← Общие книги

Общие книги · id 150939

حضارة العرب - غوستاف لوبون

غوستاف لوبون

Полный текст (598 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

عربُ المدن: طبائعُهم وعاداتهم ومن عادات التاجر الشرقي، مهما كان جنسه، أن يطلب، أول وهلةٍ، خمسة أمثال ما تساويه سلعته، كما أن من العادات الثابتة ألا تتم الصفقة إلا بعد جدل طويل، وإذا كانت السلعة على شيء من القيمة استمرت المساومة أياماً كثيرة، وقد اقتضى اشترائي للنارجيلة النحاسية المكفَّتَة بالفضة، والتي نشرتُ صورتها في هذا الكتاب، مساومةً دامت أسبوعاً كاملاً، فكأن الشرقي لا يخرج عما يملِك إلا بعناء، فعلى من يرغب في ابتياع شيء من الشرقي أن يكون صبوراً مثله. شكل ٢ - ٥: سقف بيت عربي قديم في القاهرة (من صورة فوتوغرافية التقطها المؤلف). (٣) الأعياد والاحتفالات: الولادة، والختان، والزواج، والدفن (٣ - ١) الولادة والختان الولادة من أفراح العرب الخاصة، والختان من أفراحهم العامة، فإذا بلغ الصبي السنة السادسة أو السابعة من عمره خُتِن، ويوم الختان يُسار بالصبي في موكب عظيم في المدينة لابساً أفخر الثياب، مبرقع الوجه، راكباً حصاناً مجهزاً بأثمن عُدة، ومخفراً بأولاد آخرين لابسين مثله، ويتقدم الموكب الحلاق الذي سَيَخْتِنه ورجال الموسيقا، ويعترض النساء بين الفينة والفينة للموكب مُزَغْرِدَات، ثم يصل الموكب إلى المسجد المُنَار بأبهى

стр. 352

الأنوار، ثم يسار منه إلى بيت الأبوين؛ ليتناول الناس الطعام من مائدتهما، ثم يُبدأ بالألعاب التمثيلية في الغالب، ويختن الحلاق الصبي عند الانتهاء من الأكل وعلى صوت الصنوج خَنْقًا لصوته، ويُحيي المدعوون الكثيرون ليلتهم بشرب المرطبات والقهوة والنارجيلات. (٣ - ٢) الزواج تُعد حفلات الزواج من الأفراح كحفلات الختان، وأقتصر الآن على بيان الأعراس دراساً في فصل آخر حال المرأة في الشرق: حينما يرغب الفتى في الزواج يُفوِّض إلى امرأة كبيرة العمر أن تبحث له في الأسر عن الفتيات الصالحات للزواج، ويختار واحدة ممن وصف له جمالهن وكمالهن، ثم يفوِّض إلى شخص أمر خطبها، وتُسأل المخطوبة عن رأيها صورةً، ولا يكون لديها ما يسوغ رفضها تَزَوُّجَه ما دامت لا تراه إلا بعد عقد الزواج، ثم يفاوض الخطيب أباها في مقدار مهرها، وذلك لأن الرجل هنالك، لا المرأة كما في أوربة، هو الذي يدفع المهر، فإذا تمت المفاوضة جاء الخطيب ومعه أصدقاء له إلى بيت حماه حيث يكون منتظراً إياه هو وبعض الأصدقاء والشهود وأحد الكتبة، وعندئذ يُلفظ بصيغة العقد الشرعية، ويُدوِّن الكاتب ما وقع، وبهذا يكون عقد النكاح قد انتهى شرعاً، ومن هنا ترى أن ذلك الزواج عقد خاصلاً يتطلب تأييداً دينياً أو مراسم مدنية، ولا تُزفُّ العروس إلى زوجها إلا بعد أيام تقام فيها الحفلات، وتُرسَل العروس المبرقعة في موكبٍ مؤلَّف، من الأصحاب والموسيقيين إلى الحمَّام، ثم تعود إلى بيت أبيها حيث الموائد، وتُبعث مبرقعةً في اليوم التالي إلى بيت زوجها المعَدِّ المُنَار بعناية لاستقبالها، وذلك في وسط موكبٍ تتقدمه جماعة من الموسيقيين والمهرجين والمصارعين، فإذا ما انصرف الناس أمكنَ الزوج أن يرفع النِّقاب عن زوجه وأن يتأمَّلها لأول مرة. ولا تقام تلك الحفلات إلا في الأحوال التي يكون فيها عقد نكاح، وعندما لا يصار إلى طريقة عقد النكاح يذهب المرء إلى أسواق النخاسة الكثيرة التي لا تزال موجودة في الشرق، ولا سيما في القاهرة، مع إنكار وجودها في الكتب، ويأخذ واحدةً من الإماء الشركسيات أو الكَرْجِيات الحِسان بمبلغٍ قد يصل أحياناً إلى ستة آلاف فرنك، وتكون هذه الأمَة من الأسرة، وتكون لأولادها ما لأولاد الزوجات من الحقوق، ويعامَل الإماء برفق ولا يُفكِّرن في التحرر، وإن كان التحرر من الأمور السهلة إلى الغاية، فما عليهن في

стр. 353

شكل ٢ - ٦: نافذة في قاعة الحريم من قصر أسعد باشا بدمشق (من صورة فوتوغرافية التقطها المؤلف). مدينةٍ كالقاهرة، التي تعاني مناحي أوربة، إلا أن يذهبن إلى أولياء السلطة؛ ليُعْرِبْن عن رغبتهن فيه. (٣ - ٣) المآتم مراسم الدفن عند المسلمين فخمة فخامة مراسم الزواج، فالميت يوضع، بعد أن يُكَفن، في تابوت ويغطى التابوت بشالٍ كشميري، ويتناوب حَملَه خمسة أو ستة من أصدقائه، ويتقدم الجنازة فريق من العُميان والمساكين مُرتلين بعض آي القرآن، ويأتي خلفها الأقرباء والأصحاب والنائحات، ويصلى على الميت في المسجد، ثم يُدفن في المقبرة، ويوجه وجهه إلى مكة، وإذا كان الميت عظيماً أقيم حول قبره بنيان مكعب تعلوه قبَة، وإذا حلت الأعياد زينت القبور بالأزهار، وقضى النساء أياماً حولها بالدعاء.

стр. 354

(٤) مختلف عادات العرب: الحمامات، القهوات، التدخين، تعاطي الحشيش) (٤ - ١) الحمَّامات شكل ٢ - ٧: سقف بيت حديث بدمشق (من تصوير بورغوان) حمامات الشرق أفضل من حمامات الغرب صحةً وراحةً، وهي، عدا ذلك، محلٌّ للاجتماع والمحادثة، ولا تَقِلُّ شأناً عما كان لها عند قدماء الرومان. وتُنْشَأ حُمامات الشرق على نمطٍ واحد، ولا يختلف بعضها عن بعض في غير الزينة والنفائس. ويوجد مُتكأ كبير، في ردهة الحمام حيث يستريح المستحم ويخلع ثيابه وتُحفَظ، وتُرى فِسْقِيَّةٌ من الرخام في الوسط، ويَتَلَفَّف المستحم بمِنْشَفَة، وينتعل نعلاً من الخشب، ويدخل غرفةً تبلغ حرارتها نحو خمسين درجة، ويستلقي على بلاطةٍ من الرخام ويُمسَّد، ثم يدخل غرفةً ثالثة ويُدلَّك جسمه، ويُغسَّل بالصابون ويتوضأ، ويُصب الماء

стр. 355

الفاتر والبارد عليه غير مرة، ثم يعود إلى تلك الردهة ويستلقي على ذلك المتكأ مشتملاً بالمناشف ويشرب النارجيلة والقهوة، ولا شيء ينعش الإنسان، بعد نصب النهار، مثل ذلك الاستحمام، فنتمنى أن يشتمل جميع مدن أوربة المهمة على مثل تلك الحمامات. (٤ - ٢) القهوات والتدخين وتعاطي الحشيش يتردد الناس هنالك كثيراً إلى القهوات، ولكن لا عهد لتلك القهوات بما في قهوات أوربة من وسائل الترف، وذلك أن متاع تلك القهوات يتألف من حصرٍ وأكواب ونارجيلات في الغالب، ومع ذلك تمتاز القهوة التي تُعْرَض فيها بحسن الصنع، والأوربي الذي يتعودها في الشرق لا يعود إلى نقيع القهوة في بلاده إلا على مَضَض. شكل ٢ - ٨: موكب عرس في القاهرة (من صورة فوتوغرافية التقطها سباه). وليس بمجهولٍ أن معرفة الشرقيين للقهوة أمر حديث، وأنهم لم يعرفوها أيام ازدهار حضارة العرب. ومن العادة في الشرق أن يتناول المرء، في أثناء شرب القهوة، التبغ الأشقر العَطِرَ اللذيذ الذي لا يعرف الغرب غير نوعٍ مقَلَّد منه، وفي الشرق يستعملون ذلك التبغ على العموم في النارجيلات الطويلة الأنابيب وذات النماذج الكثيرة، فيمر الدخان من آنيتها

