← Общие книги

Общие книги · id 150939

حضارة العرب - غوستاف لوبون

غوستاف لوبون

Полный текст (598 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

هنالك حانت ساعة انحطاط مصر، ثم شملها سلطان الأوربيين الحديث الخفي فلم يزدها إلا انحطاطاً. وصارت مصر ولاية تركية، ولم يلبث المماليك الذين قهروا في بدء الأمر أن عاد إليهم نفوذهم الحقيقي، وكان المماليك من أشد من حاربهم نابليون، ولم تنج مصر منهم إلا بفضل الجبار الذكي محمد علي الذي قتلهم على بكرة أبيهم. وكان المماليك يجمعون بانضمام أناس إليهم من الخارج، أي كان شراكسة مصر يشترون الموالي من بلاد الشركس؛ لإتمام عددهم ما دام جو مصر القتال لا يلائم تناسل الأجانب، وكان شراكسة مصر ينقادون لفريق من بكواتهم الذين ظلوا يختارون أجمل غلمان الشركس لكتائبهم. (٣) حضارة العرب في مصر استقت حضارة العرب في مصر من الينبوع الذي استقت منه حضارتهم في سورية وبغداد، وقامت حضارتهم في مصر بعناصر اقتبسوها من البيزنطيين على الخصوص، ودلت مباني العرب الأولى في مصر على ذلك المصدر، ولم يلبث العرب أن تحرروا من المؤثرات الأجنبية كما تدل عليه مبانيهم التي أقيمت بعد مباني الزمن الأول. ويتصف عصر الفاطميين، الذي بلغت حضارة العرب فيه بمصر ذروة الرقي، بنضج الفنون، وما تؤدي إليه الفنون من الصناعات، وبارت القاهرة بغداد في الفنون لا العلوم، فمدارس القاهرة لم تبلغ من الشهرة ما بلغته جامعات بغداد، وسنعود إلى هذا حينما نبحث في النواحي الثقافية من حضارة العرب التي لا نبحث في غير قسمها المادي الآن. وزاد دخل خلفاء مصر على دخل خلفاء بغداد في نهاية الأمر، وذلك بفضل خصب أرضي مصر وصلاتها التجارية التي سنتكلم عنها في فصل آخر، وكان خلفاء مصر يقفون معظم ذلك الدخل على أمور الترف وبناء القصور، ولم تكن نفقات الإنشاء في ذلك العهد باهظة في وادي النيل ما دامت أجرة البناء اليومية في أوائل القرن الحاضر ثمانين سنتيماً، وأجرة الحفار خمسة عشر سنتيماً، وثمن متر حجر البناء المكعب، ومنه أجرة قلعه ونقله، فرنكاً واحداً وعشرين سنتيماً. وضربت الصناعة والصياغة والحياكة والنجادة والزخرفة بسهم كبير في الكمال في زمن الفاطميين (٩٧٢ م-١١٧١ م) كما روى المؤرخ العربي المقريزي الذي جاء البحث

стр. 212

شكل ٤ - ٩: باب السيدة بالجامع الأزهر في القاهرة (من تصوير كوست). في آثار زمانه مصدقاً لروايته، فكانت جدران البيوت تغطى بألواح القاشاني المطلي أو بالملاط الكلسي الرخامي المزين بالزخارف الزاهية والنقوش العربية كما نتمثله بسهولة من بعض القصور العربية الحاضرة في القاهرة، وكانت أرض تلك القصور تفرش بالفسيفساء، أو البسط الموشاة، وكان أثاثها يصنع من الخشب الثمين المرصع بالصدف أو العاج، وكانت متكآئها ذات رياش مزين في لحمته بصور الحيوان، وكانت نمارقها تكتسي بالنسائج الأرجوانية الرائعة. وارتقت الصناعة المعدنية في زمن الفاطميين إلى حد بعيد أيضاً، كما يشهد بذلك ما انتهى إلينا من الأواني والأكواب والأباريق والأطباق والمصابيح، وغيرها من ألوف المصنوعات التي نشرنا صور نماذج كثيرة لها في هذا الكتاب.

стр. 213

شكل ٤ - ١٠: القسم الأعلى من مآذن الجامع الأزهر (من صورة فوتوغرافية التقطها المؤلف). وكانت قصور الخلفاء الفاطميين فخمة، ويثبت ما نراه في المساجد المصرية القديمة، التي ظلت قائمة، من الزخرف أنه لم يكن في وصف الكتاب لها شيء من المبالغة. وقص المؤرخون علينا نبأ القصر العربي القديم الذي بناه خمارويه ابن طولون سنة (٢٧١ هـ/٨٨٤ م)، أي قبل ظهور الفاطميين، فقد كان يحيط بذلك القصر، على حسب ما جاء في الأخبار العربية، رياض واسعة ذات زهور على شكل آي من القرآن، وكان يرى في رداهه الذهبية المقه تماثيل لذلك الأمير ونسائه ذات ثياب ثمينة، وكانت له حظيرة جميلة للحيوانات الكثيرة، وكان يوجد تحت أحد أروقته الرخامية حوض زئبق عرضه ثلاثون متراً فينعكس عليه نور النهار وأشعة القمر والنجوم، وكان يشاهد من جوسق أنيق فيه منظرٌ جميلٌ لحدائقه وللنيل والريف.

стр. 214

شكل ٤ - ١١: نافذة في جامع السلطان قلاوون. ولا تكفي الأوصاف المختصرة التي جاءت في كتب العرب عن القصور العربية في مصر منذ ألف سنة، فترانا مضطرين إلى إتمامها بما رواه أوربي يدعى غليوم الصوري في كتابه التاريخي عن حروب أمراء النصارى في فلسطين مستنداً إلى ما قصه السفراء الذي أرسلوا إلى بلاط ملك مصري، قال غليوم الصوري: نعتمد في وصف قصر الأمير الرائع الذي لم يكن له نظير في زماننا على ما قصه أولئك السفراء الذين زاروه فرأوا فيه ما ليس في غيره من الجلال والنضارة والعظمة، فقد وصل أولئك السفراء، بعد أن مروا من مسالك وقاعات كثيرة، إلى أروقة النزهة، والرياضة ذات العماد المرمرية، والسقوف الذهبية الدقيقة الصنعة والبلاط الزاهي الألوان، وبهرهم جمال ما رأوا فبهتوا، ولم تشبع عيونهم من النظر إلى تلك البدائع التي لم تكن لتخطر على قلوبهم، ومما

стр. 215

شاهدوه: حياض السمك الرخامية، وأنواع الطيور المغردة الملونة البراقة التي لم يسبق لنا علم بها، ثم طاف الخصيان بهم في غرف تفوق ما تقدم حسناً ورواءً، ومما رأوا هنالك أنواع ذات القوائم الأربع العجيبة، التي لا يقدر على تصويرها سوى ريشة رسام تابع لهواه أو شاعر متحلل أو من يسبح روحه في أحلام الليل، والتي تنتجها بلاد الجنوب والشرق لا بلاد الغرب التي لا تراها، والتي قلما تسمع عنها شيئاً. ويمكن تصور ما كان عليه الخلفاء الفاطميون من الثراء عند النظر إلى قائمة الأموال التي روي المؤرخ المقريزي أن الخليفة المستنصر (٤٢٧ هـ/١٠٣٧ م) اضطر إلى بيعها؛ إرضاء لأولئك المرتزقة الذين تكلمنا عنهم آنفاً، وقلنا: إنهم استبدوا بالملك تقريباً، ولا يطعن في صحة رواية المقريزي الذي استند إلى محضر وكيل الوزير ناصر الدولة، فالمرء حين يقرأها يرى أن ثروات العالم التقت وتكدست في مصر منذ قرون كثيرة؛ لكي تنثر على أحط الجنود في آخر الأمر كما قال مسيو مارسيل. قال مسيو مارسيل نقلاً عن المقريزي: ذكر في تلك القائمة العجيبة ما لا حصر له من أمداد الزمرد والياقوت واللآلئ والمرجان، وما إلى ذلك من الحجارة الكريمة، وذكر فيها ١٨٠٠٠ من آنية البلور، ثمن بعضها ألف دينار (١٥٠٠٠ فرنك)، و ٣٦٠٠٠ قطعة أخرى من البلور، وبساط من الذهب وزنه ٥٤ أوقية، وأربعمائة قفص كبير من الذهب، و ٢٢٠٠٠ جلية من العنبر، وعمامة مرصعة بالجواهر قيمتها ١٣٠٠٠ دينار (١٩٥٠٠٠٠ فرنك) وديوك وطواويس وغزلان ذات حجم طبيعي مصنوعة من الذهب ومرصعة باللآلئ والياقوت، وموائد مصنوعة من اليصب كبيرة يستطيع أن يجلس حولها آكلون كثيرون معاً، ونخلة من الذهب في صوان من الذهب، وثمار وأزهار ذات حجم طبيعي من اللؤلؤ والياقوت، وحديقة ذات تراب من الفضة المذهبة، وأرض من العنبر، وأشجار من الفضة وثمرات من الذهب والحجارة الكريمة، وخيمة مصنوعة من المخمل والديباج الموشى بالذهب، دائرتها خمسمائة ذراع (٦٢٥ قدم) وارتفاعها ٦٤ ذراعاً (٩٠ قدماً) وبسطها تعدل حمل مائة بعير، وخيمة أخري مصنوعة من الإبريز قائمة على أعمدة من الفضة، وأخبية وزنها ثلاثة قناطير، وألفان من الزرابي المزخرفة

