← Общие книги

Общие книги · id 150939

حضارة العرب - غوستاف لوبون

غوستاف لوبون

Полный текст (598 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

شكل ٤ - ٣: امرأة بربرية من الجزائر (من صورة فوتوغرافية). من الشأن ما اتفق لأخَوَاتهن حديثاً في أوربة، وذلك حين انتشار فروسية عرب الأندلس وظَرْفِهم. وقد ذكرنا في فصلٍ سابق أن الأوربيين أخذوا عن العرب مبادئ الفروسية وما اقتضته من احترام المرأة، والإسلام، إذن، لا النصرانية، هو الذي رفع المرأة من الدَّرك الأسفل الذي كانت فيه، وذلك خلافاً للاعتقاد الشائع، وإذا نظرتَ إلى سنيورات نصارى الدور الأول من القرون الوسطى رأيتَهم لم يحملوا شيئاً من الحُرمة للنساء، وإذا تصفحت كُتُب تاريخ ذلك الزمن وجدتَ ما يُزيل كلَّ شك في هذا الأمر، وعلمت أن رجال عصر الإقطاع كانوا غِلاظاً نحو النساء قبل أن يتعلم النصارى من العرب أمر معاملتهنَّ بالحسنى، ومن ذلك ما جاء في تاريخ غاران لُولُوهِيرَان عن معاملة النساء في عصر شارلمان وعن معاملة شارلمان نفسه لهنَّ كما يأتي: «انقضَّ القيصر شارلمان على أخته في أثناء جدال، وأخذ بشعرها وضربها ضرباً مبرِّحاً، وكسر بقفَّازه الحديدي ثلاثاً من أسنانها»، فلو حدث مثل هذا الجدل مع سائق عربةٍ في الوقت الحاضر لبدا هذا السائق أرَقَّ منه لا ريب.

стр. 387

ومن الأدلة على أهمية النساء أيام نضارة حضارة العرب كثرَةُ من اشتهر منهن بمعارفهن العلمية والأدبية، فقد ذاع صيتُ عددٍ غير قليل منهن في العصر العباسي في المشرق والعصر الأموي في إسبانية، ونذكر منهنَّ بنتَ أحد الخلفاء، الذي كان جالساً على عرش الخلافة سنة ٨٦٠ (! ) ولَّادَة التي لُقِّبت بسافو قرطبة، وقال كونده مُلخِّصاً ما ذكره مؤرخو عبد الرحمن الثالث: كان عبد الرحمن الثالث، وهو يتمتع بأطايب مدينة الزهراء، يحبُّ أن يستمع إلى أغاني جاريته وأمينة سِرَّه العذبة مُزْنَةَ وإلى فتاة قرطبة الكريمة عائشة، التي روى ابن حيان أنها كانت أعقل بنات عصرها وأجملهنَّ وأعلمهن، وإلى صفية التي كانت شاعرةً باهرة الجمال ... »، وأضاف مؤرخو الحكم الثاني إلى ذلك قولَهم: «إن نساء ذلك الزمن ــ الذي كان للعلم والأدب شأنٌ عظيم فيه ببلاد الأندلس ــ كنَّ مُحبَّات للدرس في خُدُورهن، وكان الكثير منهن يتميَّزن بدماثتهن ومعارفهن، وكان قصر الخليفة يضمُّ لُبنى، أي هذه الفتاة الجميلة العالمة بالنحو والشعر والحساب وسائر العلوم والكاتبة البارعة التي كان الخليفة يعتمد عليها في كتابة رسائله الخاصة، والتي لم يكن في القصر مثلها دقةَ تفكيرٍ وعذوبةَ قريضٍ، وكانت فاطمة تكتب بإتقان نادر، وتنسخ كتباً للخليفة، ويُعجب جميع العلماء برسائلها، وتَملك مجموعة ثمينة من كتب الفن والعلوم، وكانت خديجة تَنْظِم الأبياتَ الرائعة وتُنشِدها بصوتها الساحر، وكانت مريم تعلِّم بنات الأسُر الراقية في إشبيلية العلمَ والشعر مع شهرةٍ عظيمة فتخرَّجت في مدرستها نساءٌ بارعات كثيرات، وكانت راضية، المعروفة بالكوكب السعيد والتي حَرَّرها الخليفة عبد الرحمن وتَنَزَّلَ عنها لابنه الحكم، نابغة عصرها في القريض ووضع القصص الرائعة فساحت في الشرق بعد موت الخليفة، وكانت محلَّ هُتاف العلماء في كل مكان. وخَبَت حضارة قدماء الخلفاء الساطعة في عهد وارثي العرب، ولا سيما في عهد الترك، فنقص شأن النساء كثيراً، وسَأبُيِّن في مكان آخر أن حالتهن الحاضرة أفضل من حالة أخواتهن في أوربة حتى عند الترك، وما تقدم يُثْبِت أن نقصان شأنهن حدث خلافاً للقرآن، لا بسبب القرآن على كل حال.

стр. 388

وهنا نستطيع أن نكرر، إذن، قولَنا: إن الإسلام، الذي رفع المرأة كثيراً، بعيد من خفضها، ولم نكن أول من دافع عن هذا الرأي، فقد سَبَقَنا إلى مثله كوسان دوبرسفال ثم مسيو بَارْتِلْمِي سَنْت هِيلِر. شكل ٤ - ٤: امرأة بربرية من جوار بسكرة (من صورة فوتوغرافية). ولم يقتصر فضل الإسلام على رفع شأن المرأة، بل نُضيف إلى هذا أنه أول دين فعل ذلك، ويَسْهُل إثبات هذا ببياننا أن جميع الأديان والأمم التي جاءت قبل العرب أساءت إلى المرأة، وهذا ما أوضحناه في كتابنا الأخير، فلا نرى غير تكرار ما ذكرناه فيه لإقناع القارئ: كان الأغارقة، على العموم، يَعُدُّون النساء من المخلوقات المنحطة التي لا تنفع لغير دوام النسل وتدبير المنزل، فإذا وَضَعَت المرأة ولدًا دميمًا قَضَوا عليها، ومن ذلك قول مسيو ترُوبْلُونْغ: كانت المرأة السيئة الحظ التي لا تضع في إسبارطة ولداً قوياً صالحاً للجندية تُقتَل، وقال: كانت المرأة الولود تُؤخذ من زوجها بطريق العارية؛ لتَلِد للوطن أولاداً من رجل آخر.

стр. 389

ولم يَنَل حُظوَةً من نساء الإغريق في دور ازدهار الحضارة اليونانية سوى بنات الهوى اللاتي كنَّ وحدَهن على شيء من التخرج. وكان جميع قدماء المشترعين يُبدون مثل تلك القسوة على المرأة، ومن ذلك قول شرائع الهندوس «ليس المصير المقَدَّر والريح والموت والجحيم والسم والأفاعي والنار أسوأ من المرأة.» ولم تكن التوراة أرحم بالمرأة من شرائع الهند، ومن ذلك قول سِفر الجامعة: «إن المرأة أمرُّ من الموت»، وإن «الصالح أمام لله ينجو منها ... رجلاً واحداً بين ألف وجدتُ، أما امرأة فبين كل أولئك لم أجد.» شكل ٤ - ٥: فتاة مراكشية (من صورة فوتوغرافية). وليست أمثال مختلف الأمم أكثر اعتدالاً، فالمثل الصيني يقول: «أنصت لزوجتك ولا تصدِّقها». والمثل الروسي يقول: «لا تجد في كل عشر نسوة غير روح واحدة»، والمثل

стр. 390

الإيطالي يقول: «الِمهْمَازُ للفرس الجواد والفرس الجموح، والعصا للمرأة الصالحة والمرأة الطالحة»، والمثل الإسباني يقول: «احذر المرأة الفاسدة ولا تركن إلى المرأة الفاضلة.» شكل ٤ - ٦: فتاة عربية من الجزائر (من صورة فوتوغرافية) وتعُدُّ جميعُ الشرائع الهندوسية واليونانية والرومانية والحديثة المرأةَ من فَصِيلة الإماء أو الصبيان، ومن ذلك قول شريعة مَنُو: «تخضع المرأة في طفولتها لأبيها، وفي شبابها لزوجها، وفي تَأَيُّمها لأبنائها إذا كان لها أبناء، وإلا فإنها تخضع لأقرباء بَعْلَها، أي لا يجوز تركُ أمرها لها»، ويَقْرُب من هذا ما ورد في شرائع اليونان والرومان، فقد كان سلطان الرجل في رومة على زوجته مطلقاً، وكانت تعد أمةً لا قيمة لها في المجتمع، ولم يَكن لها قاضٍ سوى زوجها الذي بيده حقُّ حياتها وحق مَوتها، ولم تعامل الشريعة اليونانية المرأةَ بأحسنَ من هذا، وهي لم تعترف لها بأيِّ حق، ولا بحق الميراث.