стр. 356

المملوءة بالماء متطهِّراً بذلك من عناصره السامة قبل أن يصل إلى الأفواه، ويُبَلل التبغ، ويوضع في أعلى النارجيلات، وتوضع عليه نُوَيْرَاتٌ تحترق مع التنفس من أطراف تلك الأنابيب الأخرى، وتجد السيغارة شائعةً في الشرق، ويجهل الشرق السيغار. والحشيش، الذي هو مادة مُسكِرة، من أهم وسائل اللهو والتسلية عند أمم الشرق منذ قرون، والفلاح الشرقي الحقير يصبح وقتما يتعاطاه سعيداً حيناً فلا يَرْضَى بحظ أعظم ملوك الأرض بدلاً من حظه، والشرقيون قد حَلُّوا بفضله مشكلة وضع السعادة في الزجاجة التي لا تَعْسُرُ حيازتها، وإذ لا يزال ذا شأن عظيم في حياتهم نرى من المفيد أن نقول كلمةً في خواصه: يُصْنَع الحشيش من القِنَّب الهندي كما يَعلم العالم، ويباع في القاهرة والقسطنطينية على العموم كَمُرَبَّبٍ وحلوى ومعجون ومُلَبَّس ... إلخ، ويُمْزَج، لتعديل خواصه، بجَوز القَيْءِ والزنجبيل والقرفة والقرنفل وما إلى ذلك، وكذلك بالذُّرَّاح على ما يقال. ويظهر أن الحشيش كان معروفاً في القرون القديمة ولم يُستَخْرج التِّرياق، الذي حكى عنه أوميرس والمادة التي رَوَى ديودورس الصِّقِلِّيُّ أن نساء ديوسكوبوليس المصرية كن يُزِلْن بها هموم أزواجهن وغضبهم، من غير القِنَّب الهندي على ما يظن، ومما لا ريب فيه أن أمر الحشيش كان شائعاً في سورية أيام الحروب الصليبية. وللأثر الذي ينشأ عن تناول الحشيش علاقة بحال الإنسان الروحية، وأرى أن أثره النفسي يُلَخَّص بأنه يُجسِّم الخيالات التي تجول في النفس، وأن هذه الخيالات تَشْتَدُّ وتُمزَج بالحقائق، فإذا كانت النفس طيبة غَرِقَت على العموم في بحر من الملاذِّ بما يلائم ما تبالي به من الأعمال عادةً، وعلى هذا الوجه يرى الشرقيون الذين يتناولون الحشيش بين حريمهم أنهم يُنْقَلون إلى ما في جنات محمد من حُور العِين مسحوري العيون برقص نسائهم مُشَنَّفِي الآذان بأغانيهنَّ. ولم يُدْرس تأثير الحشيش، من الناحية العلمية، درساً كافياً مع ما يؤدي إليه درسه من النتائج الطريفة في علم النفس، وقد ذكرنا في كتاب نشرناه حديثاً عن تأثير الحشيش النفسي أنه ينشأ عن تعاطيه انفتاقُ شخصية الإنسان كما يحدث للسائر في النوم، فتقوم الذات غير الشاعرة التي تكون راقدةً في الأحوال العادية، والتي هي أساس حركة الإنسان بالحقيقة، مقامَ الذات الشاعرة، فيَفْقِدُ الإنسان كيانه، ويُحدِّث عن نفسه إلى شخص ثالث، ويبدو التغير في قوله وسلوكه وأخلاقه، وتظهر حقيقة أمره، وهنالك

стр. 357

يمكن حمله على إظهار سَرَائِره، وقد يستعان بالحشيش في الأحوال الخطرة؛ فيعترف به بعض المجرمين بذنوبهم، ويُجتَنَب الخطأ القضائي بذلك. (٥) الألعاب والتمثيل والراقصون والقاصُّون ... إلخ تختلف ألعاب العرب قليلاً عما نعرفه في أوربة، فلعبة الشطرنج ولعبة النرد ولعبة الدامة مما ألفه العرب، والمصارعة والرماية ولعبة الكرة، والمسايفة ولعبة الصولجان مما هو شائع بين العرب، ولعبة الرمح، وسباق الخيل من أكثر ما يولَع به الأعراب. والتمثيل من وسائل التسلية عند الشرقيين أيضاً، ولكن الممثلين في الشرق يكونون من اللُّعَب في الغالب، أو، كما رأيتُ بنفسي، من الأشخاص الذين لم يَحذِقوا فن التمثيل أحياناً فيُلقُون فصولهم برصانة كالقارئ من غير أن تَمُتَّ أوضاعهم بصلةٍ إلى حقيقة ما يرغبون في الإعراب عنه من العواطف. ويتذوَّق الشرقيون الموسيقا والأغاني كثيراً، وقلما تدخل قهوة شرقية من غير أن تسمع فيها ما لا يروق الأوربيين من ألحان الرباب والكمان والمزمار الحادة المحزنة. ويُعَدُّ الرقص في الشرق من الأمور التي يقوم بها أشخاص مأجورون، ويَحْمَرُّ وجه العرب خجلاً من الرقص العلني الذي يشابه رقص الأوربيين في الرِّداه العامة، وليس مما يلائم الذوق السليم عند العرب أن يَرقُص رجل مُتزن في المسرح على أنغام آلات الطرب. والنساء اللائي يُلَقبن بالعوالم هن اللاتي يرقصن في الشرق، والرَّقَصَات التي رأيتها في مدن آسية وإفريقية ومصر العليا أقل من شهرتها، وتتألف هذه الرَّقَصات من حركة البطن والخصر دون بقية البدن، ورقصة السيف التي شاهدتها ليلاً حول وَقْدَةٍ في أريحا من أروع تلك الرَّقَصَات، فقد اشتركت فيها فلاحات شاهرات سيوفاً رفيعةً كُنَّ يُدِرْنَهَا حول رأسي زاعقاتٍ في أذِي على حين كانت الراقصاتُ الأخر يغنين أغانٍ يمتدحن فيها ما يَفْتَرِضْنَ وجوده في الضيف من الجاه والصيت والكرم، وكُنَّ يقلنَ مثلاً: إنه قهر أعداءه، وإن ذراعه لا تَنْثَنِي، وإن فرائص أقوى الشجعان ترتعد فَرَقاً حين سماع صوته ... إلخ، وتتجلى مهارة الراقصات في مَسِّهِنَّ بالسيوف رأس الضيف الكريم من غير أن يَجْرَحْنه، وقد حاولتُ عَبَثاً أن أحمِل أولئك الفَتَيات الأعرابيات على إبداء ذلك الحِذْق فوق رءوس أبناءِ قومهن، مع أن الشيخ المفوَّض إليه أمرُ حراستي أخبرني بأن من النادر إصابةَ أحدٍ من ذلك بأذى.

стр. 358

شكل ٢ - ٩: نارجيلة عربية مصنوعة من النحاس المكفت بالفضة (من صورة فوتوغرافية التقطها المؤلف). ولم يبقَ لعوالم مِصر العليا ما كان لهن في غابر الأزمان من رَوْنَقٍ وبهاء، واللباس الذي يَلْبَسْنَه أمام الجمهور هو جِلبابٌ طويلٌ يَفقِدْن به كلَّ رَوعةٍ، ولكنهن إذا ما كن بين الخُلَّان خلعنه بسهولةٍ، ورقصن لابساتٍ ثوباً بسيطاً كالذي تَعزُوه القصة إلى حواء. وأعُد قصص العجائب التي يتلوها القاصُّون المحترفون من أهم وسائل التسلية عند العرب، وهؤلاء القاصون منتشرون في أنحاء الشرق، ولهم حُظوةٌ كبيرة في كل مكان، ويقص القاصون القصص ارتجالاً في بعض الأحيان، ويقتصرون في الغالب على إنشاد قصيدةٍ أو تلاوة قصَّةٍ من رواية ألف ليلة وليلة، ولا أزال أذكر أنني زُرت حياً من أحياء يافا الشعبية ذات ليلةٍ، فشاهدت فيه جَمعاً عربياً من الحمَّالين والنَّواتي والأجُراء ... إلخ، يستمعون على نور مصباحٍ إلى قصة عنترة بعناية، فتراني أشكُّ في نَيْلِ قاصٍّ مثل ذلك النجاح لو أَنْشَد جماعةً من فلاحي فرنسة ما تَيَسَّر من شعر لامارتين أو شاتوبريان.

стр. 359

شكل ٢ - ١٠: نارجيلة فارسية عربية (من صورة فوتوغرافية التقطها المؤلف). شكل ٢ - ١١: دكان صانع أسلحة عربي في سورية (من صورة فوتوغرافية).

стр. 360

وندرك ناحيةً من أخلاق العرب بما نراه من تأثير القاصِّين في الجمهور العربي الذي نعلَم أنه ذو حيوية مع وَقار، وقوة خيالٍ مع تمثيل، والذي يَبدو أنه يرى ما يَسمع، والذي يبلغ من فَرْطِ التأثُر ما يَظهر أنه يَسْمَعُه حقاً. قال أحد السياح صارخاً: «ليَنظر الإنسان إلى أبناء الصحراء أولئك حينما يستمعون إلى قصصهم المفضلة، فهو يرى كيف يضطربون وكيف يهدأون، وكيف تَلْمَع عيونهم في وجوههم السُّمر، وكيف تنقلب دَعَتُهم إلى غضب وبكاؤهم إلى ضحك، وكيف تقف أنفاسهم ويستردونها، وكيف يقاسمون الأبطال سراءهم وضراءهم، حقاً إن تلك لروايات وإن الحاضرين لممثلون أيضاً، وحقاً إن الشعراء في أوربة، مع نفوذ أشعارهم وسحر بيانهم وجمال وصفهم، لا يؤثِّرون في نفوس الغربيين الفاترة عُشْرَ مِعشار ما يؤَثِّر به في نفوس سامعيه ذلك القاصُّ الذي هو من الأجلاف، فإذا ما أحُيط ببطل الرواية ارتجف السامعون وصرخوا قائلين: «لا! لا! حفظه لله! » وإذا ما كان في حَوْمَة الوَغَى محارباً كتائب أعدائه بسيفه أمسكوا سيوفهم كأنهم يريدون إنجاده، وإذا ما كاد يذهب فريسة الغدر والخيانة قَطَّبوا وصرخوا قائلين: «لعنة لله على الخائنين! »، وإذا ما قضى عليه أعداؤه الكثيرون تأَوَّهوا وقالوا: «تَغَمده لله برحمته وفسح له في دار السلام! » وإذا ما كان العكس فرَجَع ظافراً منصوراً هتفوا قائلين: «المجد لرب الجُنْدِ! » ويكون هتافهم وقتما يذكر القاصُّ محاسن الطبيعة ولا سيما الربيع: طيب! طيب! » ولا شيء يعدل السرور الذي يبدو على ملامحهم عندما يصف القاص امرأةً جميلةً، فتراهم ينصتون له إنصات من يكاد لُبُّه يطير من الوَجْد، وإذا ما أَتمَّ وصفَه قائلًا: «الحمد لله الذي خلق المرأة! قالوا قول المعجب الشاكر: «الحمد له الذي خلق المرأة! (٦) الرِّق في الشرق تثير كلمة «الرِّق» في نفس الأوربي، القارئ للقصص الأمريكية منذ ثلاثين سنة، صورة أناس يائسين مُقرَّنين في الأصفاد، مَقُودين بالسياط، رديئي الغذاء، مقيمين بمظلم المحابس. ولا أبحث هنا في صحة صورة الرق هذه عند الأنغلو أمريكيين منذ بضع سنين، ولا في صحة تفكير صاحب رقيقٍ في إيذاء مالٍ غالٍ كالزنجي والقضاء عليه، وإنما الذي أراه صدقا هو أن الرق عند المسلمين غيرُه عند النصارى فيما مضى، وأن حال الأرقاء،

