Полный текст (598 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.
стр. 491
شكل ٧ - ١٠: لوح باب خشبي لردهة السفراء في القصر بأشبيلية (متحف العاديات الإسباني).
(٤ - ١) التصوير:
من الأقوال الشائعة أنه حرم على المسلمين تصوير الرب والموجودات الحية، ويعزو القرآن، أو تفاسير القرآن على الأقل، هذا المنع إلى النبي.
والواقع أن المسلمين لم يكترثوا لذلك إلا في زمنٍ متأخر، وأنهم تجاهلوه زمناً طويلاً كما تجاهلوا منع ذلك الكتاب المقدس للعبة الشطرنج والشرب بآنية من ذهبٍ أو فضة.
وكان الخلفاء أولَ من خالف حظر تصوير ذوات الحياة، وظهر من صور النقود التي نشرناها في هذا الكتاب أنهم لم يتردَّدوا في رسم صورهم على نقودهم.
والصور التي على النقود أو الصور غير القليل التي على الآنية العربية من الأدلة المفيدة على استعداد العرب للرسم، على معرفتهم للتصوير، ويمكن الاستدلال على معرفة العرب للتصوير بما ذكره مؤرخوهم الذين أنبأوا بوجود عدة مدارس عربيةٍ كثيرة للتصوير فيما مضى، ومن هؤلاء المؤرخ المحقق المقريزي الذي ترجم مصوِّرَين من المسلمين، وذكر أنه وُجد في قصر الخليفة المستنصر، حين نُهب في سنة ٤٦٠ هـ،
стр. 492
ألفُ قطعة من المنسوجات مصورة عليها حاشيةُ خلفاء العرب مع مقاتلين ورجالٍ مشهورين، وكانت البُسُط المصنوعة من نسائج الذهب والحرير والمخمل مستورةً بتصاوير ممثِّلةٍ لرجال من كل نوع.
ويدل ما ذكره المقريزي على حِذْق مصوري عرب القاهرة في القرن العاشر من الميلاد، وقد رَوَى وجودَ صورتين لمغنيتين تبدو إحداهما، وهي لابسةٌ ثوباً أبيض على أساسٍ أسود، كأنها داخلة في الجدار المصورة عليه، وتبدو الأخرى، وهي لابسة ثوبًا أحمر على أساس أصفر، كأنها خارجةٌ منه نحو الناظر.
شكل ٧ - ١١: إسكملة خشبية مرصعة في القاهرة (من صورة فوتوغرافية).
ويظهر أن مصوري ذلك الزمن كانوا من المتقنين لضروب فنِّ المناظر، فاستطاعوا تصوير السُّلَّم الذي روى المقريزيُّ وجودَه في أحد قصور القاهرة على شكل يخيَّل إلى الناظر معه أنه حقيقي.
стр. 493
ويحتوي كثير من المخطوطات العربية على صور، ولا سيما المخطوطات الخاصة بالتاريخ الطبيعي، وترويض الخيل ... إلخ، ولا يزال يوجد في المكتبات نسخٌ قديمة من مقامات الحريري زيَّنها العرب بالصور، وذكر الغزيري أن أحد المخطوطات في مكتبة الإسكوريال يشتمل على أربعين صورةً لملوك العرب والفرس والملِكات والقادة وأعاظم الرجال ... إلخ، وأن هذا المخطوط يرجع إلى القرن الثاني عشر.
ويعلم جميع زائري الحمراء أن سَقف قاعة الحكم فيها يشتمل على صور لمختلف الموضوعات، كمجلس أمراء من العرب، وكمطاردة فارس مغربي لفارس نصراني مطاردة المنتصر ... إلخ، وإن وُجد خلافٌ في مصدرها، ولم يتردد مسيو لافوا في عَزْو قسم منها، على الأقل، إلى العرب، وهي لا تدل على نبوغ فني في مصوريها كما رأيتُ.
شكل ٧ - ١٢: إسكملة خشبية عربية في القاهرة (من صورة فوتوغرافية)
ومع ذلك فإن تلك الوثائق والآثار لا تكفي للحكم في أمر مصوري العرب، وإنما يمكن تقدير نبوغ رساميهم بصور الحيوان والإنسان التي اشتملت عليها مخطوطاتهم أو مصنوعاتهم المعدنية.
стр. 494
وتطفو الكتابات والنقوش العربية -في الغالب- فوق صور ذوات الحياة التي رسمها العرب، وقد يَحْدُث، أن تؤلَّف الحروف العربية من مزيج من صُوَرِ الحيوانات والآدميين على شكل عجيب، ومن ذلك ما في الحافة الخارجية، التي نشرنا صورة بعضها، للكوب «المصنوع في القرن الثالث عشر، والمحفوظ في مكتبة باريس الوطنية» من الإفريز الذي تألفت أسطورةٌ من تشابك صور أشخاصه في حروف عربية.
وأشهر الأواني العربية المشتملة على صور الآدميين هو الإناءُ الموجود الآن في متحف اللوفر، والمعروف بإناء سان لويس للعِمَاد، والذي استُخدم زمنًا طويلًا لتعميد الصبيان في فرنسا، بعد أن فُرِض أن سان لويس أتى به أيام الحروب الصليبية، والذي أثبت مسيو دولونغيريه أنه من مصنوعات القرن الثالث عشر من الميلاد، والذي ظهر أن أزهار الزنبق أضيفت إليه بين ذلك القرن، والقرن الرابع عشر من الميلاد، وهذا مع ملاحظتي أن زهر الزنبق، أو رمزًا آخر كثير الشبه به على الأقل، يوجد بكثرة بين زخارف المباني العربية في مصر.
ولكن المسلمين صاروا بعد زمنٍ مختلفٍ باختلاف البلدان لا يرسمون صور ذوات الحياة في مصنوعاتهم أبدًا، مُقَيَّدين في ذلك بأقوال الفقهاء الذين تغلَّبَت عليهم حَرفية القرآن.
ولم تبالِ الأمم التي اعتنقت الإسلام، كالفرس والمغول، بمحظورات القرآن التي لم تلائمهم، فترى في بلاد الفرس -على الخصوص- صُوراً كثيرة لذوات الحياة، وإن كانت صُور الآدميين منها متوسطة على العموم، وصُور الأزهار والحيوانات منها على شيء من الجمال مع قليل خيال.
(٤ - ٢) صنع التماثيل:
صنع التماثيل كالتصوير من الأمور النادرة عند العرب، ولذا يجب أن نكتفي بما جاء في كتب التاريخ من الإشارات أو بالنماذج القليلة الناقصة جداً.
وقد أشرنا في فصل سابق إلى ذلك الخليفة المصري الذي كان قصره مملوءً بتماثيل نسائه، ومثلُ ذلك ما ذكرته تواريخ عرب الأندلس من التماثيل التي كانت في قصر عبد الرحمن الشهير، ولا سيما تمثالُ حَظِيَّته.
ولم يبقَ من تماثيل العرب غيرُ ما هو تافهٍ، كتماثيل الحيوانات الوهمية القائمة في قاعة الأسود من قصر الحمراء، وتمثال العُقاب البرونزي الكائن في كانبو سانتو في
стр. 495
بيزه، وتمثال الأسد البرونزي الذي صُنع ليجريَ ماء إحدى العيون من فَمِه فتراه الآن في مجموعة فورتوني.
صُنِعَت تلك التماثيل، التي هي من منتجات الفنون الصناعية، لِغَرض معين، لا للفن نفسه، ولا نستطيع أن نُقدِّر قدرةَ العرب على صنع التماثيل بتلك الوثائق القليلة جداً.
شكل ٧ - ١٣: روشم فران عربي مصنوع من الخضب.
(٤ - ٣) صناعة المعادن والحجارة الثمينة:
الصياغة وصناعةُ الحلي والترصيع والتكفيت: تقدم العرب كثيراً في الصناعة المعدنية، وبلغ إتقانُهم لبعضها مبلغاً يصعب الوصول إلى مثله في زماننا، وكانت آنيتهم وأسلحتهم مكفتة بالفضة ومموهةً بالميناء المُفرَّض ومرصَّعةً بالحجارة الثمينة، وكان مِن تقدم
стр. 496
العرب استطاعتهم أن يصنعوا من مادة قاسية كالبِلَّوْر قطعاً كبيرة مغطَّاة بالصور والحِكَم مما يَعْسُر صنعه، ويغلو ثمنه في الزمن الحاضر، ومن ذلك الإبريق البلوريُّ الذي صُنع في القرن العاشر من الميلاد فتجده في متحف اللوفر، وتجد صورة له في هذا الكتاب مع صور نماذج كثيرة لمصنوعات العرب من المعدن والحجارة الثمينة.
وتجلت روح الإبداع العربية -على الخصوص- في ترصيع المعادن الصالحة لصنع الأسلحة والآنية والأباريق وكِفاف الموازين وأدوات المنازل ... وما إليها، وأطُلق اسم الدمشقي على منهاج العرب مشتقاً من اسم المدينة «دمشق» التي زاولته على الخصوص، وكانت دمشق والمَوصل أهمَّ مراكز هذه الصناعة، ولا تزال هذه الصناعة رائجةً في دمشق، ولكن على شكل منحط، ويعود انحطاطها، لا ريب إلى زمن تيمورلنك الذي استولى على دمشق في سنة ١٣٩٩ م، فساق جميع صانعي أسلحتها إلى سمرقند وخراسان.
ولا ترجِع المصنوعات المعدنية المكفتة العربية الموجودة الآن إلى أقدم من أوائل القرن العاشر من الميلاد، وأكثرُها صُنِع في القرن الثاني عشر والقرن الثالث عشر من الميلاد، والأسلحة المصرية التي نشرنا صُورها في جزء آخر من هذا الكتاب هي لطومانباي (١٥١١ م)، وهي مصنوع على الطراز الفارسي العربي.
