحضت في زماننا فلا نرى أن نعود إلى البحث فيها، ولا شيء أسهل من أن تثبت بما لدينا من الأدلة الواضحة أن النصارى هم الذين أحرقوا كتب المشركين في الإسكندرية قبل الفتح العربي بعناية كالتي هدموا بها التماثيل ولم يبق منها ما يحرق. وكان فتح الإسكندرية مهماً لدى العرب كفتح القدس، فقد أسفر عن فتحهم لمصر فتحاً نهائياً، وكان لهم به مصدر ثراء قوي، ونقطة ارتكاز يقدرون أن يستندوا إليها لقيامهم بفتوح جديدة أخرى. ونحن، لكي نقدر أهمية فتح العرب للإسكندرية ومقدار تأثيره في العالم، نرى أن نوجز ما كانت عليه حين دخول العرب بلاد مصر. كانت الإسكندرية من أهم مدن العالم منذ أنشأها الإسكندر (سنة ٣٣٢ ق. م) إلى أن فتحها عمرو بن العاص، أي في مدة ألف سنة، وكان يمكن عدها، وهي مركز

стр. 206

لتجارة البحر المتوسط بأسره، ثانية من الإمبراطورية الشرقية، أي المدينة التي تأتي بعد القسطنطينية، وكان البطالمة قد اجتذبوا إليها أشهر علماء العالم وفلاسفته، وكانت تشتمل على أشهر المكتبات والمدارس. بيد أن ذلك الرقي العلمي لم يدم، فكانت، حين فتحها الرومان بقيادة قيصر (سنة ٤٨ ق. م) قد أخذت في الذبول منذ زمن طويل. ولم يكد فتح الرومان لها يتم حتى أخذت تنهض وتنتعش، وصارت ثانية المدن في الدولة الرومانية، ولكن هذا الرخاء كان مؤقتاً، فهي لم تلبث أن صارت مسرحاً للاختلافات الدينية، وتوالت فيها الثورات والفتن منذ القرن الثالث مع ما قام به القياصرة من أعمال القمع، ولما أصبحت النصرانية دين الدولة الرسمي أمر القيصر النصراني ثيودوز، لا الخليفة عمر بن الخطاب، بإبادة معابدها وتماثيلها وكتبها الوثنية كما ذكرنا ذلك آنفاً وحافظت الإسكندرية على شيء من مكانتها التجارية مع ما أصابها من النقص في عهد قياصرة الروم، وكان فيها من البقايا المهمة ما أدهش عامل عمر بن الخطاب. ولم يشاهد العرب مدينة منتظمة انتظام الإسكندرية، ونحن، وإن لم يكن عندنا علم قاطع بالحال التي كانت عليها حين الفتح العربي، نعرف بالضبط ما كانت عليه في القرن الثاني من الميلاد، ونحن، إذا ما أغضينا عما أصاب مبانيها من الهدم، رجحنا أنه لم يطرأ على رسمها تبديل كبير منذ ذلك القرن. كانت الإسكندرية مستطيلة الشكل ذات طول ٥٠٠٠ متر وذات عرض ١٨٠٠ متر، وكانت تقطعها طرق مستقيمة طولاً وعرضاً، فتفصلها إحدى هذه الطرق إلى قسمين. ونعد من الآثار المهمة، التي كانت في الإسكندرية: دار الصناعة الكبرى، والقصور الفخمة، ومعبد نبتون الذي كانت أساطينه تستوقف نظر الملاحين من بعيد، والتيمونيوم الذي رأى أنطونيوس أن يقضي بقية عمره فيه معتزلاً بعد هزيمته في أكسيوم، والسيزاروم الذي أقام به قيصر منذ قيامه بالحصار، والمسلتين، وغيرهما من الآثار الكثيرة، والأمبوريوم القائم على طول الأرصفة حيث كانت تباع السلع العالمية، والموزيوم حيث كانت المكتبة الشهيرة التي هي أعظم مكتبة في ذلك الحين، ولم يكن في ذلك الدور المنحط من العلماء غير أصحاب الكرامات والنحاة واللغويين ورجال الدين، وكان يقوم على تل، حيث ينتصب عمود بونبيوس اليوم، معبد السرابيوم ذو الأبواب الضخمة والتماثيل الهائلة المصنوعة من الغرانيت.

