← Общие книги

Общие книги · id 150939

حضارة العرب - غوستاف لوبون

غوستاف لوبون

Полный текст (598 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

وكان قد مضى على وجود الفرنج في فلسطين عشرون سنة حينما توفي بودوان في سنة ١١١٩ م، ولم ينشأ عن حكم الفرنج لها سوى خرابها وإقفارها، وكان من نتائج هذا الحكم أن عرفت البلاد نظام الإقطاع كما في أوربة، وأن قمت إلى الإمارات الإقطاعية المتقاتلة على الدوام: طرابلس وعسقلان ويافا ... إلخ، ولم يلبث طغاتها الغراء الذين لم يكونوا ليفكروا في غير الاغتناء أن خربوها بعد أن كانت زاهرة أيام الحكم العربي الرشيد، وإليك ما قاله أسقف عكا الصليبي جاك دوفيتري عن أنباء الصليبيين الأولين، وذلك في تاريخه عن القدس: خرج من الصليبيين الأولين الأتقياء المتدينين جيل من الفجرة الأشرار الفاسدين المنحلين الفاسقين كما يخرج الثفل من السلاف والدردي من الزيت والشيلم من البر والصدأ من القلز ... وكان هؤلاء الأبناء يختصمون ويقتتلون لأتفه الأسباب، حتى إن بعضهم كان يستعين على بعض بأعداء النصارى في الغالب .. ، وكان لا يرى منهم في أرض الميعاد غير الزنادقة والملحدين واللصوص والزناة والقتلة والخائنين والمهرجين والرهبان الدعار والراهبات العواهر. ولم يكن غليوم الصور أقل صراحة من ذلك، فقد قال، بعد أن وصم أبناء الصليبيين بأنهم «من السفهاء الفاسدين والملاحدة الفاسقين»: «تلك هي رذائلهم الوحشية التي لو أراد كاتب أن يصفها؛ لخرج من طور المؤرخ ليدخل في طور القادح الهاجي.» وبينا كان النصارى يخربون القدس كان المسلمون يستردون بالتدريج، ما خسروه، وقد أورث تقدمهم في سورية واستيلاؤهم على الرها (أورفة) هلعاً في قلوب النصارى بفلسطين، فاستغاث النصارى بأوربة. ونظمت حملة صليبية ثانية لإمداد أولئك، ونجح سان برنارد في إيقاد نار التعصب الديني، فقد توجه ملك فرنسة لويس السابع على رأس الحملة الصليبية الجديدة إلى فلسطين، وتبعه الملك الألماني كونارد الثالث، غير أن جيش لويس السابع الذي كان عدده مائة ألف مقاتل لم يكد يصل إلى آسية الصغرى حتى أبيد على بكرة أبيه، ففر لويس السابع بطريق البحر ليذهب إلى أنطاكية، ويتوجه منها إلى القدس كحاج عادي، وما كان جيش كونارد الثالث أوفر حظاً من جيش لويس السابع. ولم يبد سلوك الصليبيين في هذه الحملة الثانية أحسن من سلوك رجال الحملة الصليبية الأولى، قال الكاهن أنكتيل في تاريخه: «قلما كان يوجد صليبي يسير بوحي

стр. 317

ديني، فلم يترك أولئك الصليبيون جرائم وحشيةً وضرباً من قطع الطرق وفضائح مزرية إلا اقترفوها»، وعزا سان برنارد ذلك الحبوط إلى ما ارتكبه هؤلاء الصليبيون من تلك المظالم. وتم طرد الصليبيين من القدس على يد السلطان صلاح الدين الأيوبي الشهير، وذلك أن صلاح الدين دخل سورية بعد أن أصبحت مصر وجزيرة العرب والعراق قبضته، وأنه غلب ملك القدس الأسيف غي دولوزينيان، وأسره، واسترد القدس في سنة ١١٨٧ م. ولم يشأ السلطان صلاح الدين أن يفعل في الصليبيين مثل ما فعله الصليبيون الأولون من ضروب التوحش فيبيد النصارى على بكرة أبيهم، فقد اكتفى بفرض جزية طفيفة عليهم مانعاً سلب شيء منهم. قضي على مملكة القدس اللاتينية بعد أن عاشت ٨٨ سنة، ومرت سبعة قرون على تلك الحوادث من غير أن تخرج هذه المدينة المقدسة من أيدي أتباع محمد على الرغم من جميع الجهود التي قام بها العالم النصراني منذ ذلك الحين. ولا نرى فائدة كبيرة في تاريخ الجهود غير المجدية التي قامت بها أوربة لاسترداد القدس، أي في تاريخ الحملات الصليبية الست الأخيرة، وإنما نكتفي بذكرها الخاطف. ورئيس أساقفة مدينة صور في فنيقية، غليوم، هو الذي حرض أوربة على تجريد الحملة الصليبية الثالثة (١١٨٩ - ١١٩٢ م)، وقد قاد هذه الحملة الثالثة ملك فرنسة: فليب أوغست، وملك إنكلترة: قلب الأسد ريكاردس، وقيصر ألمانية: فريدريك بارباروس، أي أقوى ملوك أوربة. فأما بارباروس: فقد مات في آسية الصغرى، حينما كان يغتسل في نهر البردان (قره صو)، ولم يصل سوى بقايا جيشه إلى سورية، وأما فيليب أوغست: فقد تعب سريعاً، وأبحر إلى صور بعد إقامة قصيرة بفلسطين تاركاً خلفه جيشاً مؤلفاً من عشرة آلاف مقاتل بقيادة أمير بورغونية، ولذا ظلت القيادة العليا في يد قلب الأسد ريكاردس الذي اقترف جرائم وحشية كالتي اقترفها رجال الحملة الصليبية الأولى. وكان أول ما بدأ به ريكاردس هو قتله، أمام معسكر المسلمين، ثلاثة آلاف أسير مسلم سلموا أنفسهم إليه بعد ما قطع لهم عهداً بحقن دمائهم، ثم أطلق لنفسه العنان في اقتراف أعمال القتل والسلب. وليس من الصعب أن يتمثل المرء درجة تأثير تلك الكبائر في صلاح الدين النبيل الذي رحم نصارى القدس ولم يمسهم بأذى، والذي أمد فليب أوغست وقلب الأسد

стр. 318

شكل ٨ - ٥: منبر من رخام في الحرم القدسي يعرف بمنبر عمر (من صورة فوتوغرافية التقطها المؤلف). ريكاردس بالأزواد والمرطبات في أثناء مرضهما، فقد أبصر الهوة العميقة بين تفكير الرجل المتمدن وعواطفه وتفكير الرجل المتوحش ونزواته، وأدرك أنه لا يجوز أن يعامل أولئك الحمقى بغير ما تعامل به الوحوش الضارية. وأكره ريكاردس من فوره على مغادرة فلسطين قبل أن يرى القدس، ولم يكن للحملة الصليبية الثالثة التي قادها ملوك أوربة الأقوياء الثلاثة المتحالفون نتيجة غير بقاء النصارى مالكين لبضع مدن الساحل. ثم نظمت الحملة الصليبية الرابعة (١٢٠٢ - ١٢٠٤ م) بقيادة أمير الفلاندر: بودوان، وعزم الصليبيون في هذه المرة على بلوغ فلسطين بحراً، لا براً كما في الماضي، وأبحروا من ميناء زاره متوجهين إلى عاصمة الدولة النصرانية: القسطنطينية، ولما بلغوها رأي

стр. 319

بعضهم أن سورية لا تزال بعيدةً، وأن الصليبيين السابقين نهكوها غير تاركين فيها نهاباً، وأن كل الصيد في جوف القسطنطينية، فانضم بقية الصليبيين إلى هذا الرأي الصائب، وأخذوا ينهبون ما فيها وإن دخلوها حلفاء. وكانت القسطنطينية تشتمل في ذلك الحين على ما تركه الأغارقة والرومان من كنوز الفن والأدب، ولم ير صليبيو أوائل القرن الثالث عشر في هذه الكنوز شيئاً نافعاً يمكن تقديمه إلى قبيلة من أصحاب الجلود الحمر (البوروج)، فصاروا يحطمون كل ما لم يكن من الذهب أو الفضة أو يلقونه إلى البحر، وصاروا يرون التماثيل الرخامية التي صنعها ليزيب وفيدياس وبراكزيتيل، ويتلفون، في يوم واحد، تأليف ديموستين وديودرس، وبوليب ... إلخ. المهمة. ولم يفكر بودوان وأصحابه في الزحف إلى فلسطين بعد أن شبعوا من الغنائم فنصب بودوان قيصراً، وأجاز البابا إينوسان الثالث ذلك مع بيانه أن الصليبيين اقترفوا أفظع الجرائم. ولا احتياج إلى ذكرنا أن سلطة هذا القيصر الجديد كانت مؤقتةً، فلم يكن الصليبيون من غير الهمج العاجزين عن إقامة دولة دائمة وعن غير التخريب، ولم ينشأ عن إقامتهم القصيرة بالقسطنطينية غير إبادة كنوز العالم اليوناني اللاتيني القديم. ولم تكن الحملتان الصليبيتان، الخامسة والسادسة، من الحملات المهمة، ولم تباليا بالجهاد في سبيل القدس، وإنما ذهب أكثر رجالهما إلى مصر طمعاً في الغنائم فاضطروا إلى التقهقر بعد أن أوغلوا قليلاً فيها. وتوجه جيش صغير إلى القدس بقيادة فردريك الثاني الألماني الذي تعاهد هو والمسلمون، فسمح له المسلمون بدخول القدس حليفاً، فعاد إلى أوربة مكتفياً بهذه المجاملة الحقيرة. ومع ذلك فإن الحملات الصليبية أخذت تفقد صبغتها الأوربية الشاملة التي اصطبغت بها في بدء الأمر، فقد قام مقام أخلاط الزمر الأولى، التي كانت تنقض على آسية، بعض السرايا الصغيرة التي ركبت كل واحدة منها متن هواها فلم تبحث عن غير ما فيه الثراء. وظلت القدس، وفلسطين تقريباً، قبضة المسلمين على الرغم من الحملات الصليبية الخمس التي جردت بعد الحملة الصليبية الأولى، ثم عزم ملك فرنسة، سان لويس، على العود إلى الجهاد فجرد حملة صليبية سابعة في سنة ١٢٤٨ م، وقد غادر إيغمورت على