стр. 216

بالذهب ثم إحداها ٢٢٠٠٠ دينار (٣٣٠٠٠٠ فرنك) وثمن أقلها ألف دينار (١٥٠٠٠ فرنك)، وخمسون ألف قطعة من النسائج الحريرية الموشاة بالذهب ... الخ. وذلك إلى أن أمين بيت المال ابن عبد العزيز ذكر في قائمته أكثر من مائة ألف سلعة ثمينة ومئتي ألف قطعة من السلاح سلمت أمامه. شكل ٤ - ١٢: شارع في القاهرة (من صورة فوتوغرافية). ويسأل الإنسان، عندما يعلم مقدار تلك الثروات: من أين أتت؟ ومن أي ينبوع كان الخلفاء يأخذون دخلهم الذي استطاعوا أن يجمعوا من الكنوز ما لا يملك مثله أي واحد من ملوك الزمن الحاضر؟ كانت ثروة الخلفاء الفاطميين تستند إلى مصدرين مختلفين: الحاصلات الزراعية والأعمال التجارية، والواقع أن مصر كانت مستودعاً للتجارة بين أوربة والهند وجزيرة العرب، وأن جميع سلع الشرق كانت تمر، مضطرة، من طريق الإسكندرية إلى الغرب. وروى فريسكو بالدي الفلورنسي أنه كان يُرى من السفن في ميناء القاهرة في زمانه، أي في سنة ١٣٨٤ م، أكثر مما في جنوة أو البندقية، وأن عدد الزوارق في نهر

стр. 217

النيل كان ٣٦٠٠٠، فتستخدم في الوسق والتفريغ، ويرى من أثمان السلع التي ذكرت في رحلة أحد أصحاب فاسكودوغاما أن مكاسب خلفاء مصر منها كانت وافرة إلى الغاية، وأن الأبازير والتوابل كانت تباع في القاهرة بثمن أعلى مما عليه في كلكتة خمس مرات. ودام مصدر الثراء الواسع هذا إلى أن جاوز فاسكودوغاما، في سنة ١٤٩٧ م، رأس الرجاء الصالح، وبلغ شاطئ ملبار الذي لم يره أوربي قبله، والذي لم يختلف إليه أحد غير العرب حتى ذلك التاريخ. وكانت الضربة التي نزلت بثروة خلفاء مصر بسبب هذا الاكتشاف عظيمة جداً، ولم يستطع الخلفاء أن يمنعوا بأساطيلهم البرتغاليين من الاستقرار بالهند، ومن القضاء على تجارة العرب في الشرق الأقصى، أي على المصدر الأصلي لثروة ملوك مصر. (٤) مباني العرب في مصر مصر هي البلاد الوحيدة التي ترى فيها المباني العربية القائمة منذ الدور الإسلامي الأول، والتي يمكن الباحث أن يدرس فيها تحول فن العمارة العربي في مختلف الأدوار. وإذ كان جميع تلك المباني العربية القديمة القائمة هو من المساجد على وجه التقريب، وكان أهمها في القاهرة، كان من السهل درسها. وظلت مدينة القاهرة، وإن شئت فقل أقسامها البعيدة من الأوربيين على الأقل، عربية تماماً، ولنا بحالها الحاضرة، فكرة عما كانت عليه في عصر الخلفاء. والناظر إلى القاهرة من بعيد يراها ذات طابع شرقي يستوقف النظر، أي يراها ذات طابع لا يشاهد مثله في أية مدينة أخرى على ما يحتمل، فهي مؤلفة من بيوت بيض ذوات سقوف مستوية يشرف عليها مئات من المآذن الهيف منفصلة عن النخل ارتفاعاً، وتسحر القاهرة من ينظر إليها من أعلى القلعة، ولا أعلم مدينة تسحر القلوب بمنظرها كالقاهرة. وشوارع القاهرة ضيقة متلوية غير منتظمة كشوارع كل مدينة شرقية، وتكاد أطناف نوافذ البيوت في أحياء مصر القديمة، على الخصوص، تتماس، والحكمة في ضيق تلك الشوارع هي الاستكثار من الظل واستبقاء الرطوبة، ومن يقطع شوارع القاهرة وميادينها الكبيرة التي أنشئت على النمط الأوربي تحت وهج الشمس يعلم سر تفضيل الناس، في مثل ذلك الجو، للشوارع الضيقة المملوءة بالظل على الشوارع الواسعة التي تلهبها نار الشمس على الدوام.

стр. 218

شكل ٤ - ١٣: منظر جامع السلطان حسن (من تصوير إيبر). ويستوقف تزاحم الأقدام في شوارع القاهرة نظر السياح في كل حين، ويغري منظرها النفوس مع زيارة دمشق، فقد قضينا ساعات كثيرة في تأملها. قال الدكتور إيزانبر: «يري، في الجمهور الأنمر المتزاحم، الفلاح المتواضع، والبدوي المتبختر، والقبطي أو اليهودي العبوس، واليوناني النشيط اليقظ، والقواس الألباني الثقيل المتزيد، وأصناف الزنوج الذين تترجح ألوانهم بين الأبنوسي الخاص بالسوداني واللمعان الخاص بالبربري، ويتألف منظر لا يمل منه الأجنبي من القوافل الآتية من نواحي إفريقية وجزيرة العرب، ومن الجمال الوئيدة المشي المتزنة الخُطا، ومن الحمير السريعة الخطو التي يركبها صغار السادة من الشرقيين أو النساء المتحجبات بأزر قاتمة، ومن الباشوات الذين يمتطون بملابسهم الرسمية صهوة الخيل، ومن السقائين الذين يحملون أسقية جلدية لزجة، ومن أنواع الحمالين، ومن السواس الصخابين الذين يضربون العربي البليد بسياطهم، ومن الفلاحات البائسات المتباطئات.»

стр. 219

أنشئت مدينة القاهرة الجديدة سنة (٣٥٩ هـ/٩٧٠ م)، وهي تضم مدينة الفسطاط القديمة التي أقامها عمرو بن العاص فقامت مقامها، وعادت مدينة الفسطاط لا تكون اليوم إلا ضاحية لتلك المدينة تعرف الآن باسم مصر القديمة، وإن كانت مدينة عمرو بن العاص هذه لم تحمل سابقاً هذا الاسم غير المطابق للأصل. وتم إنشاء القاهرة بعد أن وضع حجرها الأول بثلاث سنين، وأنفق الفاطميون جزءاً كبيراً من دخلهم الواسع على تجميلها وزخرفتها، ولم يأل كل عاهل جهداً في أن يسبق سلفه في ذلك، ثم سار المماليك الذين حلوا محل الخلفاء العرب على غرار هؤلاء في تزيين القاهرة، ولم ينقطع أمر عمرانها إلا بعد أن أصبحت مركز ولاية تركية، فقد أهملها الترك، فضلاً عن عدم زخرفتهم لها، واليوم تتدرج مبانيها المهمة إلى الخراب، وصار يخشى زوالها في المستقبل القريب لعدم إصلاحها، وقد قال لي أحد علية القوم في مصر: إنني أصبت في زيارتي لتلك المباني، فقد لا يبقى منها شيء يستحق المشاهدة بعد سنين قليلة. والآن ندرس، على عجل، أهم مباني القاهرة وفق قدمها، وقد اخترنا من مساجد القاهرة، التي تترجح بين أربعمائة مسجد وخمسمائة مسجد، ما هو أدل على تطور فن العمارة في جميع أدوارها، أي منذ إنشائها حتى الأزمنة الأخيرة: (٤ - ١) جامع عمرو بن العاص (٢١ هـ/٦٤٢ م) جامع عمرو بن العاص من أقدم معابد المسلمين وأقدسها، وقد شهد بناءه ثمانون صحابياً. وأنشأ هذا المسجد فاتح مصر عمرو بن العاص فحمل اسمه، وكان المسجد الجامع الوحيد الذي اشتملت عليه مدينة الفسطاط في عهد الخلفاء الأربعة الأولين وفي زمن الدولة الأموية، ثم اتخذ رسمه نموذجاً زمناً طويلاً ما بدا مثال المساجد الأولى. ورسم المساجد الإسلامية الأولى بسيط، ومن ينعم النظر في أحدها يميزها كلها، ويتألف كل واحد من هذه المساجد من ساحة مستطيلة محاطة بأروقة واسعة ذات سقوف مستندة إلى صفوف كثيرة من الأعمدة، ويخص أكبر هذه الأروقة الأربعة مكاناً للعبادة، ويقع في وسط هذه الساحة بركة للوضوء، وتقوم على أركان المسجد أبراج مرتفعة تسمى مآذن.

