← Общие книги

Общие книги · id 150939

حضارة العرب - غوستاف لوبون

غوستاف لوبون

Полный текст (598 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

شكل ٥ - ٨: زخارف من القاشاني المطلي بالميناء في مسجد القيروان (من صورة فوتوغرافية). وقامت بأمور إفريقية دول بربرية مستقلة حتى الفتح التركي الذي وقع في القرن السادس عشر من الميلاد، ولم يلبث ذلك الاستقلال البربري أن صار شؤماً على إفريقية، فقد انقسم البربر إلى زمر لا تحصى تبعاً لغريزتهم التي كانت تمنعهم من تأليف أمة كبيرة، وقامت في إفريقية دويلات كثيرة مستقلة متقاتلة قياماً لم تر إفريقية معه سوى بصيص من الحضارة ولا يمكننا أن نقدر طبيعة تأثير العرب في إفريقية إلا إذا تذكرنا أن لفتوحهم دورين مختلفين كل الاختلاف، وأن لهذين الدورين نتائج إثنوغرافية مختلفة كثيراً. والدور الأول هو دور الفتوح الأولى التي تمت في القرن السابع من الميلاد، ولم تخرج عن كونها احتلالاً عسكراً محدوداً جداً. ولو اقتصر العرب في إفريقية على ذلك الاحتلال؛ لاستغرقتهم جموع البربر في بضعة أجيال كما حدث لهم في مصر، ولكان أثرهم في التمدن لا في الدم.

стр. 247

شكل ٥ - ٩: خشب محفور في مسجد القيروان (من صورة فوتوغرافية). بيد أنه كان للغارة العظيمة الجديدة التي شنها العرب شأن آخر، فلما حشر العرب جموعاً كثيرة في إفريقية حولوا فريقاً كبيراً من البربر إلى عرب. وتدفق العرب كالسيل على إفريقية في أواسط القرن الحادي عشر، أي في وقت كان البربر قد استردوا فيه استقلالهم تقريباً، واستقروا بشمالها، ودحروا البربر إلى جبال التل وإلى البقاع الجنوبية. وقام بذلك الغزو أعراب الحجاز الذين كانوا يقطنون بمصر العليا في زمن الخلفاء الفاطميين، والذين بلغ ما قاموا به من أعمال السلب والنهب مبلغاً أصبحت الإقامة بها لا تطاق معه، فعزم الخليفة المستنصر على الخلاص منهم بحضهم على بربر إفريقية وإغرائهم بهم. وكان الأمر غارة أمة، لا غارة عسكرية، فقد ظعن أولئك العرب رجالاً وأولاداً ونساءً وقطاعاً عن مصر، وروى بعض علماء العرب أن عدد الظاعنين كان مليوناً، وروى بعض آخر أن عددهم كان نحو ٢٥٠٠٠٠، والذي أراه أن الغارة الأولى لم تلبث أن ردفتها غارات كثيرة أخرى.

стр. 248

شكل ٥ - ١٠: محراب مسجد سيدي الحبيب في القيروان (من صورة فوتوغرافية). وتمت تلك الهجرة ببطء، ولم يملأ العرب شمال إفريقية إلا بالتدريج، فقد جاوز العرب طرابلس الغرب بعد أن مكثوا بها سنتين، وزحفوا خطوةً خطوةً، وولجوا في الأودية جماعات على مهل، واختلطوا بالسكان رويداً رويداً، وزاد عددهم شيئاً فشيئاً، وفرضوا، بفضل كثرتهم، على البربر عاداتهم ودينهم ولغتهم بعد بضعة أجيال، ولم يتركوا الأمراء البربر سوى سلطة وهمية، ولم يتفلت من نفوذهم غير القبائل التي دحرت إلى جبال التل وبعض البقاع الجنوبية.

стр. 249

ولم تؤد تلك الغارات إلى نتائج مدنية عمرانية؛ ففي إفريقية حافظ أعراب جزيرة العرب أولئك على جلفهم الذي هو نقيض كل ثقافة جدية، وأخذت تلك الحضارة، التي كادت تلمع، تذوي بسرعة. ولم يؤد ما كان يقع بين القبائل من الفتن والفساد، وما كان يقع بين الدويلات المستقلة المتناظرة من القتال، إلى غير الانحطاط السريع، فلما ظهر الترك في القرن السادس عشر أمام الجزائر لم يصعب عليهم فتح شمال إفريقية بسرعة. ومراكش وحدها هي التي حافظت على استقلالها العربي حتى الوقت الحاضر، ولكن مراكش لم تصن نفسها من الانحطاط الذي عم جميع ولاياتها شيئاً فشيئاً، فقد أصاب الوهن مدينة فاس التي كانت منافسة لبغداد في القرن العاشر، والتي تروى مؤرخو العرب أن عدد نفوسها كان خمسمائة ألف، وأنها كانت تشتمل على ثمانمائة مسجد ومكتبة عامة زاخرة بالمخطوطات اليونانية واللاتينية، وأضحى سكان مراكش الذين قدر عددهم الآن بستة ملايين شخص، أو سبعة ملايين شخص، من مولدي العرب والبربر والزنوج. (٣) مباني العرب في شمال إفريقية لم تصب حضارة العرب في إفريقية ما أصابته من الازدهار في مصر والأندلس، وكان للعرب في إفريقية، مع ذلك، مدن مهمة وبعض مبان ذات قيمة، ولا سيما في زمن الأغالبة، وأنشأ العرب في إفريقية مدناً كالقيروان وتونس وفاس، وجدوا مدناً قديمة كتلسمان وبجاية والجزائر ... إلخ، ولم تكن نضارة تلك المدن غير مؤقتة، ولم يكن تنافس البربر وقلة استعدادهم للتمدن، وغارات أعراب العرب، وفقدان المراكز المهمة كبغداد في المشرق والقاهرة في مصر- مساعداً على تقدم الحضارة في إفريقية، ولا ينتظرن القارئ، إذن، بياناً عن مبان عربية مبتكرة ثمينة في إفريقية الشمالية كالتي في الأندلس ومصر، وسيرى القارئ في الفصل الذي خصصناه للبحث في تاريخ في العمارة العربي أن عرب إفريقية لم يوفقوا في فنهم للتحرر من النفوذ البيزنطي. والآن نكتفي بذكر أهم مباني العرب الأثرية مختارين من مبانيهم الدينية ما سمح الدهر ببقائه في شمال إفريقية كما صنعناه سابقاً.

стр. 250

شكل ٥ - ١١: داخل مسجد سيدي أبي مدين في تلمسان (من صورة فوتوغرافية). (٣ - ١) جامع القيروان أنشأ فاتح إفريقية الشهير عقبة بن نافع مدينة القيروان، وبنى فيها، في سنة (٥٥ هـ/٦٧٥ م) جامعها الكبير المربع الذي جدد بناؤه عدة مرات فيما بعد، ولا سيما في سنة (٢٠٥ هـ/ ٨٢٠ م) والذي تعلوه قباب منخفضة، ويحيط به سور، وتشرف عليه مئذنة كبيرة مربعة عريضة القاعدة ذات ثلاث طبقات متفاوتة الاتساع، وذاع طراز هذه المئذنة المربعة في إفريقية الشمالية، وكان شائعاً في الأندلس على الأرجح. ولجامع القيروان الكبير وآثارها الدينية الأخرى قيمة أثرية كبيرة مع ما نالته من التجديد والترميم غير مرة كما نذكر ذلك في فصل آخر، ولم تنشر صور هذه المباني، التي لم يرها الأوربيون إلا في الزمن الأخير، في أي كتاب حتى الآن. ودفن عقبة بن نافع، الذي أنشأ القيروان، بالقرب من بسكرة، ويعد مسجد «سيدي عقبة» الذي يضم قبره، أقدم المباني الإسلامية في إفريقية، ولهذا المسجد مئذنة مربعة.

стр. 251

شكل ٥ - ١٢: مقدم الجامع الكبير في الجزائر. (٣ - ٢) مسجد سيدي أبي مدين في تلمسان كانت تلمسان عاصمة المغرب الأوسط فيما مضى، وبني مسجدها في سنة (٧٣٩ هـ/١٣٨٨ م) وتم إنشاء المدرسة التابعة لهذا المسجد في سنة ٧٤٧ هـ، وتعد هذه المدرسة من أهم المباني التي من نوعها في إفريقية حتى الآن، وكانت تدرس العلوم والتاريخ فيها أيام ارتقاء العرب، ويمكن القارئ أن يتمثل فن عمارتها من الصورة التي نشرناها في هذا الكتاب.

