← Общие книги

Общие книги · id 150939

حضارة العرب - غوستاف لوبون

غوستاف لوبون

Полный текст (598 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

(٤ - ٢) المباني العربية في طليطلة مدينة طليطلة القديمة الحاضرة صورة صادقة لما كانت عليه المدن الأوربية في القرون الوسطى، وما هو ماثل فيها الآن من الكاتدرائية الفخمة ودير سان جوان دولوس ريس يكفي لشهرتها، فإذا استثنيت هذين الأثرين رأيت في كل خطوة منها ما يساعد على درس تأثير العرب في الأمم التي حلت محلهم. ولا يزال يحيط بطليطلة حصونها وأبراجها العربية، ونذكر من أبوابها القديمة باب بيزاغرة (باب شقرة) الشهير الذي أنشئ في القرن التاسع من الميلاد، وباب الشمس الشهير الذي أنشئ في القرن العاشر من الميلاد فيصعب علي أن أعده، كما عده غيري، من الآثار التي شيدت على الطراز البيزنطي، وذلك لشكله العربي العام، ولا يرى فيه من الأقواس والزخارف العربية. وأذكر من المباني العربية في طليطلة، أو المباني العربية اليهودية فيها، سنتا ماريا لا بلانكا، أي الكنيس القديم الذي بني في القرن التاسع. ويعد بالألوف ما تم في طليطلة من ضروب الزخارف على يد عمال من العرب كانوا من رعايا النصارى قبل إجلاء العرب العام الذي حدث بعد فتح النصارى لجميع بلاد إسبانية، وإلى هؤلاء العمال العرب يعود الفضل فيما ترى من دقائق النقوش والزينة في مباني طليطلة التي شيدت على الطراز الرومني أو الطراز القوطي، وقد نشأ عن هذا المزج بين الطراز العربي والطراز النصراني ذلك الطراز الذي يسمى المدن، والذي اتصل أمره في إسبانية زمناً طويلاً، والذي لم يعف أثره فيها كما تشهد بذلك بعض الأبنية التي شيدت في إشبيلية حديثاً. (٤ - ٣) المباني العربية في إشبيلية يرى في إشبيلية، كما يرى في طليطلة، أثر للعرب في كل خطوة، وإن كان ذلك بمعنى آخر، فإذا نظرت إلى أكثر بيوت إشبيلية العربية العصرية رأيته مبنياً على الطراز العربي، وإذا نظرت إلى الرقص البلدي والموسيقا المحلية في إشبيلية رأيتهما على النهج العربي، وإذا نظرت إلى نسوة إشبيلية، على الخصوص، رأيت الدم العربي يجري في عروقهن. وإن البرج المسمى لاجيرالدة (برج لعبة الهواء) هو أقدم المباني العربية في إشبيلية، وهو بناء جميل مربع مبني من الأجر الوردي، وهو يشابه برج مار مرقس في البندقية

стр. 282

وأكثر مناور إفريقية، وإنني أرجح أن يكون قد بني مئذنة للمسجد الجامع الذي أقامه المنصور في سنة ١١٩٥ م. ووجوه برج لاجيرالدة الخارجية مستورة بشبكة من النقوش المحفورة، ومن النوافذ ذات الأقواس المصنوع بعضها على شكل نعل الفرس، والمصنوع بعضها الآخر على رسم البيكارين، وكان يعلو ذلك البرج كرة معدنية مذهبة فأزالها الإسبان وبنوا في محلها برجاً للناقوس، ثم وضعوا فوق هذا البرج تمثالاً؛ ليكون رمزاً للإيمان. والقصر الأشبيلي قصر عربي قديم يرجع إنشاؤه إلى أدوار مختلفة، وقد بدئ بإنشائه في القرن الحادي عشر، وشيد معظمه في القرن الثالث عشر، وبنى مقدمه عمال من العرب في عهد الطاغية بطره، ثم حاول شارلكن أن يزوقه فأضاف إليه من الزخارف الإغريقية الرومية ما دل على فساد ذوق الصانع. شكل ٦ - ١٩: قاعة الأسود في قصر الحمراء (من صورة فوتوغرافية). واتخذ ملوك النصارى قصر إشبيلية منزلاً لهم، ويعد البناء الوحيد الذي حفظ من نوعه في إسبانية، وإن الناظر إلى رداه هذا القصر المزخرفة بشتى الألوان، والتي أزال الكلس عنها دوك مونبانسه بعد أن كلسها الإسبان وفق عاداتهم، ليتمثل ما كانت عليه رداه الحمراء قبل أن يكلسها الإسبان أيضاً، وإن ردهة الصبايا اللائي كان النصارى يقدمون مائة منهن كجزية إلى ملوك المغاربة في إشبيلية في كل سنة، كما روي، وكذلك

стр. 283

ردهة السفراء، هما من أروع رداه القصر الأشبيلي، وتعد ردهة السفراء هذه من العجائب بغير ما أضيف إليها من الزخرف الرخيص، وإذا استثنينا مباني دمشق العربية وبعض مساجد القاهرة العربية لم نر في غير القصر الأشبيلي تلك السقوف المغطاة بالخشبان المحفورة المطلية المذهبة التي يفتخر أثمن قصورنا باشتماله على مثلها. والحق أن إشبيلية أكثر مدن إسبانية حياة وتمدنا، وهي نقيض غرناطة التي حافظت على توحش القرون الوسطى، وعلى كرهها الشديد للأجانب. (٤ - ٤) المباني العربية في غرناطة تتجلى عظمة فن العمارة العربي الأندلسي في قصر الحمراء الذي أنشئ في القرن الرابع عشر من الميلاد. أقيم قصر الحمراء على منحدر جبل شلير الذي يشرف على مدينة غرناطة وعلى المروج الواسعة الخصيبة، والذي يعد من أجمل أمكنة العالم. وإذا ما نظر المرء إلى الحمراء من أسفل الصخور التي تتوجها رآها أبراجاً مربعة ذات ألوان قرمزية يناطح أعلاها السحاب، ويسفر أدناها عن نبات أخضر كثيف، وإذا ما مر المرء من تحت الأشجار التي تحف بها ومع تغريد الطيور التي عليها وخرير الماء الذي يجري في السواقي والقنوات القريبة منها، فدخل ذلك القصر الشهير رأي ما تغنى به الشعراء، ولا سيما صاحب المشرقيات (فكتور هوغو) الذي أنشد قائلاً: أيتها الحمراء! أيها القصر الذي زينتك الملائكة كما شاء الخيال، وجعلتك آية الانسجام! أيتها القلعة ذات الشرف المزخرفة بنقوش كالزهور والأغصان والمائلة إلى الانهدام! حينما تنعكس أشعة القمر الفضية على جدرك من خلال قناطرك العربية يسمع للي في الليل صوت يسحر الألباب. ويتعذر وصف الحمراء بوصف دقيق، وقلم الرسم وحده هو الذي يستطيع ذلك، وهو ما نستعين به، وما نشرنا في هذا الكتاب من صور الحمراء يغني عن كل ما يمكن قوله. وكل ما في قصر الحمراء عجيب، والمرء يقضي العجب من جدرانه المزينة بالنقوش العربية الأنيقة المحفورة المفترضة وأقواسه المصنوعة على رسم البيكارين، وقبابه ذات الزخارف الساحرة المتدلية (المقرنصات) المطلية فيما مضى باللازورد والأرجوان والإبريز.

стр. 284

شكل ٦ - ٢٠: جزئيات نافذة في قصر الحمراء. ولا تشابه الحمراء قصور أوربة مطلقاً، شأن كثير من القصور العربية، فهي عاطلة من المقدم، وتنحصر زخارفها في داخلها الذي نرى كل شيء فيه عجيباً، وإن كان صغيراً، وليس فيها رداه فخمة مملة باردة مثل رداه قصورنا الأوربية رسمت ليعجب بها الزائرون، لا لتلائم ساكنيها. ويمكننا أن نتمثل حياة ملوك العرب عند النظر إلى الحمراء؛ فالعين لا ترى من نوافذها غير آفاق لا نهاية لها، وهي تثير ذكريات ما كان يحدث في رياضها الغن التي كانت حظايا ملوك غرناطة، وقد كن من أجمل غواني الغرب والشرق، يتفيأن في غياضها ويتنسمن شذا أزاهرها النادرة.

стр. 285

وكان يحف بصاحب تلك العجائب جمع من المتفننين والعلماء والأدباء الذين كانوا أعلام ذلك العصر، وكان لذلك الصاحب أن يعد الملوك الآخرين من الحاسدين له، وكان له أن يكتب على باب قصره كما صنع ذلك الملك الهندي الذي حكت عنه القصة: «إن كان في الأرض فردوس فهو هذا! » واشتهر أهم أقسام قصر الحمراء بفضل الفوتوغرافية والرسم، فذاع صيت قاعة الأسود وغرفة الأختين وحجرة بني سراج وردهة العدل، والقارئ الذي ينعم النظر في الصور التي نشرناها عن تلك الأقسام في هذا الكتاب يرى أنها ليست دون شهرتها، وانتهت الشهرة إلى قاعة الأسود على الخصوص، قال جيژول دوبرانجه: «يعجز الإنسان عن بيان ما يشعر به حين يمر من قاعة البركة، ويدخل قاعة الأسود فيرى فيها الأروقة التي تزينها الأقواس المنوعة المزخرفة بالنقوش المزهرة والزخارف المتدلية والتخاريم التي كانت ذهبية ملونة، وتقع عينه على غابة من الأعمدة الهيف التي وضع بعضها منفرداً وبعضها مزدوجاً وبعضها مجتمعاً على شكل بديع، فيبصر من خلالها التماع مياه فسقية الأسود المتدفقة.» وتقول القصة: إن رقاب بني سراج الستة والثلاثين ضربت على تلك الفسقية، وتقول العامة: إنه يشاهد في كل ليلة طيف أولئك القتلى متوعداً متهدداً. ولا تمت أسود تلك الفسقية إلى أي حيوان بوجه شبه حقيقي، فهي ناقصة الشكل نقصاً قصده المثالون الذين أرادوا بها نوعاً من الزينة. ويكاد زائرو الحمراء لا يصدقون، أول وهلة، أن زخارف جدرانها منقوشة على الجص، لا على الحجارة، كما هو الأمر في القاهرة والهند، ويرى أولئك الزائرون الذين يتأملون قرن تلك الزخارف وسطها الأملس المصقول أن من المستحيل ألا تكون منقوشة على الرخام، ولم أر أنها من الجص إلا بعد أن حلل لي أحد أعضاء المجمع العلمي، مسيو فريدل، قطعة صغيرة منها. والجص الممزوج بقليل من المواد العضوية هو، إذن، ما صنعت منه جميع نقوش الحمراء، ولا نستطيع سوى الاعتراف بإتقان صنع ذلك الجص الذي قاوم تقلبات الجو خمسمائة سنة من غير أن يفد، ولا أعتقد أن مهندساً أوربياً في الوقت الحاضر يمكنه أن يعاهد على صنع نوع من الجص يستطيع أن يدوم مثل هذا الزمن الطويل بلا عطب.