стр. 391

ومن غير أن نذهب بعيداً إلى أحكام القوانين والديانات القديمة في نقص المرأة عقلاً وأخلاقاً، أذكر أن بعض العلماء المعاصرين أثبتوا ذلك النقص مستندين إلى عوامل تشريحية ونفسية كثيرة، فحاولوا إقامة الدليل على أن الحضارات كلما تقدمت اختلفت المرأة عن الرجل ذكاء. ولا يظن القارئ أن العرب، الذين احترموا المرأة أكثر من أية أمة ظهرت، لم يوافقوا على الرأي القديم القائل بنقص المرأة عقلاً وأخلاقاً، فشكوكهم في وفاء المرأة كبيرة إلى الغاية، وذلك أن المرأة في نظرهم من المخلوقات الصغيرة الجميلة الفاتنة العابثة اللاهية التي لا يُرْكَن إلى ثَبات جَنانها طرفة عين، وقديماً قال مشترع الهند الرزين مَنُو الذي ظهر قبل مُحَمَّد بأكثرَ من ألفي سنة: «تُعد المرأة زانيةً إذا خلت بالرجل مُدةً تكفي لإنضاج بَيْضَة.» أجل، إن المدة التي حددها مَنُو لإصدار هذا الحكم الصارم قليلة، ولكنه نشأ عن اعتقاد الشرقيين صحة ذلك تقييدُهم لحرية المرأة وإكراهها على العَيش في دوائر الحريم، وهذا لا يعني أنهم يَرَون عِصمة المرأة بين الجدُر والخِصيان، وإنما حملوها على العيش في هذه الدوائر لعدم اكتشافهم علاجاً أفضل منه، ومن يُنْعِم النظر في أقاصيصهم الشعبية يَرَ فيها أثراً لهذا الاعتقاد، فاقرأ رواية ألف ليلة وليلة العجيبة، مثلاً تجد أن فاتحتها الدقيقة تدور حول مَيْل المرأة إلى الخداع بطبيعتها، وأن المرأة لو حُبِست في قفص من زجاج وراقبها مَلَكٌ مِغيار لاستطاعت، في الغالب، أن تخادع كما تشاء، والشرقيون، إذ كانوا مُطَّلِعين بغرائزهم على سرائر الأمور، يَرَون من طبيعة المرأة أن تكون غادرةً غيرَ وفيَّة كما أن الطيران من طبيعة الطير، والشرقيون، إذ كانوا حريصين على صفاء نَسلهم، اتخذوا ما يروقُهم من وسائل الحذر منعاً لحدوث ما يَخشَون. (٣) الزواج عند العرب أباح القرآن للمسلم أن يتزوج أربعَ نِسوَة من الحرائر وما شاء من الإماء، ويُعد أولاد الإماء شرعيين كأولاد الحرائر. وللزوج أن يُطَلِّق زوجته، ولكنه يجب عليه أن يصنع ما يَكْفُل به مصيرها. وفي بلد كالشرق، حيث يَسْهُل الزواج فيتزوج الرجال والنساء في مَيعَة الشباب يُدْرَك السر في إمكان صرامة الطبائع بأشد مما في أوربة، والحق أن الطبائع في الشرق صارمة، وأن من النادر أن ترى رجلاً يتملَّق زوجةَ رجلٍ آخر لمخالفة ذلك للطبيعة عند الشرقيين

стр. 392

مع عدِّه أمراً طبيعياً لدى الأوربيين، «فلا ترى هنالك، كما قال الدكتور إيزَنْبِرْت، مثلَ، ما يُكَدِّر صفو الحياة الزوجية في أوربة من الخيانة التي هي أعظم إفساداً للأخلاق من تعدد الزوجات على ما يحتمل.» وتحاط المرأة في الشرق برقابة شديدة، ولا يزورها رجل، ولا تخرج من بيتها إلا مبرقعة، وإذا عَدَوْتَ الآستانة وجدت النساء الشرقيات مصحوبات على العموم، ولا يتعرض أحد لهن إلا نادراً، ولا نَعْجَب كثيراً، إذن، من قول الشرقيين إن نساءهم أفضل من الأوربيات. ولا يزال رب الأسرة الشرقية محافظاً على سلطانه خلافاً لما هو واقع في الغرب، ولا تُكَلِّمُ النساء الشرقيات أزواجهن إلا بأدب، ويقتدي الأولاد بهن بطبيعة الحال، ويتمتع رب الأسرة الشرقية، في الحقيقة، بمثل ما كان يتمتع به ربُّ الأسرة في رومة الغابرة من السلطان والامتيازات، ولا يجد الشرقيون فينا ما يُثير حسدهم من هذه الناحية. وينظر العرب شزراً إلى العزوبة، والعزوبةُ تزيد في الغرب شيوعاً كلَّ يوم كما دلت عليه الإحصاءات، ومتى بلغ العربيُّ العشرين من عمره تزوج على العموم، ومتى بلغت العربية ما بين السنة العاشرة والسنة الثانية عشرة من عمرها تزوجت على العموم، وقد اعترف إيبر بفائدة هذه العادة فقال: «لا يسعنا إلا الشهادة بحسن تلك الروح البَيْتِيَّة، وصلاح تلك الحياة المنزلية.» ويمتاز الزواج الشرقي من الزواج الأوربي، فيما عدا مبدأ تعدد الزوجات، بأن الزوج في الشرق هو الذي يدفع إلى أهل الزوجة مهراً متحوِّلاً بحسب ثروتيهما، وبأن الزوجة عند أكثر الغربيين، ولا سيما طبقاتُهم الموسرة، هي التي تدفع مبلغاً من المال يُعرف بالدُّوتَة لتنال زوجاً. وحقوق الزوجة التي نص عليها القرآن ومفسروه أفضلُ كثيراً من حقوق الزوجة الأوربية، فالزوجة المسلمة تتمتع بأموالها الخاصة فضلاً عن مهرها، وعن أنه لا يُطلب منها أن تشترك في الإنفاق على أمور المنزل، وهي إذا أصبحت طالقاً أخذت نَفَقَةً، وهي إذا تأيَّمت أخذت نفقةَ سنةٍ واحدة، ونالت حصة من تركة زوجها. وتعامَل المرأة المسلمة باحترام عظيم فضلاً عن تلك الامتيازات، وتنال بذلك حالاً أجمع الباحثون المنصفون، ومنهم من ناصب بعاطفته مبدأ تعدد الزوجات العِداء، على الاعتراف بحسنها، ومن هؤلاء مسيو دو أَمِسِيس الذي قال في مَعرِض الحديث عن المرأة في الشرق، وذلك أن أنحى باللائمة على تعدد الزوجات وَفْقَ وجهة نظره الأوربية: «إن

стр. 393

شكل ٤ - ٧: فتاة سورية (من صورة فوتوغرافية). المرأة في الشرق تُحترم بنُبْل وكرم على العموم، فلا أحد يستطيع أن يرفع يده عليها في الطريق، ولا يجرؤ جنديٌّ أن يسيء إلى أوقح نساء الشعب حتى في أثناء الشغب، وفي الشرق يَشمل البعل زوجته بعين رعايته، وفي الشرق يبلغ الاعتناء بالأم درجة العبادة، وفي الشرق لا تجد رجلًا يُقدم على إلزام زوجته بالعمل ليستفيد من كسبها، وفي الشرق يدفع الزوج مهراً إلى زوجته فلا تجيء الزوجة إلى بيت زوجها مصحوبةً بأكثر من جهازها ومن بضع إماء لها، وإذا طُلِّقَت الزوجة في الشرق أو هُجِرت أعطاها الرجل نَفَقَةً لتعيش عن سعة، وحَمْلُ الزوج بعد الفراق على القيام بهذا الإنفاق يمنعه من إساءة معاملتها حَذَرَ مطالبته بالفراق.» والاعتراض الوحيد الظاهر الذي يوجَّه إلى مبدأ تعدد الزوجات هو أنه يجعل المرأة تَعِسَة، وقد أجمع على فساد هذا الزعم الذي طال أمَده جميعُ الأوربيين الذين درسوا أمره في الشرق عن كَثَب، فبعد أن ذكر مسيو إيبر، الذي بدا خصمًا لمبدأ تعدد الزوجات مع تردُّدٍ، أن المسلمات لا يتظلمن منه قال: «قد يظهر لأخواتهن الأوربيات أنهن من الذليلات، ولكنهن لا يشعرن بأنهن أسيرات مطلقاً، وهن يقلن ــ في الغالب ــ لنسائنا اللاتي يَزُرْنَهُنَّ: إنهن لا يَقْبَلْنَ استبدال حالنا بحالهن.»

стр. 394

شكل ٤ - ٨: امرأة تركية بالزي البلدي (من صورة فوتوغرافية). ولم يكن مدير مدرسة اللغات في القاهرة، مسيو دوفوجاني، أقلَّ صراحة من ذلك: فقد قال: «تَعُدُّ المسلماتُ أنفسهن غير تعسات من حياة العُزلة التي يَفْرِضها عليهن نظام الحريم، فهن إذ يولَدن في دوائر الحريم غالباً يترعرعن فيها جاهلاتٍ وجودَ حياة لبنات جنسهن أفضلَ من تلك الحياة مُعرضاتٍ عن الحرية التي تتمتع بها الأوربيات، ولا غرو، فدوائر الحريم كانت مسرح طفولتهنَّ ومسراتهنَّ الأولى وهواجسهنَّ الأولى. «ويقال إن العادة طبيعة ثانية، فإذا صحَّ هذا القول كانت حياة الحريم طبيعة ثانية لبنات الشرق، فهن إذ يتعوَّدن السير في دائرةٍ يعرفن حدودها لا يُفكِّرن حتى في التحرر منها، وهن حين يتزوَّجن ينتقلن من دوائر آبائهن إلى دوائر أزواجهن حيث يتمتَّعن بأنعُمٍ جديدة ويفتحن قلوبهن، الخاليةَ من تَرَحٍ تُورِثه تربيةٌ دقيقة، لمعاني السعادة، وما يلاقينه من رعاية أزواجهن يجعل هذه السعادة أمراً ميسوراً، والمسلم يحبُو بكل جميل وبكل ثمين، والمسلم يحب أن يعرض في دوائر حريمه كل ما ينمُّ على الترف والزخرف مع أنه يرضى لنفسه برقعةٍ مُتَّضِعَةٍ إذا ما قيست بتلك.» ونَقَضَ ذلك العالم الرأي القائل: «إن نساء الشرق جاهلات جهلاً عميقاً»، وذكر أنهن أعظم تعليماً من أكثر نساء أوربة، وأن منهن من ينتسبن إلى أرقى الطبقات، وقال:

стр. 395

«إن التعليم كثيرُ الانتشار في دوائر الحريم، وليس من القليل أن تجد نساءً متزوجاتٍ وغيرِ متزوجاتٍ تجيد كلُّ واحدة منهن العربية والفرنسية والإنكليزية والتركية تكلماً وكتابة، فإذا ما اجتمع عددٌ كبير من المسلمات الراقيات في دوائر الحريم تحادثن باللغة الفرنسية غالباً»، وأما أنا فلم أشاهد عدداً كبيرًا من الباريسيات اللاتي يتكلمن بأربع لغاتٍ تكلماً صحيحاً أو غير صحيح. ولا تَقُل: إن طرق حياة النساء في الشرق مانعةٌ من تعليمهن في كل وقت، فقد رأيتَ مما تقدم أن عدد النساء اللاتي اشتهرن أيام ازدهار حضارة العرب بعلومهن كان كثيراً إلى الغاية، ولم يستند الكتُّاب الذين تحدثوا عن جهل المرأة الشرقية إلا إلى حال الإماء اللاتي يُجلبن من أقاصي الأقطار، ويُشترين من أسواق النِّخاسة ويشاهَدن في بعض دوائر الحريم، وما هؤلاء الكتَّاب إلا كمن يَستنبط رُقيَّ السيدة الباريسية الفاضلة من حال خادمة غرفتها. (٤) الحريم في الشرق كلمة «الحريم» لفظٌ عام يدل عند العرب على كلِّ ما هو مقدس، فإذا ما طُبِّقت هذه الكلمة على منزل دَلَّت على أمنع قسم منه وأشدِّه حرمةً لدى المسلم، أي على المكان الذي تسكنه نساؤه. ويَنسج الأوربيون، على العموم، أفسد الآراء حول دوائر الحريم في الشرق، ويَعُدُّون دوائر الحريم دُورَ فسقٍ يسكنها نساءٌ سجينات تَعِسات يَقْضِين أوقاتهن في البطالة ويَلعنَّ حظهنَّ. وقد بيَّنا درجة بُعدِ هذه الأحكام من الصحة، ويقضي جميع الأوربيين الذين يدخلون دوائرَ الحريم كلَّ العجب من حب النساء فيها لأزواجهن، ومن تربيتهن لأولادهن، وتدبيرهن لأمور منازلهن، ورضاهن بما قُدر لهن، واعتقادهن تقهقرهن إذا ما حُمِلن على تبديل حال الأوربيات بحالهن، وهن يتوجعن بإخلاص من إلزام الأوربيات بالأشغال وبالأعمال اليدوية مع أنهن لا يعتنين إلا بأسُرهن وأزواجهن ذاهباتٍ إلى أن المرأة خُلِقت لهذا. وينظر الشرقيون إلى الأوربيين الذين يُكْرِهون نساءهم على التجارة والصناعة والأشغال ... إلخ، كما ننظر إلى حصان أصيل يستخدمه صاحبه في جَرِّ عَرَبة أو إدارة حجر رحًى، فيجب ألا يكون على المرأة، عند الشرقيين، غيرُ إدخال السرور إلى قلب الرجل

стр. 396

وتربية الأسرة، ولا يرى الشرقيون أن المرأةَ التي تزاول أعمالاً أخرى تستطيع أن تقوم بدَوْرِها هذا على الوجه اللائق. وتترك الأممُ بعضَ الأثر في نفس من يزورها، ولذا أشارك الشرقيين في رأيهم ذلك مشاركةً تامة، وأقول، مع ذلك: إن كلَّ شيء في دوائر الحريم لا يسير كما يُرام، وإن دوائر الحريم في المدن التركية الكبيرة على الأقل، ولا سيما في الآستانة، تُورِث فساداً كبيراً، وإن أخلاق الحريم في الآستانة هيِّنَةٌ في الوقت الحاضر كالتي تشاهد في عواصمنا الغربية الكبرى، وإن نفوذ الأوربيين وزيادة الترف والفقر الشائع، بعد الحرب الأخيرة على الخصوص، أمورٌ أدت إلى انحلال الأخلاق، وإنك تَجِد في الآستانة نساءً كثيراتٍ، ومنهن من يَنْتَسِبن إلى بعض الأعيان، لا يَصعُب نيل الحُظوة لديهن بدراهم تُدفع إلى حَرَس الحريم من غير ضرورةٍ إلى كبيرِ عناءٍ في الغالب. شكل ٤ - ٩: داخل قصر أسعد باشا (من صورة فوتوغرافية التقطها المؤلف). وروت زوجة محمد باشا القبرسيِّ الذي كان رئيساً للوزارة العثمانية في كتابها «الإنكليزي» الحديث الذي اسمه «ثلاثون سنة في الحريم»، وذلك بعد أن قَضَت حياتها

стр. 397

في دوائر حريم أكابر الأعيان: أنه كان من عادة نساء السلطان عبد المجيد أن ينَادِين السَّابلة من نوافذ قصرهنَّ، وأن من يلبِّي الدعوة من أولئك السابلة يُخْنَقُ في الغد كتماً للسر، وأن خبر ما وقع من الفِسق لا يشيع على العموم، وأنه كان من حَذَر نازلي هانم بنتِ عزيز مصر، محمد علي، أن تقتل جميع عشاقها من المارين، وأنها كانت مع ذلك شديدةَ الغَيرة كما يدل عليه ما يأتي: «حدث أن قال المرحومُ زوجُها، ذاتَ مرةٍ، للجارية التي أحضرَت إليه ماء: «كفى يا حَمَلي! »، فلما وصل خبر هذه الكلمة إلى تلك الأميرة اضطربت، وأمرت بخنق تلك الجارية التَّعسة، وحَشْوِ رأسها بالأرُزِّ وطهوه ووضعه في طبق وتقديمه إليه، فلما عُرض عليه قالت له: «كل قطعةً من حَمَلك إذن»، فرمى هنالك مِنْشَفَتَه وتوارى، ولم يَبْدُ مَلياً كارهاً لها بعد ذلك.» شكل ٤ - ١٠: كفة ميزان نحاسية مكفتة بالفضة مصنوعة في دمشق (من صورة فوتوغرافية التقطها المؤلف). نقلتُ ما تقدم ليطلع القارئ على ما يقال في مدح مبدأ تعدد الزوجات، وعلى ما قد يقال في ذَمة، وإنما أرى أن مساوئه تتجلى، على الخصوص، في دوائر حريم أعيان الترك حيث تُحَاك الدسائس التي هي سياسية أكثر منها غراميةً، لا في دوائر حريم الطبقات الوسطى، وأرى أن مَثَل من يحاول تقدير نظام الحريم بتلك الروايات كمثل من يُقدِّر مبدأ الاقتصار على زوجة واحدة بالفضائح التي تَضِجُّ محاكمنا منها في كل يوم، أو

стр. 398

بالقضايا التي تُرْفَع على بعض رجال الدين النصرانيِّ؛ لعدم قيامهم بما يجب عليهم من الطُّهر والعفاف. وإنني أطمع أن يعتقد القارئ، بعد وقوفه على ما تقدم، أن مبدأ تعدد الزوجات أمرٌ طيب، وأن حبَّ الأسرة وحسنَ الأدب وجميلَ الطبائع أكثرُ نمواً في الأمم القائلة به مما في غيرها على العموم، وأن الإسلام حسَّنَ حال المرأة كثيراً، وأنه أولُ دينٍ رفع شأنها، وأن المرأة في الشرق أكثرُ احتراماً وثقافةً وسعادةً منها في أوربة على العموم تقريباً.

стр. 399

الفصل الخامس الدينُ والأخلاق (١) تأثير الدين في المسلمين تكلمنا فيما تقدم عن أحكام القرآن كما عَلَّمه مُحَمَّد منذ ثلاثةَ عشرَ قرناً، ولكن القرآنَ دستورٌ مكتوب، ويوجد فَرْق بين التعاليم المكتوبة والعمل بها في الغالب، وإذا ما أراد الإنسان أن يَعْلَم أهمية هذه التعاليم وَجَب عليه أن يدرس درجةَ تأثيرها في الحياة، وحدودُ هذا التأثير هو الذي تُهِمُّ معرفته إذن، وهذا لا نستطيعه إلا بالدخول فيما لم نأتِه حتى الآن من التفصيل: تأثيرُ دين محمد في النفوس أعظم من تأثير أي دين آخر، ولا تزال العروق المختلفة التي اتخذت القرآن مرشداً لها تعمل بأحكامه كما كانت تفعل منذ ثلاثة عشر قرناً، أجل، قد تجد بين المسلمين عدداً قليلاً من الزنادقة والأخْلِياء، ولكنك لن ترى من يَجرؤ منهم على انتهاك حرمة الإسلام في عدم الامتثال لتعاليمه الأساسية كالصلاة في المساجد وصوم رمضان الذي يراعِي جميعُ المسلمين أحكامه بدقة مع ما في هذه الأحكام من صرامةٍ لا تجد مثلَها في صوم الأربعين الذي يقوم به بعض النصارى كما شاهدتُ ذلك في جميع الأقطار الإسلامية التي زُرتها في آسية وإفريقية، ومن ذلك أن أتيح لي أن أركب سفينة نيلية كان فيها أفرادُ عصابةٍ عربية مُقَرَّنين في الأصفاد، ومُتهمين بأنواع الجرائم؛ فقضيتُ العجب حين رأيتهم، وهم الذي خرقوا حومةَ جميع القوانين الاجتماعية مستخفِّين بأقسى العقوبات، ولم يجرؤوا على انتهاك تعاليم النبي، وحين شاهدتهم يرفعون تلك الأصفاد عنهم وقت الصلاة ليسجدوا لله القهَّار ويعبدوه. وعلى من يرغب في فهم حقيقة أمم الشرق، التي لم يُدرِك الأوربيون أمرها إلا قليلاً، أن يتمثل سلطانَ الدين الكبير على نفوس أبنائها، وللدين ذي التأثير الضئيل فينا نفوذٌ عظيم فيهم، وبالدين يُؤْثَّر في نفوسهم، ولولا الدين ما حُرِّكَ ساكن المصريين منذ الثورة

