← Общие книги

Общие книги · id 150939

حضارة العرب - غوستاف لوبون

غوستاف لوبون

Полный текст (598 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

يَثبُت بغير التجربة ــ مبادئَ قال بها أساتذة من العرب، وكان العرب، في القرن التاسع من الميلاد، حائزين لهذا المنهاج المُجدي الذي استعان به علماء القرون الحديثة بعد زمن طويل للوصول إلى أروع الاكتشافات.» شكل ١ - ٢: زاوية قديمة للدراويش، وعين ومدرسة في القاهرة (من تصوير كوست) قام منهاجُ العرب على التجربة والترصد، وسارت أوربة في القرون الوسطى على درس الكتب والاقتصار على تكرار رأي المعلم، والفَرق بين النهجين أساسي، ولا يمكن تقدير قيمة العرب العلمية إلا بتحقيق هذا الفرق. واختبر العربُ الأمور وجَرَّبوها، وكانوا أول من أدرك أهمية هذا المنهاج في العالم، وظلوا عاملين به وحدهم زمناً طويلاً، قال دُو لَنْبر في كتاب «تاريخ علم الفلك»: «تَعُدُّ راصديْن أو ثلاثة بين الأغارقة، وتَعُدُّ عددًا كبيرًا من الرُّصاد بين العرب»، وأما في الكيمياء فلا تجد مُجرِّباً يونانياً مع أن المجَربين من العرب يُعَدُّون بالمئات. ومنح اعتماد العرب على التجربة مؤلفاتِهم دقةً وإبداعاً لا يُنتَظر مثلهما من رجل تَعَوَّد درس الحوادث في الكتب، ولم يبتعد العرب عن الإبداع إلا في الفلسفة التي كان يتعذر قيامها على التجربة. ونشأ عن مِنهاج العرب التجربي وصولُهم إلى اكتشافات مهمة، وسترى من مباحثنا في أعمال العرب العلمية أنهم أنجزوا في ثلاثة قرون أو أربعة قرون من الاكتشافات ما

стр. 422

يزيد على ما حقَّقَه الأغارقة في زمن أطول من ذلك كثيراً، وكان تراث اليونان العلمي قد انتقل إلى البزنطيين الذين عادوا لا يستفيدون منه منذ زمن طويل، ولما آل إلى العرب حَوَّلوه إلى غير ما كان عليه فتَلَقَّاه ورَثَتهم مخلوقاً خلقاً آخر. ولم يقتصر شأن العرب على ترقية العلوم بما اكتشفوه، فالعرب قد نَشروها، كذلك، بما أقاموا من الجامعات وما ألَّفوا من الكتب، فكان لهم الأثر البالغ في أوربة من هذه الناحية، وسترى في الفصل الذي ندرس فيه هذا التأثير أن العرب وحدهم كانوا أساتذة الأمم النصرانية عدة قرون، وأننا لم نطلع على علوم قدماء اليونان والرومان إلا بفضل العرب، وأن التعليم في جامعاتنا لم يستغنِ عما نُقل إلى لغاتنا من مؤلفات العرب إلا في الأزمنة الحاضرة.

стр. 423

الفصل الثاني اللغة والفلسفة والآداب والتاريخ (١) اللغة العربية تُعد اللغة العربية من اللغات السامية، وتُشبه اللغة العبرية كثيراً، وتختلف في مخارجها عن أكثر اللغات الأوربية، فيجد الأجانب صعوبةً كبيرة في النطق بها. ونجهل تاريخ نشوء اللغة العربية كما نعرفها الآن، ولكننا نعلم من الشعر العربي الذي قيل قبل ظهور مُحَمَّدٍ بقرنٍ واحد أن اللغة العربية كانت قد وَصَلت إلى درجة كمالها الحاضر. حقاً، تشتمل اللغة العربية على لهجاتٍ كثيرة، ولكن كتَّاب المسلمين أجمعوا على أن لهجة قبيلة مُحَمَّد تمتاز بأنها أفصحُ لهجات العرب، وكان من تأثير القرآن أن جعل من اللهجة التي كُتِب بها لغة عامَّة. واللغة العربية من أكثر اللغات انسجاماً، وهي، لا ريب، مختلفة اللهجات في سورية وجزيرة العرب ومصر والجزائر وغيرها، ولم يكن هذا الاختلاف في غير الأشكال، فترى المراكشي يفهم بسهولة لهجة المصريين أو لهجة سكان جزيرة العرب مثلا، مع أن سكان القرى الشمالية الفرنسية لا يفهمون كلمةً من لهجات سكان القرى الجنوبية في فرنسة، واسمع ما قاله الرحالة بُرْكُهارْد الذي يُعد حُجَّةً في هذا الموضوع: تجد اختلافاً كبيراً، لا ريب، في لهجات اللغة العربية العامية أكثرَ مما في أية لغة أخرى على ما يحتمل، ولكنه لا يصعب عليك أن تفهمها جميعها إذا ما تعلَّمت إحداها، وذلك على الرغم من اتساع البلدان التي يتكلم أهلوها بها، وهي الواقعة بين مدينة مُغَادر (الصُّوَيرة) ومدينة مسقط، وقد يكون لاختلاف طبيعة البلدان تأثيرٌ في اختلاف تلك اللهجات التي هي عذْبةٌ في أودية مصر

стр. 424

والعراق الدنيا، وجافَّةٌ في سورية وجبال بلاد البربر، وأعظم فَرْقٍ، كما أعلم، هو ما بين لهجة المغاربة في مراكش ولهجة الأعراب بالقرب من مكة في الحجاز، ولكن هذا الفَرق بين تَيْنِك اللهجتين لا يزيد على اختلاف لَهْجَة فلاحي سوآب (جَنوب ألمانية) عن لهجة فلاحي سكسونية (شمال ألمانية). شكل ٢ - ١: دواة على الطراز الفارسي العربي مصنوعة من النحاس المكفت بالفضة (من صورة فوتوغرافية التقطها المؤلف). ولم تتحوَّل اللغة العربية، إذن، إلا قليلًا منذ زمن مُحَمَّد، ولكنه طرأ تغييرٌ كبير على الخط، فالخط الأول المعروف بالخط الكوفي، الذي رُوِي أنه اختُرع في مدينة الكوفة، كان صَعبَ القراءة لخلوِّه من حروف العلة، فتحوَّل هذا الخط حوالي القرن الثامن من الميلاد بإدخال أصول الشكل والحركات إليه مع المواظبة على استعمال الخط الكوفي في الكتابات، فجَعَلَ هذا من العسير كثيراً أن يُستدل على قِدَم هذه الكتابات مما عليها من الحروف المنقوشة. وما قلناه في فصل آخر عن الدين نقول مثله عن اللغة العربية، فمع أن الفاتحين الذين ظهروا قبل العرب لم يستطيعوا أن يَفْرِضوا على الأمم المغلوبة لغاتِهم قَدَرَ العربُ، بالعكس، على فَرض لغتهم عليهم، ولما صارت اللغة العربية عامةً في جميع البلاد التي استولَوا عليها حلَّت محلَّ ما كان فيها من اللغات، كالسريانية واليونانية والقبطية والبربرية ... إلخ، وكان للغة العرب مثل ذلك الحظ زمناً طويلاً، حتى في بلاد فارس على الرغم من يقظة الفرس، أي ظلت اللغة العربية في بلاد فارسَ لغةَ أهل الأدب والعلم، وظل الفرس يكتبون لغتهم بالحروف العربية، وكُتِب ما عرفته بلاد فارس من علم الكلام والعلوم الأخرى بلغة العرب، وللغة العربية في هذا الجزء من آسية شأنٌ كالذي كان للغة اللاتينية في القرون الوسطى، وانتحل الترك أنفسُهم، وهم الذين قهروا العرب،

стр. 425

الخط العربي، ولا تجد في تركية إنساناً على شيء من التعليم لا يستطيع أن يفهم لغة القرآن بسهولة. ولم يَشِذَّ عن ذلك سوى الأمم اللاتينية الأوربية التي لم تَقُم اللغة العربية مقام لغاتها القديمة، ومع ذلك فإن اللغة العربية ذات أثر عميق في اللغات اللاتينية، وقد ألَّف دوزي وأَنْجِلْمَن مُعجماً في الكلمات الإسبانية والبرتغالية المشتقَّة من اللغة العربية. وترَكَت لغة العرب أثراً مهماً في فرنسة نفسِها، وذكر سيديُّو، والحق ما ذكر «أن اللهجات السائدة لولاية أوفرن وولاية ليموزان الفرنسيتين محشوَّةٌ بالكلمات العربية، وأن أسماء الأعلام فيهما ذاتُ مسحة عربية.» قال هذا المؤلف: ومن الطبيعي أن تقتبس فرنسة وإيطاليا من العرب، الذين كانوا سادة البحر المتوسط منذ القرن الثامن من الميلاد، أكثرَ الاصطلاحات البحرية مثل: Amiral و Escadre و Corvette و Frégate و Flotte و Caravelle و Felouque و Chaloupe و Sloop و Barque و Chiourme و Darse و Calfat و Estacade ولا سيما البوصلة Boussole التي عُزيَ أمرُها إلى أهل الصين على غير حق، وأن تَقْتَبِس جيوشهما ألقابَ ضباط جيوش المسلمين، وتعابير وَغَى الحرب، واستعمال بارود المدافع والقنابل والحرَّاقات والقذائف، وأن تأخذ عن حكومة بغداد وحكومة قرطبة التعابير الإدارية مثل: Syndic و Aides و Gabelle و Taille و Tarif و Douane و Bazar، وأن يُقَلِّد ملوك الأسرة الثالثة الفرنسية العرب في شيء فيأخذوا عنهم معظم اصطلاحات الصيد مثل: Chasse و Maute و Laisse و Curée و Hallali و Core de Chasse و Fanfares، كذلك كلمة: Tournoi التي عدها علماء اللغة المعاصرون مشتقة من كلمة Torneamentium، وأهم من ذلك كله اصطلاحات العلوم التي اقتبسناها من العرب، فعلم الفلك عندنا مملوء بالتعابير العربية مثل Azimuts و Zénith و Nadir، وبالاصطلاحات العربية لأجزاء الأسطرلاب مثل: Alidade و Alancabuth وبأسماء الكواكب مثل: Aldébaran و Rigel و Althair و Wéga و Acarnar و Aghol، وقل مثل ذلك عن الرياضيات حيث أخذنا عن العرب الاصطلاحات: Chiffres و Zéro و Algébre إلخ، وقُلْ مِثلِه عن الكيمياء حيث أخذنا عنهم الاصطلاحات: Alchimie و Alcool و Alcali و Alambic إلخ، وقُل كذلك عن التاريخ الطبيعي والطب حيث أخذنا عنهم الاصطلاحات: Bol و Elixir و Sirops و Juleps و Sorbet و Mirobolans إلخ، والكلمة: Haschich التي اشتُقت منها الكلمة: . Assassins

