← Общие книги

Общие книги · id 150939

حضارة العرب - غوستاف لوبون

غوستاف لوبون

Полный текст (598 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

بها في الغرفة مُتَفقِّدٌ لحالها، دَرِبٌ بشأنها وانتقالها، ويُعيدُ فتحَ الأبواب، وصَرْف الصنُوج إلى مواضعها. (٢) الكيمياء كيمياء العرب مشوبةٌ بالسيمياء، كما كان علم الفلك عندهم مشوباً بفنِّ التنجيم، ولكن مزج العلم المثبَتِ بالخيال لم يمنع العرب من الوصول إلى اكتشافات مهمة. والمعارف التي انتقلت من اليونان إلى العرب في الكيمياء ضعيفةٌ، ولم يكن لليونان علمٌ بما اكتشفه العرب من المركبات المهمة كالكحول وزيت الزاج (الحامض الكبريتي) وماء الفضة (الحامض النتري) وماء الذهب ... وما إلى ذلك، وقد اكتشف العرب أهمَّ أسس الكيمياء كالتقطير. قال بعض المؤلفين: «إن لافوازيه واضعُ علم الكيمياء، وقد نَسُوا أننا لا عهد لنا بعلم من العلوم، ومنها علم الكيمياء، صار ابتداعه دفعةً واحدة، وأنه وُجِد عند العرب من المختبرات ما وَصلوا به إلى اكتشافاتٍ لم يكن لافوازيه ليستطيع أن ينتهي إلى اكتشافاته بغيرها.» شكل ٥ - ١: فرسان من العرب يقذفون بالنار اليونانية كما جاء في مخطوط عربي قديم محفوظ في المكتبة الوطنية بباريس. وأقدم علماء العرب في الكيمياء وأكثرهم شهرةً هو جابر الذي عاش في أواخر القرن الثامن من الميلاد، والذي ألَّف كتباً كثيرة فيها، ولكنه نشأ عن كثرة من تَسَمَّوا باسمه من معاصريه صعوبةُ تمييز ما يجب نسبته إليه منها، ونُقِل عدد غير قليل من

стр. 457

كتبه إلى اللغة اللاتينية، وقد نُقِل كتابه «الاستتمام»، الذي هو من أهم كتبه، إلى اللغة الفرنسية في سنة ١٦٧٢ م، فدل هذا على دوام نفوذه العلمي في أوربة مدةً طويلة. ويتألف من كتب جابر موسوعةٌ علمية حاوية خلاصةَ ما وَصل إليه علم كيمياء العرب في عصره، وتشتمل هذه الكتب على وصف كثير من المركبات الكيماوية التي لم تُذكَر قبله، كماء الفضة (الحامض النتري) وماء المُهِمَّيْن اللذين لا نتصور علم الكيمياء بغيرهما. ويظهر أن جابر بن حيان عَرَف خواصَّ بعض الأرواح، فقد ذكر: «أن الأرواح حينما تستقر بالأجسام تَفْقِد شكلها وطبيعتها، وتصبح غير ما كانت عليه، وأنها في حالة التحليل إما أن تَطِير وحدها وتبقى الأجسام التي امتزجت بها، وإما أن تطير مع ما امتزجت به من الأجسام في آن واحد.» وكان جابر يعتقد، كجميع السيماويين، أن المعادن مركبةٌ من عناصر كثيرةٍ غير معروفة، فيسمِّي هؤلاء هذه العناصر، على حسب الأحوال، ببعض الأسماء، كالكبريت والزئبق والزرنيخ ... إلخ. ولكن هذه الأسماء لم تَدُلُّ على خواصِّ العناصر المفترضة التي أطُلقت عليها، وإلى هذا الأمر أشار السيماويون، غير مرةٍ، فيجب الانتباه إليه خوفًا من الوقوع في مثل ما اقترفه مؤلفون كثيرون من الوِزْر نحوهم. ويرى علماء الكيمياء من العرب أن جميع المعادن مؤلفةٌ من عناصرَ واحدةٍ، وأن بعض المعادن لا يختلف عن بعضٍ إلا بسبب اختلاف نِسَب هذه العناصر، وأنه في حالة حل هذه العناصر، وإعادة تركيبها مرةً أخرى على نسب ملائمة يُظفر، كما هو ظاهر، بأي معدن آخر كما يُراد، كالذهب مثلاً. ورَانَت مسألة تحويل المعادن على قلوب سيماويي العرب قروناً كثيرة كما هو معلوم، فنشأ عن نظرياتهم، البعيدة من الذهنية الحاضرة بعضَ البعد، خِدَمٌ للعلم حقيقةٌ عند قيامهم بمباحثهم التي ما كانت لتقع بغيرها، أَجَلْ، إنه لا يُكْتَشَف ما يُبحث عنه، ولكنه يُكتشف ما لا يُعْثَر عليه بغير طلب تحويل المعادن زمناً طويلاً. واشتملت كتب جابر على بيان كثير من المركبات الكيماوية التي كانت مجهولة قبله، كماء الفضة (الحامض النتري) وماء الذهب والبوتاس وملح النشادر وحجر جهنم (نترات الفضة) والسليماني والراسب الأحمر، وكان جابر أولَ من وَصَف في كتبه أعمالاً أساسية كالتقطير والتصعيد والتبلور والتذيب والتحويل ... إلخ.

стр. 458

واكتشف العرب، أيضاً، مركبات أخرى لا غُنْيَة للكيمياء والصناعة عنها، كزيت الزاج (الحامض الكبريتي) والكحول، وكان الرازي المتوفى سنة ٩٤٠ م أول من وَصفها فقال: إن زيت الزاج يُستخرج بتقطير كبريت الحديد، وإن الكحول تُستخرج بتقطير المواد اللُّبِّيَّة أو السكرية المختمرة. شكل ٥ - ٢: قذائف محرقة استعملها العرب في القرن الثالث عشر من الميلاد (ترى في هذه الصورة فارساً حاملاً رمحاً نارياً، ولابساً كخادميه قميصاً صفيقاً من صوف ذي دسر معداً ليبلل بنفط يُشعل فيما بعد، وذلك لإلقاء الرعب في الأعداء) من مخطوط عربي قديم محفوظ في بطرسبرغ. ودرس أكثر علماء العرب الذين ألَّفوا في مختلف العلوم مسائلَ الكيمياء، وضاع أهم كتب الكيمياء العربية، خلا مؤلفات جابر والرازي، فنأسف على ذلك بعد أن تجلَّت لنا قيمة ما هو بين أيدينا منها. ويظهر لنا مدى اكتشافات العرب الكيماوية من كَثْرَة ما كان مجهولًا قبلهم من المركبات التي ذكروها في مؤلفاتهم الطبية، وابتدع العربُ فنَّ الصيدلة، ويبدو لنا مقدارُ معارفهم في الكيمياء الصناعية من حِذقهم لفنِّ الصباغة، واستخراج المعادن، وصنع الفولاذ، ودِباغة الجلود ... إلخ.

стр. 459

(٣) العلوم التطبيقية: الاكتشافات (٣ - ١) (المعارف الصناعية) لم يُهمل العربُ أمر التطبيقات الصناعية مع قيامهم بمباحثهم النظرية، وكان لصناعات العرب تفوُّقٌ عظيم بفضل معارفهم العلمية، ونعلم ما أدت إليه صناعاتهم من النتائج، وإن جَهِلنا أكثر طرقها، فنعرف، مثلاً، أنهم كانوا يعلمون استغلال مناجم الكبريت والنحاس والزئبق والحديد والذهب، وأنهم كانوا ماهرين في الدِّباغة، وفي فن تسقية الفولاذ، كما تشهد بذلك نصال طليطلة، وأنه كان لنسائجهم وأسلحتهم وجلودهم وورقهم شهرةٌ عالمية، وأنه لم يسبقهم أحد في كثير من فروع الصِّناعة إلى عصرهم. ونرى، بين اختراعات العرب، ما لا يجوز الاكتفاء بذكره لأهميته، كاختراعهم للبارود مثلاً، ولذا فإننا نقول بضعَ كلماتٍ فيه: بارود الحرب والأسلحة النارية استعملت أممُ آسية أنواعَ المركبات المُحرقة في حروبها منذ القرون القديمة، ولكن أوربة لم تَعرِف هذه المركَّبات إلا في القرن السابع من الميلاد، ويُظَنُّ أن الذي نقلها من آسية هو مهندس معماريٌّ اسمه كالينيك، واستفاد البيزنطيون استفادةً عظيمة من هذه المركبات في دحْر العرب حينما وضعوا نطاقاً أمام القسطنطينية، وأمر القيصر قسطنطين بورْفِيرُو جِينيت بعَدِّها من أسرار الدولة وإن لم تَلْبَث أن كُشِفَت، وأسفرت مباحث رينو وفافيه عن القَطْع بأن هذه المركبات التي وُصِفَت في كثير من المخطوطات القديمة مؤلفةٌ من الكبريت، وبعض المواد الملتهبة كبعض الراتنجات والأدهان. ولَسُرعان ما عَرَف العرب تركيب النار اليونانية، وبلغت هذه النار من الانتشار عندهم ما صارت معه «عامل الهجوم المهِمَّ» كما قال ذانك المؤلفان، وتَفَنَّنَ العرب في استخدامها، والقذف بها بشتى الطرق، وليس بمجهولٍ خبرُ الرُّعب الذي ألقته في قلوب الصليبيين فوَرَدَ ذكره في أحاديثهم، ومن ذلك أن أعلن جوَانفيلُ أنها أفظع شيء رآه في حياته، وأنها ضربٌ من التَّنانِين الكبيرة الطائرة في الهواء، ولما أصبح جوانفيل في جوار الملك سان لويس: «رَكَع ورفع يديْه إلى السماء وقال باكياً: أي ربنا يسوع احفظنا واحفظ قومنا! »