стр. 400

الحديثة التي ضَرَّجت مصر بالدماء، وقد تَجَلَّت لي صعوبة إدراك الناس لروح الأمم الأخرى من مطالعة الصحف الأوربية التي ذَكَرت أن ثورة عرب مصر الأخيرة حدثت لينالوا من الحقوق السياسية ما يجهلونه بالحقيقة جهلاً تاماً، وذلك أن العرب إذ تعودوا الإذعان لأهواء ربٍّ، ولم يَصْعَب عليهم الإذعان لوكلائه، وأن الرجل الذي يخاطب العرب باسم لله يُطاع لا محالة، ما عَلِموا أنه يتكلم باسم لله حقاً، فعلى الراصد المؤمن أو الملحد أن يحترم هذا الإيمان العميق الذي استطاع العربُ أن يفتحوا العالم به فيما مضى، وهم اليوم يَصبِرون به على قَسوَة المصير. حقاً إن مثل تلك المعتقدات يُورِثُ الجموع أوهاماً جميلةً تُعدُّ عنوان السعادة، والجموع تُبصِر من خلالها نعيم الآخرة الذي لا تَرَى مثله في هذه الحياة الدنيا، وهي تصونها من الوقوع في اليأس وما يَجُرُّ إليه اليأس من الفِتن الشديدة، ويجب على من يستخف بتلك الأوهام أن يستخف بجميع الأوهام؛ ليكون منطقياً فيزدري المجد والطموح والحب وجميعَ الخيالات الساحرة الجديرة بالاحترام التي نقضي حياتنا وراء تحقيقها، وهذه الأوهامُ أعظم عامل في سَيْر الإنسان حتى الآن، والمفكر الذي يكتشف ما يُغْني الناسَ عنها لم يُولَد بعد. (٢) الطقوس الدينية في الإسلام (٢ - ١) الفِرَق الإسلامية أرى أن أقول بضع كلماتٍ عن الفِرَق الإسلامية قبل وصف طقوس العرب الدينية الأساسية: يشتمل الإسلام على عدة فِرَق ككل دين، وبلغ عدد الفِرَق الإسلامية، منذ أوائل التاريخ الهجري، اثنتين وسبعين فِرقةً، وأكثر من هذا عدد الفِرق البروتستانية وحدها. وفرقة أهل السنة وفرقة الشيعة أقدم الفرق الإسلامية وأهمها، فأما الشيعة: فيزعمون أن الخلافة لصهر النبي عليِّ، ويحترمون علياً كاحترامهم لمحمد تقريباً، وأما أهل السنة: فيَرَون خِلافة الخلفاء صحيحةً وَفق ترتيبهم، ويمثِّلُ أهل السنة الفريق الصحيح. وإذا ما استثنينا تينك الفِرقتين رأينا فِرَقاً ثانوية في الإسلام، وأهمُّها الوهابية التي ظهرت منذ قرن فأقامت دولةً قوية في وسط جزيرة العرب، وتزعم الوهابية أنها تُعيد إلى الإسلام صفاءه القديم، والوهابيون بروتستان الإسلام في الحقيقة.

стр. 401

شكل ٥ - ١: محراب في الجامع الأزهر بالقاهرة (من صورة فوتوغرافية التقطها المؤلف). والفُرْس من الشيعة، والعرب والترك من أهل السنة، وأهل نجد من الوهابيين. وينظر بعض تلك الفرق إلى بعض بعين التسامح، وتصلح الفرق في سورية ــ على الخصوص ــ أن تكون قُدوَةً لمختلف الفِرق النصرانية، وأنت لا تجد في العالم الإسلامي محاكم مثل محاكم التفتيش ألُّفت لحمل أنصار فرقةٍ على انتحال مبادئ فرقة أخرى بالحديد والنار، وأنت تجد أساتذة منتسبين إلى مختلف المذاهب يعيش بعضُهم بجانب بعض متفاهمين في الجامع الأزهر الذي هو أهم موئلٍ للتعليم الديني في الشرق. ولنذكر الآن طقوس العرب الدينية المهمة: الصلاة: الصلاة من أهم العبادات التي نصَّت عليها شريعة مُحَمَّد. المسلم لا يَفِرُّ من أدائها مهما كانت أمُّته وطبقته. ويجب أن تؤدَّى الصلاة خمس مرات في أوقات معينة من كل يوم كما أمر النبي، ويدعو المؤذنون من المآذن، في بلاد الإسلام الواسعة، معشرَ المسلمين إلى الصلاة

стр. 402

شكل ٥ - ٢: ضريح ولي عربي في غابة البليدة المقدسة (الجزائر، من صورة فوتوغرافية). بأصواتهم الجهيرة وقت الفجر ووقت الظهر ووقت العصر ووقت المغرب ووقت العشاء، وصيغة الأذان هي: الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا لله، أشهد أن محمداً رسول لله، حي على الصلاة. وإذا ما تم الأذان قام المسلمون إلى الصلاة رافعين أيديهم إلى آذانهم، ثم وضعوها تحت سُرَّاتهم تالين ما تيسَّر من القرآن، ثم ركعوا وسجدوا غير مرة. ويُؤدِّي المسلمون صلاة الجمعة وقت الظهر في المساجد بعد أن يستمعوا إلى خُطبة الإمام، ويدوم ذلك ثلاثةَ أرباع الساعة. وعلى المسلم أن يتوضأ قبل الصلاة، وتجد في كل مسجد حَوْضاً للوضوء. الصوم: الصوم من أهم عبادات الإسلام أيضاً، ويصوم المسلمون على اختلاف طبقاتهم، ويراعِي المسلمون في صيامهم شروطَ الصوم الشديدة بدقة يَصعب على الأوربي أن

стр. 403

يتصورها، ويقوم الصوم في شهر رمضان الذي يَحِلُّ في فصولٍ مختلفةٍ مع السنين، على الامتناع عن الأكل والشرب والتدخين من الفجر إلى غروب الشمس. ويتضمن امتناع المسلم عن الشرب والتدخين في النهار قهراً لنفسه، فإذا ما اقترب وقت الغروب رأيت المسلمَ حاملاً سيغارته أو ممسكاً أنبُوب نارجيلته منتظراً، فارغَ الصبر، إيذان المؤذن بحلول وقت الإفطار، وإذا ما غربت الشمس استدرك المسلم ما فاته، وتناول طعاماً وافراً. شكل ٥ - ٣: القسم الأعلى لمزار العباسيين الذي اكتشف حديثاً في القاهرة (من صورة فوتوغرافية). وفي ليالي شهر رمضان تُنارُ القَهَوَات، وتُمَثَّلُ الروايات، وتشاهد الألعاب بعد الإفطار، وتُضاء المساجد. الأعياد الدينية: أعياد المسلمين الدينية، خلا رمضان كثيرةٌ، وأذكر منها يومَ مولد النبي، وليلة نصف شعبان المرهوبة التي تُوزَن فيها مصاير الناس وتُنَظَّم، وعيد الأضحى الذي يدوم أربعة أيام من آخر أشهر السنة ويَرمُزُ إلى ضَحِيَّة إبراهيم. وتذبح كلُّ أسرة خَروفاً أو حيواناً آخر في عيد الأضحى، ويَلبَس المسلمون أفخر الملابس، ويمشون في الأسواق، وتضاء المساجد بالمصابيح ذات الألوان، وأَعُدُّ الليلة التي نظرتُ فيها إلى ميناء رودسَ المُنارِ ليلةَ عيد الأضحى من أروع ما رأيت في حياتي.

стр. 404

وبلغ تأثير الإسلام في أدق شؤون العرب مبلغاً تكون معه جميع مراسمهم أعمالاً دينية، ومن تلك المراسم: أنكحتُهم وختاناتهم التي وَصَفْنَاها في فصل سابق، والتي ليست، في الحقيقة، سوى أعمال دينية ومدنية معاً. الحج: يُعد حجُّ المسلم لمكة مرةً في العُمُر من أهم ما أَمَر به محمد من الأمور الدينية والسياسية. شكل ٥ - ٤: سقف جامع المؤيد في القاهرة (من تصوير كوست). ويَتمُّ الحج بواسطة القوافل العظيمة التي يُعَدُّ أهمها ما يخرج من القاهرة والشام، وتَكون الرحلة طويلةً، ويَهْلِك فيها حُجاجٌ كثير، وتهون المشقة في سبيل زيارة الكعبة المُشَرَّفَةِ الشهيرة أيام محمد، والتي يرجع أصلُها إلى أقدم قرون التاريخ. وإذا ما اقترب الحجاج من مكة حَلَقوا، وخلعوا ثيابهم، وقاموا بضروب الوضوء، ولَبِسوا الأزُر، ثم طافوا حول الكعبة سبع مراتٍ، واستلموا الحجرَ الأسود الشهير الذي تكلمنا عنه في فصل آخر، ثم توجهوا إلى جبلِ عرفاتٍ القريب من مكة وسمعوا فيه خُطبةَ الإمام، ثم أفاضوا إلى حيث يَرمون الشيطانَ بحَصَيات في الوادي الذي طَرَده منه إبراهيم، ثم نَحَروا الذبائح، ثم زار أكثرهم حميةً المدينةَ التي تضمُّ قبر الرسول. وفي الغالب يبلغ عدد الذين يزورون مكة كلَّ سنة مئتي ألف حاج، وفي موسم الحج يتقابل المسلمون الذين يجيئون من أنحاء العالم الإسلامي الممتد من مراكش إلى الهند وحدود الصين ماراً بإفريقية الوسطى.