стр. 426

وزعم مؤلف أحد المعجمات الاشتقاقية الفرنسية الذي ألُّف حديثاً أن إقامة العرب بجنوب فرنسة لم تُسفر عن أثر، لا في اللهجات، ولا في اللغة، فقلةُ قيمة هذا الرأي تبدو مما قلناه آنفاً، ومن العجيب أن يكرر بعض المثقفين مِثل هذا الزعم. واللغة العربية غنية جداً، وزاد غناها بما أضيف إليها، دائماً، من التعابير الجديدة التي تسربت فيها من اللهجات التي اتصلت بها، وانظر إلى المعجم الذي ألَّفه ابن سِيده المتوفىَّ سنة ١٠٦٥ م تجده مشتملاً على عشرين مجلداً. (٢) فلسفة العرب كانت فلسفة العرب، حينما شرعوا يَدخلون ميدان الحضارة، مقتصرةً على مبادئ علم النفس العملية التي هي وليدةُ التجربة، لا الكتب، والتي ينتفع الإنسان بها وحدها في مضمار الحياة. واليونان هم أساتذة العرب الأولون في الفلسفة كما أنهم أساتذتهم في مختلف العلوم، ولم تلبث كتب أرسطو وثاليس وأبيذقليس وهرقليوس وسقراط وأبيقور وجميعِ أساتذة مدرسة الإسكندرية من الفلاسفة أن تُرجِمَت. وفاق العرب أساتذتهم بسرعة في جميع العلوم التي تقوم على التجربة، ولكن بما أن الفلسفة لم تقم حينئذ على التجربة وما إليها لم يتَّفق للعرب فيها تقدم محسوس. وكانت الجماهير تَمْقُت الفلاسفة مع ما تم لهم من المقام الأسمى في جامعات العرب، وكان الخلفاء يَرَون أن يَدْرَأوُا ما ينشأ عن مذاهب الفلاسفة من الفتن الشعبية فيُضطرون في الغالب إلى نفيهم لوقت معين. وللجماهير ما تعتذر به عن معارضتها للفلاسفة، فقد نَبَذ الفلاسفة أكثر أحكام الإسلام، ولم يُسلموا بغير العقائد الأساسية كوحدانية لله ورسالة محمد، ثم كانوا ينشرون آراءَهم علناً، ويهاجمون بها عقائد المؤمنين بدلاً من الاكتفاء بعرضها على المثقفين. والحق يقضي بالاعتراف للعرب بأنهم أولُ من أغضى عما نُسمِّيه حرية الفكر في الوقت الحاضر، فمع ما كان يبديه الفلاسفة من التحفظ الكبير في كتبهم كانت تَبْدُر منهم، في الغالب، تأملاتٌ مشتملة على جانب كبير من الشك والارتياب، ومن ذلك قولُ أبي العلاء التَّنُوخيِّ الذي عاش في القرن العاشر من الميلاد:

стр. 427

اثنان أهل الأرض: ذو عقل بلا دين ... وآخر دين لا عقل له شكل ٢ - ٢: كتابات دفة مصحف قديمة (من تصوير إيبر). ثم رأى فلاسفة العرب أن يَفْصِلوا الدين عن الفلسفة مراعاةً للجماهير، وأجمل الفيلسوف الغزالي، الذي كان يُدَرِّس في القرن الحادي عشر من الميلاد في بغداد، ما انتَهَوا إليه في الكلمة الآتية: ليست الحقائق التي يؤيِّدُها العقل كلَّ ما في الأمر، فهنالك من الحقائق ما يَعْجَز إدراكنا عن الوصول إليها، ونحن نقول بها وإن كنا لا نقدر على استخراجها بقواعد المنطق وبالأصول المعروفة، وليس مما يخالف الصوابَ وجودُ افتراضٍ قائل بوجود دائرة أخرى فوق دائرة العقل، وإن شئت فقل دائرة التَّجَلِّي الرَّبَّاِني، ونحن إذ كنا نجهل سُنن تلك الدائرة ونواميسها جهلاً تاماً نجد الكفاية في قدرة العقل على الاعتراف بإمكانها.

стр. 428

شكل ٢ - ٣: كتابة زخرفية مؤلفة من تشابك حروف كوفية. شكل ٢ - ٤: ختم الخلفاء الأربعة الأولين. وأبعد فلاسفة العرب صِيتاً هو الفيلسوف الشهير ابن رشد الذي كان له أعظمُ تأثير في أوربة، أجل، يُعَدُّ ابن رشد، عادةً، شارحاً لفلسفة أرسطو فقط، ولكنني أرى أن هذا الشارح سبق أستاذه في بعض الأحيان سبقاً يثير العجب، وأن فلسفتَه مقبولةٌ في كثير من الأمور أكثر من تلك، وإذا لم يكن ابن رشد مفكراً حراً بالمعنى العصري

стр. 429

على ما يحتمل، فإنه فَكَّر بحرية عظيمة في بعض الموضوعات: وتدل العبارة الآتية التي أنقلها من كتاب مسيو رينان حول خلود الروح وقواعد الأخلاق على عظيم استقلال ابن رشد، قال رينان: يرى ابن رشدٍ أن العقل العامَّ المطلق باقٍ على الدهر قابلٌ للانفصال عن الجسم، وأن العقل الفرديَّ فانٍ مع البدن وينكر ابن رُشد الخلود والبعث ويُصرِّح بأن على المرء ألا ينتظر ثواباً غير ما يلاقي في هذه الحياة الدنيا بكماله الخاص. وعند ابن رشد أن الأشخاص يتميزون مادةً ويتحدون صورة، وأن الخلود للصورة لا للمادة، وأن صورة الأشياء أساسُ تسميتها، وأن الفأس بلا حدٍّ ليست فأساً بل حديدٌ، وأن من التَّجوُّز دعوة جسم الميت إنساناً، وأن الفناءَ لمادة الشخص والبقاءَ لنوعه. ويقول ابن رشد: إن روح الفرد لا تُدرِك شيئاً بغير تصور، فكما أن الحواس لا تَشْعُر إلا إذا اتصلت بالأشياء لا تُفَكِّرُ النفس إلا إذا وُجدت صورةٌ أمامها، ومن ثم كان الفكر الشخصيُّ غيرَ خالد، وإلا وَجَب أن تكون الصور خالدة أيضاً، وإذا كان الإدراك خالداً بذاته فإنه لا يكون كذلك عند الممارسة. ولم يُخفِ ابن رشد نفوره من أقاصيص العوام عن الحياة الآخرة، وهو يذهب إلى أنه يجب أن يُعَدَّ من الأوهام الخَطِرة نظرُ المرء إلى الفضيلة وسيلةً للسعادة؛ لما يتضمن ذلك من الإنكار للفضيلة نفسها، ومن مَعنَى الامتناع عن الملاذِّ رجاءَ الثواب المضاعف، ومن طلب العربي للموت اتقاءً لما هو أسوأ، ومن عدم احترام اليهودي لمال الآخرين طمعاً في الكسب الزائد، وفي ذلك من الإفساد لروح القوم والأولاد، وعدم وجود نَفْع في إصلاحهم ما لا يخفى، ويعرف ابن رشدٍ أناساً من ذوي الأخلاق يضربون بتلك الأوهام عُرضَ الحائط، ولا يقولون بفضيلة من يتمسكون بها.

стр. 430

(٣) الأدبُ العربيُّ (٣ - ١) الشعر عند العرب لا يزال أمر الأدب القديم في اليمن وفي مختلف أجزاء جزيرة العرب المتمدنة مجهولاً لدينا تماماً، وما علمناه من أشعار العرب قيل بعد المسيح وقبيل ظهور مُحَمَّد، ولم تكن هذه الأشعار في غير الغزل وتمجيد الملاحم، وكان العرب يحبون أن يسمعوا شعراءهم يُشيدون بمفاخرهم كما كان الأغارقة في عصر البطولة. وتبدأ تلك الأشعار، في الغالب، بالتصوير والتشبيه، شأنُ شعرِ الأمم الفطرية التي تُحِسُّ كثيراً وتفكر قليلاً، وتختلف تلك الأشعار عن الشعر الإسرائيلي كثيراً في خُلُوِّها من التكهن والدُّجُون والتغني بسفك الدماء، ولا تجد فيها ذكراً لمثل المجازر الوحشية والمذابح والإبادات ولعنات الرب الدائمة التي مُلِئت بها التوراة. ونال الشعراء نفوذاً كبيراً بفضل حب العرب للشعر، فكان الشعراء يحركون المشاعر، ويرفعون أقوامًا ويخفضون آخرين كما يشاؤون، وكان من نفوذهم أن مَنَحَت قريشٌ الشاعر الأعشى مائة جملٍ حَمْلاً له على عدم نشر قصيدة مَدَحَ النبيَّ بها. وكان من عبادة العرب للشعر ما أقاموا معه، قبل محمد بعدة قرون، مؤتمرات أدبية يقصدونها من جميع نواحي جزيرة العرب، وكانت هذه المؤتمرات تقوم في مدينة عكاظ الصغيرة القريبة من الطائف والبعيدة من مكة مسافة ثلاثة أيام، وكانت القصائد التي تنال الحُظْوَة فيها تُكتب بحروف من ذهب على نسائج ثمينة وتعلَّق في الكعبة بمكة لتُنْقَل إلى الأعقاب. وبلغ الشعر العربي الذروة في القرن الذي سبق ظهور محمد، ونشأ عن ذلك أن صارت لغة الشعراء الفصحى عامَّةً، وأن صُهرت لهجات بلاد العرب المختلفة في لغة واحدة. وانتهت إلينا المعلقات السبع بفضل حفظ أهم أشعار العرب في الكعبة، ويُرى في المعلقات السبع وَصفٌ لحروب العرب، ولحياة البادية الجافية القاسية، ولمغامرات الأعراب ... إلخ.

стр. 431

وإنني أقتطف الأبيات الآتية من معلقة طَرَفة التي وَصَف بها الحياة وصفاً لا أرى أكثر الفلاسفة ارتياباً يضيف إليه شيئاً كبيراً، قال طرفة: كريم يروي نفسه في حياته ... تعلم إن متنا غداً أينا الصدي أرى قبر نحام بخيل بماله ... كقبر غوي في البطالة مفسد أرى جثوتين من تراب عليهما ... صفائح صم من صفيح منضد أرى الموت يعتام الكرام ويصطفي ... عقيلة مال الفاحش المتشدد أرى العيش كنزاً ناقصاً كل ليلة ... وما تنقص الأيام والدهر ينفذ لعمرك إن الموت ما أخطأ الفتى ... لكالطول المرخى وثنياه باليد متى ما يشأ يوماً يقده لحتفه ... ومن يك في حبل المنية ينقد وتَقْرَبُ من تلك الأفكار الممتازة أنشودة حرب جاء بها بلغريق من نجد، ولم يُعرف زمن قَرْضَها، فمنها يبدو للقارئ بوضوح، كما يبدو له من القصيدة السابقة، ماذا كان يَجُول في خاطر المحارب العربي، وإليك تلك القصيدة: أقول لها وقد طارت شعاعاً ... من الأبطال ويحك لن تراعي فإنك لو سألت بقاء يوم ... على الأجل الذي لك لن تطاعي فصبرا في مجال الموت صبراً ... فما نيل الخلود بمستطاع ولا ثوب البقاء بثوب عز ... فيطوى عن أخي الخنع اليراع سبيل الموت غاية كل حي ... فداعيه لأهل الأرض داعي وما للمرء خير من حياة ... إذا ما عد من سقط المتاع وداوم العرب على قَرْضِ الشعر دوامَ حضارتهم، وإن لم يَسْبِقوا المستوى الذي وُصِل إليه قبل النبي، وكان يَقْرِض الشعرَ كل رجل مثقف، سياسياً كان أو فلكياً أو طبيبًا، ولم يكن لغوًا قول بعضهم: «إن العرب وحدهم قرضوا من الشعر ما لم تقرضه أممُ العالم مجتمعةً»، وكان من حب العرب للشعر أن صاروا، في بعض الأحيان، يؤلِّفون كتبَ التوحيد والفلسفة والجبر نظماً، ومن يُطالع قصصهم يَرَ أكثرها ممزوجاً بقِطعٍ شعرية.