стр. 320

رأس خمسين ألف مقاتل متوجهاً إلى مصر، وقد احتل دمياط، وزحف إلى القاهرة التي كسر جيشه قبل أن يبلغها، ووقع أسيراً، وافتدي نفسه، وذهب إلى سورية، وأقام بها سنتين من غير أن يظفر بطائل، ثم رجع إلى فرنسة قبل أن يرى القدس. ولم تنثن عزيمة سان لويس مع هذا الانكسار، فقد جهز حملة صليبية جديدة بعد ست عشرة سنة، وقد غادر إيغمورت في ٤ من يوليه سنة ١٢٧٠ م على رأس جيش مؤلف من ثلاثين ألفاً من المشاة وستة آلاف من الفرسان، وقد توجه إلى تونس طمعاً في حمل أميرها على انتحال النصرانية، فأصابه الطاعون حينما كان محاصراً لها، فمات في ٢٥ من أغسطس سنة ١٢٧٠ م. وكانت تلك الحملة الثامنة أخرى الحملات الصليبية، فبها ختمت تلك المغازي الكبيرة إلى الأبد، وبقي المشرق خاضعاً لأتباع النبي العربي. ولم يلبث النصارى أن خسروا ما كانوا يملكون من النواحي القليلة في فلسطين، وأراد البابوات أن يوقظوا حمية النصارى الدينية على غير جدوى، فقد فترت حرارة الإيمان في النفوس، وصار هم شعوب الغرب مصروفاً إلى أهداف أخرى. ولا أحاول، في خاتمة هذه الخلاصة القصيرة التي سردتها عن تاريخ الحروب الصليبية، تسويغ ذلك الاعتداء الذي وجهته أوربة إلى المشرق أو ذمه، فأمور مثل هذه من نوع المجادلات التي تروق شبان المؤرخين ولا تستحق أن يبالى بها، ولا أعلم أن فاتحاً في القرون القديمة أو الحديثة فكر ثانية في عدل جهاده الحربي أو ظلمه ما لاءم ذلك الجهاد مصالحه، وما رأى وصوله إلى مقصده من غير خطر كبير، فإذا كتب له النجاح في جهاده كفاه نجاحه ولم يبق ما يستلزم تسويغه، ولم يعدم، عند الضرورة، فرسان بيان لتمجيد ما صنع، وإذا ما هجا بعض الكتاب مظالم القوة قائلين: إن على القوة ألا تتغلب على الحق كان ذلك من قبيل ذم الأمور الطبيعية غير المجدي، كشكوانا من السقم والهرم والموت. حقاً إن مبادئ الحقوق النظرية المدونة في الكتب لم تكن دليل أمة في أي زمن، وإن المبادئ التي احترمتها الأمم هي التي أيدتها قوة السلاح كما أثبته التاريخ، وإن البابوات لم يسيروا على غير سنن الفاتحين في الماضي والمستقبل، حينما حرضوا النصارى على الحروب الصليبية الطاحنة المنافية لأبسط قواعد الإنصاف من الناحية النظرية، فلا يفيد لومهم على ما فعلوا، ولنترك، إذن، كل بحث من هذا النوع، ولندرس النتائج القريبة والبعيدة لذلك النزاع العظيم بين عالمين.

стр. 321

شكل ٨ - ٦: باب يافا في القدس (من صورة فوتوغرافية التقطها المؤلف). (٣) نتائج الحروب الصليبية بين الغرب والشرق آراء المؤرخين في نتائج الحروب الصليبية متناقضة إلى الغاية، وقد أسهب أكثرهم في مدحها، وعدها بعضهم ذات نتائج سيئة. وإذا نظرنا إلى هدف الحروب الصليبية القريب الذي هو فتح فلسطين رأيناها لم تسفر عن أية نتيجة مع ما خسرته أوربة في قرنين من المال والرجال، فقد بقي المسلمون سادة لتلك الأماكن التي أراد النصارى أن يستولوا عليها بأي ثمن كان. ولكننا إذا نظرنا إلى النتائج البعيدة التي أسفرت عنها الحروب الصليبية تجلت لنا أهمية تلك النتائج التي كان بعضها نافعاً وبعضها ضاراً، وإن شال الميزان ورجحت كفة النافع منها، فقد كان اتصال الغرب بالشرق مدة قرنين من أقوى العوامل على نمو الحضارة في أوربة، وتكون الحروب الصليبية قد أدت بهذا إلى نتائج غير التي نشدتها،

стр. 322

وليس التاريخ خالياً من الأمثلة على عدم المطابقة بين الضالة المنشودة والهدف المدرك، بل هو حافل بهما، حتى يكاد البصير يرى في ذلك قاعدة مطردة. وإذا أراد المرء تصور تأثير الشرق في الغرب وجب عليه أن يتمثل حال الحضارة التي كانت عليها شعوبهما المتقابلة، فأما الشرق فكان يتمتع بحضارة زاهرة بفضل العرب، وأما الغرب فكان غارقاً في بحر من الهمجية، وقد ظهر من بياننا الوجيز عن الحروب الصليبية أن الصليبيين كانوا في سلوكهم وحوشاً ضارية، وأنهم كانوا ينهبون الأصدقاء والأعداء ويذبحونهم على السواء، وأنهم خربوا في القسطنطينية ما لا يقدر بثمن من الكنوز القديمة الموروثة عن اليونان والرومان. ولم يكن عند أولئك البرابرة ما يفيد الشرق، ولم ينتفع الشرق منهم بشيء في الحقيقة، ولم يكن للحروب الصليبية عند أهل الشرق من النتائج سوى بذرها في قلوبهم الازدراء الغربيين على مر الأجيال، ولم ينشأ عن جهالة الصليبيين وغلظتهم وتوحشهم وسوء نيتهم غير حمل الشرقيين أسود الأفكار عن نصارى أوربة وعن النصرانية، وغير إيجاد هوة عميقة لا يمكن سدها بين أمم الشرق وأمم الغرب، وما إلى ذلك من النتائج الضارة التي أشرنا إليها آنفاً. ولم تكن العداوة العادلة التي يحملها الشرقيون تجاه أمم الغرب كل ما صدر عن الحروب الصليبية من النتائج الضارة، فقد نشأ عنها، أيضاً، زيادة سلطة البابوات الذين كانوا رؤساء عالين للصليبيين، وزيادة سلطة رجال الدين الذين اعغتنوا بأرضين اضطر السنيورات إلى بيعها منهم ليقوموا بنفقات الغزو، وقد نجم عن نمو سلطة أولئك واغتناء هؤلاء أن رغب البابوات في السيطرة على الشعوب والملوك وأن عم فساد الإكليروس، فأدى هذا الفساد بعد زمن إلى الإصلاح الديني وما قاسته أوربة بسببه من المنازعات الدامية. ومن أشأم نتائج الحروب الصليبية: أن ساد عدم التسامح العالم عدة قرون، وأن صبغته بما لم تعرفه ديانة، خلا اليهودية، بصبغة القسوة والجور، أجل، كان العالم قبل الحروب الصليبية يعرف الشيء الكثير من عدم التسامح، ولكنه ندر أن كان عدم التسامح هذا يصل إلى حد الجلف والطغيان، وقد بلغ عدم التسامح هذا مبلغاً من الحميا الشديدة في الحروب الصليبية ما لا يزال العالم يقاسي أثره إلى زماننا تقريباً، فلم يلبث رجال الدين الذين تعودوا سفك الدماء أن صاروا ينشرون المعتقد ويبيدون أصحاب البدع على الطريقة التي كانوا يبيدون بها الكافرين، ويرون أنه يجب إخماد أقل انحراف بأفظع تعذيب، ومن نتائج ما نما في الحروب الصليبية من روح عدم التسامح المشؤومة:

стр. 323

ما حدث من ذبح اليهود والألبيجوا وكل ذي بدعة، ومن إنشاء محاكم التفتيش، ومن الحروب الدينية، ومن الحروب الوحشية التي ضرجت أوربة بالدماء زمناً طويلاً. ولنبحث الآن في نتائج الحروب الصليبية النافعة بعد أن ذكرنا نتائجها الضارة الثابتة: كان من النتائج السياسية التي نشأت عن الحروب الصليبية أن تضعضع النظام الإقطاعي في فرنسة وإيطالية على الأقل، وذلك أن السنيورات لم يخسروا كثيراً من أرضيهم التي باعوها؛ لينفقوا على ما جهزوه من الحملات فقط، بل باعوا أيضاً ما كانت تصبو إليه المدن من الحرية والامتيازات، فصارت هذه المدن دويلات مستقلة ضمن دول الإقطاع تابعة للملك وحده، ثم أصبح اشتراء المدن لحريتها مبدأ عاماً، فقامت بلدية مستقلة في كل مدينة، فكانت نتيجة ذلك أن ضعف شأن الإمارات الإقطاعية الصغيرة لا الكبيرة التي مالت إلى التوسع، وأن أضحى ملك فرنسة حكماً بين الفسالات وسادتهم السابقين أكثر مما في الماضي، وأن زادت بذلك سلطة ملوك فرنسة، الضعيفة قبل الحروب الصليبية، على حساب سلطة فسالاتهم التي كادت تساوي سلطة الملك فيما مضى، والتي عادت لا تكون في غير الظواهر في بضعة قرون. شكل ٨ - ٧: قدح عربي يعرف بقدح شارلمان، ويرجح أنه جيء به من الشرق أيام الحروب الصليبية (متحف شارتر). ولم يتقلص النظام الإقطاعي بفعل الحروب الصليبية إلا في فرنسة وإيطالية، لا في إنكلترة وألمانية اللتين لم يشترك سنيوراتهما في الحروب الصليبية الأولى إلا قليلاً، واللتين