стр. 286

ولا يستدل على بقاء جدر الحمراء بملاءمة جو إسبانية لها ما تطرق الفساد إلى أجزائها التي رممت بعد إجلاء العرب بزمن طويل، ويعرف هذا الفساد، بسهولة، من انثلام تلك الأجزاء المرممة وانخفاضها وانتفاخها. وقص جميع رجال الفن الذين زاروا قصر الحمراء العجيب، والألم ملء قلوبهم، ما لا يكاد العقل يصدقه من أنباء التخريب الفظيع الذي أحدثه الإسبان فيه، فقد هدم شارلكن قسماً مهماً منه لينشئ في مكانه بناءً ثقيلاً، وعدته جميع الحكومات الإسبانية مجموعة من الخرائب القديمة التي لا تنفع لغير الاستفادة من موادها، قال مسيو دفليه في كتابه عن إسبانية: «لقد بيعت ألواح الميناء التي كانت تزين رداه الحمراء منذ بضع سنين لصنع الملاط، وبيع باب مسجدها البرونزي كنحاس عتيق، وحرقت منها أبواب ردهة بني سراج الخشبية الأنيقة كما يحرق الحطب، ثم اخذ من رداهها الجميلة سجون للمجرمين ومخازن للميرة بعد أن بيع ما أمكن نزعه منها.» وأراد الإسبان تطهير جدران الحمراء المزينة بالنقوش العربية الجميلة، فكسوها طبقة كثيفة من الكلس، ويظهر أن التكليس الذي تساوي في حبه الإسبان والإنكليز هو مما يرغب فيه بعض الشعوب المتمدنة التي لا ترى ما هو أطيب منه للزينة، وهو مما يروق بالتدريج أولئك الأوربيين الذين يرون فيه مظهراً للمساواة ووحدة الشكل المبتذلة. ولا يمض زمن طويل على تذمر المتفنين من تخريب قصر الحمراء، ونزع أولو الأمر من الإسبان إلى المحافظة على ما بقي من هذا القصر الساحر بعد أن قيل لأهل غرناطة، غير مرة، إنهم يملكون به إحدى العجائب التي تجلب إليهم السياح من كل جانب، فأزيل شيء من الكلس الذي سترت به تلك النقوش العربية، وبدئ بالترميم، والإسبان عاملون على ذلك ببطء لعدم وجود عمال في إسبانية قادرين على إنجاز هذا الترميم الذي يسهل أمره عند النظر إلى النماذج ويرى بجانب الحمراء قصر عربي آخر يسمى جنة العريف، وقد بالغ الإسبان في تكليس جدران هذا القصر، فصرت لا تستطيع أن تتمثل حالته الأولى، وصار لا يستحق الحماسة التي يصفه بها مطوفو السياح خلا روضته. وأما مدينة غرناطة فلا أنصح أحداً بأن يزورها بعد أن وصفها شعراء العرب بأنها أنضر مدينة تنالها أشعة الشمس وبأنها دمشق الأندلس. ولا أقدر أن أصف الحال التي كانت عليها غرناطة فيما مضى، ولكن غرناطة الحديثة لم تكن سوى قرية كبيرة كئيبة قذرة ليس فيها ما يجدر ذكره غير كاتدرائيتها

стр. 287

شكل ٦ - ٢١: قصر شقوبية (من صورة فوتوغرافية). شكل ٦ - ٢٢: قصر شقوبية (من صورة فوتوغرافية).

стр. 288

الفخمة وحمرائها، فضلاً عن أنها قائمة على مكان يعد من أجمل أمكنة العالم، ولم تبن بيوتها الحديثة على طراز معروف، وأمعنت في البحث عن زخارفها التي قص أدباء معاصرون مشهورون علينا خبرها فلم أجد لها أثراً. حقاً لم تكن غرناطة الجديدة سوى مدينة ميتة، ويعرف أهلها بأنهم من الجهلة الثقلاء البعيدين من القرى، وهي نقيض مدينة إشبيلية التي تشاهد فيها مسحة من الحياة، والتي تجد فيها من بائعي الكتب ما لا تجد في غرناطة. أكتفي بذكر ما تقدم من مباني العرب، فإذا أضفنا إليه قصر شقوبية وبعض الأبنية التي نتكلم عنها في الفصل الذي خصصناه للبحث في تأثير العرب في أوربة كانت لدينا صورة كافية للآثار العربية الماثلة الآن في إسبانية والتي هي بقايا عصر زاهر، والتي تكفي وحدها للدلالة على عظمة العرب ولو لم ينته إلينا شيء من علومهم وآدابهم.

стр. 289

الفصل السابع العرب في صقلية وإيطالية وفرنسة (١) العرب في صقلية وإيطالية يدلنا درس تاريخ العرب في مختلف الأقطار التي دخلوها على أن لغزواتهم مناحي مختلفة، أي يدلنا على أنهم إما أن يكونوا قد أغاروا عليها؛ ليستقروا بها نهائياً، وإما أن يكونوا قد اكتفوا بغزوهم الخاطف لها، فأما في الحالة الأولى فقد كان من سياستهم الثابتة أن يكونوا على وئام مع الأهلين المغلوبين، وأن يحترموا دينهم وشرائعهم، وأن يكتفوا بأخذ جزية طفيفة منهم كما صنعوا في سورية ومصر وإسبانية، وذلك خلافاً لعادة جميع الفاتحين في زمانهم، وأما في الحالة الثانية فقد ساروا على سياسة كل فاتح، فعدوا البلاد التي أغاروا عليها كإيطالية، وفرنسة على الخصوص، من الفرائس وانتهبوا بسرعة ما وصلت إليه أيديهم منها، وخربوا فيها ما لم يقدروا على حملة غير مبالين بسكانها. وسار العرب على ذينك النجدين في صقلية، فبما أن عدد من أغار منهم على صقلية وعلى قطعة من إيطالية كان قليلاً وقفوا عند حد الغزو المؤقت وما ينشأ عنه عادة من التخريب والنهب وقتل من يقاوم من الأهلين ثم العودة السريعة، ولما تكررت غزواتهم لتلك البلاد وأصابهم فيها من النجاح والتوفيق ما أصابهم رأوا أن يستقروا بها، وأن يحسنوا سياسة أهلها، ولما رسخت أقدامهم فيها كفوا عن عادة نهبها، وأنعموا عليها بنعم الحضارة، وكان لهم فيها مثل ما كان لهم في إسبانية من الأثر النافع البالغ. ويمكننا، ببيان هذه الفروق الأساسية في سياسة العرب، إدراك تاريخ العرب في مختلف الأقطار التي استولوا عليها، وإيضاح علة اختلاف سياسة العرب أنفسهم في البلدان المتجاورة.

стр. 290

ومسلمو إفريقية هم الذين غزوا صقلية وإيطالية، وأكثر هؤلاء المسلمين من البربر؛ لما كان من قلة عدد العرب في ذلك الدور، وهؤلاء البربر من أشد الشعوب التي دانت لشريعة الرسول بأساً، وأضعفهم تمدناً كما ذكرنا. وأغار العرب على صقلية وجزر البحر المتوسط بضع مرات منذ القرن الأول من الهجرة، ولم يحاول العرب الاستيلاء على صقلية جدياً إلا في أوائل القرن الثالث من الهجرة حين استقل شمال إفريقية عن خلافة المشرق، وحين حدث ما شجعهم على ذلك. وكانت جزيرة صقلية من أعمال حكومة بيزنطة، وكانت حكومة بيزنطة ترسل إليها حكاماً ليمارسوا السلطة فيها، ومما حدث أن عهد إلى أمير البحر أوفيميوس (فيمي) في الدفاع عنها، وأن علم أوفيميوس أن قيصر بيزنطة أمر بقتله، وأن قتل أوفيميوس حاكم صقلية ونصب نفسه أميراً عليها، وأن ثار أهلها عليه ففر إلى إفريقية طالباً حماية المسلمين، وأن عاد إلى صقلية مع جيش من المسلمين لم يلبث أن سار على حساب نفسه، فأتم فتح صقلية بدخوله بلرم بعد وقائع دامت بضع سنين (٢١٢ هـ/ ٢١٧ هـ). ولم يقتصر العرب، بمقاتلتهم الروم، على غزو صقلية، فقد استولوا على جنوب إيطالية أيضاً، وبلغوا في تقدمهم ضواحي رومة، وأحرقوا كنيسة القديس بطرس وكنيسة القديس بولس اللتين كانتا قائمتين خارج أسوار رومة، ولم يرجعوا عنها إلا بعد أن وعدهم البابا يوحنا الثامن بدفع جزية إليهم، واستولى العرب على مدينة برنديزي الواقعة على شاطئ البحر الأدرياتي ومدينة تارانت، وأغاروا على دوكية بنيفنت، وصاروا سادة البحر المطلقين بفتحهم صقلية وأهم جزر إيطالية وقورسقة وقندية (الخندق) ومالطة وجميع جزر البحر المتوسط، ولم يسع البندقية إزاء ذلك إلا أن تعدل عن محاربتهم لطويل زمن. والنورمان هم الذين قضوا على سلطان العرب السياسي في صقلية في القرن الحادي عشر من الميلاد، وداوم العرب، بعد زوال سيادتهم، على القيام برسالتهم الثقافية فيها كبير وقت، وذلك أن ملوك النورمان، إذ كانوا من الذكاء ما يستطيعون أن يدركوا به تفوق العرب العظيم استندوا إلى العرب؛ فظل نفوذ أتباع الرسول في أيامهم بالغاً. وإذ كان التاريخ النورمان صلة وثيقة بتاريخ العرب في صقلية رأيت أن أحدث عن وقائعهم بإيجاز لفهم تاريخ حضارة العرب فيها، ومن المفيد أيضاً أن أذكر أسلوب الحرب في ذلك الزمن، وأن أبين أعمال التخريب، التي لام مؤرخو اللاتين العرب عليها، هي مما كان يستبيحه مقاتلو جميع الأمم.

стр. 291

شكل ٧ - ١: مقدم قصر العزيزة العربي في صقلية (من صورة فوتوغرافية). نعد الأحوال التي ساقت النورمان من أمكنة بعيدة إلى فتح صقلية من غريب الحوادث، وذلك أن كوكبة من فرسان الفرنج والنورمان كانت قادمة، حوالي سنة ١٠١٥ م، من بيت المقدس إلى جنوب إيطالية لتزور، وفق العادة، غار جبل غورغانو الذي اشتهر بظهور الملك ميكائيل فيه، وأن كونت أفيلينو، روفريد، لما علم ذلك استنجد بهم للدفاع عن ساليرم التي كان العرب يحاصرونها، وأنهم استطاعوا أن يدخلوها، وأن يشدوا عزائم أهلها الذين لم يلبثوا أن فكوا الحصار وهزموا العرب، وأن أهل ساليرم وأميرهم فرحوا بذلك، ودارت الحمية في رؤوسهم، فأجزلوا عطاء أولئك الغرباء، ودعوهم إلى الإقامة بين ظهرانيهم. ومع أن أولئك الحجاج لم يرضوا بذلك لرغبتهم في رؤية وطنهم مرة ثانية وعدوا بأن يبعثوا إليهم فتياناً منهم للدفاع عن النصرانية ببسالة، ثم توجهوا إلى وطنهم الذي