стр. 432

ومما بلغ درجة الثبوت في أيامنا، كما يظهر، أن الأوربيين اقتبسوا فنَّ القافية من العرب، ودلَّت مباحث فياردو وغيره من الكتَّاب الكثيرين على هذا الأمر الذي كان الأسقُف هُويهِ قد بينه منذ زمن طويل. ويُعزَى مصدرُ الشعر الإسباني والشعر البروفنسيِّ إلى ما كان لشعراء عرب الأندلس من التأثير، ويلوح لي هذا الرأيُ قويماً كالرأي السابق، ولكنَّ إيضاح الأسباب التي يُستند إليها في هذا يتطلب إفاضةً لا يحتملها صَدر هذا الكتاب. (٣ - ٢) الروايات والأقاصيص زاول العربُ جميعَ أنواع الأدب، فضلاً عن الشعر، ويُوجَدُ للعرب رواياتٌ في المخاطر والحبِّ والفروسية ... إلخ، وترى في روايات العرب، مع قلة اعتنائهم بنفسية الأشخاص، فوائدَ كبيرة لاشتمالها على ضروب المغامرات العجيبة، وجَمَّلَ العرب، بخيالهم الساطع، كل شيء لَمَسوه، وهم الذين لا نظير لهم في الفن. والعرب هم الذين ابتدعوا روايات الفروسية، قال سيديُّو: «كان خيال الشعراء يتجلَّى في الروايات والأقاصيص، وكان أتباع محمد من أكابر المحدِّثين دائماً، وكانوا يجتمعون مساء تحت خيامهم؛ ليسمعوا بعض الأقاصيص العجيبة التي تتخللها الموسيقا والغناء كما في غَرْنَاطَة، ويُخبر ما في إسبانية من القصص المؤلفة من قطعٍ مترجمة، أو التي قُلِّد بها العرب، إخباراً صحيحاً عن الأعياد وألعاب الخواتم وصراع الثيران وحروب النصارى والمسلمين، والتفاخر ورقصِ الفرسان والتشبيب والغَزل ... وما إلى ذلك من الأمور التي اشتهر بها عرب الأندلس في أوربة.» ومن أشهر أقاصيص العرب نذكر مقامات الحريري، ومقاماتِ الهمذانيِّ، وروايةَ ألف ليلة وليلة على الخصوص. واشتهرت مقاماتُ الحريريِّ في الشرق بأَسره. ووُلِد الحريريُّ سنة ١٠٥٤ م، وتوفيَّ سنة ١١٢١ م في البصرة بعد أن ذاع صيتُه بأنه من علماء عصره، وتشتمل كلٌّ من مكتبة باريس الوطنية ومكتبة مسيو شِيفِر على نسخةٍ خَطيَّة مصورة جميلة من مقاماته. وكان الهمذاني، المتوفى سنة ١٠٠٧ م، ذا شهرة واسعة في ذلك المضمار أيضاً، وكان الهمذاني ذا ذاكرة قوية فيحفظ القصيدة على ظهر القلب عندما يسمعها أولَ مرة، وكان الهمذاني مشهوراً، أيضاً، بصفاء لغته وانتقاء التعابير في ارتجالاته.

стр. 433

وتُعَدُّ رواية ألف ليلة وليلة الباهرة أكثر القصص العربية شهرةً لا ريب، واختُلِف كثيراً في مصدرها، ويظهر من الثابت اليوم أنها مجموعة قطع وُضِعَت في أزمنة مختلفة جداً، وأن بعضها وُضِعَ قبل القرن العاشر من الميلاد لذِكْرها في كتاب مروج الذهب الذي ألَّفه المسعوديُّ في ذلك الزمن، وتجد في هذه الرواية قِصَصاً من أصلٍ هندوسي وفارسي، ولكن أكثرها ألَّفَه عرب مصر فيما بين القرن الثالث عشر والقرن الخامس عشر من الميلاد. وذكر أستاذ اللغات الشرقية في هَيْدِلْبِرْغ، مسيوفيل، وذلك في مقدمة الطبعة الألمانية لرواية ألف ليلة وليلة وَفْقَ النص الشرقي، أنه لا يجوز الشك في أن أكثر القصص فيها عربيٌّ، وأن ما فيها من أصلٍ عربي يختلف كثيراً عما فيها من أصلٍ هندوسيِّ بارزٍ في المجموعة المعروفة بذلك الاسم، أيضاً، في القرون الأولى من الإسلام. وتُعد رواية ألف ليلة وليلة من أكثر كتب الأدب التي وضعها الإنسان إمتاعاً مع ما فيها من نقائصَ واضحةٍ جداً، وأضيف إلى ما فيها من مُتْعَةٍ ما في قراءتها من فائدة، فيها ينال القارئ معارف صحيحةً عن طبائع العرب ومشاعرهم ووجِه تفكيرهم في بعض الأدوار. شكل ٢ - ٥: إفريز كوب عربي ذي كتابة بتشويه القسم الأسفل من رسم الأشخاص. وكل تاريخ يكون مدخلاً لها يَشمَل النظر، وذلك لما يُلقيه من نور قويٍّ على أحوال الشرقيين النفسية الصميمة، ودوافعهم الخلقية، ورأيهم في المرأة ... إلخ، والحق أن أقاصيص الأمم وأساطيرها من الأدلة التي أهمل التاريخ أمرها زمناً طويلاً، والتي أخذ العلماء يدركون شأنها في الوقت الحاضر، ومن ذلك أن تَوَصَّلنا، بتحليل الأغاني الشعبية والأساطير، وذلك في درسنا أمر تلك الأمة الغريبة التي أتيح لنا أن نَرْقبُها في جبال تَتْرَة، إلى معارف ثمينةٍ تمكناً بها من رسم المزاج النفسي لأجداد شعبٍ لم يُكتب له تاريخٌ قط.

стр. 434

(٣ - ٣) الحكايات والأمثال الحكايات والرموز والأمثال من أكثر مَا عُنِي به في الشرق، ومنها يتألف نوعٌ من الآداب التي تلائم النفس، وتُحفظ في الذاكرة بسهولة، مع أن الأفكار المجردة تُتْعِب وتُنْسَى سريعاً. ويعد لقمان الأسطوري أشهر من جاء بالحكايات، وجعل محمدٌ من لقمان، في القرآن، مثالَ الحكمة، ويرى فريقٌ من العلماء أنه معاصر لداود، ويراه فريق ثانٍ معاصراً لإبراهيم، ويرى فريق ثالثٌ أن مؤلفَ الحكايات شخصٌ غير لقمان ظهر بعد محمد؛ ويدل ما بين حكايات لقمان وحكايات إيزوب من الشبه على أن ذلك اقتبس من هذا أو أن كليهما استقى من منبعٍ واحد على الأقل. وأمثال العرب كثيرة إلى الغاية، ومن أمثال العرب اقتَبَسَت إسبانية وبقيةُ أوربة عدداً من الأمثال غيرَ قليل، ومن يُدَقِّق في حكمة سانكُو بانْسَا يَرَ قِسمها الكبير، الذي لاينضِب معينه من أصل إسلامي. وإنني، تنويراً للقارئ، أنقلُ بعضَها الآتي من كتاب مسيو بياس: • العيشُ تحت جَنَاح الذبابة خيرٌ من النوم في الجبَّانة. • استَفِدْ من شَبَابِك فالعمر قصير. • انسْ هُمُومَك في ليلتك ما دمتَ جاهلاً ما في غَدِك. • عاشرْ حداداً تُضرَّج بالسِّناج، وعاشرْ عطَّاراً تَنَلْ شَذَا الأزهار ... • خشبةٌ تُلهِب المحبة. • مَن يتزوج امرأة من أجلِ جمالها يُخدع، ومَن يتزوجها من أجل مالها يَطمَعْ، ومن يَخْتَرْها من أجل رشادها يُمْتَعْ. • إذا ما أحبكم النساء فتَحْنَ لكم الأسداد، وإذا ما كَرِهْنَكم أَقَمْنَ أمامكم سوراً من خيط العنكبوت كأنه من صُنع حَدَّاد. • راحة بالٍ مع فَقْرٍ خيرٌ من هَمٍّ مع يُسْر. • لا تدخل الذبابة فماً يستطيع السكوت. • التدبيرُ نصفُ المعيشة، وقد يكون به كل المعيشة. • لا تلد الفأرة إلا فأرة. • الشجرة التي تُخرج الورد تُخرج الشوك.

стр. 435

• شاور من يُبكِيك لا من يُضحِكك. • في الصلاح سر النجاح. • ثلاثةٌ خير من ثلاثين: الجمال والتقوى وكتمان الهوى. • منهومان لا يشبعان: طالب علم وطالب مال. شكل ٢ - ٦: كتابة عربية حديثة وجدها المؤلف في بيت دمشق. شكل ٢ - ٧: كتابة عربية حديثة وجدها المؤلف في بيت عربي بدمشق.

стр. 436

(٣ - ٤) التاريخ مؤرخو العرب كثيرون، وقد عَدَّ حاجِّي خليفة وحده في مكتبته الشرقية (كشف الظنون) ١٢٠٠ مؤرخٍ عربي، وكان يُعوِزُ مؤرخي العرب روحُ النقد على العموم، كما كان يُعَوِّز جميع مؤرخي القرون الوسطى، وكما يُعَوِّزُ الكثيرين ممن قلدهم من الكتَّاب المعاصرين، وقد قَلَّت «على العموم» لوجود مؤرخين قليلين بلغوا درجةً عالية من تلك الروح المسيطرة كابن خلدون. ونذكر من قدماء مؤرخي العرب: الطبري الذي ألَّف، في أواخر القرن التاسع من الميلاد، تاريخاً عاماً عن الزمن الذي مر منذ بدء العالم إلى سنة ٩١٤ م، ونذكر من مؤرخي العرب المشهورين المسعوديَّ: الذي عاش في القرن العاشر من الميلاد فألَّف عدةَ كتب في التاريخ، ككتاب أخبار الزمان وكتاب مروج الذهب ... إلخ. قال مسيو كاترمير عن المسعودي: «إذا ما نظر الإنسان إلى كُتُبه بُهِتَ من تنوع المواد التي كَتب فيها، ومن كثرة المسائل المهمة العويصة التي حلها، والحق أنه كان واسع الفضل في الزمن الذي نبغ فيه، لا لأنه قَرَأَ جميع الكتب الخاصة بالعرب وتأمل فيها فقط، بل لإحاطة مباحثه الواسعة بتاريخ اليونان والرومان وجميعِ أمم الشرق حديثِها وقديمها أيضاً وألَّف مؤرخو العرب كتباً كثيرة في التاريخ العام، ونذكر منهم أبا الفرج الذي توفيِّ سنة ١٢٨٦ م. شكل ٢ - ٨: جزء من كتابة صندوق فارسي مرصع بالصدف (مجموعة شيفر، من صورة فوتوغرافية التقطه المؤلف).