стр. 324

حافظوا على إقطاعاتهم فيهما، وصاروا رقباء على ملوكهما الذين تورطوا فيها كثيراً، فاستفادوا من ذلك فقيدوا سلطة هؤلاء الملوك، ونحن إذا أنعمنا النظر فيما نشأ عن سير الحوادث من النتائج البعيدة بدا لنا أن أصول دستور إنكلترة السياسي المتين ترجع إلى حوادث الحروب الصليبية. أجل، اشترك ثلاثة من قياصرة ألمانية في الحروب الصليبية، فلما مات فردريك الثاني الذي هو آخرهم كانت السلطة القيصرية من الأوهام، واشترك ثلاثة من ملوك فرنسة في الحروب الصليبية، فأما رحلة فليب أوغست فكانت قصيرة، وأما سلطة الأشراف في غياب لويس السابع ولويس التاسع فكانت غير خطرة لما ذكرنا، فسهل على نائب الملك سوجر والملكة بلانش أن يردا جماحها. وكان لاصطراع أوربة وآسية تأثير كبير في التجارة أيضاً، فقد نشأ عن تجهيز الجيوش الكبيرة التي قذفت بها أوربة في الشرق في قرنين وتموينها ونقلها حركة عظيمة في التجارة البحرية؛ فاغتني بذلك أهل مرسيلية وبيزة وجنوة والبندقية على الخصوص، وبلغت بحرية مرسيلية درجة عظيمة من النمو استطاعت معه؛ في سنة ١١٩٠ م؛ أن تنقل إلى الأرض المقدسة جيش قلب الأسد ريكاردس. ولم يقف نمو التجارة بعد طرد الصليبيين من آسية؛ فقد عقد أكثر جمهوريات إيطالية وأمراء المسلمين معاهدات تجارية؛ وكانت صلات البندقية التجارية الوثيقة بالمشرق سبب عظمتها، واطرد تقدم هذه التجارة مع الزمن إلى أن اكتشفت طرق بحرية جديدة، فانتقل زمامها إلى أيد أخرى. ولم يكن تأثير الحروب الصليبية في الصناعة والفنون أقل من ذلك، فقد استوقفت نفائس الشرق الباهرة أنظار السنيورات الصليبيين مع جلفهم، فوجدوا في التجارة وسيلة تقليدها، فنرى اقتباس نفائس الشرق في أسلحة الغرب وثيابه ومساكنه في القرن الثاني عشر، والقرن الثالث عشر على الخصوص. وكلما نمت النفائس أدت إلى تقديم الصناعة بحكم الضرورة، وتبحث الصناعة عن المنتجات التي تطلبها التجارة منها بطبيعة الحال، فتحفزها الضرورة إلى القيام بذلك من فورها. وإذ كانت صنائع الخشب والمعادن والميناء والزجاج تتطلب معارف كثيرة فقد اقتبسها الأوربيون من آسية مع جهلهم لها قبل دور الحروب الصليبية، وعم أمرها بذلك في أوربة، فعن صور أخذت البندقية نماذج صناعة الزجاج، وعن المسلمين أخذت أوربة

стр. 325

شكل ٨ - ٨: إناء عربي مصنوع من النحاس المكفت، ويعرف بإناء معمودية سان لويس (متحف اللوفر). صناعة النسائج الحريرية والصباغة المتقنة، وعن سورية أخذ عمال الحملات الصليبية التي دام أمرها قرنين وصانعو أسلحتها ومهندسوها ونجاروها ومن إليهم ما كانوا يجهلون من المعارف الصناعية، وذلك في أثناء إقامتهم الطويلة بها. وكان تأثير فنون الشرق في الغرب عظيماً أيضاً، فقد نشأ عن إيلاف الصليبيين ضروب منتجات الشرق الممتد من القسطنطينية إلى مصر تهذيب أذواقهم الغليظة، ولم يلبث فن العمارة أن تحول في أوربة تحولاً تاماً، ولا يصعب علينا، والحالة هذه، أن نثبت في فصل آخر قوة تأثير آثار حضارة العرب في أطواره الأولى. وأما استفادة الصليبيين من علوم العرب الخالصة فكانت ضعيفة إلى الغاية خلاقاً لما ذهب إليه كثير من المؤرخين؛ فالجيوش الصليبية إذ كانت جاهلة للعلماء لم تكن لتبالي بالمعارف والأصول مبالاتها بشكل البناء أو الأسلوب الصناعي. وإذا كنت لم أقل إن تأثير الصليبيين في تقدم أوربة العلمي صفر فلما بين العلوم والصناعات من الصلة، ولما تجر إليه إحداهما إلى بحث قليل في الأخرى غالباً. ولا يحتج علينا بأن القرون الوسطى استنبطت معارفها العلمية والأدبية من مؤلفات الشرقيين، فالواقع أن تلك المعارف لم تدخل أوربة بفضل الحروب الصليبية قط كما تبين ذلك في فصل آخر. ولم يكن تأثير آداب العرب في الصليبيين صفراً، بل كان كذلك، ضعيفاً جداً، أي استوحاها كثير من شعراء الغرب وكتابهم، فكان سحرة مصر وعجائب الشرق وغودفروا

стр. 326

شكل ٨ - ٩: طبق عربي قديم مصنوع من النحاس. وتانكريد وغيرهما موضوع قصص مهم للشعراء المجولين الذين كانوا ينشدونه بين قصر وقصر. ظهر مما تقدم أن تأثير الشرق في تمدين الغرب كان عظيماً جداً بفعل الحروب الصليبية، وأن ذلك التأثير كان في الفنون والصناعات والتجارة أشد منه في العلوم والآداب، وإذا ما نظرنا إلى تقدم العلاقات التجارية العظيم باطراد بين الغرب والشرق، وإلى ما نشأ عن تحاك الصليبيين والشرقيين من النمو في الفنون والصناعة- تجلى لنا أن الشرقيين هم الذين أخرجوا الغرب من التوحش، وأعدوا النفوس إلى التقدم بفضل علوم العرب وآدابهم التي أخذت جامعات أوربة تعول عليها؛ فانبثق عصر النهضة منها ذات يوم.

стр. 327

الباب الرابع طبائع العرب ونظمهم

стр. 328

الفصل الأول أهل البدو وأهل الأرياف من العرب (١) تمثل حياة قدماء العرب سنحاول أن نرسم بإيجاز، في هذا الفصل والفصل الذي يليه، حياة العرب بعد ظهور محمد ببضعة قرون، فبالبحث في طبائع العرب وعاداتهم نستطيع أن نقف على مصدر نظمهم السياسية والاجتماعية التي كانت سائدة لدولتهم. ونستنبط خطوط هذا الرسم الموجز الأساسية من التأمل في حال العرب المعاصرين، واستقراء مثل هذا لا يصلح لغير عدد قليل من الأمم، ولا سيما الأمم الشرقية التي ندرس تاريخها. وسرعة التحول من أظهر ما تتصف به حضارة أمم الغرب، فإذا ما قابلنا بين عصر شارلمان وعصر لويس الرابع عشر مثلاً بدا لنا عالمان مختلفان أشد الاختلاف في الفن والصناعة والعلم والحياة الاجتماعية واللغة. ولكن التحولات التي تحدث بين دور وآخر لا تبدو بعيدة الغور إلا لأن التاريخ لا يبالي بغير الطبقات الاجتماعية العليا، فإذا ما نظرنا إلى الطبقات الوسطى أو الدنيا التي هي ركن كل أمة رأينا تحولها ضعيفاً إلى الغاية، فالعلوم والآداب والفنون والصناعات التي تتألف من مجموعها حضارة أحد الأدوار لم تكن غير ذات تأثير ضئيلٍ في المجموع مع انقضاء القرون؛ فالفرق بين صاحب لشارل مارتل وأحد حفدته في زمن لويس الرابع عشر عظيم لا ريب، وهو ضعيف بين حداد أو تاجر أو فلاح في عصر الأول وبنيه في عصر الثاني، واليوم قلما نجد فرقاً بين الفلاح البريتاني الحاضر وأجداده الذين ظهروا منذ ألف سنة.

стр. 329

شكل ١ - ١: واحة بسكرة (الجزائر، من صورة فوتوغرافية). ومهما يكن الفرق ضعيفاً فإنه موجود بفعل البيئة على كل حال، فالفلاح البريتاني، وإن لم يفق أجداده في مزاجه النفسي، نراه، وهو محافظ على لهجته الإقليمية الخاصة، وهو قابع في قريته الغامض أمرها، يعيش في بيئة تختلف عن البيئة التي كان أجداده يعيشون فيها، أي يرى وميضاً من حضارة تتحول باستمرار. وترى أوربة أن أمم الشرق لا تتحول، ونحن نرى أن أمم الشرق تتحول قليلاً في الوقت الحاضر لا ريب، وأن طبقاتها العليا، على الأقل، كانت تتحول كثيراً في غابر الأزمان، فالفرق عظيم بين أمير عربي من حاشية الملك أبي عبد الله الصغير وصاحب لعمر بن الخطاب، وهو أعظم من ذلك بين عالم في جامعة بغداد أو جامعة قرطبة وأحد رعاة بلاد العرب الأقدمين. ولم يكن التحول ضعيفاً في غير طبقات المجتمع الدنيا كما يشاهد مثل ذلك في كل مكان كما ذكرنا، والفرق، إذن، قليل بين سكان الأرياف من العرب في زمن محمد وبين ذراريهم في زماننا، وهو أقل بين أهل البدو في ذينك الدورين. ولذا نرى فروقاً في تحول أمم الشرق كالتي رأيناها في أمم الغرب، ونرى ألا يخلط، عند البحث، بين تطور طبقات الشعب الواحد الاجتماعية لما بينها من تفاوت.