وإنني أقتبس وصف مسيو لافوا لطرق الشرق في التكفيت، وذلك مع التنبيه إلى أن ما ذكره عن صناعة التكفيت الحاضرة في القاهرة لم يكن غير ما في دمشق، فعمال القاهرة الذين يُحسنون التكفيت في زماننا قليلون جدٍّا، وأكثر ما في أسواق القاهرة من المصنوعات النحاسية هو من دمشق. قال مسيو لافوا:
وتُرى طُرُقٌ كثيرة لصناعة التكفيت عند الشرقيين، ويتمُّ التكفيت بإدخال خيط من الذهب أو الفضة إلى فرض محدثةٍ في المعدن بالِمنقاش واسعة القَعْر ضَيِّقَة الوجه، ويكون هذا الخيط بارزًا أو مسوىً على حسب رأي الصانع، فتارةً تُرَكَّب زهرة دقيقة من الذهب أو الفضة على أساس من الفولاذ أو النحاس بين خَطَّين متوازيين، وتطرَق الأطراف طرقًا خفيفًا، فيَنجم عن هذا ما يُشبه الإطار، وهذا ما يُفعل في دمشق غالبًا، وتارة يمر الصانع بمهارة عجيبة مِنقاشه الِمهمازِيَّ الشكل بسرعة على المعدن الذي يُرغب في زخرفته، ويُرَكَّب خيط الفضة بالِمدقِّ على هذه الأجزاء المعدة؛ ليعلَّق بها فتُمسكه، وهذا
стр. 497
الطراز في التكفيت هو ما لا يزال يَفعلُه العمال في القاهرة، وهو ما يقوم به صناع الفرس على الخصوص.
شكل ٧ - ١٤: رصفة رخام في بيت قديم بالقاهرة.
شكل ٧ - ١٥: فسيفساء من رخام وصدف في الجامع الكبير بدمشق.
والطريقة الأخيرة هي التي يستعملها صُناع دمشق في الوقت الحاضر أيضاً، وهي على ما فيها من السرعة لا تؤدي إلى صنع ما هو متين، أي لا تُنظِّف الأزهار المكفتة بها
стр. 498
من غير أن تُخلَع، مع أن المعدِن المرصَّع على حسب الطرق السابقة يؤلِّف جزءاً من المعدن المرصع، ولا يجوز قياس مصنوعات دمشق المعدنية الحاضرة بمصنوعات عصر الخلفاء التي نذكر منها -على سبيل المثال- الإسكملة الرائعة المصنوعة من البرونز، والتي قدَّمتُ لوحة لها في هذا السِّفر.
شكل ٧ - ١٦: صندوق صغير مصنوع في القرن الحادي عشر من الميلاد (طراز فارسي عربي، متحف العاديات الإسباني).
(٤ - ٤) النقود والأوسمة:
روى المؤرخ المقريزي في رسالته عن النقود أن الخليفة الأموي عبد الملك هو أول من ضَرَب النقود الإسلامية، وكان المسلمون حتى السنة السادسة والستين من الهجرة (٦٩٥ م) يستخدمون نقود الروم الذهبية والفضية أو يقلدونها مع إضافة بعض الكلمات العربية إليها كاسم الخليفة، وكالكلمات: الحمد لله، ولا إله إلا لله ... إلخ.
وللنقود العربية ثلاثة أنواع: الدينار: وهو من الذهب، تترجح قيمته بين اثني عشر فرنكاً وخمسة عشر فرنكاً، والدرهم: وهو من الفِضة، تعدل قيمته ستين سنتيماً، والدانق: وهو من النحاس.
ونشرنا في هذا الكتاب، صوراً غير قليلة لنقود العرب في مختلف الأقطار، ولا سيما مصر والأندلس، وهي جميلة على العموم، والحروف فيها واضحة جداً.
стр. 499
(٤ - ٥) المصنوعات الخشبية:
وصل العرب في إتقان مصنوعاتهم الخشبية وترصيعها بالصدف والعاج إلى درجة تقضي بالعجب حقًا، واليوم لا تُقلَّد، إلا بثمنٍ عالٍ، تلك الأبواب العجيبة التي تُرى في بعض المساجد القديمة، وتلك المنابر ذات التقاطيع والتراصيع، وتلك السقوف ذات النقوش المتشابكة، وتلك المشربيات المخرَّمة.
شكل ٧ - ١٧: صندوق عربي قديم مصنوع من الخشب المرصع في القاهرة (من صورة فوتوغرافية).
وبلغت تلك الصناعة درجة الكمال قبل القرن الثاني عشر من الميلاد، كما تدل عليه القطع الأثرية التي انتهت إلينا من ذلك العصر، فنذكر منها منبر المسجد الأقصى القدسي الرائع.
وكان العرب يُتقنون صناعة حفر العاج إتقاناً نادراً أيضاً، كما تشهد بذلك القطع الكثيرة النفيسة التي وصلت إلينا كالصندوق العاجي الصغير الذي صُنع لأحد ملوك أشبيلية في القرن الحادي عشر من الميلاد فيُعرف بصندوق سان إيزيدور الليوني، وكصندوق كاتدرائية بايو العاجي الذي صُنع في القرن الثاني عشر من الميلاد، فأتُي به من مصر أيام الحروب الصليبية كما نُرجح فيبدو مزخرفاً بالفضة المموهة بالذهب، وبضروب الزينة المرصعة والمخَرَّمة على أشكال الطيور ولا سيما الطواويس.
стр. 500
وهنا أذكر على العموم، وذلك في معرِض البحث في صناعات العرب الخشبية والعاجية والمعدنية، ما يدل على مهارة الصناع الشرقيين العجيبة، وذلك أنهم يصنعون أدق المصنوعات بأغلظ الآلات وأقلِّها عددًا، أجل، لا يقاس ما يُصنع اليوم في القاهرة ودمشق من الحلي والقطع المرصعة بما كان يصنع منها في عصر الخلفاء، ولكنني لا أعتقد وجود صناع أوربيين قادرين في الوقت الحاضر على صنع مقعدٍ مرصع، أو نارجيلة مكفتة، أو سِوَار بمثل تلك الآلات الابتدائية التي رأيتُها في الشرق.
شكل ٧ - ١٨: صندوق صغير من العاج المنقوش في القرن الحادي عشر من الميلاد (متحف كنسنغتن، من صورة فوتوغرافية التقطها مسيو شارل رلفا).
(٤ - ٦) الفسيفساء:
عَرَف الرومان استعمال الفسيفساء، واقتبسها البيزنطيون منهم مع إكمال صنعها بإدخال أساس ذهبي إلى الترصيعات الكثيرة الألوان.
ولم يتح لي أن أحقق إتيان العرب بتعديلات مهمة في صناعة الفسيفساء التي لم يلبثوا أن فضَّلوا عليها صناعة الميناء في زخارفهم السهلة الإنجاز.
وللفسيفساء نوعان عند العرب: فالنوع الأول: هو ما كانوا يكْسُون به وجه الأرض وأسفل الجُدُر من قطع المرمر أو الخزف المطلي الملون المختلف المقاييس، والنوع الثاني: هو ما كانوا يكسون به الجُدُر، ولا سيما جُدُر المحاريب، فنرى أن صُنعه بيزنطي تماماً.
стр. 501
وقد رأيت تماثلاً بين قطع الفسيفساء التي هيئ لي أن أدرسها في بلاد اليونان وتركية وسورية ومصر ونماذجها التي أتيتُ بها من الكنائس البيزنطية في أثينا ومن أياصوفية في القسطنطينية وجامع عمر في القدس ومساجد القاهرة، أي تتألف قطع الحجارة الملونة، وقطع الزجاج التي يُسفر ضمُّ بعضها إلى بعض عن صور من مكعبات صغيرة يبلغ ضلعُ الواحد منها نحو سنتيمتر، ويشتمل كل صباغ فيها على ثلاثة ألوان، على العموم، صالحةٍ لإحداث تمازج نور وانعكاسه، والمكعبات الحجرية ملونةٌ في جملتها، والمكعبات الزجاجية المعدة لإحداث أساس ذهبي مذهبةٌ في وجهها فقط، وتقوم الطريقة الدقيقة التي اتُّبعت لبقاء تلك الطبقة الذهبية ودوامِها لامعةً على طلاء كل مكعَّب مذهب بطبقة زجاجية رقيقة رقَّةَ الطبقات الزجاجية التي تكون فوق المستحضرات المكروسكوبية في المختبرات، وأرى أن بقاء هذه الطبقة الذهبية مدةَ ألف سنة على حالها الأول حدث بفضل ذلك الطلاء الواقي.
(٤ - ٧) صناعة الزجاج:
زاولت جميع الأمم الشرقية، ولا سيما الفرس والمصريون، صناعة الزجاج منذ أيام الفينيقيين الذين عُزِيَ إليهم أمر اختراعه، واكتُشِفت في نينوى أدواتٌ زجاجية صُنِعت قبل ظهور المسيح بمدة تترجح بين سبعة قرون وثمانية قرون، ثم سيق صانعو الزجاج في الإسكندرية إلى رومة أيام الرومان، وصنعوا فيها أكواباً زجاجية جميلة مَطليَّةً بالميناء، ولما ظَهَر العرب لم يبقَ لهم، إذن، إلا إتقان تلك الصناعة التي كانت موجودةً قبلهم.
ولم يلبث العرب أن تقدموا في صناعة الزجاج تقدماً عظيماً، كما يشهد بذلك ما انتهى إلينا من أوانيهم المذهبة والمطلية بالميناء، ويمكننا أن نتمثل ذلك بسهولةٍ من إنعام النظر في الصور المبعثرة في هذا الكتاب، ولا سيما لوحة مصابيحِ بعض المساجد.
ويرى كثيرٌ من المؤلفين أن مورانو والبندقية مدينتان لصانعي الزجاج من العرب بطرقهما التي اكتسبتا بها شهرةً كبيرةً في صناعة الزجاج، والعرب من تَعْلَمُ من اتصال البندقية بهم اتصالاً تجارياً مستمراً.
