Полный текст (4 238 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.
стр. 1086
فتلخص من ذلك: أن خبر العدل الواحد الضابط، إذا حفته القرائن أفاد العلم.
الضرب الثاني: الذي صح ولم تتلقاه الأمة بالقبول، ولم يستفض . فالذي يظهر من كلام كثير من العلماء جواز القراءة به، والصلاة.
стр. 1087
القسم الثاني- من القراءة الصحيحة: ما وافق العربية، وصح سنده، وخالف الرسم، كما ورد في الصحيح من زيادة ونقص، وإبدال كلمة بأخرى، ونحو ذلك مما جاء عن ابن مسعود وغيره، فهذه القراءة تسمى اليوم شاذة، لكونها شذت عن رسم المصحف المجمع عليه، وإن كان إسنادها صحيحا، وقد تقدم الكلام فيها.
وأما ما وافق المعنى والرسم، أو أحدهما، من غير نقل، فلا يسمى شاذا، بل مكذوب يكفر معتمده. انتهى.
وقد أجمع الأصوليون، والفقهاء، وغيرهم، على أن الشاذ ليس بقرآن، لعدم صدق حد القرآن عليه، وهو التواتر، صرح بذلك الغزالي، وابن الحاجب، والقاضي عضد الدين، .....
стр. 1088
والنووي، والسخاوي في "جمال القراء"، وأجمعوا على أنه لم يتواتر شيء مما زاد على العشرة.
ونقل البغوي في تفسيره: الاتفاق على جواز القراءة بقراءة يعقوب وأبي جعفر مع السبعة المشهورة، ولم يذكر خلفا/ لأن قراءته لا تخالف في حرف، فقراءته مندرجة معهم.
وكذا قال الإمام السبكي في شرح منهاج النووي في صفة الصلاة. بل قال في النشر: تتبعت اختيار خلف، فلم أره يخرج عن قراءة الكوفيين في حرف واحد، بل ولا عن حمزة والكسائي وأبي بكر إلا في حرف واحد، وهو قوله تعالى: في (الأنبياء): ﴿وحرم على قرية﴾ [الأنبياء: ٩٥] قرأها كفحص والجماعة بألف، وروى عنه القلانسي في إرشاده: السكت بين السورتين، فخالف [الكوفيين].
هذه المخالفة في الجملة، وإلا فقد قال به حمزة في الأربع
стр. 1089
الزهر في وجه، والله أعلم.
وأما قول شيخ الإسلام أبي زكريا النووي في التبيان: ولا تجوز بغير السبع، ولا بالروايات الشاذة المنقولة عن القراء السبعة، فقال ابن الجزري في المنجد: قد أباه الأئمة المحققون، والفقهاء المدققون، إذ مواد صحة القراءة عندهم الأركان الثلاثة المتقدمة، فهو الحق الذي لا محيد عنه، والحق أحق أن يتبع. انتهى.
وقال الإمام أثير الدين أبو حيان: لا نعلم أحدا من المسلمين حظر القراءة بالثلاثة الزائدة عن السبع، وهي: قراءة يعقوب، واختيار خلف،
وقراءة أبي جعفر يزيد بن القعقاع.
فأما قراءة يعقوب فإنه قرأ بها على سلام الطويل، وقرأ سلام على أبي عمرو بن العلاء، فسلام كواحد ممن قرأ على أبي عمرو، كأبي محمد اليزيدي وغيره، وقرأ سلام، أيضا، على عاصم بن أبي النجود، فسلام كواحد ممن قرأ على عاصم، كأبي بكر بن عياش وغيره.
стр. 1090
وأما [اختيار] خلف، فهو وإن خالف حمزة فقد وافق واحدا من الستة القراء.
وأما أبو جعفر فروى عنه قراءته أحد الأئمة السبعة، وهو نافع، وقرأ بها القرآن، ورواها جماعة، منهم قالون، وقدم أروع المسلمين عبد الله بن عمر أبا جعفر يؤم الناس بالكعبة فصلى وراءه عبد الله بن عمر. انتهى.