стр. 220

شكل ٤ - ١٤: بركة وضوء في جامع السلطان حسن كما هي في الوقت الحاضر (من صورة فوتوغرافية). ويوجد أمام أكثر المساجد القديمة ساحة محاطة بمساكن للغرباء، وإصطبلات للخيل والجمال، وحمامات العامة، ومناهل للشرب، وذلك أن المساجد الأولى ليست أماكن للعبادة وحدها، بل هي منازل للمسافرين أيضاً. واستعيرت أعمدة جامع عمرو بن العاص من مختلف المباني اليونانية والرومانية، وتعلوها أقواس لا تختلف عن الأقواس القديمة إلا بانكسار خفيف في أعلاها، وبأشكالها التي تشابه نعل الفرس في أسفلها والتي أصبحت، بعد تعديل، من صفات فن العمارة العربي مع الزمن، ومنح شكل نعل الفرس، بتطبيقه على قاطع القباب بعد ذلك، هذه القباب هيفا وروعة أسنى مما تجده في فطس القباب البيزنطية. ولم يبق لساحة جامع عمرو بن العاص المستطيلة التي تحيط بها الأروقة سوى أعمدة قائمة في جانبين متقابلين منها، ويوجد في أحد هذين الجانبين صف واحد من

стр. 221

شكل ٤ - ١٥: مسجد آخور في القاهرة (من صورة فوتوغرافية). الأعمدة، وفي الجانب الآخر المقابل الذي هو مكان للصلاة ستة صفوف من الأعمدة، وتبلغ أقواس كل واحد من هذه الصفوف إحدى وعشرين قوساً، ويكون بذلك، مجموع الأعمدة التي في مكان الصلاة ١٢٦ عموداً، وإذا نظرنا إلى الصف الأول من مكان الصلاة فرأيناه ذا أعمدة مضاعفة كان الحاصل الحقيقي لأعمدة مكان الصلاة ١٤٧ عموداً. ويوجد في جامع عمرو بن العاص، كما في كل جامع إسلامي، محراب مقنطر يتجه نحو مكة، ويقيم المسلمون أمامه صلواتهم، وفيه منبر للوعظ، والمحراب والمنبر المذكوران بسيطان إلى الغاية. ومثلهما بساطة مئذنتاه القليلتا الارتفاع، اللتان لم يكن لكل واحدة منهما سوى رواق واحد ورأس دقيق.

стр. 222

شكل ٤ - ١٦: مسجد برقوق المشتمل على قبور الخلفاء (من صورة فوتوغرافية). ولا ترى في جامع عمرو بن العاص شيئاً من الزينة والنقوش البارزة والدقائق التي اتصف بها فن العمارة العربي في المستقبل، ويوجد لجامع عمرو بن العاص روعة مع بساطته وغابة أعمدته وأقواسه، ومن المحزن حقاً أن يعتريه الوهن كما يعتري أكثر المساجد القديمة في القاهرة. (٤ - ٢) جامع ابن طولون (٢٤٣ هـ/٨٧٦ م) قام جامع ابن طولون على الطراز البسيط، وإن كان أكثر زخرفاً من جامع عمرو، فرسمه العام مثل رسم جامع عمرو، وهو، كجامع عمرو، مؤلف من ساحة مربعة تحيط بها الأقواس من كل جانب، وتقوم هذه الأقواس، المصنوع أعلاها على رسم البيكارين، والمصنوع أسفلها على شكل نعل الفرس بما هو أبرز مما في جامع عمرو، على أركان قوية تلتصق بزواياها أعمدة ذات تيجان منقوشة على الطراز البيزنطي، وذلك بدلاً من أن تقوم على أعمدة كما في جامع عمرو، ويظهر أن هذه الأركان هي المصدر الذي اقتبس منه طراز الأعمدة المنضمة التي ترى في كنائسنا القوطية كثيراً.

стр. 223

وباطن سقف جامع ابن طولون، المستند إلى تلك الأقواس، مصنوع من الخشب كما في جامع عمرو أيضاً، ولا ترى فيه زخارف ونقوش متدلية، وما في أطنافه ونوافذه وأسفل حناياه من الأزهار والأغصان المصنوعة يذكرنا بالطراز البيزنطي مبشراً بظهور فن الزينة العربي. وتقرأ على أطناف باطن ذلك السقف خطوط كوفية منقورة في الخشب. وتعلو جدران ذلك الجامع شرف ذات منافذ للضياء. وبني ذلك الجامع من الأجر المكسو بملاط من الكلس والرخام، وصنعت نقوشه وزخارفه من هذا الملاط أيضاً. ولم يبق لذلك الجامع سوى مئذنة واحدة، وهي برج مدرج مربع في أسفله، أسطواني في وسطه من الزوايا في أعلاه. شكل ٤ - ١٧: سهل القبور في أسفل القلعة وجامع محمد علي (من صورة فوتوغرافية). ويرى في ساحة ذلك الجامع حوض جميل مغطى ذو نوافذ مثلثة في أعلى بابه. وأصاب الوهن جامع ابن طولون، ولم تبال حكومة مصر بهذا الأثر الفني العربي القديم، كما أنها لم تبال بغيره من الآثار العربية، ويرى الناظر سقفه وجدرانه وكل شيء فيه على شفا الانهيار، ولن تمضي سنون قليلة حتى يصبح أنقاضاً، وقد اضطررنا لدخوله إلى كسر أحد أبوابه المسمرة؛ منعاً للناس من زيارته.

стр. 224

(٤ - ٣) الجامع الأزهر (٣٥٩ هـ/٩٧٠ م) شكل ٤ - ١٨: داخل جامع المؤيد (من تصوير كوست). الجامع الأزهر أرقى زخرفاً من جامع ابن طولون، ولكنه يجب على من يدرسه أن يذكر أن كثيراً من دقائقه تم بعد إنشائه بزمن طويل. ويتمتع الجامع الأزهر، الذي بدأ بعمله مثل جامعة منذ سنة ٣٧٥ هـ، بشهرة واسعة بين المساجد الإسلامية. وللجامع الأزهر الآن تأثير كبير في بلاد الإسلام، والطلاب يقصدونه أفراداً وأرسالاً من أنحاء العالم الإسلامي، وكيف لا وهو الملجأ الأخير لعلوم العرب في الشرق. وفي الجامع الأزهر أساتذة يقبضون رواتبهم من دخله، ويدرسون فيه العلوم

стр. 225

شكل ٤ - ١٩: جامع قايتباي (من صورة فوتوغرافية). والآداب والتوحيد والفقه والطب والفلك والرياضيات والتاريخ، وكان عدد طلابه اثني عشر ألفاً فيما مضى، ولا يقل الآن عن هذا العدد كثيراً، ويقوم بنفقات طلابه الفقراء. ويشابه رسم الجامع الأزهر رسم المساجد السابقة، وما يحيط به من مختلف المساكن يفسد رسمه القديم بعض الفساد. وعلى من يريد أن يتمثل طراز الجامع الأزهر القديم أن يدرس صحنه الكبير، فأقواسه الحادة تقوم على ٣٨٠ عموداً من الرخام السماقي والمرمر والغرانيت، وقواعد هذه الأعمدة وتيجانها أخذت من أبنية قديمة، وقوس القناطر حادة أكثر مما في المساجد الأولى، ومآذنه الرائعة أنشئت بعد إقامته بزمن، وقد نشرنا في هذا الكتاب صورة فوتوغرافية التقطناها لها من أحد أرصفته، كما نشرنا أيضاً صورة لمحراب فيه مزين بشتى الألوان، وذلك في ردهة اتخذت ضريحاً لرجل عظيم.