стр. 405

والحقُّ أن المؤمنين إخوةٌ كما أمر القرآن، وأن الحج فُرِض لتوثيق عُرَا الإخاء الإسلامي كما ذهب إليه متكلمو العرب، فإذا ما عَقَد الحجاج اجتماعاتهم التي لا يستطيع نصراني أن يَلِج فيها من غير أن يُقتَل استقصى بعضهم احتياجات بعض، وتفاهموا في شؤون الإسلام، ثم نشروا ذلك في جميع نواحي الإسلام، ولا نرى أن نُسهب في بيان ما قد ينشأ من النتائج السياسية المهمة عن اجتماع الحجيج الذين يأتون مكةَ في موسم الحج من الأقاصي فتُوحِّد بينهم المصالح الدينية المشتركة. شكل ٥ - ٥: نافذة في مسجد عربي بالقاهرة (من صورة فوتوغرافية التقطها المؤلف). ولمكة أهميةٌ تجارية كبيرة إلى الغاية عدا أهميتها الدينية والسياسية، فمكة من أعظم أسواق العالم، وفيها يُتَقايَض بالسلع التي تَرِدُها من أنحاء الدنيا. أذكار الدراويش: عَرَفَ الإسلام الزهد والذِّكر كما عرفتهما الأديان الأخرى، وأدى الزهد والذكر إلى تأليف الطرق الدينية التي تهدف إلى النجاة الأبدية، وتظهر الطرق الدينية في الأديان التي تميل إلى التشاؤم عادة، وليس القرآن أقلَّ تشاؤمًا من الإنجيل؛ فالقرآن،

стр. 406

كالإنجيل، يَعُدَّ الحياة الدنيا طريق ابتلاء وامتحان للوصول إلى الآخرة، وأوجب هذا مَيْلَ ذوي الوَرَع والقلق إلى التحرر من مفاسد الدنيا، ودخول ملكوت السماوات بالزهد. وأذكر، من بين الطرق الدينية التي تَسْتَوقف النظر، طريقة الدراويش الدَّوَّارين (المَوْلَوِيَّة) وطريقة الدراويش الصَّخَّابين، ونُعِتَ هؤلاء بهذا الاسم؛ لِمَا يأتون من الأعمال والحركات التي يَصِلون بها إلى درجة الوَجد والانجذاب كما كان يصنع رهبان أديارنا كثيراً. وفي الآستانة شاهدتُ الدراويش الدَّوَّارين في أثناء أذكارهم فرأيت حالهم، بعد أن يَدُوروا كثيراً على أنفسهم، قريبةً من حال السائرين في النوم، ويقوم الدراويش الدَّوَّارون، قبل دوَرانهم على أنغام الناي والطبل والرَّباب، ببعض التراتيل التي تشابه تراتيل كنائسنا، وإن كانت أعذب وأشجى مع عدم طنينها. شكل ٥ - ٦: نافذتا مسجد في القاهرة (من صورة فوتوغرافية التقطها المؤلف). وجَرَّبْتُ تأثير تلك الموسيقا في المؤمنين بنفسي، وسَبَحْتُ في بحر من الرُّؤَى حين سَمِعتها، قال تِيُوفيل غُوتيه موضحاً هذا التأثير في الأسطر الآتية: كان ذلك اللحن العجيب يُثير في قلبي ما لا يُعرَف من الحنين إلى الأوطان، وكان يُثير فيه ما لا يُوصف من الولَه والجذَل، وكان يثير فيه ميلًا إلى

стр. 407

الانسياق مع التيار، وما أكثر ما كان يَهيج في نفسي من الذكريات والمناظر الخيالية الجميلة الساحرة! وما أكثر ما كنت أتَمَثل به ما نَسِيتُ من الصور والرسوم والمشاهد والأماني اللطيفة فأترنَّح مُسَلِّمًا أمري إلى سحره! وهو المؤثِّر الذي يناقض ما تعودناه. شكل ٥ - ٧: نافذة مسجد عربي (من صورة فوتوغرافية التقطها المؤلف). وإذا ما دام تأثير تلك الأنغام بعض الزمن خلع أولئك الدراويش أَرْدِيَتِهم، ولم يبقَ عليهم سوى قُمُصِهم، باسطين أَذْرُعَهم كالصليب، راقصين حول أنفسهم بانتظام، متدرجين ببطء مائلي الرؤوس، فاتحي الأفواه مُغمضي العيون فاقدي المشاعر، وما كان وَضعُ ذُرْعانهم المُتعِبُ، الذي لا يحتمله الإنسان في الأحوال العادية إلا لبضع دقائق؛ ليُزعِجهم في ربع ساعة، وما كنت لأجدَ في حركاتهم غيرَ العذوبة والانتظام الرائع، فيُخيَّل إليَّ أنني تِهت فيما لا حَدَّ له من الأخيلة التي يَعجِز عن وصف سحرها القلم، قال ذلك الكاتب:

стр. 408

ما يَرَون في تلك الرُّؤى التي تُرنِّحهم؟ أَيَرَون فيها جَنَّة مُحَمَّد التي تشتمل على غاباتٍ من الياقوت، وجبال من العنبر، وقصورٍ من الألماس، وخيام من اللؤلؤ؟ لا ريب في أنهم، في تلك الرؤى، يُقبِّلون بمباسمهم العَطِرَة، الحورَ العين البيض والخضر والحمر، ويشاهدون نور لله الساطع الذي يُعْشِي الأبصار فتبدو الشمس بجانبه مظلمة، ويشاهدون الأرض، التي يُمسكونها بطرف أباهمهم، تُطوى كورقة دفترٍ ملقاةٍ في كانون، ويتمايلون بهُيَام في صُورَتي لله، أي في الخلود، وفيما لا حدَّ له. ومتى خرج الدراويش الدَّوَّارون من وَلَهِهم وقفوا وركعوا وخرجوا من القاعة. ولم أشاهد أذكار الدراويش الصَّخَّابين، ولكني أرى، مما وُصِفوا به، أنهم يدخلون في حال من التنويم كالحال التي يكون عليها الدراويش الدَّوَّارون بفعل الرقص والموسيقا، وذلك أنهم يَصِلون إلى درجةٍ من عدم الإحساس ما يَقْدِرون أن يَثْقُبوا به أعضاءهم بآلات مُذَرَّبة من غير أن يشعروا بشيء كما يفعل العيساوية. (٢ - ٢) المباني الدينية المساجد والزوايا والمدارس ... إلخ. المسجد: مركز الحياة الحقيقي عند العرب؛ فالعرب يتخذون المسجد محلاً للاجتماع والعبادة والتعليم، والسكن عند الاقتضاء، لا لعبادة لله فقط كبِيَعِ النصارى. وقد أوضحنا في فصلٍ سابق رسمَ المساجد العامِّ، فذكرنا أن المساجد القديمة بُنيت على نمطٍ واحد، أي أنها مؤلفة من ساحات قائمة الزوايا محاطةٍ بأروِقَة، وأن الصلاة تُقام في أوسع تلك الأروقة، وتجد في وسط كلِّ ساحةٍ حوضاً للوضوء، وتجد في مكان الصلاة محراباً في الحائط متَّجِهاً نحو مكة، ومنبراً للوعظ، وقِمَطرا يُفتَح عليه المصحف عند القيام بالأعمال الدينية، ومصابيح كثيرةً معلقة بالسقف، وتجد الحُصر والبُسُط كلَّ ما فيه من أثاث. وتوجد بجانب مكان الصلاة، في الغالب، حجرة تَضُم ضريح مؤسس المسجد. وتقوم على أركان المساجد مآذن؛ ليدْعَى المؤمنون من فوقها إلى الصلاة. ومن توابع المساجد، على العموم: حماماتٌ وفنادق وأصابل ومشافٍ ومدارس، وهكذا يتجلى اختلاط الحياة المدنية بالحياة الدينية عند المسلمين في مساجدهم.

стр. 409

شكل ٥ - ٨: شمعدان للسلطان قلاوون (من تصوير بريس الأفيني) تظل المساجد مُفَتَّحَة الأبواب من الفجر إلى العشاء، أي إلى نحو الساعة الثانية بعد الغروب. وكل مسجد مستقلٌّ عن الآخر، ويُنفَق على المسجد من رَيْع ما وَقَفَه عليه مؤسسوه مع ما يُضاف إليه من الحُبُس، ويدير شؤونه قَيِّمٌ يساعده جماعةٌ من الأئمة والحجاب والمؤذنين والسَّقَّائين والخَدَم ... إلخ، ممن تجدهم حتى في أصغر المساجد، ويمارس أئمة المساجد، في الغالب، مِهَناً أخرى بالإضافة إلى أَمِّهم المصلين في الأوقات المعينة. وكما أن مساجد المسلمين مراكزُ للاجتماع وملاجئ للغرباء ومراجع للمرضى هي، كذلك، موائل للتعليم، وفي أصغر المساجد يُعلَّم الأولاد، وتُعد المساجد الكبيرة من الجامعات التي لا تَقِلُّ، أحياناً، عن جامعات أوربة أهمية، ونذكُر منها: الجامع الأزهر الشهير القائم في القاهرة، والذي يضم ثلاثمائة أستاذٍ، وأكثر من عشرة آلاف طالب يَقصِدونه من جميع نواحي العالم الإسلامي. حقاً إن الجامع الأزهر مركزٌ دينيٌّ وأدبيٌّ مهمٌّ إلى الغاية، وأنه يَتَخَّرَج على أساتذته خلقٌ كثير من الوعاظ والعلماء والقضاة والأعيان والنافذين ... إلخ، ومن دواعي الأسف أن يَظَلَّ التعليم في الجامع الأزهر على الحال التي كان عليها عند بدء انحطاط العرب، وأن يسير على برنامج مماثل لبرنامج جامعاتنا في أواخر القرون