وقال الشيخ تاج الدين السبكي في بعض فتاويه: القراءات السبع [التي] اقتصر عليها الشاطبي، و [الثلاث] التي هي قراءة أبي جعفر، وقراءة يعقوب، وقراءة خلف- متواترة، [معلومة] من الدين بالضرورة،
[وكل حرف انفرد به واحد من العشرة متواتر معلوم من الدين بالضرورة] وأنه منزل على رسول الله ﷺ ، لا يكابر في شيء من ذلك إلا جاهل، وليس تواتر شيء من ذلك مقصورا على من قرأ بالروايات، بل هي متواترة عند كل مسلم يقول: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا رسول الله، ولو كان مع ذلك عاميا، جلفا، لا يحفظ من القرآن حرفا.
قال: ولهذا تقرير طويل، / وبرهان عريض، لا تسعه هذه الورقة، وحظ كل مسلم وحقه أن يدين الله تعالى، ويجزم يقينه بأن ما ذكرنا متواتر، معلوم باليقين، لا تتطرق الظنون ولا الارتياب إلى شيء منه. انتهى.
стр. 1091
وقال ابن العربي: ليست هذه السبعة [متعينة] للجواز حتى لا يجوز غيرها، كقراءة أبي جعفر، وغيره ممن هو مثلهم أو فوقهم. انتهى.
ومن له اطلاع على هذا الشأن يعرف أن الذين قرءوا هذه القراءات العشر وأخذوها عن الأمم المتقدمين كانوا أمما لا تحصى، وطرائق لا تستقصى، والذين أخذوا عنهم، أيضا، وأكثر، وهلم جرا إلى زمننا هذا.
فقد علم مما ذكر أن السبع متواترة اتفاقا، وكذا الثلاثة: أبو جعفر، ويعقوب، خلف، وأن الأربعة بعدها شاذة اتفاقا، لكن خالف صاحب "البدائع" من متأخري الحنفية- فيما نقله العلامة الكمال ابن أبي شريف، فاختار أن السبع مشهورة.
وأقول: لعله أراد بالمشهور المتواتر، لا المشهور الاصطلاحي، فحينئذ لا يخالف ما اتفق عليه العلماء.
стр. 1092
ونقل السروجي في باب الصوم من كتاب (الغاية شرح الهداية) عن المعتزلة: أنها آحاد، وعن جميع أهل السنة: أنها متواترة.
وقال الشيخ علي القاري الحنفي في شرح الشاطبية: وأما ما فوق السبعة من العشر- وهي الثلاثة- فعامة علماء الحنفية، وجمهور الفقهاء، والشافعية على أنها شاذة، وهو المروي عن الرافعي، والنووي، خلافا لبعض المتأخرين منهم كابن الجزري، والسبكي.
وأما ما فوق العشر، فاتفقوا على أنها شاذة، تحرم قراءة، وتجوز رواية.
وأقول: الحق أن الثلاثة متواترة كالسبعة، إذ قد ثبت عن أهل العلم بالقراءة- الثقاة- أنها لا تخالف السبعة إلا في مواضع معلومة، فكأنها السبعة بعينها، والله أعلم.
стр. 1093
فإن قلت: الأسانيد إلى الأئمة السبعة، وأسانيدهم إلى النبي ﷺ على ما في كتب القراءات- آحاد لا تبلغ عدد التواتر، فمن أين جاء التواتر؟ أجيب: بأن انحصار الأسانيد المذكورة في طائفة لا يمنع مجيء القراءات عن غيرهم، وإنما نسبت القراءات إلى الأئمة ومن ذكر في أسانيدهم، والأسانيد إليهم، لتصديهم لضبط الحروف، وحفظ شيوخهم فيما ومع كل منهم في طبقته ما يبلغها عدد التواتر، لأن القرآن قد تلقاه من أهل كل بلد- بقراءة إمامهم- الجم الغفير عن مثلهم، وكذلك دائما، مع تلقي الأمة لقراءة كل منهم بالقبول. انتهى.
قال السخاوي: ولا يقدح في تواتر القراءات السبع إذ أسندت من طريق الآحاد، كما لو قلت: أخبرني فلان، عن فلان، أنه رأى مدينة سمرقند، وقد علم وجودها بطريق التواتر، فلم يقدح ذلك فيما سبق من العلم بها، فقراءة السبع كلها متواترة.