стр. 252

(٣ - ٣) مساجد الجزائر تكاد مساجد الجزائر تكون عصرية، ولذا فليس فيها ما يستحق البحث، وأهم ما فيها مسجدها الجامع الكبير الذي أقيم في القرن العاشر من الميلاد، والذي أصابته يد التغيير في مختلف الأزمنة، فبنيت مئذنته المربعة في القرن الرابع عشر من الميلاد. شكل ٥ - ١٣: مئذنة المسجد الكبير في طنجة (من صورة فوتوغرافية). وليس في داخل هذا المسجد الجامع الكبير الذي كلس في الوقت الحاضر شيء من الزينة، وتقوم أقواسه التي يستند إليها سقفه على أعمدة مربعة، وأنشئت هذه الأقواس المفرض كثير منها على شكل نعل الفرس ورسم البيكارين. ويحيط بأحد وجوه هذا المسجد الجامع الكبير رواق جميل مؤلف من أقواس محززة، وصنعت هذه الأقواس على شكل نعل الفرس، ورسم البيكارين كالأقواس

стр. 253

السابقة، وتقوم هذه الأقواس على أعمدة من الرخام؛ ويذكرنا ذلك الرواق، الذي أقيم بعد بناء ذلك المسجد الجامع بزمن طويل، بأعمدة رواقات القصر الداخلية في إشبيلية. وإذا ما استثنيت ذلك المسجد الجامع لم تر في الجزائر من المباني ما يجدر ذكره سوى المزار الذي يضم رفات عبد الرحمن والمسمى باسمه، والذي بني في القرن الخامس عشر من غير أن يكون على شيء من الإبداع مع هيفه. (٣ - ٤) مساجد مراكش يرى الإنسان في مراكش مساجد جميلة كثيرة، ولا سيما مسجد مولاي إدريس ومسجد القرويين في فاس، ولهذا المسجد شهرة عظيمة في تلك الديار، وهو يشتمل على ٢٧٠ عموداً و ١٦ صحناً، ويشتمل كل واحد من هذه الصحون على عشرين قوساً، ولا يستطيع الأوربي أن يدخله من غير أن يعرض نفسه للقتل. وأقيم أكثر مساجد مراكش على طراز مساجد إفريقية الشمالية، وهي مثلها ذات مآذن مربعة يندر نظيرها في مصر، وعلى هذا الطراز رفعت في طنجة مئذنة الجامع الكبير، والتي تنشر صورة لها في هذا الكتاب؛ فيمكن القارئ أن يتمثل بها ما أقيم على طرازها. ولا يرى في مراكش من المباني العربية المهمة سوى عدد قليل من المساجد، وإنما يُرى فيها من العادات والأزياء والمظاهر الشرقية ما يندر مثله في بلد آخر، ويجب على من يرغب في اجتلاء حياة العرب في عصر الخلفاء أن يزورها؛ ففيها يرى السائح ما لا يراه في بلاد الجزائر وسورية المائلة إلى التفرنج خلا دمشق. وإنني أنصح لرجال الفن أن يطوفوا في بلاد مراكش التي لا تصعب السياحة فيها، والسائح المحب للفن الذي يقله القطار فيقطع فرنسة وإسبانية في بضعة أيام، ثم تستقله الباخرة من مالقة يصل إلى مدينة جبل طارق الإنكليزية الغبراء الكالحة، ولا يأسف لبعد إنكلترة من هنالك؛ لما يراه بعد رحلة بحرية تدوم بضع ساعات من الفرق في مدينة طنجة المراكشية حيث يقضي العجب. حقاً إن مدينة جبل طارق عنوان الحياة المدنية العصرية، وإن مدينة طنجة ذات المساكن البيض والأهلين البلق والحكام الحكمة عنوان الحياة العربية منذ ألف سنة، وتثير مناظر مساجد مدينة طنجة العجيبة ومآذنها وأبراجها المشرفة، وأسواق نخاستها ونسائها المتحجبات وعربها المدثرين بأبهى الملابس في السائح بعض ما جاء في رواية

стр. 254

شكل ٥ - ١٤: منظر مدينة طنجة العام (من صورة فوتوغرافية). ألف ليلة وليلة كما لو وقع هذا بقدرة ساحر، وتتجلى للسائح حقيقة تلك الرواية كلما سار في مدينة طنجة القديمة التي تقول الأساطير: إن هركول بانيها، فكانت شهيرة في عهد أمير المؤمنين هارون الرشيد، أي في عهد هذا المعاصر الشهير للقيصر شارلمان الكبير.

стр. 255

الفصل السادس العرب في إسبانية (١) إسبانية قبل العرب فكر العرب في فتح إسبانية بعد أن طردوا الروم من شمال إفريقية، وردوا جماح البربر، وتم لهم، بصعوبة، فتح الأقطار الإفريقية التي كانت مسرحاً لحروب رومة وقرطاجة ولمغازي ماسينيسه وجوغورته ... وغيرهما من القادة المشهورين. ولم يكن حب التوسع وحده هو الذي حفز العرب، الذين ترامت أطراف دولتهم، إلى فتح إسبانية، وإنما دفعهم إلى ذلك رغبتهم في إلهاء البربر الذين كانوا أشد من حاربهم العرب من الأعداء، والذين ظلوا مرهوبين؛ لشجاعتهم، وميلهم إلى الاستقلال، وحبهم للقتال على الرغم من قهر العرب لهم، فكان من السياسة الرشيدة إرواء غرائزهم الحربية في الغارة على البلدان الأجنبية. وروى ابن خلدون أن الجيش الأول الذي عبر مضيق جبل طارق، ودخل بلاد إسبانية كان مؤلفاً من اثني عشر ألف مقاتل، وأن هذا الجيش كان من البربر تقريباً. ونرى قبل أن نقص خبر ذلك الفتح الإسلامي، أن نوجز تاريخ إسبانية قبله؛ ففي ماضي الأمم سر حوادثها الحاضرة، وبماضي إسبانية يفسر سبب السرعة في فتح أتباع الرسول لها. كان للفنيقيين والأغارقة والقرطاجيين مستعمرات في إسبانية التي يسكنها السلت الغوليون، ومن لم يعلم أصلهم جيداً من الإيبريين والليغوريين، وأنشأ القرطاجيون مدينة قرطاجنة في إسبانية بعد أن فتحوها؛ لتكون تابعة لقرطاجة، ثم فتح الرومان بلاد إسبانية على أثر الحروب اليونانية، وذلك قبل الميلاد بقرنين.

стр. 256

وملك الرومان بلاد إسبانية حتى القرن الخامس من الميلاد، وازدهرت مدن فيها أيام حكمهم، ووهبت لرومة رجالاً مشهورين مثل سينيك ولوكن ومرسيال، ووهبت لها قياصرة مثل تراجان وأدريان ومرك أوريل وثيودوز ... إلخ. وكان لإسبانية نصيب من إدبار رومة بعد أن كان لها حظ من إقبالها، فقد انقض الوندال والألين والسويف الذين هم من برابرة الشمال على إسبانية بعد أن خربوا بلاد الغول، ولم يلبث القوط، الذين هم من البرابرة أيضاً، أن قهروهم، واستولوا على إسبانية في القرن السادس من الميلاد، وظلوا سادة لها تماماً إلى أن جاء العرب. شكل ٦ - ١: ذراعا صليب ذهبي قوطي طليطلي مرصع بالحجارة الثمينة (القرن السابع، من صورة فوتوغرافية). ولسرعان ما اختلط القوط البرابرة باللاتين في إسبانية، فاتخذوا اللاتينية لغة لهم، وانتحلوا النصرانية التي كانت دين الدولة الرسمي بدلاً من عبادة الأصنام، وخضعوا بذلك لسلطان الحضارة اللاتينية، وحاولوا كغيرهم من قاهري الدولة الرومانية أن يهضموها على قدر عقولهم. وبقيت شريعة القوط دستور إسبانية النصرانية إلى منتصف القرن الثالث عشر، ودلت الحوادث على أنهم امتزجوا بالعنصر اللاتيني الذي كان مالكاً لقسم من البلاد، وتم اختلاطهم بنصاري الشمال بعد أن دحرهم المسلمون إلى جبال أشتورش، وظل لقب «ابن القوطي» من ألقاب الشرف حتى بعد أن استردوا إسبانية بزمن طويل، وعندي أن من مظاهر الدم القوطي ما نجد الآن في إسبانية من أصحاب الشعور الشقر الكثيرين. وكان اختلاط القوط باللاتين، قبل الفتح العربي، مقتصراً على علية القوم، وكان سكان البلاد الأصليون من الأرقاء الذين ليس لديهم شيء يدافعون عنه، والذين كانوا مستعدين لقبول أي سلطان عليهم، فلم يكن الجيش المؤلف من أمثال هؤلاء مما يعتمد عليه.