стр. 226

(٤ - ٤) جامع قلاوون (٦٨٣ هـ/ ١٢٨٣ م) جامع قلاوون مثال ما كاد يبلغه فن العمارة في أرقى أدواره، ومن دواعي الأسف أن لطخ الدهانون بعض أجزاء جدرانه وباطن سقفه بحجة الإصلاح والترميم. ويذكرنا جامع قلاوون في مجموعه بالمباني القوطية الأولى، وقد استوقفت هذه المشابهة أنظار العلماء الذين زاروه كـ «كوست» و «إيبر»، قال إيبر: ومما يستحق الذكر في مقدم جامع قلاوون ومزاره مشابهته قدم الكنائس القوطية الأوربية، وما فيه من أقواس الدعم الطويلة التي تقوم بينها أقواس صغيرة مستندة إلى أعمدة، وما كان من عدم وجود أفاريز فيه، وما فيه من الأساطين العاطلة من السطوح، وما فيه من الرتاج الذي يزيد المدخل زخرفاً وزينة، والذي يرى فيه كثير من الحنايا المتداخلة المرتكزة على أعمدة صغيرة متفاوتة، يذكرنا في مجموعة الفاقد النظام والانسجام بالمباني التي أقيمت في ذلك الدور في فرنسة وألمانية وشمال إيطالية، وإننا- مع إضافتنا إلى ذلك الطراز العربي ما تطلبه جو أوربة البارد الماطر وعاداتها الدينية ونقاشة تماثيلها وسقوفها المرتفعة وسطوحها الحادة الزوايا ومزاريبها الناتئة وقباب أجراسها وتماثيلها- وجدنا أن النقوش البارزة هي زخرف فن العمارة العربي الذي نقل إلى إحدى الأمم النصرانية في الشمال: وذلك الطراز هو الذي نسميه الطراز القوطي، فنرى مثاله الجميل في سنت شانيل الباريسية التي أقيمت في القرن الثالث عشر، أي في القرن الذي بني فيه جامع قلاوون. ويرى في جامع قلاوون مزار مقبب يضم قبر بانيه، وتقوم قناطر هذا المزار الرائع الطويلة على أركان ذات أعمدة متصلة بزواياها، ويذكرنا هذا المزار، وتذكرنا نوافذه المصنوعة على رسم البيكارين، بمباني أوربة التي أقيمت على الطراز القوطي كما يذكرنا جامع قلاوون نفسه بها. وكان يلحق بجامع قلاوون مشفى، وليس هذا المشفى موجوداً في الوقت الحاضر مع وصفه مطولاً في دليل نشر حديثاً في الشرق.

стр. 227

(٤ - ٥) جامع السلطان حسن (٧٥٧ هـ/١٣٥٦ م) بلغنا أنضر أدوار فن العمارة العربي بالتدريج، وهو ما أقيم فيه جامع السلطان حسن الذي هو أجمل مباني القاهرة. وتذكرنا سعة جامع السلطان حسن العظيمة بأكبر كنائسنا، وهو يزيد على كنيسة نوتردام الباريسية حجماً، ويبلغ ارتفاع قبته العظيمة ٥٥ متراً، ويبلغ ارتفاع أعلى مآذنه ٨٦ متراً، أي ضعف ارتفاع عمود فندوم في باريس، ويبلغ طوله ١٤٠ متراً وعرضه ٧٥ متراً، ويبلغ ثخن جدرانه ثمانية أمتار، وقد بنيت هذه الجدران من الحجارة المنحوتة خلافاً لجدران المساجد القديمة التي بنيت من الأجر والرخام. شكل ٤ - ٢٠: محراب جامع قايتباي ومنبره (من صورة فوتوغرافية).

стр. 228

ولجامع السلطان حسن في مجموعه منظر رائع لا نجد مثله في مساجد الهند الكبيرة التي تكلمنا عنها آنفاً. شكل ٤ - ٢١: باب الفتوح (من تصوير إيبر). ويختلف رسم جامع السلطان حسن العام بعض الاختلاف عن الرسم المعتاد الذي تكلمنا عنه، فهو قائم على شكل الصليب الإغريقي بدلاً من أن يكون مربعاً، وهو، بدلاً من أن يكون محاطاً بالقناطر كما في المساجد السابقة، تجد في كل واحدة من جهات ساحته الداخلية مدخل بهو فسيح ذي قنطرة عظيمة مصنوعة على رسم البيكارين نافذ إليها، وتقام الصلاة في أكبر أبهائه ذي القبة التي يبلغ ارتفاعها ٢١ متراً، ويشتمل هذا البهو الكبير على محراب ومنبر للوعظ كما تراه في جميع المساجد، وتستر قواطع الجدران كتابات ونقوش عربية، وتقوم في وسط تلك الساحة بركة رائعة متداعية مع الأسف. ويشتمل جامع السلطان حسن على قبر بانيه، وهذا القبر في بهو يبلغ عرض قبته ٢١ متراً مع نقوش متدلية في القاعدة.

стр. 229

شكل ٤ - ٢٢: بئر يوسف التي صنعها العرب في القاهرة (من تصوير كوست). وتحيط بالبهو كتابات جميلة منقورة في خشب ارتفاعه متر واحد تقريباً. ونرى أقواسه مختصرة قليلاً كما في أكثر المساجد السابقة، ولم تعم الأقواس المصنوعة على شكل نعل الفرس إلا في المباني التي شادها العرب في الأندلس على العموم. ويبلغ ارتفاع الرتاج الشمالي لجامع السلطان حسن عشرين متراً، وهو مجوف على شكل نصف الدائرة، ويرتكز نصف القبة التي تعلوه على حجارة متدلية، وتغطي قواطعه نقوش عربية كثيرة.

стр. 230

ولم ينل جامع السلطان حسن من العناية أكثر مما نالته مساجد القاهرة الأخرى، فما فيه من الفسيفساء والنقوش والروافد يندثر شيئاً فشيئاً، وقد لا يبقى من هذا الأثر الرائع سوى الجدران بعد سنين قليلة. وجميع مساجد ذلك الدور تستحق الذكر، فتمثل، هي والمباني التي أقيمت في القرن الذي جاء بعدها، عصر فن العمارة العربي الذهبي بمصر. ومن مباني ذلك الدور أذكر، على الخصوص، جامع الأمير آخور ذا القبة الرائعة، والمباني الآتية. (٤ - ٦) جامع برقوق (٧٨٤ هـ/١٣٨٤ م) بني هذا الجامع من مداميك منظمة حجرية بيض وحمر، وهو من المباني التي نسميها مزارات الخلفاء، وتعبر مئذنته، مع مئذنة جامع قايتباي، عن المآذن العربية أحسن تعبير، ولقبابه المخصرة قليلاً هيف يشمل النظر، وللقبة التي هي فوق ضريح برقوق منظر داخلي ذو روعة وجلال، وتمسك أركان البهو المربع هذه القبة بمدليات رائعة. ويشتمل جامع برقوق على منبر عجيب من الرخام المنقوش، ويعد هذا المنبر، الذي هو تخاريم حجرية بالحقيقة، من روائع الفن العربي، فإهمال مثل هذا المنبر وتعريضه للنهب من الجرائم الوحشية التي لا تغتفر. (٤ - ٧) جامع المؤيد (٨١٨ هـ/١٤١٥ م) جامع المؤيد في مجموعه أقل أهمية من أكثر المساجد التي ذكرناها مع ما فيه من فيض الزخارف، وهو إذا ما نظر إليه من ناحية زخارفه عد من أغنى مساجد القاهرة، وسيصبح أنقاضاً بعد قليل من الزمن لإهمال أمره كما سيصير إليه أكثر المباني التي ذكرناها، وفي هذا الجامع شاهد سقوفاً ذات رقاع منقورة مدهونة ملونة يندر وجودها في القاهرة الآن، وشاهدت أبواباً عظيمة ذات أعمدة تعلوها أقواس مخصرة قليلاً في قاعدتها مصنوعة على رسم البيكارين، وشاهد نوافذ جميلة مصنوعة أيضاً على رسم البيكارين تحيط بها كتابات وفسيفساء أنيقة.