وقد اتفق على أن المكتوب في المصاحف متواتر الكلمات والحروف، فإن نازع في تواتر السبع أحد قلنا له: ما تقول في قراءة ابن كثير- مثلا- في سورة (التوبة): ﴿تجرى من تحتها الأنهار﴾ [التوبة: ١٠٠] بزيادة "من"، وقراءة غيره بإسقاطها؟ فإن قال: متواترة، فهو الغرض، وإن منع تواتر ذلك، فقد خرق الإجماع المنعقد على ثبوتها، أو باهت فيما هو معلوم منهما، وإن قال بتواتر بعض دون بعض، تحكم فيما ليس له، لأن ثبوتها في الرتبة سواء، فلزم التواتر في قراءة السبعة. انتهى.
ثم إن التواتر المذكور شامل للأصول الفرش، هذا هو الذي عليه المحققون.
стр. 1094
وأما قول ابن الحاجب: القراءات السبع متواترة فيما ليس من قبيل الأداء، كالمد، والإمالة، [وتخفيف الهمزة]، ونحوه، فإن غير/ متواتر. فيه على أصله، هل يقتصر فيه على قدر ألف ونصف؟ كما قدر به مد الكسائي، أو كما قدر مد ورش وحمزة.
وكل هذه الهيئات غير متواترة عند ابن الحاجب.
وقال ابن الجزري- متعقبا لابن الحاجب: أما المد فأطلقه، وهو لا يخلو: اما أن يكون طبيعيا أو عرضيا.
والطبيعي: هو الذي لا تقوم ذات حرف المد دونه، كالألف من "قال"، والواو من "يقول"، والياء من "قيل"، وهذا لا يقول أحد بعدم تواتره، إذ لا تمكن القراءة بدونه.
والمد العرضي: هو الذي يعرض زيادة على الطبيعي لموجب، إما سكون أو همزة.
فاما: السكون فقد يكون لازما، كما في فواتح السور، وقد يكون مشددا، نحو: ﴿الم (١)﴾ [البقرة: ١]، و ﴿ن﴾ [القلم: ١]، و ﴿ولا الضالين﴾ [الفاتحة: ٧]، فلهذا يلحق بالطبيعي، فلا يجوز فيه القصر، لأن المد
стр. 1095
قام مقام حرف توصلا للنطق بالساكن
وأما الهمز فعلى قسمين:
الأول: منفصل، واختلفوا في مده وقصره، وأكثرهم على المد عدم تواتر المد فيه ترجيحا من غير مرجح، ولو قيل بالعكس لكان أظهر شبهة، لأن أكثر القراء على المد.
الثاني: متصل وقد أجمع القراء على مده سلفا وخلفا، لا اختلاف بينهم في ذلك، إلا ما روي عن بعض من لا يعول عليه بطريق شاذ، حتى إن الإمام الهذلي الذي رحل إلى المشرق والمغرب، وأخذ القراءة عن ثلاثمائة شيخ وخمسة وستين شيخا. قال: دخلت من آخر المغرب إلى فرغانة يمينا وشمالا، جبلا وبحرا- قال في كتابه "الكامل" الذي جمع فيه بين الصحيح، والشاذ، والمشهور، والمنكر- في باب المد: لم يختلف في هذا الفصل في مدود، وإذا كان كذلك
стр. 1096
فكيف يجسر على ما أجمع عليه، فيقال فيه: إنه غير متواتر؟
فهذه أقسام المد العرضي، أيضا، متواترة، لا يشك في ذلك إلا من لا علم له بهذا الشأن.
ويرحم الله إمام دار الهجرة مالك بن أنس، فقد روى عنه الهذلي: أنه سأل نافعا عن البسملة، فقال: السنة الجهر بها، فسلم إليه، وقال: كل علم يسأل عنه أهله.
فكيف يكون المد غير متواتر، وقد أجمع الناس عليه سلفا وخلفا.