стр. 330

ومع ذلك، يجب أن يعترف بأن العرب أقل تحولاً من الأوربيين بين قرن وقرن، ولم ينشأ استقرارهم العتيد عن زوال حضارتهم فقط، بل نشأ، أيضاً، عن كون القرآن دستور المسلمين الديني والسياسي والمدني على الخصوص، وعن أن ثبات أي أمر من هذه الأمور الثلاثة المتماسكة كان يوجب ثبات الأمرين الآخرين بحكم الضرورة، وهكذا لم يلبث المسلمون أن رأوا أنفسهم مقيدين بسلسلة من التقاليد والعادات التي تأصلت بحكم الوراثة، فأصبحت من الرسوخ بحيث لا تؤثر فيها الزعازع، وهكذا كادت طبائع أكثر العرب وعاداتهم تكون ثابتةً لا تتبدل منذ قرون، وهكذا أصبح من الممكن تمثل حياتهم الماضية بدرس حياتهم الحاضرة. وكان تحول أهل الأرياف والبدو من العرب، على الخصوص، ضئيلاً، وكان تحول أهل المدن الذين انتابهم الفاتحون أظهر من ذلك، ولكن هؤلاء الفاتحين إذ اتخذوا القرآن دستوراً لهم، وكان القرآن نافذاً في أدق شؤون العرب لم تتغير طبائع العرب وعاداتهم إلا قليلاً، وحاضر العرب، وإن لم يكن، لذلك التحول القليل، صورة تامة عن ماضيهم، يكفي لتمثله مع ذلك. وبما أنه يوجد لحياة العرب الاجتماعية صور مختلفة باختلاف حياتهم البدوية أو الريفية أو الحضرية دائماً، فقد رأينا أن ندرس كل واحد من هذه الوجوه على حدة. (٢) حياة أهل البدو من العرب لقد وصفنا سجايا أهل البدو من العرب بما فيه الكفاية، ولا نرى أن نعود على ذلك مرة أخرى، وإنما نتم الآن ما قلناه في فصل آخر بأن نصف معايشهم من الناحية المادية: إن بيان عادات أولئك الأعراب وطبائعهم أسهل من بيان عادات سكان الأرياف والأمصار وطبائعهم، وذلك أن حياة الأعراب بسيطة إلى الغاية، وأنها طليقة من تلك الزيادات المعقدة التي أوجبها الاستقرار والتوطن، وفي الوصف الآتي الذي أقتطفه من كتاب لكوست تصوير كاف لعادات الأعراب، أجل؛ إن كوست صور بهذا الوصف قبائل صحاري وادي النيل العربية منذ خمسين سنة، ولكن ما تسفر عنه حياة الصحراء من تبدل قليل في المعايش يجعل ذلك الوصف صالحاً لتمثل الأعراب المعاصرين لسليمان، أو المعاصرين لمحمد، أو الذين سيولدون بتعاقب الأجيال إلى أن تبدل الأرض غير الأرض، وتكون آسية وإفريقية خاليتين من الصحاري، قال كوست: يمتطي الأعرابي صهوة فرسه وقت الفجر، ولا يرجع إلى خيمته إلا وقت الغروب، ويغذي الأعرابي في النهار

стр. 331

بالتمر وقليل من الذرة أو البر، ويرعي فرسه بالكلأ الذي يجده في طريقه، فإذا دخل خيمته عشاء ناولته زوجه كوب لبن وقليل تمر وعسلاً. شكل ١ - ٢: مخيم أعراب في الجزائر (من صورة فوتوغرافية). ولا يتردد الأعرابي إلى المدن إلا ليبيع ما تنتجه مواشيه وإبله وخيله، ولا ينام الأعرابي في المدن، وإذا ما نزل الأعرابي بأرض زرع في بضعة أفدنة منها ما يحتاج إليه من البر والشعير والذرة، ويبدو الأعرابي، على خلاف الفلاح الذليل، فخوراً بحريته ذا خطو ثابت وعينين لامعتين ثاقبتين، ولا يصاب الأعرابي بما يصاب به الفلاحون من الأمراض لقناعته وحياته المنظمة، ودم الأعرابي صاف صفاء نسيم الصحراء الذي يتنسمه. ومن أهم ما تعتني به الأعرابيات حلب الشياه والبقر، وصنع الدقيق بمطحنتين يدويتين صغيرتين، وصنع الخبز والطعام، وتربية الأطفال، وحوك الثياب الصفيقة والبسط والخيام. وإذا ما عزمت القبيلة على الرحيل ركبت نساؤها الهوادج اثنتين اثنتين، والهوادج نوع من السلال التي توضع على ظهور الجمال، وتصنع من أغصان الدفلى، ويبطن

стр. 332

شكل ١ - ٣: سوق في مراكش (من صورة فوتوغرافية). أسفلها بجلد الضأن، ويُستَر أعلاها بنسيج للوقاية من تقلُّب الريح ووهج الشمس، ويأخذ الأعربيات، بعد أن يَجثُمن في الهوادج، في طحن البُرِّ بمطاحنهن اليدوية الصغيرة، ويُهيِّئن العجين، ثم يَخبزن الخبز في أول موقف على المَلَّة أو على مَوْقِدٍ صغير أو على الرَّضْف ويستعملن بعر الجمال وقوداً. وتكون خيمة الرئيس في الوسط، وتليها خيام أبنائه المتزوجين، فخيام الأقرباء، فخيام الخدم، وتكون الأفراس أمام الخيام؛ لتكون حاضرة عند أول إشارة، ثم تليها حظيرة البقر والإبل والضأن والمعز. وتُصَفُّ الجمال، في الغالب، حول خيمة الحرس على شكل دائرة، وتُنصَب خِيام الأرصاد الصغيرة بعيدةً من المخيَّم قليلاً للرقابة ليلاً. وتكون تلك الخيامُ قليلةَ الارتفاع، ولا يستطيع المرء أن ينتصب في غير وسطها، وتظهر مربعة الشكل، ولا تكون مُدَوَّرة مطلقاً، ويمكن إغلاقها من كل جانب، وإن كان شمالها يُترك مفتوحاً لدخول النسيم، وتُصنَع تلك الخيام من المرعز والوَبَر، وينحدر عنها ماء المطر من غير أن ينفُذَ منها، ولا تؤثِّر فيها العواصف والرياح والشمس.

стр. 333

وأضيف إلى ما تقدم ما تشتمل عليه تلك الخيام من متاع بسيط ملائم للحياة البدوية، فكل خيمة تحتوي على أسلحة ورمح طوله ثلاثة أمتار أو أربعة أمتار ولوح حديدي للخَبْزِ وقِدر للطبخ وإبريق للقهوة ومِهراس لها ودلو وبضعة ثياب وما إلى ذلك، ولذلك ليس من العسير أن نعلم أن أناسًا ذوي احتياجات ضئيلة، كأهل البدو، لم يعرفوا سادة لهم قط. (٣) حياة أهل الأرياف من العرب (٣ - ١) الحياة الاجتماعية يسكن جزيرة العرب وما جاورها من البقاع، في كل زمن أناس يعتمدون في معايشهم على الزراعة، ويسكنون الأرياف البعيدة من المدن، ويخضعون، دائماً، لأحكام بيئة واحدة مشتملة على طبقة ضيقة من التقاليد والعادات، ولا يعانون شيئاً من التحول المهم غير ما يتحول به دينُهم، وأولئك هم الذين يجب البحث في أحوالهم للوقوف على بعض ما جاء في القرآن من النظم. وإنني أتخذ، من مختلف السكان، عرب حوران مثالاً للبحث، وتَقْرَب من بادية الشام بلاد عرب حوران الذين هم من أنصاف المستقلين، والذين أجاد مسيو لُوبْليه درس شؤونهم في كتابه الممتع عن عمال الشرق، فنرى من المفيد أن نبحث في أحوالهم لنتمثل كيف يعيش السكان الذين تختلف طبائعهم عن طبائع جيرانهم من أهل الحضر وأهل البدو، ولنعلم ما نشأ عن هذا الجوار من النظم. يعد أهل حوران الذين أدرس حياتهم الاجتماعية من العِرْق العربي وإن لم يقيموا بجزيرة العرب، فقد كان يَسكن حوران بعد ظهور المسيح بزمن قصير قبائل عربية (من القحطانيين على رأي فِتْزشْتَايْن) كانت قد هاجرت من جنوب جزيرة العرب وأقامتدولة السليحيين ثم دولة الغساسنة التي كانت تحت رعاية الرومان، ونُصِب، فليب، الذي هو من عرب حوران، قيصرًا رومانيٍّا في سنة ٢٤٤ م، وليس بمجهول أن عاشت دولة الغساسنة خمسمائة سنة، ولم تنقرض إلا باستيلاء خلفاء محمد علي أملاكها، ويعود إلى الغساسنة فضل إقامة الآثار العظيمة التي لا تزال ماثلةً في بلاد حوران، ولا سيما في عاصمتها القديمة بُصرى، ولا تزال تُرى هنالك كتابات بالخط الحِمْيَرِي الذي سُمي باسم لغة بعض القبائل القديمة في جزيرة العرب.

стр. 334

ويتألَّف عرب حوران المجاورون لبُصرى من أعراب وحضريين، فأما الأعراب: فلا يظهرون في حوران إلا صيفاً، ويرحلون في الشتاء إلى العراق أو إلى وادي الأردن، أما الحضريون: فهم جَمع من الزمر التي تجمع بينها صلة القرابة، فتخضع لرئيس أسرةٍ خضوعاً تشابه به نظام القبيلة الفطري كما يرى. وجميع تلك الزمر من الزمر الزراعية، وهي إذ كانت قليلة الأهلين بالنسبة إلى اتساع الأرضين الصالحة للفلاحة لا تحرث كل واحدةٍ منها سوى قسم. وأَرضو كل قرية مشاعة بين أفرادها، ويستطيع كل واحد من هؤلاء أن يزرع منها بنسبة ما عنده من البقر، وتباع الحبوب، التي تزيد على احتياجات بقر كل زمرة وجمالها من الأعراب أو من تجار دمشق، أو أن القوافل تنقلها إلى سواحل سورية لتُرسَل إلى أوربة. وتَكُون المنتجات مال الزمَة خلا الدخل القليل الذي يناله بعض الأفراد من بعض المصادر وينفقونه كما يشاءون. وتعد الصناعة، هنالك، في حكم المعدوم تقريباً، وذلك أن الأهلين يصنعون قليلاً من النسائج، ويبتاعون ما يحتاجون إليه منها من تجار دمشق الذين يشترون حبوبهم. وتتألَّف كل زمرة من أسر كثيرة، قال مسيو دِبْلِبه: لا يدل اسم الزمرة التي تضم أناساً كثيرين يعيشون تحت سقف واحد على كل واحد من أفرادها دلالةً واضحة، وإنما يضاف اسم ذلك الفرد إلى اسم أبيه فيقال: فلان بن فلان، وإذا ما كان للوالدين ولدٌ أضيف اسم كل منهما إلى اسمه فيقال: فلان أبو فلان أو فلانة أم فلان، وفي الغالب يُحذف اسم كل من الوالدين فيقال أبو فلان أو أم فلان، وإذا لم يكن للزوجين ولد لم يُكنيا لما في التكنية الوهمية من السَّبة، ويتسمَّى الناس باسم أسرٍ حينما تكون أسماء هذه الأسر من أسماء ذوي المجد والجاه من الأجداد الذين تَصلُح أسماؤهم أن تكون مدار فخرٍ للحفدة، وقد جرت العادة، مع هذا، على إطلاق اسم جد الأسرة المجيد على ربها العتيد وحده، وإن كان ذلك من حقوق جميع أفراد تلك الأسرة. ويبلغ عدد أفراد كل أسرة في الزمرة، ومنهم الخدم، نحو ثلاثين شخصاً تابعين لرئيسها الذي هو أكبر أفرادها سناً، وتقوم النساء بتدبير منزل الأسرة حصراً، ويعاملن