стр. 292

كانوا في أشد الشوق إليه، وأخذوا معهم من الهدايا نسائج ثمينة وحللاً فاخرة وسروجاً ذهبية وفضية زاهية، وما لم تعرفه فرنسة قبل ذلك الزمن من البرتقال الناضج، قاصدين بذلك أن يرى بنو قومهم تلك المنتجات، وأن يتشوقوا إلى زيارة ذلك القطر الذي ينتج مثلها. ولم يكد أولئك الفرسان النورمان يصلون إلى وطنهم حتى أخذوا يقضون على أهله من الأنباء ما ألهبوا به حميتهم، وما دفعوا به عدداً كبيراً منهم إلى غزو صقلية. ذلك هو سبب غارة النورمان الذين كان همهم مصروفاً إلى النهب على حسب عادة ذلك الزمن أكثر مما هو مصروف إلى الدفاع عن دينهم، والذين تساوي الأغارقة والإيطاليون والعرب في نظرهم فصاروا يسلبون هؤلاء جميعاً بنشاط، والذين عدوا في خمسين سنة، أي حتى تم لهم الفتح، جزيرة صقلية وما جاورها من إيطالية بلاداً مباركة يمكن الاغتناء فيها بسهولة. ولم ينشأ عن أعمال حماة الدين من النورمان سوى تخريب تلك البلاد بسرعة، ولم يلبث أهلوها أن اعترفوا بأن صداقة فرسان النورمان أشد وقراً من عداوة العرب، فاستغاثوا بالبابا لينقذهم من النورمان، ولم يجد إنذار البابا للنورمان نفعاً، فأرسل إلى قيصر القسطنطينية كتاباً يدلنا على سوء معاملة جيش نصراني في ذلك الزمن لبلاد صديقة استولى عليها. وإليك كتاب البابا ليون التاسع الذي بعث به إلى قيصر القسطنطينية: يكاد قلبي يتفطر من الأخبار المحزنة التي أنبأني بها رسل ابني أرجيروس، فعزمت على تطهير إيطالية من ظلم هؤلاء الأجانب النورمان المردة الأشرار الزنادقة الذين لا يحترمون شيئاً عند اندفاعهم، والذين يذبحون النصارى، ويسومونهم أشد العذاب غير راحمين ولا مفرقين بين الجنسين والأعمار، والذين ينهبون الكنائس ويحرقونها ويهدمونها، والذين يعدون كل شيء فريسة يباح سلبها، والذين أكثرت من لومهم على فسادهم، ومن إنذارهم بسوء أحكامي، وخوفتهم من سخط الرب، فلم يزدهم ذلك إلا عتواً، فكان أمرهم كقول الحكيم: إن من يتركه الرب يظل خبيثاً على الدوام، وإن من يكون مجنوناً لا يصلحه الكلام، ولهذا فقد عزمت على شهر الحرب الدينية المشروعة على هؤلاء الغرباء الثقلاء الذين أمعنوا في الظلم وصار أمرهم لا يطاق، وهذا دفاعاً عن الشعوب والكنائس.

стр. 293

وإذ لم ينل البابا ليون التاسع أية مساعدة من قيصر الروم سعى إلى عقد حلف ضد النورمان، وخاطب الألمان في ذلك، ورأى الأسقف أيشتات عاراً في قيادة البابا لجيش يحارب به النصارى، ومنع ملك جرمانية، هنري الثالث، من الانضمام إليه، هنالك جمع البابا جيشاً أكثر عدداً من الجيش النورماني، وهجم على النورمان بصولة متوكلاً على الرب فكسر وأسر، وهنالك حاول البابا أن يستعطف قاهريه فاسترد حرمانه إياهم ومنحهم البركة، ولم يؤثر هذا في مشاعر النورمان، ولم يسرحوه إلا بعد سنة، وبعد أن أخذوا عليه العهود والمواثيق الغليظة. وداوم النورمان، الذين خلا لهم الجو بذلك على اقتراف جرائم النهب عمداً في صقلية وإيطالية، ودام النزاع بين الحاكمين والمحكومين زمناً طويلاً، وتعوده الأهلون، وصاروا يألفون ما يقع كل يوم من حوادث السلب والقتل التي قص المؤرخون خبر كثير منها كما لو كان ذلك من الوقائع اليومية التي لا أهمية لها، ومن ذلك أن فرسان النورمان كانوا يفاجئون الأديار السيئة التحصين، ويسلبون كل ما فيها، ويبقرون بطون رهبانها على بكرة أبيهم خشية الفضيحة، وأن الرهبان من ناحيتهم كانوا يتغفلون بعض أولئك الفرسان بين حين وآخر فينتقمون منهم أشد الانتقام. وتاريخ اللاتين حافل بوصف أنباء تلك المجاملات المتقابلة، ومن بين ألف حادثة منها أختار الخبر الآتي الذي اطلع عليه مسيو دولابريمويري في وثائق رهبان جبل كاسينو للدلالة على طبائع أهل ذلك الزمن: صعد الكونت رالف في جبل كاسينو ذات يوم، وكان معه خمسة عشر نورمانياً، فترك هؤلاء النورمان، على حسب العادة، أسلحتهم وخيولهم عند باب الدير الذي دخلوه للصلاة، وبينما كان هؤلاء النورمان جثياً أمام هيكل القديس «بنوا» أغلق الرهبان أبواب الدير من فورهم، وقبضوا على تلك الأسلحة والخيول، ودقوا النواقيس إيذاناً بالخطر، فتدفق أنصار الدير كالسيل، وهجموا على هؤلاء النورمان الذين لم يبق لهم ما يدفعون به عن أنفسهم سوى السبحات التي كانت بأيديهم. وذهب عبثاً ما تضرعوا به لاحترام ذلك المكان المقدس الذي لم يحدث أن احترموا أمثاله، وذهب عبثاً قسمهم إنهم لم يدخلوا الدير إلا للعبادة وللاتفاق مع رئيسه، فقد جعل الرهبان أصابعهم في آذانهم، ولم يرضوا أن ضيعوا ما سنح لهم من فرصة الانتقام، وقد قتل أصحاب الكونت الخمسة عشر، ولم

стр. 294

ينج الكونت نفسه من القتل إلا بفضل شفاعة رئيس الدير الذي اهتبل هذه الفرصة فأعاد إلى الدير ما كان هذا الكونت قد اغتصبه من الأملاك والأموال، وقصر القديس أندره وحده هو الذي حاول المقاومة. شكل ٧ - ٢: داخل قصر العزيزة في صقلية (من تصوير جيرول دوبرانجة). واستمر النورمان على نهب صقلية إلى أن فكر رئيس ماهر من رؤسائهم، اسمه روجر، في فتحها بحزم، والفرصة كانت سانحة لتحقيق ذلك. وكان الانقسام يأكل المسلمين، وكان ما بين العرب والبربر من المنافسة يقودهما إلى الهلاك في صقلية كما كان يقودهما إليه في إسبانية، وكانت صقلية في ذلك الزمن، أي في سنة ١٠٦١ م، مجزأة إلى الإمارات الخمس: بلرم ومسينة وقطانية وأطرابنش

стр. 295

وجرجنتة، وأطلق المؤرخون لقب ملك على أمير بلرم، ولكن هذا الملك كان يقتتل هو والأمراء المسلمون الآخرون مع استيلاء النورمان على نصف جزيرة صقلية. وجعل انقسام العرب في صقلية فتح النورمان لها من الممكنات، وتم استيلاء النورمان عليها بدخولهم بلرم سنة ١٠٧٢ م، فأفل نجم العرب السياسي عن صقلية في تلك السنة، وإن دام تأثيرهم الثقافي بعدها زمناً طويلاً بفضل دراية روجر وخلفائه. وبدا روجر الأول، الذي نودي به أميراً على صقلية، منظماً قديراً كما بد مقاتلاً شجاعاً، ويجب عده من أعاظم رجال زمنه، ويستحق ابنه الذي خلفه مثل هذا المديح. وكانت حضارة العرب زاهرة في صقلية حين فتحها النورمان، وأدرك روجر وخلفاؤه أفضلية أتباع النبي؛ فانتحلوا تظمهم، وشملوهم برعايتهم، وتمتعت صقلية برخاء دام إلى أن قبض ملوك من السوآب على زمامها في سنة ١١٩٤ م فأجلوا العرب عنها. وكان يسكن صقلية، حينما نظم روجر أمورها، خمسة شعوب ذات لغات وعادات مختلفة، وهي: الفرنج (النورمان ولا سيما البريتان) والأغارقة واللنبار واليهود والعرب، وكان لكل من هذه الشعوب شريعة خاصة، أي كان الأفارقة يعملون بقانون جوستنيان، واللنبار يعملون بالفقه اللنباري، والنورمان يعملون بالفقه الفرنجي، والعرب يعملون بالقرآن، وكان لا بد لمن يريد أن يحسن سياسة هذه الشعوب المختلفة من التحلي بروح التسامح والعدل والإنصاف، وكان العرب يدركون ذلك فجاء روجر فأدركه أيضاً، وكانت إمامة الثقافة والصناعة للمسلمين، فأخذ روجر يحافظ عليهم أحسن المحافظة، وكانت مراسيم روجر تكتب بالعربية واليونانية واللاتينية، وكان نصف الكتابة في دائرة نقوده بالعربية والنصف الآخر باليونانية أو اللاتينية، وكان بعضها يشتمل على رمز المسيح، وبعض منها يشتمل على رمز محمد، وبعض آخر يشتمل على كلا الرمزين. وسار خلفاء روجر على شنته، ومنهم غليوم الثاني الذي درس لغة العرب، وكان يرجع إليهم في أهم شؤونه، وكانوا يقابلون عطفه بإخلاصهم له، فينضوون إليه ويساعدونه على إطفاء ما يقع من الفتن. وروى مؤرخو العرب أن عدد العرب في صقلية أصبح كثيراً في سنة ١١٨٤ م، أي بعد قرن من ذلك الفتح، وأنه كان لهم في بلرم أحياء واسعة ومساجد كثيرة وأئمة وقاض للفصل في خصوماتهم، وأزهر بلاط ملوك النورمان في صقلية بفضل العرب، وبالغ أبو الفداء في تقديره؛ فشبهه ببلاط الخلفاء في بغداد، وببلاط الخلفاء في القاهرة.

стр. 296

(٢) حضارة العرب في صقلية إن المصادر التي يُرجع إليها في تصوير حضارة العرب في صقلية قليلة، وليس لدينا منها غير ما هو مبعثر في كتب المؤرخين من الفقر، وقليل من المباني التي لم تنلها يد التخريب، وبعض النقود، وتكفي هذه المصادر، مع ذلك، لإثبات أن حضارة العرب كانت في صقلية على شيء من التقدم، وإن لم تكن مثل ما كانت عليه في مصر وإسبانية، وأن صقلية كانت حين جلاء العرب عنها أرقى ثقافة وصناعة واجتماعياً منها حين دخلوها، ونحن إذا علمنا أن قيمة تأثير إحدى الأمم في أمة أخرى من ناحية الحضارة تقدر بمقدار نهوضها بها وإصلاحها لها رأينا أنه كان للعرب تأثير عظيم في صقلية. وعقب دور تنظيم العرب لصقلية دور فتحهم لها، فقسم العرب صقلية إلى ثلاث ولايات بعد أن كانت مقسومة، منذ زمن القرطاجيين إلى الولايتين: بلرم وسرقوسة، فكان تقسيم العرب لها إلى ثلاث ولايات أكثر ملاءمة لجغرافيتها، وكان على رأس كل واحدة من هذه الولايات الثلاث والٍ، وكانت كل ولاية مقسمة إلى عدة أعمال، وكان يقوم بشؤون كل واحد من هذه الأعمال قائد تابع للوالي، وكان يقيم ببلرم مفتٍ، وكان يقيم بكل ناحية قاض ومسجل، وكان في كل مدينة جابٍ، وكان يشرف على إدارة أمور المال والمحاسبة ديوان كبير. وترك لنصارى صقلية كل ما لا يمس النظام العام، فكان للنصارى، كما في زمن الروم، قوانينهم المدنية والدينية وحكام منهم للفصل في خصوماتهم وجباية الجزية السنوية التي فرضها العرب عليهم، وهي ٤٨ ديناراً عن كل غني، و ٢٤ ديناراً عن كل موسر، و ١٢ ديناراً عن كل من يكسب عيشه بنفسه، وكانت هذه الجزية، التي هي دون ما كان يأخذه الروم، لا تؤخذ من رجال الدين والنساء والأولاد. وجعل العرب كل ما له علاقة بالحقوق المدنية، كالتملك والإرث وما إليهما، ملائماً لعادات صقلية، ولم يرغب النورمان عنه حين استولوا عليها. وسمح العرب، في أيام سلطانهم، للنصارى بالمحافظة على قوانينهم وعاداتهم وحريتهم الدينية، وقد روى الدومينيكي كواردين، وكان رئيساً لدير القديسة كاترين في بلرم، أن القساوسة كانوا أحراراً في الخروج لابسين حللهم الدينية ليناولوا المرضى القربان الأقدس، وقد روى الأب مور كولي أنه كان ينصب في الحفلات العامة بمسينة رايتان: إحداهما إسلامية وعليها صورة برج أسود في حقل أخضر، والأخرى نصرانية وعليها صورة صليب مذهب في حقل أحمر، ولم يمس العرب الكنائس القائمة في صقلية