стр. 502
شكل ٧ - ١٩: صندوق صغير مصنوع في قرطبة من العاج المنقوش، وذلك في القرن العاشر من الميلاد (متحف كنسنغتن) (من صورة فوتوغرافية التقطها شارل رلفا).
(٤ - ٨) الصناعة الخزفية:
استعمالُ الخزف المطلي بالميناء الملون قديم جداً، وقد وُجدت قطعٌ منه في بقايا القصور الفارسية القديمة، ولم يلبث العرب أن استخدموه بدلاً من الفسيفساء؛ لما يتطلبه صنع الفسيفساء من انقضاء زمنٍ أطول من الزمن الذي يتطلبه ذلك، ومن مصاعب أشد مما يستلزمه ذلك، وتجد في أقدم المساجد، كمسجد قرطبة ومسجد القيروان ... إلخ، نماذجَ شتَّى للخزف المطلي بالميناء.
وما اتفق للعرب في فنِّ العمارة بسرعةٍ اتفق لهم مثله في صناعة الخزف، وقد استطاع العرب، بعد أن اقتبسوا من الأمم الأخرى طُرُق صُنع الخزف الفنية، أن يبتدعوا منه، في بلاد الأندلس على الخصوص، قطعًا مبتكرةً رائعةً متقنةً لم يسبقهم إليها أحد كمالاً.
وترجع صناعة المسلمين للخزف المطلي بالميناء في بلاد الأندلس إلى القرن العاشر من الميلاد، وقد كان لهم فيها مصانع شهيرةٌ تبيع مصنوعاتها في جميع أنحاء العالم، وقد شاهدنا في قصر الحمراء ألواحًا رائعةً مستورة بالخزف المطلي بالميناء ذي الانعكاس المعدني، ومصنوعةً في القرن الثالث عشر من الميلاد ومتشابهةً هي والمصنوعات الإيطالية، التي عُرفت مؤخرًا بالمصنوعات الماجوليكية، تشابهًا يستوقف النظر، وإن في اشتقاق
стр. 503
شكل ٧ - ٢٠: إناء عربي مأخوذ من قصر الحمراء (كما جاء في صورة قديمة).
كلمة «ماجوليكة»، لا ريب من «ميورقة» التي كان فيها مصنع عربي مهم لصنع الخزف المطلي بالميناء دليلًا على أن طُرُق الإيطاليين في صنعه مقتبسةٌ من العرب.
وأشهرُ نموذجٍ لصناعة الخزف المطلي بالميناء الإسلامية هو الإناءُ الذي وُجد في قصر الحمراء، والذي يبلغ ارتفاعه متراً وخمسة وثلاثين سنتيمتراً، وهو مكسوٌّ برسوم زُرْقٍ ذهبية (على أساس أبيض ضارب إلى صفرة) وبنقوشٍ عربية وكتاباتٍ وصورِ حيواناتٍ خيالية تذكرنا بالوَعِلِ، وهو حائز، شكلاً لطابع الإبداع الخاص بجميع آثار العرب.
وكانت أهم المراكز العربية لصناعة الخزف المطلي بالميناء في بَلَنْسِيَة ومالَقَة. قال الرحالة العربي ابن بطوطة مشيراً إلى مالقة سنة ١٣٥٠ م: «وبمالقة يصنع الفخار المذهب العجيب، ويجلب منها إلى أقاصي البلاد.»
стр. 504
ومن أشهر معامل صنع الخزف: معملُ جزيرة ميورقة الذي يظهر أنه قديمٌ جداً؛ لافتتاح النصارى لها في سنة ١٢٣٠ م.
ولما تم إجلاء العرب عن إسبانية هَبَطت فيها صِناعة القاشاني وجميع الصناعات إلى الحضيض بسرعة. قال مسيو دو سوميرار: «إن درجة الإنتاج في إسبانية صفرٌ واليوم لا تصنع معاملها سوى الأواني المنزلية الغليظة.»
واكتُشِفَت قِطع من القاشاني في صِقلية، وافتُرض بسببها وجود مصانع إسلامية للقاشاني فيها سابقًا، غير أن نماذج تلك القطع التي وُجدت إذ كانت أقرَب إلى الفن الفارسي منها إلى الفن العربي صار من المحتمل أن تكون قد أدُخلت إلى صقلية بطريق التجارة فيما مضى، ويشتمل مُتحف كلوني على مجموعة نفيسة من القاشاني الذي يُفترض أنه صقليٌ عربيٌ.
وتشتمل المتاحف الأوربية على كثير من الأواني الخزفية التي صُنعت تقليدًا لأواني عرب الأندلس، ويَسْهُل تبين هذا التقليد بما فيها من قطع الكتابات العربية الممزوجة بالزخارف، وقد حَرَّف صانعو الخزف من الأجانب هذه الكتابات، التي اتخذوها أساسًا للزينة، حين اقتباسها.
ولا يزال يُرى في بلاد العرب وفي أهم مدن الشرق مصنوعاتٌ من الخزف الصيني المزيَّن بالكتابات العربية المذَهَّبة على أساس من اللون الأزرق أو الأبيض، ولا ريب في أن عمالًا من مسلمي الصين هم الذين يصنعونها، ووجب ألا يكون عددهم قليلًا بين الملايين العشرين المسلمين الذين تشتمل عليهم مملكة ابن السماء.
(٤ - ٩) المنسوجات والبسط والزرابي:
لم يصل إلينا شيء من المنسوجات والبسط العربية التي صُنعت أيام ازدهار حضارة العرب، وأقدم ما هو موجود منها في الوقت الحاضر لا يَرجِع، مع نَدرته، إلى أبعد من القرن الثاني عشر من الميلاد.
ونعلم من تواريخ العرب أنه كان يوجد على بُسُطهم وقُطُفهم ومنسوجاتهم الحريرية، التي صُنعت في معامل قلمون وبهنسا ودمشق وغيرها من المدن، صورٌ للآدميين والحيوانات، وقد نشرنا في هذا الكتاب صورًا لنسائج عربية قديمة، أو صورًا لنسائج عربيةٍ صُنِعت على النماذج القديمة، وعاد الشرق لا يصنع منسوجاتٍ ذات صور للإنسان منذ زمن طويل.
стр. 505
شكل ٧ - ٢١: صيني مطلي بالميناء في الباب الرئيسي لضريح تيمورلنك (من مجموعة الجنرال كوفمن الفوتوغرافية)
بقي علينا أن ندرس فن عمارة العرب، وبهذا نحتم بحثنا في الآثار العجيبة التي أبدعها أتباع النبي، والتي هي عربيةٌ أحياناً، فتانةٌ غالباً، مبتكرةٌ دائماً.
стр. 506
الفصل الثامن
فن عمارة العرب
(١) معرفتنا الحاضرة لفن عمارة العرب
لم يعتنِ علم الآثار الحديث بمباني العرب إلا قليلاً، وأكثر هذه المباني في أماكن بعيدة، ولا يسهل درسها دائماً، وإذا عَدَوتْ ثَلاثة كُتب أو أربعة كتب مهمة خاصة بالبحث في قصر الحمراء ومساجد القاهرة والقدس وَجَدتَ الكتب غافلةً عنها تقريباً، قال باتِيسْيِه الذي هو مؤلفٌ لتاريخٍ من أحسن ما لدينا من تواريخ فن البناء، وذلك في الطبعة الأخيرة التي طبع بها كتابه «تاريخ فن البناء» في سنة ١٨٨٠ م: «إن مباحث تاريخ العمارة الإسلامية تحتاج إلى توسيعٍ كبير»، ثم أسف هذا المؤلف على نقص معالجته لهذا الموضوع والحق أن هذا المؤلف اقترف عدَّة غلطات، ومن ذلك أنك لا تجد بين صور كتابه المهم الكثيرة صورةً لبناء إسلامي في بلاد سورية وفارس والهند، ولم يكن المسجد المصري، الذي نَشَر صورته فيه مثالاً، إلا أسوأ نموذجٍ للمباني المصرية القائمة على الطراز العربي، وذلك ببابه ونوافذه القائمة الزوايا وقبته البصلية الشكل.
وقال سيديَّو في الطبعة الثانية، التي تمَّت سنة ١٨٧٧ م، لكتابه «تاريخ العرب العام»: «من دواعي الأسف أننا لم نبحث حتى الآن بحثاً عاماً في المباني التي أقامها العرب في بلاد سورية والعراق وفارس، حتى الهند، في مختلف أدوار سيادتهم، ففي هذه المباني، لا ريب صفاتٌ خاصة نرى من المفيد تعيينها.»
ومنذ زمنٍ طويل أبدى ج. دوبرَنْجهِ مثل هذا الرجاء في كتابه الممتع عن فن عمارة العرب في الأندلس على الخصوص، وقال: «نعد من حب الدرس أن يبحث في أهم المباني التي أقامها العرب في بلاد سوريا وفارس ومصر وإفريقيا (نسي المؤلف أن يذكر بلاد الهند)، وما الرسوم العامة للمسجد الأقصى الذي أقامه عمر (! ) في القدس، ومساجد
стр. 507
دمشق، ومسجد عمرو بن العاص، ومسجد ابن طولون في القاهرة، ومسجد القيروان؟ وما أوضاع هذه المباني الخاصة؟ وما دقائقها؟ وما زخارفها؟ وما طابعها؟ »
شكل ٨ - ١: أقواس جامع قرطبة.
شكل ٨ - ١: أقواس جامع قرطبة.
إن المقابلة بين مباني العرب في مختلف البلدان التي دانت لهم من الأمور التي لا غُنية عنها للوصول إلى معرفة طرازها، فبهذه المقابلة يظهر تماثلها الذي نشأ عن وَحدة النظم والمعتقدات، ويظهر تباينها الذي نشأ عن اختلاف البيئات والعروق التي كانت تلك النظم والمعتقدات سائدةً لها، وما لدينا من كُتُب الوصف القليلة طرح هذه المسائل المهمة جانباً.