стр. 460

شكل ٥ - ٣: أسلحة نارية استعملها العرب في القرن الثالث عشر من الميلاد (ترى في هذه الصورة مدفعياً حاملاً بيده مدفعاً صغيراً مقرباً إياه من لهب لإشعال النار وقذف القنبلة، من ذلك المخطوط العربي القديم المحفوظ في بطرسبرغ). ولا يخلو هذا الفزع من وهم، أي أن النار اليونانية إذا كانت نافعةً في المعارك البحرية للقضاء على سفن العدو فإنها لم تكن كذلك في البر، ولم يَرْوِ أحدٌ من المؤرخين أنها أَوْدَت بحياة أحدٍ من رجال سان لويس أو غيرهم في البر، وأطبقت النار اليونانية على سان لويس، وكثير من فرسانه من غير أن تصيبهم بأذى، فالنار اليونانية، وإن كان من طبيعتها التحريق، لم تصلُح للرَّشق، وهي، وإن كان يُقذَف بها، لم تنفع لرَمْي القذائف، وهي، وإن كانت من المحترقات، لم تكن لها خواص البارود في الانفجار. وعُزِيَ اختراعُ البارود إلى روجر بيكن زمناً طويلاً، مع أن روجر بيكن لم يفعل غير ما فعله ألبرت الكبير من اقتباس المركَّبات القديمة، ولا سيما ما وصفه منها مَرْكُوس غَراكُوس في مخطوط كُتِبَ في سنة ١٢٣٠ م بعنوان «كتاب النار لإحراق الأعداء، والحقُّ أن كثيراً من هذه المركبات يشابه تركيب البارود، ولكنه كان يُستعمل في الأسهم النارية فقط، وهو مقتبس من العرب، لا ريب، كجميع المُرَكَّبات الكيماوية في القرون الوسطى. والعرب هؤلاء قد عَرَفوا الأسلحة النارية قبل النصارى بزمن طويل كما يأتي بيانه. وأثبتت مباحث مسيو رينو ومسيو فافية، وقد سبقهما إليها الغزيريُّ وأنْدرِه وفيَارْدُو، أن العرب هم الذين اخترعوا بارود المدافع السهل الانفجار الدافعَ للقذائف، وبيان ذلك: أن ذينك المؤلفين رَأيا في بدء الأمر كما رأى غيرُهُما، أن أمر هذا الاختراع يعود إلى الصينيين، وأنهما رَجَعا في مذكرة ثانيةٍ نشراها سنة ١٨٥٠ م، وذلك بعدما

стр. 461

اطلعا على ما جاء في بعض المخطوطات التي عُثِر عليها حديثاً، عن رأيهما مُعْلِنَين أن العرب هم أصحاب هذا الاختراع العظيم الذي قَلَبَ نظام الحرب رأسًا على عَقِب، ومما قاله ذانك المؤلفان: «إن الصينيين هم الذين اكتشفوا ملح البارود واستعملوه في النار الصناعية ... وأن العرب هم الذين استخرجوا قوة البارود الدافعة، أي أن العرب هم الذين اخترعوا الأسلحة النارية.» وجرى المؤرخون على الرأي القائل: إن المعركة الأولى التي استُعملت فيها المدافع هي معركة كريسي التي حدثت سنة ١٣٤٦ م، والحقيقة هي ما أثبته مؤرخو العرب في مؤلفاتهم من النصوص الكثيرة التي تدل على أن استعمال المدافع وقع قبل تلك السنة بزمن طويل، ومن ينظر إلى المختارات المقتطفة من المخطوطات التي ترجمها كونده يَجِدْ، على الخصوص، أن الأمير يعقوب حاصر زعيم ثُوَّار في مدينة المهدية بإفريقية في سنة ١٢٠٥، وأنه ضرب أسوارها بمختلف الآلات والقنابل ... أيضربها بآلات لم يَرَها الناس قبل ذلك ... فكانت كل واحدة منها تَرمِي قذائفَ كبيرةً من الحجارة وقنابلَ من الحديد، فتسقط في وسط المدينة.» شكل ٥ - ٤: قطعة من نسيج عربي قديم (من تصوير إيبر). ونرى ذلك صريحاً في تاريخ ابن خلدون عن البربر حيث ذَكَر استعمال المدافع في الحِصار بقوله: «ولما فتح السلطان أبو يوسف بلاد المغرب وجَّه عزمه إلى افتتاح

стр. 462

سجلماسة (٦٨٢ هـ/١٢٧٣ م) من أيدي بني عبد الواد المتغلبين عليها، وإدالةِ دعوته فيها من دعوتهم، فنهض إليها في العساكر والحشود في رجبٍ من سنة اثنتين وسبعين، فنَازَلها وقد حَشَد إليها أهلَ المغرب أجمع من زناتةَ والعربِ والبربر وكافة الجنود والعساكر، ونَصَبَ عليها آلات الحصار من المجانيق والعَرَّادَات وهندام النفط القاذف بحصى الحديد ينبعث من خِزانةٍ أمام النار الموقدة في البارود بطبيعة غريبة ترُدُّ الأفعال إلى قدرة بارئها، فأقام عليها حَوْلًا يغاديها القتال ويراوحها إلى أن سقطت ذات يوم على حين غفلةٍ طائفةٌ من سورها بإلحاح الحجارة من المنجنيق عليها، فبادروا إلى اقتحام البلد فدخلوه عَنوةً من تلك الفُرجة.» وتُثْبِت مخطوطاتُ ذلك الزمن أن الأسلحة النارية شاعت بين العرب بسرعة، وأنهم استخدموها للدفاع عن مدينة الجزيرة التي هاجمها الأذفونش الحادي عشر سنة ١٣٤٢ م. شكل ٥ - ٥: قطعة من نسيج عربي قديم. وجاء في تاريخ الأذفونش الحادي عشر: «أن مغاربة المدينة كانوا يقذفون كثيراً من الصواعق على الجيش فيرمون عليه عِدَّة قنابل كبيرة من الحديد كالتفاح الكبير، وذلك إلى مسافة بعيدة من المدينة، فيمرُّ بعضها من فوق الجيش، ويسقط بعضها عليه.»

стр. 463

وحضر كونت دربي وكونت سالسبري الإنكليزيان ذلك الحصار، وشاهدا نتائج استخدام البارود، ونقلا ذلك الاختراع إلى بلادهم من فَوْرِهم، واستخدمه الإنكليز في معركة كريسي بعد ذلك بأربع سنين. وتجد في المخطوطات العربية بياناً لتركيب ما كان العرب يستخدمونه من البارود والأسلحة النارية، وإليك النص الطريف الذي ورد في مخطوطٍ كُتِبَ في أواخر القرن الثالث عشر من الميلاد فترجمه رينو: وصفٌ للذخيرة التي تُدَكُّ في الِمدفع مع بيان نسبتها: تؤخذ عشرة دراهم من ملح البارود ودرهمان من الفحم ودرهم ونصف درهم من الكبريت، وتُسحَق حتى تصبح كالغُبار، ويُملأ منها ثلث المدفع فقط خوفًا من انفزاره، ويصنع الخرَّاط من أجل ذلك مِدفعاً من خشبٍ تناسب جسامتُه فَوْهَتَه، وتُدكُّ الذخيرة فيه بشدة، ويُضاف إليها إما بندقٌ، وإما نَبْلٌ، ثم تُشعَل، ويكون قياس المدفع مناسباً لثقبه، فإذا كان عميقاً أكثر من اتساع الفَوْهَة بدا ناقصاً. شكل ٥ - ٦: قطعة من نسيج عربي قديم (من تصوير بريس الأفيني).

стр. 464

الوِراقة كان الأوربيون في القرون الوسطى يكتبون على الرُّقوق لزمن طويل، وكان غلاء أسعارها مانعاً من توافر المخطوطات فيها، ونشأ عن ندرتها أن تَعَوَّد الرهبان حكَّ كتب كبار المؤلفين من اليونان والرومان؛ ليستبدلوا بها مواعظهم الدينية، ولولا العرب لضاع أكثر هذه الكتب الرائعة القديمة التي زُعم أنها حُفظت في أروقة الأديار باعتناء. وكان اكتشاف مادةٍ تقوم مقام الرَّقِّ، وتُشابه بَرديَّ قدماء المصريين يُعَدُّ من أعظم العوامل في نشر المعارف. وتُثبِت المخطوطة التي عَثَرَ عليها الغزيري في مكتبة الإسكوريال والمكتوبة في سنة ١٠٠٩ م على ورق مصنوع من القطن، والتي هي أقدم من جميع المخطوطات الموجودة في مكتبات أوربة، أن العرب أول من أحلَّ الورقَ محل الرَّقِّ. شكل ٥ - ٧: قطعة من نسيج عربي قديم (من رسم بريس الأفيني). وليس من الصعب أن يصل الباحث في الوقت الحاضر إلى تاريخ اختراع الورق، فمن الثابت أن الصينيين كانوا يَعلَمون منذ أقدم الأزمان صناعة الورق من شَرانِق الحرير، وأن هذه الصناعة أدُخلت إلى مدينة سمرقند في أوائل التاريخ الهجري، فلما فتحها العرب وجدوا فيها مصنعاً للورق الحريري، ولكن اختراعاً مهماً كهذا لم يكن لينفع في أوربة، التي لم تَعرف الحرير تقريباً، إلا باستبدال مادة أخرى بالحرير، وهذا

стр. 465

ما أتاه العرب حين أقاموا القطن مقامه، ولم يَلبث العرب أن بلغوا في إتقان صناعة الورق من القطن شأوًا لم يُسبق، كما دل عليه البحث في مخطوطات العرب القديمة. ومن الثابت أيضاً أن العرب اخترعوا من الأسمال صِناعة الورق الصعبة الكثيرة التراكيب، ويُستند في هذا الرأي إلى أن العرب استخدموا هذا النوع من الورق في زمن أقدم من الزمن الذي استخدمته فيه الأمم النصرانية بمدة طويلة، فأقدمُ ورق موجود في أوربة من هذا النوع هو ورق الكتاب الذي أرسله جوانفيل إلى الملك سان لويس قُبيل وفاته في سنة ١٢٧٠ م، أي بعد حملته الصليبية المصرية الأولى، مع أن لدينا ورقاً عربياً صُنِع من الأسمال قبل هذا التاريخ بنحو قرن، كالورق المحفوظ بين مخطوطات برشلونة، والمكتوبة عليه معاهدة السَّلْم بين ملك أرغونة الأذفونش الثاني وملك قشتالة الأذفونش الرابع في سنة ١١٨٧ م، والمصنوع في مصنع شاطبة العربيِّ الشهير الذي امتدحه العالم الجغرافيُّ الإدريسيُّ في النصف الأول من القرن الثاني عشر من الميلاد. شكل ٥ - ٨: سرج عربي قديم (المتحف الملكي بمدريد، من صورة فوتوغرافية التقطها لوران). ونشأ عن كثرة المكتبات العامة والخاصة في الأندلس أيام سلطان العرب، بما لم تَعرِفه أوربة في ذلك الزمن أن اضطُرَّ العرب إلى زيادة مصانع الورق، فانتهَوا إلى صنعه، بإتقان عظيم، من القِنَّب والكتان الوافرين في الحقول في ذلك الحين.