ثم قال: فإن قلت: قد وجدنا للقراءة في بعض الكتب- كالتيسير- فيما مد للهمز مراتب إشباعا، وتوسطا، وفوقه، ودونه، وهذا لا ينضبط، إذ المد لا حد له، وما لا ينضبط كيف يكون متواترا؟
فالجواب: نحن لا ندعي أن مراتبهم متواترة، وإن كان قد ادعاه طائفة من القراء الأصوليين، بل نقول: إن المد العرضي من حيث هو متواتر، مقطوع به، قرأ به النبي ﷺ ، فلا أقل من أن نقول: القدر المشترك متواتر، وأما ما زاد عن القدر المشترك لعاصم، وحمزة، وورش، فهو وإن لم يكن متواترا فصحيح مستفاض متلقى بالقبول، ومن ادعى تواتر الزائد
على القدر المشترك فليبين.
стр. 1097
وأما الأصالة: فهي وضدها لغتان فاشيتان من الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن، مكتوبتان في المصاحف، متواترتان.
وهل يقول أحد في لغة أجمع الصحابة والمسلمون على كتابتها في المصاحف: إنها من قبيل الأداء؟
قال الهذلي في كامله: الإمالة والتفخيم لغتان، ليست أحدهما أقدم من الأخرى، بل نزل القرآن بهما جميعا .. إلى أن قال: / وبالجملة، فمن قال إن الله- تعالى- لم ينزل القرآن بالإمالة أخطأ، وأعظم الفرية على الله، وظن بالصحابة خلاف ما هم عليه من الورع والتقى. انتهى.
وهو يشير إلى كونهم كتبوا الإمالة في المصاحف- نحو: ﴿يحي﴾ [آل عمران: ٣٩]، و ﴿عيسى﴾
[البقرة: ١٢٠]، و ﴿سعى﴾ [البقرة: ١١٤]، و ﴿يغشى﴾ [آل عمران: ١٥٤]، و ﴿يغشها﴾ [الشمس: ٤]، و ﴿سواها﴾ [الشمس: ٧]، و ﴿جلها﴾ [الشمس: ٣]، و ﴿ءاتكم﴾ [المائدة: ٢٠] بالياء- على لغة الإمالة، وكتبوا مواضع تشبه هذه على لغة الفتح، منها قوله- تعالى- في سورة [إبراهيم]: ﴿ومن عصانى﴾ [إبارهيم: ٣٦] بالألف.
وفي "الكامل" للهذلي، أيضا: وروى صفوان بن عسال أنه سمع رسول الله ﷺ يقرأ: ﴿ييحي خذ الكتاب بقوة﴾ [مريم: ١٢] فقيل: يا رسول الله، تميل، وليس هي لغة قريش؟ قال: "هي لغة الأحوال- يعني بني سعد"
стр. 1098
وقال عاصم: أقرأني أبو عبد الرحمن بن حبيب معلم الحسن والحسين: أقرأني علي بن أبي طالب- كرم الله وجهه ورضي عنه: ﴿رءا كوكبا﴾ [الأنعام: ٧٦] بالإمالة.
وقد اجمعت الأمة من لدن رسول الله ﷺ إلى يومنا هذا على الأخذ والقراءة والإقراء بالإمالة والتفخيم.