стр. 231

(٤ - ٨) جامع قايتباي (٨٧٢ هـ/ ١٤٦٨ م) يشتهر هذا الجامع بقبته الكاسية بالزينة العربية البارزة النقوش، وبمئذنته الرائعة المثلثة الطبقات المغطاة بالنقوش، والمعدودة عنوان فن العمارة العربي الأخير على ما يحتمل، والناظر إلى هذه المئذنة يشاهد درجة ذوق العرب الفني في الزخرف البارز على الحجارة التي تصنع منها المساند والأطناف والأروقة الناتئة عن مستوى جدران المآذن، والتي تكتسب بها المآذن منظراً رائعاً لا ترى مثله في البرج المربع أو البرج الأسطواني. ويعد جامع قايتباي كما يعد جامع برقوق، من المباني المتصدعة التي يسميها الناس مزارات الخلفاء، وأقيم أكثر هذه المباني في زمن المماليك الشراكسة، وذلك في سهل رملي قريب من القاهرة، ويتألف من مجموع هذه المباني منظر من أجمل ما رأيت، ويرى في الناحية الأخرى من القاهرة، وبالقرب من القلعة، سهل آخر ذو مزارات مهمة ممتعة كثيراً بيت في مختلف الأدوار، ويعلو هذه المزارات متنوع المآذن والقباب، ولا أرى أن أفصل أمرها لما في ذلك من الخروج عن نطاق هذا الفصل، ومع ذلك فقد نشرنا صورة فوتوغرافية لهذه المقبرة في هذا الكتاب. (٤ - ٩) المساجد التركية في القاهرة لا أري بين المساجد والقصور القليلة التي أنشئت منذ أوائل القرن السادس عشر، أي منذ استيلاء الترك على مصر، مسجداً واحداً أو قصراً واحداً يستحق الذكر، ولو نظرت إلى أهم المباني التركية في مصر، أي إلى جامع محمد علي الضخم ذي القبة الفطساء والمآذن الأسطوانية الهزيلة التي تنتهي بما يشبه المطفأة، لرأيت الهوة العميقة التي تفصل بين ذوق العرب الفني وذوق الترك. نعم، لم يكن العرب حين فتحوا مصر من رجال الفن المتضلعين، ولكن ما فطروا عليه من الذوق الفني العالي حفزهم إلى ابتداع طراز عمارة جديد من عناصر الفن البيزنطي، وغير ذلك أمر أولئك الترك الذين لم يكونوا أهلاً للانتفاع بمواهب أساتذة الفن وأمثلته، والذين لم يروا، حين أرادوا إنشاء جامع في القاهرة، غير نسخ عمارة أيا صوفية الثقيلة التي كانت كنيسة بيزنطية، والتي هي عنوان مرحلة فنية جاوزها العرب منذ زمن طويل، فعند تلك المرحلة وقف الترك، ولم يستطيعوا قطعها.

стр. 232

شكل ٤ - ٢٣: ردهة استقبال عربية في القاهرة (من تصوير بريس الأفيني). (٤ - ١٠) الآثار العربية الأخرى في القاهرة أبواب المدينة، القلعة، بئر يوسف ... إلخ: أذكر، من بين الآثار العربية التي أقيمت في عصر الخلفاء والتي يتجلى فيها فن العمارة العربي، بابين من أبواب القاهرة، وهما: باب النصر وباب الفتوح اللذان أنشأهما الخليفة الفاطمي المستنصر في القرن الحادي عشر من الميلاد. وأذكر كذلك قلعة القاهرة التي أنشأها السلطان صلاح الدين في القرن الثاني عشر، وتستقي هذه القلعة ماءها من بئر منقورة في الصخر نقراً يدل على مهارة مهندسي ذلك الزمن، ويبلغ عمق هذه البئر ٨٨ متراً، ويبلغ مدخلها ثمانية أمتار، وتقسم إلى طبقتين، ويرفع ماؤها بقوة الثيران التي تحرك دولابها ذا السبح والقل، ويمكن النزول حتى الطبقة الأولى من هذه البئر بطريق مستديرة سهلة الانحدار ذات قصفان واطئة إلى حد يسهل معه نزول الثيران إليها وصعودها منها. ونشاهد في القاهرة آثاراً كثيرة للحضارة العربية، كالمنازل والأسلحة ومختلف المصنوعات وغيرها من الأشياء التي سندرسها في فصول أخرى، فإذا أضاف القارئ

стр. 233

درس هذه الأشياء إلى درس الآثار التي ذكرناها آنفاً اتضح له أمر الحضارة التي أقامها رجال القرآن في مصر. هوامش

стр. 234

الفصل الخامس العرب في إفريقية الشمالية (١) إفريقية الشمالية قبل الفتح العربي نقصد بإفريقية الشمالية البلاد التي تشتمل على مراكش والجزائر وتونس وطرابلس الغرب، وتمتد إفريقية الشمالية من المحيط الأطلنطي إلى غرب مصر الملحقة بالشرق على العموم، وتحد إفريقية الشمالية بالبحر المتوسط في الشمال وبأقسام الصحراء المجاورة للسودان من الجنوب. وكان الرومان يقسمون إفريقية الشمالية إلى خمسة أقسام: (١) بلاد برقة الواقعة في غرب مصر. (٢) بلاد إفريقية القنصلية (طرابلس الغرب وتونس). (٣) بلاد نوميدية (ولاية قسنطينة). (٤) موريتانية القيصرية (قسم من الجزائر الحاضرة). (٥) موريتانية الطنجية (مراكش)، وكانت رومة تمارس سلطانها على هذه الولايات بما ترسله إليها من الولاة والمندوبين والحكام. وسمي العرب إفريقية الشمالية والأندلس بالمغرب في البداءة، وأطلق اسم إفريقية على تونس وطرابلس الغرب حين استقر العرب بالقيروان وتونس، وصارت كلمة المغرب لا تدل على غير بلاد إفريقية الغربية في نهاية الأمر. وصار العرب يسمون البلاد التي تحتوي الآن على الجزائر، تقريباً، بالمغرب الأوسط، والبلاد التي تحتوي الآن على مراكش بالمغرب الأقصى. واستولت شعوب كثيرة على شمال إفريقية، وكانت لها آثار متفاوتة فيها، وملكها قبل العرب كل من القرطاجيين والرومان والوندال والقوط والبيزنطيين.

стр. 235

ولم يتبدل أهل شمال إفريقية مع كثرة فتوح الأجانب لها، وهؤلاء الأهلون هم البربر الذين حافظوا على دينهم ولغتهم وعاداتهم خارج المدن على الأقل. وينطوي تاريخ استقرار العرب بإفريقية على النزاع الذي دام طويلاً بينهم وبين البربر، وكان للبربر من الشأن في إفريقية والأندلس ما يجب درسه؛ لفهم ذلك التاريخ، وتزيد ضرورة ذلك الدرس كلما أمعن العلماء في الغلط حين يتكلمون عن البربر بسبب بلاد الجزائر. وجميع أمم إفريقية الشمالية التي سماها الرومان بالنوميديين واللوبيين والإفريقيين والمغاربة والجيتول ... إلخ، من عرق البربر، ويمكن القول بأن من لم يكن زنجياً في شمال إفريقية كان بربرياً، وذلك قبل العرب. ولا يقل جهلنا للأصل البربري عن جهلنا لأصول أكثر العروق. بيد أن ما نراه في شواطئ إفريقية العليا من البيض بين الزنوج يدلنا على أن البربر نتيجة اختلاط مختلف الشعوب التي هاجرت إلى شمال إفريقية في أقدم القرون، وقد قلنا «أقدم القرون» إما ليس لدينا من الروايات والتاريخ ما دون ذلك، وقد قلنا «مختلف الشعوب» لما نشاهد بين سود الشعور من زرق العيون شقر الشعور. ويمكننا أن نأتي بافتراضات معقولة عن الأمكنة التي صدرت عنها تلك الهجرة فنقول: إن أولئك المهاجرين لم يأتوا من الجنوب الذي لا يرى فيه غير الزنوج، ولا من الشمال الذي لم يكن إلا بحراً خضماً لم يفكر الأقدمون في عبوره، وإنما جاء أولئك المهاجرون من الشرق، أي من آسية، مارين من الأرض الضيقة التي تصلها بإفريقية، أو جاءوا من الغرب، أي من مضيق جبل طارق. والحق أن المهاجرين السود الشعور أتوا من شواطئ الفرات ومن شمال جزيرة العرب، أو من مكان أبعد منها على ما يحتمل، وأن المهاجرين الشقر الشعور الزرق العيون أتوا من شمال أوربة، ولا ريب في مجيء هؤلاء من شمال أوربة مارين، على الأرجح، من أقصى طرف غربي بإفريقية، وذلك بدليل ما بين آثارهم الحجرية في إفريقية وما بين الآثار الحجرية التي اكتشفت في شمال أوربة من المطابقة التي لا ترى مثلها عند مقايسة تلك الآثار بأثار الوندال الذين أوغلوا في إفريقية بعد الميلاد بزمن طويل. وهنالك بعض الأدلة على هجرة شقر الشعور إلى إفريقية، ففي مصر من المباني التي أقيمت منذ أكثر من أربعة عشر قرناً، أو خمسة عشر قرناً، قبل الميلاد ما رسمت عليه صور إفريقيين شقر الشعور زرق العيون، وأخبر الجغرافي سلاكس في رحلته التي

стр. 236

قام بها في أطراف البحر المتوسط قبل الميلاد بقرنين بوجود شعب من شقر الشعور قاطن في الولاية التي تعرف اليوم بتونس، وعدد هؤلاء قليل في الوقت الحاضر، وتراهم الآن شراذم مبعثرة في إفريقية، وترى منهم أشخاصاً بين الطوارق في الصحراء. شكل ٥ - ١: منظر تونس (من صورة فوتوغرافية). وتفوق سود الشعور على شقر الشعور يدل على أهمية تلك الهجرة من آسية وتغلبها. وذكر العرب البربر من الشواطئ، وكان البربر يقطنون قبل ذلك فيما بين البحر المتوسط وبلاد السودان من البقاع الواسعة، وتمازج سكان الجنوب من البربر والزنوج، فنشأت عن ذلك أمثلة من البربر مختلفة يراها من يطوف في مدن إفريقية، ولا سيما مدن مراكش. ويقم العرق البربري من الناحية السياسية إلى عدة فروع لعرق واحد، ومن هذه الفروع القبائل في الجزائر، والطوارق في الصحراء، والشلوح في مراكش. ونقول، مع ما نجد من صعوبة في وصف البربر وصفاً دقيقاً من الناحية الإثنوغرافية: إذا بحثت عن البربر الخلص وجدتهم يسكنون الجبال الوعرة، وأما في المدن وفي المناطق القريبة من الساحل فقد تحولوا بفعل توالدهم هم والرومان والأغارقة