стр. 466

استخدام البوصلة في الملاحة البوصلة من اختراع الصينيين، ولكنه لم يقُم دليل على استخدامهم لها في الملاحة. وكان الصينيون من ضِعاف الملاحين، ولم يبتعدوا في أسفارهم البحرية عن الشواطئ، فكانت البوصلة قليلةَ النفع لهم. وغير ذلك كان شأن العرب الذين هم من أعاظم الملاحين، والذين كانت صلاتهم ببلاد الصين الواسعة كثيرةً أيام شكَّ الأوربيون في وجودها، فكان من الراجح أن يكونوا أولَ من استخدم البوصلة في الملاحة، ولكن هذا لا يخرج عن حدِّ الافتراض الذي لا يجوز الإصرار عليه؛ لعدم قيامه على دليل. وإنما الذي لا ريب فيه هو أن الأوربيين أخذوا هذا الاختراع المهم عن العرب الذين كانوا وحدهم ذوي صلات بالصين، والذين كانوا وحدهم قادرين على إطلاع الغرب عليه لهذا السبب، ومع ذلك فقد مَرَّ بعض الزمن على الأوربيين قبل إدراك فائدته، فالأوربيون لم يستخدموه قبل القرن الثالث عشر من الميلاد، مع أن الإدريسي الذي تكلم عنه في أواسط القرن الثاني عشر من الميلاد ذكره على أنه كثير الشيوع بين بني قومه. ثبت مما تقدم أن اكتشافات العرب في الطبيعيات ليست أقل أهمية منها في الرياضيات وعلم الفلك، وأن معارف العرب كانت عاليةً في الفيزياء النظرية، ولا سيما البَصَريَّات، وأن العرب اخترعوا من الآلات الميكانيكية ما هو على جانب عظيم من الدقة، وأنهم اكتشفوا أهمَّ المركبات الكيماوية كالكحول وماء الفضة (الحامض النتري) وزيت الزاج (الحامض الكبريتي)، وأنهم أبدعوا ألزم الأعمال كأصول التقطير، وأنهم طبقوا الكيمياء على الصيدلة والصناعة، ولا سيما استخراج المعادن وصنع الفولاذ والدباغة ... إلخ، وأنهم اخترعوا البارود والأسلحة النارية، وصنعوا الورق من الأسمال، وطبقوا البوصلة على الملاحة كما هو الراجح، وأدخلوا هذا الاختراع المهم إلى أوربة، وما يأتي يدل على مقدار فضلهم في الطبيعيات.

стр. 467

الفصل السادس العلوم الطبيعية والطِّبية (١) العلوم الطبيعية لم يَقُم التاريخ الطبيعي عند العرب، في البداءة، على غير شروح مؤلفات أرسطو، ولكن العرب لم يلبثوا أن فَضَّلوا درسَه في الطبيعة على درسه في الكتب، وللعرب الفضل فيما وضعوا من الكتب الممتِعَة الكثيرة في الحيوانات والنباتات والمعادن والمتحجرات ... إلخ. ويُعد القزويني المتوفىَّ سنة ١٢٨٣ م والملقَّبُ بـ «بليني المشارقة» من أشهر علماء التاريخ الطبيعي بين العرب، وتقوم طريقة القزويني على الوصف على الخصوص، كما صنع بوفون بعده. ولا تجد في كتب العرب ما تجد في الكتب الحديثة من التعميم والتقسيم، ولكنك ترى فيها من النصوص ما تعتقد به أن نفوسهم حدثتهم ببعض اكتشافات العلم الحديث المهمة، ومن ذلك أنك تجد في رسالة ابن سينا عن الحجارة فصلاً عن منشأ الجبال لا يبتعد فيه عما يُدرَّس اليوم كما هو ظاهر من العبارة الآتية، قال ابن سينا: تنشأ الجبال عن سببين: فالجبال إما أن تكون نتيجة ارتفاعٍ في قشرة الأرض بفعل أحد الزلازل الشديدة مثلاً، وإما أن تكون نتيجة عمل الماء بأن يَشُقَّ طريقاً جديداً، ويَحفِر أودية، ويُحدث جبالاً، وذلك لأنك تجد صخورًا لَيِّنَةً، وصخوراً ذات صلابة، فيذهب الماء والريح بالصخور اللينة، ويترك الأخرى سليمةً، وهكذا يحدث أكثر التلال. وللمعادن أصلٌ كالجبال، ولا بد من انقضاء أزمنة طويلة لحدوث جميع هذه التحولات، ومن المحتمل أن تكون الجبالُ آيلةً إلى الانخفاض في الوقت الحاضر.

стр. 468

ويقيم ابن سينا الدليل على ما تقدم، ويقول: «إن الذي يدل على أن الماء سببٌ أساسي لذلك هو وجود حيوانات مائية وغيرها على كثير من الصخور، ولا تصدر المادة الترابية والصفراء التي تَسْتُر وجه الجبال عما يَصْدُر عنه هيكل الجبل، بل عن انحلال بقايا الأعشاب والوَحَل الذي يأتي به الماء، ومن المحتمل أن تأتي من وَحَل البحر القديم الذي كان يُغطِّي جميع الأرض فيما مضى.» ومن ذلك ترى أن ابن سينا أبصر أن تحولات الكرة الأرضية لم تنشأ عن الطوفانات الكبيرة كما اعتقد كُوفيِه، وإنما هي نتيجة تطورات بطيئة تمَّت بتعاقب القرون كما أثبت ذلك علمُ الأرض الحديث. وشاعت نظرية تطورات وجه الأرض بتنقل البحار، وتحول شكل الأرض بين العرب شيوعاً تدخُل به في أذهان الشعب كما نعلم ذلك من الرمز الآتي الذي نقطفه من كتاب العالم الطبيعيِّ القزوينيِّ الذي تكلمنا عنه آنفاً، قال القزويني: قال الخَضِر: مررت بمدينة كثيرة الأهل والعِمارة، سألت رجلاً من أهلها: متى بُنيت هذه المدينة؟ فقال: هذه مدينة عظيمة ما عَرَفْنا مدة بنائها نحن ولا آباؤنا، ثم اجتزتُ بها بعد خمسمائة سنة فلم أرَ للمدينة أثراً، ورأيت هنالك رجلاً يجمع العشب، فسألته: متى خَرِبَت هذه المدينة؟ فقال: لم تزل هذه الأرض كذلك، فقلت: أما كان ههنا مدينة؟ فقال: ما رأينا ههنا مدينة، ولا سمعنا بها عن آبائنا، ثم مررت بها بعد خمسمائة عام، فوجدتُ بها بحراً فلقيتُ هناك جمعاً من الصيادين، فسألتهم: متى صارت هذه الأرض بحراً؟ فقالوا: مثلك يسأل عن هذا! إنها لم تزل كذلك، قلت: أما كانت قبل ذلك يبساً؟ قالوا: ما رأيناه ولا سمعنا به عن آبائنا، ثم اجتزت بها بعد خمسمائة عام وقد يَبِسَت فلقيت بها شخصاً يختلي، فقلت: متى صارت هذه الأرض يبساً؟ فقال: لم تزل كذلك، فقلت له: أما كان بحرٌ قبل هذا؟ فقال: ما رأيناه ولا سمعنا به قبل هذا، ثم مررت بها بعد خمسمائة عام فوجدتها مدينةً كثيرة الأهل والعمارة أحسنَ مما رأيتُها أولاً، فسألتُ بعض أهلها: متى بُنيت هذه المدينة؟ فقال: إنها عمارة قديمة ما عرفنا مدة بنائها نحن ولا آباؤنا. وبحث علماء الطبيعة من العرب، أيضاً، في النباتات وفي تطبيقاتها على الطب على الخصوص، وأنشأوا حدائق زَرَعوا فيها أندر النباتات وأكثرها طرافةً، ومن ذلك أن

стр. 469

اشتملت غرناطة على حديقة رائعة في القرن العاشر من الميلاد، ومن ذلك أن كان لعبد الرحمن الأول حديقة مثلُها بالقرب من قرطبة، وأن أوفد جماعةً من علماء الطبيعة إلى سورية وغيرها من أقطار آسية؛ ليأتوا إليها بأعز النباتات. شكل ٦ - ١: مدخل إحدى قاعات جامعة الأزهر (من رسم إيبر). (٢) العلوم الطبية يُعَدُّ الطبُّ والفلك والرياضيات والكيمياء أهمَّ العلوم التي عُنِي بها العرب، وأتم العرب أعظم اكتشافاتهم في هذه العلوم، وتُرجمت مؤلفات العرب الطبية في جميع أوربة، ولم يَتْلَف قسمٌ كبير منها كما أصاب كتبَهم الأخرى.