وأما تخفيف الهمز ونحوه، من الإدغام وترقيق [الراءات] فمتواتر قطعا، معلوم أنه منزل من الأحرف السبعة، ومن لغات العرب الذي لا يحسنون غيره، وكيف يكون [ذلك غير] متواتر؟ وقد أجمع القراء على الإدغام في/ نحو: ﴿فلما أثقلت دعوا الله﴾ [الأعراف: ١٨٩]، و ﴿ما لك لا تأمنا﴾ [يوسف: ١١]. وعلى تخفيف الهمز في نحو: ﴿ءالذكرين﴾ [الأنعام: ١٤٣]، ﴿ءالله﴾ [يونس: ٥٩]
في الاستفهام. وعلى النقل: ﴿لكنا هو الله ربى﴾ [الكهف: ٣٨]. وعلى الترقيق في نحو: ﴿فرعون﴾ [البقرة: ٤٩]، و ﴿مرية﴾ [هود: ١٧]. وعلى التفخيم في اللامات من اسم الجلالة بعد فتح أو ضم، فكيف يكون ما أجمع عليه القراء، أمما بعد أمم، غير متواتر، [وإذا كان المد وتخفيف الهمز والإدغام غير متواتر على الإطلاق، فما الذي يكون متواترا؟ أقصر ﴿الم (١)﴾ [البقرة: ١] و ﴿دابة﴾ [البقرة: ١٦٤] و ﴿أولئك﴾ [البقرة: ١٦] [الذي] لم يقرأ
стр. 1099
[به] أحد من الناس؟ أم [تخفيف] همز ﴿ءالذكرين﴾ [الأنعام: ١٤٣]،
﴿ءالله﴾ [يونس: ٥٩]؟ الذي أجمع الناس على أنه لا يجوز، وأنه [لحن. أم إظهار]
﴿مدكر﴾ [القمر: ١٥] الذي أجمع الصحابة والمسلمون على كتابته وتلاوته بالإدغام؟ فليت شعري، من الذي تقدم هذا القائل بهذا القول فاقتفى أثره.
والتظاهر أنه لما سمع الناس يقولون: التواتر فيما ليس من قبيل الأداء، ظن أن المد، والإمالة وتخفيف الهمزة ونحوه، من قبيل الأداء، فقال ذلك، وإلا فلو فكر فيه لما أقدم [عليه]
ولو وقف على كلام ٠ إمام] الأصوليين أبي بكر بن الطيب الباقلاني في الانتصار، حيث قال: جميع ما قرأ به قرأ الأمصار كما اشتهر عنهم، واستفاض نقله، ولم يدخل في حكم الشذوذ، من همز، وإدغام، ومد، وتشديد، وحذف، وإمالة،
стр. 1100
أو ترك ذلك كله، أو شيئا منه، أو تقديم، أو تأخير، فإنه- كله- منزل من عند الله تعالى، ومما وقف الرسول ﷺ على صحته، وخير بينه وبين غيره، وصوب جميع القراءة به.
قال: ولو سوغنا لبعض القراء إمالة ما لم يمله الرسول- ﵊ والصحابة، أو غير ذلك، لسوغنا لهم مخالفة جميع قراءة الرسول ﷺ . انتهى.
وليس ما مثل به ابن الحاجب من قبيل الأداء.
وإذا ثبت أن شيئا من القراءات من قبيل الأداء لم يكن متواترا عن النبي ﷺ كتقسيم وقف حمزة وهشام على الهمز، وانواع تسهيله، فإنه وإن تواتر بتخفيف الهمزة في الوقف عن الرسول الله ﷺ فلم يتواتر أنه وقف على موضع بخمسين وجها/ [و] لابعشرين، ولا بنحو ذلك، وإنما إن صح شيء منها فوجه، والباقي لا شك أنه من قبيل الأداء، كالمد والإمالة، لما قال في جمع الجوامع: والسبع متواتر، قيل: فيما ليس من قبيل الأداء، كالمد، والإمالة، وتخفيف الهمزة ونحوه، وسئل عن زيادته على ابن الحاجب، قيل: المقتضية لاختيار إنما هو من قبيل الأداء، كالمد والإمالة. إلى آخره متواتر، فأجاب في كتابه منع الموانع: بأن السبع متواترة، والمد متواتر، والإمالة متواترة، وكل هذا بين لا شك فيه.
стр. 1101
وقوله ابن الحاجب- فيما ليس م قبيل الأداء- صحيح لو تجرد عن قوله: ﴿كالمد والإمالة﴾، لكن تمثيله بهما أوجب فساده كما سنوضحه بعد، فلذا قلنا: قيل ليتبين أن القول: بأن المد، والإمالة، والتخفيف غير متواتر [ضعيف عندنا]، ثم قال: ومن السبع المتواتر مطلق المد، والإمالة، وتخفيف الهمز بلا شك. انتهى ملخصا من كتاب "المنجد" مع زيادة.