стр. 257

ومن سوء حظ المملكة القوطية أن كان النظام الملكي القوطي قائماً على الانتخاب، وأن كان المرشحون للعرش كثيرين، فيقتتل أنصار هؤلاء المرشحين على الدوام، ويمرقون باقتتالهم المملكة القوطية، ولذا لم يكن الأشراف ممن يركن إليهم. نزاع اجتماعي، وفتن داخلية، وفقدان للروح العسكرية، وفتور عن الدفاع بين الأهلين المستعبدين، هذه هي الحال التي كانت عليها مملكة القوط حين ظهور العرب، وكان من المنافسات التي تمزق الدولة القوطية أن تنقل الأمير يليان ورئيس أساقفة إشبيلية، وهما من علية الإسبان، فتح إسبانية على العرب. (٢) استقرار العرب بإسبانية دخل جيش إسلامي مؤلف من اثني عشر ألف جندي بلاد إسبانية في سنة ٧١١ م، أي في زمن الخليفة العاشر الذي كانت دمشق عاصمته. ومن يقطع القسم الجنوبي الخصب من بلاد إسبانية يعلم مقدار التأثير الذي أثر به في نفوس العرب حينما استولوا عليه؛ فقد بهرتهم تربته وهواؤه ومدنه ومبانيه. ووصفت إسبانية في كتاب أرسله قائد الجيش العربي إلى الخليفة الأموي بأنها: «شامية في طيبها وهوائها، يمنية في اعتدالها واستوائها، هندية في عطرها وذكائها، أهوازية في عظم جباياتها، صينية في معادن جواهرها، عدنية في منافع سواحلها.» واستولى المسلمون على ساحل إسبانية مبتدئين بجبل طارق الذي اقتبس اسمه من اسم طارق بن زياد البربري الذي هو من رجال القائد العربي موسى بن نصير. وكان العرب قد قضوا خمسين سنة في فتح إفريقية البربرية، ولم يقضوا سوى بضعة أشهر في فتح جميع إسبانية النصرانية، وتقرر مصير مملكة القوط في المعركة الأولى المهمة التي خاض المسلمون غمارها، والتي كان رئيس أساقفة إشبيلية حليفاً لهم فيها، والتي تخسر القوط فيها ملكهم وخسروا إسبانية. وعجب موسى بن نصير من ذلك النصر السريع الذي لم يتوقعه، ولا غرو، فقد كان يتصور ما لاقاه من الشدائد في فتح إفريقية، وكان يعتقد أنه سيلقى في أوربة من الشجاعة وحب الاستقلال ما لقيه في البربر، فلما تبين له خطؤه أراد أن يشارك طارق بن زياد في مجد الفتح؛ فعبر البحر بجيش مؤلف من اثني عشر ألف جندي عربي وثمانية آلاف جندي بربري، ليواصل فتح إسبانية.

стр. 258

أتم العرب فتح إسبانية بسرعة مدهشة، وذلك أن المدن الكبيرة سارعت إلى فتح أبوابها للغزاة، فدخل الغزاة قرطبة ومالقة وغرناطة وطليطلة صلحاً تقريباً، ووجد العرب في طليطلة التي كانت عاصمة النصارى تيجان خمسة وعشرين ملكاً قوطياً، وأسروا أرملة للملك القوطي، رودريك، التي تزوجها ابن القائد موسى بن نصير فيما بعد. شكل ٦ - ٢: داخل جامع قرطبة. وأحسن العرب سياسية سكان إسبانية كما أحسنوا سياسة أهل سورية ومصر، فقد تركوا لهم أموالهم وكنائسهم وقوانينهم وحق المقاضاة إلى قضاة منهم، ولم يفرضوا سوى جزية سنوية تبلغ ديناراً (١٥ فرنكاً) عن كل شريف ونصف دينار عن كل مملوك، فري سكان إسبانية بذلك طائعين، وخضعوا للعرب من غير مقاومة، ولم يبق على العرب إلا أن يقاتلوا الطبقة الأريستوقراطية المالكة للأرضين. ولم يدم القتال طويلاً، وذلك أن العرب كسروا كل مقاومة، ودانت لهم جميع إسبانية في سنتين، ولكن لا إلى الأبد، فقد استرد النصارى ما يروه بعد جهاد ثمانية قرون. ويروى، مع التوكيد، أن موسى بن نصير فكر، بعد فتح إسبانية، في العودة إلى سورية من بلاد الغول وألمانية، وفي الاستيلاء على القسطنطينية، وفي إخضاع العالم

стр. 259

القديم لأحكام القرآن، وأنه لم يعقه عن ذلك العمل العظيم سوى أمر الخليفة إياه بأن يعود إلى دمشق، فلو وفق موسى بن نصير لذلك؛ لجعل أوربة مسلمة، ولحقق للأمم المتمدنة وحدتها الدينية، ولأنقذ أوربة، على ما يحتمل، من دور القرون الوسطى الذي لم تعرفة إسبانية بفضل العرب. ولنتكلم، أولاً، عن امتزاج أهل البلاد بسادتهم الجدد قبل أن نقص عليك ماذا تم للعرب في إسبانية: كان أوائل الغزاة الإسبانية من العرب والبربر، وكان يوجد بضع قبائل سورية في الجيوش التي استولت عليها بعدئذ، ولم يكن عدد ما اشتملت عليه هذه القبائل كثيراً، ولم يظهر أمرها إلا في دور الفتح الأول، فماذا كان شأن العرب والبربر وأهل إسبانية بعد ما دانت إسبانية للعرب؟ يرى المحقق البصير في تاريخ المسلمين بإسبانية أن الإمامة الثقافية ورسالة التمدن كان يقوم بهما العرب، وأن البربر اختلطوا بطبقات الأهلين الوسطى والدنيا، وأن العرب حافظوا على شرفهم الثقافي حتى بعد أن قبض البربر على زمام الحكم. وليس لدينا من الوثائق ما نتمكن به من تقدير نسبة العرب والبربر في مئات السنين الثماني التي دام فيها سلطان الإسلام بإسبانية، ولكن سير الأمور يدل على أن العنصر البربري أخذ يزيد بعد انفصال إسبانية عن خلافة المشرق، ولا سيما بعد توالي غارات بربر مراكش التي كانوا يشنونها عليها. والحق أن العرب، بعد ذلك الانفصال، كانوا يعتمدون في بقائهم في إسبانية على تناسلهم، وأن البربر كانوا يزيدون فيها بمن يعبر جبل طارق من إخوانهم المراكشيين طلباً للثراء. ويظهر أن التوالد لم يقتصر على العرب والبربر وحدهم، بل توالد العرب والبربر وسكان إسبانية الأصليون أيضاً، فكان العرب يتزوجون النصرانيات على الخصوص، فيمدون بذلك دوائر حريمهم ويديمون بذلك نسلهم. وروى مؤرخو العرب أن العرب تزوجوا في بدء الفتح ثلاثين ألف نصرانية، ولا يزال يرى في قصر إشبيلية ردهة تدعى ردهة الصبايا اللائي كان النصارى يلزمون بتقديم مائة منهن إلى أحد ملوك العرب في كل سنة كجزية، فنحن إذا ما رأينا أن هؤلاء النصرانيات كن من مختلف الأجناس، وأنه كان يجري في عروقهن الدم الإيبري واللاتيني واليوناني والقوطي ... وغير ذلك، علمنا أنه نشأ عن توالد النصارى والبربر والعرب، الذي دام في بيئة واحدة قروناً كثيرة، عرق جديد مختلف عن العروق التي فتحت إسبانية

стр. 260

شكل ٦ - ٣: محراب جامع قرطبة (من تصوير مورفي). اختلافا بينا، وأن العناصر الكثيرة التي أدى تمازجها إلى ظهور ذلك العرق كانت في أحوال تؤدي إلى تكوينه تكويناً مطابقاً لما ذكرناه في فصل سابق عن فعل البيئة والتوالد. ولا أبحث هنا في تاريخ ملوك العرب أو البربر الذين ملكوا إسبانية ثمانمائة سنة، وإنما أوجز أهم الحوادث السياسية التي وقعت في تلك المدة الطويلة إيجازاً يكفي لفهم هذا الفصل: كانت إسبانية، التي تم فتحها في سنة ٧١١ م، تابعة الخلفاء دمشق حتى سنة ٧٥٦ م، وكان ينوب عن هؤلاء الخلفاء أمراء في شؤون حكمها، فلما كانت سنة ٧٥٦ م انفصلت إسبانية عن خلافة المشرق، وقامت فيها دولة مستقلة عرفت في التاريخ بخلافة قرطبة التي أصبحت عاصمة لها.