стр. 297

شكل ٧ - ٣: جزئيات احدى وجهات قصر القبة العربي في صقلية (من صورة فوتوغرافية). حين فتحهم لها، وإن لم يأذنوا لهم في بناء كنائس جديدة فيها كما كانوا يأذنون النصارى إسبانية. ولم تكد أقدام العرب ترسخ في صقلية حتى أقبلوا على الزراعة والصناعة، فانتشلوهما بسرعة من الانحطاط الذي كانتا فيه، وأدخلوا إلى صقلية زراعة القطن وقصب السكر والدردار والزيتون، وحفروا فيها الترع والقنوات التي لا تزال باقية، وأنشأوا فيها المجاري المعقوفة التي كانت مجهولة قبلهم. وتقدمت الصناعة في صقلية بفضل العرب، واستغل عرب صقلية ثروتها الطبيعية، واستخرجوا منها الفضة والحديد والنحاس والكبريت والرخام والغرانيت ... إلخ، بأساليب فنية، وأدخلوا إليها صنع الحرير، ومما يرى في نور نبرغ رداء من الحرير كان

стр. 298

شكل ٧ - ٤: نقود نصرانية عربية لملوك النورمان في صقلية. يلبسه ملوك صقلية مطارزاً بكتابات كوفية مع تاريخ سنة ٥٢٠ هـ/ ١١٣٣ م، ويحمل كل شيء على القول بانتشار فن صباغة المنسوجات في أوربة من صقلية. وانتعشت التجارة، واتسع نطاقها أيام العرب بعد أن كانت صفراً، تقريباً، قبلهم كما يدل على ذلك ما انتهى إلينا من جداول مكوسهم التي أدرجت فيما نظمه النورمان من القوائم في أوائل الفتح فتثبت درجة تحل تجارة صقلية حين هذا الفتح. ولم يبق من المباني الإسلامية في صقلية سوى عدد قليل، وأشهر هذه المباني قصر العزيزة وقصر القبة القائمان بالقرب من بلرم، واللذان ثبت بهما أنه لم يكن من المبالغة ما رواه المؤرخون عن فخامة مباني العرب في صقلية، فعن هذه المباني المزينة بالرخام الثمين والفسيفساء الزاهرة والمحاطة بأجمل الرياض تكلم الراهب ثيودوز والعالم الجغرافي الإدريسي مع الإعجاب، والراهب ثيودوز هذا أسر في أثناء حصار سرقوسة في سنة ٨٧٨ م، ونقل إلى بلرم، وامتدح قصور هذه المدينة المهمة ومساجدها وضواحيها.

стр. 299

واسمع في وصف بلرم ما قاله العالم الجغرافي العربي الإدريسي الذي ألف كتاب رحلته الكبير في بلوم في عهد الملك روجر الثاني أي بعد الفتح النصراني بزمن قليل: بلرم هي المدينة السنية العظمى، والمحلة البهية الكبرى، والمنبر الأعظم الأعلى، علم بلاد الدنيا، وإليها في المفاخر النهاية القصوى، ذات المحاسن الشرائف، ودار الملك في الزمان المؤتنف والسالف، ومنها كانت الأساطيل والجيوش تغدو للغزو وتروح كما هي عليه الآن من ذلك، وهي على ساحل البحر في الجانب الغربي والجبال الشواهق العظام محدقة بها، وساحلها بهج مشرق فرج، ولها حسن المباني التي سارت الركبان بنشر محاسنها في بناءاتها ودقائق صناعاتها وبدائع مخترعاتها، وهي على قسمين: قصر وربض، فالقصر هو القصر القديم المشهور فخره في كل بلد وإقليم، وهو في ذاته على ثلاثة أسمطة؛ السماط الأوسط يشتمل على قصور منيفة، ومنازل شامخة شريفة، وكثير من المساجد والفنادق والحمامات وحوانيت التجار الكبار، والسماطان الباقيان فيهما أيضاً قصور سامية، ومبان فاخرة عالية، وبهما من الفنادق والحمامات كثير، وبهما الجامع الأعظم الذي كان بيعة في الزمن الأقدم، وأعيد في هذه المرة على حالته في سالف الزمان، وصفته الآن تعزب عن الأذهان، لبديع ما فيه من الصنعة والغرائب المفتعلة المنتخبة المخترعة، ومن أصناف التصاوير وأجناس التزويق والكتابات، وأما الربض؛ فمدينة أخرى تحدق بالمدينة من جميع جهاتها، وبه المدينة القديمة المسماة بالخالصة التي كان بها سكنى السلطان والخاصة في أيام المسلمين، وباب البحر ودار الصناعة التي هي للإنشاء، والمياه بجميع جهات مدينة صقلية مخترقة، وعيونها جارية متدفقة، وفواكهها كثيرة، ومبانيها ومتنزهاتها حسنة، تعجز الواصفين، وتبهر عقول العارفين، وهي بالجملة فتنة للناظرين، والقصر المذكور من أكبر القصور منعةً وأعلاها رفعةً، لا ينال بقتال، ولا يطاق على حال، وبأعلاه حصن محدث للملك المعظم رجار مبني بالفصوص الجافية والحجارة المنحوتة الضخمة، وقد أحكم نسقه وأعليت رقعه، وأوثقت مناوره ومحارسه، وأتقنت قصوره ومجالسه وشيدت بنياناً ونمقت بأعجب المغتربات، وأودعت بدائع الصفات، فشهد لها بالفضل المسافرون، وغلا في وصفها المجولون، وقطعوا قطعاً أن لا مباني أعجب من مباني المدينة، ولا مكان أشرف من مغانيها، وأن قصورها مشارف

стр. 300

القصور، وأن دورها منازة الدور، والربض المحدق بالقصر القديم المتقدم ذكره هو في ذاته كبير القطر كثير الفنادق والديار والحمامات والحوانيت والأسواق، وله سور يحيط به وخندق وفصيل، وله في داخله، بساتين كثيرة ومتنزهات عجيبة وسقايات ماء عذبة جارية مجلوبة إليها من الجبال المحدقة ببقعتها، وبخارج الربض من الجهة الجنوبية منها نهر عباس، وهو نهر جار عليه جمل من الأرحاء الطاحنة لا يحتاج معها إلى غيرها. وتفسر إمامة العرب في الفنون والصناعات والعلوم سبب حماية ملوك النورمان لهم، وكان الرهبان يعجبون بحذق العرب وإن كانوا يعزون اكتشافاتهم إلى السحر، وإنني أنقل، العبارة الغريبة الآتية التي وردت في كتاب تاريخي لاتيني، وذلك من بين العبارات الطريفة الكثيرة التي قيلت في العرب، وذلك للدلالة على رأي أعداء العرب في العرب، قال المؤرخ: اكتشف الكونت روبرت ويسكارد في إحدى غزواته تمثالاً على عمود رخامي متوج بإطار من نحاس منقورةٍ فيه هذه الكلمة: «سأكون عند طلوع الشمس من اليوم الأول من شهر مايو صاحباً لتاج من ذهب»، فلم يستطع أحد أن يدرك مغزاها، ولكنه كان عند الكونت روبرت أسير من عرب صقلية عنده علم الجفر، كجميع أبناء هاجر فأخبر الكونت هذا بأن لديه مفتاح ذلك اللغز وبأنه يقول له معني تلك الكلمة إذا أطلق، فوعده الكونت بذلك، فأشار ذلك العربي عليه بأن يحفر حين طلوع الشمس من اليوم الأول من شهر مايو المحل الذي يدل عليه منتهى ظل ذلك التمثال، فصنع الكونت ما نصحه به فوجد كنزاً كبيراً. (٣) غزو العرب لفرنسة شن العرب غارات كثيرة على فرنسة بعد فتحهم إسبانية، ولم يقع ما يدل على أنهم كانوا يريدون الإقامة الجدية بفرنسة، وفسر هذا بعدم ملاءمة المناطق الباردة لهم. والحق أن الرخاء كان يصبح حليف العرب في المناطق المعتدلة الجنوبية، وأن العرب استقروا بأقصى جنوب فرنسة زمناً طويلاً.

стр. 301

وكان يملك بلاد فرنسة، حين ظهر فيها العرب في القرن الثامن من الميلاد، أمراء يعرفون بالملوك الكسالى، وكانت تأكلها الفوضى الإقطاعية، وكانت مستعدةً لتكون غنيمة الغزاة العرب الذين استولوا على أكثر مدنها الجنوبية بسهولة، ودخل العرب قرقشونة ونيم وليون وماكون وأوتون ... إلخ، بالتتابع بعد أن فتحوا أربونة من إقليم لنغدوكة وحاصروا في سنة ٧٢١ م مدينة طلوشة التي كانت عاصمة أكيتانية على غير جدوى، وانتشر العرب في جميع وادي الرون وفي دوفينة وبورغونية. واستولى العرب بالتدريج على نصف فرنسة الحاضرة الذي يبدأ من ضفاف نهر اللوار وينتهي إلى مقاطعة فرنش كونته، ولم يقصد العرب الاستقرار بتلك البلاد، بل اكتفوا باحتلال بعض المراكز المهمة؛ لتكون قواعد يستطيعون أن يشنوا منها غارات جديدة على بعض البقاع حيث يأملون أن يجدوا ما يغنمون. وأهم تلك الغارات هي التي كانت بقيادة عبد الرحمن الغافقي فوقفها شارل مارتل (قارلة) بالقرب من بواتيه سنة ٧٣٢ م. جمع عبد الرحمن الغافقي جيشاً على شيء من الأهمية في إسبانية وعبر نهر الغارون، واستولى على بوردو (برديل) على الرغم من دفاع الأكيتان والفاسكون الذين كان يقودهم دوك أوديس، ثم توجه إلى بواتيه فاستغاث دوك أوديس بشارل مارتل الذي كان يلقب بأمير القصر، ويمارس السلطة باسم ملكين ضعيفين من ملوك الميروفنجيين في المقاطعتين: أسترازية ونسطرية. وروى أحد مؤرخي العرب أن كثيراً من سنيورات الفرنج اشتكوا إلى شارل مارتل من الأضرار التي أحدثها المسلمون، ومن الخزي الذي يمكن أن يصيب البلاد من جراء دحر أناس غير مدربين، وغير حاملين سلاحاً كافياً؛ لمحاربين مجهزين بالدروع وبعدة الحرب الكاملة، فأجابهم شارل مارتل قائلاً: «دعوهم يصنعوا ما يشاءون، فهم الآن مستأسدون، وهم كالسيل الذي يأتي على كل ما يعترضه، وما عندهم من الحماسة والشجاعة يقوم مقام الدروع والحصون، ولكنهم إذا ما أثقلتهم الغنائم، وطاب لهم المقام بالبيوت الجميلة، وألفوا رفاهية العيش، واستحوذ الطمع على قادتهم، ودب الشقاق في صفوفهم- زحفنا عليهم واثقين من النصر.» أجل، كان رأي شارل مارتل صائباً، غير أن الرعب الذي ألقاه العرب في القلوب كان من الشدة ما تركوا معه ينهبون البلاد التي قطعوها بدلاً من محاولة وقفهم.