стр. 335

برفق ولطف وإن كن يُرقَبن رقابةً وثيقة، وإذا حدث أن اقترفت إحدى الفتيات خطيئة، وهذا ما يندر وقوعه، قتلها أقرباؤها. ويرجع إلى القرآن والعادة في أحوال حَضَريِّي العرب الشرعية، ويفصل شيخ في خصوماتهم، وقد يرضى أهل القتيل بالدية، ويفضلون القصاص عليها في الغالب، ويؤدي كل قتل إلى تعاقب حوادث القتل بتعاقب الأجيال. شكل ١ - ٤: مخيم أعراب بالقرب من طنجة (من صورة فوتوغرافية). ولا تقع حوادث القتل إلا نادراً لما ينشأ عنها من النتائج الخطرة، ويحترم الأعراب أنفسهم حياة الإنسان حين النهب خوفاً من الثأر، وما يؤدي إليه الثأر من تأصل العداوة وتأَرثها. ويكون الثأر نافعاً عند من هم على الفطرة، وإن ظهر أول وهلةٍ عملاً همجياً، فهو يمنع حوادث القتل التي تقع، لا محالة، عندما يكون القانون رحيماً، وهم يرونه أحسن القوانين؛ لأنه الدواء الوحيد. ولا نظام يُكرِه الأفراد على العيش ضمن الزمر، وإنما الضرورة تُلجِئهم إلى ذلك، ففي المجتمعات التي لا يركن الإنسان فيها إلى حماية الحكومة يكون، وهو منفرد، من الضعف ما يعد معه محكوماً عليه بالزوال، وبهذا أيضاً نفسر التفاف كل زمرة عربية

стр. 336

في كل مكان حول رئيسٍ حفظاً لحياة أفرادها، والحق أن هذه الزمر الصغيرة ليست غير شركاتٍ لا بد منها لحفظ حياة الأعضاء الذين تتألف منهم، ويقوم نظام القبائل البدوية على مثل هذه الضرورة، ويتصف نظام القبائل هذا بعدم التحول اتصافها به. وليس ببعيد أن كان عجز الفرد في كل مجتمع ضعيف النظام سبباً لظهور تلك الزمر، فإذا ما قامت حكومة مركزية مقام الزمر في حماية الأفراد زالت تلك الزمر عن الوجود أو كادت. ونذكر، بجانب أفراد الأسر التي تتألف منها الزمر وتقاسمها المنافع، فريق الخدم الذين إما أن يكونوا قد أتوا من الخارج طلباً للرزق، وإما أن يكونوا من زمر أخرى لم يألفوا العيش فيها، وإما أن يكونوا من زمر منحلة لنكبة حلت بها أو لعلة أخرى. وأمور الزراعة هي أكثر ما يمارسه هؤلاء الخدم الذين يصبحون بذلك من المزارعين، والذين يتقاضَون ربع الغلة غالباً في مقابل أعمالهم، ثم يعد هؤلاء الخدم من الأسرة ويأكلون من طعامها، وليس من القليل أن يتزوج خادم إحدى بناتها، ومما يحدث على العموم أن يشرط على الخادم ألا يأخذ أجرة سوى طعامه وثيابه لسنين كثيرة، وعقد مثل هذا يذكرنا بما صنعه يعقوب مع لابان ليتزوج راحيل، وعقد مثل هذا يثبت لنا ضعف التحول في طبائع العرب وعاداتهم منذ العصر الإسرائيلي، وقد يحدث أحياناً، كما كان يحدث في ذلك العصر، أن يطالِب الحموُ بإطالة مدة الخدمة وإن لم يشرط ذلك في العقد. وسواء على الخادم أتزوج إحدى بنات سيده أم اقتصد مبلغاً من المال؛ ليتزوج، وليشتري بعض الأنعام، وليؤلف أسرةً، وليزرع لحسابه الخاص، لا تكون الخدمة عند أولئك الناس الذين هم على الفطرة سوى مرحلة لبلوغ ما هو أعلى منها. وجميع من ذكرنا من الأهلين هم من القائلين بمبدأ تعدد الزوجات، شأن جميع الشرقيين، والضرورات هي التي تبيح لهم تعدد الزوجات كما نبين ذلك في فصل آخر، والزوجات هن اللائي يحرضن أزواجهن قبل أي إنسان على تزوج نسوة أخرى. ويوجد لحضريي حوران، ككل بلد مجاور للصحراء وكمعظم جزيرة العرب، صلات بالأعراب الذين يضطرون إلى السلب؛ لعدم كفاية ما تنتجه مواشيهم وخيولهم وجمالهم. ومصالح الأعراب والحضريين متناقضة تناقض مصالح الصائد والطائر، فالصائد يرغب في أكل الطائر، والطائر يسعى لكيلا يأكله الصائد، ولكن الضرورة التي هي أقوى مهيمن على الإنسان لم تلبث أن وفقت بين مصالح فريقي العرب المتناقضة، وذلك أن

стр. 337

الحضريين يدفعون إلى الأعراب في كل سنةٍ من المال ما يقابل حمايتهم لهم، وأن الأعراب يذبون عن الحضريين طمعاً فيما يأخذون منهم، وهذا يعني أن الحضريين يتركون بعض غلاتهم ليُنقِذوا بقيتها، وهذا لا يختلف، في غير الشكل، عما يدفعه الرجل المتمدن إلى إحدى شركات التأمين من المبالغ لتضمن له ماله، ولا عما يدفعه إلى الحكومة من الضرائب؛ لتؤديَ منها رواتب الشُّرَط والقضاة وسائر الموظفين الذين يكفُّون الأذى عنه. والحق أن أولئك العرب، الذين لم تكن لهم حكومة لتدفع رواتب إلى الشرط والجند ولتمنع بذلك سلبهم، يضطرون إلى مداراة قطاع الطرق، والنتيجة واحدة، وليست النفقات أشد وطأً. وتصبح القبائل البدوية حليفةً للقرى المجاورة في مقابل ما تدفع إليها هذه القرى من الأتاوى، وتقوم بالدفاع عنها إزاء الأعراب الآخرين الذين يمكنهم أن يهاجموها، ولا يحدث مثل هذا الهجوم إلا نادراً لقلة ما يظفرون به من الغنائم من غزوهم لقرية تحافظ عليها قبيلة أخرى. وتشابه مساكن حضريي حوران مساكن سورية، فيتألف كل بيت فيها من جناح للغرباء، ومن جناح للأسرة، ومن مرافق وساحاتٍ وأَصابل وما إليها، وتحيط الحواجز بِغِمَاء البيت، ويُصنع هيكله من الخشب وجدره من الصلصال، ويتألف أثاثه من الفُرُش التي ينام عليها. (٣ - ٢) المساكن لندع الآن جانبًا حياة العرب الاجتماعية، وهم الذين اتخذتهم مثالاً، ولنتكلم قليلاً عن حياة العرب المنزلية في مختلف الأرياف فنتحدث عن منازلهم وطعامهم وأزيائهم: إن بيوت طبقات العرب الوسطى والدنيا على جانب كبير من البساطة، وهي تختلف عن بيوت أغنياء العرب الزاهية التي سنصفُها في الفصل الآتي. وطراز تلك البيوت العام واحد في الشرق كله، وهي تفقد كثيراً من مظاهرها الشرقية الأصلية في البلاد التي صار للأوربيين نفوذ فيها، وليذهب إلى بعض القرى في سورية والجزائر ومراكش من يرغب في رؤية تلك البيوت المربعة البيض ذات السطوح والشكل المكعب والفُرَج الضيقة، والتي تكتسب منظراً عريقاً في شرقيته عندما يحيط النخل بها. وتختلف أنواع المواد التي تُبنى بها تلك المنازل، كالحجارة والمُلُط وغيرها، باختلاف البلدان والبيئات، فإذا نظرت إلى منازل العرب القائمة على ضفاف النيل، مثلًا، رأيتها

стр. 338

شكل ١ - ٥: جمالة في مصر (من صورة فوتوغرافية). مبنية من الآجُرِّ المصنوع من طين ذلك النهر الممزوج بالتبن والمجفف بفعل الشمس، وأنه يندر أن يزيد ارتفاع بعضها على ثلاثة أمتار، وأنها لا تدخل إلا من باب ضيق جداً، وأنه لا يوجد في منازل فقراء الفلاحين من المنافذ سوى أبوابها، وأن منازل ذوي اليسار منهم تتألف من أقسام كثيرة مستقلة: من بيوت للسكن، وحظائر للأنعام، وأبراج للحمام ... إلخ، وأنه يحيط بتلك المنازل جدر طينية مكلسَة، وأن أثاثها يتألف من فُرُش فقط، وأنه قلما يوجد فيها متكأ، وأن الثياب تُعلق على حيطانها، وأن الفُرُش واللحف تطوى في كل صباح وتُوضع على الرفاف، وأنه يحيط بأغمية البيوت حياط على العموم. وهنا أنبه القارئ إلى أن المنازل العربية وأبراج الحمام في مصر تمت إلى المباني الفرعونية القديمة بصلة القرابة، وقد كانت تتمثل لي من بعيد أبراج الحمام المصرية،