وقد يقع الباحث، حين يقتصر على دراسة فن العمارة العربي في أحد الأقطار التي كانت للعرب سلطان عليها، في مِثل الغلطات الفظيعة التي اقترفها شاتو بريان في كتابه الذي سماه «رحلة من باريس إلى القدس»، وذلك وقتما تكلم عن مساجد القاهرة،
стр. 508
وذكر أنها تشابه مباني قدماء المصريين، والحق أنه لا أحد يستطيع في الوقت الحاضر أن يأتيَ مثلَ هذا الزعم، فإذا وُجد طِرازان متباينان أشد التباين من جميع الوجوه كان ذانك الطِّرازان الطراز الفرعوني والطراز العربي، ولن يجد المرء مثالاً يستند إليه في اقتباس العرب شيئًا من الفراعنة مهما كان صغيراً.
ولم يدُر في خَلَدنا أن نُفَصِّل في فصل مختصر كهذا الفصل تاريخَ فنِّ العمارة العربي الذي غفل العلم عن بيانه، ومع ذلك فإنه يمكننا أن نذكر تقسيماته الأساسية، وأن نُبيِّن وجوه الشبه ووجوه الاختلاف بين البنايات التي أقيمت على الطراز العربي، والتي لا تزال ماثلةً في الأقطار الممتدة من الأندلس إلى الهند.
وليس هذا العمل سهلاً كما يُظن، فهو يتطلب منا أن نسلك طريقًا لم يَسبقنا إليها أحد، فضلاً عن عدم اتساع دائرة هذا الكتاب لغير أهمِّ البواعث.
(٢) عناصر فن عمارة العرب المميزة:
بينا في الفصول السابقة مصادر فن العمارة العربي، وذكرنا فيها ما اقتبسه العرب من الفرس والبيزنطيين، وأوضحنا كيف تحرروا من هذه المصادر، وانتهوا إلى إبداع طرازٍ مستقل خَصِب.
وإنني، قبل أن أبحث عن المباني التي تركها العرب في مختلف البلدان بحثًا جامعًا، أرى أن أدرس العناصر التي يتألف منها فنُّ عمارتهم درساً موجزاً:
المواد الإنشائية: تختلف المواد الإنشائية التي استخدمها العرب في إقامة مبانيهم باختلاف البلدان التي استولوا عليها وباختلاف مقاصدهم من إنشائها، وكان الآجرُّ أولَ ما استعملوا في إنشائها، ولسُرعان ما استخدموا الحجارة في إقامة ما هو مهم منها كقصر العزيزة، وقصر القبة في صقلية، وجامع السلطان حسن في القاهرة ... إلخ، وكانوا في الأندلس يستعملون في إنشاء مبانيهم، غالبًا، نوعًا من البِيتُون الذي هو مزيجٌ من المواد «الكلس والرمل والصلصال والحصباء» التي لا تلبث أن تصبح طبقة صلبةً كحجارة النقش.
ويقال: إن عيب المباني العربية في قلة متانتها، فإذا صح هذا القول بالنسبة إلى الكثير منها فإنه غير صحيح بالنسبة إليها كلِّها، وذلك أن العرب كانوا إذا أرادوا إنشاء بناء على جَنَاح السرعة، مكتفين بالظاهر، أقاموه غيرَ متين كما نقيم بيوتنا في الوقت الحاضر، وأن ما شادوا من المباني التي لا تزال قائمة مع مرور أكثر
стр. 509
شكل ٨ - ٢: أبراج عدة كنائس في طليطلة أقيمت تقليدًا لمآذن عربية قديمة.
من ألف سنة عليها يدل على معرفتهم إنشاء بناياتٍ خالدة عند الضرورة، وها هي ذي قصورهم البسيطة، كقصورهم في صقلية، لا تزال تقاوم تقلبات الفصول مع مرور ثمانمائة سنة عليها، وها هو ذا قصرُ الحمراء نفسه لا يزال يقاوم مع خفته الظاهرة.
الأعمدة وتيجانها: وَجد العرب، في جميع البلاد التي استولَوا عليها، عدداً كبيراً من المباني الإغريقية والرومانية والبيزنطية المتداعية أو المهجورة، وانتفعوا بأعمدتها وتيجان أعمدتها، كما تشهد بذلك مبانيهم الأولى التي تضم عددًا غير قليل من الأعمدة الغربية المصدر، ولما استنفد العربُ ما وَجدوا اضطروا، بحكم الطبيعة، إلى إنشاء ما احتاجوا إليه منها بأنفسهم، وطبعوا عليه طابَعهم الخاص الذي كانوا يعرفون كيف يطبعونه على جميع آثارهم كالأعمدة وتيجان الأعمدة التي لم تُشتَقَّ من أي طراز آخر كما قال مسيو. ج. دوبرانجه، والتي تُرى في قاعة الأسود من قصر الحمراء، فيجب عَدَّها خاصةً بالعرب من كلِّ وجه.
стр. 510
شكل ٨ - ٣: برجا كنيستين في طليطلة أقيما تقليدًا لمآذن عربية قديمة.
الأقواس: إن القوس المصنوعة على رسم البيكارين والقوس المصنوعة على شكل نعل الفرس مما امتاز به فن العمارة العربيُّ، فيشاهد في المباني العربية الأولى. وإن استعمال القوس المصنوعة على رسم البيكارين والقوس المصنوعة على شكل نصف الدائرة معًا مما رأيتُ في أقدم المباني العربية في أوربا وآسيا وإفريقيا، فأتيحَ لي درسُه.
والقوس المصنوعة على رسم البيكارين مع كَسْرَةٍ خفيفة في أعلاها وخَصرٍ خفيف في أسفلها مما تَجِد في المباني العربية التي شِيدَت في دورٍ لاحق؛ فيحتاج المرء إلى شيء من الانتباه ليتبينه فيها، وتكفي هذه الأقواس، التي وُجدت مع ذلك لمَنح المنحنِي شكلاً رائعاً.
стр. 511
ثم تطورت القوس المصنوعة على رسم البيكارين في مصر وصِرْتَ لا ترى لأسفلها خصراً، وذلك خلافاً لما اتفق لها في الأندلس وإفريقيا حيث اكتسبت شكل نعل الفرس أو القوس المجاوِزة، وأصبحت هذه القوس صفةً لفن العمارة العربي فيهما في بعض الأزمنة.
شكل ٨ - ٤: برج كنيسة سانتياغو العربي في طليطلة (من صورة فوتوغرافية)
وقد قيل: إن القوس المجاوِزة (المصنوعة على شكل نعل الفرس) كانت معروفةً عند البيزنطيين، ولكن هذا لم يستند إلى دليل ما دامت تلك القوس غير مشهودة في معظم مباني ذلك الزمن، وأرى، مع ذلك، أنها لم تكن مجهولة فيه، وإن كانت قليلة الاستعمال، والحق أنني وَجَدت في كنيسة كابْنِيكارْيا، التي أقامتها القيصرة أودوكسي في أثينا ٤١٨ م، على حسب ما جاء في كتابةٍ تَبَيَّنتُها على عمود، أقواسًا مجاوِزةً قليلاً جداً، وظهرَ ارتداد أسفل القوس منها إلى داخلها من الضعف بحيث يحتاج إدراكه إلى شيء من الدقة.
стр. 512
المآذن: أوجبت ضرورةُ دعوة المؤمنين إلى الصلاة، وَفْقاً لأحكام الدين، إقامةَ المآذن فوق جميع المساجد الإسلامية كما هو معلوم، وتختلف أشكال هذه المآذن باختلاف البلدان اختلافاً أساسياً، فهي مخروطة الشكل في بلاد فارس، ومُربعةٌ في بلاد الأندلس وإفريقية، وأسطوانيَّةٌ ذاتُ مِطفأةٍ في أعلاها في تركية، ومتنوعة الشكل في كل طبقة منها بمصر.
ونرى الكثير من مآذن مصر، ولا سيما مِئذنة قايتباي في القاهرة، من العجائب، ولا شيء أدل على دقة العرب وذوقهم الفني من قدرتهم على تحويل البروج البسيطة، ويتجلى الفرق الكبير بين ذوق العرب الفني، وذوق الترك عند مقابلة تلك المآذن العربية بالمآذن التركية على الخصوص.
ومآذنُ العرب، كأكثر مبانيهم، مُتَوَّجةٌ -على العموم- بأنواع الشُّرف ذات الأشكال المختلفة المعروفة بأقسام الحواجز الواقعة بين الكُوَى، ونعدُّ من هذه الأشكال: الدُّرَقَ، والنصل، والحربة، والمنشار ... إلخ، والمناور، وإن عُرِفت في بلاد فارس أيام بني ساسان، كانت أشكالها أقلَّ تنوعًا من تلك بدرجات.
القِبَاب: ليست القباب مما اخترعه المسلمون وإن كان أصل الكلمة عربياً، فقد كانت القباب معروفة عند البيزنطيين، وكان للأكاسرة من بني ساسان قِبابٌ في قصورهم، وإنما العرب هم الذين ابتكروا القِباب الهيف ذاتَ الخَصر، ويتألف من مرور مقطع القُبة العربية العمودي من مركزها خطٌّ مُنحنٍ يذكِّرنا بشكل القوس العربية، ثم أفرط الفرس في حَنْو قِبابهم، فانتهوا إلى شكلها البَصَلِيِّ الذي سنتكلم عنه قريباً.