стр. 302

شكل ٧ - ٥: إبريق عربي مصنوع من البلور في القرن العاشر من الميلاد (متحف اللوفر، صورة أخذت من جريدة الفنون الجميلة). واستطاع عبد الرحمن الغافقي أن يسير، إذن، منتصراً غير هياب إلى الأمام، وأن يخرب الحقول الخصبة الواقعة بين مدينة بوردو ومدينة تور، وأن يأخذ غنائم كثيرة من المدن، ونحن إذا علمنا أنه لم يكن من عادة العرب أن ينهبوا البلدان التي يرغبون في استيطانها، كما ذكرنا ذلك غير مرة، رأينا أن سلوك عبد الرحمن الغافقي يدل على أنه بدخوله فرنسة، لم يفكر في غير الغنائم، ويتجلى لنا ذلك عندما نعلم أن العرب، حينما وصلوا إلى مدينة تور، كانوا مثقلين بالغنائم وأنهم لم يستطيعوا التقدم إلا بمشقة، وأن عبد الرحمن الغافقي لا علم زحف شارل مارتل الذي جمع جيشاً من الممالك المتحدة تحت لواء كلوفيس فيما سلف، فكر في الارتداد فنزل إلى بواتية واضطر إلى منازلة شارل مارتل الذي كان يتعقبه. وكان جيش شارل مارتل مؤلفاً من البوغورن والألمان والغول، وكان جيش عبد الرحمن الغافقي مؤلفاً من العرب والبربر، وظلت المعركة غير حاسمة بعض اليوم، فلما كان المساء انفصلت فرقة من جيش الفرنج لتغير على معسكر المسلمين، فترك المسلمون

стр. 303

ميدان القتال ليحافظوا على غنائمهم، فأسفرت هذه الحركة الخرقاء إلى خسرانهم، فاضطروا إلى القتال متقهقرين إلى الجنوب، وقد تتبعهم شارل مارتل من بعيد، وحاصر أربونة غير موفق، وأخذ ينهب البلاد المجاورة على حسب عادات ذلك الزمن، وحالف أمراء النصارى العرب؛ ليتخلصوا منه، وحملوه على القتال مرتداً. ولم يلبث المسلمون، بعد أن أفاقوا من تلك الضربة التي أصابهم بها شارل مارتل، أن أخذوا يستردون مراكزهم السابقة، وقد أقاموا بفرنسة قرنين بعد ذلك، وقد تم حاكم مرسيلية مقاطعة البروفنس إليهم في سنة ٧٣٧ م، واستولوا على الآرل، ودخلوا مقاطعة سان ترويز في سنة ٨٨٩ م، ودامت إقامتهم بمقاطعة البروفنس إلى نهاية القرن العاشر من الميلاد، وأوغلوا في مقاطعة الفالة وسويسرة سنة ٩٣٥ م، وروى بعض المؤرخين أنهم بلغوا مدينة ميس. شكل ٧ - ٦: أسلحة عربية صنعت في مختلف الأزمنة (من صورة فوتوغرافية التقطها المؤلف). وتثبت إقامة العرب بفرنسة مدة تزيد على قرنين بعد شارل مارتل أن النصر الذي أحرزه في بواتية لم يكن مهماً كما زعم المؤرخون، ولم يقم إجماع هؤلاء المؤرخين الذين قضوا علينا أن شارل مارتل أنقذ أوربة والنصرانية من العرب على أساس متين كما يبدو لنا، فلم تكن غزوة عبد الرحمن الغافقي سوى حملةٍ قام بها؛ ليمون جنوده، ويمكنهم

стр. 304

من أخذ مغانم كثيرة، وما كان العرب ليفعلوا أكثر من نهب مدينة تور وبضع مدن أخرى، سواء انتصر شارل مارتل أو لم ينتصر، وما كان هممهم مصروفاً إلى غير العودة بما غنموه على أن يعيدوا الكرة في سنة أخرى إلى أن يجدوا أمامهم من التحالف ما يدحرهم. ولم يستطع شارل مارتل أن يطرد العرب من أية مدينة احتلوها عسكرياً، واضطر شارل مارتل إلى التقهقر أمامهم تاركاً لهم ما استولوا عليه من البلدان، والنتيجة المهمة الوحيدة التي أسفر عنها انتصاره هي أنه جعل العرب أقل جرأةً على غزو شمال فرنسة، ونتيجة مثل هذه، وإن كانت مفيدةً، لم تكف لتكبير أهمية انتصار هذا القائد الفرنجي. ويرى المؤرخون الذين يجسمون قيمة انتصار شارل مارتل على العرب بالقرب من بواتية أنه لولا هذا الانتصار؛ لاستمر العرب على غزواتهم، واستولوا على أوربة، ثم يسألون مذعورين عن مصير الشعوب النصرانية لو خفقت فوقها راية النبي، قال مسيو هنري مارتن في كتابه عن تاريخ فرنسة الشعبي: «لقد تقرر مصير العالم في تلك المعركة، ولو غلب الفرنج فيها لكانت الأرض قبضة محمد ... ولخسرت أوربة والدنيا مستقبلهما، فليس النشاط الذي يحف الناس إلى التقدم مما تجده في عبقرية المسلمين التي تتلخص في فكرتهم عن الله، وإله المسلمين قد جنح إلى العزلة والسكون بعد أن خلق العالم، وهو لا يحث الناس على العمل في سبيل الرقي.» والجواب عن ذلك هو أن النصر لو تم للعرب ما طرأ تبديل على مقادير البلاد، فإذا ما كان العرب غالبين انتهبوا بضع مدن، على ما يحتمل، زيادةً على المدن التي انتهبوها كما قلنا آنفاً، ثم ارتدوا حاملين غنائمهم إلى ملجأ أمين، ثم عادوا في السنين القادمة إلى سيرتهم الأولى ريثما يلقاهم عدو قوي يديرهم كما وفق له شارل مارتل. ولكن لنفرض جدلاً أن النصارى عجزوا عن دحر العرب، وأن العرب وجدوا جو شمال فرنسة غير بارد ولا ماطر كجو إسبانية فطابت لهم الإقامة الدائمة به، فماذا كان يصيب أوربة؟ كان يصيب أوربة النصرانية المتبربرة مثل ما أصاب إسبانية من الحضارة الزاهرة تحت راية النبي العربي، وكان لا يحدث في أوربة التي تكون قد هذبت ما حدث فيها من الكبائر كالحروب الدينية، وملحمة سان بارتلمي، ومظالم محاكم التفتيش ... وكل ما لم يعرفه المسلمون من الوقائع التي ضرجت أوربة بالدماء عدة قرون. ويجب أن يكون المرء جاهلاً تاريخ حضارة العرب جهلاً مطبقاً؛ ليوافق على ما زعمه ذلك المؤرخ العالم من «أن النشاط الذي يحفز الناس إلى التقدم ليس مما تجده

стр. 305

في عبقرية المسلمين»، ومن «أن أوربة والدنيا كانتا تخسران مستقبلهما»، فمزاعم مثل هذه ليست مما يقف أمام سلطان النقد عندما يعلم أن التمدن اللامع حل بالبلاد التي خضعت لأتباع الرسول محل الهمجية، وأن النشاط الذي يحفز الإنسان إلى التقدم لم يكن قوياً في أمة مثل قوته في العرب. ولم يكن احتلال العرب الجنوب فرنسة عدة قرون غير ذي أثر ضعيف، فبما أن المدن التي استولوا عليها في جنوب فرنسة من القواعد الحربية التي كانوا يستندون إليها في غاراتهم لم يبالوا بتمدينها، ولم يكن لهم في جنوب فرنسة مراكز مهمة للحضارة كما اتفق لهم في إسبانية وبلاد المشرق. ومع أن إقامة العرب بفرنسة نشأت عن بعض السرايا نراهم قد تركوا أثراً عميقاً في اللغة وفي الدم كما نذكر ذلك في فصل آخر، وذلك أنه استقر أناس كثيرون منهم بالأرضين القريبة من المدن التي استولوا عليها وتعاطوا فيها أمور الزراعة والصناعة، وأنهم أدخلوا صناعة البسط إلى أبوسون، وأنهم أدخلوا كثيراً من أساليب الفلاحة كما عزي إليهم، وأنهم امتزجوا بسكان البلاد بسبب محالفاتهم الكثيرة لأمراء النصارى الإقطاعيين المتقاتلين على الدوام، وأنه وجد حفدة للعرب في أماكن كثيرة من بلاد فرنسة كالمقاطعات: كروز والألب الأعلى ومونتمور (جبل المغاربة) وبنيو (شارانت) وبعض قرى لاند وروسيون ولنغدوكة وبيارن كما أثبت ذلك علم وصف الإنسان، فيمكن الإنسان أن يعرفهم بجلودهم السمر وشعورهم السود وأنوفهم القنو وعيونهم الثاقبة اللامعة، ويمكن المرء أن يعرف نساءهم بألوانهن الزيتية ووجوههن الأسيلة وأعينهن النجل الدعج وحواجبهن الزج وصدورهن الناهدة ... إلخ، وإذا كانت هذه الصفات قد ظلت باقية فلم تمح بغرقها في صفات السكان المجاورين، تبعاً للسنن الإنتروبولوجية التي بيناها، فلأن حفدة العرب أولئك ألفوا جماعات صغيرةً منفصلةً عن بقية الأهلين غير متصلة بهم بصلات التوالد. انتهينا من تاريخ العرب في مختلف الأقطار التي دانت للإسلام، وعلمنا درجة اختلاف هذا التاريخ باختلاف البيئات التي أقاموا بها وبحسب مقاصدهم من الاستيلاء عليها، ورأينا أنهم ذوو أثر بالغ في تمدين الأقطار التي خضعت لهم خلا فرنسة على ما يحتمل، وأن كل بلد خفقت فوقه راية النبي تحول بسرعة، فازدهرت فيه العلوم والفنون والآداب والصناعة والزراعة أيما ازدهار.

стр. 306

شكل ٧ - ٧: قرب عربية (من صورة فوتوغرافية التقطها المؤلف). ولندع جانباً بياننا المجمل الذي اقتصرنا عليه حتى الآن، ولنبدأ بتفصيل تاريخ حضارة العرب ودرس مبتكراتهم في مختلف المعارف البشرية التي زاولوها، فمهما يكن تاريخ إحدى الأمم السياسي مبهماً أو زاهراً، فإن شأن هذه الأمة الحقيقي في العالم يقاس باكتشافاتها وتأثيرها في ميدان الحضارة.