стр. 437

ويتَّصِف ابن خلدون، الذي وُلِد في سنة ١٣٣٢ م، بروح النقد التي تكلمنا عنها آنفاً، وألف ابنُ خلدون تاريخ البربر حيث عَرَضَهم بادئاً بمبادئَ رائعةٍ في النقد التاريخي، وتُرجم كتابُه هذا إلى الفرنسية. وألف المقريزيُّ، المعاصر لابن خلدون، تاريخاً عن مصر يُعَدُّ أحسنَ مصدر للبحث فيها، ويظهر أن هذا التاريخ قِسْمٌ من ثمانين مجلداً له في التاريخ العام. وألَّف النويريُّ، المتوفىَّ في مصر سنة ١٣٣١ م، موسوعةً تاريخية كبيرة. وألَّف صاحب حماة أبو الفداء، المتوفىَّ سنة ١٣٣١ م، والمشهورُ بأنه من علماء التاريخ والجغرافية ومن رجال الحرب معاً، كتاباً في أخبار البشر عظيمَ الفائدة في معرفة ما هو خاصٌّ بالشرق. وكُتُبُ التراجم عند العرب كثيرةٌ أيضاً، وأشهرُها كتابُ المكتبة الشرقية (كشف الظنون) الذي ألَّفه حاجِّي خليفة المتوفىَّ سنة ١٦٥٨ م، والذي هو معجم لأسماء نحو ١٨٥٠٠ كتاب شرقي، والذي أَلْحَقَ فيه اسم كلِّ كتاب منها باسم مؤلفه مع بيانٍ عنه. (٣ - ٥) البيان والبلاغة اهتم مؤلفو العرب بالأسلوب كثيراً، وكثُرَت كتبهم في البلاغة والنحو، فأحصى الغزيريُّ في مكتبة الإسكوريال، وهي التي ليس فيها سوى القليل من كتب الأدب العربي، التي تَفَلَّتت من يد الإبادة والتخريب، أكثر من ثلاثمائة كتابٍ في البلاغة، ولم تُنْقل هذه الكتب إلى اللغات الأخرى، ولا أرى كبيرَ فائدةٍ في نقلها إليها؛ لأن من شأن علم النحو والبلاغة تهذيبَ الأسلوب، لا ابتداعه، ولأن بدائعَ الفن، لا كتبَ النحو، هي التي يجب درسها للحكم في آداب الأمة، ولأن علم النحو وعلم البلاغة وليدا آداب الأمة. ولا نستطيع أن نحكم في بلاغة العرب من رسائلهم في البيان وفي النحو، وما كان العربُ ليَعْرِفوا غيرَ البلاغة الدينية خارجَ التعليم الجامعي، وما كان نظامهم السياسيُّ ليحتمل غيرَ هذا، والحق أن البلاغة الدينية ذاتُ سلطان عظيم على النفوس في الشرق، ولكن ما أسفرت عنه قرائحُ خطبائهم لم يَنْتَهِ إلينا. وليس ما تقدم سوى خلاصةٍ لخلاصةِ تاريخ آداب اللغة العربية، ومع ذلك فإنه يكفي للإلمام بأهمية آثارهم الأدبية وتنوعها، ولن يكون لنا هدفٌ غيرُ هذا في كتابٍ مُجمَل كهذا الكتاب.

стр. 438

الفصل الثالث الرياضيات وعلم الفلك (١) الرياضيات اتَّسَع البحث في الرياضيات، ولا سيما علمُ الجبر، عند العرب، وعُزِيَ إلى العرب اكتشاف علم الجبر، ولكن أصوله كانت معروفة منذ زمن طويل، ومع ذلك فقد حوَّل العرب علم الجبر تحويلاً تاماً، وإليهم يرجِع الفضل في تطبيقه على علم الهندسة. وبلغ علم الجبر من الانتشار بين العرب ما ألَّف معه محمد بن موسى كتاباً مُوطَّئاً له بأمر المأمون في أوائل القرن التاسع من الميلاد، ومن ترجمة هذا الكتاب اقتبس الأوربيون معارفَهم الأولى لعلم الجبر، بعد زمنٍ طويل. وأقتصرُ على ذكر أهم أعمال العرب الرياضية بإيجاز؛ لما في بيانها مفصلاً من الدخول في الدقائق الفنية، وأقول: إن العرب هم الذين أدخلوا المماس إلى علم المثلثات، وأقاموا الجيوب مقام الأوتار، وطبَّقوا علم الجبر على الهندسة، وحلُّوا المعادلات المكعَّبة، وتعمقوا في مباحث المخروطات، وحوَّلوا علم المثلثات الكُرِيّة بردهم حلَّ مثلثات الأضلاع إلى بضع نظرياتٍ أساسية تكون قاعدةً له. ولإدخال المماس إلى علم المثلثات أهميةٌ عظيمة، واسمع ما قاله مسيو شال في كتابه: «خلاصة تاريخ أصول الهندسة»: لم تُؤَثر تلك الثورة العلميةُ المباركة، التي أدت إلى طرح تلك الطرق المركبة الثقيلة في الجيب، وتمام الجيب، في علماء القرون الحديثة إلا بعد مرور خمسمائة سنة، وذلك بدعوة ريجيو مونتانوس، وإن جَهَل تلك الثورة كُوبِرْنِيك الذي ظهر بعد نحو قرن.

стр. 439

(٢) علم الفلك عند العرب علم الفلك هو من أوَّل ما اعتُنِيَ به في بغداد، ولم يدرُس العربُ وحدهم مسائله، بل سار على طريقهم وارثوهم أيضًا، ولا سيما حفيدُ تيمورلنك، أولوغ بك، الشهير بزِيَجه، والذي يمكن عَدُّه المثلَ الأخير لمدرسة بغداد التي دام زمن ازدهارها سبعة قرون (٧٥٠ م-١٤٥٠ م). وكانت بغداد مركزاً مهماً لمباحث علم الفلك، ولكنها لم تكن مركزَ هذه المباحثِ الوحيدَ، فالمراصدُ التي كانت قائمة في البلاد الممتدة من آسية الوسطى إلى المحيط الأطلنطي كثيرة، ومنها ما كان في دمشق وسمرقند والقاهرة وفاس وطليطلة وقرطبة ... إلخ. وأهم مدارس الفلك ما كان في بغداد والقاهرة والأندلس، ولنَقُل كلمةً عن كل واحدة منها: أخذ خلفاء بني العباس، منذ اتخاذهم مدينةَ بغداد، التي أقُيمت سنة ٧٦٢ م، عاصمةً لدولتهم، يحثُّون على دراسة علم الفلك والرياضيات، وعلى ترجمة ما ألَّفه إقليدس وأرشميدس وبطليموس، وترجَمةِ جميع كتب اليونان في تلك العلوم، ويستدعون العلماء الذين كانوا على شيء من الشهرة إلى بلاطهم. وأدَّت مدرسة بغداد الفلكية في زمن هارون الرشيد، وفي زمن ابنه المأمون (٨١٤ م-٨٣٣ م) على الخصوص، إلى أعمال مهمة، وأدُمَجِت مجموعة الأرصاد التي تم أمرها في المراصد ببغدادَ ودمشق في كتاب «الزيج المصحَّح» الذي نأسف على ضَيَاعه، ومع ذلك يمكننا أن نعلم صحة الأرصاد التي اشتمل عليها هذا الكتاب من الدقة العظيمة التي عُيِّن بها انحرافُ سمت الشمس في ذلك الزمن، فقد كان رَقْمُ الانحراف، كما حُقِّق فيه، ٢٣ درجةً و ٣٣ دقيقةً و ٥٢ ثانيةً، أي ما يَعْدِل الرَّقم الحاضر. ونشأ عن رصد العرب للاعتدال الشمسي تعيينُهم مدة السنة بالضبط، وأقدم العرب على قياس خط نصف النهار الذي لم يُوَفق له إلا بعد مرور ألف سنة، وأنجزوا هذا القياسَ بحسابهم المسافة الواقعة بين نقطة البُداءة التي سار منها الراصدون ونقطة النهاية التي ظهر فيها اختلافٌ في ارتفاع القطب درجةً واحدةً، ولم نعلم النتيجة؛ لجهلنا المقدار الصحيح لوَحْدةِ الطول التي اصطلحوا عليها، ونستبعد، مع ذلك، أن يكون الرَّقْمُ الذي توصلوا إليه صحيحاً تماماً بعد النظر إلى قِصَر ذلك الخط ونذكر من أعمال فلكِيِّي مدرسة بغدادَ الأخرى ما وضعوه من التقاويم لأمكنة الكواكب السيارة، وتعيينِهم بالضبط مبادرة الاعتدالَيْن.

стр. 440

وقد انتهت إلينا أسماءُ بعض علماء الفلك في ذلك الزمن، ومن أشهرهم البَتَّانِيُّ الذي عاش في القرن التاسع وتوفيَّ سنة ٩٢٩ م، والذي كان له من الشأن بين العرب ما لبطليموس بين الأغارقة، وقد احتوى كتابه «زِيجُ الصابي» على معارف زمنه الفلكية كما احتوى كتاب بطليموس، ولم يصل إلينا النصُّ الأصلي لأزياجه التي لم تعرفها أوربة إلا من ترجمتها اللاتينية المحرَّفة مع الأسف، ووضع لالاند الشهير البتاني في صَفِّ الفلكيين العشرين الذين عُدُّوا أشهر علماء الفلك في العالم. وألف أماجور وابنه، اللذان قاما برصد بين سنة ٨٨٣ م وسنة ٩٣٣ م، أزياجاً، وذهب هذا الأخير إلى تحول حدود أكبر دائرةٍ من دوائر عرض القمر، خلافاً لمن تقدَّمه من علماء الفلك، ولا سيما بطليموس، فأدى درسُ هذا الشذوذ في دوائر عرض القمر إلى اكتشاف اختلافٍ قمريٍّ ثالث. واشتهر أبناء موسى بن شاكر الثلاثة، الذين عاشوا في القرن التاسع من الميلاد، بأنهم من علماء الفلك أيضاً، فقد عيَّنوا بضبطٍ لم يكن معروفاً قبلهم مبادرةَ الاعتدالَين، ووضعوا تقاويمَ لأمكنةِ النجوم السَّيَّارة، وقاسوا عرض بغداد في سنة ٩٥٩ م، وقيَّدوه ٣٣ درجة و ٢٠ دقيقة، أي برَقْم يصحُّ بعشرِ ثوانٍ تقريباً. وأشهرُ علماء الفلك الكثيرين الذين ظهروا بعد أولئك هو أبو الوفاء المتوفى ببغداد في سنة ٩٩٨ م، ومما عَرَفه هذا العالمُ الفلكيُّ هو الاختلافُ القمريُّ الثالث الذي أشرنا إليه آنفاً، وذلك كما ظهر من كتابه العربي الخطي المهم الذي عَثَر عليه سيديُّو منذ بضع سنين، وذلك أنه استوقف نظره ما في نظرية بطليموس من النقص في أمر القمر فبحث في أسبابه فرأى اختلافاً ثالثاً، غيرَ المعادَلة المركزية والاختلاف الدَّوري، يُعرف اليوم بالاختلاف. والحقُّ أن هذا الاكتشاف، الذي عُزِي بعد أبي الوفاء بستمائة سنة إلى تيخو براهه، عظيمٌ إلى الغاية، فقد استدلَّ مسيو سيديو به على وصول مدرسة بغداد، في أواخر القرن العاشر، إلى أقصى ما يُمكن علمَ الفلك أن يَصِل إليه بغير نظَّارة ومِرْقَب. وكان أبو الوفاء مُجَهَّزاً بآلات مُتقنة، فقد شاهد انحراف سَمْت الشمس بربْع دائرة يبلُغُ نصفُ قطرها إحدى وعشرين قدماً، أي يبلغ من الاتساع ما يُعَدُّ كبيراً في المراصد الحديثة. والحوادث التي أدت منذ أواخر القرن العاشر إلى انحطاط سلطان الخلفاء السياسي ببغداد أوجبت فتوراً في الدراسات، ونشأ عن انقسام الدولة ومغازي