стр. 261

شكل ٦ - ٤: رسم جامع قرطبة (كما جاء في كتب العرب القديمة). وأخذ نجم العرب السياسي في إسبانية يأفل بعد أن مضى على سلطانهم ثلاثة قرون بلغت الحضارة العربية فيها ذروتها، وشرع النصارى الذين دحرهم العرب إلى الشمال يستفيدون مما كان يقع بين المسلمين من الفساد والفتن، وصاروا يغيرون عليهم. واستغاث عرب إسبانية ببربر مراكش في سنة ١٠٨٥ م، ليحولوا دون توالي انتصارات ملك قشتالة وليون: الأذفونش السادس، ولم يلبث هؤلاء البربر الذين جاءوا إلى إسبانية حلفاء للعرب أن ظهروا لهم بمظهر السيد، وأسفر تنازع العرب والبربر عن انقسام دولة العرب إلى عشرين دويلة، وعن قبض المرابطين والموحدين وغيرهم من البربر على زمام الأمور، وعن تكمش العرب إزاء البربر، وعن تدرج الحضارة العربية إلى الانزواء. واهتبل النصارى تلك القرص، فوسعوا دائرتهم على حساب المسلمين، وأقاموا دويلات كثيرة كبلنسية وقشتالة ومرسية وغيرها مما انتهى إلى أربع دول، وهي: البرتغال ونبرة وأرغونة وقشتالة.

стр. 262

شكل ٦ - ٥: باب الشمس في طليطلة (من صورة فوتوغرافية). ولم يبق للعرب في أواخر القرن الثالث عشر سوى مملكة غرناطة، ولما تزوج ملك أرغونة فرديناند الكاثوليكي ملكة قتشالة إيزابلا، وتمت بذلك وحدة تينك الدولتين، حاصر في سنة ١٤٩٢ غرناطة، التي كانت آخر معقل للإسلام في إسبانية، وفتحها، ثم ضم إليه مملكة نبرة، فأصبحت جميع إسبانية، خلا البرتغال، تابعةً لعرش واحد. ودامت دولة العرب في إسبانية نحو ثمانية قرون، أي ما يقرب من مدة سلطان الروم، وأدى انقسامها إلى زوالها أكثر مما أدت إليه الغارات الأجنبية، فالعرب، وإن كانت عبقريتهم الثقافية من الطراز الأول، لم يبد نبوغهم السياسي غير ضعيف. وعاهد فرديناند العرب على منحهم حرية الدين واللغة، ولكن سنة ١٤٩٩ م لم تكد تحل حتى حل بالعرب دور الاضطهاد والتعذيب الذي دام قروناً، والذي لم ينته إلا بطرد العرب من إسبانية، وكان تعميد العرب كرهاً فاتحة ذلك الدور، ثم صارت محاكم

стр. 263

شكل ٦ - ٦: مقدم القصر في إشبيلية (من صورة فوتوغرافية). التفتيش تأمر بإحراق كثير من المعمدين على أنهم من النصارى، ولم تتم عملية التطهير بالنار إلا بالتدريج، لتعذر إحراق الملايين من العرب دفعة واحدة، ونصح كردينال طليطلة التقي، الذي كان رئيساً لمحاكم التفتيش، بقطع رءوس جميع من لم يتنصر من العرب رجالاً ونساء وشيوخاً وولداناً، ولم ير الراهب الدومينيكي، بليدا، الكفاية في ذلك؛ فأشار بضرب رقاب من تنصر من العرب ومن بقي على دينه منهم، وحجته في ذلك أن من المستحيل معرفة صدق إيمان من تنصر من العرب، فمن المستحب، إذن، قتل جميع العرب بحد السيف؛ لكي يحكم الرب بينهم في الحياة الأخرى، ويدخل النار من لم يكن صادق النصرانية منهم، ولم تر الحكومة الإسبانية أن تعمل بما أشار به هذا الدومينيكي الذي أيده الإكليروس في رأيه لما قد يبديه الضحايا من مقاومة، وإنما أمرت، في سنة ١٦١٠ م، بإجلاء العرب عن إسبانية، فقتل أكثر مهاجري العرب في الطريق، وأبدى ذلك الراهب البارع، بليدا، ارتياحه لقتل ثلاثة أرباع هؤلاء المهاجرين في أثناء هجرتهم، وهو الذي قتل مائة ألف مهاجر من قافلة واحدة كانت مؤلفة من ١٤٠٠٠٠ مهاجر مسلم حينما كانت متجهة إلى إفريقية.

стр. 264

شكل ٦ - ٧: سقف محراب جامع قرطبة القديم (طراز بيزنطي عربي، آثار إسبانية المعمارية). وخسرت إسبانية بذلك مليون مسلم من رعاياها في بضعة أشهر، ويقدر كثير من العلماء، ومنهم سيديو، عدد المسلمين الذين خسرتهم إسبانية، منذ أن فتح فرديناند غرناطة حتى إجلائهم الأخير، بثلاثة ملايين، ولا تعد ملحمة سان بارتلمي إزاء تلك المذابح سوى حادث تافه لا يؤبه له، ولا يسعنا سوى الاعتراف بأننا لم نجد بين وحوش الفاتحين من يؤاخذ على اقترافه مظالم قتل كتلك التي اقترفت ضد المسلمين. ومما يرثى له أن حرمت إسبانية عمداً هؤلاء الملايين الثلاثة الذين كانت لهم إمامة السكان الثقافية والصناعية. ثم رأت محاكم التفتيش أن بيد كل نصراني ترى فيه شيئاً من النباهة والفضل، فكان من نتائج هذه المظالم المزدوجة أن هبطت إسبانية إلى أسفل دركات الانحطاط بعد أن بلغت قمة المجد، وأن انهار معاً كل ما كان فيها من الزراعة والصناعة والتجارة والعلوم والآداب والسكان.

стр. 265

وها هي ذي عدة قرون مضت على ذلك الدور من غير أن تستطيع إسبانية أن تنهض من هبوطها مع ما بذل من الجهود، وقد صار عدد سكان طليطلة في الوقت الحاضر ١٧٠٠٠ بعد أن كان ٢٠٠٠٠٠ أيام الحكم العربي، وقد أصبح عدد سكان قرطبة في الوقت الحاضر ٤٢٠٠٠ بعد أن كان مليوناً أيام الحكم العربي؛ ولم يبق من مدن ولاية شلمنقة، التي كان عددها أيام الحكم العربي ١٢٥ مدينة، سوى ١٣ مدينة. وسيرى القارئ في الفصل الذي خصصناه للبحث في وارثي العرب مقدار الانحطاط الذي أسفر عن إبادة العرب، وإذا كنت قد أشرت إلى هذا هنا فلأن شأن العرب المدني لم يبد في قطر ملكوه كما بدا في إسبانية التي لم تكن ذات حضارة ذكر قبل الفتح العربي؛ فصارت ذات حضارة ناضرة في زمن العرب، ثم هبطت إلى الدرك الأسفل من الانحطاط بعد جلاء العرب، وهذا مثال بارز على ما يمكن أن يتفق لعرق من التأثير. (٣) حضارة العرب في إسبانية كانت إسبانية النصرانية ذات رخاء قليل وثقافة لا تلائم غير الأجلاف في زمن ملوك القوط، ولم يكد العرب يتمون فتح إسبانية حتى بدأوا يقومون برسالة الحضارة فيها، فاستطاعوا في أقل من قرن أن يحيوا ميت الأرضين، ويعمروا خرب المدن، ويقيموا فخم المباني، ويوطدوا وثيق الصلات التجارية بالأمم الأخرى، ثم شرعوا يتفرغون لدراسة العلوم والآداب، ويترجمون كتب اليونان واللاتين، وينشؤون الجامعات التي ظلت وحدها ملجأ للثقافة في أوربة زمناً طويلاً. وأخذت حضارة العرب تنهض منذ ارتقاء عبد الرحمن إلى العرش على الخصوص، أي منذ انفصال إسبانية عن المشرق بإعلان خلافة قرطبة في سنة ٧٥٦ م، فغدت قرطبة، بالحقيقة، أرقي مدن العالم القديم مدة ثلاثة قرون. ولم يكد عبد الرحمن يقبض على زمام الحكم في إسبانية حتى أخذ يسعى في حمل العرب على عد إسبانية وطناً حقيقياً لهم، فأنشأ جامع قرطبة الشهير الذي هو من عجائب الدنيا؛ لتحويل أنظار العرب عن مكة، وصار ينفق دخل بيت المال في إصلاح البلاد وعمرانها بدلاً من إنفاقه في الغزوات البعيدة، ثم سار خلفاؤه على سنته في ذلك. وامتازت حضارة العرب في إسبانية في ذلك الدور بميل العرب الشديد إلى الفنون والآداب والعلوم على الخصوص، وأنشأ العرب في كل ناحية مدارس ومكتبات ومختبرات،

стр. 266

شكل ٦ - ٨: داخل ردهة في القصر بإشبيلية (من صورة فوتوغرافية). وترجموا كتب اليونان، ودرسوا العلوم الرياضية والفلكية والطبيعية والكيماوية والطبية بنجاح، وسنرى في فصول أخرى أهمية اكتشافاتهم في هذه العلوم المختلفة. ولم يكن نشاطهم في الصناعة والتجارة أقل من ذلك، فكانوا يصدرون منتجات المناجم ومعامل الأسلحة ومصانع النسائج والجلود والسكر إلى إفريقية والشرق بواسطة تجار من اليهود والبربر. وبرع العرب في الزراعة براعتهم في العلوم والصناعات، ولا يوجد في إسبانية الحاضرة من أعمال الري خلا ما أتمه العرب، وأدخل العرب إلى حقول الأندلس الخصبة زراعة قصب السكر والتوت والأرز والقطن والموز ... إلخ، وأصبحت إسبانية، التي هي صحراء حقيقية في الوقت الحاضر، عدا بعض أقسام في جنوبها، جنة واسعة بفضل أساليب العرب الزراعية الفنية. ووجه العرب نشاطهم إلى كل فرع من فروع العلوم والصناعة والفنون، ولم تقل أشغالهم العامة عن أشغال الرومان أهمية، فأكثروا من إنشاء الطرق والجسور والفنادق والمشافي والمساجد في كل مكان.