стр. 410

شكل ٥ - ٩: شمعدان للسلطان قلاوون (من تصوير بريس الأفيني). الوسطى، ويُدَرَّسُ في الجامع الأزهر علمُ الحساب والهندسة والفلك والنحو والأدب والبيان والمنطق، وذلك عدا تلاوة القرآن وتفسيره. وليس التدريس في المساجد مشابهًا لِمَا في جامعاتنا السابقة من حيث البرامج وحدها؛ بل نرى شبهاً بينهما في المناهج، وفي حياة الطلاب أيضاً، فلما قُيِّض لي أن أجوب الجامع الأزهر في أثناء دروس أساتذته رأيتُني قد انتقلت، بعصا سحرٍ، إلى إحدى جامعاتنا القديمة في القرن الثالث عشر، فتمثل لي ما كان فيها، كما في الجامع الأزهر، من التشويش في دروس علم الكلام ودروس الأدب، وتَمَثَّل لي ما كان فيها مثلَ ما في الجامع الأزهر من المناهج، ونُظُم جمعيات الطلاب، وتمتُّعهم بالحرية والإعفاء. ويجلس كلُّ أستاذ على حَصير في أكبر رواق من الجامع الأزهر، وهو المُصلَّى، وتحيط به حلقةٌ من التلاميذ اللابسين الجِبَابَ السُّودَ والعمائم البيض، والحاملين أقلاماً قصبية؛ ليكتبوا بها ما يُملَى عليهم، والمُدخلين محابر إلى زنانيرهم، ويُنفق الجامع الأزهر على الفقراء من تلاميذه ويُسكنهم حُجُراته. وقد رأيت جميع أولئك الشبان جادِّين في أعمالهم مجتهدين في دروسهم، ومنهم من أَتَى لِنَيْل العلم من الهند ومن مراكش؛ فالعلم الذي استهانت به الأديان الأخرى

стр. 411

يُجِله المسلمون حقٍّا، وإلى المسلمين يُعْزَى القولُ الصائب: «مِن البشر مَن يتعلمون فيَعْلَمون، ويُعَدُّ من سِوَاهم من الحشرات أو ممن لا يَصلُحون لشيء ولا يَنْفَعون.» ولدى المسلمين أماكن دينية أخرى أقلُّ أهمية من المساجد، كمزارات الأولياء التي هي أبنيةٌ صغيرةٌ مكعَّبة تعلو كلَّ واحدة منها قُبَّة، والتي لا يخلو منها بلدٌ إسلاميٌّ تقريباً، ويقع مزار الولي الذي نشرنا صورته في هذا الكتاب في الغابة المقدسة الرائعة الواقعة بالقرب من البليدة. وأذكر، بجانب تلك المباني الدينية، الزوايا التي يُقيم بها أصحاب الطرق من الدراويش، والتي أرى عددنا قليلًا إذا ما قيست بعدد الأديار الواسعة الانتشار لدى الأمم النصرانية في أوربة، ولا تختلف الزوايا عن مباني المسلمين الأخرى إلا قليلاً، ولا ترى فيها منظر أديارنا الأدجن. (٣) الأخلاق في الإسلام أصول الأخلاق في القرآن طيبة؛ فالقرآن يأمر بالصدقة والإحسان والقِرَى والاقتصاد في الرغائب والوفاء بالعهد وحب الأقربين واحترام الوالدين وحماية الأيامى واليتامى وبما نجده مكرراً فيه من درء السيئة بالحسنة، وتُطابق أصول الأخلاق في القرآن ما ورد في الإنجيل تقريباً. بيد أنه لا أهميةَ كبيرةً لدراسة ما في أحد الكتب من أصول الأخلاق ما كانت مبادئ الأخلاق في كل دين طيبة، وليست مكارم الأخلاق التي تُؤمر بها الأمم، إذن، هي التي تجب معرفتها عند البحث في شؤونها؛ بل يُنظر إلى ما عَمِلت به منها، ولا عَجَب، فقد دلَّت المشاهدة على أن مطابقة الأعمال للأقوال ضعيفة جداً على العموم. وقد حاولنا، في الفصل الذي خصصناه في كتابنا الأخير للبحث في نشوء الأخلاق، أن نُثْبِت أن شأن الدين في تكوين الأخلاق أمرٌ ثانويٌّ على العموم، وأن الأخلاق وليدة المنفعة والبيئة والرأي وقواعد الحقوق والانتخاب الطبيعي والتربية والذكاء ... وما إلى ذلك، وقد ذكرنا فيه أن أقدم الديانات لم تنص على أصول الأخلاق، وأن النص على مبادئ الأخلاق لم يكن في غير أديان الهندوس وأديان موسى وعيسى ومحمد، وأن هذه الأديان لم تَصنع أكثر من تأييدها لما كان معروفاً، وأن هذا التأييد قام على الأمل في الثواب والخوف من العقاب في اليوم الآخر، وأن خوف العقاب لم يكن مهيمناً على أكثر الناس ما جعلت تلك الأديان غفران الذنوب أمراً سهلاً.

стр. 412

شكل ٥ - ١٠: مسرجة مسجد قديمة مصنوعة من البرونز (من صورة فوتوغرافية التقطها المؤلف). ومن يَطُفْ قليلاً في العالم، ويدرُس أحوال الناس في غير الكتب يَرَ الدين أمراً مستقلاً عن الأخلاق استقلالاً تاماً، ولو كان بين الدين والأخلاق سبب؛ لكان أكثر الأمم تديناً أكثرها أخلاقاً مع أن العكس هو الواقع. وعندي أن إسبانية وروسية أكثرُ بلاد أوربة عملاً بالشعائر الدينية، وعندي أن مستوى الأخلاق فيهما دونَه في البلاد الأخرى كما ذهب إليه مَن دَرَس أمرهما بعناية. وليس في ديانة الأمة، إذن، ما يجب أن يُبحث عن علل أخلاقها ما كان لجميع الأديان، كما قلتُ، أصولٌ أخلاقية طيبة لو عُمِل بها لدخل العالم في دور ذهبي، وما اختلفت طريقة العمل بتلك المبادئ باختلاف البيئات والأزمنة والعروق والأحوال، وما تباينت الأمم ذات الديانة الواحدة في مقاييسها الأخلاقية. ويُطبَّق ما تقدم على جميع الأديان، ومنها الإسلام، فمبادئ الأخلاق التي نص عليها القرآن، وإن كانت كاملةً، اختلف تأثيرُها باختلاف الشعوب والبيئات والأجيال.

стр. 413

شكل ٥ - ١١: مصباح عربي قديم كان في مسجد الحمراء (يبلغ ارتفاعه مترين و ١٥ سنتيمتراً، متحف العاديات الإسباني). وكانت أخلاق العرب في أدوار الإسلام الأولى أرقى كثيراً من أخلاق أمم الأرض قاطبةً، ولا سيما الأمم النصرانية، وكان عدلهم واعتدالهم ورأفتهم وتسامحهم نحو الأمم المغلوبة ووفاؤهم بعهودهم ونبلُ طبائعهم مما يستوقف النظر ويناقض سلوك الأمم الأخرى، ولا سيما الأمم الأوربية أيام الحروب الصليبية. ولو صحَّ أن يكون للأديان ما يُعزَى إليها من التأثير لوجب أن نقول: إن القرآن أفضلُ من الإنجيل ما بَدَت أممُ الإسلام أسمى أخلاقاً من أمم النصرانية فيما مضى، ولكن ما قلناه من استقلال الأديان على الأخلاق يدل على انتفاء صحة هذا الاستنتاج، فأخلاق المسلمين، كأخلاق النصارى، اختلفت باختلاف العوامل المذكورة صعوداً وهبوطاً. ونشأ عن سيادة الترك الطويلة ونظامِهم السياسي انحطاطٌ في أخلاق الشرقيين الذين خضعوا لحكمها، وإذا كانت مكارم الأخلاق تتبخَّر، ويَعُمُّ الفساد في بلادٍ كتركية، حيث يكون دين ولي الأمر وعُمَّاله أهواءهم، وحيث يكون كل إنسان عرضةً لمظالم هؤلاء الطامعين في انتهاب ما في أيدي الناس ليغتنوا، وحيث يقنط الناس من العدل فلا ينالون شيئاً إلا بالرشوة، فإنك ترى أخلاق الشرقيين الخاضعين لسلطان الترك قد انحطت بحكم الضرورة، ولكن القرآن بريءٌ من هذا الانحطاط براءةَ الإنجيل من انحطاط النصارى الخاضعين لمثل ذلك السلطان.

стр. 414

شكل ٥ - ١٢: دراويش دوارون (مولوية، من رسم إعدادي). وما تقدَّم يُثبِت، بدرجة الكفاية، فسادَ الرأي الأوربي القائل: «إن دين محمد هو سببُ ما يشاهَد في بعض أمم الشرق من الانحطاط»، ورأيٌ فاسد مثل هذا مصدره ما قيل من إبداعه لمبدأ تعدد الزوجات، وما زُعم من أن جبريته تحمل الإنسان على الكسل، وما أذيع من أن محمداً لا يطالب أتباعه بغير الشعائر السهلة؛ فالقارئ الذي سار معنا إلى هنا يرى درجة بُعْد هذه المزاعم من الصحة، وقد رأينا أن مبدأ تعدد الزوجات كان شائعاً في الشرق قبل ظهور مُحَمَّد بقرون كثيرة، وأن جبرية القرآن ليست أشدَّ مما جاء في كتب الأديان الأخرى، وأن العرب، إذا كانوا جبريين بسجيتهم، ولم تؤدِّ جبريتُهم إلى الخمول ما شادوا دولةً عظيمة، وأن أصول الأخلاق في القرآن ساميةٌ سموَّ ما جاء في أي كتاب ديني آخر، وهذا إلى أن القرآن لو كان عاملاً في انحطاط مسلمي الشرق لوجب أن يَتَفَلَّت من ذلك الانحطاط الشرقيون الذين لا يقولون بمبدأ تعدد الزوجات ولا يَبْدُون جَبريين كنصارى سورية. ونصارى سورية، كما أجمع كلُّ من بَحَث في أمور الشرق، أحطُّ أخلاقاً من المسلمين بدرجات.