стр. 237

والوندال وغيرهم، ولا سيما العرب الذين عادلوهم في بعض الأزمان كما تبين ذلك عما قليل. شكل ٥ - ٢: قرية بربرية في الجزائر (من صورة فوتوغرافية التقطها جايزر). ويصعب على الباحث، إذن، أن يبصر المثال البربري الخالص بعد ذلك التوالد، ونقترب من الصواب إذا قلنا إن المثال الذي نراه غالباً بين البربر يختلف عن المثال العربي بثخنه وثقله ووجهه المسطح العريض الوجنتين الضيق في أسفله، وبشفتيه الغليظتين وأنفه القصير مع قليل فطس وغالب خنس وبعينيه الصغيرتين الدجناوين وبسواد شعره، وهذا إلى أنني شاهدت من أمثلة البربر ما يصعب تمييزه من المثال العربي بسبب ما حدث بين الجيلين من التوالد لا ريب، وذلك كما ذكرت. وللبربر لغة عريقة في القدم يحتمل أن تكون مشتقة من الفنيقية، وبهذه اللغة حرض جوغورته جنوده على ماريوس، وبها تكلم الجيتول. وإذا استثنيت ما يسمع في إفريقية الشمالية من اللغات الأوربية علمت أن العربية والبربرية هما اللغتان اللتان يتكلم بهما سكان إفريقية الشمالية، ولكن اللغة العربية هي الأوسع انتشاراً، ولا يتكلم أحد بالبربرية في غير الجبال أو البقاع البعيدة جداً من المدن، وللبربرية لهجات كثيرة مختلفة فيما بينها اختلاف ما بين الفرنسية والإسبانية

стр. 238

أو بينهما وبين الإيطالية، وتعبت البربرية، كما تعرب البربر أنفسهم، نتيجة لاتصالها باللغة العربية، ويتألف نحو ثلث البربرية التي يتكلم بها سكان منطقة القبائل الكبرى من كلمات عربية، وأمر طريف مثل هذا يثبت لنا مرة أخرى مقدار تأثير العرب العظيم الذي لم يكتب مثله لأية أمة أخرى، ومن هذه الأمم اليونان والرومان الذين دام سلطانهم في شمال إفريقية دوام سلطان العرب من غير أن يتفق للغتيهم أي أثر في اللغة البربرية. ويقطن أهل الحضر من البربر بقرى تقوم في أعالي الجبال على العموم، ويختلف منظرها قليلاً عن منظر القرى الأوربية، والبربر صبر على العمل الشاق فلا يرتدون عنه، ويثيرون ما يملكون من الأراضي الضعيفة بجد ونشاط، ويكتفون بما يمسك الرمق لاحتياجاتهم القليلة، وهم ذوو استعداد صناعي يكفي لصنع ما يحتاجون إليه من مختلف الأدوات والنسائج والأسلحة والحلي ... إلخ، وهم يرسلون إلى الخارج ما يزيد من مصنوعاتهم، ورأيت بين ما يصنعون من الحلي ما لا يقل دقة عما تراه في مخازن أكثر الصاغة الباريسيين أناقة. ولدراسة طبائع البربر المعروفين بالقبائل وعاداتهم التي ثبتت مع تعاقب الفاتحين أهمية خاصة: تشتمل كل قرية بربرية على أمر كثيرة مؤلفة من أناس منحدرين من أصل واحد، ومن أناس انضموا إليهم بالولاء، وتعد كل واحدة من تلك الأسر وحدة سياسية شرعية قادرة على التملك والبيع والشراء. وتتألف القبيلة من اجتماع عدة قرى، والقرية، لا القبيلة، هي عنوان الوحدة السياسية البربرية خلافاً لما هو عند العرب، والقرية البربرية هي جمهورية صغيرة مستقلة يدير شؤونها رئيس منتخب يسمونه الأمين، وأهم وظائف هذا الأمين أن يرأس جمعية البالغين من أهل قريته، وتتمتع هذه الجمعية بالسلطة الاشتراعية والسلطة القضائية وتقرر شؤون السلم والحرب، وسلطة أمين القرية مقيدة جداً، والوكيل هو الذي يرقبه، والوكيل هو الذي يشكوه إلى تلك الجمعية إذا أتى عملاً يستحق اللوم والتعنيف، ومن ذلك ترى أن الاستقلال البلدي الذي يحلم به بعض الاشتراكيين تام عند البربر الذين حرموا بسببه تأليف أمة في كل زمن. والامتلاك أمر فردي عند البربر، ولكن للأسرة البربرية وللقرية البربرية أملاكهما المماثلة لأملاك بلدياتنا، والأسرة البربرية هي الوارثة حين لا يكون للمورث ورثة أو حين يكون ورثته بعيدين. وقانون العقوبات عند البربر بسيط، وعقوبات البربر فاضحة على الخصوص، ولا يعرف البربر أمر السجون، وتندر عندهم الجرائم، ولا سيما السرقة، ويعيش البربري في

стр. 239

غير معزل عن عشيرته؛ فيخشى مغنبة الإجرام، ويُرى للرأي العام سلطان عظيم في تلك الجمهوريات البربرية الميكروسكوبية التي يُعرف فيها كل واحد من أفرادها. شكل ٥ - ٣: بربري من الجزائر (من صورة فوتوغرافية). ويدين البربر في الوقت الحاضر بالإسلام مع فتور، وكان البربر قبل الفتح العربي يعبدون آلهة قرطاجة كـ «غرزيل ومستبمان» وغيرهما من الآلهة القساة، وروي ترتوليان أن البربر كانوا يضحون ببعض الأولاد تقرباً إلى إله الزمن كيوان؛ وكانوا يعبدون النار أيضاً، وانتحل النصرانية كثير من قبائل البربر المجاورة للمستعمرات اليونانية أيام الحكم المسيحي. ويقتصر البربري على زوجة واحدة، ولا تتمتع المرأة البربرية بأكثر مما تتمتع به الأوربيات من الحقوق، وإن كانت في وصاية أقل مما هن فيه.

стр. 240

والمرأة البربرية على جانب كبير من الحمية، وهي تحارب بجانب زوجها أحياناً، وخلد أوميرس ذكرها حين تغنى بخبر تلك الملكة والنسوة المترجلات اللائي فتحن بلاد لوبية وبعض آسية الصغرى. شكل ٥ - ٤: امرأة بربرية تصنع الكسكسو (من صورة فوتوغرافية). ومن النساء البربريات من جلس على عرش الملك، ويدل هذا الأمر، الذي ينفر منه العرب كثيراً، على تباينهما في النظر إلى بعض الشؤون. ولقي العرب الأمرين في دور فتوحهم، وذلك من مقاومة الملكة البربرية الكاهنة التي ألفت بين كثير من قبائل البربر، وتسلمت القيادة، وقاتلت العرب، وكتب لها النصر في المعركة الأولى وهزمت العرب، واستولت على جميع شمال إفريقية، ولما عاود العرب الكرة بجيش عرمرم عزمت الكاهنة على تخريب البلاد؛ لمنعهم من فتحها ثانية، فهدمت جميع القرى التي كانت بين طرابلس الغرب وطنجة، وكاد مصير شعب هذه السيدة، التي ألقت الرعب في قلوب العرب والروم، يكون غير ما حدث لو لم تقتل في إحدى المعارك. وانتهى العلماء الذين بحثوا في أمر البربر إلى نتائج متناقضة كثيراً، ويمكن توفيق ما بين هذه النتائج المتناقضة عند تدبر ما قلناه عن أخلاق العرب التي تختلف باختلاف

стр. 241

طرق حياتهم، فما قلناه عن العرب يصح أن يقال عن البربر الذين تباينت فروعهم فتباينت طبائعهم، وصار ما يقال عن الطوارق البدويين النهابين الغدارين لا يقال مثله عن سكان الجبال من البربر. وقد تعد روح البربر قريبة جداً من روح العرب على أن يقاس حضريو أولئك وبدويوهم بحضريي هؤلاء وبدوييهم. شكل ٥ - ٥: أحد أبواب مسجد سيدي عقبة في القيروان (من صورة فوتوغرافية). ولطرق الحياة تأثير كبير في أخلاق جميع الأمم، فإذا تماثلت طرق حياة الأمم تماثلت هذه الأمم في التفكير والسير في الغالب. والبربري الحضري، كالعربي الحضري، جَلْدٌ على العمل صبور حازم ماهر، والبربري البدوي، كالعربي البدوي، طليق محراب قنوع خفيف طواق للمشاق ختار للأعداء، ولا يختلف البربري عن العربي إلا في أنه أقل من العربي ذكاء وأشد منه حقداً وطغياناً.