стр. 441

السلجوقيين، والحروب الصليبية، وغارات المغول ــ اضطرابُ البلاد، وقيامُ القاهرة وجامعات الأندلس العربية العظيمة مقامَ بغداد في زعامة الإسلام العلمية. ومع ذلك لم تكُفَّ بغداد عن مزاولة العلوم، وكان حبُّ العرب للعلوم من القوة بحيث لم تمنعهم الحروب والفتن الأهلية وغارات الأجنبي من الاهتمام لها، وبَلَغ العرب من سعة المعارف ما أثَّروا معه تأثيراً كبيرًا في قاهريهم، وما صار معه هؤلاء الغالبون حُماةً لهم من فورهم. ولا شيء، يُورِث العجب أكثر من انتصار حضارة العرب على همجية جميع الغُزاة، ومِن تَخَرُّجِ هؤلاء الغزاة، من فورهم، على مدرسة العرب المغلوبين، فقد دام عمل العرب في حقل الحضارة إلى ما بعد زوال سلطانهم السياسي بزمن طويل، وقد دام بفضل ذلك تقدم بغداد العلمي بعد أن صارت قبضة الأجانب، وقد داومت مدرسة بغداد الفلكية على ازدهارها إلى أواسط القرن الخامس عشر من الميلاد، ولم تنقطع عن نشر رسائل مهمة في الفلك، ومن ذلك أن نشر البيرونيُّ، والذي كان مشيراً للسلطان محمودٍ الغزنوي (سنة ١٠٣٠ م)، مقالته في «تصحيح الطول والعرض لمساكن المعمور من الأرض»، والبيروني هذا زار بلاد الهند وعلَّم الهندوس ما انتهت إليه مدرسة بغداد، ومن ذلك أن أمر السلطان ملكشاه السلجوقي، في سنة ١٠٧٩ م بالقيام بأرصادٍ أسفرت عن إصلاح التقويم السنوي بما هو أفضل من التقويم الغريغوريِّ الذي تم بعد ستمائة سنة، وذلك لأن التقويم الغريغوريَّ يؤدي إلى خطأ ثلاثة أيام في كل عشرة آلاف سنة، مع أن التقويم العربي لا يؤدي إلا إلى خطأ يومين في مثل ذلك الزمن. ولم يكن المغول أقلَّ اعتناء بالعلماء من السلجوقيين، فقد استدعى هلاكوخان في سنة ١٢٥٩ م أفضلَ علماء العرب إلى بلاطه، وأقام في مراغة مرصداً كبيراً نموذجياً، ولم يلبث كوبلاي خان، الذي هو أخٌ لهلاكو، أن نقل إلى بلاد الصين التي افتتحها كتبَ علماء بغداد والقاهرة في علم الفلك، واليومَ نعلم أن فلكيي الصين، ولا سيما كوشو كنغ (١٢٨٠)، استنبطوا معارفَهم الفلكية الأساسية من تلك الكتب، ولذا نقول: إن العرب هم الذين نشروا علم الفلك في العالم كله بالحقيقة. ولما استقر تيمورلنك بسمرقند، التي اتخذها عاصمة دولته العظمى المشتملة على التركستان وبلاد فارس والهند، جمع حوله فريقاً من علماء العرب، ولما آل سلطان سمرقند إلى حفيده أولوغ بك الذي عاش في القرن الخامس عشر من الميلاد أقبل على علم الفلك بنشاط عظيم، وأحاط نفسه بعدد غير قليل من علماء المسلمين، واستطاع،

стр. 442

شكل ٣ - ١: إسطرلاب عربي قديم (متحف العاديات الإسباني). بما لديه من الغِنَى، أن يصنع آلاتٍ رصديَّةً كانت غير معروفة قبل ذلك التاريخ، فزُعم أنه أنشأ ربعَ دائرة يبلغ نصف قطرها ارتفاع كنيسة أياصوفية في القسطنطينية، ويمكن عَدُّ أولوغ بك، الذي لا يفصله عن كيبلر سوى قرن ونصف قرن، آخرَ ممثل لمدرسة بغداد الفلكية، أي أداة وصلٍ بين القدماء والمتأخرين؛ لما قام به من الأعمال المهمة. ويُعد الكتاب الذي نشره أولوغ بك، سنة ١٤٣٧ م، صورةً صادقةً عن المعارف الفلكية التي انتهت إليها المدرسة العربية في أواسط القرن الخامس عشر من الميلاد، وقد بحث المؤلف في القسم الأول من هذا الكتاب في مسائل علم الفلك، ودرس فيه أقسامَ الوقت، وموضوعَ التقويم، ومبادئَ علم الفلك العامة، ثم موضوعاتِ هذا العلم العملية كحساب الكسوف والخسوف وتأليف الأزياج واستعمالها ... إلخ، وتشتمل هذه الأزياج على فهارس الكواكب، وحركات القمر والشمس والكواكب السيارة، وطولِ أهم مدن العالم وعرضها، ومن هذه المدن مدينة سمرقند التي ذكر أن عرضها ٢٩ درجة و ٢٧ دقيقة و ٢٨ ثانية، فلم أجده في كتب المعاصرين.

стр. 443

شكل ٣ - ٢: الوجه الثاني للإسطرلاب السابق. وخُتم هذا الكتاب بمباحث فن التنجيم الخيالي الذي كان معتبراً كثيراً في زمن أولوغ بك. وأدى اشتغال أولوغ بك بفن التنجيم إلى قتله، وذلك أنه تخيل، من اقترانات بعض الكواكب السيارة، أن ابنه البكر سيقتله، وأنه جَرَّد ابنه هذا من مناصبه، وأن هذا الابن ثار على أبيه من فَوْرِه وغَلَبَه، وأن أباه أولوغ بك، هرب إلى التركستان، ثم رجع إلى سمرقند على الرغم من نبوءة النجوم فقتله ابنُه. ومع ذلك فإن جميع علماء الفلك اعتقدوا صحة فن التنجيم، ومنهم فَلَكِيُّو أوربة إلى زمن قريب، حتى إن كِيبلِرَ العظيم نفسه كان على هذا الاعتقاد فألف تقاويم نَبَوِية. ونذكر، بجانب مدرسة بغداد الفلكية: مدرسةَ القاهرة التي أخذت ــ بعد أن فُصِلت عن بغداد في أواخر القرن العاشر من الميلاد ــ تُنافسها في ميدان العلم، فقد اعتنى ولاة أمورها بعلم الفلك اعتناء ولاة أمور بغداد به، وقد أصبح المرصد الذي أنشأوه على جبل المقطم، القائمة عليه القلعة في الوقت الحاضر، من الطراز الأول،

стр. 444

وفي مرصد القاهرة وضع ابنُ يونس، المتوفى سنة ١٠٠٧ م، وذلك في عهد الحاكم (٩٩٠ - ١٠٢١ م)، الزيج الكبير الذي سمَّاه «الزيج الحاكمي» والذي حل محل الأزياج التي وُضعت قبله، واستُنْسِخ الزيج الحاكمي في جميع كتب علم الفلك ومنها الكتاب الذي ألفه كُوشو كنغ في الصين سنة ١٢٨٠ م. وروى ابنُ السنبدي، الذي كان يقيم بالقاهرة سنة ١٠٤٠ م، أن مكتبة هذه المدينة كانت تشتمل ــ في القرن الحادي عشر من الميلاد ــ على كُرتين فلكيتين، وستة آلاف كتاب في الرياضيات وعلم الفلك. ولم تكن آثار العرب الفلكية في الأندلس أقلَّ أهميةً من آثار المسلمين الفلكية في المشرق، ولكنه لم يبقَ منها سوى القليل؛ لإبادة جميع مخطوطاتها تقريباً إبادة منظَّمَةً، ولم تُتَرجَم هذه الآثار القليلة التي نَجَت من التحريق، ونُرَجِّح أنها لن تترجم؛ لما تقتضيه من معرفة تامَّة للغة العرب، وللاصطلاحات الفنية التي لا يَعْلَمها غير المتخصصين. ولا نعرف عن أكثر فلكيي العرب في الأندلس شيئاً غير أسمائهم، ولا نعلم عن كتبهم غير إشارات موجزة تكفي لبيان أهميتهم، ومن ذلك أن ولد الزرقيال، الذي كان حياً حوالي سنة ١٠٨٠ م، قام بـ ٤٠٢ رصدٍ؛ ليُعيِّن البعد الأقصى للشمس، وأنه عَيَّن مقدار حركة المبادرة السنوية لنقطتي الاعتدالين بخمسين ثانية، أي ما يَعْدِل ما جاء في أزياجنا الحديثة بالضبط، وأنه كان يرقب الأفلاك بآلاتٍ اخترعها بنفسه، وأنه صنع ساعاتٍ دقاقةً أعُجِبَ بها الناس في طليطلة أيما إعجاب. وإذ لم تكن كتب عرب الأندلس في علم الفلك موجودةً، أمكن الاستدلال على ما احتوته بما جاء في كتب نصارى ذلك الزمن، ومن ذلك ما تَوَصَّل إليه سيديُّو (الذي درس رسائل الملك الأذفونش العاشر القشتالي الفلكية وما ماثلها) من النتائج القائلة: إن العرب سبقوا كِيبلر وكوبرنيك في اكتشاف حركات الكواكب السيارة على شكل بَيضِيّ، وفي نظرية دوران الأرض، وإن أزياجَ الأذفونش العاشر المسماة «الأزياج الأذفونشية» مأخوذةٌ عن العرب. وكان علماء الفلك في إفريقية، ولا سيما طنجة وفاس ومراكش ينافسون علماء الفلك في الأندلس، ولكننا نجهل آثارهم جهلنا لآثار علماء الأندلس، ونعلم، مع ذلك، أن أبا الحسن المراكشي، الذي كان يعيش في القرن الثالث عشر من الميلاد، عَيَّن، بضبط لم يسبقه إليه أحد، العرضَ والطولَ لإحدى وأربعين مدينة إفريقية واقعة بين مراكش