стр. 415

شكل ٥ - ١٣: نوافذ زجاجية في مكان الصلاة من المسجد الأقصى بالقدس (من تصوير المؤلف الفوتوغرافي). وكان يمكننا أن نختم هذا الفصل بقولنا: إن أصول الأخلاق في القرآن عاليةٌ علوَّ ما جاء في كتب الديانات الأخرى جميعها، وإن أخلاق الأمم التي دانت له تحولت بتحول الأزمان والعروق مثل تحول الأمم الخاضعة لدين عيسى، وإن التحول نشأ عن عوامل لم يكن للمبادئ الدينية أثرٌ كبير فيها، غيرَ أن أهمَّ نتيجة يمكن استنباطُها من جميع ما تقدم: هي تأثير القرآن العظيم في الأمم التي أذعنت لأحكامه، فالديانات التي لها ما للإسلام من السلطان على النفوس قليلة جداً، وقد لا تجد ديناً اتفق له ما اتفق للإسلام من الأثر الدائم، والقرآن هو قُطب الحياة في الشرق، والقرآن هو ما نرى أثره في أدق شؤون الحياة. أجل، دَخَلَت دولة العرب في ذمِّة التاريخ، بيد أن الدين، الذي كان سبباً في قيامها لا يزال ينتشر، ويسيطر ظلُّ النبي من قبره على ملايين المؤمنين الذين يسكنون أقطار إفريقية وآسية الواسعة الواقعة بين مراكش والصين والبحر المتوسط وخط الاستواء. أجل، إن الإنسان ألعوبةٌ في يد كثير من السادة من غير أن يَدرِي، ولكن أشد هؤلاء السادة جبروتاً هم الذين يقضي الإنسان حياته مستغيثاً بهم خائفاً منهم، ويَسفِك الدماء ويذرِف الدموع من أجلهم، ويشهَر أقسى الحروب، ويقترف أفظع الجرائم في سبيلهم، مع أنهم ليسوا غيرَ ظلالٍ عابرة مقيمة بعالم الرؤى والأوهام.

стр. 416

حقاً إنها لظلالٌ خفيفة، ولكنها مرهوبة، وحقاً أن فاتحين كثيرين سادوا العالم، وأخضعوا الناس لسلطانهم، ولكنك لا تَجِد واحداً منهم كان له من السلطان ما يساوي سلطان بعض الأموات.

стр. 417

الباب الخامس حضارة العرب

стр. 418

الفصل الأول مصادر معارف العرب: تعليمهم ومناهجهم (١) مصادر معارف العرب العلمية والأدبية كانت حضارة الفرس وحضارة بيزنطة العظيمتان تقذفان نيرانهما الأخيرة حينما بدأت فتوح العرب، وقد استوقف العالم الذي فَتَحَه أتباع النبي خيالَهم المضطرم، فأخذوا يدرسون الآداب والفنون والعلوم بمثل نشاطهم في فتوحهم، ولم يلبث الخلفاء، بعد أن شادوا دولتهم، وأن أنشأوا في جميع المدن المهمة مراكز للتعليم، وجمعوا حولهم كل عالم قادر على ترجمة أشهر الكتب، ولا سيما كتب اليونان. وحَدَثَ ما جَعَل أمرَ تلك الترجمة سهلاً، فقد كانت معارف اليونان والرومان العلمية القديمة منتشرةً في بلاد الفرس وسورية منذ زمن، وبيان ذلك أن النساطرة لما نُفُوا من دولة الروم أقاموا في مدينة الرُّها (أورفة) العراقية مدرسةً لنشر معارف اليونان في آسية، وأن تلك المدرسة لما هُدمت في عهد زِنُون الإيزوري احتضن أكاسرةُ بني ساسان أساتذتها، وأنه كان من نتائج هذا القبول الحسن أن قَصَد علماء أثينة والإسكندرية بلاد فارس عندما أغلقها جوستينيان فنقلوا إلى أكثر لغات الشرق انتشاراً، كالسريانية والكلدانية ... إلخ، أهمَّ كتب علماء اليونان مثل أرسطو وجالينوس وذيسقوريدس. وَوَجَد العرب في بلاد فارس وسورية، حينما استولَوا عليها، خزائنَ من العلوم اليونانية، وأمروا بنقل ما في اللغة السريانية منها إلى اللغة العربية، ولم يلبثوا أن أمروا بأن يُنقل إليها ما لم يكن قد نُقِل، فأخذت دراسات العلوم والآداب تسير قُدُما إلى الأمام. ولم يَدُم اكتفاء العرب بما نُقِل إلى لغتهم طويلاً، فقد تَعَلم عدد غير قليل منهم اللغة اليونانية، على الخصوص، ليستقوا منها علوم اليونان، ثم تعلَّموا اللغة اللاتينية

стр. 419

واللغة القشتالية في إسبانية، كما يشهد بذلك ما في مكتبة الإسكوريال من المُعجمات العربية اليونانية والعربية اللاتينية والعربية الإسبانية التي ألَّفها علماء من المسلمين. وكانت معارف اليونان واللاتين القديمة أساساً لثقافة متعلمي العرب في الدور الأول، وكان هؤلاء كالطلاب الذين يتلقون في المدرسة ما وَرَثه الإنسان من علوم الأولين، وكان اليونان أساتذة العرب الأولين إذن، ولكن العرب المفطورين على قوة الإبداع والنشاط لم يكتفوا بحال الطلب الذي اكتفت به أوربة في القرون الوسطى؛ فلم يلبثوا أن تحرَّرُوا من ذلك الدور الأول. والإنسانُ يقضي العجب من الهِمة التي أقدم بها العرب على البحث، وإذا كانت هنالك أممٌ تساوت هي والعرب في ذلك فإنك لا تجد أمة فاقت العرب على ما يحتمل، والعرب كانوا إذا ما استولَوا على مدينة صرفوا همَّهم إلى إنشاء مسجد وإقامة مدرسة فيها، وإذا ما كانت تلك المدينة كبيرةً أسسوا فيها مدارس كثيرة، ومنها المدارس العشرون التي روى بنيامين التُّطِبلِيُّ المتوفى سنة ١١٧٣ م أنه شاهدها في الإسكندرية، وهذا عدا اشتمال المدن الكبرى كبغداد والقاهرة وطليطلة وقرطبة ... إلخ، على جامعات مشتملة على مختبراتٍ ومراصد ومكتبات غنية، وكل ما يساعد على البحث العلمي، وكان للعرب في إسبانية وحدها سبعون مكتبة عامة، وكان في مكتبة الخليفة الحكَم الثاني بقرطبة ستمائة ألف كتاب منها أربعةٌ وأربعون مجلدًا من الفهارس كما روى مؤرخو العرب، وقد قيل، بسبب ذلك: «إن شارل الحكيم لم يستطع، بعد أربعمائة سنة، أن يجمع في مكتبة فرنسة المَلَكية أكثر من تسعمائة مجلد يكاد ثلثها يكون خاصٍّا بعلم اللاهوت». (٢) مناهج العرب العلمية ليست المكتباتُ والمختبراتُ والآلاتُ غيرَ وسائل للدرس والبحث، وتكون قيمتها في معرفة الاستفادة منها، وقد يستطيع المرء أن يكون مطلعاً على علوم الآخرين، وقد يبقى عاجزاً عن التفكير وابتداع أي شيء مع ذلك، فيظلُّ تلميذاً غير قادر على الارتقاء إلى درجة أستاذ، وسيبدو، من الاكتشافات التي نذكرها في الفصول الآتية مقدار ما اكتشفه العرب بما لديهم من وسائل الدرس، والآن أقتصر على ذكر المبادئ العامة التي وَجَّهَت أبحاثهم: لم يلبث العرب، بعد أن كانوا تلاميذ معتمدين على كتب اليونان، أن أدركوا أن التجربة والترصد خيرٌ من أفضل الكتب، وعلى ما يبدو من ابتذال هذه الحقيقة جد علماء القرون الوسطى في أوربة ألف سنة قبل أن يعلموها.

стр. 420

شكل ١ - ١: باب مسجد ومدرسة في دمشق (من صورة فوتوغرافية التقطها المؤلف). ويُعزَى إلى بيكن، على العموم، أنه أول من أقام التجربة والترصد، اللذين هما ركن المناهج العلمية الحديثة، مقامَ الأستاذ، ولكنه يجب أن يُعتَرَف اليوم بأن ذلك كله من عمل العرب وحدهم، وقد أبدى هذا الرأي جميعُ العلماء الذين درسوا مؤلفات العرب، ولا سيما هَنْبُولد، فبعد أن ذكر هذا العالم الشهير أن ما قام على التجربة والترصد هو أرفعُ درجةٍ في العلوم قال: «إن العرب ارتَقَوا في علومهم إلى هذه الدرجة التي كان يجهلها القدماء تقريبا». وقال مسيو سيديُّو: «إن أهم ما اتصفت به مدرسة بغداد في البُداءة هو روحُها العلمية الصحيحة التي كانت سائدةً لأعمالها، وكان استخراجُ المجهول من المعلوم، والتدقيق في الحوادث تدقيقاً مؤدياً إلى استنباط العلل من المعلولات، وعدمُ التسليم بما لا

стр. 421

يَثبُت بغير التجربة ــ مبادئَ قال بها أساتذة من العرب، وكان العرب، في القرن التاسع من الميلاد، حائزين لهذا المنهاج المُجدي الذي استعان به علماء القرون الحديثة بعد زمن طويل للوصول إلى أروع الاكتشافات.» شكل ١ - ٢: زاوية قديمة للدراويش، وعين ومدرسة في القاهرة (من تصوير كوست) قام منهاجُ العرب على التجربة والترصد، وسارت أوربة في القرون الوسطى على درس الكتب والاقتصار على تكرار رأي المعلم، والفَرق بين النهجين أساسي، ولا يمكن تقدير قيمة العرب العلمية إلا بتحقيق هذا الفرق. واختبر العربُ الأمور وجَرَّبوها، وكانوا أول من أدرك أهمية هذا المنهاج في العالم، وظلوا عاملين به وحدهم زمناً طويلاً، قال دُو لَنْبر في كتاب «تاريخ علم الفلك»: «تَعُدُّ راصديْن أو ثلاثة بين الأغارقة، وتَعُدُّ عددًا كبيرًا من الرُّصاد بين العرب»، وأما في الكيمياء فلا تجد مُجرِّباً يونانياً مع أن المجَربين من العرب يُعَدُّون بالمئات. ومنح اعتماد العرب على التجربة مؤلفاتِهم دقةً وإبداعاً لا يُنتَظر مثلهما من رجل تَعَوَّد درس الحوادث في الكتب، ولم يبتعد العرب عن الإبداع إلا في الفلسفة التي كان يتعذر قيامها على التجربة. ونشأ عن مِنهاج العرب التجربي وصولُهم إلى اكتشافات مهمة، وسترى من مباحثنا في أعمال العرب العلمية أنهم أنجزوا في ثلاثة قرون أو أربعة قرون من الاكتشافات ما