ويختلف شكل القباب العربية باختلاف البلدان؛ فهي منخفضة في إفريقية، ولا سيما القيروان، انخفاضَ القباب البيزنطية، ويُرى على كل مسجد فيها عدةُ قباب من هذا الطراز، والقِباب في مصر -على العموم- هي من الطراز التي وَصَفْنَاه آنفاً، ولا تُرَى على المساجد فيها، بل على المزارات أو على الحجرات المجاورة للمساجد والمشتملة على أضرحة، وكلما شاهدت في مصر قبَّةً على مسجد أمكنك أن تقطع بوجود ضريح فيه.
وهنالك بعض الشبه بين القباب المصرية والقباب السورية، أو قُبة جامع عمر ذات الخصر الضيق قليلاً على الأقل، وإن كانت القباب السورية أقلَّ هَيَفاً، وأكثر وزنًا، وعاطلةً من الزخارف الخارجية.
стр. 513
شكل ٨ - ٥: باب بيزاغرة (باب شقرة) في طليطلة.
وترى في مصر، ولا سيما في المقبرة القريبة من أسفل قلعة القاهرة، والتي سميتها سَهْلَ القبور، وذلك في الصورة التي نشرتها لها، تمييزاً لها من المقبرة الأخرى المعروفة باسم مزارات الخلفاء، جميعَ أنواع القِباب، كالقباب التي هي على شكل نصف الدائرة، والقباب الإهليجيَّة، والقباب الأسطوانية، والقباب المخروطة، والقباب المجاوزة، والقباب المُقَرَّنة ... إلخ.
المتدليات «المقرنصات»: يظهر أن العرب كانوا يكرهون ما كان يحبه الأغارقة من الأوجه المُلْسِ المُوَحَّدة والزوايا والأشكال القائمة، فكانوا يُنشئون الكُوَّاتِ الصغيرةَ الناتئة المثلثة الكُرِيَّة المسماة بالمُتَدَلِّيَات؛ لتَدَلي بعضِها فوق بعضٍ في الفضاء تدلياً هندسياً تدريجياً يذكِّرنا بخلايا النحل، وذلك لِمَا نرى من رغبتهم في ملء زوايا الجُدُر القائمة، وفي وَصْلِ القباب المستديرة بما تقوم عليه من الرِّدَاه المربعة وصلاً غير محسوس، وقد استُعمِلت المتدليات في صقلية منذ القرن العاشر والقرن الحادي عشر من الميلاد، وقد حوَّل عرب الأندلس تجوفاتها الكرية إلى مواشير قائمةٍ ذات وجوه مقعرة.
والمتدليات مما انفرد به العرب، ولم توجد عند أية أمة حتى الآن، وما كاد القرن الثاني عشر من الميلاد يَحِلُّ حتى كان أمرها شاملاً لجميع البلدان الإسلامية،
стр. 514
شكل ٨ - ٦: منظر في داخل قصر الحمراء (من صورة قديمة).
وقد استخدمها العرب في ربط أطناف أروقة المآذن بأوجهها القائمة، وفي ملء قباب المساجد، وفي وصلها بالجدر القائمة عليها، وفي وَصل القباب الكرية بالأوجه المربعة ... إلخ.
حقاً إن المتدلِّيات مما امتاز به الفن العربي، ولا أوافق على رأي مسيو شارل بلان القائل: «إنها نشأت عن ضرورة إحداث الظلال بالوسائل الناتئة»، فالمتدليات كثيرة في داخل المباني، حيث لا فائدة في إحداث الظل، كثرتها في خارجها، ولم تنشأ متدليات المآذن، كذلك عن «ضرورة إحداث أروقة عالية لدعوة المسلمين منها إلى الصلاة»، ما رأينا مآذن الآستانة ومآذن بلاد فارس ذات أروقة عاطلة مما يشاهد في مآذن مصر من المتدليات، وإنما الذي أراه هو أن اختراع العرب للمتدليات نشأ عن
стр. 515
كُرههم للزوايا والأوجه الموحدة المُلس، كما ذكرت آنفاً، ويتجلى هذه الكره في جميع آثارهم الفنية، سواء أكانت مآذن أم جلودَ قرآن أم دُوِياً.
النقوش العربية ودقائق الزخرف: زخارف المباني العربية ذات طابع خاص ينتبه إليه، في الحال، حتى أجهل الناس بفن العمارة، وهذه الزخارف المؤلفة من رسومٍ هندسية ممزوجة بالكتابات من الأمور التي نرى رسمها أسهل من وصفها، وهي تابعةٌ لقواعد بسيطةٍ نص عليها مسيو بُرغوان على الرغم من ظواهرها الخيالية.
وكانت النقوش العربية تُنْقَر في الحجر كما في كثير من مساجد القاهرة، أو تُصَبُّ في قوالب كما في قصر الحمراء.
وللخط العربي شأنٌ كبير في الزخرفة، ولا غرو فهو ذو انسجام عجيب مع النقوش العربية، ولم يُستعمل في الزخرفة، حتى القرن التاسع من الميلاد، غيرُ الخط الكوفي ومشتقاته كالقرمطي والكوفي القائم الزوايا.
وتؤخذ هذه الكتابات من القرآن على العموم، وأكثر هذه الكتابات استعمالاً هو السطر الأول من القرآن، وهو: «بسم الله الرحمن الرحيم» أو القول الجامع الذي يلخص به الإسلام وهو: «لا إله إلا الله، محمد رسول الله.»
وقد بلغ الخط العربي من الصلاح للزينة ما كان رجال الفن من النصارى في القرون الوسطى وفي عصر النهضة يُكثِرُون معه من استنساخ ما كان يقع تحت أيديهم اتفاقًا من قطع الكتابات العربية على المباني المسيحية تزييناً لها سائرين في ذلك مع الهوى، وقد شاهد مسيو لنغيريه ومسيو لافوا وغيرهما الشيء الكثير منها في إيطالية، ومما شاهده مسيو لافوا في مكان الأمتعة من كاتدرائية ميلانو «بابٌ مبنيٌ على طراز رسم البيكارين يحيط به إفريزٌ حجريٌ مؤلفٌ من كلمة عربية مكررةٍ عدة مرات وكتابةٌ عربيةٌ حول رأس المسيح المصور فوق أبواب القديس بطرس التي أمر بإنشائها البابا أوجين الرابع، وخطوطٌ كوفية طويلة على قميص القديس بطرس والقديس بولس، ومن دواعي أسفي عدم ترجمة هذا الكاتب لهذه الكتابات، فلعل الكتابة التي حول رأس المسيح هي كلمة: «لا إله إلا الله، محمد رسول الله! »
الزخارف الملونة: اعتقد الناس زمناً طويلاً أن الأغارقة لم يلونوا مبانيهم وتماثيلهم، وإذ كان للقواعد التي اصطلح عليها الأغارقة قوةُ القانون عند الأمم اللاتينية نشأ فينا ذوقٌ مصنوع صِرنا نُعد به المباني البيض أبنيةً جميلةً جداً، غافلين عن أن أشعة الشمس على المباني البِيض تُعمي الأبصار وتُغرِق دقائقها، وعن أننا نُعْجَب بها بقوة
стр. 516
التقاليد فقط، ومن الحظ الحسن أن أثبتت المباحث الحديثة أن أذواق الأغارقة كانت تختلف عما عُزِيَ إليها، وأن الكثير من مبانيهم كان مستوراً بالألوان، وأن اللون الأزرق واللون الأصفر واللون الأحمر أكثر الألوان استعمالًا فيها، وأن أعالي العَمَد في معبد إجين كان مصبوغاً باللون الأحمر المتشعِّبة منه تروسٌ مذهبة، وأن مُقَدَّمه كان مصبوغًا باللون الأزرق المموَّه بأطُرٍ حُمْرٍ وخُضْرٍ.
وفضل العرب، بأذواقهم الفنية الغريزية، ملوَّن المباني على بيضها، وكانت نقوشهم العربية مغطاةً، على العموم بألوان يدل تنضيدها على معرفة كبيرة وذوق سليم، وكانت جدر الحمراء ووجوهها والجدر الخارجية للمساجد مستورةً بأزهى الألوان.
شكل ٨ - ٧: دقائق زخارف عمود وتاجه في قصر الحمراء.
стр. 517
والألوان التي استعملها العرب في مصر هي اللون الأحمر واللون الأزرق واللون الأصفر واللون الأخضر واللون الذهبي، وأثبت أوُين جونس، الذي هو أفضل مَن بَحث في دقائق قصر الحمراء، والذي أدار تجديد قاعدة الأسود في قصر البِلَّور بلندن، أن العرب إذ استُثني الميناء الذي يغطي أسفل الجُدُر، لم يستخدموا في قصر الحمراء سوى اللون الأزرق واللون الأحمر واللون الذهبي، أي اللون الأصفر، وأن هذه الألوان رُتبت ترتيباً معقولاً جداً؛ فأحُدث اللون الأحمر في أساس نقوشه، وصُبِغت حواجزه الجانبية باللون الأزرق على مدًى واسع لتعديل التأثير الذي ينجُم عن اللون الأحمر واللون الذهبي، وفُصِل بعض الألوان عن بعض بعصائب بيضٍ أو بظِلِّ نُتُوء الزخرف، ومن المرجح أن كانت العَمَد مصبوغةً باللون الذهبي لما بين العمد البيض وما يقوم عليها من الزخارف ذات الألوان الكثيرة من عدم الانسجام.
وأما ما نرى أثرَه في قصر الحمراء من اللون الأخضر والأسمر والأرجوانيِّ فقد بين ذلك المؤلف أنه من بقايا الترميمات الرديئة التي قام بها الإسبان في مختلف الأزمنة، وقد أضلَّت بقايا هذا الطَّلي الرخيص، على الأرجح، مرممي قصر الحمراء في الوقت الحاضر، فالأجزاء التي أصلحوها، ولا سيما الكِسْرات التي يبيعونها من الجمهور، لا تَمُتُّ بصلة إلى الطريقة المذكورة التي اتَّبعتُها بقدر ما تسمح به اللتوغرافية في تحديد أحد لَواوِين الحمراء الذي تجدُ لوحةً له في هذا الكتاب.