стр. 445

شكل ٣ - ٣: وجه سابق لإسطرلاب عربي محفوظ في المكتبة الوطنية بباريس (من صورة فوتوغرافية). والقاهرة، أي ما مسافته تسعمائة فرسخ، وأنه قَيَّد مشاهداتِه في كتابه «جامع المبادئ والغايات في علم الميقات» الذي اشتمل على معارفَ ثمينةٍ لآلات الرصد العربية، فترجم سيديُّو بعضه. ولم يعرف العرب سوى الِمزْوَلَة لتعيين الوقت بالضبط، ولم تكن ساعاتهم صالحة للمباحث الفلكية الدقيقة؛ لعدم تطبيقهم الرَّقَّاص عليها. وكان العرب يُعَيِّنون الزوايا بأرباع الدائرة والإسطُرلاب، وقد وصل إلينا عددٌ غير قليل من الإسطرلابات، ويوجد في مكتبة باريس الوطنية وحدها ثلاثة أسطرلابات، فنشرنا صورةً لأحدها في هذا الكتاب، فمن ينعم النظر في تركيبها يعلم أنها دالةٌ على حِذْق كبير، وأنه يَصعب صنعُ ما هو أحسن منها في الوقت الحاضر. ويسهل بيان تركيب الإسطرلاب؛ فهو مؤلَّف من قرص معدني مقسم إلى درجات، ويدور على هذا القرص عدادٌ ذو ثَقبَين في طرفيه، ويُعلق الإسطرلاب من حَلْقَته تعليقاً

стр. 446

شكل ٣ - ٤: وجه لاحق لذلك الإسطرلاب (من صورة فوتوغرافية). عموديٍّا، ثم يُوَجَّه العداد نحو الشمس، فمتى مرت أشعة الشمس من ذينك الثقبين قُرئ ارتفاع الكوكب من الحد الذي وقف العداد عليه. وكانت أرباع الدائرة كبيرةً في المرصد أحياناً، ولا فائدة من استعمالها في الوقت الحاضر بعد اختراع آلة فرْنِيه الدقيقة التي نتمكن بها من معرفة الدقائق والثواني في أصغر الآلات، ولكن بما أن حيازة دائرةٍ مشتملة على تقسيم الدرجات إلى دقائق والدقائق إلى ثوانٍ، تتطلب نصفَ قطرٍ كبير بحكم الطبيعة كان من عادة فلكيي العرب أن يكتفوا بتقسيم الدقيقة إلى اثني عشر قسماً، فيدل كل قسم من هذه الأقسام على خمس ثوانٍ. وكذلك كان العرب يقيسون ارتفاع الشمس بامتداد ظلِّ مِيلٍ على سطح أفقي، ويكون مثل هذا القياس دقيقاً عندما تكون الآلة المنصوبة عالية. وتُلخَّص اكتشافات العرب الفلكية بما يأتي: إدخال المماس إلى الحساب الفلكي منذ القرن العاشر من الميلاد، ووضع أزياجٍ لحركات الكواكب، وتعيينٌ دقيق لانحراف سمت الشمس ونقصانه التدريجي، وتقدير مبادرة الاعتدالين بالضبط، وتحديدٌ صحيح

стр. 447

شكل ٣ - ٥: إسطرلاب عربي لفليب الثاني بإسبانية (متحف العاديات الإسباني). لمدة السنة، وتحقيق لشذوذ أعظم عرض للقمر، وكشف للاختلاف القمري الثالث المعروف بالاختلاف في الوقت الحاضر، والذي قيل إن تيخو براهه اهتدى إليه في سنة ١٦٠١ م لأول مرة.

стр. 448

الفصل الرابع العلوم الجغرافية (١) ريادات العرب الجغرافية كان العرب من السياح المقاديم في كل وقت، وكانوا لا يَخْشَون المساوف والمراحل، واليوم، أيضاً، نراهم يأتون مكة من أقصى البِقاع، ويجوبون بقوافلهم داخل إفريقية كأمر بسيط، فيصادفهم فيها الأوربيون الذين لا يبلغونها إلا بشقِّ الأنفس. وكان للعرب، منذ السنين الأولى من قيام دولتهم، علائقُ تجاريةٌ بما كان الأوربيون يَشُكُّون في وجوده من البلدان، كالصين وبعض البقاع الروسية ومجاهل إفريقية ... إلخ. والآن أشير بإيجازٍ إلى أعمالهم الجغرافية ورياداتهم وحدها، ما دمتُ سأذكر، في الفصل الذي خصصته للبحث في علاقات المسلمين التجارية، البلادَ التي كانت لهم صلات تجارية بها، والطرق التي كانوا يسلكونها للوصول إليها. وكانت طليعةُ رُوَّادِ العرب مؤلفةً من تجار يَسِيحُون للتجارة، وعلى ما كان يُعْوِز هؤلاء من الاستعداد الضروري للتأمل العلمي لم تخلُ رِحلاتهم التجارية من طرائف مفيدةٍ في بعض الأحيان. حقاً لم يخرج أمر سِياحات العرب القديمة التي انتهى إلينا خبرها عن ذلك المعنى، ومنها سياحةُ التاجرِ سليمانَ لبلاد الصين في القرن التاسع من الميلاد، فقد أبحر سليمان من مرفأ سيراف الواقع على الخليج الفارسي حيث كانت تكثر المراكب الصينية، وجاوز المحيط الهندي، وبلغ شواطئ بلاد الصين، وكَتَبَ رحلته في سنة ٨٥١ م، ثم أكمل أحد أبناء وطنه أبو زيد كتاب هذه الرحلة في سنة ٨٨٠ م، وأضاف إليها معارف أخذها عن عربٍ زاروا بلاد الصين.

стр. 449

وكتاب سليمان، الذي نُقل إلى اللغة الفرنسية في أوائل القرن الأخير، هو أول مؤلَّفٍ نُشر في بلاد الغرب عن بلاد الصين. شكل ٤ - ١: خريطة عربية وضعت في أواسط القرن الثاني عشر من الميلاد (رسمها بريس الأفيني في القاهرة). وإذا كان سليمان باحثاً عادياً فغيرُ ذلك شأن المسعودي الشهير الذي وُلد ببغداد في أواخر القرن التاسع من الميلاد، فقد قَضى المسعودي خمساً وعشرين سنة من حياته في الطواف في مملكة الخلفاء الواسعة، وفي الممالك المجاورة لها كبلاد الهند، وقيَّد ما شاهده في تآليفه الكثيرة المهمة التي نَعد كتاب «مروج الذهب» أشهرها، قال المؤرخ العربي العلامةُ ابن خلدون الذي ذكرناه غيرَ مرة والذي ظهر بعد المسعودي بأربعمائة سنة ما يأتي: فأما ذِكر الأحوال العامة للآفاق والأجيال والأعصار فهو أسُّ للمؤرخ تنبني عليه أكثر مقاصده، وتَتَبين به أخبارُه، وقد كان الناس يفردونه بالتأليف، كما فعله المسعودي في كتاب مروج الذهب، شرح فيه أحوال الأمم والآفاق لعهده في عصر الثلاثين والثلاثمائة (٩٤١ م) غرباً وشرقاً، وذكر نِحَلهم وعوائدهم، ووَصف البلدان والجبال والبحار والممالك والدول، وفرَّق شعوب

стр. 450

العلوم الجغرافية العرب والعجم، فصار إماماً للمؤرخين يرجعون إليه، وأصلاً يُعوِّلون في تحقيق الكثير من أخبارهم. ثم بدأ ابن حوقل، الذي وُلد كالمسعودي في بغداد برحلاته بعد أن تمت رحلات المسعودي، واسمَع ما قاله ابن حوقل في كتابه: قد عَمِلْتُ كتابي هذا بصفة أشكال الأرض ومقدارها في الطول والعرض وأقاليم البلدان ومحلِّ الغامر منها والعمران، من جميع بلاد الإسلام، بتفصيل مدنها، وتقسيم ما تَفَرَّد بالأعمال المجموعة إليها، وقد جعلتُ لكل قطعة أفردتُها تصويراً وشكلاً يَحْكي موضعَ ذلك الإقليم، ثم ذكرتُ ما يحيط به من الأماكن والبقاع، وما في أضعافها من المدن والأصقاع، وما لها من القوانين والارتفاع، وما فيها من الأنهار والبحار، وما يحتاج إلى معرفته من جواملِ ما يشتمل عليه ذلك الإقليم من وجوه الأموال والجبايات والأعشار والخراجات والمسافات في الطرُقات، وما فيه من المجالب والتجارات؛ إذ ذلك علمٌ يتفرَّد به الملوك والساسة وأهل المروءات والسادة من جميع الطبقات. ورافق البيرونيُّ السلطانَ محموداً الغزنوي في حملته التي جردها على بلاد الهند في سنة ١٠٠٠ م، ونشر ما شاهده في بلاد السند وشمال الهند، وحاول البيروني أن يُصَحح خريطة تلك البلاد مستنداً إلى حسابه الفلكي. ويمكن أن نعُدَّ من السياح أبا الحسن الذي عاش في القرن الثالث عشر من الميلاد وذكرناه بين علماء الفلك، فقد اجتاب بالحقيقة شمالَ إفريقية الممتد من مراكش إلى مصر، وعَيَّنَ، تعييناً فلكياً، مواضع أربعٍ وأربعين مركزاً مهماً قاصداً تصحيح خريطة بطليموس عن الدوائر الإفريقية. وآخر رحالة عربي كبير نذكره هو ابن بطوطة الذي بدأ بسياحاته في سنة ١٣٢٥ م، مسافراً من مدينة طنجة المراكشية ومُجَوِّلاً في إفريقية الشمالية ومصر وفلسطين والعراق وشمال جزيرة العرب إلى مكة، وفي روسية الجنوبية والقسطنطينية ... إلخ، والذي ذهب إلى بلاد الهند مارٍّا من بخارى وخراسان وقندهار، فبلغ مدينة دهلي التي كانت من العواصم الإسلامية، والتي أوفده سلطانها إلى عاهل الصين فانتهى إلى بلاد الصين بحراً، وقد زار في طريقه إلى الصين سيلان وسومطرة وجاوة، ووصل إلى المدينة التي تُعرف ببكين في الوقت الحاضر، ثم عاد إلى وطنه بطريق البحر.

стр. 451

ودامت تلك السياحات الأولى التي قام بها ابن بطوطة أربعًا وعشرين سنة، ولكن ابن بطوطة لم يشعر في أثنائها بتعب، فقد زار بعدها بلاد الأندلس، وأوغل في قلب إفريقية، وانتهى إلى مدينة تنبَكْتُو، وتوفيَّ ابن بطوطة في مدينة فاس سنة ١٣٧٧ م بعد أن طاف، تقريباً، في جميع العالم الذي كان معروفاً في عصره، فرياداتٌ كالتي أتاها تكفي لتمجيد من يقوم بها في زماننا أيضاً. (٢) التقدم الذي حققه العرب في الجغرافية كان من نتائجِ ريادات العرب ومعارفهم الفلكية التي ذكرتُها أن اتفق لعلم الجغرافية تقدم مهمٌّ، ولا غرو؛ فالعرب الذين اتخذوا في البداءة علماء اليونان، ولا سيما بطليموس، أَدِلَّاء لهم في علم الجغرافية لم يلبثوا أن فاقوا أساتذتهم فيه على حسب عادتهم. كانت مواضع المدن الكثيرة التي عَيَّنها بطليموس تعييناً جغرافياً غيرَ مطابقة للحقيقة تماماً، وبلغ مقدار غَلَطِه في تعيين طول البحر المتوسط وحده أربعمائة فرسخ. ويكفي أن نقابل بين الأمكنة التي عينها الأغارقة والأمكنة التي عينها العرب؛ ليظهر لنا مقدار التقدم الذي تم على يد العرب، فهذه المقابلة تدل على أن مقدار بالعرض الذي حققه العرب يَقْرُب من الصحة بما لا يزيد على بضع دقائق، وأن خطأ الأغارقة فيه بلغ درجاتٍ كثيرة. وكان تعيين الطول صعباً على العرب، وذلك لما يُعْوزُهم في ذلك الحين من مقياسٍ للزمان (كرنومتر) ومن تقاويمَ مضبوطةٍ للقمر فكانت مَغَالِطُهم أظهر من ذلك، وإن لم يَزِد على درجتين إلا نادرًا، أي وإن كانت دون غلط الأغارقة بمراحل. حقاً إن أغاليط الأغارقة في تعيين الطول كانت فاحشةً في بعض الأحيان، ومنها أن غلِطَ بطليموس، الذي اتخذ الإسكندرية مبدأً للطول، في طول طنجة نحو ١٨ درجةً فجعله ٥٣ درجة و ٣٠ دقيقة بدلاً من ٣٥ درجة و ٤١ دقيقة، ومنها أن جَعَل بطليموسُ في تقاويمه طولَ المحور الكبير للبحر المتوسط الممتد من طنجة إلى طرابلس الشام تسع عشرة درجةً زيادة على الحقيقة، أي ما يَعْدِل أربعمائة فرسخ تقريباً، مع أن غَلَط تقاويم العرب فيه أقلُّ من درجة واحدة. وكتب العرب التي انتهت إلينا في علم الجغرافية مهمةٌ إلى الغاية، وكان بعضها أساسًا لدراسة هذا العلم في أوربة قروناً كثيرة.