стр. 339

شكل ١ - ٦: عرب معتقلون بالقرب من تونس (من صورة فوتوغرافية). الكبيرة أحياناً كبعض البيوت الأوربية، وما يحيط بها من المرافق أطلالاً لبعض المعابد المصرية، فأبراج الحمام المصرية مقتبسة من صروح قدماء المصريين، والمنازل المصرية تميل إلى الشكل الهرمي الذي يظهر أنه دستور فن العمارة الفرعونية، وبهذا وحده يبدو تأثير الطراز المصري القديم في طراز البناء الإسلامي، ويزول العجب عندما نعلم أن سكان وادي النيل حفدة لقدماء المصريين أكثر من أن يكونوا عرباً. (٣ - ٣) الطعام يقتصر فقراء العرب في طعامهم على الطُّلَم وبعض الخضر والفواكه كالموز والتين والرطب، ويحتوي طعام الموسرين منهم على اللحم في الغالب، وتعد الفراريج المقطعة المحاطة في الصحن بالأرز أكلة المصرين الوطنية، ويعتمد أهل الجزائر في طعامهم على الكسكسو المصنوع من العجين المحبب المخلوط بأنواع اللحوم ولا سيما لحم الضأن. ومهما يكن العربي فقيراً، ومهما يكن العربي بدوياً، يبالغ في اقتراء الضيف، وينفق في هذا السبيل من سعة، ويُؤتَى بصحون الطعام على طبق كبير من النحاس، ويجلس

стр. 340

من حوله القرفصاء، ويتناول الطعام بالأيدي، لا بالملاعق والشوكات التي ليست موجودة، ويكون اللحم مقطعاً سلفاً، وتؤخذ من مختلف الصحون قطع من اللحم وتُدَحْرَج في الكف حتى تصبح كُبَّةً، ومن أدب المائدة عند العرب: أن تقدم هذه الكبة إلى الضيف ليزدردها، ومن سوء الأدب رفضها، فإذا ما كانت تلك الكبة من صنع أعرابي لم يقم بما أمر به القرآن من الوضوء كانت من نوع حبوب المرضى العسيرة الهضم، وإذا ما فرغ الضيوف من طعامهم أحضرت إليهم الطسوت ليغسلوا أيديهم. ولا تزال الطباخة العربية في المراحل الأولى، وقد أتيح لي، مع ذلك، أن أرى على الموائد العربية من أنواع الطعام ما تجهله الموائد الأوربية، ولا سيما الحلويات الفاخرة والقشديات المتقنة، وقد حذق العرب عمل الحلاوى والمرببات كثيراً. والماء هو ما يشربه المسلمون عادة، ولكنهم في الشرق يشربون العَرَق المصنوع من البلح والممزوج بالمصطكاء، وذلك مع قليلٍ من الجهر. وليس بمجهول أن موائد النساء العربيات مستقلة عن موائد الرجال، وأن أزواج ربِّ العائلة وبناته يبالغن في خدمته ولا يأكلن إلا بعد أن يتم طعامه. (٣ - ٤) الأزياء يعجب المرء، حين يتصفح إحدى المجلات التي صدرت منذ قرنٍ والمشتملة على صُوَرٍ للأزياء التي شاعت في أوربة وحدها في غضونه من تحول آراء الأوربيين وأذواقهم في الأزياء ومحافظة العرب على أزيائهم التي ألِفوها منذ اثني عشر قرناً مما يدل على ثبات تقاليدهم، أجل، لم تكن أزياء المسلمين واحدة في جميع أنحاء إفريقية ومصر وسورية وجزيرة العرب، ولكنه يسهل تبيُّن ما بينها من الشبه العظيم، وهي تُرَدُّ إلى جلباب وعباءة دائماً، والعباءة زرقاء أو سوداء في مصر، وبيضاء في الجزائر، ومخططة بخطوط بيضٍ وسود في سورية ... إلخ. وقد يكون غطاء الرأس أكثر ما يتحول من الأزياء العربية، ومع ذلك فإن غطاء الرأس قد تحول ضِمن دائرة ضيقة، ففي مصر يلبسون الطربوش والعمامة، وفي سورية يلبسون الكوفية، وهي مِنديلٌ زاهي الألوان يُلفُّ به الرأس، وهو مصنوع من وبر الإبل، وفي الجزائر يُستر الرأس بغطاء أبيض يستقر عليه بشَطَن مماثل للعقال. وليس لأزياء النساء أنواع في غير الطبقات الموسرة، ويتألف لباس المرأة الفقيرة من حُلَّة طويلة مشدودة من الوسط بنطاق، ومن غطاءٍ لا يترك من الوجه شيئاً ظاهراً سوى

стр. 341

العينين، ويتألف ثوب المرأة المصرية من جلبابٍ أزرق مصنوع من القطن، ولا تعرف المرأة المصرية، ولا الشرقية، الِمشَد وما إلى المشد من وسائل التجميل المصنوعة، ومع ذلك فإن الفلاحة المصرية ذاتُ بختَرةٍ تائهة تدهش رجال الفن، وتذكرنا ببخترة إلاهات قدماء الأغارقة، والإنسان، وقتما يرى الفلاحة المصرية الناهدة الضامرةَ الكتف الحاملة إناءً على رأسها تمشي باتزان، يقطع حقاً بأن أمهر الخياطين في أوربة لم يُوفَّقوا لمنح المرأة الأوربية مثل هذه المشية على الرغم مما يلجأون إليه من وسائل التجميل المصنوعة الغالية. وأقول زيادةً على ما تقدم، وذلك لكيلا أعود إلى دراسة الأزياء عندما أبحث في شؤون عرب المدن، إن ملابس أغنياء العرب معقدة، ولكنها أنيقة، وهي مؤلفة من قُمُصٍ من الحرير أو الشُّفُوف، ومن صُدُراتٍ مطرزة بالذهب، ومن سراويل واسعة ... إلخ، وإن النساء يَلبَسن، وقتما يخرجن من بيوتهن، مآزرَ ويسترن وجوههن ببراقع. شكل ١ - ٧: أعربيتان من جوار بعلبك (سورية، من صورة فوتوغرافية). وليس من المفيد أن نسهب في بيان الزي عند العرب بأكثر مما تقدم، وما نشرنا في هذا السِّفر من الصور الكثيرة أفضل من كل إيضاح، فأرجو أن يتبين القارئ عالم الشرق، الذي يختلف عن عالمنا، من خلال صور الأزياء والأمثلة والمباني وما إليها أكثر

стр. 342

مما يوصف ذلك العالم الذي لا يتجلى من غير أن يُلْقَى في الروع باهر الصور وزاهي الألوان.

стр. 343

الفصل الثاني عرب المدن: طبائعهم وعاداتهم (١) المجتمع العربي إن مما يستوقف النظر ما نراه من التضاد بين ثبات نظم الشرقيين، وتسليمهم بالأمر الواقع الذي ليس له دافع، والإخاء السائد لمختلف طبقاتهم من جهةٍ وثَوْرات الأوربيين الدائمة وهرجهم وتنازعهم الاجتماعي من جهة أخرى. وأظهر ما يتصف به الشرقيون: هو أدبهم الجم، وحلمهم الكبير، وتسامحهم العظيم نحو الناس والأموال، ودعتهم ووقارهم في جميع الأحوال، واعتدالهم الكثير في الاحتياج، وقد منحهم إذعانهم الهادئ لمقتضيات الحياة طمأنينةً روحية قريبة من السعادة المنشودة على حين تورثنا أمانينا واحتياجاتنا المصنوعة قلقاً دائماً بعيداً من تلك السعادة. ومن السهل ذم ذلك التسليم الفلسفي وبيان محاذيره، ولا ينكر، مع ذلك، أن المفكرين الذين درسوا تقلبات الأمور لم يُوفقوا بعد لاكتشاف ما هو أكثر ملاءمةً لحكمة الحياة، فلا يجوز، والحالة هذه، ازدراء مزاجٍ نفسي يمنح المرء سعادة وطمأنينة وإن لم يساعد على تقدم الحضارة في كل وقت.

стр. 344

وليس من الصعب أن نَتَمَثل الحال التي كان عليها المجتمع العربي أيام ازدهار حضارة أتباع النبي بطريق البحث في حالة المجتمع العربي الحاضرة وفي حوادث الماضي، فقد دل وصفنا لحاضر العرب في مختلف الأقطار التي كانوا سادة لها على أن ما يشاهَد من أنُسهم وتسامحهم كان يشاهد أيام حضارتهم أيضاً، وقد وصفنا طبائعهم النبيلة وفروسيتهم، ورأينا أن أوربة المتبربرة اقتبستهما منهم. وإن ما نراه خاصاً بالطبقات الأوربية العليا من الأدب والوقار، هو من الأمور الشائعة بين مختلف طبقات الشرق كما أجمع عليه السياح، وإليك ما قاله الفيكولت فوغيه عندما تكلم عن تزاور أفقر طبقات العرب: «لا يسعني سوى الإعجاب بما يسود اجتماعات أولئك القَرَويين الفقراء من الوقار والأدب، وما أعظم الفرق بين اتزان أقوالهم ونُبْل أوضاعهم ولَغَط بني قومنا ووقاحتهم! » وأتيح لي، غير مرة، أن أتصل بكثير من العرب في مختلف أنحاء العالم الإسلامي، فقضيت العجب في كل مرة من الوقار والترحاب اللذين كان يستقبلني بهما أناسٌ لا تعلو طبقتهم الاجتماعية طبقة فلاحي أوربة، لا فرق في ذلك بين أن يكون رب البيت فقيراً أو غنياً، وذلك أن الواحد منهم يتقدم نحوك ليُحَيِّيَك على الطريقة الشرقية، أي بوضع يده على صدره وجبينه، وليدعوك إلى الجلوس على متكأ في صدر البيت المقابل للباب، ثم يعرض عليك سيغارة أو نارجيلة للتدخين وقهوة للشرب، وينتظر منك بأدب أن توضح له سبب زيارتك. (٢) المدن العربية، البيوت، الأسواق ... إلخ (٢ - ١) المدن العربية يكفي كثير من المدن العربية الحاضرة، كدمشق وبعض الأحياء في القاهرة؛ لتصور ما كانت عليه المدن العربية في سالف الأزمان، وقد تكلمتُ عن منظر شوارعها الملتوية المشوشة غير مرة، ولا فائدة في الرجوع إلى ذلك الآن، وإذا ما أغضَيْتَ عن المدن الشرقية التي تلمس فيها نفوذ الأوربيين، كالمدن الساحلية السورية مثلاً، رأيت شبهاً عظيماً بين مدن الشرق قاطبة، فالسائح الذي ينتقل إليها فجأةً بقوة ساحر يَعْلَم من فوره حقيقة الجزء الذي هو فيه من الكرة الأرضية.