стр. 207

شكل ٤ - ٦: داخل مسجد عمرو بن العاص (من تصوير كوست). وكانت جزيرة فاروس تواجه الإسكندرية، وتقوم عليها المنارة الشهيرة التي صنعت من الرخام الناصع، والتي كان نورها يرى من مسافة عشرة فراسخ من البحر، فتعد من عجائب الدنيا السبع، وكانت تتصل تلك الجزيرة بالبر بطريق معبدة طولها ١٢٠٠ متر. أقام عمرو بن العاص حامية في الإسكندرية بعد الاستيلاء عليها، وأرسل كتائبه إلى داخل مصر، فاختارت مكاناً على شاطئ النيل حيث نصب فسطاطه، وأنشأت أكواخاً مؤقتة لم تلبث أن بدلت، بعد مدة قصيرة، بيوتاً للجنود وقصوراً للقادة، وكانت هذه الأبنية نواة لمدينة القاهرة المنافسة القادمة لبغداد، وسميت بالفسطاط، نسبة إلى الفسطاط الذي نصبت عليه. وراق مكان الفسطاط عمرو بن العاص، فعزم على جعله عاصمةً له فحصنه بالأسوار مقيماً عليه بيته، وقد ظل ذلك المكان عاصمة لمصر من زمن عمرو، أي منذ أكثر من اثني عشر قرناً. ودل ما قام به عمرو بن العاص من تنظيم مصر على عظيم حكمته، وعامل عمرو بن العاص الفلاحين بما لم يعرفوه من العدل والإنصاف منذ زمن طويل، وأنشأ للمسلمين وحدهم محاكم منظمة دائمة ومحاكم استئناف، فإذا كان أحد الخصوم مصرياً

стр. 208

حُق للسلطات القبطية أن تتدخل، واحترم عمرو بن العاص نُظم المصريين وعاداتهم ومعتقداتهم. ولم يمنع عمرو بن العاص من عادات المصريين سوى عادة اختطاف إحدى العذار الحسان من أبويها في كل سنة، وقذفها في النيل؛ لكي يمن إله النيل على مصر بما تحتاج إليه من ارتفاع الماء وقت الفيضان، وقد استبدل عمرو بن العاص بتلك العادةِ العادةَ التي لا تزال موجودةً إلى يومنا، وهي قذف تمثال خزفي، يدعى العروس، في النيل في يوم معين من كل سنة، وإني أرى من المحتمل أن تكون هذه العادة، التي ترجع في القدم إلى ستة آلاف سنة، قد أتت من عادة تقريب القرابين البشرية في الديانة المصرية الأولى. وسار عمرو بن العاص في مصر على غرار عمر بن الخطاب في القدس، فشمل الديانة النصرانية بحمايته، وسمح للأقباط بأن يستمروا على اختيار بطرك لهم كما في الماضي، ومن تسامحه أن أذن للنصارى في إنشاء الكنائس في المدينة الإسلامية التي أسسها. شكل ٤ - ٧: ساحة مسجد ابن طولون وحوضه ومئذنته (من تصوير إيبر).