стр. 452

العلوم الجغرافية شكل ٤ - ٢: خريطة الإدريسي العربية (١١٦٠، من رسم ف. دوسان مارتان). وأقدمُ كتاب نعرفه عن العرب في علم الجغرافية هو الكتاب الذي نشره النضرُ البصري في سنة ٧٤٠ م، ففي هذا الكتاب عالج النضرُ مختلف الموضوعات التي لا تَمُتُّ إلى علم الجغرافية بصلة في الغالب، والتي يلوح أنها خاصة بأعراب على الخصوص. ثم جاء الإصطخري، فألَّف كتاب الأقاليم في أواسط القرن التاسع من الميلاد، فكان أرقى من كتاب النضر البصري، وكتاب الإصطخري هذا لم يكن، مع ذلك، سوى إحصاء لما في مختلف الولايات من الأنهار والمدن والجبال ... إلخ. وما كتبه المسعودي المعاصر للإصطخري والمقدسي في سنة ٩٨٥ م في علم الجغرافية هو من قبيل الرحلات أكثر من أن يكون من الكتب الجغرافية. وأشهر جغرافيي العرب هو الإدريسي، ومن كُتب الإدريسي، التي تُرجمت إلى اللاتينية، تعلَّمت أوربة علم الجغرافية في القرون الوسطى. وُلد الإدريسي في الأندلس، ثم ساقت الإدريسي مغامراتٌ كثيرة إلى بلاط ملك صقلية، روجر، بعد أن استولى النورمان عليها بزمن قصير، ولما كانت سنة ١١٥٤ م ألَّف الإدريسي كتابه الجغرافيَّ العظيم، مشتملاً على ما قيده المتقدمون في علم الجغرافية، وعلى ما رواه عن السياح من المعارف الكثيرة، وعلى عدة خرائط؛ فاقتصرت أوربة على نَسْخِه بدناءةٍ مدة ثلاثة قرون.

стр. 453

وخريطة الإدريسي التي نَشَرْتُ صورتها، والتي اشتملت على منابع النيل والبحيرات الاستوائية الكبيرة، أي على هذه الأماكن التي لم يكتشفها الأوربيون إلا في العصر الحاضر، أكثرُ خرائطه طرافة، فهي تثبت أن معارف العرب في جغرافية إفريقية أعظمُ مما ظُنَّ زمناً طويلاً. وأَذكر من جغرافيي العرب القزويني وياقوتاً الحموي اللذين عاشا في القرن الثالث عشر من الميلاد، وأن كتاب هذا الأخير مُعجَمٌ جغرافيٌّ حافلٌ بوثائقَ عن جميع البلدان التي تتألف منها دولة الخلافة. وعُرف صاحبُ حماة، وأبو الفداء (١٢٧١ م-١٣٣١ م)، بأنه من علماء الجغرافية أيضاً، ولكنه لم يصنع غيرَ تلخيص كتب أخرى، وقُلْ مثل هذا عن المقريزي والحسن. ويحتاج إحصاء أهم جغرافيي العرب وما ألفوا من الكتب إلى بيان طويل، فقد ذكر أبو الفداء وحده أسماء ستين عالماً جغرافياً من الذين ظهروا قبله، وتكفي الخلاصة السابقة لإثبات شأنهم مع ذلك، ولولا إصرار الأوربيين الخاص على مُبْتَسراتهم الموروثة، التي لا تزال باقية، حِيالَ الإسلام؛ لتعذر إيضاح السبب في إنكار علماء أفاضل في الجغرافية، كمسيو فيفيان دو سان مارتن، لذلك الشأن، ومع ذلك يكفي ما أتى به العرب من عملٍ كبير لإثبات قيمتهم، فالعرب هم الذين انتَهَوا إلى معارف فلكية مضبوطة من الناحية العلمية عُدَّت أول أساسٍ للخرائط، فصححوا أغاليط اليونان العظيمة في المواضع، والعرب، من ناحية الرِّياد، هم الذين نشروا رحلاتٍ عن بقاع العالم التي كان يشكُّ الأوربيون في وجودها، فضلاً عن عدم وصولهم إليها، والعرب، من ناحية الأدب الجغرافي، هم الذين نشروا كتباً قامت مقام الكتب التي ألُّفت قبلها؛ فاقتصرت أمم الغرب على استنساخها قروناً كثيرة.

стр. 454

الفصل الخامس الفيزياء وتطبيقاتها (١) الفيزياء والميكانيكا الفيزياء: ضاعت كتب العرب المهمة في الفيزياء، ولم يبقَ منها غير أسمائها ككتاب الحسن بن الهيثم في الرؤية المستقيمة والمنعكسة والمنعطفة، وفي المرايا المحرقة، ومع ذلك فإننا نستدل على أهمية كتب العرب في الفيزياء من العدد القليل الذي وصل إلينا منها، ولا سيما كتابُ الحسن في البَصَريات الذي نُقل إلى اللغة اللاتينية واللغة الإيطالية؛ فاستعان كيبلر به كثيراً في كتابه عن البَصَريات، ويرى القارئ في كتاب الحسن فصولاً دقيقة عن حرارة المرايا ومحلِّ الصور الظاهر في المرايا، وانحراف الأشياء، وجسامتها الظاهرة ... إلخ، ويرى فيه، على الخصوص، حلاً هندسياً للمسألة الآتية التي تتعلق بمعادلة من الدرجة الرابعة، وهي: إذا عُلِمَ موضعُ نقطةٍ مضيئة ووَضْعُ العين، فكيف تَجِدُ على المرايا الكُرِيَّةِ والأسطوانية النقطة التي تتجمَّع فيها الأشعة بعد انعكاسها؟ فعدَّ مسيو شال، الذي هو حُجة في هذه الموضوعات، هذا الكتابَ «مصدر معارفنا للبصريات.» الميكانيكا: معارف العرب الميكانيكية العملية واسعةٌ جداً، ويُستدل على مهارتهم في الميكانيكا من بقايا آلاتهم التي انتهت إلينا، ومن وصفهم لها في مؤلفاتهم.

стр. 455

ورأى الدكتور إ. برناردُ الأكسفورديُّ أن العرب هم الذين طبقوا الرَّقاص على الساعة، غير أن ما أبداه من الأسباب لا يكفي، على ما يظهر، لإسناد هذا الاختراع المهم إلى العرب، والذي نرجحه هو أن الساعة الدقاقة التي أرسلها هارون الرشيد إلى شارلمان هي ساعةٌ مائيةٌ تدق في كل ساعة بسقوط كُراتها النحاسية على قُرص معدني. ولكن الذي لا ريب فيه هو أن العرب عرفوا الساعات ذات الأثقال التي تختلف كثيراً عن الساعات المائية، ودليلنا على ذلك: ما وُصِفت به ساعة الجامع الأموي الشهيرة في كتب كثير من المؤلفين، ولا سيما بنيامين التُّطيليُّ الذي زار فلسطين في القرن الثاني عشر من الميلاد، وقد اقتطفنا الوصف الآتي من ترجمة مسيو سلفستر دوساسي لابن جُبير، قال ابن جُبَيْر: وعن يمين الخارج من باب جيرون في جِوار البلاط الذي أمامه غرفةٌ لها هيئة طاقٍ كبير مستدير فيه طِيَانُ صُفْرٍ قد فُتِّحت أبواباً صغاراً على عدد ساعات النهار، ودُبِّرت تدبيراً هندسياً، فعند انقضاء ساعة من النهار تَسقط صنجتان من صُفْر من فَمَيْ بازَيْن مُصَوَّرين من صُفْر قائمين على طاستين من صُفْرٍ تحت كل واحد منهما، أحدهما: تحت أوَّل باب من تلك الأبواب، والثاني: تحت آخرها، والطاستان مثقوبتان، فعند وقوع البندقيتين فيهما تَعودان داخل الجدار إلى الغرفة، وتبصر البازَين يَمُدَّان عنقيهما بالبندقيتين إلى الطاستين ويقذفانهما بسرعة بتدبير عجيب تتخيله الأوهام سحراً، وعند وقوع البندقيتين في الطاستين يُسمع لهما دويٌّ، وينغلق الباب الذي هو لتلك الساعة للحين بلَوْحٍ من الصُّفر، لا يزال كذلك عند كل انقضاء ساعة من النهار، حتى تنغلق الأبواب كلها وتنقضي الساعات، ثم تعود إلى حالها الأول، ولها بالليل تدبير آخر، وذلك أن في القوس المنعطفة على الطيقان المذكورة اثنتي عشرة دائرةً من النحاس مُخرَّمةً تعترض في كل دائرة زجاجةٌ من داخل الجدار في الغرفة، يُدير ذلك كله منها خلف الطِّيقان المذكورة وخلفَ الزجاجة مصباحٌ يدور به الماءُ على ترتيب مقدار الساعة، فإذا انقضت عمَّ الزجاجة ضَوءُ المصباح، وفاض على الدائرة أمامها شعاع، فلاحت للأبصار دائرة محمرة، ثم انتقل ذلك إلى الأخرى حتى تنقضي ساعات الليل وتحمر الدوائر كلها، وقد وُكِّل