стр. 267

وظن رئيس الأساقفة الإسباني أكزيمينيس أنه، بإحراقه مؤخراً ما قدر على جمعه من مخطوطات أعداء دينه العرب (أي ثمانين ألف كتاب)، محا ذكرهم من صفحات التاريخ إلى الأبد، وما درى أن ما تركه العرب من الآثار التي تملأ بلاد إسبانية، خلا مؤلفاتهم، يكفي لتخليد اسمهم إلى الأبد. وكانت عاصمة الخلافة، قرطبة، داراً للعلوم والفنون والصناعة والتجارة، وتستطيع أن تقابلها بعواصم دول أوربة العظمي الحديثة، وهي على خلاف قرطبة الحاضرة التي أضحت مقراً للأموات، ومن المؤلم أن كنت أسير عدة ساعات في هذه المدينة الواسعة، التي كان يقم بها مليون شخص، قبل أن أصادف ماراً نشيطاً ... شكل ٦ - ٩: داخل ردهة في منصر بإشبيلية (من صورة فوتوغرافية). أجل، كان من النصر العظيم أن أحل النصارى الصليب محل الهلال في قرطبة، ولكن الهلال كان يهيمن على أغنى مدن العالم وأجملها وأكثرها أهلاً، فيشرف الصليب اليوم على بقايا تلك الحضارة القويمة التي قوضها عباده من غير أن يقيموا حضارة أخرى مقامها. وكان نظام الحكم العربي في إسبانية مشابهاً لنظام الحكم الذي تكلمنا عنه في فصل «العرب في بغداد» أي كان الخليفة، وهو وكيل الله في الأرض، حاكماً مطلقاً جامعاً

стр. 268

لجميع السلطات المدنية والدينية والحربية مع اختياره مجلساً لإسداء النصح إليه في جميع أمور الدولة. وكان يقوم بحكم الولايات ولاة ينصبهم الخليفة جامعون لمثل سلطاته كلها. وكان قانون الدولة المدني يستند في نصوصه إلى القرآن وتفسير القرآن، كما نوضح ذلك في فصل آخر؛ فيتخذ القضاة القرآن دستوراً في أحكامهم، وكانت المحاكم على درجتين؛ فتقوم محاكم الدرجة الثانية (الاستئناف) بإصلاح ما تصدره محاكم الدرجة الأولى من الأحكام. وكان الخليفة، كملوك ذلك العصر، غير ذي جيش دائم، وكانت الكتيبة الوحيدة المسلحة على الدوام مؤلفة من حرس ولي الأمر الشخصي الذي يبلغ عدده عشرة رجال أو اثني عشر رجلاً، وإن كان يستطيع أن يجند كل شخص قادر على حمل السلاح من أبناء الدولة. وكانت البحرية قوية جداً، وكانت تتم بفضلها صلات العرب التجارية بجميع مرافئ أوربية وآسية وإفريقية، وظل العرب وحدهم سادة البحر المتوسط زمناً طويلاً. وكان دخل بيت المال يقوم على الضرائب والمناجم، كما في بغداد، وكانت مناجم الفضة والذهب والزئبق غنية في ذلك الزمن، وكانت الضرائب تتألف من العشر العيني لمحاصيل أراضي المسلمين، ومن الجزية التي يعطيها النصارى واليهود، ومن الجمارك والمكوس، فبلغ دخل دولة الخلافة في إسبانية ثلاثمائة مليون في إبان عظمتها، أي في عهد الحكم الثاني. وقلنا: إن الإمامة الثقافية كانت للعرب في البلاد، وأما العوام فكانوا من البربر، ومن سكان البلاد القدماء على الخصوص، وكان باب المناصب مفتوحاً للنصارى، وكان النصارى يستخدمون في الجيش غالباً، ولم يكن توالد المسلمين والنصارى غير قليل، وكانت أم الخليفة عبد الرحمن الثالث نصرانية. واستطاع العرب أن يحولوا إسبانية مادياً وثقافيا في بضعة قرون، وأن يجعلوها على رأس جميع الممالك الأوربية، ولم يقتصر تحويل العرب الإسبانية على هذين الأمرين؛ بل أثروا في أخلاق الناس أيضاً، فهم الذين علموا الشعوب النصرانية، وإن شئت فقل حاولوا أن يعلموها، التسامح الذي هو أثمن صفات الإنسان، وبلغ حلم عرب إسبانية نحو الأهلين المغلوبين مبلغاً كانوا يسمحون به لأساقفهم أن يعقدوا مؤتمراتهم الدينية، كمؤتمر إشبيلية النصراني، الذي عقد في سنة ٧٨٢ م ومؤتمر قرطبة النصراني الذي عقد

стр. 269

في سنة ٨٥٢ م، وتعد كنائس النصارى الكثيرة التي توها أيام الحكم العربي من الأدلة على احترام العرب المعتقدات الأمم التي خضعت لسلطانهم. شكل ٦ - ١٠: بهو ملوك المغاربة في القصر بإشبيلية (من صورة فوتوغرافية). وأسلم كثير من النصارى، ولكنهم لم يسلموا طمعاً في كبير شيء، وهم الذين استعربوا فغدوا هم واليهود مساوين للمسلمين قادرين مثلهم على تقلد مناصب الدولة، وكانت إسبانية العربية بلد أوربة الوحيد الذي تمتع اليهود فيه بحماية الدولة ورعايتها، فصار عددهم فيه كثيراً جداً. وكان عرب إسبانية يتصفون بالفروسية المثالية خلا تسامحهم العظم، وكانوا يرحمون الضعفاء، ويرفقون بالمغلوبين، ويقفون عند شروطهم ... وما إلى هذا من الخلال التي اقتبستها الأمم النصرانية بأوربة منهم مؤخراً، فتؤثر في نفوس الناس تأثيراً لا تؤثره الديانة.

стр. 270

وللفروسية العربية شروطها كما للفروسية الأوربية التي ظهرت بعدها، فلم يكن المرء ليصير فارساً إلا إذا تحلى بهذه الخصال العشر: «الصلاح، والكرامة، ورقة الشمائل، والقريحة الشعرية، والفصاحة، والقوة، والمهارة في ركوب الخيل، والقدرة على استعمال السيف، والرمح، والنشاب.» ونرى تاريخ العرب في إسبانية حافلاً بالأنباء الدالة على كثرة انتشار تلك الخصال، ومن ذلك أن والي قرطبة لما حاصر، في سنة ١١٣٩ م مدينة طيطلة التي كانت بيد النصارى أرسلت إليه الملكة بيرنجر التي كانت فيها من بلغه أنه لا يليق بفارس بطل شهم كريم أن يحاصر امرأة، فارتد القائد العربي من فوره محيياً الملكة. وذاعت خصال الفروسية تلك بين النصارى، ولكن ببطء، ويمكننا أن نتمثل ما كانت عليه الفروسية النصرانية في القرن الحادي عشر عند النظر إلى أمر السيد الكنبيطور رودريك الفيفاري. لم يكن هذا البطل الشهير الذي تغنى به الشعراء كثيراً سوى رئيس عصابة بالحقيقة، أي كان محل مزايدة، فيبيع نفسه من العرب تارة ويبيعها من النصارى تارة أخرى، ومما حدث أن دخل مدينة بلنسية صلحاً فلم يحجم عن شيء حاكمها الهرم على النار؛ ليكرهه على كشف ما كان يظن وجوده في القصر من الكنوز. قال مسيو فياردو: إن ذلك الفارس الشهير الذي يثير اسمه ذكريات البطولة هو البطل الشعبي الذي اقتحم المخاطر والأهوال أكثر مما اقتحمه هركول وثيزه وقدماء أنصاف الآلهة مجتمعين. بيد أنه، وإن كان من المؤلم تجريد اسم عظيم من بعض ما أسبغته القرون عليه، لم يوضع التاريخ ليؤيد بأحكامه أقاصيص الأدباء وخيالات الشعراء. لم ير رودريك، أو روي دييز الفيفاري، غير صفات الجندي، أي كان رئيس عصابة من المرتزقة قاسياً جشعاً حقوداً شديداً في قوله وعمله كثير الجلف مستخفاً بالعدل والإنصاف. وكان نصارى أرغونة أول من أعمل السلاح فيهم لحساب المسلمين الذين منحوه لقب «السيد» فعرف به، ثم باع سيفه من شانشه القوي؛ ليساعده على تجريد ما لإخوته وأخواته من المقاطعات، ثم حالف هذا وذاك محالفة الغادرين، ولم يبال بعهد الأمان الذي قطعه لمدينة ساغونتة ومدينة بلنسية؛ فأطعم الكلاب بعض الأسرى، ونكل ببعضهم، وحرق بعضاً آخر منهم إكراهاً لهم على كشف كنوزهم.