стр. 242

وتجلى غدر البربر منذ أوائل الفتح العربي، فلما سأل الخليفة في دمشق فاتح إسبانية موسى بن نصير عن البربر، أجابه بقوله: «هم أشبه العجم بالعرب لقاءً ونجدة وصبراً وفروسية، غير أنهم أغدر الناس، ولا وفاء لهم ولا عهد.» واشتهر البربر قبل الفتح العربي بطويل زمن بأنهم ممن لا يوثق بكلامهم، وقد كان عددهم كبيراً في جيوش قرطاجة، فأوجبوا اشتهار الحروب اليونانية بسوء السمعة لا ريب. ولم يكن تقسيم البربر إلى أهل بدو وأهل حضر أقل أهمية من تقسيم العرب إلى مثل هذا كما يرى، وإلى هذا انتبه ابن خلدون في القرن الرابع عشر الميلادي فقال: «هذا الجيل من الآدميين هم سكان المغرب القديم ملأوا البسائط والجبال من تلوله وأريافه وضواحيه وأمصاره، ويتخذون البيوت من الحجارة والطين ومن الخوص والشجر ومن الشعر والوبر، ويظعن أهل العر منهم والغلبة لاتتجاع المراعي فيما قرب من الرحلة لا يجاوزون فيها الريف إلى الصحراء والقفار الملس، ومكاسبهم الشاء والبقر، والخيل في الغالب للركوب والنتاح، وربما كانت الإبل من مكاسب أهل النجعة منهم، شأن العرب، ومعاش المستضعفين منهم بالفلح ودواجن السائمة، ومعاش المعتزين أهل الانتجاع والإظعان في نتاج الإبل وظلال الرماح وقطع السابلة.» وظهر مما تقدم خطأ كثير من المؤلفين المعاصرين الذين رأوا أن يفرقوا بين العرب والبربر، فزعموا أن البربر أهل حضر وزراعة وأن العرب أهل بدو، وانتهوا إلى قولهم: إن البربر أهل للتمدن، وإن العرب غير أهل له؛ وذلك عندما تكلموا عن سكان بلاد الجزائر. ولكن نتيجة مثل هذه تقوم على أساس باطل، وذلك أن العرب والبربر أهل حضر وأهل بدو على سواء، وأن هذين الطرازين يصدران عن البيئة التي يكونون فيها بالحقيقة، فترى العربي حضرياً دائماً في البقاع الخصيبة من جزيرة العرب ومصر والجزائر، وتراه بدوياً، وبدوياً دائماً، في الصحاري الرملية من تلك الأقطار. ومن يسكن الصحراء الكبرى من عرب أو بربر أو من أية أمة أخرى لا يكون إلا بدوياً، ومن ذلك أنك تبصر الطوارق الذين هم بربر تخلص من النوميديين عريقين في البداوة، فيقوم معاشهم على الحرب والسلب والنهب خاصة، كأعراب جزيرة العرب، وأنك تبصير البربر من سكان الجبال، التي تتعذر معيشة أهل البدو فيها، يبنون البيوت ويزاولون أمور الزراعة. وذلك هو شأن البربر قبل فتح العرب لإفريقية وبعده، ويتعذر حمل بدوييهم، الذين تأصلت فيهم البداوة بفعل القرون حتى صارت فيهم طبيعة ثانية، على الحضارة

стр. 243

شكل ٥ - ٦: مئذنة مسجد سيدي عقبة الكبير في القيروان (من صورة فوتوغرافية). والاستقرار ومزاولة الزراعة كما يتعذر منع كلب الصيد من تعقب الطرائد، وقد يتم ذلك، ولكن بعد قرون، لا في يوم واحد. وإذا ما قيس البربر الحضريون بالعرب الحضريين لم ير ما يسوغ الادعاء بأن البربر أكثر استعداداً للتمدن من العرب، وعكس ذلك ما تثبته حوادث التاريخ، فلقد بلغ العرب، لا البربر، درجة رفيعة من الحضارة. وأرى العرب والبربر غير مستعدين في الوقت الحاضر، لهضم طرق حياة الأوربيين ومشاعرهم ونظرهم إلى الأمور، وذلك أن الحضارة عند أكثر الأوربيين هي قضاؤهم المعظم أوقاتهم، وإن شئت فقل عشر ساعات أو اثنتي عشرة ساعة، في المعامل أو المكاتب أو الحقول؛ لنيل عيشهم اليومي على أن يستأنفوا العمل في الغد، وأن عيشا مثل هذا مما لا يرضاه العربي والبربري اللذان ليس لديهما من الاحتياجات المصنوعة ما عند الأوربي، واللذان يأبيان أن يكون لهما مثل تلك الاحتياجات.

стр. 244

والأوربي في نظر العربي أو البربري سيد يعانيه ما ظل مغلوباً على أمره، فإذا سنحت الفرصة للتحرر منه لم يحجم عن اهتبالها. (٢) استقرار العرب بإفريقية لاقى العرب في فتح إفريقية من المصاعب ما لم يلاقوه في فتح مصر، ولم يستقر أمرهم بها إلا ببطء شديد، أي أن البربر لم يتوانوا عن مقاتلة العرب، وإنهم استردوا استقلالهم غير مرة. وخضعت إفريقية الشمالية للوندال، الذين أتوا من إسبانية، أكثر من مائة سنة (٤٢٩ م-٥٤٥ م) بعد أن خضعت للرومان عدة قرون، ثم طردهم منها جيش جوستينيان الذي أرسله بقيادة بيليزير، ثم استولى قوط إسبانية عليها، وكان القوط مالكين لبعضها حين ظهور العرب على مسرح التاريخ. ويحيط بتاريخ ولايات إفريقية شيء من الغموض أيام الفتح العربي، ونعلم مع ذلك، أن إفريقية كانت على شيء من الطمأنينة والهدوء وقتما أراد القيصر هرقل أن يمنع تقدم العرب، فكان هذا القيصر يفكر في السفر بحراً إلى قرطاجة؛ ليتخذها عاصمة له بدلاً من القسطنطينية التي كانت تأكلها الفتن. ولم يكن سكون إفريقية غير مؤقت، والواقع أن إفريقية كانت ميداناً لمختلف المذاهب الدينية التي تقيمها وتقعدها فضلاً عن غزو الأجنبي. نعم، أصبحت إفريقية نصرانية كمصر، ولكن انتحالها للنصرانية لم يتم إلا بعد أن أريقت سيول من الدماء، وذلك أن قسطنطين، لما جلس على العرش، رأى تلك المذاهب الدينية سبب كل اضطراب وهيجان فلم ير غير قهرها بالأسنة والسيوف. وأنشأ الرومان والبيزنطيون مدناً مهمة في إفريقية، وزينوها بمختلف المباني التي لا تزال خرائبها باقية، وكان نفوذهم محلياً، ولم يعد هذا النفوذ حدود المدن، فبدوا فاتحين لإفريقية أكثر من أن يكونوا مستعمرين لها. وكانت مقاومة الروم للعرب في شمال إفريقية ضعيفةً كما في مصر، ولولا البربر لتم للعرب فتحها بسرعة، ونشأ عن استبسال البربر في مقاومة العرب أن اضطر العرب إلى خوض خمس معارك هائلة، وقعت في نحو نصف قرن؛ ليكونوا سادة شمال إفريقية. وكانت غزوة العرب الأولى في السنة الثالثة والعشرين من الهجرة (٦٤٤ م)، وكانت ولاية برقة القريبة من مصر أول ما استولوا عليه، ثم فتحوا ولاية طرابلس الغرب،

стр. 245

شكل ٥ - ٧: مسجد القيروان القديم (من صورة فوتوغرافية). واستولوا على مدن كثيرة في سنة ٦٤٦ م، ثم جلوا عن البلاد بعد أن أعطوا فدية، ولم يظهروا ثانية إلا بعد عشرين سنة حينما امتشقوا الحسام، وأوغلوا في البلاد حتى المحيط الأطلنطي. وبنى العرب عاصمة إفريقية العربية القادمة، القيروان، في سنة ٦٧٥ م، واستولوا على قرطاجة في سنة (٦٩١ م/٦٩ هـ)، وهزموا الجيش الكبير الذي جمعته ملكة البربر الكاهنة لمقاتلتهم، وصار لهم في سنة ٧١١ م من القوة ما فتحوا به بلاد إسبانية. وكان يقوم بأمور الحكومة في إفريقية، حتى أوائل القرن التاسع من الميلاد، أمراء بالنيابة عن الخلفاء، فلما صار سلطان الخلفاء هنالك اسمياً منذ عهد هارون الرشيد، انفرد الأمراء بالحكم، واتخذوا القيروان عاصمة لهم. وتداول الحكم في إفريقية من سنة ٨٠٠ م إلى سنة ٩٠٩ م أحد عشر أميراً من الأغالبة متخذين القيروان عاصمة لهم، وكان هم هؤلاء الأغالبة مصروفاً إلى مزج العرب بالبربر؛ فتمتعت إفريقية في أيامهم بطمأنينة عظيمة، ثم قلب البربر دولتهم، ونصبوا أميراً فاطمياً من أصل بربري خليفة، فغدت إفريقية مستقلةً عن العباسيين الذين لم تكن إفريقية تابعة لهم إلا بالاسم منذ زمن طويل.