стр. 456

بها في الغرفة مُتَفقِّدٌ لحالها، دَرِبٌ بشأنها وانتقالها، ويُعيدُ فتحَ الأبواب، وصَرْف الصنُوج إلى مواضعها. (٢) الكيمياء كيمياء العرب مشوبةٌ بالسيمياء، كما كان علم الفلك عندهم مشوباً بفنِّ التنجيم، ولكن مزج العلم المثبَتِ بالخيال لم يمنع العرب من الوصول إلى اكتشافات مهمة. والمعارف التي انتقلت من اليونان إلى العرب في الكيمياء ضعيفةٌ، ولم يكن لليونان علمٌ بما اكتشفه العرب من المركبات المهمة كالكحول وزيت الزاج (الحامض الكبريتي) وماء الفضة (الحامض النتري) وماء الذهب ... وما إلى ذلك، وقد اكتشف العرب أهمَّ أسس الكيمياء كالتقطير. قال بعض المؤلفين: «إن لافوازيه واضعُ علم الكيمياء، وقد نَسُوا أننا لا عهد لنا بعلم من العلوم، ومنها علم الكيمياء، صار ابتداعه دفعةً واحدة، وأنه وُجِد عند العرب من المختبرات ما وَصلوا به إلى اكتشافاتٍ لم يكن لافوازيه ليستطيع أن ينتهي إلى اكتشافاته بغيرها.» شكل ٥ - ١: فرسان من العرب يقذفون بالنار اليونانية كما جاء في مخطوط عربي قديم محفوظ في المكتبة الوطنية بباريس. وأقدم علماء العرب في الكيمياء وأكثرهم شهرةً هو جابر الذي عاش في أواخر القرن الثامن من الميلاد، والذي ألَّف كتباً كثيرة فيها، ولكنه نشأ عن كثرة من تَسَمَّوا باسمه من معاصريه صعوبةُ تمييز ما يجب نسبته إليه منها، ونُقِل عدد غير قليل من

стр. 457

كتبه إلى اللغة اللاتينية، وقد نُقِل كتابه «الاستتمام»، الذي هو من أهم كتبه، إلى اللغة الفرنسية في سنة ١٦٧٢ م، فدل هذا على دوام نفوذه العلمي في أوربة مدةً طويلة. ويتألف من كتب جابر موسوعةٌ علمية حاوية خلاصةَ ما وَصل إليه علم كيمياء العرب في عصره، وتشتمل هذه الكتب على وصف كثير من المركبات الكيماوية التي لم تُذكَر قبله، كماء الفضة (الحامض النتري) وماء المُهِمَّيْن اللذين لا نتصور علم الكيمياء بغيرهما. ويظهر أن جابر بن حيان عَرَف خواصَّ بعض الأرواح، فقد ذكر: «أن الأرواح حينما تستقر بالأجسام تَفْقِد شكلها وطبيعتها، وتصبح غير ما كانت عليه، وأنها في حالة التحليل إما أن تَطِير وحدها وتبقى الأجسام التي امتزجت بها، وإما أن تطير مع ما امتزجت به من الأجسام في آن واحد.» وكان جابر يعتقد، كجميع السيماويين، أن المعادن مركبةٌ من عناصر كثيرةٍ غير معروفة، فيسمِّي هؤلاء هذه العناصر، على حسب الأحوال، ببعض الأسماء، كالكبريت والزئبق والزرنيخ ... إلخ. ولكن هذه الأسماء لم تَدُلُّ على خواصِّ العناصر المفترضة التي أطُلقت عليها، وإلى هذا الأمر أشار السيماويون، غير مرةٍ، فيجب الانتباه إليه خوفًا من الوقوع في مثل ما اقترفه مؤلفون كثيرون من الوِزْر نحوهم. ويرى علماء الكيمياء من العرب أن جميع المعادن مؤلفةٌ من عناصرَ واحدةٍ، وأن بعض المعادن لا يختلف عن بعضٍ إلا بسبب اختلاف نِسَب هذه العناصر، وأنه في حالة حل هذه العناصر، وإعادة تركيبها مرةً أخرى على نسب ملائمة يُظفر، كما هو ظاهر، بأي معدن آخر كما يُراد، كالذهب مثلاً. ورَانَت مسألة تحويل المعادن على قلوب سيماويي العرب قروناً كثيرة كما هو معلوم، فنشأ عن نظرياتهم، البعيدة من الذهنية الحاضرة بعضَ البعد، خِدَمٌ للعلم حقيقةٌ عند قيامهم بمباحثهم التي ما كانت لتقع بغيرها، أَجَلْ، إنه لا يُكْتَشَف ما يُبحث عنه، ولكنه يُكتشف ما لا يُعْثَر عليه بغير طلب تحويل المعادن زمناً طويلاً. واشتملت كتب جابر على بيان كثير من المركبات الكيماوية التي كانت مجهولة قبله، كماء الفضة (الحامض النتري) وماء الذهب والبوتاس وملح النشادر وحجر جهنم (نترات الفضة) والسليماني والراسب الأحمر، وكان جابر أولَ من وَصَف في كتبه أعمالاً أساسية كالتقطير والتصعيد والتبلور والتذيب والتحويل ... إلخ.

стр. 458

واكتشف العرب، أيضاً، مركبات أخرى لا غُنْيَة للكيمياء والصناعة عنها، كزيت الزاج (الحامض الكبريتي) والكحول، وكان الرازي المتوفى سنة ٩٤٠ م أول من وَصفها فقال: إن زيت الزاج يُستخرج بتقطير كبريت الحديد، وإن الكحول تُستخرج بتقطير المواد اللُّبِّيَّة أو السكرية المختمرة. شكل ٥ - ٢: قذائف محرقة استعملها العرب في القرن الثالث عشر من الميلاد (ترى في هذه الصورة فارساً حاملاً رمحاً نارياً، ولابساً كخادميه قميصاً صفيقاً من صوف ذي دسر معداً ليبلل بنفط يُشعل فيما بعد، وذلك لإلقاء الرعب في الأعداء) من مخطوط عربي قديم محفوظ في بطرسبرغ. ودرس أكثر علماء العرب الذين ألَّفوا في مختلف العلوم مسائلَ الكيمياء، وضاع أهم كتب الكيمياء العربية، خلا مؤلفات جابر والرازي، فنأسف على ذلك بعد أن تجلَّت لنا قيمة ما هو بين أيدينا منها. ويظهر لنا مدى اكتشافات العرب الكيماوية من كَثْرَة ما كان مجهولًا قبلهم من المركبات التي ذكروها في مؤلفاتهم الطبية، وابتدع العربُ فنَّ الصيدلة، ويبدو لنا مقدارُ معارفهم في الكيمياء الصناعية من حِذقهم لفنِّ الصباغة، واستخراج المعادن، وصنع الفولاذ، ودِباغة الجلود ... إلخ.

стр. 459

(٣) العلوم التطبيقية: الاكتشافات (٣ - ١) (المعارف الصناعية) لم يُهمل العربُ أمر التطبيقات الصناعية مع قيامهم بمباحثهم النظرية، وكان لصناعات العرب تفوُّقٌ عظيم بفضل معارفهم العلمية، ونعلم ما أدت إليه صناعاتهم من النتائج، وإن جَهِلنا أكثر طرقها، فنعرف، مثلاً، أنهم كانوا يعلمون استغلال مناجم الكبريت والنحاس والزئبق والحديد والذهب، وأنهم كانوا ماهرين في الدِّباغة، وفي فن تسقية الفولاذ، كما تشهد بذلك نصال طليطلة، وأنه كان لنسائجهم وأسلحتهم وجلودهم وورقهم شهرةٌ عالمية، وأنه لم يسبقهم أحد في كثير من فروع الصِّناعة إلى عصرهم. ونرى، بين اختراعات العرب، ما لا يجوز الاكتفاء بذكره لأهميته، كاختراعهم للبارود مثلاً، ولذا فإننا نقول بضعَ كلماتٍ فيه: بارود الحرب والأسلحة النارية استعملت أممُ آسية أنواعَ المركبات المُحرقة في حروبها منذ القرون القديمة، ولكن أوربة لم تَعرِف هذه المركَّبات إلا في القرن السابع من الميلاد، ويُظَنُّ أن الذي نقلها من آسية هو مهندس معماريٌّ اسمه كالينيك، واستفاد البيزنطيون استفادةً عظيمة من هذه المركبات في دحْر العرب حينما وضعوا نطاقاً أمام القسطنطينية، وأمر القيصر قسطنطين بورْفِيرُو جِينيت بعَدِّها من أسرار الدولة وإن لم تَلْبَث أن كُشِفَت، وأسفرت مباحث رينو وفافيه عن القَطْع بأن هذه المركبات التي وُصِفَت في كثير من المخطوطات القديمة مؤلفةٌ من الكبريت، وبعض المواد الملتهبة كبعض الراتنجات والأدهان. ولَسُرعان ما عَرَف العرب تركيب النار اليونانية، وبلغت هذه النار من الانتشار عندهم ما صارت معه «عامل الهجوم المهِمَّ» كما قال ذانك المؤلفان، وتَفَنَّنَ العرب في استخدامها، والقذف بها بشتى الطرق، وليس بمجهولٍ خبرُ الرُّعب الذي ألقته في قلوب الصليبيين فوَرَدَ ذكره في أحاديثهم، ومن ذلك أن أعلن جوَانفيلُ أنها أفظع شيء رآه في حياته، وأنها ضربٌ من التَّنانِين الكبيرة الطائرة في الهواء، ولما أصبح جوانفيل في جوار الملك سان لويس: «رَكَع ورفع يديْه إلى السماء وقال باكياً: أي ربنا يسوع احفظنا واحفظ قومنا! »

стр. 460

شكل ٥ - ٣: أسلحة نارية استعملها العرب في القرن الثالث عشر من الميلاد (ترى في هذه الصورة مدفعياً حاملاً بيده مدفعاً صغيراً مقرباً إياه من لهب لإشعال النار وقذف القنبلة، من ذلك المخطوط العربي القديم المحفوظ في بطرسبرغ). ولا يخلو هذا الفزع من وهم، أي أن النار اليونانية إذا كانت نافعةً في المعارك البحرية للقضاء على سفن العدو فإنها لم تكن كذلك في البر، ولم يَرْوِ أحدٌ من المؤرخين أنها أَوْدَت بحياة أحدٍ من رجال سان لويس أو غيرهم في البر، وأطبقت النار اليونانية على سان لويس، وكثير من فرسانه من غير أن تصيبهم بأذى، فالنار اليونانية، وإن كان من طبيعتها التحريق، لم تصلُح للرَّشق، وهي، وإن كان يُقذَف بها، لم تنفع لرَمْي القذائف، وهي، وإن كانت من المحترقات، لم تكن لها خواص البارود في الانفجار. وعُزِيَ اختراعُ البارود إلى روجر بيكن زمناً طويلاً، مع أن روجر بيكن لم يفعل غير ما فعله ألبرت الكبير من اقتباس المركَّبات القديمة، ولا سيما ما وصفه منها مَرْكُوس غَراكُوس في مخطوط كُتِبَ في سنة ١٢٣٠ م بعنوان «كتاب النار لإحراق الأعداء، والحقُّ أن كثيراً من هذه المركبات يشابه تركيب البارود، ولكنه كان يُستعمل في الأسهم النارية فقط، وهو مقتبس من العرب، لا ريب، كجميع المُرَكَّبات الكيماوية في القرون الوسطى. والعرب هؤلاء قد عَرَفوا الأسلحة النارية قبل النصارى بزمن طويل كما يأتي بيانه. وأثبتت مباحث مسيو رينو ومسيو فافية، وقد سبقهما إليها الغزيريُّ وأنْدرِه وفيَارْدُو، أن العرب هم الذين اخترعوا بارود المدافع السهل الانفجار الدافعَ للقذائف، وبيان ذلك: أن ذينك المؤلفين رَأيا في بدء الأمر كما رأى غيرُهُما، أن أمر هذا الاختراع يعود إلى الصينيين، وأنهما رَجَعا في مذكرة ثانيةٍ نشراها سنة ١٨٥٠ م، وذلك بعدما
следующие страницы →