стр. 271

شكل ٦ - ١١: برج لاجيرالده (برج لعبة الهواء) في إشبيلية (من تصوير جيرول دوبرانجه). «حقاً إنه أطفأ ما تم له من مجد النصر بما قام به من أعمال الختر والخسة والإجرام، وإني أحيل القارئ الذي يريد التثبت في مصداق قولي إلى ما قاله مسيو دوزي في مباحثه عن تاريخ عرب إسبانية السياسي والأدبي في القرون الوسطى.» وليس من الإنصاف أن نقسو على السيد الذي لم يعمل بغير ما كانت تبيحه طبائع زمنه، ولكن من الواجب أن نشير إلى تلك الطبائع؛ ليتجلى لنا مقدار ما أسدت به الأمة التي عملت على زوال تلك الطبائع من خدمة عظيمة بتأثير تعاليمها التي لا مؤيد لها سوى الرأي.

стр. 272

شكل ٦ - ١٢: محراب مسجد قصر الحمراء (من تصوير جونس). ويقولون: إن الدين يهذب الطبائع، وأذهب إلى هذا الرأي أحياناً وإن لم يكن في التاريخ سوى أدلة قليلة على ذلك، وإنما الذي لا ريب فيه هو أن قواعد الفروسية التي جاء بها العرب أدت إلى إصلاح تلك الطبائع أكثر من جميع التعاليم الدينية. نعم، إن إحراق السيد شيخاً ليسلب ماله يبديه لنا وحشاً، غير أن طبائع أهل ذلك الزمن كانت تبيح ذلك، وأن كل أمير نصراني كان يقترف مثل ذلك. ومن ذلك أن دعا الطاغية بطره ملك غرناطة، أبا سعيد، إلى قصره فأعجبه ما كان يتحلى به الملك أبو سعيد من الجواهر، فلم ير غير سلبه إياها بقتله غرداً.

стр. 273

فآثام مثل هذه مما لم يقترفه العرب قط. والعرب أحسنوا كثيراً إلى الحضارة بنشرهم من المشاعر في أنحاء العالم ما يحول دون ارتكابها. واعترف الكتاب القليلون الذين درسوا تاريخ العرب بفضلهم الخلقي، وإليك ما قاله العالم الثبت مسيو سيديو: «كان العرب يفوقون النصارى كثيراً في الأخلاق والعلوم والصناعات، وكان من طبائع العرب ما لا تراه في غيرهم من الكرم والإخلاص والرحمة، وكان من طبائعهم التي امتازوا بها في المحافظة على الكرامة ما يؤدي الإفراط فيه إلى المبارزة والشحناء. وكان ملوك قشتالة ونبرة على علم من صدق العرب وقراهم، ولم يتردد الكثير منهم في المجيء إلى قرطبة؛ ليعالجهم أطباؤها المشهورون. وكان أفقر المسلمين يحافظ على شرف أسرته محافظة أشد الرؤساء صلفاً.» (٤) مباني العرب في إسبانية استخدم العرب، في بدء إقامتهم بإسبانية، مهندسين من الروم، ولكن العرب لم يلبثوا أن أثروا بعبقريتهم الفنية في أولئك المهندسين، وبلغ إيحاؤهم في أمور الزينة مبلغاً صار يتعذر معه على أقل الناس دقة أن يخلط مبانيهم بالمباني البيزنطية. ولم يلبث العرب في إسبانية أن تحرروا من النفوذ البيزنطي كإخوانهم في مصر، فاستبدلوا النقوش العربية الممزوجة بالكتابة بالزخرفة الذهبية، وأكثروا، كما في المشرق، من المتدليات المؤلفة من الأقواس الصغيرة التي يعلو بعضها بعضاً على شكل نخاريب النخل، فيكون منظرها ساحراً عجيباً حينما يزين بها داخل إحدى القباب كما في الحمراء، وكانت هذه الأقواس على شكل نعل الفرس الظاهر في البداءة، ثم اختلطت بأنواع الأقواس الأخرى البسيطة المصنوعة على رسم البيكارين، والأقواس المفلوقة المصنوعة على رسم البيكارين، والأقواس المنقوشة على شكل الأزهار والأغصان المصنوعة على رسم البيكارين ... إلخ، وأما الأقواس المجاوزة فقد أهملها العرب تقريباً. ونعد جامع قرطبة الذي بني في القرن الثامن من الميلاد وبعض المباني في طليطلة من آثار الدور الأول لفن العمارة العربي بإسبانية، ونعد منارة لاجيرالدة (لعبة الهواء) الأشبيلية، التي أقيمت في القرن الثاني عشر من الميلاد، والقصر الأشبيلي من آثار الدور الأوسط لفن العمارة العربي، ونعد قصر الحمراء الغرناطي الذي شيد في القرن الرابع عشر من الميلاد عنواناً لما انتهى إليه فن العمارة العربي.

стр. 274

شكل ٦ - ١٣: مقدم مسجد قصر الحمراء في غرناطة. وعلى ما في هذه المباني التي أنشئت في إسبانية في مختلف الأدوار من التباين في الطرز نرى لها طابعاً خاصاً يدل على أصلها أول وهلة. ويرى مثل هذا الطابع الخاص في مختلف المباني التي شادها العرب في مختلف الأقطار، فقصر الحمراء في غرناطة أو جامع السلطان حسن في القاهرة أو باب علاء الدين في دهلي أو غيره، وإن بدا عليه تأثير البيئة التي كان يعيش فيها المهندسون الذين رسموه، جمعت بينه وبين المباني الأخرى التي شادها العرب في الأقطار الأخرى صفات فن العمارة العربي العامة، وتنم هذه على مهارة صانعيها في إبداع الآثار الجديدة بالمواد القديمة، ولا جرم أن باب علاء الدين الذي ألف فيه بين عناصر الفن العربية والفارسية والهندوسية هو من الأمثلة المهمة التأثير الفن العربي العجيب الذي طبع سمته على كل ما مسه، والذي ظل عربياً مع ما اقتبسه من الهندوس في الهند ومن الفرس في بلاد فارس ومن البيزنطيين في إسبانية.

стр. 275

ولنتكلم الآن بإيجاز عن المباني المهمة التي تركها المسلمون في إسبانية، وسنتبع طريقتنا في نشر صور صادقة عنها نشراً يغنينا عن الوصف المفصل، وذلك على أن نعود إلى الكثير منها في الفصل الذي ندرس فيه تاريخ فن العمارة العربي. (٤ - ١) المباني العربية في قرطبة إن جامع قرطبة الشهير الذي بدأ عبد الرحمن بإنشائه في سنة ٧٨٠ م، والذي يعده علماء المسلمين قبلة أنظار المغرب، من أجمل المباني التي شادها العرب في إسبانية، قال كونده: بني ذلك المسجد الجامع في أواخر القرن الثامن من الميلاد بأمر عبد الرحمن الأول وإشرافه، وروي أن عبد الرحمن الأول هذا أراد أن يجعله مماثلاً لجامع دمشق على أوسع نطاق، ومذكراً الناس بفيض زخارفه، بعجائب هيكل سليمان القدسي المجيد الذي هدمه الرومان. «وكان جامع قرطبة يفوق معابد الشرق قاطبة بعظمته وروعته، وترى ارتفاع مئذنته أربعين ذراعاً، وترى قبته الهيفاء تقوم على روافد من الخشب المحفور وتستند إلى ١٠٩٣ عموداً مصنوعاً من مختلف الرخام على شكل رقعة الشطرنج، فيتألف منها تسعة عشر صحناً واسعاً طولاً وثمانية وثلاثون صحناً ضيقاً عرضاً، وترى في وجهه الجنوبي المقابل للوادي الكبير تسعة عشر باباً مصفحاً بصفائح برونزية عجيبة الصنع خلا الباب المتوسط الذي كان مصفحاً بألواح من الذهب، وترى في كل من وجهة الشرقي الجانبي ووجهه الغربي الجانبي تسعة أبواب مشابهة لتلك الأبواب.» ولا يزال جامع قرطبة من المباني المهمة مع ما أحدثه الإسبان فيه من التلف والفساد، ومع تلك الكنيسة الواسعة التي أقاموها فيه لتطهيره، ومما صنعه الإسبان أن كلسوا زخارف جدره وكتاباته، ونزعوا منه فسيفساء أرضه، وباعوا تحف سقفه الخشبية المحفورة المزوقة، فيجب على من يرغب في تمثل شيء مما كان عليه جامع قرطبة أن ينظر إلى محرابه الذي تفلت وحده من التخريب. ويقوم سقف جامع قرطبة على أعمدة، ويتكون من اجتماع هذه الأعمدة صفوف من الصحون الكبيرة المتوازية المؤدية إلى باحته، وتتقاطع هذه الصحون وصحون أخرى كتقاطع الأضلاع الذي ينشأ عنه زوايا قائمة، ويتألف من مجموع تلك الأعمدة غابة من الرخام والطب والغرانيت، وتعلو تلك الأعمدة أقواس رائعة منضدة مصنوعة على شكل نعل الفرس.