стр. 361

شكل ٢ - ١٢: بائعون جائلون في القاهرة (من صورة فوتوغرافية التقطها سباه). في الشرق أفضل من حال الخدم في أوربة، فالأرقاء في الشرق يؤلفون جزءاً من الأسُر، ويستطيعون الزواج ببنات سادتهم أحياناً كما رأينا ذلك سابقاً، ويقدِرون أن يَتَسَنَّموا أعلى الرُّتب، وفي الشرق لا يرون في الرق عاراً، والرقيق فيه أكثر صلةً بسيده من صلة الأجير في بلادنا. قال مسيو أبُو: «لا يكاد المسلمون ينظرون إلى الرق بعين الاحتقار، فأمهات سلاطين آل عثمان، وهم زعماء الإسلام المحترمون، من الإماء، ولا يرون في ذلك ما يَحُطُّ من قَدْرهم، وكانت أسُر المماليك الذين ملكوا مصر زمناً طويلاً تلجأ، لِتَدُوم، إلى اشتراء صغار الموالي من القفقاس وتتبنَّاهم في سن البلوغ، وليس من القليل أن يُرَبِّي أمير مصري أحد صغار الأرقاء، ويعلمه ويدربه، ويزوجه ابنته، ويفوض إليه إدارة شؤونه، وترى في القاهرة أكابر من الوزراء والقادة والقضاة اشتُري الواحد منهم في شبابه بما لا يزيد على ألف وخمسمائة فرنك.» واعترف جميع السياح الذين درسوا الرق في الشرق درساً جِدياً بأن الضجة المُغْرِضَة التي أحدثها حوله بعض الأوربيين لا تقوم على أساسٍ صحيح، وأحسن دليل يقال تأييداً لهذا هو أن الموالي الذين يرغبون في التحرر بمصر ينالونه بإبداء رغبتهم فيه أمام أحد

стр. 362

شكل ٢ - ١٣: كاتب عرائض في القدس (من صورة فوتوغرافية). القضاة، وأنهم لا يلجأون إلى حقهم هذا، قال مسيو إيبِر مشيراً إلى ذلك: «يجب عَدُّ الرقيق في بلاد الإسلام مَبْخُوتاً على قدر الإمكان.» ومن السهل أن أكُثر من اقتباس الشواهد على صحة ذلك، ولكنني أكتفي بذكر الأثر الذي أوجبه الرق في الشرق في نفوس المؤلفين الذين أتُيح لهم درسه في مصر حديثاً، قال مسيو شارم: «يَبدو الرق في مصر أمراً ليِّناً هيناً نافعاً منتجاً، ويُعد إلغاؤُه فيها مصيبة حقيقية، ففي اليوم الذي لا يستطيع وحوش إفريقية الوسطى أن يبيعوا فيه أَسْرَى الحرب، ولا يَرَون فيه إطعامهم، لا يُحجِمون عن أكلهم، فالرِّق، وإن كان لطخةَ عارٍ في جبين الإنسانية، أفضلُ من قتل الأسَرى وأكل لحومهم إذا ما نُظِر إليه من وجهة نظر هؤلاء الأسرى، وذلك على الرغم من رأي مُحبي الإنسانية من الإنكليز الذين يقولون: إنه أجدر بكرامة الزنوج أن يأكلهم أمثالهم من أن يسودهم أجنبي! » وقال مدير مدرسة اللغات في القاهرة مسيو دو فوجانى: «ترى الأرقاء الذين يستفيدون من الحرية الممنوحة لهم قليلين إلى الغاية مع أن هذه الحرية تسمح لهم بأن يعيشوا كما يشاءون من غير إزعاج، فالأرقاء يُفَضلون حال الرق السالم من الجَور على حال القلق الذي يكون مصدرَ آلامٍ ومتاعب لهم في الغالب».

стр. 363

«وترى الأرقاء في مصر أحسن حالاً مما كانوا عليه قبل استرقاقهم بدلاً من أن يكونوا من البائسين المناكيد، وبلغ الكثيرون منهم، ولا سيما البيض، أرقى المناصب في مصر، ويُعد ابن الأمَة في مصر مساوياً لابن الزوجة في الحقوق، وإذا كان ابن الأمَةِ هذا بِكْرَ أبيه تمتع بكل ما تمنحه البِكْرِية من الامتيازات، ولم تكن من غير الأرقاء زُمرة المماليك التي مَلَكَتْ مصر زمناً طويلاً. وفي أسواق النِّخاسة اشتُري علي بك وإبراهيم بك ومراد بك الجَبَّار الذي هُزم في معركة الأهرام، وليس من النادر أن ترى اليوم قائداً أو موظفاً كبيراً في مصر لم يكن في شبابه غير رقيق، وليس من النادر أن ترى رجلاً في مصر كان سيده المصري قد تبناه وأحسن تعليمه وزوَّجه ابنته.» وليست مصر القطرَ الوحيد الذي يُعَامَل فيه الأرقاء برفق عظيم، أي أن ما تراه في مصر تَرَى مثلَه في كل بلد خاضع للإسلام، واسمع ما قالته السيدة الإنكليزية بِلَنْتُ في كتاب رِحلتها في بلاد نجد ذاكرةً محادثتها لعربي: «إن مما لم يستطع أن يفهمه ذلك العربي هو وجود نفع للإنكليز في تقييد تجارة الرقيق في كل مكان، ولما قلتُ له إن مصلحة الإنسانية اقتضت ذلك» أجابني: «إن تجارة الرقيق لا تنطوي على جَور، ومن ذا الذي رأى إيذاء زِنْجِي؟ » والحق أننا لا نزعم أننا رأينا ذلك، ومن الأمور المشهورة أن الأرقاء عند العرب يكونون من الأبناء المُدلَّلين أكثر من أن يكونوا من الأجُراء. ولا شيء يستحق الذم واللوم كالرق، ولكن المبادئ التي صنعها الإنسان ذات شأن ضعيف في سير الأمور، وإذا ما نظر المرء إلى الرق بمنظار الزنجي المخلوق المنحط وَجَده أمراً طيباً، فلا شيء أصلح لهؤلاء المخلوقات الضعيفة الفطرية القليلة الحذر والتبصر من أن يكون لها سيد يرى من مصالحه أن يقوم بشؤونها، ودليلنا على هذا ما أصاب أرقَّاء أمريكة من الانحطاط المُحزِن الذي نشأ عن تحريرهم بعد حرب الانفصال، وإلقاء حِبالهم على غَوَاربهم. ويتطلب منعُ النِّخاسة منعَ البحث عن الأرقاء كما يزعم الإنكليز أنهم يفعلون، أي تبديلَ طبائع الشرق كله، وتغيير بقية العالم بعض التغيير، ولم ينشأ عن تدخل الأوربيين القائم على الرياء والمداجاة فيما لا يَعنيهم سوى الفشلِ ومقتِ الشرقيين لهم. قال المؤلف الإنكليزي «ج. كُوبِر» في كتاب حديث دَرَسَ فيه أمر النخاسة في إفريقية: «لم تكن الحملات التي جُرِّدت على تجار الرقيق في السودان إلا من نوع الغَزَوات التي

стр. 364

شكل ٢ - ١٤: سقَّاءان في القاهرة (من صورة فوتوغرافية). تُضِيفُ إلى المذابح مذابحَ أخرى، أجل، لقد قَضَتْ تلك الحملات على بعض مراكز أولئك التجار، ولكن هذه المراكز لم تلبث أن أعيد تأسيسها بعد انصراف تلك الحملات، ولم يَنْجُم عن النفقات العظيمة والدماء المسفوكة فيها كبير طائل، ولم تُؤَدِّ إلى تقييد النِّخاسة.» ولا ريب في أن الأوربيين الذين يتدخَّلون في أمور الشرق لمنع النِّخاسة قسراً من محبي الإنسانية الصالحين، ومن ذوي النِّيَّات الطيبة الخالصة، ولكن الشرقيين لا يعتقدون صدقهم، وحُجة الشرقيين في ذلك هو أن أولئك المحبين للإنسانية الصالحين والراحمين للزنوج هم الذين أَكرهوا الصينيين بقوة المدافع على أن يُدخِلوا إلى بلادهم ذلك الأفيون الذي أهلك من الناس في سنة واحدة ما لم تُهلكه تجارة العبيد في عشر سنين.