стр. 470

(٢ - ١) آثار العرب الطبية عدد المؤلفين من أطباء العرب كبيرٌ إلى الغاية، وخَصَّص ابن أبي أصُيبعة مجلداً من كتابه لتراجم أطباء العرب فنكتفي بذكر بعض من اشتهر منهم. نهض الأغارقة بالطبِّ أكثر مما نهضوا بمعظم العلوم الأخرى، ووجد العرب في مؤلفاتهم مباحث مفيدةً. وكان هارون) ٦٨٥ م) أول من قام بترجمة كتب اليونان الطبية، وكانت مجموعته الطبية مقتطفاتٍ من كتب أطباء اليونان، ولا سيما جالينوس، ثم تُرجِمت كتب بقراط وبولس الإجِيني ... إلخ. بعد ذلك بزمن قليل. والرازي، الذي ذكرنا أنه من علماء الكيمياء، هو من أشهر أطباء العرب. ووُلد الرازي سنة ٨٥٠ م، وتوفي سنة ٩٣٢ م بعد أن زاول الطبَّ في بغداد خمسين سنة، وألف الرازي في شتى الموضوعات كالفلسفة والتاريخ والكيمياء والطب ... إلخ، ووَضَع الرازي آثار من ظهر قبله من الأطباء على محكِّ النقد الشديد فوق فراش المرضى، وكان ما كتبه في بعض الحُمِّيَات ذات البُثُور كالحصبة والجدري مُعَوَّلَ الأطباء زمناً طويلاً، وكان واسع الاطلاع على علم التشريح، وكان كتابه في أمراض الأطفال أولَ كتابٍ بَحَثَ في هذا الموضوع، ويُرى في كتبه وسائلُ جديدةٌ للمداواة، كاستخدام الماء البارد في الحميَّات المستمرة الذي أخذ به علم الطب الحديث، وكاستخدام الكحول والفتائل، وكاستخدام المحاجم المعالجة داء السكتة ... إلخ. وكان الرازي متواضعاً كما كان طبيباً حاذقاً دقيقاً، ومما رُوي أنه أعاد بطريقة جَلْد الجسم بشدة، ولا سيما الكعب، الحياةَ إلى شخص سقط فاقدَ الحسِّ في أحد شوارع قرطبة، واعتقد الناس أنه مات، فلما امتدح الخليفة طريقته في إعادة الحياة إلى الإنسان أجابه أنه رأى تطبيق هذه الطريقة على أعرابي في البادية ذات مرة، وأن فضله ينحصر في تشخيصه لحالة ذلك المريض التي أَعتقدُ، مستنداً إلى بعض التفصيلات، أنها ضربةُ شمس، وإن لم يروِ لنا التاريخ حقيقتها. وأشهرُ كتب الرازي كتابُ «الحاوي» الذي جمع فيه صناعة الطب، وكتابُ «المنصوري» الذي بعث به إلى الأمير منصور والمؤلَّفُ من عشرة أقسام، وهي: (١) التشريح. (٢) الأمزجة. (٣) الأغذية والأدوية.

стр. 471

(٤) الصحة. (٥) دواء البَشَرَة. (٦) نظام السفر. (٧) الجراحة. (٨) السموم. (٩) الأمراض على العموم. (١٠) الحُمَّى. وتُرجِمَت أكثر كتب الرازي إلى اللغة اللاتينية، وطُبعت عدَّةَ مرات، ولا سيما في البندقية سنة ١٥٠٩ م، وفي باريس سنة ١٥٢٨ م، وسنة ١٧٤٨ م، وأعُيد طبع ترجمة كتابه في الجُدَرِي والحصبة سنة ١٧٤٥ م، وظلت جامعات الطب في أوربة تعتمد على كتبه زمناً طويلاً، وكانت كتبه، مع كتب ابن سينا، أساساً للتدريس في جامعة لوفان في القرن السابع عشر من الميلاد، كما ثبت ذلك من برنامج وُضِع سنة ١٦١٧ م، وقد ظهر من هذا البرنامج أن مؤلفات علماء اليونان الطبية لم تَنَل من الحظوة إلا قليلاً، وأنها اقتصرت على بعض جوامع الكلم لبقراط وبعض الخلاصات لجالينوس. وروى مؤرخو العرب أن الرازي عمي في آخر زمانه بماء نزل على عينيه، فقال حينما قيل له لو قَدَحتْ: «لا، قد أبصرت من الدنيا حتى مللت منها فلا حاجة لي إلىَ عينين! » ونذكر من أطباء العرب عليَّ بن العباس المعاصر للرازي تقريباً، والذي عاش أواخر القرن العاشر من الميلاد، ونذكر من كتبه كتاب «الملكي» في المشتمل على الطب النظري والطب العملي، والذي استند فيه إلى مشاهداته في المشافي، لا إلى الكتب، وأظهر فيه عدة أغاليط لبقراط وجالينوس وأريباسيوس وبولس الإجيني ... إلخ، وابتعد فيه عن مبادئ الطب اليوناني كثيراً في معالجة الأمراض على الخصوص مع اعتماده عليها، وتَرْجَم إتيان الأنطاكي هذا الكتاب إلى اللغة اللاتينية سنة ١١٢٧ م، وطُبع هذا الكتاب في مدينة ليون سنة ١٥٢٣ م. وابن سينا هو أشهر جميع أطباء العرب، وبلغ ابن سينا من التأثير في عالم الطب عدة قرون ما لُقِّب معه بأمير الطب.

стр. 472

وُلِد ابن سينا سنة ٩٨٠ م، وتُوفي سنة ١٠٣٧ م، وكان في مقتبل عمره جابياً فارتقى إلى منصب وزير، وكُتُب ابن سينا ممتازةٌ مع وفاته غيرَ مُسِنٍّ بسبب إفراطه في العمل وانهماكه في اللذات. ويشتمل «القانون» الذي هو كتاب ابن سينا المهم في الطب، على علم وظائف الأعضاء، وعلم الصحة، وعلم الأمراض، وعلم المعالجة، والمادةِ الطبية، ووُصِفَت فيه الأمراض بأحسن مما وُصِفَت به في الكتب التي ألُّفت قبله. ونُقِلت كتب ابن سينا إلى أكثر لغات العالم، وظلت مرجعاً عاماً للطب ستة قرون، وبقيت أساساً للمباحث الطبية في جميع جامعات فرنسة وإيطاليا، وكان طبعها يُعاد حتى القرن الثامن عشر، ولم ينقطع تفسيرها في جامعة مونبلية إلا منذ خمسين سنة. وكان ابن سينا منهمكاً في الشَّهوات انهماكه في العلوم، وقَصَّر انهماكه في الشهوات عمرَه كما ذكرنا ذلك آنفاً، ولذلك قيل: إن فلسفته لم تَمُنَّ عليه بالحكمة، وإن طبَّه لم يمنَّ عليه بالصحة. وأبو القاسم القرطبي المتوفى سنة ١١٠٧ م هو أشهر جرَّاحي العرب، وتخيل أبو القاسم كثيراً من آلات الجراحة ورسمها في كتبه، ووصف أبو القاسم عملية سَحْق الحصاة في المثانة على الخصوص فعُدَّت من اختراعات العصر الحاضر على غير حق. ولم يُعْرَف أبو القاسم في أوربة إلا في القرن الخامس عشر، وذاع صيته فيه، قال العالم الفزيولوجيُّ الكبير هالّر: «كانت كتب أبي القاسم المصدر العام الذي استقى منه جميعُ من ظهر مَن الجراحين بعد القرنِ الرابعَ عشرَ.» والكتاب الكبير الذي دَرَس أبو القاسم فيه أمور الجراحة ينقسم إلى ثلاثة أبواب: فالباب الأول في مسائل الكي، والباب الثاني في العمليات التي تحتاج إلى الِمبْضَع وفي جراحة الأسنان والعيون والفتق والولادة وإخراج الحصاة، والباب الثالث في الكسر والانخلاع، وعلى ما في هذا الكتاب من ضعف في التقسيم نرى ما فيه من المعارف العملية دقيقاً جداً. وطُبعت الترجمة اللاتينية الأولى لكتاب أبي القاسم في الجراحة سنة ١٤٩٧ م، والطبعة الأخيرة لهذا الكتاب حديثة جداً، أي تمت سنة ١٨٦١ م. وكان لابن زُهر الأشبيلي، الذي عاش في القرن الثاني عشر من الميلاد، شهرةٌ عظيمة، وإن كانت دون شهرة أولئك، فقد كان مجرِّباً مصلحاً مُوَطِّئاً لعلم المداواة قائلاً: إن في البدن قوةً كامنة ناظمة للأعضاء كافيةً وحدها لشفاء الأمراض على العموم.

стр. 473

شكل ٦ - ٢: قطع من الحلي والحجارة الثمينة المنقوشة (متحف العاديات الإسباني). وجمع ابن زُهْر دراسة الجراحة والطب والصيدلة مع نقصفي التحقيق أحياناً، وتشتمل مباحثه في الجراحة على بيان صحيحٍ في الكسر والانخلاع. وألف ابن رشد، الذي وُلد في قرطبة سنة ١١٢٦ م وتوفيَّ سنة ١١٨٨ م، في الطب أيضاً، وإن اشتهر فيلسوفاً شارحاً لكتب أرسطو أكثر من اشتهاره طبيباً، وترى له تفاسير لكتب ابن سينا، وكتاباً في المداواة، وكتاباً في السموم والحميات ... إلخ، وطُبعت كتب ابن رشد في الطب كثيرًا في أوربة.

стр. 474

علم الصحة عند العرب لم يجهل العربُ أهميةَ حفظ الصحة، وكان العرب يعرفون جيداً أن علم الصحة يُعلِّمنا طرق الوقاية من الأمراض التي لا يستطيع الطب شفاءها، وكانت مناهجهم الصحية طيبةً منذ القديم، وما أَمَرَ به القرآن من الوضوء، والامتناع عن شرب الخمر، ثم ما صار عليه أبناء البلاد الحارَّة من تفضيل الطعام النباتي على الطعام الحيواني غايةٌ في الحكمة، وليس فيما نُسِب إلى النبيِّ من الوصايا الصحية ما يُنْتَقَد. وكان من عادة مؤلفي العرب الغالبة أن يُوجِزوا وصاياهم الصحية في كلمات جامعة يسهل حفظها، ومن ذلك ما قاله طبيب عربيٌّ في القرن التاسع من الميلاد: ليس شيءٌ أضرَّ بالشيخ من أن تكون له جاريةٌ حسناءُ وطباخٌ ماهر. ويظهر أن مشافيَ العرب التي أنُشئت فيما مضى أفضل صحياً من مشافينا الحديثة؛ فقد كانت واسعةً ذات هواء كثير وماء غزير. ولما عُهِد إلى الرازي في اختيار أفضل حي في بغداد لإقامة مشفًى عليه التجأ إلى طريقةٍ لا يُنكرها عليه أصحاب نظرية الميكروب الحديثة، وذلك أنه علَّق قطعة لحمٍ في كل حي من أحياء العاصمة، وأعلن أن أصلح حيٍّ يقام عليه المشفى هو الحي الذي يتأخَّر فيه فساد قطعة اللحم المعلَّقة عن الأحياء الأخرى. وكانت مشافي العرب، كمشافي أوربة في الوقت الحاضر، ملاجئَ للمرضى وأماكن لدراسة الطلاب، وكان الطلاب يَتَلقَّون دروسهم في فُرُش المرضى أكثر مما يتلقَّونها في الكتب، ولم تُقَلِّدهم جامعات أوربة في القرون الوسطى إلا قليلاً. وأنشأ العرب مشافيَ للمصابين ببعض الأمراض كالمجانين، وكان عند العرب، كما عندنا جمعياتٌ للإحسان تقوم بمعالجة فقراء المرضى مجانًا في أيام معينة، وكان يُرسَل في الحين بعد الحين أطباءٌ وأدويةٌ إلى الأماكن القليلة الأهمية التي لا تستحقُّ أن يقام فيها مشفى. ولم يجهل العرب تأثير الجو الصحي، ومن ذلك نص ابن رشد في شروحه لكتب ابن سينا على تأثير الإقليم في داء السِّلِّ وإيصاؤه المصابين به، كما يوصون الآن، بأن يَقضوا فصل الشتاء في جزيرة العرب وبلاد النوبة، واليومَ نرى المصابين بداء السِّلِّ يُرْسَلون، في الغالب، إلى بقاع النيل القريبة من بلاد النوبة.