стр. 246

شكل ٥ - ٨: زخارف من القاشاني المطلي بالميناء في مسجد القيروان (من صورة فوتوغرافية). وقامت بأمور إفريقية دول بربرية مستقلة حتى الفتح التركي الذي وقع في القرن السادس عشر من الميلاد، ولم يلبث ذلك الاستقلال البربري أن صار شؤماً على إفريقية، فقد انقسم البربر إلى زمر لا تحصى تبعاً لغريزتهم التي كانت تمنعهم من تأليف أمة كبيرة، وقامت في إفريقية دويلات كثيرة مستقلة متقاتلة قياماً لم تر إفريقية معه سوى بصيص من الحضارة ولا يمكننا أن نقدر طبيعة تأثير العرب في إفريقية إلا إذا تذكرنا أن لفتوحهم دورين مختلفين كل الاختلاف، وأن لهذين الدورين نتائج إثنوغرافية مختلفة كثيراً. والدور الأول هو دور الفتوح الأولى التي تمت في القرن السابع من الميلاد، ولم تخرج عن كونها احتلالاً عسكراً محدوداً جداً. ولو اقتصر العرب في إفريقية على ذلك الاحتلال؛ لاستغرقتهم جموع البربر في بضعة أجيال كما حدث لهم في مصر، ولكان أثرهم في التمدن لا في الدم.

стр. 247

شكل ٥ - ٩: خشب محفور في مسجد القيروان (من صورة فوتوغرافية). بيد أنه كان للغارة العظيمة الجديدة التي شنها العرب شأن آخر، فلما حشر العرب جموعاً كثيرة في إفريقية حولوا فريقاً كبيراً من البربر إلى عرب. وتدفق العرب كالسيل على إفريقية في أواسط القرن الحادي عشر، أي في وقت كان البربر قد استردوا فيه استقلالهم تقريباً، واستقروا بشمالها، ودحروا البربر إلى جبال التل وإلى البقاع الجنوبية. وقام بذلك الغزو أعراب الحجاز الذين كانوا يقطنون بمصر العليا في زمن الخلفاء الفاطميين، والذين بلغ ما قاموا به من أعمال السلب والنهب مبلغاً أصبحت الإقامة بها لا تطاق معه، فعزم الخليفة المستنصر على الخلاص منهم بحضهم على بربر إفريقية وإغرائهم بهم. وكان الأمر غارة أمة، لا غارة عسكرية، فقد ظعن أولئك العرب رجالاً وأولاداً ونساءً وقطاعاً عن مصر، وروى بعض علماء العرب أن عدد الظاعنين كان مليوناً، وروى بعض آخر أن عددهم كان نحو ٢٥٠٠٠٠، والذي أراه أن الغارة الأولى لم تلبث أن ردفتها غارات كثيرة أخرى.

стр. 248

شكل ٥ - ١٠: محراب مسجد سيدي الحبيب في القيروان (من صورة فوتوغرافية). وتمت تلك الهجرة ببطء، ولم يملأ العرب شمال إفريقية إلا بالتدريج، فقد جاوز العرب طرابلس الغرب بعد أن مكثوا بها سنتين، وزحفوا خطوةً خطوةً، وولجوا في الأودية جماعات على مهل، واختلطوا بالسكان رويداً رويداً، وزاد عددهم شيئاً فشيئاً، وفرضوا، بفضل كثرتهم، على البربر عاداتهم ودينهم ولغتهم بعد بضعة أجيال، ولم يتركوا الأمراء البربر سوى سلطة وهمية، ولم يتفلت من نفوذهم غير القبائل التي دحرت إلى جبال التل وبعض البقاع الجنوبية.

стр. 249

ولم تؤد تلك الغارات إلى نتائج مدنية عمرانية؛ ففي إفريقية حافظ أعراب جزيرة العرب أولئك على جلفهم الذي هو نقيض كل ثقافة جدية، وأخذت تلك الحضارة، التي كادت تلمع، تذوي بسرعة. ولم يؤد ما كان يقع بين القبائل من الفتن والفساد، وما كان يقع بين الدويلات المستقلة المتناظرة من القتال، إلى غير الانحطاط السريع، فلما ظهر الترك في القرن السادس عشر أمام الجزائر لم يصعب عليهم فتح شمال إفريقية بسرعة. ومراكش وحدها هي التي حافظت على استقلالها العربي حتى الوقت الحاضر، ولكن مراكش لم تصن نفسها من الانحطاط الذي عم جميع ولاياتها شيئاً فشيئاً، فقد أصاب الوهن مدينة فاس التي كانت منافسة لبغداد في القرن العاشر، والتي تروى مؤرخو العرب أن عدد نفوسها كان خمسمائة ألف، وأنها كانت تشتمل على ثمانمائة مسجد ومكتبة عامة زاخرة بالمخطوطات اليونانية واللاتينية، وأضحى سكان مراكش الذين قدر عددهم الآن بستة ملايين شخص، أو سبعة ملايين شخص، من مولدي العرب والبربر والزنوج. (٣) مباني العرب في شمال إفريقية لم تصب حضارة العرب في إفريقية ما أصابته من الازدهار في مصر والأندلس، وكان للعرب في إفريقية، مع ذلك، مدن مهمة وبعض مبان ذات قيمة، ولا سيما في زمن الأغالبة، وأنشأ العرب في إفريقية مدناً كالقيروان وتونس وفاس، وجدوا مدناً قديمة كتلسمان وبجاية والجزائر ... إلخ، ولم تكن نضارة تلك المدن غير مؤقتة، ولم يكن تنافس البربر وقلة استعدادهم للتمدن، وغارات أعراب العرب، وفقدان المراكز المهمة كبغداد في المشرق والقاهرة في مصر- مساعداً على تقدم الحضارة في إفريقية، ولا ينتظرن القارئ، إذن، بياناً عن مبان عربية مبتكرة ثمينة في إفريقية الشمالية كالتي في الأندلس ومصر، وسيرى القارئ في الفصل الذي خصصناه للبحث في تاريخ في العمارة العربي أن عرب إفريقية لم يوفقوا في فنهم للتحرر من النفوذ البيزنطي. والآن نكتفي بذكر أهم مباني العرب الأثرية مختارين من مبانيهم الدينية ما سمح الدهر ببقائه في شمال إفريقية كما صنعناه سابقاً.

стр. 250

شكل ٥ - ١١: داخل مسجد سيدي أبي مدين في تلمسان (من صورة فوتوغرافية). (٣ - ١) جامع القيروان أنشأ فاتح إفريقية الشهير عقبة بن نافع مدينة القيروان، وبنى فيها، في سنة (٥٥ هـ/٦٧٥ م) جامعها الكبير المربع الذي جدد بناؤه عدة مرات فيما بعد، ولا سيما في سنة (٢٠٥ هـ/ ٨٢٠ م) والذي تعلوه قباب منخفضة، ويحيط به سور، وتشرف عليه مئذنة كبيرة مربعة عريضة القاعدة ذات ثلاث طبقات متفاوتة الاتساع، وذاع طراز هذه المئذنة المربعة في إفريقية الشمالية، وكان شائعاً في الأندلس على الأرجح. ولجامع القيروان الكبير وآثارها الدينية الأخرى قيمة أثرية كبيرة مع ما نالته من التجديد والترميم غير مرة كما نذكر ذلك في فصل آخر، ولم تنشر صور هذه المباني، التي لم يرها الأوربيون إلا في الزمن الأخير، في أي كتاب حتى الآن. ودفن عقبة بن نافع، الذي أنشأ القيروان، بالقرب من بسكرة، ويعد مسجد «سيدي عقبة» الذي يضم قبره، أقدم المباني الإسلامية في إفريقية، ولهذا المسجد مئذنة مربعة.
следующие страницы →