стр. 345

وتنقطع الحركة في شوارع جميع المدن العربية مع غروب الشمس، وتُغلق الحوانيت في ذلك الوقت، ويدخل الناس بيوتهم، ولا يخرج الإنسان من بيته ليلاً إلا حاملاً فانوساً لعدم الإنارة المصنوعة. ولا عهد للشرقيين بما في مدن أوربة من الحركة الليلية ومن الحوانيت والقهوات المضاءة بأبهى الأنوار، ومع ذلك يجد الشرقيون في حياتهم المنزلية من الروعة ما يستغنون به عن ملاهي الليل، فإذا قُيِّض لأناس منهم أن يزوروا أوربة بهرتهم حركة مدنها الليلية، وقالوا: إن مَلال الغربيين في بيوتهم يدفعهم إلى الخروج منها وملازمتهم الأندية أو القهوات، وقد قال لي تاجر بغدادي وقور زار عواصم أوربة كثيراً: «إن ذلك من النتائج السيئة للاقتصار على زوجة واحدة لا ريب.» شكل ٢ - ١: شارع قديم في القاهرة (من صورة فوتوغرافية) وليست شوارع الشرق موضوع عناية أحد، وترك أمر إزالة ما يُلقَى فيها من الأقذار للكلاب، والكلاب لا تترك منها شيئاً، ولا صاحب لهذه الكلاب التي تشتمل كل مدينة على الألوف منها فتعيش جماعات يكون في كل حي واحدة منها، ولا يخرُج كلب من حي من

стр. 346

غير أن يمزق، ولذا ليس من الممكن أن يقتني رجل كلباً في الشرق، فإذا ما حدث أن كان له كلب وقطع معه شارعاً مزقته كلاب الأحياء التي يمر منها حتماً. ويعامل الشرقيون الكلاب وجميع الحيوانات برفق عظيم، ولا ترى عربياً يؤذي حيواناً، وإيذاء الحيوان من عادة سائقي العربات في أوربة، وليس من الضروري، إذن، أن يؤلف العرب جمعيات رفقٍ بالحيوان. شكل ٢ - ٢: شارع في طنجة (مراكش، من صورة فوتوغرافية). والحق أن الشرق جنة الحيوانات، وفي الشرق تراعى الكلاب والهِرَرَة والطيور ... إلخ، وتحلق الطيور في المساجد، وتوكر في أطنافها مطمئنة، وتأوي الكَرَاكِيُّ إلى الحقول من غير أن تؤذى، ولا تجد صبياً يمس وكناً، وقد قيل لي في القاهرة بصيغة التوكيد، وهذا يؤيد ما ذكره بعض المؤلفين، إن في القاهرة مسجداً تأتيه الهررة في ساعاتٍ معينة؛ لتتناول طعامها وفق شروط أحد الواقفين منذ زمن طويل. وجزئيات كتلك تدل على طبائع الأمة، وتدل على درجة افتقار الأوربيين إلى تعلُّم الشيء الكثير من حلم الشرقيين وأنسهم. ولا يعرف الشرق من أمور العربات سوى الشيء اليسير، ولا ترى في الشرق غير طرق قليلة صالحة لسير العربات، ولا يعتمد الشرقيون في شؤون النقل إلا على الخيل والجمال والحمير، والناس في مصر يستخدمون الحمير على الخصوص، والناس في

стр. 347

القاهرة يركبون الحمير في جولاتهم اليومية، والحمير المصرية أجمل من الحمير الأوربية التي فَقدت صِيتها، ولا يرى علية القوم في مصر ولا نساؤهم غضاضةً في امتطائها. شكل ٢ - ٣: دابة في القاهرة (من صورة فوتوغرافية التقطها سباه). ولكل حمار في مصر سائق يدفعه إلى العَدْو بصوته أكثر مما بعصاه، ولا يطيع الحمار المصري غير سائقه، ولا يأبه لكل حث يقوم به أي سائق مؤقت آخر. (٢ - ٢) المساكن يميل سكان المدن من العرب إلى إنشاء مساكنهم على الطراز الأوربي في الوقت الحاضر، ولذلك تصبح القصور العربية القديمة نادرة جداً. وتشاهد أجمل البيوت المبنية على الطراز العربي في دمشق، وليس في مناظر هذه البيوت الخارجية ما يستوقف النظر على العموم، وفي داخل المنازل، لا في خارجها، تتجلى حياة الشرقيين الذين لا يضحون بشيء في سبيل المظاهر، وتدخل تلك البيوت، على العموم،

стр. 348

من مسلك ضيق مقبَّب يجلس فيه الخدم، وإذا ما انتهيت منه دخلت ساحةً كبيرة، وإن شئت فقل حديقةً مُفَرَّشَة بالرخام ومشتملة في وسطها على حوض محاط بأشجار الصفصاف والبرتقال والليمون والرمان وأنواع الرياحين التي تنشر شذاها داخل البيت، ويحيط بتلك الساحة أقسام البيت الصالحة للسكن، والتي يحتوي داخلها كل زخرف عجيب، والصورة التي التقطناها عن داخل أجمل قصور دمشق فنشرناها في فصل آخر أفصح دليل على ذلك، والوصف أعجز من أن يُصوِّر لنا ما لِسُقُفِهِ من الروافد الناتئة والأشكال الهندسية المجوَّفة التي نقش المتفننون أجمل النقوش العربية على خشبها الأرزي والحماطي، والوصف أعجز من أن يصور لنا، كذلك، رسوم قطعه الزجاجية العجيبة، وجُدُره المكسوة خطوطاً وكتاباتٍ، وأفاريزه المتدلية التي تربط السقف بجوانب حياطه. وتقسم الردهة المهمة المرتفعة ارتفاع طبقتين في ذلك القصر إلى ثلاثة أقسام على العموم، وتحيط هذه الأقسام بساحة مبلطة، وتتوسط هذه الساحة فِسْقِيَّةٌ رخامية منقوشة مثمَّنَة الزوايا فوارة. ويتألف رياش ذلك القصر من أريكة كبيرة مغطاة بالحرير المطرز بالذهب والفضة حول حياط ردهته، وتشتمل بقية أمتعته على متكآت ومقاعد صدفيةٍ ومشاكٍ مستورةٍ بالرخام والخشب الثمين والزجاج والميناء الفارسي؛ لتوضع فيها الأواني الصينية والفضة وفناجين القهوة المستقرة بظروف صغيرة مُخَرَّمة والنارجيلات والمباخر ... إلخ. وينشد العربي الراحة في تلك الملاجئ الهادئة الساحرة العطرة التي يتخللها الرُّخاء ولا ينفُذ من نوافذها سوى ضياء قليل، ولا يعكر صفوها غير خرير ماء الحياض المرمرية، ويستطيع العربي الذي تحيط نساؤه به هنالك أن يطلق لخياله العنان فيُخيَّل إليه أنه انتقل إلى جنة محمد من خلال دخان نارجيلته. ويختلف طراز البيوت العربية في الجزائر ومراكش بعض الاختلاف عن طراز بيوت العرب في دمشق، فقد استُبدلت القاعة فيها بالحدائق لضيق الاتساع، وتحيط بالقاعة أجزاء المسكن. وإذا ما نظر الإنسان إلى تلك البيوت من الخارج رآها مكعباتٍ حجريةً بيضاً كبيرةً تعلوها سطوح، ويَنفُذ النورُ إلى أجزائها من قاعاتٍ محاطة بأقواس تقوم عليها طبقات من الأروقة التي تدخل الغرف منها، وهي مُبلطة بالآجر المطلي، ويغطي الميناء جدرانها، ويستر الخشب المحفور سقوفها من الداخل، ويتألف أثاثها من الحُصر والبُسُط ومن

стр. 349

مُتَّكأٍ يوضع في أقصى الغرفة ويَصلح للجلوس في النهار والنوم في الليل، ومن صناديق خشبية مدهونة لصيانة الثياب والحلي، ويُستر أعلى تلك القاعات بنُسُجٍ ذات حبال مربوطة بكلاليب على السطوح منعًا لحرارة الشمس، والواقع أن البيوت القائمة على هذا الطراز تلائم البلاد الحارة، وأن الناس في المدن العربية القديمة في إسبانية، ولا سيما في إشبيلية، يشيدون بيوتهم على طرازها حتى الآن. شكل ٢ - ٤: باب بيت قديم في القاهرة (من صورة فوتوغرافية التقطها المؤلف). وفن عمارة إحدى الأمم عنوان صادق لاحتياجاتها، وإذا ارتحلت أمة عن قطر إلى آخر حوَّلت فن عمارتها إلى ما يلائم بيئتها الجديدة، ولهذا نرى اختلافاً بين البيوت العربية في القاهرة، مثلاً، والبيوت الموصوفة آنفاً؛ ففي المدن الكبيرة كالقاهرة، حيث تضيق المساحات، تقام البيوت على ثلاث طبقات في الغالب، ولا تكون رداهها مرتفعة كما في دمشق، وتفتح نوافذها على الشوارع لعدم كفاية قاعاتها الضيقة لتجديد هوائها، ولكن العرب إذ يرون أن تكون النوافذ مغلقة أمام الغرب لم يُعَتِّموا أن اخترعوا الشبابيك الخشبية ذات التخاريم وسموها المشربيات.