стр. 422

يزيد على ما حقَّقَه الأغارقة في زمن أطول من ذلك كثيراً، وكان تراث اليونان العلمي قد انتقل إلى البزنطيين الذين عادوا لا يستفيدون منه منذ زمن طويل، ولما آل إلى العرب حَوَّلوه إلى غير ما كان عليه فتَلَقَّاه ورَثَتهم مخلوقاً خلقاً آخر. ولم يقتصر شأن العرب على ترقية العلوم بما اكتشفوه، فالعرب قد نَشروها، كذلك، بما أقاموا من الجامعات وما ألَّفوا من الكتب، فكان لهم الأثر البالغ في أوربة من هذه الناحية، وسترى في الفصل الذي ندرس فيه هذا التأثير أن العرب وحدهم كانوا أساتذة الأمم النصرانية عدة قرون، وأننا لم نطلع على علوم قدماء اليونان والرومان إلا بفضل العرب، وأن التعليم في جامعاتنا لم يستغنِ عما نُقل إلى لغاتنا من مؤلفات العرب إلا في الأزمنة الحاضرة.

стр. 423

الفصل الثاني اللغة والفلسفة والآداب والتاريخ (١) اللغة العربية تُعد اللغة العربية من اللغات السامية، وتُشبه اللغة العبرية كثيراً، وتختلف في مخارجها عن أكثر اللغات الأوربية، فيجد الأجانب صعوبةً كبيرة في النطق بها. ونجهل تاريخ نشوء اللغة العربية كما نعرفها الآن، ولكننا نعلم من الشعر العربي الذي قيل قبل ظهور مُحَمَّدٍ بقرنٍ واحد أن اللغة العربية كانت قد وَصَلت إلى درجة كمالها الحاضر. حقاً، تشتمل اللغة العربية على لهجاتٍ كثيرة، ولكن كتَّاب المسلمين أجمعوا على أن لهجة قبيلة مُحَمَّد تمتاز بأنها أفصحُ لهجات العرب، وكان من تأثير القرآن أن جعل من اللهجة التي كُتِب بها لغة عامَّة. واللغة العربية من أكثر اللغات انسجاماً، وهي، لا ريب، مختلفة اللهجات في سورية وجزيرة العرب ومصر والجزائر وغيرها، ولم يكن هذا الاختلاف في غير الأشكال، فترى المراكشي يفهم بسهولة لهجة المصريين أو لهجة سكان جزيرة العرب مثلا، مع أن سكان القرى الشمالية الفرنسية لا يفهمون كلمةً من لهجات سكان القرى الجنوبية في فرنسة، واسمع ما قاله الرحالة بُرْكُهارْد الذي يُعد حُجَّةً في هذا الموضوع: تجد اختلافاً كبيراً، لا ريب، في لهجات اللغة العربية العامية أكثرَ مما في أية لغة أخرى على ما يحتمل، ولكنه لا يصعب عليك أن تفهمها جميعها إذا ما تعلَّمت إحداها، وذلك على الرغم من اتساع البلدان التي يتكلم أهلوها بها، وهي الواقعة بين مدينة مُغَادر (الصُّوَيرة) ومدينة مسقط، وقد يكون لاختلاف طبيعة البلدان تأثيرٌ في اختلاف تلك اللهجات التي هي عذْبةٌ في أودية مصر

стр. 424

والعراق الدنيا، وجافَّةٌ في سورية وجبال بلاد البربر، وأعظم فَرْقٍ، كما أعلم، هو ما بين لهجة المغاربة في مراكش ولهجة الأعراب بالقرب من مكة في الحجاز، ولكن هذا الفَرق بين تَيْنِك اللهجتين لا يزيد على اختلاف لَهْجَة فلاحي سوآب (جَنوب ألمانية) عن لهجة فلاحي سكسونية (شمال ألمانية). شكل ٢ - ١: دواة على الطراز الفارسي العربي مصنوعة من النحاس المكفت بالفضة (من صورة فوتوغرافية التقطها المؤلف). ولم تتحوَّل اللغة العربية، إذن، إلا قليلًا منذ زمن مُحَمَّد، ولكنه طرأ تغييرٌ كبير على الخط، فالخط الأول المعروف بالخط الكوفي، الذي رُوِي أنه اختُرع في مدينة الكوفة، كان صَعبَ القراءة لخلوِّه من حروف العلة، فتحوَّل هذا الخط حوالي القرن الثامن من الميلاد بإدخال أصول الشكل والحركات إليه مع المواظبة على استعمال الخط الكوفي في الكتابات، فجَعَلَ هذا من العسير كثيراً أن يُستدل على قِدَم هذه الكتابات مما عليها من الحروف المنقوشة. وما قلناه في فصل آخر عن الدين نقول مثله عن اللغة العربية، فمع أن الفاتحين الذين ظهروا قبل العرب لم يستطيعوا أن يَفْرِضوا على الأمم المغلوبة لغاتِهم قَدَرَ العربُ، بالعكس، على فَرض لغتهم عليهم، ولما صارت اللغة العربية عامةً في جميع البلاد التي استولَوا عليها حلَّت محلَّ ما كان فيها من اللغات، كالسريانية واليونانية والقبطية والبربرية ... إلخ، وكان للغة العرب مثل ذلك الحظ زمناً طويلاً، حتى في بلاد فارس على الرغم من يقظة الفرس، أي ظلت اللغة العربية في بلاد فارسَ لغةَ أهل الأدب والعلم، وظل الفرس يكتبون لغتهم بالحروف العربية، وكُتِب ما عرفته بلاد فارس من علم الكلام والعلوم الأخرى بلغة العرب، وللغة العربية في هذا الجزء من آسية شأنٌ كالذي كان للغة اللاتينية في القرون الوسطى، وانتحل الترك أنفسُهم، وهم الذين قهروا العرب،

стр. 425

الخط العربي، ولا تجد في تركية إنساناً على شيء من التعليم لا يستطيع أن يفهم لغة القرآن بسهولة. ولم يَشِذَّ عن ذلك سوى الأمم اللاتينية الأوربية التي لم تَقُم اللغة العربية مقام لغاتها القديمة، ومع ذلك فإن اللغة العربية ذات أثر عميق في اللغات اللاتينية، وقد ألَّف دوزي وأَنْجِلْمَن مُعجماً في الكلمات الإسبانية والبرتغالية المشتقَّة من اللغة العربية. وترَكَت لغة العرب أثراً مهماً في فرنسة نفسِها، وذكر سيديُّو، والحق ما ذكر «أن اللهجات السائدة لولاية أوفرن وولاية ليموزان الفرنسيتين محشوَّةٌ بالكلمات العربية، وأن أسماء الأعلام فيهما ذاتُ مسحة عربية.» قال هذا المؤلف: ومن الطبيعي أن تقتبس فرنسة وإيطاليا من العرب، الذين كانوا سادة البحر المتوسط منذ القرن الثامن من الميلاد، أكثرَ الاصطلاحات البحرية مثل: Amiral و Escadre و Corvette و Frégate و Flotte و Caravelle و Felouque و Chaloupe و Sloop و Barque و Chiourme و Darse و Calfat و Estacade ولا سيما البوصلة Boussole التي عُزيَ أمرُها إلى أهل الصين على غير حق، وأن تَقْتَبِس جيوشهما ألقابَ ضباط جيوش المسلمين، وتعابير وَغَى الحرب، واستعمال بارود المدافع والقنابل والحرَّاقات والقذائف، وأن تأخذ عن حكومة بغداد وحكومة قرطبة التعابير الإدارية مثل: Syndic و Aides و Gabelle و Taille و Tarif و Douane و Bazar، وأن يُقَلِّد ملوك الأسرة الثالثة الفرنسية العرب في شيء فيأخذوا عنهم معظم اصطلاحات الصيد مثل: Chasse و Maute و Laisse و Curée و Hallali و Core de Chasse و Fanfares، كذلك كلمة: Tournoi التي عدها علماء اللغة المعاصرون مشتقة من كلمة Torneamentium، وأهم من ذلك كله اصطلاحات العلوم التي اقتبسناها من العرب، فعلم الفلك عندنا مملوء بالتعابير العربية مثل Azimuts و Zénith و Nadir، وبالاصطلاحات العربية لأجزاء الأسطرلاب مثل: Alidade و Alancabuth وبأسماء الكواكب مثل: Aldébaran و Rigel و Althair و Wéga و Acarnar و Aghol، وقل مثل ذلك عن الرياضيات حيث أخذنا عن العرب الاصطلاحات: Chiffres و Zéro و Algébre إلخ، وقُلْ مِثلِه عن الكيمياء حيث أخذنا عنهم الاصطلاحات: Alchimie و Alcool و Alcali و Alambic إلخ، وقُل كذلك عن التاريخ الطبيعي والطب حيث أخذنا عنهم الاصطلاحات: Bol و Elixir و Sirops و Juleps و Sorbet و Mirobolans إلخ، والكلمة: Haschich التي اشتُقت منها الكلمة: . Assassins
следующие страницы →