وقال الجعبري: لما تعقب قول السخاوي: بأن مراتب المد الأربع لا تتحقق، ولا يمكن الإتيان بها كل مرة على قدر السابقة ... إلى آخره، ومثل هذا القول، طرق ابن الحاجب، ونحوه إلى أن قال: ما يتوقف على الأداء كالمد، والإمالة، وتخفيف الهمز غير متواتر، وليس كذلك، بل تحقق كل شيء بحسبه. انتهى.
تنبيه:
قال أبو شامة: ظن قوم أن القراءات السبع الموجودة الآن هي التي أريدت في الحديث ، وهو خلاف إجماع أهل العلم قاطبة، وإنما يظن ذلك بعض أهل الجهل، فقال أبو العباس بن عمار: لقد فعل مشيع هذه السبعة ما لا ينبغي له، وأشكل الأمر على العامة بإيهامه كل من قل نظره أن
стр. 1102
هذه القراءات هي المذكورة في الخبر، وليته إذ اقتصر نقص عن السبعة أو زاد ليزيل الشبهة.
ووقع له، أيضا، في اقتصاره عن كل إمام على راويين أنه صار من سمع قراءة راو ثالث غيرهما أبطلها، وهي أشهر وأصح وأظهر، وربما بالغ من لم يفهم فخطأ أو كفر.
وقال أبو حيان: ليس في كتاب ابن مجاهد، ومن تبعه من القراءات المشهورة إلا النزر اليسير، فلهذا أبو عمرو بن العلاء اشتهر عنه سبعة عشر روايا، ثم ساق أسماءهم، واقتصر في كتاب ابن مجاهد على اليزيدي، واشتهر على اليزيدي عشرة أنفس، فكيف يقتصر على السوسي، والدوري، وليس لهما مزية على غيرهما، لأن الجميع مشتركون في الضبط والإتقان، والاشتراك في الاخذ، قال: ولا اعرف لهذا سببا إلا ما قضى من نقص العلم.
وقال مكي: من ظن قراءة هؤلاء القراء، كنافع وعاصم، هي الأحرف السبعة التي في الحديث فقد غلط غلطا عظيما.
قال: ويلزم من هذا أن ما خرج عن قراءة هؤلاء السبعة مما ثبت عن الأئمة غيرهم، ووافق خط المصحف، أن لا يكون قرآنا، هذا غلط عظيم، فإن الذين صنفوا القراءات من الأئمة المتقدمين كأبي عبيد القاسم بن
стр. 1103
سلام، وأبي حاتم السجستاني، وأبي جعفر الطبري، وإسماعيل القاضي، قد ذكروا أضعاف هؤلاء، وكان الناس- على رأس المئتين- بالبصرة على قراءة أبي عمرو، ويعقوب، وبالكوفة على قراءة حمزة، وعاصم، وبالشام على قراءة ابن عامر، وبمكة على قراءة ابن كثير، وبالمدينة على قراءة نافع، واستمروا على ذلك، فلما كان على رأس الثلاثمائة أثبت ابن مجاهد اسم الكسائي، وحذف يعقوب.
قال: والسبب في الاقتصار على السبعة/ مع أن في أئمة القراءة من هو أجل منهم قدرا ومثلهم أكثر من عددهم: أن الرواة عن الأئمة كانوا كثيرا جدا، فلما تقاصرت الهمم اقتصروا- بما يوافق خط المصحف على ما يسهل حفظه، وتنضبط القراءة/ به، فنظروا إلى [إمام] اشتهر بالثقة، والأمانة، [و] طول العمر في ملازمة القراءة والإتقان- على الأخذ عنه، فأفردوا من كل مصر إماما واحدا، ولم يتركوا مع ذلك نقل ما كان عليه الأئمة- غير هؤلاء- من القراء، ولا القراءة به، كقراءة يعقوب وأبي جعفر وشيبة وغيرهم.
قال: وقد صنف ابن جبير المكي مثل ابن مجاهد كتابا في
стр. 1104
القراءات، فاقتصر على خمسة، فاختار من كل مصر إماما، وإنما اقتصر على ذلك، لأن المصاحف التي أرسلها عثمان -رضي الله تعالى عنه- كانت خمسا إلى هذه الأمصار.