стр. 350

والآن لا يُرى في القاهرة غير عدد قليل من البيوت القديمة التي أنشئت على طراز العمارة في عصر الخلفاء والتي تنقلب إلى خرائب، وأذكر منها بيت مدير المساجد العام، ويرى أغنياؤها في الوقت الحاضر إنشاء بيوتهم على الطراز الأوربي لما يجدون فيها من الهيف! وتمتاز البيوت القديمة في القاهرة من بيوت كثير من المدن الشرقية بأبوابها المزخرفة إلى الغاية. (٢ - ٣) الأسواق الأسواق من أهم أجزاء المدن في الشرق، فيرى في كل مدينة مهمة كثير من الأبنية التي يتألف من مجموعها حي للتجارة وحدها يسمى السوق، وتحتوي السوق على أروقة طويلة مغطاة بألواح أو حصر، وعلى دكاكين متجمعة على حسب أنواع السلع، ويضاف نوع السلع التي تباع في الرواق إلى كلمة السوق فتُعَين بذلك فيقال، مثلاً، سوق الأسلحة وسوق الأزياء وسوق الأبازير ... إلخ، وإذا عَدَوْت كُبريات المدن لم تجد غير السوق مكاناً للبيع ولو كانت السلع مما يستهلك يومياً. ولا شبه بين الدكاكين الشرقية المظلمة والحوانيت الأوربية، ولا عهد للدكاكين الشرقية بفن العرض على الخصوص، وتبدو هذه الدكاكين مُجوفات مظلمة يترجح عرضها بين مترين وثلاثة أمتار ولا تزيد على هذا طولاً، وتكون السلع مُنضَّدةً فيها، ويجلس البائع أمامها، وتحتوي على ثروات واسعة أحياناً مع حقارة منظرها. والسوق مَلْقَى الناس المفضل في الشرق، وهي المكان الوحيد الذي يكون فيه شيء من النسيم في الغالب، والنساء يقصدنه ليمكثن فيه مدة ساعات. والرجال وحدهم هم الذين يقومون في الشرق بإدارة شؤون دكاكين الأسواق، ومنها دكاكين النصارى. وينتظر التاجر المشتري أمام دكانه متزناً صابراً، ولا يزعج أحداً من المارين ما لم يكن التاجر يهودياً، فإذا كان التاجر يهودياً ألحف على المشتري بدناءةٍ، فلم يستطع أن يتخلص منه إلا بعد عناء كبير.

стр. 351

عربُ المدن: طبائعُهم وعاداتهم ومن عادات التاجر الشرقي، مهما كان جنسه، أن يطلب، أول وهلةٍ، خمسة أمثال ما تساويه سلعته، كما أن من العادات الثابتة ألا تتم الصفقة إلا بعد جدل طويل، وإذا كانت السلعة على شيء من القيمة استمرت المساومة أياماً كثيرة، وقد اقتضى اشترائي للنارجيلة النحاسية المكفَّتَة بالفضة، والتي نشرتُ صورتها في هذا الكتاب، مساومةً دامت أسبوعاً كاملاً، فكأن الشرقي لا يخرج عما يملِك إلا بعناء، فعلى من يرغب في ابتياع شيء من الشرقي أن يكون صبوراً مثله. شكل ٢ - ٥: سقف بيت عربي قديم في القاهرة (من صورة فوتوغرافية التقطها المؤلف). (٣) الأعياد والاحتفالات: الولادة، والختان، والزواج، والدفن (٣ - ١) الولادة والختان الولادة من أفراح العرب الخاصة، والختان من أفراحهم العامة، فإذا بلغ الصبي السنة السادسة أو السابعة من عمره خُتِن، ويوم الختان يُسار بالصبي في موكب عظيم في المدينة لابساً أفخر الثياب، مبرقع الوجه، راكباً حصاناً مجهزاً بأثمن عُدة، ومخفراً بأولاد آخرين لابسين مثله، ويتقدم الموكب الحلاق الذي سَيَخْتِنه ورجال الموسيقا، ويعترض النساء بين الفينة والفينة للموكب مُزَغْرِدَات، ثم يصل الموكب إلى المسجد المُنَار بأبهى

стр. 352

الأنوار، ثم يسار منه إلى بيت الأبوين؛ ليتناول الناس الطعام من مائدتهما، ثم يُبدأ بالألعاب التمثيلية في الغالب، ويختن الحلاق الصبي عند الانتهاء من الأكل وعلى صوت الصنوج خَنْقًا لصوته، ويُحيي المدعوون الكثيرون ليلتهم بشرب المرطبات والقهوة والنارجيلات. (٣ - ٢) الزواج تُعد حفلات الزواج من الأفراح كحفلات الختان، وأقتصر الآن على بيان الأعراس دراساً في فصل آخر حال المرأة في الشرق: حينما يرغب الفتى في الزواج يُفوِّض إلى امرأة كبيرة العمر أن تبحث له في الأسر عن الفتيات الصالحات للزواج، ويختار واحدة ممن وصف له جمالهن وكمالهن، ثم يفوِّض إلى شخص أمر خطبها، وتُسأل المخطوبة عن رأيها صورةً، ولا يكون لديها ما يسوغ رفضها تَزَوُّجَه ما دامت لا تراه إلا بعد عقد الزواج، ثم يفاوض الخطيب أباها في مقدار مهرها، وذلك لأن الرجل هنالك، لا المرأة كما في أوربة، هو الذي يدفع المهر، فإذا تمت المفاوضة جاء الخطيب ومعه أصدقاء له إلى بيت حماه حيث يكون منتظراً إياه هو وبعض الأصدقاء والشهود وأحد الكتبة، وعندئذ يُلفظ بصيغة العقد الشرعية، ويُدوِّن الكاتب ما وقع، وبهذا يكون عقد النكاح قد انتهى شرعاً، ومن هنا ترى أن ذلك الزواج عقد خاصلاً يتطلب تأييداً دينياً أو مراسم مدنية، ولا تُزفُّ العروس إلى زوجها إلا بعد أيام تقام فيها الحفلات، وتُرسَل العروس المبرقعة في موكبٍ مؤلَّف، من الأصحاب والموسيقيين إلى الحمَّام، ثم تعود إلى بيت أبيها حيث الموائد، وتُبعث مبرقعةً في اليوم التالي إلى بيت زوجها المعَدِّ المُنَار بعناية لاستقبالها، وذلك في وسط موكبٍ تتقدمه جماعة من الموسيقيين والمهرجين والمصارعين، فإذا ما انصرف الناس أمكنَ الزوج أن يرفع النِّقاب عن زوجه وأن يتأمَّلها لأول مرة. ولا تقام تلك الحفلات إلا في الأحوال التي يكون فيها عقد نكاح، وعندما لا يصار إلى طريقة عقد النكاح يذهب المرء إلى أسواق النخاسة الكثيرة التي لا تزال موجودة في الشرق، ولا سيما في القاهرة، مع إنكار وجودها في الكتب، ويأخذ واحدةً من الإماء الشركسيات أو الكَرْجِيات الحِسان بمبلغٍ قد يصل أحياناً إلى ستة آلاف فرنك، وتكون هذه الأمَة من الأسرة، وتكون لأولادها ما لأولاد الزوجات من الحقوق، ويعامَل الإماء برفق ولا يُفكِّرن في التحرر، وإن كان التحرر من الأمور السهلة إلى الغاية، فما عليهن في

стр. 353

شكل ٢ - ٦: نافذة في قاعة الحريم من قصر أسعد باشا بدمشق (من صورة فوتوغرافية التقطها المؤلف). مدينةٍ كالقاهرة، التي تعاني مناحي أوربة، إلا أن يذهبن إلى أولياء السلطة؛ ليُعْرِبْن عن رغبتهن فيه. (٣ - ٣) المآتم مراسم الدفن عند المسلمين فخمة فخامة مراسم الزواج، فالميت يوضع، بعد أن يُكَفن، في تابوت ويغطى التابوت بشالٍ كشميري، ويتناوب حَملَه خمسة أو ستة من أصدقائه، ويتقدم الجنازة فريق من العُميان والمساكين مُرتلين بعض آي القرآن، ويأتي خلفها الأقرباء والأصحاب والنائحات، ويصلى على الميت في المسجد، ثم يُدفن في المقبرة، ويوجه وجهه إلى مكة، وإذا كان الميت عظيماً أقيم حول قبره بنيان مكعب تعلوه قبَة، وإذا حلت الأعياد زينت القبور بالأزهار، وقضى النساء أياماً حولها بالدعاء.

стр. 354

(٤) مختلف عادات العرب: الحمامات، القهوات، التدخين، تعاطي الحشيش) (٤ - ١) الحمَّامات شكل ٢ - ٧: سقف بيت حديث بدمشق (من تصوير بورغوان) حمامات الشرق أفضل من حمامات الغرب صحةً وراحةً، وهي، عدا ذلك، محلٌّ للاجتماع والمحادثة، ولا تَقِلُّ شأناً عما كان لها عند قدماء الرومان. وتُنْشَأ حُمامات الشرق على نمطٍ واحد، ولا يختلف بعضها عن بعض في غير الزينة والنفائس. ويوجد مُتكأ كبير، في ردهة الحمام حيث يستريح المستحم ويخلع ثيابه وتُحفَظ، وتُرى فِسْقِيَّةٌ من الرخام في الوسط، ويَتَلَفَّف المستحم بمِنْشَفَة، وينتعل نعلاً من الخشب، ويدخل غرفةً تبلغ حرارتها نحو خمسين درجة، ويستلقي على بلاطةٍ من الرخام ويُمسَّد، ثم يدخل غرفةً ثالثة ويُدلَّك جسمه، ويُغسَّل بالصابون ويتوضأ، ويُصب الماء

стр. 355

الفاتر والبارد عليه غير مرة، ثم يعود إلى تلك الردهة ويستلقي على ذلك المتكأ مشتملاً بالمناشف ويشرب النارجيلة والقهوة، ولا شيء ينعش الإنسان، بعد نصب النهار، مثل ذلك الاستحمام، فنتمنى أن يشتمل جميع مدن أوربة المهمة على مثل تلك الحمامات. (٤ - ٢) القهوات والتدخين وتعاطي الحشيش يتردد الناس هنالك كثيراً إلى القهوات، ولكن لا عهد لتلك القهوات بما في قهوات أوربة من وسائل الترف، وذلك أن متاع تلك القهوات يتألف من حصرٍ وأكواب ونارجيلات في الغالب، ومع ذلك تمتاز القهوة التي تُعْرَض فيها بحسن الصنع، والأوربي الذي يتعودها في الشرق لا يعود إلى نقيع القهوة في بلاده إلا على مَضَض. شكل ٢ - ٨: موكب عرس في القاهرة (من صورة فوتوغرافية التقطها سباه). وليس بمجهولٍ أن معرفة الشرقيين للقهوة أمر حديث، وأنهم لم يعرفوها أيام ازدهار حضارة العرب. ومن العادة في الشرق أن يتناول المرء، في أثناء شرب القهوة، التبغ الأشقر العَطِرَ اللذيذ الذي لا يعرف الغرب غير نوعٍ مقَلَّد منه، وفي الشرق يستعملون ذلك التبغ على العموم في النارجيلات الطويلة الأنابيب وذات النماذج الكثيرة، فيمر الدخان من آنيتها
следующие страницы →