стр. 365

الفصل الثالث نظُم العرب السياسية والاجتماعية (١) مصدر نظم العرب تختلف النُّظُم السياسية والاجتماعية، لأكثر الأمم التي يُعْنَى بها التاريخ، اختلافاً عظيماً بين أمة وأخرى، ويدل إنعام النظر على أن قيمة تلك النظم أمرٌ نسبيٌّ، فما صلح منها لأمة لا يصلح لأمة أخرى في الغالب. وتحتاج تلك الحقيقة إلى برهان، ولا تُسِلِّم بها النفس حالاً، ويظهر العكس من الحقائق أول وهلة، أي أنه يُرَى وجوبُ اتخاذ النُّظم التي عُزِيت إليها عظمة إحدى الأمم مثالاً للاقتداء، وأن من الحكمة انتحالها وحملَ الناس عليها طوعاً أو كرهاً، وهذا ما اعتقده أقطاب السياسة والمؤرخون زمناً طويلاً، ولا يزال أكثرهم يراه. واليوم فقط بدأنا نَعْلَم خطر ذلك الرأي، فقد أثبت البحث العميق في حياة الأمم، أن نُظُم الأمم عُنوان مشاعرها واحتياجاتها الموروثة التي هي وليدة ماضٍ طويل، وأنها لا تتبدل كما يشاء الإنسان، حقاً رَوَى المؤرخون وجود مشترعين، كموسى وليكورغ وسولون ونوما وغيرهم، فَرَضوا على أممهم شرائع ابتدعوها، ولكن الواقع غير ذلك، فلم يكن لمشترع مثلُ تلك القدرة التي لم تتفق لأقوى الفاتحين وأعنف الثورات إلا لوقت قصير، فإذا أكُرِهت أمة على قبول نظم تختلف عن نُظُمها كان ذلك من قبيل إرغام حيوان على تبديل وضعه الطبيعي حيناً من الزمن، وإذا ما زال عامل القهر عاد الماضي إلى مجراه، وظهر أن الأمر لم يَعْدُ حدَّ تغيير بعض الكلمات. وهنالك حوادث تاريخية كثيرة تظهر في بدء الأمر مناقضة لما تقدم، فيجب درسها درساً حقيقياً؛ لِيُرى زوالُ هذا التناقض، خذ العرب مثلاً تَرَهم قد فرضوا نُظُمهم على أمم مختلفة، ولكنك إذا ما بحثت في أمم آسية وإفريقية التي سارت على سُنَّة العرب

стр. 366

علمتَ أن النظم السابقة لأكثر هذه الأمم لا تختلف عن نُظُم العرب إلا قليلاً، وأنه إذا كان بينها وبين نُظُم العرب اختلاف في الأمور الجوهرية، كنظم البربر مثلاً، بدا لك ضعف أثر القرآن فيها، والعربُ، وهم أعقل من كثير من أقطاب السياسة المعاصرين، كانوا يعلمون جيداً أن النظم الواحدة لا تلائم جميع الشعوب، فكان من سياستهم أن يتركوا الأمم المغلوبة حرةً في المحافظة على قوانينها وعاداتها ومعتقداتها. ولا تتبدل النظم، وهي عنوان احتياجات الأمة ومشاعرها التي نبتت فيها، إلا بِتَبَدُّل تلك الاحتياجات والمشاعر، وقد أثبت التاريخ أنها لا تتحول إلا بتعاقب الوراثة، ومن ثَمَّ ببطء عظيم، وقد اقتضى تحول البرابرة الذين قَضَوا على العالم الروماني إلى ما صاروا إليه في دور النهضة مرورَ القرون الوسطى التي دامت ألف سنة. وتسيطر سُنَن تطور ذوات الحياة على تطور النظم الاجتماعية، وقد اكتسب، بتعاقب الأزمنة، بعضُ ذوات الحياة، التي كانت تعيش في البحر في الأدوار الجيولوجية، من الأعضاء ما تَمَكَّن به من العَيش في الهواء، وليس بعيداً الزمنُ الذي كان علماء الطبيعة يجهلون فيه تطور ذوات الحياة والحَلَقات التي تصل بين طرفيها، وليس بعيداً الزمن الذي كان علماء الطبيعة يعتقدون فيه أن قُدرة عُلْوِيَّة خَلَقت ذواتِ الحياة في أوقات مختلفة، فلما تقدم العلم أثبت أن هذه التحولات العظيمة لم تَحدث فجأةً، بل هي وليدة تطورات غير محسوسة اكتسبها كل جيل، وتراكمت بالوراثة في عدة قرون، وأسفرت عن تحولات عظيمة جداً. ونَعُدُّ العِرق والبيئة وطرق المعايش والعوامل المختلفة، التي نرى الضرورة أوَّلَها وعزيمةَ الرجال أضعفها، أسباباً رئيسةً في نشوء النظم، والزمن وحده هو القادر على توطيدها، وإذا رأينا أمةً ذاتَ نُظُم واحدة منذ زمن طويل أيقنا بأن هذه النظم خير ما يلائمها، وإذا كانت الحرية أمراً طيباً لدى بعض الشعوب كانت صَرامة وليِّ الأمر المطلق أفضلَ للشعوب الأخرى، ولذا فإن من قِصَرِ النظر أن نَقِف عند حدِّ ثَقافتنا الاجتماعية التقليدية الخطرة، وأن نرى من الممكن تطبيقَ نُظُمٍ لاءَمت أمةً بتعاقب الأزمان على أمةٍ أخرى، وهذا لا يختلف كثيرًا عن محاولة حمل السمك على التنفس في الهواء بحجة أن جميع الحيوانات العليا تتنفس في الهواء، فالسمك يموت حيث تحيا ذوات الثُّدِي. وما تنشأ به نظم الأمم، وما تتحول به، من البطء العظيم يجعلنا لا نُبْصِر التحولات، على العموم، إلا إذا جَهَر بها مشترع عظيم، فنعزو إلى هذا المشترع وضع القوانين مع أنها وليدة ماضٍ طويل، وليس شأنُ المشترعين الحقيقي سوى إثباتهم، بما لهم من سلطان،

стр. 367

عاداتٍ مستقرةً بالأذهان بعض الاستقرار، وإلغائهم العاداتِ غيرَ الصالحة أو الضارةَ التي لولاهم لدام أمرها مدة أخرى، أجل، إن تأثير المشترعين مهم، ولكن هذا التأثير لا يكون إلا إذا كانت التحولات التي هي وليدة استنباطهم ضئيلةً إلى الغاية، وهنالك يمكنهم أن يُرَدِّدوا قول سولون: «إنني لم أمنح أهل أثينة أفضل ما يتصور الإنسان من القوانين، بل مَنَحْتُهم أفضل القوانين التي يطيقونها»، فسولون لم يَخْتَر القوانين التي جاء بها في الحقيقة من غير العادات السابقة التي رَسَخَت في أذهان القوم ومعتقداتهم. شكل ٣ - ١: داخل حوش في القاهرة (من صورة فوتوغرافية). ومثل ذلك شأن مُحَمَّد الذي عَرَف كيف يختار من نظم العرب القديمة ما كان يبدو أقومَها، فَدَعَمها بنفوذه الديني العظيم، ولكن شريعة مُحَمَّد لم تَنْسَخ جميع العادات التي قامت مقامها كما أن قانون الألواح الاثنيْ عشر لم يقضِ على قوانين الرومان القديمة، ومحمدٌ، حين رأى أن يُحرِّم بعض العادات القديمة كالوَأْدِ، لم يفعل غير ما يلائم المشاعر المنتشرة بدرجة الكفاية وما تُقِرُّه هذه المشاعر. وشريعة مُحَمَّد، في فصولها غيرِ الدينية، هي خلاصة عادات قديمة إذن، وهي، كالشرائع الأخرى، تكشِف بسهولة عن الحالة الاجتماعية للأمة التي ظهرت فيها، ولا

стр. 368

كتابَ تاريخٍ يعدل دراسة قوانين إحدى الأمم في بعض الأحيان، فالقوانين تدل، بما تُبْصر من الاحتياجات، وبما تأمر به وما تنهى عنه، على أحوال المجتمع الذي نشأت فيه كما نُبيِّن ذلك غير مرة. شكل ٣ - ٢: كوب عربي قديم من البلور (من تصوير إيبِر). وليس من الضروري أن يُعتَمَد على شريعة إحدى الأمم وحدها في استجلاء حالتها الاجتماعية إذا كان لهذه الأمة آثارٌ أخرى في التاريخ، وهي إذا كانت ذات حضارةٍ وأَنسالٍ كان أسهل على الباحث أن يدرس بقايا تلك الحضارة والأنَسَال للوقوف على حالتها الاجتماعية كما صنعنا ذلك في الفصول السابقة، ونحن حين وصفنا حياة العرب ورجعنا إلى الأزمنة التي نشأت فيها نُظُمهم أَعْدَدْنَا القارئ، بما فيه الكفاية، ليتمثَّل النظم التي ندرسها الآن، وليُدرِك تأثير المشترعين الضئيل في تكوينها. ومن الضروري أن يُبْحَث على هذا النمط في شؤون الأمم التي يُراد وصفها واكتناهُ نظامها الاجتماعي عرباً كانت هذه الأمم أو غيرهم، ونرجو أن يَحِلَّ الوقت الذي يُدرك الفقهاء فيه أهمية هذا، فيصبح علمُ الحقوق غير قائم على سَرْد موادِّ القوانين المُعَقَّدَة والمناقشات البيزنطية.

стр. 369

(٢) نُظُم العرب الاجتماعية خَصَّصتُ مطالبَ كثيرةً من هذا الكتاب للبحث في أهم نظم العرب الاجتماعية كنظام الأسرة والرق وتعدد الزوجات ... إلخ، فأقتصر هنا على بيان أهمِّ ما جاء في القرآن من الأحكام الاشتراعية. واختلطَ شرعُ العرب المدنيُّ بشرعهم الديني اختلاطاً وثيقاً، وتألف منهما علمٌ قائم على تفسير القرآن. وما كان القرآن ليُبْصِرَ جميع ما يحدث في كل يوم، وهو لم يستدرك غير القليل من ذلك، وكان الناس منذ البُداءة يرجعون مضطرين إلى النبي وخلفائه من بعده لحل المُعضلات الشرعية اليومية، فتألف مما رُوي من أحكامهم المجموعة منذ القرون الأولى من الهجرة ما سُمِّي بالسُّنَّة. ثم ظَهَرَ بعد زمنٍ قصير أن القرآن والحديث غيرُ كافِيَيْن، ورُئيَ إتمامُهما بوضع دستور مدني وديني مُشتق من تفسير القرآن، وقامت بذلك جماعة كبيرة من الأئمة في القرن الأول والقرن الثاني من الهجرة، واعتُرِف بأربعة منهم، وهم: أبو حنيفة والشافعي ومالك وابن حنبل؛ وإلى هؤلاء تُنسب المذاهب الأربعة التي يقتدي بها مختلف شعوب الإسلام، فأما المذهبُ المالكي فاتُّبع في إفريقية، وأما المذهب الحنفي فاتُّبع في تركية والهند، وأما المذهب الشافعي فاتُّبع في مصر وجزيرة العرب مع عمل المحاكم المصرية بالمذهب الحنفي، وأما المذهب الحنبلي فمهجورٌ في أيامنا (! ) ثم صار لكل واحد من هذه المذاهب الأربعة كثيرٌ من الشُّراح، ومن ذلك أن كان خليلٌ، المتوفى سنة ١٤٢٢ م، شارحاً للمذهب المالكي المنتشر في بلاد الجزائر، فعد كتابه الذي تُرجم إلى الفرنسية مرتين، إحداهما بقلم الدكتور بيرون والثانية بقلم مسيو سِغْنِت، أهمَّ رسالة في الفقه المالكي. وإذا عَدَوْتَ هذه المصادر في علم الكلام الإسلامي وفي الفقه الإسلامي وجدتَ للأحوال التي لا تجد لها قاعدةً مقررة، والتي لا يمكن القياس في أمرها، مجموعةَ أحكامٍ سلطانية تُعرف بالفتاوى. وتَجد بجانب الدساتير المدونة فقهاً قائماً على العادة مختلفاً باختلاف الأمكنة فدل هذا على أن الفقه الإسلامي غيرُ مقيد بالقرآن خلافاً لما يُظَنُّ أول وهلة، وقد يكون للعادات من الفعل ما ليس للقانون المدوَّن، ومن هذا نَسْخُ القبائل البربرية لما جاء في القرآن من