стр. 276

شكل ٦ - ١٤: قاعة البركة في قصر الحمراء (من تصوير جونس) ولا يؤدي ارتفاع سقف جامع قرطبة الذي لا يزيد على عشرة أمتار إلى ما نراه في الكتدرايات القديمة، التي أقيمت على الطراز القوطي في القرون الوسطى، من الجلال الأذن ككتدرائية كولونية وستراسبرغ، وإنما ينشأ عن تنضد أقواسه وتنوع زخارفه منظر مبتكر بديع قلما تجد مثله في مبان أخرى. وأما محراب جامع قرطبة فإننا، من غير أن تجاري جيرول دوبرانجه في قوله: «إنك لا ترى أحسن من زخرفه وسنائه في أي أثر قديم أو حديث مماثل»، نعترف بأنه من أجمل ما تقع عليه عين بشر. وأقيم جامع قرطبة أيام كان الفن العربي في فجره، وتدرج الفن العربي إلى الكمال، فأقيمت على الطراز العربي الكامل مبان عجيبة كالحمراء تخبر، بما لها من الروعة

стр. 277

والجلال قادم الأجيال بما كان للقوم الذين شادوها من الذوق الفني وحب كل ما هو ساطع بديع عجيب. شكل ٦ - ١٥: منظر التقط في قاعة الأختين بقصر الحمراء (من تصوير جونس). وأرى، قبل أن أغادر قرطبة، أن أذكر، أيضاً، قصر الزهراء الساحر الذي بناه عبد الرحمن في القرن العاشر بعيداً بضعة فراسخ من قرطبة، والذي درس رسمه وقص التاريخ نبأه، وإن الضبط الذي وصف به كتاب العرب جامع قرطبة لدليل على صدق ما وصفوا به قصر الزهراء من الأوصاف التي أوجها جيرول دوبرانجه فيما يأتي: كان يزين ذلك القصر ٤٣٠٠ عمود من الرخام الثمين الكامل الصنع، وكانت رداهه مبلطة بقطع من الرخام المنقوش بمهارة على ألف شكل، وكانت حواجز هذه الرداه مغطاة بالمرمر ومزخرفة بالأفاريز ذات الألوان الباهرة، وكانت

стр. 278

شكل ٦ - ١٦: قاعة بني سراج في قصر الحمراء (من تصوير مورفي). سقوفه ذات نقوش ذهبية لازوردية متشابكة، وكانت جسور هذه السقوف وترابيعها الأزلية دقيقة متقنة الصنع، وكان في بعض رداهه عيون عجيبة تصب مياهها الصافية في صهاريج رخامية ذات أشكال منوعة أنيقة، وكان في ردهة الخليفة عين مصنوعة من اليصب ومزينة بإوزة عجيبة من الذهب عملت في القسطنطينية، وكانت الدرة الشهيرة، التي أتحف قيصر الروم عبد الرحمن الناصر بها، تعلو هذه العين، وكانت الحدائق العظيمة ذات الأشجار المثمرة والرياحين قريبة من القصر، وكان في وسط هذه الحدائق، وعلى مكان مشرف منها، قبة الخليفة القائمة على أعمدة رخامية بيض ذات تيجان مذهبة، وكان في وسط هذه القبة حوض كبير من الرخام السماقي مملوء بالزئبق الذي كان يتدفق بشكل عجيب تدفقاً مستمراً، فكانت أشعة الشمس تنعكس

стр. 279

شكل ٦ - ١٧: ليوان في قصر الحمراء بغرناطة. عليه بما يأخذ بمجامع القلوب، وكان في هذه الحدائق الجميلة حمامات ذات صهاريج رخامية وبسط ورياش حريري ذهبي موشى بصور غريبة طبيعية من الأزهار والغاب والحيوانات، وجلب الرخام الأبيض إلى قصر الزهراء من المرية، والوردي والأخضر من قرطاجة وتونس، وصنعت في سورية، وفي القسطنطينية على رواية، عينه الذهبية المنقوشة، وكان يرى هنالك ما جلبه أحمد الرومي من الصور البشرية المنقوشة، وأمر الخليفة بأن تنصب هنالك صور من الذهب والحجارة الثمينة لاثني عشر حيواناً مصنوعة في المعمل الملكي بقرطبة، فكانت المياه تتدفق من أفواهها تدفقاً مستمراً، وكان سقف ردهة الخليفة مذهباً مؤلفاً من قطع رخامية لامعة مختلفة الألوان، وكانت جدره مزخرفة مثل سقفه، وكان في وسط هذه الردهة حوض رخام عظيم مملوء بالزئبق، وكان في كل جانب من هذه الردهة ثمانية أبواب معقودة على

стр. 280

شكل ٦ - ١٨: داخل قاعة لندرجة في قصر الحمراء. حنايا من العاج والأبنوس مزينة بالذهب والحجارة الثمينة، قائمة على أعمدة من الرخام المنوع والبلور الصافي، وروى ابن حيان أن قصر الزهراء اشتمل على ٤٣١٢ سارية مختلفة الحجوم، وأنه جلب ١٠١٣ سارية منها من إفريقية و ١٩ سارية منها من رومة، وأن قيصر الروم أتحف عبد الرحمن بـ ١٤٠ سارية منها، وأن بقية السواري أخذت من مختلف بقاع الأندلس وطركونة وغيرها، وضيعت أبواب قصر الزهراء من الحديد أو من النحاس المموه بالذهب والفضة.

стр. 281

(٤ - ٢) المباني العربية في طليطلة مدينة طليطلة القديمة الحاضرة صورة صادقة لما كانت عليه المدن الأوربية في القرون الوسطى، وما هو ماثل فيها الآن من الكاتدرائية الفخمة ودير سان جوان دولوس ريس يكفي لشهرتها، فإذا استثنيت هذين الأثرين رأيت في كل خطوة منها ما يساعد على درس تأثير العرب في الأمم التي حلت محلهم. ولا يزال يحيط بطليطلة حصونها وأبراجها العربية، ونذكر من أبوابها القديمة باب بيزاغرة (باب شقرة) الشهير الذي أنشئ في القرن التاسع من الميلاد، وباب الشمس الشهير الذي أنشئ في القرن العاشر من الميلاد فيصعب علي أن أعده، كما عده غيري، من الآثار التي شيدت على الطراز البيزنطي، وذلك لشكله العربي العام، ولا يرى فيه من الأقواس والزخارف العربية. وأذكر من المباني العربية في طليطلة، أو المباني العربية اليهودية فيها، سنتا ماريا لا بلانكا، أي الكنيس القديم الذي بني في القرن التاسع. ويعد بالألوف ما تم في طليطلة من ضروب الزخارف على يد عمال من العرب كانوا من رعايا النصارى قبل إجلاء العرب العام الذي حدث بعد فتح النصارى لجميع بلاد إسبانية، وإلى هؤلاء العمال العرب يعود الفضل فيما ترى من دقائق النقوش والزينة في مباني طليطلة التي شيدت على الطراز الرومني أو الطراز القوطي، وقد نشأ عن هذا المزج بين الطراز العربي والطراز النصراني ذلك الطراز الذي يسمى المدن، والذي اتصل أمره في إسبانية زمناً طويلاً، والذي لم يعف أثره فيها كما تشهد بذلك بعض الأبنية التي شيدت في إشبيلية حديثاً. (٤ - ٣) المباني العربية في إشبيلية يرى في إشبيلية، كما يرى في طليطلة، أثر للعرب في كل خطوة، وإن كان ذلك بمعنى آخر، فإذا نظرت إلى أكثر بيوت إشبيلية العربية العصرية رأيته مبنياً على الطراز العربي، وإذا نظرت إلى الرقص البلدي والموسيقا المحلية في إشبيلية رأيتهما على النهج العربي، وإذا نظرت إلى نسوة إشبيلية، على الخصوص، رأيت الدم العربي يجري في عروقهن. وإن البرج المسمى لاجيرالدة (برج لعبة الهواء) هو أقدم المباني العربية في إشبيلية، وهو بناء جميل مربع مبني من الأجر الوردي، وهو يشابه برج مار مرقس في البندقية