стр. 475

وتنطوي وصايا مدرسة ساليرم على نصائحَ غاليةٍ في علم الصحة، ولا أحدَ يجهل أن هذه المدرسة، التي عُدَّت أولَ مدرسةٍ في أوربة زمناً طويلاً، مدينةٌ للعرب بشهرتها، وذلك أن النورمان، لمَّا استولوا على صقلية وعلى جزء من إيطالية في أواسط القرن الحادي عشر من الميلاد، أحاطوا مدرسة الطب التي أنشأها العرب بما أحاطوا به المعاهدَ الإسلامية من الاعتناء الكبير، وأن قسطنطين الإفريقيَّ، الذي كان من عرب قرطاجة، عُيِّن رئيساً لها، وأنه ترجم أهمَّ كتب العرب الطبية إلى اللغة اللاتينية، فاقتُطِفَت من هذه الكتب وصايا مدرسة ساليرم التي ظَلَّت سببَ شهرتها الفائقة زمناً غير قصير. وكان العرب يعتمدون كثيراً على علم الصحة في معالجة الأمراض، وعلى الوسائل الطبيعية، وليس غيرَ ذلك أمرُ الطبِّ القائم على المداواة الطبيعية التي استقرَّ عندها العلم الحديث كما يظهر. ويلوح لي، على الأرجح، أن الطب العربي في القرن العاشر من الميلاد، لم يؤدِّ إلى وفياتٍ أكثر مما يقع في هذه الأيام. تقدُّم العرب في الطب إن أهم تقدم للعرب في عالم الطب هو ما كان في الجراحة ووصف الأمراض وأنواع الأدوية والصيدلة، وظهرت للعرب عدةُ طرق يعود الطب الحديث إلى بعضها بعد إهمالها قروناً كثيرة كاستعمال الماء البارد في معالجة حُمَّى التيفوئيد. والطبُّ مَدِين للعرب بعقاقيرَ كثيرةٍ كالسَّلِيخة والسنا المَكِّيِّ والرَّاوَنْد والتمر الهندي وجوز القَيء والقِرمِز والكافور والكحول ... وما إلى ذلك، وهو مدين لهم بفن الصيدلة، وبكثير من المستحضرات التي لا تزال تُستعمل كالأشربة واللُّعُوق واللزقات والمراهم والدهان والمياه المقطرة ... إلخ، والطب مدين لهم، كذلك، بطرق طريفة في المداواة عاد إليها على أنها اكتشافاتٌ حديثةٌ بعد أن نُسِيت زمناً طويلاً، ومنها طريقة امتصاص النبات بعضَ الأدوية كما صنع ابنُ زُهْر الذي كان يعالج المرضى المصابين بالقبض بإطعامهم عنباً أشُرِبَ من بعض المُسْهِلَات. وعلم الجراحة مدين للعرب، أيضا، بكثير من مبتكراته الأساسية، وظلت كتبهم فيه مرجعاً للدراسة في كليات الطبِّ إلى وقت قريب جداً، ومن ذلك أن العرب كانوا يَعرِفون في القرن الحادي عشر من الميلاد معالجةَ غِشاوة العين بخفض العدسة أو إخراجها، وكانوا يعرفون عملية تفتيت الحَصاة التي وصفها أبو القاسم بوضوح، وكانوا يعرفون صبَّ الماء البارد لقطع النزف، وكانوا يعرفون الكاويات والفتائل إلخ،

стр. 476

وكانوا يعرفون المُرقِد الذي ظُنَّ أنه من مبتكرات العصر الحاضر، وذلك باستعمال الزؤان لتنويم المريض قبل العمليات المؤلمة «حتى يفقد وعيه وحواسه.»

стр. 477

الفصل السابع الفنون العربية الرسم والحفر والفنون الصناعية (١) أهمية الآثار الفنية في بعث الأدوار لم تنل يد التحليل العلميِّ الدقيق التي قلبت رأينا في الكون رأساً على عقب عالَمَ الشعر والفن، ويظهر أن من طبيعة الشعر والفن أن يَبْقَيَا بعيديْن من مباحث العلماء، فالعلم قد يرى سُنَناً دقيقة لتطور الكواكب وتحول الموجودات وسقوط الأجسام، ولكن هل يسود نَظْم القصائد أو إقامة المباني أو صنعَ التماثيل غير الإلهام والهوى؟ حقاً إن أصحاب الفنِّ يتَفَلَّتُون حين يُحلِّقون في سماء الخواطر من قيود السنن، ولا يعرفون لأنفسهم سادة. لم يحل سحر هذه العقيدة دون تلاشيها يوم بَسَط العلم يده عليها، فقد قرر العلم، من فوره، أن آثار الفن والآداب لم تكن غير مُعَبِّر صادق عن مشاعر أحد الأدوار ومعتقداته واحتياجاته، وأن من نتائج تعبيرها عنه أن كان أحسنُ صفات التاريخ هو ما تركه كلُّ جيل من الآثار، وأن أصحاب الفن والكتَّابَ لم يعملوا، بالحقيقة، غيرَ الإعراب، بشكل منظور، عن أذواق الجمهور المحيط بهم وطبائعه وعواطفه واحتياجاته، وأنهم، وإن كانوا أحراراً في الظاهر تقيدوا، بالحقيقة، بقيود كثيرة من المؤثرات والمعتقدات والخيالات والتقاليد التي يتألف من مجموعها ما نسميه روح العصر، فَرَزَحُوا تحت أثقال روح العصر عاجزين عن الخلاص منها على مدًى واسع.

стр. 478

والأثر الفني عنوانٌ ماديٌّ لخيال العصر الذي يوضع فيه، فالبَارْتِنُون عنوان خيال الأغارقة واحتياجاتهم أيام عظمتهم، والإسْكُورْيالُ عنوان مشاعر الإسبان في عصر فيليب الثاني، والبيت ذو الطبقات الست عنوان حياة البُرْجوازيِّ في الوقت الحاضر. وتدل آثارُ الفن دلالةً صحيحة على أحوال الزمن الذي أبُدِعَت فيه إذا وُجد من يَعرف قراءتها، وإذا كان لكل جيل فنونه وآدابه فلأن لكل جيل احتياجاته الخاصة التي تقضيها الفنون والآداب، فالمسجد الذي هو معبد ومدرسة وفندق ومَشفى في آنٍ واحد أصدقُ دليل على تمازج الحياة المدنية والدينية عند أتباع النبي، والقصرُ العربي، كالحمراء مثلًا، العاطل خارجه من كل زينة، والمشتمل داخله السريع العطب على كل زخرف يحدِّثنا عن حياة أمة ظريفة بارعة سطحية محبة للحياة المنزلية غير مفكرة في سوى الساعة الحاضرة تاركةٍ أمر المستقبل لله، ولذلك أصاب من قال: أوضحُ الكتابات ما كُتب على الحجر. ولكن الحجر وحدَه هو الذي ينْطَق في الآثار الفنية، وكلُّ أثرٍ ماثل يكلِّم من يحسن السماع، والمباني تنطوي على دلائل عامةٍ كما تنطوي عليها تقسيمات الكِتاب ومختصرات فصوله، وتَكْمُل بالآثار الفنية الفرعية التي يجب على الباحث ألا يحتقرها مهما صَغُر شأنها، ويجب عد آنية استنباط الماء والخنجر والأثاث وكل شيء يمتزج فيه الفن بالصناعة من أصدق الوثائق التي يمكن المؤرخين أن يعتمدوا عليها أيضًا، ومتى عرف المؤرخون أن يستخرجوا من هذا كله حوادث التاريخ أخُرِجَ التاريخ من دائرة سرد الوقائع وسلاسل الأنساب والدسائس السياسية الممزوجة بتقديراتٍ صبيانية لا تقف أمام سلطان النقد، والتي لا يُوصَل بتصفح أكداس الكتب الباحثة فيها إلى معرفة بصيص من حضارة الأزمنة التي تُحَدِّث عنها. والآثار الفنية والأدبية الخليقة بالازدراء، لملاءمتها ما لدى العروق السائرة الانحطاط من الاحتياطات الوهمية، هي التي تنسخ بنذالةٍ عن آثار الماضي لاستخدامها في شؤون الزمن الحاضر، كأن تقدم محاطات الخطوط الحديدية أو المدارس الحديثة على الطراز القوطي مثلاً، وكذلك لا معنى للبرج بغير فارسٍ نبيل يحميه، فإضافة برج إلى البيت الريفي الحديث من قبيل المهازئ التي تحدث عندما يلبس برجوازي في الوقت الحاضر خوذةً ودرعاً كما كان يلبس شاركلن، فإذا كان صنعُ تمثال للقيصر شارلكن راكبًا فرسًا ولابسًا خُوذة ودرعًا مما يزيد في رَوعة هذا التمثال لدلالته على زمن المعارك والطعان، فإن صنع مثله لأحد رجال المال والاقتصاد أو لأحد رجال القانون مما يستلزم

стр. 479

شكل ٧ - ١: جزئيات معمارية في باب بقصر الحمراء (من صورة فوتوغرافية) قهقهة الناظرين لا محالة. والحق أن الأثر الفني إذا ما خرج عن زمانه وبيئته أضاع معناه، وأصبح المُتحف أليقَ مكان له. وهنا أذكر أن البارتنون الذي أقيم تحت سماء اليونان الصافية على ذُروة الأكروبول المهيمنة على أثينا هو من أجمل ما يتصوره الإنسان من المعابد، فلما أقمنا على طرازه كنيسةً في ميدان المادلين بباريس كان هذا عملًا سَمِجًا باردًا، ولو لم يبالغ المهندس في تجسيم هذه الكنيسة؛ لكانت محلاً لسُخرية الناس عند قياسها بالأبنية العالية التي تحيط بها. والفنون، إذن، وليدةُ مشاعر الأمم واحتياجاتها ومعتقداتها كالنظم، وإذا تحوَّلت هذه المشاعر والاحتياجات والمعتقدات وَجَبَ أن تتحول نُظُم تلك الأمم وفنونها أيضاً، ولو لم يكن لدينا من دور النهضة الأوربية سوى آثاره الفنية لكفى قياسها بآثار القرون الوسطى؛ لإدراك تطور العالم الأوربي تطوراً عميقًا.