стр. 370

الأحكام في حقوق النساء في الميراث، ومن هذا أنك لا ترى عند قبائل اليمن سوى فقه قائم على العادات متغيِّر بتغير هذه القبائل مختلفٍ عن تعاليم النبيِّ غالباً. قال الرحالة مسيو هاليفي الذي ساح في اليمن حديثاً: «إن لكل قبيلة اشتراعاً خاصاً.» شكل ٣ - ٣: إناء عربي قديم مصنوع من النحاس. والعقوباتُ تستند إلى القرآن وتفاسير القرآن أيضاً، أي تقوم على مبدأ القِصاص كما قامت عليه شريعة موسى، ومبدأ القصاص هذا هو المبدأ الممكن في جميع الشرائع الفطرية كما قلنا، ومما بيَّنَّاه في كتابنا السابق أن حق المجازاة كان في البُداءة خاصاً بالمعتدَى عليه، وأن الجزاء كان يُفرَض على المذنب أو على أسُرته ما كانت الأسرة وَحْدَةً في جميع المجتمعات القديمة، وأن الثأر إذا لم يُدرَك من الوالد أدُرِك من ابنه أو حفيده ما نَصَّت التوراة على أن الرب ينتقم من الأبناء حتى الجيلِ الثالث والجيل الرابع لذنبٍ اقترفه الأب. ومن فوائد القصاص أنه يُقلِّل حوادث القتل كثيراً، ومن محاذيره أنه يؤدي إلى استمرار أعمال الثأر زمناً طويلاً غالباً، ولذا رُئي أن تقوم الدِّية التي تُدفع إلى أهل المقتول مقامه أحياناً، ولذا دام هذا النظام إلى أن جاء الوقت الذي صار المجتمع يقوم فيه بمعاقبة المذنب بدلاً من أن يقوم بها المعتدَى عليه أو أسرتُه، ولكن هذا الطور الجزائيَّ

стр. 371

الأخيرَ لا يكون في غير المجتمعات التي يقوم فيها نظام مركزي قوي، ونظام مركزي مثل هذا إذ لم يقم أيام محمد ظل نظام العقوبات الذي نَص عليه القرآن مستنداً إلى مبدأ القصاص ومبدأ الدية الفطريين، وبقِي أمره سائداً ما خَضَع للدستور الديني بشكله القديم. ومن ثمَّ تَرى أن ما جاء في شريعة موسى من حق القصاص القائل: إن العين بالعين والسن بالسن هو، مع مبدأ الدية الذي جاء مُلطِّفاً له، مبدأ الفقه الجزائي الأساسي في القرآن، ومع ذلك فقد أوصى القرآن بالعفو على أنه خير من الثأر، ونَعُدُّ هذا تقدماً عظيماً ما عد الإنسان في الأدوار الفطرية عدم الانتقام عاراً، وإليك مبادئ القرآن الأساسية في الجرائم وما يقابلها من العقوبات: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ (١٢٦)﴾ (من سورة النحل) ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (من سورة البقرة) ﴿مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾ (من سورة المائدة) ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِّنَ للهِ واللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (من سورة المائدة) والمفسرون نصوا على أحكام الدية، فإذا وقع القتل عمداً كان القصاص جزاء القاتل، ما لم يَقْبَل أهل القتيل الدية.

стр. 372

وإذا وقع القتل خطأ كانت الدية مائة جَمَل، ولا تُرَدُّ الدية، ويختلف التعويض في حالة الجروح باختلاف أهمِيَّتها. وأهل القاتل أو أفراد أسرته هم الذين يؤدون الدية، وإذا كان القاتل مجهولاً دفعتها الزُّمرة التي ينتسب القاتل إليها، ومن هنا تُبصِر مقدار التضامن بين عرب الأسرة الواحدة أو الزمرة الواحدة. شكل ٣ - ٤: قفل عربي. وجرائم القتل والجَرْح وحدها هي التي يُمكن العِوَضُ منها كما جاء في القرآن وفي أكثر الشرائع القديمة، وأما العقوبات التي تُفرَض على السارقين وقُطَّاع الطرق فمتنوعةٌ، فتُقْطَع يد السارق اليُمنى في المرة الأولى مثلاً، ثم تُقطع رجلُه اليسرى في المرة الثانية، والحبسُ أو البتر أو القتل جزاء قُطَّاع الطرق، والرَّجم جزاء الزُّناة والزَّوَاني من الأزواج على أن يَثْبُت الزنا بشهادة أربعة شهود أو بإقرار المذنب، والحد الذي يقام على شارب الخمر، أو الذي كان يُقام عليه فيما مضى، أربعون جَلْدَةٍ.

стр. 373

وأحكام الحقوق المدنية كثيرة إلى الغاية في كتب الفقه التي ألمعنا إليها آنفاً، وما نذكره عن حقوق التملك والميراث ... إلخ، يَكْفي لتَنَوُّر أقسامها المهمة. ليس في القرآن غيرُ الإجمال لحقِّ التملك، ولكن المفسرين أحسنوا ترتيبه. وبالغ العرب في احترام حق التملك، حتى ما كان منه خاصاً بالمغلوبين، ومن ذلك أن الأراضي التي أخُذت من المغلوبين بالفتح أعيدت إليهم على أن يؤدوا خَرَاجاً قلما يزيد على خُمْس محصولاتها. ويؤدي إحياء الموات عند العرب إلى حق التملك، فالعرب يَرَون أن إحياء المَوَات يتضمَّن منح الأرض قيمة، ومن ثَمَّ يتضمن حقاً لتملكها. وأكثر المفسرين من غير القائلين بمبدأ مرور الزمن، وحق الادعاء عندهم لا يسقط بمرور الزمن، ومع ذلك فإن من أحكام المذهب المالكي أن مدة مرور الزمن عشر سنين بين الغرباء وأربعون سنةً بين الأقارب. شكل ٣ - ٥: صندوق السلطان قلاوون (من تصوير بريس الأفيني). ولا يستطيع الأجنبي أن يتملك أرضاً أو يشتري عبداً في دار الإسلام، ولكن كلمة الأجنبي لا تشتمل على غير الكافرين، أي ليس المسلمون أجانب في نظر بعضهم إلى بعض مهما اختلفت الشعوب التي ينتسبون إليها، ولا فرق في دار الإسلام بين الصيني المسلم والعربي المسلم في التمتع بجميع الحقوق، وبهذا تختلف الحقوق الإسلامية عن الحقوق الأوربية اختلافاً أساسياً.

стр. 374

وتعد مبادئ المواريث التي نَص عليها القرآن بالغة العدل والإنصاف، ويمكن القارئ أن يدرك هذا من الآيات التي أنقلها منه، ولم يُبْصَر في القرآن جميع الأحوال التي عالجها المفسرون فيما بعد وإن أشير فيه بدرجة الكفاية إلى روحها العامة، ويظهر من مقابلتي بينها وبين الحقوق الفرنسية والإنكليزية أن الشريعة الإسلامية مَنَحَت الزوجات، اللائي يُزعَم أن المسلمين لا يعاشرونهن بالمعروف، حقوقاً في المواريث لا تَجِدُ مثلَها في قوانيننا. جاء في القرآن: ﴿لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأقَرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأقَرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا﴾ (من سورة البقرة) ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (١١) وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ (١٢)﴾ (من سورة النساء) ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا

стр. 375

الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٧٦)﴾ (من سورة النساء) شكل ٣ - ٦: حجر عربي منقوش (من صورة فوتوغرافية التقطها المؤلف في القاهرة). ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِّأزَوَاجِهِم مَّتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ (من سورة البقرة) ونظام القضاء والمرافعات عند المسلمين بسيط إلى الغاية، أي أنه يقوم بالقضاء قاضٍ منفرد معيَّنٌ من قبل وليِّ الأمر، ولا تُستأنف أحكام القاضي، ويَحضر الخصوم أمام القاضي بدعوة، ويترافعون إليه مشافهة، ويَعرِضون عليه بَيِّنَاتِهم التي قد تكون قائمة