стр. 209

وإذ لم يكن للمسلمين مساجد في مصر، وإذ زاد عدد من أسلم من النصارى، أقام عمرو بن العاص مسجداً جميلاً على طراز الحرم المكي، ولا يزال المسجد الشهير الذي أنشأه قائماً مع عدم اكتراث الحكومة المصرية لتصدعه. ولم يكتف عمرو بن العاص بفتح مصر الدنيا، بل زحف بجيشه إلى بلاد النوبة، أي أوغل في إثيوبية الرومان القديمة على رأس عشرين ألف جندي، ولم تخرج هذه الحملة عن صفة الغزوات التي لا تؤدي إلى تنظيم جدي ما دام العرب لم يستقروا ببلاد النوبة استقرارا ثابتاً، بل اقتصروا على غزوها بين وقت وآخر، ومع ذلك فقد اعتنق النوبيون دين العرب ولغتهم كما اعتنقهما المصريون، واليوم إذا نظرت إلى النوبيين، وقد أتيح لي أن ألتقط صوراً فوتوغرافية لهم، رأيتهم قوماً مختلفي الألوان والملامح، فمنهم البيض الذين ينتسبون إلى عرب الحجاز، ومنهم سود الجلود، ومنهم من هم حسنو الخلقة ومن النوبيات من يشابهن مصريات العصر الفرعوني مشابهة عظيمة. وغزا العرب، غير مرة بلاد الحبشة، أو القسم المجاور منها للبحر الأحمر على الأقل، فكان تأثيرهم فيها دون تأثيرهم في بلاد النوبة، فقد حافظ الأحباش، الذين انتحلوا النصرانية منذ القرن الرابع، على دينهم، وإن شاعت اللغة العربية بينهم وصاروا أخلاطاً من الآدميين. والمدة بين فتح العرب لمصر في سنة ٦٣٩ م وفتح الترك لها سنة ١٥١٧ م نحو تسعمائة سنة تداولت حكم مصر في أثنائها تسع دول: خضعت مصر لخلفاء المشرق (٦٣٩ م-٨٧٠ م)، ثم استقل ولاتها فأسسوا الدولة الطولونية (٨٧٠ م-٩٠٥ م)، ثم استرد خلفاء بني العباس سلطانهم عليها لمدة قصيرة (٩٠٥ م-٩٣٤ م)، ثم قامت فيها الدولة الأخشيدية القليلة الأهمية (٩٣٤ م-٩٧٢ م)، ثم استولى عليها الفاطميون (٩٧٢ م-١١٧١ م) الذين اشتملت دولتهم على شمال إفريقية وجزيرة سردينية وجزيرة صقلية وجزر البحر المتوسط وسورية فبلغت مصر في عهدهم ذروة الرقي والرخاء. ثم أصاب خلفاء مصر مثل ما أصاب خلفاء بغداد، فقد استحوذ عليهم صنف من المرتزقة الذين عرفوا في التاريخ باسم المماليك، والذين تألف منهم حرسهم، والذين كانوا ينتسبون إلى الشعب الذي ينتسب إليه مرتزقة بغداد، ولم يتركوا لهم شيئاً من السلطة الحقيقية، فلما جاءت سنة ١٢٥٠ م استبد المماليك بالحكم نهائياً، وقد دام سلطانهم ٢٦٧ سنة.

стр. 210

شكل ٤ - ٨: داخل مسجد ابن طولون (من تصوير إيبر). وأقام المماليك في مصر دولتين من أصلين مختلفين، فأما الدولة الأولى: فهي دولة التركمان المماليك (١٢٥٠ م-١٣٨١ م) التي كان قوامها أناس من الترك، كما في بغداد، أسروا في القفقاس، وفيما جاور بحر قزوين؛ فبيعوا كالأرقاء، فهؤلاء الناس هم من الملاح الأقوياء الذين لاح أنه سيتألف منهم حرس مختار للخلفاء، والذين كانوا ذوي منظر رائع بملابسهم الزاهية، وأسلحتهم الجميلة المرصعة بالأشعرة التي قلدهم بها الفرسان الصليبيون فاخترعوا علائم الشرف، والذين تقلد رؤساؤهم أعلى المناصب بالتدريج، لما نالوا من الحظوة فانفردوا بالملك فأقاموا دولتهم. وأما دولة المماليك الثانية فهي الدولة المعروفة في التاريخ بدولة الشراكسة المماليك الذين لم يكونوا من ترك آسية العليا، بل من بلاد الشركس (١٣٨٢ م-١٥١٦ م)، والذين طمع سلاطين دولة التركمان المماليك في قوتهم؛ ليدرأوا بهم كيد التركمان الأشرار الذين خان أسلافهم العرب فيما مضى، وقد خيب هؤلاء الشراكسة ظنهم، فاستبدوا بالحكم، وأقاموا دولتهم التي دامت إلى سنة ١٥١٦ م حين قضى عليها السلطان سليم الأول، وحول مصر إلى ولاية تركية.