стр. 480

شكل ٧ - ٢: فوهة بئر عربية بقرطبة (من صورة فوتوغرافية) أجل، قد تَحْمِل أمةٌ أمةً أخرى على انتحال دينها ولغتها ونظمها وفنونها، ولكن إنعام النظر يدل على أن هذه العناصر الجديدة لا تَلْبَثُ أن تتحول تحولًا ملائمًا لاحتياجات تلك الأمة التي انتحلتها، وكما أن النظم المشتقة من القرآن في بلاد فارس غيرها في بلاد الهند ومصر وإفريقية نرى الفنون العربية في بلاد فارس غيرها في تلك البلاد الأخرى، ولسرعان ما تَطَور فن العمارة العربي الذي أدُخل مع القرآن إلى بلاد الهند؛ فاكتسب صفة الاستقرار والعظمة التي اتصفت بها مباني تلك البلاد العريقة في القدم. وإذ كانت الفنون عنوان مشاعر الأمة وتصوراتها كانت العوامل القادرة على تحويلها كثيرة كثرةَ العوامل التي تؤثر في المجتمعات، ويُعد درس هذه العوامل وما لها من الأثر على جانب عظيم من الأهمية، وإن كنا لن نَصْنَعه هنا، والمعارف التي لدينا في ذلك عامة الآن، ولا تؤدِّي إلى ما نتمناه من الشروح الدقيقة، وإذا ما قُيِّض ذلك لأحد العلماء فأزال النقص تألفت لغة سهلة من قراءة آثار الفن.

стр. 481

شكل ٧ - ٣: قطعتان من نقود الخليفة عمر (٢) مصادر الفنون العربية: يكفي الإنسان أن ينظر إلى إحدى البنايات التي أقيمت في دور راقٍ من أدوار الحضارة العربية، مسجدًا كان ذلك البناء أو قصراً، أو أن ينظر إلى ما صُنع فيه من دَوَاة أو خِنْجَر أو جلد قرآن؛ ليرى لهذه الآثار طوابع خاصة لا يتطرق الوهم إليه في أصلها، والباحث في مصنوعات العرب، كبيرة كانت أو صغيرة، لا يرى فيها أية صلة ظاهرة بمصنوعات أية أمة أخرى؛ فالإبداع من مصنوعات العرب تام واضح. والأمر يكون غير ذلك عندما ندرس آثار العرب في بُداءة الحضارة العربية بدلاً من درس آثارهم أيام ازدهارها، فلتلك الآثار صلة واضحة بفنون الفرس والبيزنطيين الذين ظهروا قبل العرب. ورأى كثيرٌ من العلماء ما بين آثار العرب الفنية الأولى وآثار بعض الأمم الشرقية من صلة؛ فاستنتجوا من ذلك أن العرب لم يكونوا أصحاب فن مبتكر، مع أن الوقع أن كل أمة تنتفع بآثار الأمم التي تقدمتها قبل أن تصبح صاحبة لآثار فنية ذاتية، وذلك كما يقال بَسْكال بحق: «إنه يجب عد سلسلة الآدميين الذين ظهروا بتعاقب القرون إنساناً واحداً حياً في كل زمان محصلاً للمعارف على الدوام»، والواقع أن كل جيل يستفيد في البداءة مما ادخرته الأجيال السابقة، وهو يضيف إليه إذا كان على ذلك من القادرين. ولم تشذ أمة عن هذه السنة، وليس من الممكن تفسير أمر أمة يزعم عدم اتباعها لها، ومن ذلك أن عدت الحضارة اليونانية، إلى وقت قريب جداً، وذلك حين كانت مصادرها خافية تماماً، أنها غير مدينةٍ بأي شيء للأمم الأخرى، فأثبت العلم الرفيع أن أصول الفن اليوناني مقتبسة من الآشوريين والمصريين، ولا ريب في أن قدماء المصريين أنفسهم أخذوا عن أمم أخرى ظَهَرَت قبلهم، ولو لم نَفْقِد أكثر حلقات السلسلة التي

стр. 482

شكل ٧ - ٤: قطعة حلي عربية (سورية، من صورة فوتوغرافية التقطها المؤلف). تربطنا بشعوب القرون الخالية الأولى؛ لاستطعنا أن نعود إلى الوراء بالتدريج فنَتَمَثَّل العصر الحجري الذي كاد الإنسان يتصل فيه بأنواع الحيوان التي تَقَدَّمته. وقد استفاد العرب والأغارقة والرومان والفينيقيون والعبريون وكل أمة أخرى من مجهودات الماضي، ولولا ذلك لكان لِزامًا أن تبدأ كل أمة بما بدأت به الأمم الأخرى ولسد باب التقدم، وكل ما تفعله الأمة في بدء الأمر هو أنها تقتبس من الأمم التي جاءت قبلها، ثم تضيف إلى ما أخذته أمورًا أخرى، وقد اقتبس الأغارقة في بدء أمرهم ما عند قدماء المصريين والآشوريين، ثم حولوا المعارف التي لم يبتدعوها بما أضافوا إليها من الإضافات المتتابعة، ثم اقتبس الرومان ما عند اليونان، ولكن الرومان إذ كانوا دون اليونان فناً لم يَضُمُّوا إلى ما أخذوا عنهم إلا قليلاً، ولم يصنعوا غير طبع الفن اليوناني بطابع الجلال والعظمة الذي هو عنوان دولتهم الكبرى. ثم نُقل مقر دولة الرومان إلى بيزنطة، وتبدل فنُّهم بما أضُيف إليه من الزيادات التي اقتضتها مشاعر الأمم الجديدة، أي أن المؤثرات الشرقية ضُمت إلى المؤثرات الإغريقية الرومانية، فنشأ عن تمازجها جميعها الفن الجديد الخاص المسمى بالفن البيزنطي.

стр. 483

شكل ٧ - ٥: قطعة حلي فضية (سورية، من صورة فوتوغرافية التقطها المؤلف). ثم استولى البرابرةُ على الغرب، واستفادوا من عناصر الحضارة اللاتينية، ولكنهم حولوا ما استعاروه منها إلى ما يلائم احتياجاتهم ومعتقداتهم، فنشأ عن الطراز اللاتيني المشبع من المؤثرات البيزنطية والجرمانية ما عُرِف في الغرب باسم الطراز الروماني الذي تحول بالتدريج إلى طراز القرون الوسطى القوطيِّ. ثم جاء القرن الخامس عشر، وتحولت فيه الأفكار والمشاعر بفضل ما تم فيه من الرقي والغنى والثقافة فتحول الفن أيضًا، أي رُجِع إلى الطراز الإغريقي اللاتيني القديم مع مراعاة مقتضيات البيئة الجديدة، فظهر طِراز عصر النهضة، ثم استمر الفن على التطور فصار جليلًا رزينًا أيام لويس الرابع عشر، ثم بدا عليه التكلف في عهد لويس الخامس عشر، ثم أصبح مبتذلاً مشبعاً من روح المساواة في الوقت الحاضر. وظهر من الأدوار الكبيرة التي تتابعت على فن العمارة منذ القرون القديمة حتى الوقت الحاضر تأثيرُ الماضي، وهل يقال: إن تلك الأدوار عاطلة من فن مبتكر؟ لم يقل

стр. 484

بهذا أحد، ولذا يجب ألا يقال: إن العرب لم يكونوا أصحاب فن مبتكر؛ لأنهم اقتبسوا عناصر فنهم الأولى من الأمم التي ظهرت قبلهم. شكل ٧ - ٦: إسكملة عربية مصنوعة من البرونز المكفت بالفضة (من صورة فوتوغرافية التقطها المؤلف). وتتجلى قوة الإبداع الفني في الأمم في سرعة تحويل ما ظفرت به من عناصر الفن، وجعله ملائماً لاحتياجاتها وابتكارها بذلك فناً جديداً، فإذا تحقق هذا لدينا علمنا أن العرب لم تسبقهم أمة. وظهرت قوة العرب الإبداعية منذ أقاموا مبانيهم الأولى كجامع قرطبة الذي أملوا دقائق صنعته على ما استخدموا في بنائه من متفنني الأجانب. ومن ذلك أن أعمدة المعابد القديمة التي أخذها العرب في قرطبة كانت قصيرةً غير صالحة؛ ليقوم عليها سقف عالٍ كسقف ذلك الجامع، وأنهم وضعوا بعضها فوق