стр. 376

على الإقرار أو الشهادة أو التحليف، فينطق بالحكم حالاً، وقد أتُيح لي في مراكش أن أشاهد إصدار هذه الأحكام المختصرة، فرأيت القاضي جالساً في الساحة التي هي أمام قصر الوالي، والخصوم والشهود حوله جُثِياً موجِزين قضاياهم، وأحكامُ القاضي تُنَفَّذ فوراً حينما يكون ذلك ممكناً كأن يأمرَ بجَلد المذنب بضع جَلَدات. أجل، قد لا تَضْمَن تلك الطرق البسيطة العدل كما تضمنه طرقنا الأوربية المعقدة، ولكنها لا تُضِيع وقت المتقاضين الثمين على كلِّ حال، ولا تُثقلهم بالنفقات القضائية التي تُدفَع عادة في العالم المتمدن فتُخرِّب بيوتهم غالباً. وتكون أحكام أولئك القضاة عادلة على العموم مع بساطة تلك الطرق، فروح العدل والإنصاف ناميةٌ كثيراً في العرب، ويرجع نموها فيهم إلى أن العدل أساس الحياة في تلك المجتمعات التي لا تزال على الفطرة، لا إلى أمر القرآن وحده بالعدل على أن العدل من أحسن الفضائل. ونختم قولنا في نظم العرب الاجتماعية بأن نذكر أن العرب يتَّصفون بروح المساواة المطلقة وَفقًا لنُظُمهم السياسية، وأن مبدأ المساواة الذي أعُلن في أوربة قولاً، لا فعلاً، راسخ في طبائع الشرق رسوخاً تاماً، وأنه لا عهد للمسلمين بتلك الطبقات الاجتماعية التي أدى وجودها إلى أعنف الثورات في الغرب ولا يزال يؤدِّي، وأنه ليس من الصعب أن ترى في الشرق خادماً زوجاً لابنة سيده، وأن ترى أجُراء منهم قد أصبحوا من الأعيان. والكتَّاب الأوربيون الذين بحثوا عن بعدٍ في شؤون أولئك الأقوام، وهم الذين لا يعلم الأوربيون من أمورهم سوى القليل، يستخِفُّون بتلك النظم، ويقولون إنها أدنى من نظمِنا كثيراً، ويتمنون قُرب الوقت الذي تستولي فيه أوربة الطامعة على تلك البقاع. وغير ذلك ما يبديه الباحثون المحققون، وإليك، مثلاً، ما جاء في كتاب ثمين وضعه العالِم المتدين مسيو لُوبْلِه الذي هو ممن أجادوا درس أمور الشرق: صان المسلمون أنفسهم حتى الآن من مثل خطايا الغرب الهائلة فيما يَمَسُّ رفاهية طبقات العمال، وتراهم يحافظون بإخلاص على النظم الباهرة التي يسود بها الإسلام بين الغني والفقير والسيد والأجير على العموم، وليس من المبالغة أن يُقال، إذن: إن الشعب الذي يزعم الأوربيون أنهم يرغبون في إصلاحه هو خير مثال في ذلك الأمر الجوهري.

стр. 377

(٣) نظم العرب السياسية ذكرنا في الفصل الذي خصصناه للعرب في بغداد أهم عناصر دستورهم السياسي، وقلنا: إن إدارة الحكم العربية، ولا سيما المالية والضرائب والشرطة، كانت تسير سيراً رشيداً، ومن المؤسف أن كانت تلك الإدارة الرشيدة تستند إلى نظم سياسية ضعيفة إلى الغاية. ولا شيء أكثر بساطة من نظم العرب السياسية، فقد قامت على مساواة الجميع التامة تحت سيد واحد، أي تحت وكيل لله في الأرض الذي كان الصاحب الوحيد لكل سلطة مدنية ودينية وحربية، والذي لم يكن في الدولة سلطةٌ غير سلطته أو سلطة مندوبيه، ولم يعرف العرب قط نظام الإقطاع والأرستوقراطية والوظائف الوراثية. وكان نظام العرب السياسي ديمقراطياً يديره سيدٌ مطلق في الحقيقة، وساد مبدأ المساواة التامة في هذا النظام، ومن ذلك ما ذكرته من حكم عمر بن الخطاب في أمر لَطْمَةِ ملك الغساسنة، الذي أسلم بعد واقعة اليرموك، لذلك العربي، فقد قضى عمر بن الخطاب أن يفتديَ ذلك الملك الغساني نفسه، وإلا أمر ذلك العربيَّ بأن يلطِمه، وقد قال عمر بن الخطاب لذلك الملك الغساني: «إن الإسلام جمعكما وسوَّى بين الملك والسُّوقة.» وكانت خلافة الخلفاء الأولين أمراً انتخابياً، ثم أصبحت الخلافة وراثية، أي صار الخلفاء يختارون من بين أبناء أسرتهم الذكور أصلحهم، وأمر مثل هذا حسنٌ لعدم استناده في منح السلطة إلى النسب وحده، ولكنه كان يؤدي إلى تنافس أولئك الأبناء وتنازعهم تنازعاً شديداً يمكن تلافيه لو كان النسب وحده حَكماً. وإذ لم يكن الخلفاء قادرين على ممارسة سلطانهم في جميع أنحاء دولتهم كانوا مضطرين إلى إنابة ولاة عنهم؛ ليقوموا مقامهم في القضاء والقيادة والإدارة، وكان ينشأ عما يتمتع به هؤلاء الولاة من السلطة طَمَعُهم في الاستقلال فيَجدون فيما لديهم من السلطان المطلق وسائلَ لبلوغ ذلك، فكان على خلفاء المشرق والمغرب أن يحاربوهم على الدوام. ولم ينشأ ضعف الخلفاء عن فِتَن الولاة الدائمة وحدها، بل هنالك علل كانت تَفُتُّ في عضد الدولة العربية أيضاً، ومن أهمها: اختلاف الشعوب التي خضعت لشريعة القرآن فيما بين مراكش والهند، فإذا كان القرآن ملائمًا لاحتياجات بعض الأمم فإنه لم يلائم احتياجات بعضها الآخر، وإذا كان السوريون واليهود والبربر والنصارى ... إلخ، قد خضعوا لنظم قاهريهم حيناً من الزمن فإنهم لم يُقصِّروا في التخلص منها بعد أن رَأَوْها غير ملائمة لاحتياجاتهم بدرجة الكفاية.

стр. 378

شكل ٣ - ٧: نبراس مسجد في القاهرة. وكانت تلك النظم السياسية سبب عظمة العرب مع ما فيها من عوامل الضعف، ولا شيء أصوبُ من جَمع محمدٍ لجميع السلطات المدنية والحربية والدينية في يد واحدة أيام كانت جزيرة العرب مجزَّأةً، ما استطعنا أن نُقَدِّر قيمة ذلك بنتائجه، فقد فتح العرب العالم في قرنٍ واحد بعد أن كانوا قبائل من شِباه البرابرة المتحاربين قبل ظهور محمد. وقد يؤدي مثل هذه النظم إلى عظمة الأمة أو انحطاطها تبعاً للزمن، وقد أوضحت هذا التناقض الظاهر في الفصل الذي خَصَّصْته في كتابي السابق لدرس ما لاستعداد المجتمعات من التأثير المتقلب في تطورها، فبعد أن بينت فيه أن الأمم التي خضعت لشرائع ثابتة استطاعت أن تخرج من طور الهمجية ذكرتُ أن الأمم المتمدنة التي داومت على التقدم هي التي تخلصت من دائرة تلك الشرائع بالتدريج. والعرب، الذين استطاعوا بفضل محمد أن يحققوا أحد ذينك الشرطين فيخرجوا من جاهليتهم، لم يَعرفوا كيف يلائمون الشرط الثاني فدخلوا دور الانحطاط، والعرب، بعد أن جاءهم رجل عظيم جمع

стр. 379

كلمتهم المتفرقة بشريعته، لم يظهر منهم رجل عظيم آخر ليخرجهم من دائرة تلك الشريعة. وعاد القرآن، الذي لاءم مشاعر الأمة العربية واحتياجاتها أيام محمد ملاءمةً تامة، غير ما كان عليه بعد بضعة قرون، ولو كان القرآن دستوراً دينياً فقط ما كان هنالك كبير محذور، ولكن القرآن إذ كان دستوراً سياسياً ومدنياً أيضاً، وكان بطبيعته ثابتاً، بدت عدم المطابقة بينه وبين الاحتياجات الدائمة التحول والأمم ونُظُمِها الثابتة، وحالت هذه النظم دون تقدم تلك الأمم التي قُيِّدت بقيود الماضي. ويبدُو أكثر النظم المشتقة من القرآن على شيء من المرونة مع ثباتها، وإنما الذي هو ثابتٌ غيرُ مرنٍ منها هو النظام الإسلامي السياسي القائل بجمع جميع السلطات في يد سيدٍ عالٍ مطلقٍ معدودٍ وكيلَ لله في الأرض. وإذا نظرت إلى العرب أيام سلطانهم، أو إلى مختلف الأمم التي داومت بعدهم على نشر القرآن، رأيت نظمها السياسية متجليةً في شكل مَلَكِيّ حربي وديني مطلق، وإذا كانت هذه النظم قادرةً على إقامة الدول الكبيرة بسرعة لم تَكفُل بقاءَها إلا نادراً كما دلَّ على ذلك تاريخ العرب والمغول والترك الذين لم تتقدم دولهم العظيمة، وهي التي كان عليها أن تكافحَ المصاعب الداخلية والخارجية المتنوعة، إلا عندما كان على رأسها رجال عظماء. من أجل ذلك ترى الدول الحربية الواسعة التي تقوم بسرعة تَسْقُط بسرعة غالباً، ويَدبُّ الانحطاط في مفاصلها عندما يَخلُفُ الرجلَ العبقريَّ الذي قبض على زمامها رجل أو اثنان من ذوي العقول المتوسطة، شأن الأندلس والمشرق، فبعد أن كان عصر هارون الرشيد وابنه المأمون أنضر ما رأته دولة الخلافة في بغداد جاء دور الانحطاط حالاً. وكان عهد آخر الأمويين في إسبانية أقوى ما وصل إليه العرب فيها بفضل وزيره الأكبر المنصور، فلما مات هذا الوزير في أوائل القرن الحادي عشر من الميلاد سَقَطَ مُلكهم معه، وأصبح البربر سادة البلاد، وصار كل والٍ ينادي بنفسه ملكاً، ثم أَفَلَ نجم العرب السياسي في إسبانية بفعل هذا الانقسام أكثرَ مما كان بفعل أعدائهم في الخارج، وبهذا أثبت لنا العرب أن النظم التي تبلغ الأمة بها أعلى درجات العظمة يمكن أن تسقط بها في هُوَّة الانحطاط، وذلك كما قلنا آنفاً.

стр. 380

شكل ٣ - ٨: شارع ي طنجة (من صورة فوتوغرافية). شكل ٣ - ٩: سوق كبيرة في طنجة (مراكش) (من صورة فوتوغرافية).