стр. 282

وأكثر مناور إفريقية، وإنني أرجح أن يكون قد بني مئذنة للمسجد الجامع الذي أقامه المنصور في سنة ١١٩٥ م. ووجوه برج لاجيرالدة الخارجية مستورة بشبكة من النقوش المحفورة، ومن النوافذ ذات الأقواس المصنوع بعضها على شكل نعل الفرس، والمصنوع بعضها الآخر على رسم البيكارين، وكان يعلو ذلك البرج كرة معدنية مذهبة فأزالها الإسبان وبنوا في محلها برجاً للناقوس، ثم وضعوا فوق هذا البرج تمثالاً؛ ليكون رمزاً للإيمان. والقصر الأشبيلي قصر عربي قديم يرجع إنشاؤه إلى أدوار مختلفة، وقد بدئ بإنشائه في القرن الحادي عشر، وشيد معظمه في القرن الثالث عشر، وبنى مقدمه عمال من العرب في عهد الطاغية بطره، ثم حاول شارلكن أن يزوقه فأضاف إليه من الزخارف الإغريقية الرومية ما دل على فساد ذوق الصانع. شكل ٦ - ١٩: قاعة الأسود في قصر الحمراء (من صورة فوتوغرافية). واتخذ ملوك النصارى قصر إشبيلية منزلاً لهم، ويعد البناء الوحيد الذي حفظ من نوعه في إسبانية، وإن الناظر إلى رداه هذا القصر المزخرفة بشتى الألوان، والتي أزال الكلس عنها دوك مونبانسه بعد أن كلسها الإسبان وفق عاداتهم، ليتمثل ما كانت عليه رداه الحمراء قبل أن يكلسها الإسبان أيضاً، وإن ردهة الصبايا اللائي كان النصارى يقدمون مائة منهن كجزية إلى ملوك المغاربة في إشبيلية في كل سنة، كما روي، وكذلك

стр. 283

ردهة السفراء، هما من أروع رداه القصر الأشبيلي، وتعد ردهة السفراء هذه من العجائب بغير ما أضيف إليها من الزخرف الرخيص، وإذا استثنينا مباني دمشق العربية وبعض مساجد القاهرة العربية لم نر في غير القصر الأشبيلي تلك السقوف المغطاة بالخشبان المحفورة المطلية المذهبة التي يفتخر أثمن قصورنا باشتماله على مثلها. والحق أن إشبيلية أكثر مدن إسبانية حياة وتمدنا، وهي نقيض غرناطة التي حافظت على توحش القرون الوسطى، وعلى كرهها الشديد للأجانب. (٤ - ٤) المباني العربية في غرناطة تتجلى عظمة فن العمارة العربي الأندلسي في قصر الحمراء الذي أنشئ في القرن الرابع عشر من الميلاد. أقيم قصر الحمراء على منحدر جبل شلير الذي يشرف على مدينة غرناطة وعلى المروج الواسعة الخصيبة، والذي يعد من أجمل أمكنة العالم. وإذا ما نظر المرء إلى الحمراء من أسفل الصخور التي تتوجها رآها أبراجاً مربعة ذات ألوان قرمزية يناطح أعلاها السحاب، ويسفر أدناها عن نبات أخضر كثيف، وإذا ما مر المرء من تحت الأشجار التي تحف بها ومع تغريد الطيور التي عليها وخرير الماء الذي يجري في السواقي والقنوات القريبة منها، فدخل ذلك القصر الشهير رأي ما تغنى به الشعراء، ولا سيما صاحب المشرقيات (فكتور هوغو) الذي أنشد قائلاً: أيتها الحمراء! أيها القصر الذي زينتك الملائكة كما شاء الخيال، وجعلتك آية الانسجام! أيتها القلعة ذات الشرف المزخرفة بنقوش كالزهور والأغصان والمائلة إلى الانهدام! حينما تنعكس أشعة القمر الفضية على جدرك من خلال قناطرك العربية يسمع للي في الليل صوت يسحر الألباب. ويتعذر وصف الحمراء بوصف دقيق، وقلم الرسم وحده هو الذي يستطيع ذلك، وهو ما نستعين به، وما نشرنا في هذا الكتاب من صور الحمراء يغني عن كل ما يمكن قوله. وكل ما في قصر الحمراء عجيب، والمرء يقضي العجب من جدرانه المزينة بالنقوش العربية الأنيقة المحفورة المفترضة وأقواسه المصنوعة على رسم البيكارين، وقبابه ذات الزخارف الساحرة المتدلية (المقرنصات) المطلية فيما مضى باللازورد والأرجوان والإبريز.

стр. 284

شكل ٦ - ٢٠: جزئيات نافذة في قصر الحمراء. ولا تشابه الحمراء قصور أوربة مطلقاً، شأن كثير من القصور العربية، فهي عاطلة من المقدم، وتنحصر زخارفها في داخلها الذي نرى كل شيء فيه عجيباً، وإن كان صغيراً، وليس فيها رداه فخمة مملة باردة مثل رداه قصورنا الأوربية رسمت ليعجب بها الزائرون، لا لتلائم ساكنيها. ويمكننا أن نتمثل حياة ملوك العرب عند النظر إلى الحمراء؛ فالعين لا ترى من نوافذها غير آفاق لا نهاية لها، وهي تثير ذكريات ما كان يحدث في رياضها الغن التي كانت حظايا ملوك غرناطة، وقد كن من أجمل غواني الغرب والشرق، يتفيأن في غياضها ويتنسمن شذا أزاهرها النادرة.

стр. 285

وكان يحف بصاحب تلك العجائب جمع من المتفننين والعلماء والأدباء الذين كانوا أعلام ذلك العصر، وكان لذلك الصاحب أن يعد الملوك الآخرين من الحاسدين له، وكان له أن يكتب على باب قصره كما صنع ذلك الملك الهندي الذي حكت عنه القصة: «إن كان في الأرض فردوس فهو هذا! » واشتهر أهم أقسام قصر الحمراء بفضل الفوتوغرافية والرسم، فذاع صيت قاعة الأسود وغرفة الأختين وحجرة بني سراج وردهة العدل، والقارئ الذي ينعم النظر في الصور التي نشرناها عن تلك الأقسام في هذا الكتاب يرى أنها ليست دون شهرتها، وانتهت الشهرة إلى قاعة الأسود على الخصوص، قال جيژول دوبرانجه: «يعجز الإنسان عن بيان ما يشعر به حين يمر من قاعة البركة، ويدخل قاعة الأسود فيرى فيها الأروقة التي تزينها الأقواس المنوعة المزخرفة بالنقوش المزهرة والزخارف المتدلية والتخاريم التي كانت ذهبية ملونة، وتقع عينه على غابة من الأعمدة الهيف التي وضع بعضها منفرداً وبعضها مزدوجاً وبعضها مجتمعاً على شكل بديع، فيبصر من خلالها التماع مياه فسقية الأسود المتدفقة.» وتقول القصة: إن رقاب بني سراج الستة والثلاثين ضربت على تلك الفسقية، وتقول العامة: إنه يشاهد في كل ليلة طيف أولئك القتلى متوعداً متهدداً. ولا تمت أسود تلك الفسقية إلى أي حيوان بوجه شبه حقيقي، فهي ناقصة الشكل نقصاً قصده المثالون الذين أرادوا بها نوعاً من الزينة. ويكاد زائرو الحمراء لا يصدقون، أول وهلة، أن زخارف جدرانها منقوشة على الجص، لا على الحجارة، كما هو الأمر في القاهرة والهند، ويرى أولئك الزائرون الذين يتأملون قرن تلك الزخارف وسطها الأملس المصقول أن من المستحيل ألا تكون منقوشة على الرخام، ولم أر أنها من الجص إلا بعد أن حلل لي أحد أعضاء المجمع العلمي، مسيو فريدل، قطعة صغيرة منها. والجص الممزوج بقليل من المواد العضوية هو، إذن، ما صنعت منه جميع نقوش الحمراء، ولا نستطيع سوى الاعتراف بإتقان صنع ذلك الجص الذي قاوم تقلبات الجو خمسمائة سنة من غير أن يفد، ولا أعتقد أن مهندساً أوربياً في الوقت الحاضر يمكنه أن يعاهد على صنع نوع من الجص يستطيع أن يدوم مثل هذا الزمن الطويل بلا عطب.
следующие страницы →