стр. 307

الفصل الثامن اصطراع النصرانية والإسلام الحروب الصليبية (١) منشأ الحروب الصليبية كان سلطان العرب السياسي في أواخر القرن الحادي عشر من الميلاد، أي في الدور الأول من الحروب الصليبية، في طور الانحطاط، وإن لم يذو نفوذ اسمهم في العالم، فقد كانت إفريقية وإسبانية قبضتهم، ولم يتقادم بعد الزمن الذي كانوا فيه سادة البحر المتوسط وسادة جزء من فرنسة وملوكاً لصقلية، والذي أوغلوا فيه حتى رومة فأكرهوا البابا على دفع جزية إليهم، ولم يصل قياصرة الرومان في إبان مجدهم إلى ما وصل إليه اسم محمد من إلقاء الرعب في برابرة أوربة، فهجوم أوربة النصرانية على الإسلام الذي كانت فرائص العالم ترتجف فرقاً منه منذ خمسة قرون، وذلك في عقر داره، من الأعمال العظيمة التي كانت تتطلب حماسة دينية بالغة، واعتماداً كبيراً على الرب، وجيشاً مؤلفاً من مليون جندي. وكل يعلم كيف أجاب العالم النصراني دعوة ذلك المجذوب، وكيف انقضت أمم على الشرق، وكيف أن سوق تلك الجيوش الهائلة لم يؤد إلى غير نصر وهمي، وكيف فلت عزيمة مجاهدي النصارى الذين لم ينقطع سيلهم مدة قرنين من أجل فتح القدس، والمحافظة عليها أمام هلال الإسلام. واصطلح الناس على تسمية ذلك الصراع بين النصرانية والإسلام بالحروب الصليبية، وكان لتلك الحروب نتائج مهمة في تاريخ حضارة أوربة العام، وليس من الجائز أن

стр. 308

نصمت عنها إذن في هذا الكتاب الذي لم نقتصر فيه على بيان حضارة العرب وحدها، بل عزمنا فيه على درس تأثيرهم في العالم أيضاً. ولنقل كلمة عن حال الغرب والشرق في زمن الحروب الصليبية. كانت أوربة، ولا سيما فرنسة، في القرن الحادي عشر الذي جردت فيه الحملة الصليبية الأولى في أشد أدوار التاريخ ظلاماً، وكان النظام الإقطاعي يأكل فرنسة، وكانت مملوءة بالحصون التي كان أصحابها، وهم من أنصاف البرابرة، يقتتلون دائماً ولا يملكون سوى أناس من العبيد الجهال، ولم يكن في ذلك الحين نفوذ شامل لسوى البابا، وكان الناس يخشون البابا أكثر من احترامهم له. وكانت دولة الروم في الشرق قائمة، وكانت القسطنطينية، مع انحطاطها، عاصمة لدولة كبيرة، وكانت ميداناً للمنازعات الدينية وأنواع المشاحنات، وكانت تخسر كل يوم جزءاً من أملاكها، فضلاً عن انطفاء سلطانها في إيطالية، وكان كل من بابا رومة وبطرك بيزنطة قد حرم الآخر فصار للنصارى كنيستان. وكان قسم من سورية تابعاً للترك السلجوقيين، وكان القسم الآخر تابعاً لسلاطين مصر، ولم يكن الخليفة ببغداد غير شبح، وكانت دولة العرب السياسية في دور الانحلال مع محافظة حضارتهم على سلطانها، ولم يكن الصراع العظيم الذي كان يتمخض عنه العالم، إذن، غير نزاع عظيم بين أقوام من الهمج وحضارة تعد من أرقى الحضارات التي عرفها التاريخ. وكانت الصلات بين أوربة والشرق مقصورةً على زيارة حجيج النصارى لفلسطين في ذلك الدور، وواظب النصارى على زيارة فلسطين مع زيادة منذ زمن قسطنطين، ولا سيما منذ كنت العلاقات بين هارون الرشيد وشارلمان. وزاد عدد زيارات النصارى لفلسطين مع الزمن، وكان يتألف من بعض قوافل حجاج النصارى جيش حقيقي، ومن ذلك أن استصحب الأب ريشارد سبعمائة حاج في سنة ١٠٤٥ م، ولم يستطع أن يصل إلى ما هو أبعد من قبرس، ومن ذلك أن رئيس أساقفة مايانس، سيغفروا، وأربعة أساقفة يقودون قافلة من سبعة آلاف حاج في سنة ١٠٦٤ م ومشتملة على بارونات وفرسان، فحاربت هذه القافلة الأعراب والتركمان. وما كان يعتور زيارات القدس من المصاعب والمخاطر أوجب فض الإكليروس لها عادين إياها مكفرةً عن أسوأ الجرائم، وما كان عدد أكابر المجرمين قليلاً في ذلك الزمن، وما كان خوف جهنم والشيطان ضئيلاً في نفوس البرابرة، فزاد عدد الحجيج

стр. 309

لهذا السبب، وأنت إذا ما عدوت بعض المغامرين والأتقياء الحمس وجدت أولئك الحجاج مؤلفين، على العموم، من أسفل المجرمين المفطورين على أخطر الجرائم، والذين ما كان غير الفزع من النار ليدفعهم إلى قصد تلك البلاد البعيدة. شكل ٨ - ١: باب دمشق في القدس (من صورة فوتوغرافية). وكان عدد حجيح النصارى يزيد كل يوم، وكان ضجيجهم يزيد على ما كان عليه، وكان التركمان الذين قاموا مقام العرب في سورية أقل تسامحاً من العرب، فجادل هؤلاء التركمان أولئك النصارى في حق المرور من وسط البلاد الإسلامية بلا إذن إيفاء لزيارة بيت المقدس، وأكرهوا حجيج النصارى على دخول القدس بخشوع بدلاً من أن يسمحوا لهم بدخولها ظافرين على صوت الصنوج وضوء المشاعل كما كان العرب يسمحون به، وأخذوا يحملونهم على دفع الفدي غير تاركين وسيلة لإيذائهم إلا أتوها. وحدث أن جاء لزيارة بيت المقدس جندي قديم كان قد ترهب بعد أن طرأ على حياته الروحية ما كدر صفوه، وكان اسم هذا المجذوب المتعصب النشيط بطرس، فأضاف التاريخ إلى اسمه لقب «الناسك». واشتاط بطرس الناسك غيظاً من سوء ما عومل به في فلسطين، وغاص بطرس الناسك في بحر من الأحلام فرأى أنه مرسل لدعوة أوربة إلى إنجاد الأرض المقدسة. وملكت هذه الأوهام مشاعره فتوجه إلى رومة ليستعين بالبابا، فأذن له الباب أوربان الثاني في دعوة النصارى إلى إنقاذ الأماكن المقدسة، فصار يجوب بلاد إيطالية وفرنسة ويلقي الخطب النارية ممزوجة بالبكاء والعويل وصب اللعنات على الكافرين، وبوعد

стр. 310

الرب للذين يزحفون لإنقاذ قبر المسيح بالمغفرة، وتؤثر فصاحته التمثيلية الخيالية في قلوب الجموع، ويعده الناس نبياً في كل مكان. ولم تكن الجموع التي ألهبها بطرس الناسك لتستطيع عمل شيء وحدها، وإنما حدث ما حفز السنيورات الذين كانوا سادة للجموع إلى دعم تلك الحركة، وذلك أن قيصر الروم، ألكسيس كومنين، الذي كانت دولته تخسر كل يوم قطعة من أملاكها، استغاث بالبابا وملوك أوربة حينما حاصر الترك القسطنطينية، فأقام ذلك العالم النصراني وأقعده بالإضافة إلى مواعظ بطرس الناسك. ورأى البابا أن يشجع تلك الحركة، فعقد في إيطالية مؤتمراً ديناً لم يسفر عن نتيجة، ثم عقد في سنة ١٠٩٥ م مؤتمراً ثانياً في كليرمون بأوفون، وحضر بطرس الناسك هذا المؤتمر الأخير، وتحالف المؤتمرون، تلبية لدعوته الصارمة وترديد الجموع الهائجة لكلمة: «الرب يريد ذلك»! على الزحف إلى فلسطين لإنقاذ قبر الرب ملصقين الصلبان على أكتافهم، وأجمع المؤتمرون على أن يبدأ بالزحف في عيد انتقال العذراء من السنة القادمة حتى يجمع أولياء الأمور جيشاً كبيراً قادراً على القيام بذلك. (٢) خلاصة الحروب الصليبية نشأ عن عزم القوم على غزو فلسطين اشتعال النفوس حمية، وصار كل واحد يرجو إصلاح حاله، فضلاً عما يناله في ملكوت السماوات، فغدا العبيد يطمعون في فك رقابهم، وغدا أبناء الأسر الذين حرموا الميراث بسبب نظام البكرية والسنيورات الذين كانت قسمهم ضئزى يطمعون في الاغتناء، وغدا الرهبان الذين أضنتهم حياة الأديار وجميع المحرومين طيب العيش، وكان عددهم كبيراً يعللون أنفسهم بأطيب الأماني. حقاً لقد أصاب القوم نوبة حادة من الجنون، فرغب السنيورات والعبيد والرهبان والنساء والأولاد وجميع الناس في الزحف، وأخذ كل امرئ يبيع ما يملك ليتجهز، واستعد من الرجال ١٣٠٠٠٠ مقاتل لغزو فلسطين حالاً. وكانت تلك النوبة تزيد حدة كل يوم، ولم يرغب الذين بكروا في انتظار تأليف جيش منظم، وما كاد ربيع سنة ١٠٩٦ م يحل حتى توجهت عصابات كبيرة من كل صوب وحدب إلى نهر الدانوب. وكانت الحركة شاملة ما بين بحر الشمال ونهر التيبر، وكانت تجرف سكان بعض القرى آخذين ما عندهم من الأموال، وكانت أوربة كلها تنقض على آسية.

стр. 311

شكل ٨ - ٢: قسم من أسوار القدس (من صورة فوتوغرافية التقطها المؤلف). وكلما اقتربت تلك العصابات من هدفها المأمول زادت جنوناً، ودارت المعجزات والكرامات في أدمغتها المشتعلة التي طارت منها العقول إلى الأبد. وكان بطرس الناسك والفارس الفقير غوتيه على رأس أهم العصابات الزاحفة إلى الشرق، وأكرمت هذه العصابات في البلدان الأوربية التي كانت تمر منها في بدء الأمر، ولكنها لم تكد تصل إلى بلغارية حتى التقت بأناس من ضعاف الإيمان أبوا أن يضيفوهم مجاناً، وساء هذا الرفض الصليبيين، ولم يحجموا عن اغتصاب ما منعوه، وعن نهب قرى تلك البلاد وذبح أهليها، ولم يصبر الأهلون على ذلك فأخذوا ينتقمون ويقتلون فريقاً كبيراً منهم أو يغرقونه، وجد الصليبيون في طلب النجاة بسرعة، وبلغوا القسطنطينية ناقصي العدد، ووجدوا فيها عصابات من التوتون والطلاينة والغسكون والغول والبروفنسيين كانت قد سبقتهم إليها، وهنالك انضم هؤلاء إلى أولئك، وأخذوا يقتلون وينهبون، ويأتون ما يفوق الوصف من الأعمال الوحشية، ويعزم البيزنطيون على التخلص منهم، وينقلونهم بالسفن إلى ما وراء البسفور. وبلغ عدد من سيق من الصليبيين إلى آسية الصغرى على ذلك الوجه مائة ألف، واقترف هؤلاء من الجرائم نحو المسلمين والنصارى ما لا يصدر عن غير المجانين من الأعمال الوحشية، وكان من أحب ضروب اللهو إليهم قتل من يلاقون من الأطفال وتقطيعهم إرباً إرباً وشيهم كما روت آن كومنين بنت قيصر الروم.