стр. 381

الفصل الرابع المرأة في الشرق (١) أسباب تعدد الزوجات في الشرق لا يدرك المرء نظم أمة أجنبية إلا إذا تناسى، قليلاً، مبادئ البيئة التي يعيش فيها وفَرَضَ نفسه من أبناء تلك الأمة، ولا سيما إذا كانت تلك النظم من نوع مبدأ تعدد الزوجات الذي لمَّا تُعْلَمْ حقيقة أمره إلا قليلاً فأسيء الحكم فيه. ولا نذكر نظاماً أنحَى الأوربيون عليه بالائمة كمبدأ تعدد الزوجات، كما أننا لا نذكر نظاماً أخطأ الأوربيون في إدراكه كذلك المبدأ، وذلك أن أكثر مؤرخي أوربة اتِّزاناً يرون أن مبدأ تعدد الزوجات حجرُ الزاوية في الإسلام، وأنه سبب انتشار القرآن، وأنه علة انحطاط الشرقيين، ونشأت عن هذه المزاعم الغريبة، على العموم، أصوات سُخطٍ رحمةً بأولئك البائسات المكدَّسات في دوائر الحريم، واللائي يَرقُبُهن خِصْيَانٌ غِلاظ، ويُقتَلْن حينما يَكْرَههن سادتهن. ذلك الوصف مخالفٌ للحق، وأرجو أن يَثْبُتَ عند القارئ الذي يقرأ هذا الفصل، بعد أن يطرح عنه أوهامه الأوربية جانباً، أن مبدأ تعدد الزوجات الشرقي نظام طيبٌ يرفع المستوى الأخلاقي في الأمم التي تقول به، ويزيد الأسرة ارتباطاً، ويمنح المرأة احتراماً وسعادة لا تراهما في أوربة. وأقول، قبل إثبات ذلك: إن مبدأ تعدد الزوجات ليس خاصاً بالإسلام، فقد عَرَفَه اليهود والفرس والعرب وغيرهم من أمم الشرق قبل ظهور محمد، ولم ترَ الأمم التي اعتنقت الإسلام فيه غُنْماً جديداً إذن، ولا نعتقد، مع ذلك، وجود ديانة قوية تستطيع أن تُحَوِّل الطبائع فتبتدع، أو تمنع، مثل ذلك المبدأ الذي هو وليد جَو الشرقيين وعروقهم وطُرُق حياتهم.

стр. 382

وتأثير الجو والعِرق من الوضوح بحيث لا يحتاج إلى إيضاح كبير، وبما أن تركيب المرأة الجثماني وأمومتها وأمراضها ... إلخ. مما يُكرهها على الابتعاد عن زوجها في الغالب، وبما أن التَأَيُّمَ المؤقت مما يتعذر في جو الشرق، ولا يلائم مزاج الشرقيين، كان مبدأ تعدد الزوجات ضربَةَ لازب. وفي الغرب، حيث الجو والمزاج أقل هيمنةً، لم يكن مبدأ الاقتصار على زوجة واحدة في غير القوانين، لا في الطبائع حيث يَنْدُر. ولا أرى سبباً لجعل مبدأ تعدد الزوجات الشرعي عند الشرقيين أدنى مرتبةً من مبدأ تعدد الزوجات السِّري عند الأوربيين، وأبُصِر العكس فأرى ما يجعله أسنى منه، وبهذا ندرك مغزى تعجب الشرقيين الذين يزورون مدننا الكبيرة من احتجاجنا عليهم ونظرِهم إلى هذا الاحتجاج شَزْراً. ومن السهل أن ندرك علل إقرار الشرائع الشرقية لمبدأ تعدد الزوجات بعد أن نشأ عن العوامل الجثمانية المذكورة آنفاً، فحُبُّ الشرقيين الجمُّ لكثرة الأولاد، وميلهم الشديد إلى حياة الأسرة وخُلق الإنصاف الذي يردعهم عن ترك المرأة غير الشرعية بعد أن يَكرَهوها، خلافاً لما يقع في أوربة، وغير ذلك من الأسباب الكثيرة التي أعود إليها عما قليل، كلها أمور تَحفِز الشرائع إلى تأييد العادات التي هي وليدة الطبائع، وإذا نظرنا إلى أن القوانين لا تلبث أن تطابق العادات كان لنا أن نقول: إن تعدد الزوجات غير الشرعي في أوربة لا يلبث أن تؤيده القوانين. ومن أسباب تعدد الزوجات التي لم أذكرها بعدُ ما هو خاص ببعض الطبقات، وما يفيد بيانه للدلالة على سيطرته في بعض البلدان، حتى إن أكثر الأوربيين تديناً اضطروا إلى الاعتراف بضرورته حينما أنعموا النظر في الشعوب التي ظهر فيها مبدأ تعدد الزوجات؛ ومن ذلك أن رأى مؤلف كتاب «عمَّال الشرق» العالم «مسيو لُوبلِه» بيانَ الضرورة التي تدفع أرباب الأسر الزراعية في الشرق إلى زيادة عدد نسائهم، وكونَ النساء في هذه الأسر هن اللائي يُحرِّضن أزواجهن على البناء بزوجاتٍ أخُرَ من غير أن يتوجعن، قال مسيو لُوبله: يتزوج ربُّ الأسرة صغيراً على العموم، وتضعف زوجته الأولى بعد أن تكون ذات أولاد كثيرة على حين يبقى تامَّ القوة، فيُضطر إلى الزواج مرةً أخرى بتحريض الزوجة الأولى غالباً وبموافقتها تقريباً ... وقد يَعجب المرء أولَ وهلةٍ، من حمل امرأةٍ زوجَها على الزواج بامرأة أخرى، ولكن العجب يزول

стр. 383

شكل ٤ - ١: بائعة خزف في مصر العليا (صورة مأخوذة من إيبر). شكل ٤ - ٢: فتاة قبطية (من تصوير إيبر).

стр. 384

حينما نعلم أن النساء في الأسر الإسلامية «الزراعية» هنَّ اللائي يَقُمن بشئون المنزل مهما كانت شاقةً، وذلك أن الفلاحين إذ كانوا يجهلون أمر اتخاذ الخوادم لم يبقَ للنساء غير الاستعانة بالإماء والقريبات اللائي يكنَّ في الزمرة نفسها، وقد لا يكون هنالك قريبات، وقد لا تسمح الأحوال باشتراء إماء، وقد تصبح الإماء عند اشترائهن جواريَ منافساتٍ للزوجة الأولى في الحظوة لدى رب الأسرة، فلا يكون لدى الزوجة الأولى ما يستلزم تفضيلَ الإماء هؤلاء على الزوجات الشرعيات الأخر، ومن ثم ترى أن الزوجة تشير في تلك الأحوال على زوجها بأن يَبنيَ بزوجة أخرى، ولا سيما إذا علمت أنها تصنع ذلك حينما تكون آخذةً في الهرم منهمكةً في واجبات الأمومة. ومن العوامل المهمة التي ذكرها ذلك المؤلف في تعدد الزوجات عند الشرقيين هو «حُبُّهم للذرية الكثيرين، ولا عَجَبَ، فالعُقم عند الشرقيين من أعظم ما يصاب به إنسان، والشرقي إذا ما رُزق بضعة أولاد طمع في زيادة عددهم، وتزوج بنساءٍ أخُرَ وصولاً إلى هذا الغرض.» ولاحظ ذلك المحقق أن تعدد الزوجات عند الشرقيين لا يؤدي إلى تحاسدهن وتنافسهن، ويرى الأوربيون استحالة ذلك لما يُساوِرُهم من مبتسَراتٍ لا ريب، ورأيُ الأوربيين هذا ناشئ عن نظرنا إلى الأمور من خلال مشاعرنا، لا من خلال مشاعر الآخرين، ويكفي انقضاء بضعة أجيال لإطفاء مبتسَرَاتٍ أو إحداثِها، ويمكننا أن ندرك ضرورةَ تبديل رأينا في هذا الأمر عند الرجوع إلى أدوار المجتمعات الفطرية الأولى حين كان النساء شيئاً مُشاعاً بين رجال القبيلة الواحدة، أو إلى الأدوار التي هي أقرب من تلك حين كان النساء شيئاً مُشاعاً بين أفراد الأسرة الواحدة، أو إلى أيامنا التي نرى فيها وجود هذه الطبائع في بعض أجزاء الهند. (٢) تأثير الإسلام في أحوال النساء في الشرق لم يقتصر الإسلام على إقرار مبدأ تعدد الزوجات الذي كان موجوداً قبل ظهوره، بل كان ذا تأثير عظيم في حال المرأة في الشرق، والإسلامُ قد رفع حال المرأة الاجتماعيِّ وشأنَها رفعاً عظيماً بدلاً من خفضها خلافاً للمزاعم المكررة على غير هدى، والقرآن قد منح المرأة حقوقًا إرثية أحسن مما في أكثر قوانيننا الأوربية كما أثبتُّ ذلك حينما بحثتُ في