(٣) المقابلة بين مباني العرب الفنية:
(٣ - ١) مباني بلاد سورية:
لم نذكر من مباني سورية، حتى الآن، غير ما أنُشئ فيها بعد ظهور محمد، مع أن قبائل عربيةً توطنت بلاد سورية قبل ظهوره، وأقامت فيها دولاً قوية، وتدل البقايا القليلة التي اكتُشفت في بُصْرَى، والتي لم تُدرَس جيداً حتى الآن، على أن فن العمارة فيها كان راقياً في ذلك الزمن، ولذا فإن من المحتمل أن يكون المسلمون الذين استولَوا على سورية قد استفادوا من معارف أبناء قومهم أولئك، ولكن فُقدان الوثائق حَمَلنا على السكوت عن ذلك الدور المُنْسِي قانعين بذكر ما شاده العرب بعد الإسلام من المباني العريقة في القِدَم والمختلفة الطُّرُز، والتي ترجع أقسامها المهمة على الأقل إلى القرن الأول من الهجرة كجامع عمر والمسجد الأقصى (في القدس) والجامع الكبير في دمشق.
стр. 518
فن حضارة العرب
ويُرى في هذه الآثار الثلاثة بعضُ المؤثِّرات البيزنطية والفارسية التي لم يتحرَّر فنُّ العمارة العربي في سورية منها تمامًا، ومما هو جدير بالذكر أنه يُشاهَد فيها، حتى في أقدم أقسامها، بَدءُ العمل بالأقواس المصنوعة على رسم البيكارين والمصنوعة على شكل نعل الفرس، أي الأقواس ذات الانكسار الضعيف في أعلاها والضيق قليلاً في أسفلها، ويبدو لك هذا النوع من الأقواس في الرواق (من الجامع الكبير) بدمشق، وفي جميع أقسام المسجد الأقصى تقريباً، وفي أعلى عمد الصف الأول من داخل جامع عمر.
ومما يُرى في جميع تلك الآثار الأولى أن تيجان عَمَدها مُتصل بعضها ببعض بجسور وَصْلٍ كبيرة اتصالًا انفرد بعمله مهندسو العرب.
وإذا استعنت بمبدأ القياس، فنظرت إلى أقدم مئذنة في الجامع الكبير بدمشق، علمت أن شكل المآذن العربية الأولى في سورية كان مربعًا.
وقد استُخدمت القباب المنخفضة المشابهة للقباب البيزنطية على العموم، وذلك باستثناء قُبَّة جامع عمر التي أقيمت في تاريخ متأخر عن تاريخ بنائه.
(٣ - ٢) مباني بلاد مصر:
أوضحنا في الفصل الذي خصصناه لتاريخ العرب في مصر سلسلة تحولات فن العمارة العربي العميقة بمصر في ثمانمائة سنة، أي منذ بُنِي جامع عمرو بن العاص في سنة ٦٤٢ م، حتى تمَّ إنشاء جامع قايتباي في سنة ١٤٦٨ م، ورأينا أن هذا الفنَّ العربيَّ، الذي كان بيزنطي النزعة في البُداءة، لم يلبث أن تحرر من كلِّ تأثير أجنبي، وأنه انتهى إلى أشكال مبتكرة تماماً.
ويظهر أنه احتُرم قسمٌ من زينة جامع عمرو بن العاص الأولى مع ترميمه عدة مرات، ويُرى في جامع عمرو بن العاص أصل الأقواس المصنوعة على رسم البيكارين والمصنوعة على شكل نعل الفرس، ولا تَرى في جامع عمرو بن العاص غير المآذن البسيطة التي ليس لكلٍّ منها غيرُ رواقٍ واحد، والتي تنتهي برأس.
ويتجلَّى في مسجد ابن طولون، الذي أنُشئ في سنة ٨٧٦ م، بدءُ الخلاص من المؤثرات البيزنطية، أي أن أقواسه صُنعت، بدون التباس، على رسم البيكارين، وأنها قائمة على دعائم مؤلفة من أعمدة مرصعة في الزوايا، وترى في جامع ابن طولون نقوشَ الأزهار والأغصان الصالحة للزينة والمصنوعة على طراز جديدٍ قريب من طراز النقوش العربية، ولم تبدُ المتدلِّيات فيه بعدُ.
стр. 519
وأنشئ جامع ابن طولون من الآجر، وتتألف مئذنته من ثلاث طبقات، وليس فيها شيءٌ من الزينة الخارجية، وإنما تَرَى لكل طبقة منها شكلاً خاصاً؛ فالأولى: مُربعة، والثانية: أسطوانية، والثالثة: مثمنة.
والزخارف أغزرُ مادةً وأكثرُ تنوعاً في الجامع الأزهر الذي شُرِع بناؤه في أواخر القرن العاشر من الميلاد وأتم في تواريخ أخرى، وأقواس الجامع الأزهر حادَّة أكثر مما في المساجد السابقة، وتشاهد المتَدَليِّات في كل مكان منه، ولمآذنه عدة أروقة، وزخارفه غنية.
شكل ٨ - ٨: دقائق الطبقة العليا من قاعة الأختين في قصر الحمراء (من تصوير أوين جونس).
وعدت أقواس جامع قلاوون (١٢٨٣ م) مثالاً بارزاً لبلوغ الأقواس العربية المصنوعة على رسم البيكارين ذروة الرقي، ورأينا أنه يوجد شبه كبير بين هذا الجامع والمباني القوطية في القرون الوسطى.
стр. 520
ونرى جامع السلطان حسن (١٣٥٦ م) مثالاً لاقتراب الفن العربي من درجة العظمة، ويوجد بين كنائسنا الكبيرة، وهذا الأثر العظيم، الذي يبلغ ثخن جدره ثمانية أمتار، وارتفاع رتاجه عشرين متراً، وارتفاع قبته ٥٦ متراً، وارتفاع مآذنه ٨٦ متراً - شبه أكثر مما بينها وبين المساجد الإسلامية الأولى، ويدل جامع السلطان حسن على أن العرب كانوا يعلمون كيف يقيمون مباني واسعة متينةً عند الاقتضاء.
ويثبت جامع برقوق (١٣٨٤ م) وجامع المؤيد (١٤١٥ م) وجامع قايتباي (١٤٦٨ م) تقدماً جديدًا تم للعرب، ويُعدُّ جامع قايتباي مبتكراً تماماً بقُبَّتِه العجيبة ومئذنته الرائعة ذات المساند والأفاريز والأروقة والنقوش الغنية الزاهية، ولو لم يكن للعرب من المباني غيرُ جامع قايتباي لاعتقد الناس، لا ريب أنه عنوان فنٍّ لا صلة قريبةً أو بعيدة بينه وبين أي فن آخر.
ويعد جامع قايتباي، والجوامع التي أقُيمت في عصره، كجامع قاغباي (١٥٠٢ م) آخر المباني المهمة التي أنُشئت في مصر على الطراز العربي، ولما حلَّ القرن السادس عشر، واستولى السلطان سليم التركي على مصر أصبحت لا ترى فيها فناً عربياً، فقد قضى الترك الفاتحون على الفن العربي بسرعة، وأخذ هذا الفن ينطفئ شيئًا فشيئًا، والحق أن الفن لا يعيش إلا حيث يُقدَّر ويُشجَّع، والحق أن دماغ التركي لا يستطيع تقدير الفن الرفيع.
وترى المبانيَ التي أقيمت في العهد التركي من ذوات الشكل الثقيل والزخارف المتعبة والألوان الكريهة، وأصاب إيبر حيث قال «إن من الحظ الحسن أن كانت هذه الآثار غيرُ محتاجة إلى زمن كبير حتى تؤذي عيونَ رجال الفن، ولم تُبن هذه الآثار لتدوم، وإنما لتكون وسيلة لخدمة الساحات التي أقيمت عليها، وما جزاء الذين أقاموها، من غير أن يفكروا في أمر الأجيال الآتية، إلا أن تنتقم منها هذه الأجيال بأن تنساهم.»
(٣ - ٣) مباني بلاد إفريقية الشمالية:
لا ترى غيرَ شَبَهٍ ضعيف بين المباني العربية في إفريقية الشمالية أو صقلية وبينها في مصر، وذلك خلافاً لمماثلتها لمباني الأندلس الأولى.
ونحن لا نقدر أن نتكلم عن القصور الإفريقية؛ لعدم وجودها في الوقت الحاضر، وإنما نذكر أن مارمول، الذي زار قصور مراكش وفاس بعد سقوط غرناطة بقرنٍ واحد، قال في وصفه لإفريقية: «إن هذه القصور تشابه قصر الحمراء على العموم.»
стр. 521
شكل ٨ - ٩: رواق عالٍ في إحدى رداه القصر بإشبيلية (من صورة فوتوغرافية التقطها المؤلف).
والشبه الذي يرجَّح وجوده بين القصور العربية القديمة في إفريقية وبينها في الأندلس موجودٌ حقاً بين مبانيهما الدينية، وما انتهى إلينا منها دليلٌ قاطع على هذا، وأظهر ما يكون هذا الشبه في مآذنهما المربَّعة العاطلة من الأروقة والأطناف الخارجية، والمؤلف بعضها من طبقتين مُتَقَبِّضَتَيْن أو ثلاث طبقات مُتقبِّضات.
وتختلف هذه المآذن العربية الإفريقيةُ الأصلية عن مآذن مصر جملةً وتفصيلاً، ونجد جميع المآذن الإفريقية التي أقيمت بين القيروان وفاس من فصيلةٍ واحدة، ومنها التي أقيمت بالجزائر وطنجة في تواريخ لاحقة مع شَيْدها على الطُّرُز القديمة، ونجد من هذه الفصيلة برج لاجيرالدة (برج لعبة الهواء) القائم في أشبيلية، وأبراج كنائس طليطلة الكثيرة البادية العروبة.