стр. 485

بعض ساترين عدم صلاحها بتلك الحنايا الدالة على مهارتهم الفائقة، فلو كان الترك في محل العرب ما عَنَّ مثلُ هذا الرأي لأدمغتهم الغليظة. شكل ٧ - ٧: القسم الأعلى لإسكملة مصنوعة من البرونز المكفت بالفضة في القرن الثالث عشر (وقد عرضت هذه الإسكملة في أول هذا الكتاب، من صورة فوتوغرافية التقطها المؤلف في القاهرة). وما على القارئ إلا أن يتصفح صور هذا الكتاب؛ ليعلم قيمة آثار العرب الفنية العظيمة وقوةَ الإبداع فيها، وقد استوقفت هذه الآثار أنظار جميع وارثي العرب، ولم يفعل الشرق منذ ظهور العرب على مسرح العالم غير تقليدها كما قلَّد الغرب الأغارقة والرومان منذ قرون حتى الزمن الحاضر. والحق أن وارثي العرب قَلدوا العرب، ومن خلال هذا التقليد نستطيع أن نتبين الفرق بين الفن المبتَكر والفن غير المبتَكر. كان أمام الأمم التي حَلت محل العرب عناصر بيزنطية وعربية وهندوسية وفارسية ... إلخ، مختلفة باختلاف البلدان، فلم تفعل سوى تنضيدها عاجزةً عن استنباط طراز جديد من مجموعها، فإذا نظرت إلى إحدى بنايات المغول في الهند، مثلاً، أمكنك أن تقول: إن هذا الجزء منها فارسي، وإن ذاك الجزء منها هندوسي، وإن ذلك الجزء منها عربي، وقلْ مثل هذا عن المباني التي أقامها الترك الذين نَضَّدوا فيها عناصر الفنون السابقة من غير أن يمزجوا بعضها ببعض، ولكنك إذا أنعمت النظر في المباني

стр. 486

العربية كالقصور التي أقامها العرب في الأندلس أو المساجد التي أقاموها في القاهرة رأيت العناصر الأولى التي تألفت منها بلغت من التمازج ما يتعذر معه من الانتباه إلى المصادر التي اشتُقَّت منها. والآن نلمس مزاج الأمة الإبداعي فنقول: مهما تكن عناصر الفن التي تصبح قبضتها تضع طابعها الخاص عليها، فإذا كانت الأمة مبدِعة أمكن أن تتجلى قوتها الإبداعية في كل شيء حتى في بناء إصطبل أو صنع حذاء، وإذا كانت الأمة عاطلة من مثل هذه القوة لم تَفْعَل سوى تنضيد عناصر الفن، كما هو شأن الترك الذين استطاعوا أن يقلدوا كنيسة أياصوفية في القسطنطينة عشر مرات، وأن يُنضِّدوا فيما قلدوه بعض الزخارف العربية أو الفارسية، ولكن من غير أن تكون لهم فيه أيةُ مسحة إبداعٍ فني خاصة. شكل ٧ - ٨: باب عربي قديم في القاهرة (من صورة فوتوغرافية التقطها المؤلف).

стр. 487

(٣) الجمال في فنون العرب: ترانا سائرين بحكم الطبيعة إلى تقدير جمال الفنون العربية بعد أن بحثنا في مصادرها وما فيها من إبداع عظيم، ولكن فقدان المقاييس المضبوطة يجعل هذا التقدير أمرًا شخصياً ويقلل من شأنه، ولن يكون نفع الأثر الفني، أي مطابقته لغرضه، مقياساً صالحاً لتقدير قيمته، فمن الممكن أن تقام عدة بيوت أو عدة بنايات متساوية الفوائد مختلفة القيم الفنية. ويجب علينا أن نُعرِّف الجمال والبشاعة قبل أن نُعيِّن بالضبط درجةَ الجمال أو البشاعة في الأثر الفني. لقد دل البحث على أن قيمة الأمور التي هي من نوع الجمال والبشاعة تختلف باختلاف العروق والتربية والبيئة والزمن ... وما إلى ذلك من العوامل، والتعريف الوحيد الممكن الذي يلائم جميع العروق في كل زمان هو أن الشيء الجميل هو ما نَسْتَلِذُّه. وهذا التعريف ناقص جداً لا ريب، ولكن السعي في إكماله يؤدي إلى الاقتراب من دائرة سبب الأسباب المنيعة التي عجز العلم عن دخولها حتى الآن. وإذا كنا نستلذ الشيء فلملاءمته أحوالَ أمزجتنا التي تختلف باختلاف الأشخاص والعروق، ولكن ما هذه الأحوال؟ ذلك ما لا نقدر على الإجابة عنه. وليس في الطبيعة جمالٌ مطلق أو شناعة مطلقة، كما أنه ليس فيها صوت أو سكوت أو نور أو ظلام ... أو غير ذلك من الأمور التي هي وليدة ذهننا، والتي أثبتت الفسيولوجية الحديثة أنها أوهام خالصة، ولم يظهر الجمال والبشاعة في العالم إلا يوم صار لبعض الأشياء والأشكال تأثير حسن أو سيئ في حواسنا، وهذه أوجه للذة والألم وفق آخر تحليل. وإذا كانت عناصر الأثر الفني منسجمة كان هذا الأثر الفني ذا تأثير حسن في حواسنا، ونقول إذ ذاك: إنه أثر جميل، وإذا كانت تلك العناصر فاقدة الانسجام كانت مؤذيةً لحواسنا، ونقول إذ ذاك: إنه أثر بشع، وإنما الذي لا نقدر عليه هو بيان السبب في تلذذ العين أو الأذن ببعض التراكيب وتألمها من بعضها الآخر، ونرى اليوم البعيد الذي يكتشف العلم فيه سبب حب شخص لبعض الأطعمة وكُره شخص آخر لها هو اليوم الذي يكون العلم قد تقدم فيه كثيراً. والوهم في تقدير قيمة الآثار الفنية نفسها يتطرق إلينا من إجماع فريق كبير من أبناء العرق الواحد على رأي واحد في بعض أوصاف الجمال، ومصدر هذا الإجماع هو

стр. 488

شكل ٧ - ٩: لوح باب خشبي قديم مرصع بالعاج في القاهرة (مجموعة شيفر، من صورة فوتوغرافية التقطها المؤلف). في الحقيقة تماثل مزاج ذلك الفريق، فإذا ما نيط أمر الجمال أو البشاعة بمختلف العروق رأيت اختلافًا في التقدير من فَورِك؛ فالبيزنطي كان يفضل العذارى الضامرات الممطولات على إلاهات قدماء اليونان الضليعات، والبرابرة الميروفنجيون كانوا يرون صورهم الغليظة أجمل مما أنتجته الحضارة اليونانية اللاتينية، والهمجي من إفريقية الجنوبية يرى المرأة الهوتنتية، التي هي من أشنع نساء العالم في نظرنا، جميلة جمال فينوس دوميديسيس وأبولون دُو بلفدير عند الأوربي. ويعود بنا الإيضاح السابق، كما ترى، إلى التعريف الذي بدأنا به، وهو «أن الشيء الجميل هو ما نستلذه»، وإننا نتم هذا التعريف بقولنا: «إن الشيء الجميل هو ما

стр. 489

يستلذه أكثر أبناء العرق الواحد في زمن معين»، ولا نستطيع أن نذهب إلى ما هو أبعد من ذلك. ومهما تجد من نقص في تعريفنا للشيء الجميل تَرَهُ يدلنا، مع ذلك، إلى حقيقة الفن وإلى ما نطالب به رجل الفن، فإذا كان رجل الفن يبحث عن أمثلته في الطبيعة طالبناه بأن يقتبس منها ما نستلذه، وأن يبالغ في إظهار ذلك مبالغة تروقنا. ولا نألم من رجل الفن لصنعه تمثال امرأة أجمل مما نراه عادة، ففي تجميل الطبيعة، لا في نقلها حرفيًا، يتجلى الفن، فانظر إلى تمثال فينوس دوميلو تراه آية في الجمال، وسبب الإعجاب به هو أن الطبيعة لم تمنَح شخصًا واحدًا ضروب الكمال التي تشاهدها مجتمعة فيه. ثم إذا حدث أن بذل رجل الفن ما عنده من حِذْق في صنع تمثال لامرأة عجوز عارية متكرشة أمكننا الثناء عليه، مع ذلك، لدقته ولما اقتحمه من المصاعب، وإذا كان هذا التمثال محلًا للإعجاب فلِما اصطلح الناس عليه في زمن معين. وقد يؤدي اصطلاح الناس في زمن معين، ولا سيما في دور الانحطاط، إلى تبدل في أذواقهم، ومن ذلك تمنِّي أنصار تصوير الطبيعة الحرفي أن تكون آثار الفن مطابقةً للحقائق بدلًا من أن تكون رائعةً مثاليةً، وقد جهل هؤلاء أن الطبيعة مملوءة بالحقائق، لا بما هو جميل، وأن الفن إذا قام، كما يَرَون، على تصوير الطبيعة تصويراً حرفياً فإنه يعود غيرَ موجود، وأن آلة التصوير التي تكفي لالتقاط قبيح الأشياء لا تَدَعُ في الناس احتياجاً إلى عبقرية رجال الفن المبدعة. وما على المرء إلا أن ينظر إلى آثار العرب الأدبية والفنية؛ ليعلم أنهم حاولوا تزيين الطبيعة دائمًا، وذلك لما اتصف به الفن العربي من الخيال والنضارة والبهاء وفَيض الزخارف والتَّفنن في أدق الجزئيات. والأمة العربية قد رغبت، بعد أن اغتنت (والأمة العربية أمة شعراء، وأي شاعرٍ لا يكون متفنناً) في تحقيق خيالاتها فأبدعت تلك القصور الساحرة التي تخيل إلى الناظر أنها مؤلفةٌ من تخاريم رخاميةٍ مرصعة بالذهب والحجارة الكريمة. ولم يكن لأمة مثلُ تلك العجائب، ولكن، فهي وليدة جيل فتي مضى وخيال خصب ذَوَى، ولا يطمعن أحدٌ في قيام مثلها في الدور الحاضر الماديِّ الفاتر الذي دخل البشر فيه.