стр. 312

وكان من حقوق الترك أن يقابلوهم بالمثل، ولذا صار الترك يتصدونهم كما يتصيدون الحيوانات المفترسة مقيمين من عظامهم هرماً عظيماً. ولم يلبث جيش الصليبيين الأول المؤلف من مئات الألوف أن أبيد، وإنما كانت تأتي من خلفه فيالق منظمة تامة العدة مؤلفة من سبعمائة ألف مقاتل بقيادة أقوي السنيورات، أي كان يأتي من الفيالق ما لم يسبق للعرب أن جمعوا جيشاً لجباً مثله. ومن هذه الفيالق نذكر الفيلق الذي كان يقوده دوك اللورين الدنيا، غودوفروا البويوني، والذي كان مؤلفاً من ثمانين ألف مقاتل من سكان اللورين وبافارية وسكسونية. وحاصر الصليبيون مدينة إزنيق الواقعة في آسية الصغرى، وهزموا جيشاً تركياً، وقطعوا رؤوس جرحى الترك وربطوها بسروج خيولهم وعادوا إلى معسكرهم، ثم رموها إلى تلك المدينة التي كانت محاصرةً. ولم يكن ذلك مما يرضي الأهلين، فسلم الأهلون -الذين علموا ماذا كان ينتظرهم- أمر أنفسهم إلى القيصر بالقسطنطينية، فاضطر حلفاؤه الصليبيون إلى القتال مرتدين. وبقي على الصليبيين أن يقطعوا نحو مئتي فرسخ ليصلوا إلى سورية، وكان همهم مصروفاً إلى الاغتناء، ولم يحسنوا سياسة الأهلين، وخربوا البلاد، وكشر الجوع لهم عن أنيابه، واضطرب حبل نظامهم، وتفرقوا، وتقاتل من قادتهم القائدان المهمان: تانكريد وبودوين، ثم انفصل بودوين عن رفقائه هو وفيلقه كي يسلب ويحارب لحساب نفسه. وفتكت الأمراض والمجاعة بالصليبيين فتكاً ذريعاً، وقنط بطرس الناسك من النصر وفر من المعسكر، وأعيد إليه، فاستقبله تانكريد بضرب العصي. ودبت الفوضى في مفاصل الجيش الصليبي، وشاع التجسس فيه، وأمر بوهيموند بتقطيع الجواسيس وطهيهم وإطعامهم للجنود الجائعين، فتدابير كهذه تخبرنا عن حال جيش اضطر إلى اتخاذها. ويدل سلوك الصليبيين في جميع المعارك على أنهم من أشد الوحوش حماقة، فقد كانوا لا يفرقون بين الحلفاء والأعداء، والأهلين العزل والمحاربين، والنساء والشيوخ والأطفال، وقد كانوا يقتلون وينهبون على غير هدى. ونرى في كل صفحةٍ من الكتب التي ألفها مؤرخو النصارى في ذلك الزمن براهين على توحش الصليبيين، ويكفي لبيان ذلك أن ننقل الخبر الآتي الذي رواه الشاهد الراهب

стр. 313

روبرت عن سلوك الصليبيين في مدينة مارات للدلالة على سياسة الصليبيين الحربية، وذلك بالإضافة إلى ما حدث حين الاستيلاء على القدس، قال المؤرخ الراهب التقي روبرت: وكان قومنا يجوبون الشوارع والميادين وسطوح البيوت؛ ليرووا غليلهم من التقتيل، وذلك كاللبؤات التي خطفت صغارها، وكانوا يذبحون الأولاد والشبان والشيوخ ويقطعونهم إرباً إرباً، وكانوا لا يستبقون إنساناً، وكانوا يشنقون أناساً كثيرين بحبل واحد بغية السرعة، فيا للعجب ويا للغرابة أن تذبح تلك الجماعة الكبيرة المسلحة بأمضى سلاح من غير أن تقاوم! وكان قومنا يقبضون على كل شيء يجدونه؛ فيبقرون بطون الموتى ليخرجوا منها قطعاً ذهبية، فيا للشره وحب الذهب! وكانت الدماء تسيل كالأنهار في طرق المدينة المغطاة بالجثث، فيا لتلك الشعوب العمي المعدة للقتل! ولم يكن بين تلك الجماعة الكبرى واحد ليرضى بالنصرانية ديناً، ثم أحضر بوهيموند جميع الذين اعتقلهم في برج القصر، وأمر بضرب رقاب عجائزهم وشيوخهم وضعافهم، وبسوق فتيانهم وكهولهم إلى أنطاقية لكي يباعوا فيها، وحدث قتل الترك ذلك في يوم الأحد الموافق ١٢ من ديسمبر، وإذ لم يمكن إنجاز كل شيء في ذلك اليوم قتل قومنا ما بقي من أولئك في اليوم التالي. وليس من العسير أن ندرك رأي الشرقيين المتمدنين في أولئك، فتواريخهم مملوءة بما كانوا يوحون به إليهم من الاحتقار العظيم، قال الشاعر الفارسي الكبير سعدي بعد زمن: «لا يستحق أولئك أن يسمو بشراً.» وكان عدد الصليبيين مليون شخص حينما خرجوا من أوربة، فأخذت المجاعة والأوبئة والدعارة والوقائع والمنازعات تبيد هذا الجيش العظيم الذي كان يمكنه فتح العالم لو ألف من أناس آخرين، ولم يبق منه عند بلوغه القدس سوى عشرين ألفاً. وكانت القدس تابعة، في ذلك الحين، لسلطان مصر الذي استردها من الترك فاستولى عليها الصليبيون في ١٥ من يوليه سنة ١٠٩٩ م، وقد جاء في الأقاصيص أن القديس جورج تراءى للصليبيين من جبل الزيتون، وأنه حرضهم على القتال فانقضوا على أسوار القدس واقتحموها. وكان سلوك الصليبيين حين دخلوا القدس غير سلوك الخليفة الكريم عمر بن الخطاب نحو النصارى حين دخلها منذ بضعة قرون، قال كاهن مدينة لوبوي، ريموند داجيل:

стр. 314

حدث ما هو عجيب بين العرب (! ) عندما استولى قومنا على أسوار القدس وبروجها، فقد قطعت رءوس بعضهم، فكان هذا أقل ما يمكن أن يصيبهم (! ) وبقرت بطون بعضهم، فكانوا يضطرون إلى القذف بأنفسهم من أعلى الأسوار، وحرق بعضهم في النار فكان ذلك بعد عذاب طويل، وكان لا يرى في شوارع القدس وميادينها سوى أكداس من رءوس العرب وأيديهم وأرجلهم، فلا يمر المرء إلا على جثث قتلاهم، ولكن كل هذا لم يكن سوى بعض ما نالوا ... شكل ٨ - ٣: منظر القدس (من صورة فوتوغرافية التقطها المؤلف). وروي ذلك الكاهن الحليم خبر ذبح عشرة آلاف مسلم في مسجد عمر، فعرض الوصف اللطيف الآتي: لقد أفرط قومنا في سفك الدماء في هيكل سليمان، وكانت جثث القتلى تعوم في الساحة هنا وهنالك، وكانت الأيدي والأذرع المبتورة تسبح كأنها تريد أن تتصل بجثث غريبة عنها، فإذا ما اتصلت ذراع بجسم لم يعرف أصلها، وكان الجنود الذين أحدثوا تلك الملحمة لا يطيقون رائحة البخار المنبعثة من ذلك إلا بمشقة. ولم يكتف الفرسان الصليبيون الأتقياء بذلك، فعقدوا مؤتمراً أجمعوا فيه على إبادة جميع سكان القدس، من المسلمين واليهود وخوارج النصارى، الذين كان عددهم نحو ستين ألفاً فأفنوهم على بكرة أبيهم في ثمانية أيام، ولم يستثنوا منهم امرأة ولا ولداً ولا شيخاً.

стр. 315

وأراد الصليبيون أن يستريحوا من عناء تذبيح أهل القدس قاطبةً، فانهمكوا في كل ما يستقذره الإنسان من ضروب السكر والعربدة، واغتاظ مؤرخو النصارى أنفسهم من سلوك حماة النصرانية مع اتصاف هؤلاء المؤرخين بروح الإغضاء والتساهل، فنعتهم برنارد الخازن بالمجانين، وشبههم بودان الذي كان رئيس أساقفة دول، بالفيروس التي تتمرغ في الأقذار. شكل ٨ - ٤: الحرم الشريف في القدس، وفيه ترى ساحة جامع عمر في الوقت الحاضر وساحة هيكل سليمان فيما مضى (من صورة فوتوغرافية التقطها المؤلف). وهاج العالم الإسلامي من استيلاء الصليبيين على القدس كما هاج العالم النصراني، ولاح، لوقت قصير، تضعضع نفوذ أتباع النبي الذي تأصل منذ خمسة قرون، وتناسى المسلمون جميع عوامل الانقسام الذي كان يفت في عضدهم مع ما أحدثه ذلك الاستيلاء من الذعر الكبير فيهم، وأغضى سلطان القاهرة عن منافسته لخليفة بغداد فتبادلا السفراء للبحث في عمل ما يجب لتلافي تلك المصيبة. أجل، لقد خسر النصارى مليون رجل، ورب بعض أوربة في سبيل فتح القدس، وكان النصارى يرجون أن يحتفظوا بثمرة هذا الفتح العزيز، غير أن أملهم خاب، فلم يلبث المسلمون أن استردوا القدس، وعادت القدس إلى حظيرة الإسلام إلى الأبد. واختير غودفروا ملكاً على القدس لشجاعته التي أقام الدليل عليها، ولكن الشجاعة لا تكفي لتنظيم دولة، فقد كان غودفروا عاجزاً عن إدارة شؤون دولته الفتية مع شدة بأسه، ثم مات غودفروا بعد زمن قليل، ولم يكن خليفته بودوان أقدر منه على تدبير أمور الحكم.

стр. 316

وكان قد مضى على وجود الفرنج في فلسطين عشرون سنة حينما توفي بودوان في سنة ١١١٩ م، ولم ينشأ عن حكم الفرنج لها سوى خرابها وإقفارها، وكان من نتائج هذا الحكم أن عرفت البلاد نظام الإقطاع كما في أوربة، وأن قمت إلى الإمارات الإقطاعية المتقاتلة على الدوام: طرابلس وعسقلان ويافا ... إلخ، ولم يلبث طغاتها الغراء الذين لم يكونوا ليفكروا في غير الاغتناء أن خربوها بعد أن كانت زاهرة أيام الحكم العربي الرشيد، وإليك ما قاله أسقف عكا الصليبي جاك دوفيتري عن أنباء الصليبيين الأولين، وذلك في تاريخه عن القدس: خرج من الصليبيين الأولين الأتقياء المتدينين جيل من الفجرة الأشرار الفاسدين المنحلين الفاسقين كما يخرج الثفل من السلاف والدردي من الزيت والشيلم من البر والصدأ من القلز ... وكان هؤلاء الأبناء يختصمون ويقتتلون لأتفه الأسباب، حتى إن بعضهم كان يستعين على بعض بأعداء النصارى في الغالب .. ، وكان لا يرى منهم في أرض الميعاد غير الزنادقة والملحدين واللصوص والزناة والقتلة والخائنين والمهرجين والرهبان الدعار والراهبات العواهر. ولم يكن غليوم الصور أقل صراحة من ذلك، فقد قال، بعد أن وصم أبناء الصليبيين بأنهم «من السفهاء الفاسدين والملاحدة الفاسقين»: «تلك هي رذائلهم الوحشية التي لو أراد كاتب أن يصفها؛ لخرج من طور المؤرخ ليدخل في طور القادح الهاجي.» وبينا كان النصارى يخربون القدس كان المسلمون يستردون بالتدريج، ما خسروه، وقد أورث تقدمهم في سورية واستيلاؤهم على الرها (أورفة) هلعاً في قلوب النصارى بفلسطين، فاستغاث النصارى بأوربة. ونظمت حملة صليبية ثانية لإمداد أولئك، ونجح سان برنارد في إيقاد نار التعصب الديني، فقد توجه ملك فرنسة لويس السابع على رأس الحملة الصليبية الجديدة إلى فلسطين، وتبعه الملك الألماني كونارد الثالث، غير أن جيش لويس السابع الذي كان عدده مائة ألف مقاتل لم يكد يصل إلى آسية الصغرى حتى أبيد على بكرة أبيه، ففر لويس السابع بطريق البحر ليذهب إلى أنطاكية، ويتوجه منها إلى القدس كحاج عادي، وما كان جيش كونارد الثالث أوفر حظاً من جيش لويس السابع. ولم يبد سلوك الصليبيين في هذه الحملة الثانية أحسن من سلوك رجال الحملة الصليبية الأولى، قال الكاهن أنكتيل في تاريخه: «قلما كان يوجد صليبي يسير بوحي