وإذا عدوت هذه المآذن المبتكرة وجدت مساجد إفريقية القديمة، كمساجد القيروان مثلاً، تختلف اختلافًا كبيرًا عن مساجد مصر وفارس باتخاذها القباب البيزنطية المنخفضة عنصراً خاصاً، ويعلو جامع القيروان الكبير، الذي كان هذا السِّفر أول كتاب اشتمل على صور له، أربعُ قباب منخفضة.
стр. 522
وإذا أردنا أن نحكم في الأمر مستعينين بالمباني التي لا تزال ماثلةً قلنا: إن الفن العربي عانى باستمرارٍ تأثيرَ الفن البيزنطي في إفريقية الشمالية، مع استثناء مراكش، وإنه لم يستطع أن يتخلص منه كما تخلص في مصر والأندلس.
(٣ - ٤) مباني بلاد صقلية:
إن قصر العزيزة وقصر القبة القائمين بالقرب من مدينة بلرم هما العمارتان المهمتان العربيتان اللتان أقيمتا في صقلية في أواسط القرن العاشر من الميلاد، ولا يشاهَد في مكان قصرٌ عربيٌّ له من القِدَم ما لهما، وهذا يجعل لدرسهما فائدةً عظيمة، وإن مما يزيد في أهميتها إنما هو الظنُّ الغالب بأنهما مشابهان لما كان في إفريقية الشمالية من القصور نظرًا إلى الصِّلات القديمة التي كانت بين عرب البلدين في غابر الأزمان، وكونُنا نستطيع أن نَتَمَثل بهما قصور إفريقية.
وقد كان قصرُ العزيزة وقصر القبة حِصنين ومسكنين في آنٍ واحد، وقد قاوما تعاقب القرون لبنائهما من الحجارة المنقوشة الملتصق بعضها ببعض التصاقًا محكمًا. وشكل قصر العزيزة الواقع بالقرب من بَلَرْم مُكعب واسع، ويبدو للناظر إلى جدره أنها مؤلفة من أقواسٍ طويلة مصنوعة على رسم البيكارين صنعاً خفيفاً ومحيطة بنوافذ مزدوجة ذات أعمدة صغيرة، وُسِترَ الإفريز، الذي أعُدَّ ليكون تاجاً وحاجزاً، بالخطوط القرمطية التي بقي بعض آثارها، ونشرتُ في فصل آخر من هذا الكتاب صورةً عن التي رسمها جيرول دوبرانجه لإحدى رِداهه كما كانت منذ أربعين سنة، فظهر منها أنه ذو زخارف بسيطةٍ أنيقة ومتدلياتٍ مشابهة لما في مباني الأندلس.
ومن الصعوبة أن نعرف هل غيَّر عمال العرب طرازَ قصر العزيزة الأصلي أولاً حينما رمَّموه في عهد ملوك النورمان.
ويُرى قصر القبة غير بعيد من قصر العزيزة كثيراً.
ويختلف قصر العزيزة وقصر القبة عن قصور العرب في إسبانية بشكلهما الخارجي وأقواسهما الطويلة المصنوعة على رسم البيكارين وانتظام شكليهما، ولا أرى شبهاُ بينهما وبين المباني المصرية، وذلك خلافاً لجيرول دُوبرَنْجِه، وذلك مع ما قمتُ به من البحث والتدقيق، وذلك خلا مماثلتهما البعيدة لبعض أجزاء جامع قلاوون.
стр. 523
(٣ - ٥) مباني بلاد الأندلس:
شكل ٨ - ١٠: أحد أبواب ردهة الصبايا في القصر بأشبيلية (من صورة فوتوغرافية التقطها المؤلف).
قسم جيرول دوبرانجه فن العمارة العربيَّ في بلاد الأندلس إلى ثلاثة أدوار مختلفة: الدور البيزنطي ودور الانتقال والدور المغربي، ولا أرى سبباً جدياً للتسليم بهذا التقسيم مع رضا الآخرين به على العموم، فلا معنى للتعبير عن فن العمارة العربي بالفن المغربي أي البربري ما دام البربر لم يُدخلوا أيِّ عنصر جديد إلى فنون العرب، أجل، حَكَم ملوكٌ من البربر عرب الأندلس كما حكم ملوك من الشركس عرب مصر، ولكن البربر والشركس لم يبتدعوا شيئاً في الفنون، ولذلك لا نجد فن بناء مغربي في الأندلس كما أننا لا نجد فن بناء شركسي في القاهرة.
стр. 524
على أن لدينا من البينات ما يثبت أن البنائين في أيام ملوك البربر كانوا من العرب، فقد روى ابن سعيد «أن أميري الموحدين، يوسف ويعقوب المنصور، أحضرا من الأندلس مهندسين لإنشاء جميع المباني التي أقاموها في مراكش ورباط وفاس والمنصورية ... ومن المعروف اليوم (١٢٣٧ م) أن هذا الازدهار وهذا الرخاء في مراكش انتقل إلى تونس فأقام سلطانها قصورًا وغرس حدائق وكروماً على الطريقة الأندلسية مستعينًا بمهندسي الأندلس وبنَّائيها ونجَّاريها ولبَّانيها ودهَّانيها وبُستانييها، أي تم شَيْد هذه المباني وفق رسوم وضعها أناسٌ من الأندلس أو صنعت تقليداً لمبانٍ أندلسية.»
شكل ٨ - ١١: مسجد همذان القديم بفارس (من تصوير كوست)
وجامعُ قرطبة هو أقدمُ مباني العرب في بلاد الأندلس، وأقيم جامعُ قرطبة في دور فنِّ العمارة الذي أسُمِّيه دورَ فنِّ العمارة البيزنطي العربي، لا البيزنطي وحده، وذلك لما لم نَجد من بناء بيزنطي يشابهه، وهو، وإن كان يشتمل بوضوح على بعض عناصر الفن البيزنطي «كتيجان عَمَدِه التي هي على شكل أوراق الشجر ونقوشِه التي هي على شكل الأغصان وزينتِه المتشابكة وفسيفسائه وزخارفه التي هي على أساس من ذهب ... إلخ»، يختلف عن المباني البيزنطية بما فيه من الزينة بالخط الكوفي، وبأقواسه المصنوعة على شكل نعل الفرس بفلق كثيرة والقائم بعضها فوق بعض، وبجزئيات
стр. 525
زخارفه، ويكتسب جامع قرطبة بهذا طابعاً باديَ الإبداع يتميز به من أي بناء بيزنطي، وما قضت به الحال عند صنعه، أي ضرورة تنضيد ما كان عند القوم آنئذ من العَمَد لينال به عُلواً مناسباً لعَرضه، أكسب صحونه منظراً لا تجده في أي بناء سابق، ومن تَجَلِّي ذوق العرب الفني في شَيْده طريقتُهم في تركيب أقواسه لستر ذلك التنضيد، فعلى من يَعْزو مثل هذا الذوق الفني البديع الرفيع إلى البيزنطيين أن يدلنا على مبانٍ أخرى استعملوا فيها هذه الطريقة.
وتخلَّص عرب الأندلس من المؤثرات الفنية البيزنطية بسرعة كالتي تخلَّص بها عرب مصر، ولم تلبث النقوش العربية والمتدليات أن قامت مقام الزخارف البيزنطية على أساس ذهبي، ولم تلبث الحنايا أن تحوَّلت إلى أقواس مصنوعة على رسم البيكارين ومنقوشة نقشًا لطيفًا.
ومباني العرب في طليطلة أقدمُ آثارهم في الأندلس خلا ما في قرطبة، وفي طليطلة آثارٌ عربيةٌ مهمة كباب بيزغرة (باب شقرة) الذي بدئ بإنشائه في القرن التاسع من الميلاد وباب الشمس الذي أنشئ في القرن الحادي عشر من الميلاد ... إلخ، ويمكن الباحث في طليطلة أن يتبين بعض مراحل تطور الفن العربي.
وهدمت مآذن المساجد القويمة في الأندلس، ولم يبق منها سوى برج لاجيرالدة (لعبة الهواء) الذي أقيم في أشبيلية في القرن الثاني عشر من الميلاد، ويمكننا أن نذهب إلى أنها كانت مُربعة الشكل كالمآذن التي أنُشئت في إفريقية، وإنني أستند في رأيي هذا إلى ما في بروج كنائس طليطلة التي لا تزال قائمةً من التقليد لمآذن العرب في الشكل والفروع الجوهرية، ويمكننا أن نذهب إلى ما هو أبعد من هذا فنقول: إن الأندلس لم تَعرِف مآذن مشابهةً لمآذن القاهرة، ولو عرفوها لكان النصارى قد قلَّدوها أيضاً.
وكلما كانت إقامة العرب بإسبانية تطول زاد فنُّ بنائهم غِنًى وزخرفًا، ولسرعان ما تحرر هذا الفن من كل مؤثر أجنبي، ولسرعان ما غابت الزخارف البيزنطية، ولا سيما الفسيفساء على أساسٍ ذهبي، تاركةً المجالَ لطرازٍ جديد في الزينة، فكان القصر في أشبيلية والحمراء في غرناطة بناءين وصل فنُّ العمارة بهما إلى أسطع أدواره.
وبدئ ببناء القصر في أشبيلية في القرن الحادي عشر من الميلاد، ثم صُلِّح في القرن الثاني عشر والقرن الثالث عشر من الميلاد، وذلك عدا ترميمه في زمن شارلكن وزمن فليب الثاني والزمن الحاضر، وأنُشئت وجهته في القرن الثالث عشر من الميلاد، ويعد بهو الدمى وبهو السفراء وغيرُهما من أقسامه آثارا قديمة جداً.
стр. 526
شكل ٨ - ١٢: مسجد شاه خدا وضريحه في سلطانية (القرن السادس عشر، من تصوير تكسيه).