стр. 490

(٤) الفنون الصناعية العربية: تدلُّ كلمة الفنون الجميلة، عادةً، على فنِّ التصوير وفن النحت وفن العمارة وفن الموسيقا، وتدل كلمة الفنون الصناعية على صنع المنتجات ذاتِ النفع العام التي تصنع بطرق آلية، وتكون مشربة روح الفن الجميل. وإن مما يجادل في قيمته، لا ريب، تعبير «الفنون الصناعية»، ولكنني لن أفعل هذا هنا، وإنما أذكر أن الفنون الصناعية تشتمل، عادةً، صناعة الخزف والزجاج الفني والفسيفساء والنجارة والصياغة والتكفيت ... وما إلى ذلك. وقد تكون لدراسة منتجات الفنون الصناعية، من حيث الحضارة، أهميةٌ كالتي تكون لدرس الفنون الجميلة؛ فقد يوجد في أتفه هذه المنتجات ما يدلُّ على أدق شؤون الحياة الشعبية، وما يساعد على تقدير معارف صانعيها الفنية واحتياجات مبدعيها ومقتنييها. والفنون الصناعية شائعةٌ بين العرب في كل مكان، وروشم الفران والدلو والسكين، مثلاً، من الأشياء التي يصنعها العرب بروعةٍ تدل على درجة اتصاف أحقر صُناعهم بالذوق الفني، والحق أن الفن مستقل عن تطبيقاته، ويمكن أن يتجلى في أنفس الأدوات وأثمنها كما يمكن أن يتجلَّى في أحطها. ومن دواعي الأسف أن يكون درسُ فنون العرب الصناعية الذي خصصنا له هذا الفصل ناقصًا جداً لقلة ما عندنا من الوثائق، ولم يتصدّ أحدٌ بعدُ لدرس تاريخ مصدر هذه الفنون وتطوراتها المتعاقبة مع ما في هذا من الفوائد الكثيرة. ومباني العرب أهم آثار العرب الفنية، وسندرس تاريخ طرازها في الفصل الآتي درساً مجملاً؛ لكثرة عددها، ولأن البحث فيها كان الغرض المهم من رحلاتنا، ولأن جمع المواد التي تؤدِّي إلى وصف ما برز فيه العرب من الفنون الأخَُرِ يتطلب نفقات عظيمة، ولذا نقتصر في هذا الفصل على بيان هذه الفنون الأخرى بياناً عاماً عاجزين عن ذكر سلسلة تطورات كل واحدة منها بحسب الأزمنة، وذلك خلافًا لما نصنعه في فن البناء.

стр. 491

شكل ٧ - ١٠: لوح باب خشبي لردهة السفراء في القصر بأشبيلية (متحف العاديات الإسباني). (٤ - ١) التصوير: من الأقوال الشائعة أنه حرم على المسلمين تصوير الرب والموجودات الحية، ويعزو القرآن، أو تفاسير القرآن على الأقل، هذا المنع إلى النبي. والواقع أن المسلمين لم يكترثوا لذلك إلا في زمنٍ متأخر، وأنهم تجاهلوه زمناً طويلاً كما تجاهلوا منع ذلك الكتاب المقدس للعبة الشطرنج والشرب بآنية من ذهبٍ أو فضة. وكان الخلفاء أولَ من خالف حظر تصوير ذوات الحياة، وظهر من صور النقود التي نشرناها في هذا الكتاب أنهم لم يتردَّدوا في رسم صورهم على نقودهم. والصور التي على النقود أو الصور غير القليل التي على الآنية العربية من الأدلة المفيدة على استعداد العرب للرسم، على معرفتهم للتصوير، ويمكن الاستدلال على معرفة العرب للتصوير بما ذكره مؤرخوهم الذين أنبأوا بوجود عدة مدارس عربيةٍ كثيرة للتصوير فيما مضى، ومن هؤلاء المؤرخ المحقق المقريزي الذي ترجم مصوِّرَين من المسلمين، وذكر أنه وُجد في قصر الخليفة المستنصر، حين نُهب في سنة ٤٦٠ هـ،

стр. 492

ألفُ قطعة من المنسوجات مصورة عليها حاشيةُ خلفاء العرب مع مقاتلين ورجالٍ مشهورين، وكانت البُسُط المصنوعة من نسائج الذهب والحرير والمخمل مستورةً بتصاوير ممثِّلةٍ لرجال من كل نوع. ويدل ما ذكره المقريزي على حِذْق مصوري عرب القاهرة في القرن العاشر من الميلاد، وقد رَوَى وجودَ صورتين لمغنيتين تبدو إحداهما، وهي لابسةٌ ثوباً أبيض على أساسٍ أسود، كأنها داخلة في الجدار المصورة عليه، وتبدو الأخرى، وهي لابسة ثوبًا أحمر على أساس أصفر، كأنها خارجةٌ منه نحو الناظر. شكل ٧ - ١١: إسكملة خشبية مرصعة في القاهرة (من صورة فوتوغرافية). ويظهر أن مصوري ذلك الزمن كانوا من المتقنين لضروب فنِّ المناظر، فاستطاعوا تصوير السُّلَّم الذي روى المقريزيُّ وجودَه في أحد قصور القاهرة على شكل يخيَّل إلى الناظر معه أنه حقيقي.

стр. 493

ويحتوي كثير من المخطوطات العربية على صور، ولا سيما المخطوطات الخاصة بالتاريخ الطبيعي، وترويض الخيل ... إلخ، ولا يزال يوجد في المكتبات نسخٌ قديمة من مقامات الحريري زيَّنها العرب بالصور، وذكر الغزيري أن أحد المخطوطات في مكتبة الإسكوريال يشتمل على أربعين صورةً لملوك العرب والفرس والملِكات والقادة وأعاظم الرجال ... إلخ، وأن هذا المخطوط يرجع إلى القرن الثاني عشر. ويعلم جميع زائري الحمراء أن سَقف قاعة الحكم فيها يشتمل على صور لمختلف الموضوعات، كمجلس أمراء من العرب، وكمطاردة فارس مغربي لفارس نصراني مطاردة المنتصر ... إلخ، وإن وُجد خلافٌ في مصدرها، ولم يتردد مسيو لافوا في عَزْو قسم منها، على الأقل، إلى العرب، وهي لا تدل على نبوغ فني في مصوريها كما رأيتُ. شكل ٧ - ١٢: إسكملة خشبية عربية في القاهرة (من صورة فوتوغرافية) ومع ذلك فإن تلك الوثائق والآثار لا تكفي للحكم في أمر مصوري العرب، وإنما يمكن تقدير نبوغ رساميهم بصور الحيوان والإنسان التي اشتملت عليها مخطوطاتهم أو مصنوعاتهم المعدنية.

стр. 494

وتطفو الكتابات والنقوش العربية -في الغالب- فوق صور ذوات الحياة التي رسمها العرب، وقد يَحْدُث، أن تؤلَّف الحروف العربية من مزيج من صُوَرِ الحيوانات والآدميين على شكل عجيب، ومن ذلك ما في الحافة الخارجية، التي نشرنا صورة بعضها، للكوب «المصنوع في القرن الثالث عشر، والمحفوظ في مكتبة باريس الوطنية» من الإفريز الذي تألفت أسطورةٌ من تشابك صور أشخاصه في حروف عربية. وأشهر الأواني العربية المشتملة على صور الآدميين هو الإناءُ الموجود الآن في متحف اللوفر، والمعروف بإناء سان لويس للعِمَاد، والذي استُخدم زمنًا طويلًا لتعميد الصبيان في فرنسا، بعد أن فُرِض أن سان لويس أتى به أيام الحروب الصليبية، والذي أثبت مسيو دولونغيريه أنه من مصنوعات القرن الثالث عشر من الميلاد، والذي ظهر أن أزهار الزنبق أضيفت إليه بين ذلك القرن، والقرن الرابع عشر من الميلاد، وهذا مع ملاحظتي أن زهر الزنبق، أو رمزًا آخر كثير الشبه به على الأقل، يوجد بكثرة بين زخارف المباني العربية في مصر. ولكن المسلمين صاروا بعد زمنٍ مختلفٍ باختلاف البلدان لا يرسمون صور ذوات الحياة في مصنوعاتهم أبدًا، مُقَيَّدين في ذلك بأقوال الفقهاء الذين تغلَّبَت عليهم حَرفية القرآن. ولم تبالِ الأمم التي اعتنقت الإسلام، كالفرس والمغول، بمحظورات القرآن التي لم تلائمهم، فترى في بلاد الفرس -على الخصوص- صُوراً كثيرة لذوات الحياة، وإن كانت صُور الآدميين منها متوسطة على العموم، وصُور الأزهار والحيوانات منها على شيء من الجمال مع قليل خيال. (٤ - ٢) صنع التماثيل: صنع التماثيل كالتصوير من الأمور النادرة عند العرب، ولذا يجب أن نكتفي بما جاء في كتب التاريخ من الإشارات أو بالنماذج القليلة الناقصة جداً. وقد أشرنا في فصل سابق إلى ذلك الخليفة المصري الذي كان قصره مملوءً بتماثيل نسائه، ومثلُ ذلك ما ذكرته تواريخ عرب الأندلس من التماثيل التي كانت في قصر عبد الرحمن الشهير، ولا سيما تمثالُ حَظِيَّته. ولم يبقَ من تماثيل العرب غيرُ ما هو تافهٍ، كتماثيل الحيوانات الوهمية القائمة في قاعة الأسود من قصر الحمراء، وتمثال العُقاب البرونزي الكائن في كانبو سانتو في

стр. 495

بيزه، وتمثال الأسد البرونزي الذي صُنع ليجريَ ماء إحدى العيون من فَمِه فتراه الآن في مجموعة فورتوني. صُنِعَت تلك التماثيل، التي هي من منتجات الفنون الصناعية، لِغَرض معين، لا للفن نفسه، ولا نستطيع أن نُقدِّر قدرةَ العرب على صنع التماثيل بتلك الوثائق القليلة جداً. شكل ٧ - ١٣: روشم فران عربي مصنوع من الخضب. (٤ - ٣) صناعة المعادن والحجارة الثمينة: الصياغة وصناعةُ الحلي والترصيع والتكفيت: تقدم العرب كثيراً في الصناعة المعدنية، وبلغ إتقانُهم لبعضها مبلغاً يصعب الوصول إلى مثله في زماننا، وكانت آنيتهم وأسلحتهم مكفتة بالفضة ومموهةً بالميناء المُفرَّض ومرصَّعةً بالحجارة الثمينة، وكان مِن تقدم
следующие страницы →