стр. 211

هنالك حانت ساعة انحطاط مصر، ثم شملها سلطان الأوربيين الحديث الخفي فلم يزدها إلا انحطاطاً. وصارت مصر ولاية تركية، ولم يلبث المماليك الذين قهروا في بدء الأمر أن عاد إليهم نفوذهم الحقيقي، وكان المماليك من أشد من حاربهم نابليون، ولم تنج مصر منهم إلا بفضل الجبار الذكي محمد علي الذي قتلهم على بكرة أبيهم. وكان المماليك يجمعون بانضمام أناس إليهم من الخارج، أي كان شراكسة مصر يشترون الموالي من بلاد الشركس؛ لإتمام عددهم ما دام جو مصر القتال لا يلائم تناسل الأجانب، وكان شراكسة مصر ينقادون لفريق من بكواتهم الذين ظلوا يختارون أجمل غلمان الشركس لكتائبهم. (٣) حضارة العرب في مصر استقت حضارة العرب في مصر من الينبوع الذي استقت منه حضارتهم في سورية وبغداد، وقامت حضارتهم في مصر بعناصر اقتبسوها من البيزنطيين على الخصوص، ودلت مباني العرب الأولى في مصر على ذلك المصدر، ولم يلبث العرب أن تحرروا من المؤثرات الأجنبية كما تدل عليه مبانيهم التي أقيمت بعد مباني الزمن الأول. ويتصف عصر الفاطميين، الذي بلغت حضارة العرب فيه بمصر ذروة الرقي، بنضج الفنون، وما تؤدي إليه الفنون من الصناعات، وبارت القاهرة بغداد في الفنون لا العلوم، فمدارس القاهرة لم تبلغ من الشهرة ما بلغته جامعات بغداد، وسنعود إلى هذا حينما نبحث في النواحي الثقافية من حضارة العرب التي لا نبحث في غير قسمها المادي الآن. وزاد دخل خلفاء مصر على دخل خلفاء بغداد في نهاية الأمر، وذلك بفضل خصب أرضي مصر وصلاتها التجارية التي سنتكلم عنها في فصل آخر، وكان خلفاء مصر يقفون معظم ذلك الدخل على أمور الترف وبناء القصور، ولم تكن نفقات الإنشاء في ذلك العهد باهظة في وادي النيل ما دامت أجرة البناء اليومية في أوائل القرن الحاضر ثمانين سنتيماً، وأجرة الحفار خمسة عشر سنتيماً، وثمن متر حجر البناء المكعب، ومنه أجرة قلعه ونقله، فرنكاً واحداً وعشرين سنتيماً. وضربت الصناعة والصياغة والحياكة والنجادة والزخرفة بسهم كبير في الكمال في زمن الفاطميين (٩٧٢ م-١١٧١ م) كما روى المؤرخ العربي المقريزي الذي جاء البحث

стр. 212

شكل ٤ - ٩: باب السيدة بالجامع الأزهر في القاهرة (من تصوير كوست). في آثار زمانه مصدقاً لروايته، فكانت جدران البيوت تغطى بألواح القاشاني المطلي أو بالملاط الكلسي الرخامي المزين بالزخارف الزاهية والنقوش العربية كما نتمثله بسهولة من بعض القصور العربية الحاضرة في القاهرة، وكانت أرض تلك القصور تفرش بالفسيفساء، أو البسط الموشاة، وكان أثاثها يصنع من الخشب الثمين المرصع بالصدف أو العاج، وكانت متكآئها ذات رياش مزين في لحمته بصور الحيوان، وكانت نمارقها تكتسي بالنسائج الأرجوانية الرائعة. وارتقت الصناعة المعدنية في زمن الفاطميين إلى حد بعيد أيضاً، كما يشهد بذلك ما انتهى إلينا من الأواني والأكواب والأباريق والأطباق والمصابيح، وغيرها من ألوف المصنوعات التي نشرنا صور نماذج كثيرة لها في هذا الكتاب.

стр. 213

شكل ٤ - ١٠: القسم الأعلى من مآذن الجامع الأزهر (من صورة فوتوغرافية التقطها المؤلف). وكانت قصور الخلفاء الفاطميين فخمة، ويثبت ما نراه في المساجد المصرية القديمة، التي ظلت قائمة، من الزخرف أنه لم يكن في وصف الكتاب لها شيء من المبالغة. وقص المؤرخون علينا نبأ القصر العربي القديم الذي بناه خمارويه ابن طولون سنة (٢٧١ هـ/٨٨٤ م)، أي قبل ظهور الفاطميين، فقد كان يحيط بذلك القصر، على حسب ما جاء في الأخبار العربية، رياض واسعة ذات زهور على شكل آي من القرآن، وكان يرى في رداهه الذهبية المقه تماثيل لذلك الأمير ونسائه ذات ثياب ثمينة، وكانت له حظيرة جميلة للحيوانات الكثيرة، وكان يوجد تحت أحد أروقته الرخامية حوض زئبق عرضه ثلاثون متراً فينعكس عليه نور النهار وأشعة القمر والنجوم، وكان يشاهد من جوسق أنيق فيه منظرٌ جميلٌ لحدائقه وللنيل والريف.