стр. 317

ديني، فلم يترك أولئك الصليبيون جرائم وحشيةً وضرباً من قطع الطرق وفضائح مزرية إلا اقترفوها»، وعزا سان برنارد ذلك الحبوط إلى ما ارتكبه هؤلاء الصليبيون من تلك المظالم. وتم طرد الصليبيين من القدس على يد السلطان صلاح الدين الأيوبي الشهير، وذلك أن صلاح الدين دخل سورية بعد أن أصبحت مصر وجزيرة العرب والعراق قبضته، وأنه غلب ملك القدس الأسيف غي دولوزينيان، وأسره، واسترد القدس في سنة ١١٨٧ م. ولم يشأ السلطان صلاح الدين أن يفعل في الصليبيين مثل ما فعله الصليبيون الأولون من ضروب التوحش فيبيد النصارى على بكرة أبيهم، فقد اكتفى بفرض جزية طفيفة عليهم مانعاً سلب شيء منهم. قضي على مملكة القدس اللاتينية بعد أن عاشت ٨٨ سنة، ومرت سبعة قرون على تلك الحوادث من غير أن تخرج هذه المدينة المقدسة من أيدي أتباع محمد على الرغم من جميع الجهود التي قام بها العالم النصراني منذ ذلك الحين. ولا نرى فائدة كبيرة في تاريخ الجهود غير المجدية التي قامت بها أوربة لاسترداد القدس، أي في تاريخ الحملات الصليبية الست الأخيرة، وإنما نكتفي بذكرها الخاطف. ورئيس أساقفة مدينة صور في فنيقية، غليوم، هو الذي حرض أوربة على تجريد الحملة الصليبية الثالثة (١١٨٩ - ١١٩٢ م)، وقد قاد هذه الحملة الثالثة ملك فرنسة: فليب أوغست، وملك إنكلترة: قلب الأسد ريكاردس، وقيصر ألمانية: فريدريك بارباروس، أي أقوى ملوك أوربة. فأما بارباروس: فقد مات في آسية الصغرى، حينما كان يغتسل في نهر البردان (قره صو)، ولم يصل سوى بقايا جيشه إلى سورية، وأما فيليب أوغست: فقد تعب سريعاً، وأبحر إلى صور بعد إقامة قصيرة بفلسطين تاركاً خلفه جيشاً مؤلفاً من عشرة آلاف مقاتل بقيادة أمير بورغونية، ولذا ظلت القيادة العليا في يد قلب الأسد ريكاردس الذي اقترف جرائم وحشية كالتي اقترفها رجال الحملة الصليبية الأولى. وكان أول ما بدأ به ريكاردس هو قتله، أمام معسكر المسلمين، ثلاثة آلاف أسير مسلم سلموا أنفسهم إليه بعد ما قطع لهم عهداً بحقن دمائهم، ثم أطلق لنفسه العنان في اقتراف أعمال القتل والسلب. وليس من الصعب أن يتمثل المرء درجة تأثير تلك الكبائر في صلاح الدين النبيل الذي رحم نصارى القدس ولم يمسهم بأذى، والذي أمد فليب أوغست وقلب الأسد

стр. 318

شكل ٨ - ٥: منبر من رخام في الحرم القدسي يعرف بمنبر عمر (من صورة فوتوغرافية التقطها المؤلف). ريكاردس بالأزواد والمرطبات في أثناء مرضهما، فقد أبصر الهوة العميقة بين تفكير الرجل المتمدن وعواطفه وتفكير الرجل المتوحش ونزواته، وأدرك أنه لا يجوز أن يعامل أولئك الحمقى بغير ما تعامل به الوحوش الضارية. وأكره ريكاردس من فوره على مغادرة فلسطين قبل أن يرى القدس، ولم يكن للحملة الصليبية الثالثة التي قادها ملوك أوربة الأقوياء الثلاثة المتحالفون نتيجة غير بقاء النصارى مالكين لبضع مدن الساحل. ثم نظمت الحملة الصليبية الرابعة (١٢٠٢ - ١٢٠٤ م) بقيادة أمير الفلاندر: بودوان، وعزم الصليبيون في هذه المرة على بلوغ فلسطين بحراً، لا براً كما في الماضي، وأبحروا من ميناء زاره متوجهين إلى عاصمة الدولة النصرانية: القسطنطينية، ولما بلغوها رأي

стр. 319

بعضهم أن سورية لا تزال بعيدةً، وأن الصليبيين السابقين نهكوها غير تاركين فيها نهاباً، وأن كل الصيد في جوف القسطنطينية، فانضم بقية الصليبيين إلى هذا الرأي الصائب، وأخذوا ينهبون ما فيها وإن دخلوها حلفاء. وكانت القسطنطينية تشتمل في ذلك الحين على ما تركه الأغارقة والرومان من كنوز الفن والأدب، ولم ير صليبيو أوائل القرن الثالث عشر في هذه الكنوز شيئاً نافعاً يمكن تقديمه إلى قبيلة من أصحاب الجلود الحمر (البوروج)، فصاروا يحطمون كل ما لم يكن من الذهب أو الفضة أو يلقونه إلى البحر، وصاروا يرون التماثيل الرخامية التي صنعها ليزيب وفيدياس وبراكزيتيل، ويتلفون، في يوم واحد، تأليف ديموستين وديودرس، وبوليب ... إلخ. المهمة. ولم يفكر بودوان وأصحابه في الزحف إلى فلسطين بعد أن شبعوا من الغنائم فنصب بودوان قيصراً، وأجاز البابا إينوسان الثالث ذلك مع بيانه أن الصليبيين اقترفوا أفظع الجرائم. ولا احتياج إلى ذكرنا أن سلطة هذا القيصر الجديد كانت مؤقتةً، فلم يكن الصليبيون من غير الهمج العاجزين عن إقامة دولة دائمة وعن غير التخريب، ولم ينشأ عن إقامتهم القصيرة بالقسطنطينية غير إبادة كنوز العالم اليوناني اللاتيني القديم. ولم تكن الحملتان الصليبيتان، الخامسة والسادسة، من الحملات المهمة، ولم تباليا بالجهاد في سبيل القدس، وإنما ذهب أكثر رجالهما إلى مصر طمعاً في الغنائم فاضطروا إلى التقهقر بعد أن أوغلوا قليلاً فيها. وتوجه جيش صغير إلى القدس بقيادة فردريك الثاني الألماني الذي تعاهد هو والمسلمون، فسمح له المسلمون بدخول القدس حليفاً، فعاد إلى أوربة مكتفياً بهذه المجاملة الحقيرة. ومع ذلك فإن الحملات الصليبية أخذت تفقد صبغتها الأوربية الشاملة التي اصطبغت بها في بدء الأمر، فقد قام مقام أخلاط الزمر الأولى، التي كانت تنقض على آسية، بعض السرايا الصغيرة التي ركبت كل واحدة منها متن هواها فلم تبحث عن غير ما فيه الثراء. وظلت القدس، وفلسطين تقريباً، قبضة المسلمين على الرغم من الحملات الصليبية الخمس التي جردت بعد الحملة الصليبية الأولى، ثم عزم ملك فرنسة، سان لويس، على العود إلى الجهاد فجرد حملة صليبية سابعة في سنة ١٢٤٨ م، وقد غادر إيغمورت على

стр. 320

رأس خمسين ألف مقاتل متوجهاً إلى مصر، وقد احتل دمياط، وزحف إلى القاهرة التي كسر جيشه قبل أن يبلغها، ووقع أسيراً، وافتدي نفسه، وذهب إلى سورية، وأقام بها سنتين من غير أن يظفر بطائل، ثم رجع إلى فرنسة قبل أن يرى القدس. ولم تنثن عزيمة سان لويس مع هذا الانكسار، فقد جهز حملة صليبية جديدة بعد ست عشرة سنة، وقد غادر إيغمورت في ٤ من يوليه سنة ١٢٧٠ م على رأس جيش مؤلف من ثلاثين ألفاً من المشاة وستة آلاف من الفرسان، وقد توجه إلى تونس طمعاً في حمل أميرها على انتحال النصرانية، فأصابه الطاعون حينما كان محاصراً لها، فمات في ٢٥ من أغسطس سنة ١٢٧٠ م. وكانت تلك الحملة الثامنة أخرى الحملات الصليبية، فبها ختمت تلك المغازي الكبيرة إلى الأبد، وبقي المشرق خاضعاً لأتباع النبي العربي. ولم يلبث النصارى أن خسروا ما كانوا يملكون من النواحي القليلة في فلسطين، وأراد البابوات أن يوقظوا حمية النصارى الدينية على غير جدوى، فقد فترت حرارة الإيمان في النفوس، وصار هم شعوب الغرب مصروفاً إلى أهداف أخرى. ولا أحاول، في خاتمة هذه الخلاصة القصيرة التي سردتها عن تاريخ الحروب الصليبية، تسويغ ذلك الاعتداء الذي وجهته أوربة إلى المشرق أو ذمه، فأمور مثل هذه من نوع المجادلات التي تروق شبان المؤرخين ولا تستحق أن يبالى بها، ولا أعلم أن فاتحاً في القرون القديمة أو الحديثة فكر ثانية في عدل جهاده الحربي أو ظلمه ما لاءم ذلك الجهاد مصالحه، وما رأى وصوله إلى مقصده من غير خطر كبير، فإذا كتب له النجاح في جهاده كفاه نجاحه ولم يبق ما يستلزم تسويغه، ولم يعدم، عند الضرورة، فرسان بيان لتمجيد ما صنع، وإذا ما هجا بعض الكتاب مظالم القوة قائلين: إن على القوة ألا تتغلب على الحق كان ذلك من قبيل ذم الأمور الطبيعية غير المجدي، كشكوانا من السقم والهرم والموت. حقاً إن مبادئ الحقوق النظرية المدونة في الكتب لم تكن دليل أمة في أي زمن، وإن المبادئ التي احترمتها الأمم هي التي أيدتها قوة السلاح كما أثبته التاريخ، وإن البابوات لم يسيروا على غير سنن الفاتحين في الماضي والمستقبل، حينما حرضوا النصارى على الحروب الصليبية الطاحنة المنافية لأبسط قواعد الإنصاف من الناحية النظرية، فلا يفيد لومهم على ما فعلوا، ولنترك، إذن، كل بحث من هذا النوع، ولندرس النتائج القريبة والبعيدة لذلك النزاع العظيم بين عالمين.
следующие страницы →