ولا يلاحَظ في أقسام القصر الأشبيلي الأولى مثلُ ما في قصر الحمراء من فَيْض الزخارف ومن القباب ذات النقوش المتدلية، ومع ذلك فكلا القصرين متقارب، ولا يختلفان في غير الدقائق، ويكثر في القصر الأشبيلي ما نَدَر وجوده في قصر الحمراء من الأقواس المجاورة (المصنوعة على شكل نعل الفرس) والأقواس المصنوعة على رسم البيكارين، وتجد في القصر الأشبيلي من السقوف ذات التقاطيع الملونة المذهبة المحفورة ما يشابه سقوف قصور القاهرة ودمشق القديمة.
وبلغ خِصْب الفن العربي الأندلسي غايته في قصر الحمراء الذي أنشئ في القرن الثالث عشر من الميلاد، وعلى ما فيه من غُلُوٍّ في الزُّخرف نرى هذا الغلو وليد ذوقٍ رفيع لا يتجلى في آثار دورٍ مُنحط.
ومع أن جُدُر قصر الحمراء مصنوعةٌ من مزيج من الكلس والرمل والصلصال والحصباء، لا من الحجارة المنحوتة، ومع أن زخارفه من الجِصِّ المضروب في القوالب،
стр. 527
تجده متيناً إلى الغاية، فقد قاوم تقلبات الجو مدَّةَ خمسة قرون من غير أن يحتاج إلى ترميمٍ ذي بال.
وأهم ما يختصُّ به قصر الحمراء ويتميز به من القصر الأشبيلي على ما أرى، هو ما يأتي: جُدُرُه المغطاةُ بقطعٍ ملوَّنة مصنوعة في القوالب، وعَمَده الخفيفة الأفقية الخطوط الحاملة تيجاناً منقوشة على شكل الأغصان المتشابكة، ونوافذه المؤلفة من الأقواس ذات الحنائر والمنقوشات على شكل الأزهار والمحاطة بأطر قائمة الزوايا، وسقوفه المغطاة بالمتدليات.
ولا يجد الإنسان في مصر قصوراً عربيةً معاصرة لقصر الحمراء، ولكننا إذا حكمنا بأن زخارف قصور مصرَ كانت مشابهة لزخارف مساجدها رَجَح عندنا وجود فروقٍ مهمة بين قصور ذينك القطرين، أجل، إن هنالك تقارباً بين الفنِّ العربي في مصر وبينه في الأندلس، ولكنهما لم يُبديِا سوى تشابهٍ بعيدٍ في جميع وجوههما.
وكان تأثير فنِّ عِمارة العرب في فن عمارة النصارى الذين حلُّوا محلهم في إسبانية عظيماً إلى الغاية، وكان النصارى يستخدمون العرب -قبل إجلائهم- في إقامة مبانيهم أو إصلاحها، فنشأ عن تمازج الفنين ظهورُ الفن المُدَجَّن الجديد كما ذكرنا ذلك في فصل آخر، وسنأتي بأمثلةٍ كثيرة على ذلك في الفصل الذي خصَّصناه لدرس تأثير العرب في أوربة.
ويُرَى طِرازٌ خاص قريب من الطراز العربي يمكن تسميته بالطراز العربي الإسرائيلي، وذلك خلا الطِّراز الذي ذكرته، وذلك في معابد اليهود القديمة التي أقُيمت في إسبانية، ولا يختلف هذا الطرازُ عن الطِّراز العربيِّ إلا باستخدام الحروف العبرية في زينته وبالأغصان والأوراق العريضة في زخارفه، ونَعُدُّ كَنِيسَ الترانسيتو وكنيس سَنتا مارية لابلانكا في طليطلة أمثلة بارزة على هذا الطِّراز الذي لا يخلو من مؤثِّرات الدور البيزنطي.
(٣ - ٦) مباني بلاد الهند:
مباني المسلمين في الهند دليلٌ واضح على التطورات التي يمكن أن تتَّفِق لفن عمارة أمة بتأثير العروق التي تتصل بها.
стр. 528
شكل ٨ - ١٣: ضريح تيمورلنك في سمرقند (من صورة فوتوغرافية، من مجموعة الجنرال كوفمان).
وقد رأينا أن العرب حينما وصلوا إلى الهند وجدوا أنفسهم أمام حضارة قويمة قديمة، وأنهم أثروا فيها بديانتهم ولغتهم وفنونهم تأثيراً لا يزال باقياً حتى الآن، وذلك مع ضعف تأثيرهم السياسي فيها دائمًا.
وظهر من وصفنا للمباني الإسلامية في الهند درجةُ ما كُتِب عليها بوضوح من تاريخ تأثير إحدى الأمم، فقد كانت المؤثرات العربية والهندسية مجتمعةً اجتماعًا وثيقًا في المباني الأولى كباب علاء الدين مع ضعف أثر الفن الفارسي فيها، ثم اجتمع الفنُّ الفارسيُّ والفن الهندوسي بنِسَبٍ متقلبة فيها، وصار الفنُّ العربيُّ لا يبدو إلا في الأقسام الثانوية كاتخاذ الكتابات والمتدليات وسائلَ للزينة، وكاتخاذ أشكال بعض الأقواس.
ويعد مزار أكبر وتاج محل وقصر المغول ... إلخ، من الأمثلة لاجتماع هذه المؤثِّرات التي نشأ عن تنضُّدها بالحقيقة، طرازٌ خاصٌّ يمكن تسميته بالطراز المغولي في الهند، أو الطراز الهندوسي الفارسي العربي.
стр. 529
ويتجلى هذا الطراز - على الخصوص- في مآذن الهند المخروطة الشكل كمآذن بلاد الفرس.
وتختلف مآذن الهند عن مآذن بلاد الفرس بتخاريمها وبطبقاتها غير المطلية بالميناء، وتختلف عن مآذن الأندلس وإفريقية والقاهرة بالزخارف الخارجية والأشكال العامة، فيبدو ذلك أول وهلة.
(٣ - ٧) مباني بلاد فارس:
يصل إلينا من المباني الفارسية التي أقيمت أيام الدولة الساسانية المعاصرة للفتح العربي، ولأكثر المباني التي شِيدَت في الصدر الأول من الخلافة، سوى بقايا ناقصة، فكان هذا سبباً في صعوبة تمثلنا تاريخ فن العمارة الفارسي ومَدَى تأثيره في فن العمارة العربي على الخصوص، ثم مدى تأثير فن العمارة العربي في فن العمارة الفارسي فيما بعد.
وأقيم أكثر مباني الفرس المهمة في القرن السادس عشر من الميلاد، أي في عهد الشاه عباس، فإذا قوبلت هذه المباني ببقايا العمارات السابقة ظَهَر أنها مقتبسة منها، وهي قائمةٌ على طراز يختلف عن طراز العرب الفني، ولا تشارك طراز العرب في غير الزخارف.
قال باتيسيه في كتاب «تاريخ فن العمارة» وذلك في معرض الكلام عن مساجد فارس: «يظهر أن مساجد بلاد الفرس لا تختلف عن مساجد بلا سورية» وتراني أجهل الأسس التي بنى عليها زعمه هذا ما فقد الشبه بين هذه المباني، والواقع أن المقابلة بين مساجد سوريا القديمة (أي بين مساجد دمشق والقدس وحبرون) ومساجد أصبهان أمرٌ متعذر، ولا نجادل في وجود طابعٍ خاصٍّ للفن الفارسي مع ما بين الفن الفارسي والفن العربي من صلة القرابة الواضحة التي مصدرها ما في الفن الفارسي من تأثرٍ بالفن العربي بعد أن كان مؤثِّرًا فيه.
ولمساجد الفرس صفات خاصة كثيرة يتجلى أهمُّها في شكل مآذنها وأقواسها وقبابها وزينتها الخارجية.
ويذكرنا شكل مآذن الفرس، حتى القديم منها، بمداخن مصانعنا، وهي مخروطة الشكل قليلة الارتفاع مكسوة بالميناء ذاتُ رواقٍ واحد في أعلاها، وهي تختلف اختلافاً جوهرياً عن مآذن سورية وإفريقية والأندلس المربعة، وهي تختلف أكثر من ذلك عن
стр. 530
شكل ٨ - ١٤: رسم مجدد لمسجد السنية في تبريز (فارس، من تصوير تكسيه).
مآذن مصر ذات الأروقة الكثيرة التي يتغيَّر مقطعها على حسب الطبقات، والمزينة بأنواع النقوش البارزة.
وللمساجد الفارسية طابع خاصٌّ أيضاً؛ فيُرى لكل مسجد من المساجد القديمة الفارسية المتداعية، كمسجد همذان مثلاً، بابٌ عظيم يبلغ ارتفاعه علوَّ المقدَّم، وينتهي بقوس طريفة مُفَرْطَحَة مصنوعة على رسم البيكارين من طراز خاصٍ مما لا ترى مثلَه في أي مسجد عربي كان.
ونرى لزخارف المساجد الفارسية من الخارج شكلاً خاصاً أيضاً، أي أنها مكسوةٌ بالميناء ذي الرسوم المنوعة، ولا سيما رسمُ الأزهار، مما امتاز به فن الزخرفة الفارسي، وإذا حدث أن رُئي مثلها في بعض المباني العربية، كجامع عمر، أمكن القطع بأنها من صنع عمال من الفرس.
وبُنيت قباب المساجد الفارسية الحاضرة بَصَلِيَّة الشكل، وهذه القباب، وإن بدت مبتكرةً، لم تنشأ عن غير فرطحة القبة التي يشبه مقطعها نعل الفرس أو عن تضييق قاعدة القبة المشابهة لقباب المساجد العربية في القاهرة، وبالغ الفرس في فرطحة القبة ذات المقطع الذي هو على رسم البيكارين فانتهوا إلى القباب التي تشاهد أيضاً في مساجد بغداد الحديثة، والتي رأيت مثلها في الكنائس الروسية، ولا سيما كنائس
следующие страницы →