стр. 214

شكل ٤ - ١١: نافذة في جامع السلطان قلاوون. ولا تكفي الأوصاف المختصرة التي جاءت في كتب العرب عن القصور العربية في مصر منذ ألف سنة، فترانا مضطرين إلى إتمامها بما رواه أوربي يدعى غليوم الصوري في كتابه التاريخي عن حروب أمراء النصارى في فلسطين مستنداً إلى ما قصه السفراء الذي أرسلوا إلى بلاط ملك مصري، قال غليوم الصوري: نعتمد في وصف قصر الأمير الرائع الذي لم يكن له نظير في زماننا على ما قصه أولئك السفراء الذين زاروه فرأوا فيه ما ليس في غيره من الجلال والنضارة والعظمة، فقد وصل أولئك السفراء، بعد أن مروا من مسالك وقاعات كثيرة، إلى أروقة النزهة، والرياضة ذات العماد المرمرية، والسقوف الذهبية الدقيقة الصنعة والبلاط الزاهي الألوان، وبهرهم جمال ما رأوا فبهتوا، ولم تشبع عيونهم من النظر إلى تلك البدائع التي لم تكن لتخطر على قلوبهم، ومما

стр. 215

شاهدوه: حياض السمك الرخامية، وأنواع الطيور المغردة الملونة البراقة التي لم يسبق لنا علم بها، ثم طاف الخصيان بهم في غرف تفوق ما تقدم حسناً ورواءً، ومما رأوا هنالك أنواع ذات القوائم الأربع العجيبة، التي لا يقدر على تصويرها سوى ريشة رسام تابع لهواه أو شاعر متحلل أو من يسبح روحه في أحلام الليل، والتي تنتجها بلاد الجنوب والشرق لا بلاد الغرب التي لا تراها، والتي قلما تسمع عنها شيئاً. ويمكن تصور ما كان عليه الخلفاء الفاطميون من الثراء عند النظر إلى قائمة الأموال التي روي المؤرخ المقريزي أن الخليفة المستنصر (٤٢٧ هـ/١٠٣٧ م) اضطر إلى بيعها؛ إرضاء لأولئك المرتزقة الذين تكلمنا عنهم آنفاً، وقلنا: إنهم استبدوا بالملك تقريباً، ولا يطعن في صحة رواية المقريزي الذي استند إلى محضر وكيل الوزير ناصر الدولة، فالمرء حين يقرأها يرى أن ثروات العالم التقت وتكدست في مصر منذ قرون كثيرة؛ لكي تنثر على أحط الجنود في آخر الأمر كما قال مسيو مارسيل. قال مسيو مارسيل نقلاً عن المقريزي: ذكر في تلك القائمة العجيبة ما لا حصر له من أمداد الزمرد والياقوت واللآلئ والمرجان، وما إلى ذلك من الحجارة الكريمة، وذكر فيها ١٨٠٠٠ من آنية البلور، ثمن بعضها ألف دينار (١٥٠٠٠ فرنك)، و ٣٦٠٠٠ قطعة أخرى من البلور، وبساط من الذهب وزنه ٥٤ أوقية، وأربعمائة قفص كبير من الذهب، و ٢٢٠٠٠ جلية من العنبر، وعمامة مرصعة بالجواهر قيمتها ١٣٠٠٠ دينار (١٩٥٠٠٠٠ فرنك) وديوك وطواويس وغزلان ذات حجم طبيعي مصنوعة من الذهب ومرصعة باللآلئ والياقوت، وموائد مصنوعة من اليصب كبيرة يستطيع أن يجلس حولها آكلون كثيرون معاً، ونخلة من الذهب في صوان من الذهب، وثمار وأزهار ذات حجم طبيعي من اللؤلؤ والياقوت، وحديقة ذات تراب من الفضة المذهبة، وأرض من العنبر، وأشجار من الفضة وثمرات من الذهب والحجارة الكريمة، وخيمة مصنوعة من المخمل والديباج الموشى بالذهب، دائرتها خمسمائة ذراع (٦٢٥ قدم) وارتفاعها ٦٤ ذراعاً (٩٠ قدماً) وبسطها تعدل حمل مائة بعير، وخيمة أخري مصنوعة من الإبريز قائمة على أعمدة من الفضة، وأخبية وزنها ثلاثة قناطير، وألفان من الزرابي المزخرفة
следующие страницы →