стр. 385

حقوق الإرث عند العرب، أَجَلْ، أباح القرآن الطلاق كما أباحته قوانين أوربة التي قالت به، ولكنه اشترط أن يكون «للمطلقات متاعٌ بالمعروف.» وأحسن طريقٍ لإدراك تأثير الإسلام في أحوال النساء في الشرق هو أن نبحث في حالهنَّ قبل القرآن وبعده. يمكننا استجلاء الحال التي كانت عليها النساء قبل ظهور النبي من التحريم الآتي الذي جاء في القرآن: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أمُّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأخَ وَبَنَاتُ الْأخُتِ وَأمُّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُم مِّنَ الرَّضَاعَةِ وَأمُّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُم مِّن نِّسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُم بِهِنَّ فَإِن لَّمْ تَكُونُوا دَخَلْتُم بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ وَأَن تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأخُتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إنَّ للهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾. وتحريم مثل هذا، وإن كان لا يدل على رقي عادات الأمة التي اقتضته، يهُونُ أمر دلالته عندما نعلم أن ما أشار إليه من العادات كان شائعًا بين جميع الأمم السَّامِيَّة، فالتحريم الذي جاء في التوراة (الأصحاح الثامن عشر من سِفرِ اللاويين ٦ - ١٨) مثل ما جاء في القرآن، ويشير إلى أمور أشد خطراً مما أشار إليه القرآن. وكان الرجال قبل ظهور مُحَمَّد يَعُدُّون منزلة النساء متوسطةً بين الأنعام والإنسان من بعض الوجوه، أي أداةً للاستيلاد والخدمة، وكانوا يَعُدُّون ولادة البنات مصيبة، وشاعت عادة الوأد، وصار لا يُجادَل فيها كما لو كانت البنات جِرَاءً يُقذف بها في الماء، ويمكننا أن نتمثَّل عادة الوأد عند العرب من المحاورة الآتية التي وقعت بين رئيس بني تميم قيسٍ ومُحَمَّد، حينما رأى قيسٌ محمدًا يضع إحدى بناته على ركبتيه، والتي رواها كوسان دوبرسفال: قيس: مَن هذه الشاة التي تَشَمُّها؟ مُحَمَّد: ابنتي. قيس: ولله كان لي بناتٌ كثيرٌ، فَوَأَدْتهُنَّ من غير أن أشمَّ واحدةً منهن. مُحَمَّد (صارخاً): ويلٌ لك، يظهر أن لله نزع الرحمة من قلبك، فلا تَعرِف أطيبَ النِّعَم التي مَنَّ لله بها على الإنسان. وإذا أردنا أن نعلم درجة تأثير القرآن في أمر النساء وجب علينا أن ننظر إليهنَّ أيام ازدهار حضارة العرب، وقد ظهر مما قَصَّه المؤرخون، فنذكره فيما بعد، أنه كان لهن

стр. 386

شكل ٤ - ٣: امرأة بربرية من الجزائر (من صورة فوتوغرافية). من الشأن ما اتفق لأخَوَاتهن حديثاً في أوربة، وذلك حين انتشار فروسية عرب الأندلس وظَرْفِهم. وقد ذكرنا في فصلٍ سابق أن الأوربيين أخذوا عن العرب مبادئ الفروسية وما اقتضته من احترام المرأة، والإسلام، إذن، لا النصرانية، هو الذي رفع المرأة من الدَّرك الأسفل الذي كانت فيه، وذلك خلافاً للاعتقاد الشائع، وإذا نظرتَ إلى سنيورات نصارى الدور الأول من القرون الوسطى رأيتَهم لم يحملوا شيئاً من الحُرمة للنساء، وإذا تصفحت كُتُب تاريخ ذلك الزمن وجدتَ ما يُزيل كلَّ شك في هذا الأمر، وعلمت أن رجال عصر الإقطاع كانوا غِلاظاً نحو النساء قبل أن يتعلم النصارى من العرب أمر معاملتهنَّ بالحسنى، ومن ذلك ما جاء في تاريخ غاران لُولُوهِيرَان عن معاملة النساء في عصر شارلمان وعن معاملة شارلمان نفسه لهنَّ كما يأتي: «انقضَّ القيصر شارلمان على أخته في أثناء جدال، وأخذ بشعرها وضربها ضرباً مبرِّحاً، وكسر بقفَّازه الحديدي ثلاثاً من أسنانها»، فلو حدث مثل هذا الجدل مع سائق عربةٍ في الوقت الحاضر لبدا هذا السائق أرَقَّ منه لا ريب.

стр. 387

ومن الأدلة على أهمية النساء أيام نضارة حضارة العرب كثرَةُ من اشتهر منهن بمعارفهن العلمية والأدبية، فقد ذاع صيتُ عددٍ غير قليل منهن في العصر العباسي في المشرق والعصر الأموي في إسبانية، ونذكر منهنَّ بنتَ أحد الخلفاء، الذي كان جالساً على عرش الخلافة سنة ٨٦٠ (! ) ولَّادَة التي لُقِّبت بسافو قرطبة، وقال كونده مُلخِّصاً ما ذكره مؤرخو عبد الرحمن الثالث: كان عبد الرحمن الثالث، وهو يتمتع بأطايب مدينة الزهراء، يحبُّ أن يستمع إلى أغاني جاريته وأمينة سِرَّه العذبة مُزْنَةَ وإلى فتاة قرطبة الكريمة عائشة، التي روى ابن حيان أنها كانت أعقل بنات عصرها وأجملهنَّ وأعلمهن، وإلى صفية التي كانت شاعرةً باهرة الجمال ... »، وأضاف مؤرخو الحكم الثاني إلى ذلك قولَهم: «إن نساء ذلك الزمن ــ الذي كان للعلم والأدب شأنٌ عظيم فيه ببلاد الأندلس ــ كنَّ مُحبَّات للدرس في خُدُورهن، وكان الكثير منهن يتميَّزن بدماثتهن ومعارفهن، وكان قصر الخليفة يضمُّ لُبنى، أي هذه الفتاة الجميلة العالمة بالنحو والشعر والحساب وسائر العلوم والكاتبة البارعة التي كان الخليفة يعتمد عليها في كتابة رسائله الخاصة، والتي لم يكن في القصر مثلها دقةَ تفكيرٍ وعذوبةَ قريضٍ، وكانت فاطمة تكتب بإتقان نادر، وتنسخ كتباً للخليفة، ويُعجب جميع العلماء برسائلها، وتَملك مجموعة ثمينة من كتب الفن والعلوم، وكانت خديجة تَنْظِم الأبياتَ الرائعة وتُنشِدها بصوتها الساحر، وكانت مريم تعلِّم بنات الأسُر الراقية في إشبيلية العلمَ والشعر مع شهرةٍ عظيمة فتخرَّجت في مدرستها نساءٌ بارعات كثيرات، وكانت راضية، المعروفة بالكوكب السعيد والتي حَرَّرها الخليفة عبد الرحمن وتَنَزَّلَ عنها لابنه الحكم، نابغة عصرها في القريض ووضع القصص الرائعة فساحت في الشرق بعد موت الخليفة، وكانت محلَّ هُتاف العلماء في كل مكان. وخَبَت حضارة قدماء الخلفاء الساطعة في عهد وارثي العرب، ولا سيما في عهد الترك، فنقص شأن النساء كثيراً، وسَأبُيِّن في مكان آخر أن حالتهن الحاضرة أفضل من حالة أخواتهن في أوربة حتى عند الترك، وما تقدم يُثْبِت أن نقصان شأنهن حدث خلافاً للقرآن، لا بسبب القرآن على كل حال.

стр. 388

وهنا نستطيع أن نكرر، إذن، قولَنا: إن الإسلام، الذي رفع المرأة كثيراً، بعيد من خفضها، ولم نكن أول من دافع عن هذا الرأي، فقد سَبَقَنا إلى مثله كوسان دوبرسفال ثم مسيو بَارْتِلْمِي سَنْت هِيلِر. شكل ٤ - ٤: امرأة بربرية من جوار بسكرة (من صورة فوتوغرافية). ولم يقتصر فضل الإسلام على رفع شأن المرأة، بل نُضيف إلى هذا أنه أول دين فعل ذلك، ويَسْهُل إثبات هذا ببياننا أن جميع الأديان والأمم التي جاءت قبل العرب أساءت إلى المرأة، وهذا ما أوضحناه في كتابنا الأخير، فلا نرى غير تكرار ما ذكرناه فيه لإقناع القارئ: كان الأغارقة، على العموم، يَعُدُّون النساء من المخلوقات المنحطة التي لا تنفع لغير دوام النسل وتدبير المنزل، فإذا وَضَعَت المرأة ولدًا دميمًا قَضَوا عليها، ومن ذلك قول مسيو ترُوبْلُونْغ: كانت المرأة السيئة الحظ التي لا تضع في إسبارطة ولداً قوياً صالحاً للجندية تُقتَل، وقال: كانت المرأة الولود تُؤخذ من زوجها بطريق العارية؛ لتَلِد للوطن أولاداً من رجل آخر.

стр. 389

ولم يَنَل حُظوَةً من نساء الإغريق في دور ازدهار الحضارة اليونانية سوى بنات الهوى اللاتي كنَّ وحدَهن على شيء من التخرج. وكان جميع قدماء المشترعين يُبدون مثل تلك القسوة على المرأة، ومن ذلك قول شرائع الهندوس «ليس المصير المقَدَّر والريح والموت والجحيم والسم والأفاعي والنار أسوأ من المرأة.» ولم تكن التوراة أرحم بالمرأة من شرائع الهند، ومن ذلك قول سِفر الجامعة: «إن المرأة أمرُّ من الموت»، وإن «الصالح أمام لله ينجو منها ... رجلاً واحداً بين ألف وجدتُ، أما امرأة فبين كل أولئك لم أجد.» شكل ٤ - ٥: فتاة مراكشية (من صورة فوتوغرافية). وليست أمثال مختلف الأمم أكثر اعتدالاً، فالمثل الصيني يقول: «أنصت لزوجتك ولا تصدِّقها». والمثل الروسي يقول: «لا تجد في كل عشر نسوة غير روح واحدة»، والمثل

стр. 390

الإيطالي يقول: «الِمهْمَازُ للفرس الجواد والفرس الجموح، والعصا للمرأة الصالحة والمرأة الطالحة»، والمثل الإسباني يقول: «احذر المرأة الفاسدة ولا تركن إلى المرأة الفاضلة.» شكل ٤ - ٦: فتاة عربية من الجزائر (من صورة فوتوغرافية) وتعُدُّ جميعُ الشرائع الهندوسية واليونانية والرومانية والحديثة المرأةَ من فَصِيلة الإماء أو الصبيان، ومن ذلك قول شريعة مَنُو: «تخضع المرأة في طفولتها لأبيها، وفي شبابها لزوجها، وفي تَأَيُّمها لأبنائها إذا كان لها أبناء، وإلا فإنها تخضع لأقرباء بَعْلَها، أي لا يجوز تركُ أمرها لها»، ويَقْرُب من هذا ما ورد في شرائع اليونان والرومان، فقد كان سلطان الرجل في رومة على زوجته مطلقاً، وكانت تعد أمةً لا قيمة لها في المجتمع، ولم يَكن لها قاضٍ سوى زوجها الذي بيده حقُّ حياتها وحق مَوتها، ولم تعامل الشريعة اليونانية المرأةَ بأحسنَ من هذا، وهي لم تعترف لها بأيِّ حق، ولا بحق الميراث.
следующие страницы →