ويقال أنه وجه بسبعة: هذه الخمسة، ومصحف إلى اليمن ومصحف إلى البحرين، لكن لم يسمع لهذين المصحفين خبر.
وأراد ابن مجاهد وغيره مراعاة عدد المصاحف، واستبدلوا من غير البحرين واليمن قارئين كمل بهما العدد، فصادف ذلك موافقة العدد الذي ورد الخبر به، فوقع ذلك لمن يعرف أصل المسألة، ومن لم تكن له فطنة أن المراد بالأحرف السبعة القراءات السبع. والأصل المعتمد عليه، صحة السند في السماع، واستقامة الوجه في العربية، وموافقة الرسم.
وأصبح القراءات سندا نافع، وعاصم، وأفصحها أبو عمرو، والكسائي. انتهى.
وقال القزاز في "الشافي": التمسك بقول سبع من القراء دون غيرهم ليس فيه أثر ولا سند، وإنما هو من جمع بعض المتأخرين، فانتشر وأوهم أنه لا تجوز الزيادة على ذلك، ولم يقل به أحد.
وقال الكواشي: كلما صح سنده واستقام وجهه في العربية، ووافق خط مصحف الإمام، فهو من السبعة المنصوصة، ومتى فقد شرط من الثلاثة فهو الشاذ.
وقد اشتد إنكار أئمة هذا الشأن على من ظن انحصار القراءات المشهورة في مثل ما في "التيسير" و "الشاطبية". انتهى، وبالله التوفيق.
стр. 1105
النوع الثالث والستون
علم حكمة الاختلاف
في القراءة
стр. 1106
النوع الثالث والستون
علم حكمة الاختلاف في القراءة
ولم يذكر هذا النوع الحافظ السيوطي- رحمه الله تعالى - في "الإتقان".
قد تقدم في معرفة حديث: "أنزل القرآن على سبعة أحرف" أن المقصود: التيسير والتخفيف على الأمة في القرآن، ومن هذه السبعة الأحرف نشأت القراءات الصحيحة على [أقسامها]، واختلفت القراءات الصحيحة.
قال الحافظ ابن الجزري في النشر: وأما حقيقة اختلاف هذه السبعة الأحرف المنصوص عليه من النبي ﷺ وفائدته، فإن اختلاف المشار إليه في ذلك اختلاف تنوع وتغاير، لا اختلاف تضاد وتناقض، فإن هذا محال أن يكون في كلام الله تعالى ﴿أفلا يتدبرون القرءان ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه أختلفا كثيرا﴾ [النساء: ٨٢]
стр. 1107
وقد تدبرنا اختلاف القراءات فوجدناه لا يخلو من ثلاثة أحوال: أحدها: اختلاف اللفظ والمعنى واحد.
الثاني: اختلافهما جميعا مع جواز اجتماعهما في شيء واحد.
الثالث: اختلافهما جميعا مع امتناع جواز اجتماعهما في شيء واحد،
فأما الأول: فكالاختلاف في ﴿الصراط﴾ [الفاتحة: ٦] و ﴿عليهم﴾ [الفاتحة: ٧]، و ﴿يؤده﴾ [آل عمران: ٧٥]، و ﴿القدس﴾ [البقرة: ٨٧]،
стр. 1108
و ﴿يحسب﴾ [الهمزة: ٣]، ونحو ذلك مما يطلق عليه أنه لغات فقط.
وأما الثاني: فنحو: ﴿ملك﴾ في (الفاتحة)، لأن المراد في القراءتين هو الله تعالى لأنه مالك يوم الدين و [ملكة].
وكذا: "يكذبون" ﴿يكذبون﴾ [البقرة: ١٠]، لأن المراد بهما هم المنافقون، لأنهم يكذبون بالنبي ﷺ ويكذبون في أخبارهم.
وكذا: ﴿كيف ننشزها﴾ [البقرة: ٢٥٩] بالراء والزاي، لأن المراد بهما هي العظام، وذلك أن الله- تعالى- نشرها: أي أحياها، وأنشزها: أي رفع بعضها إلى بعض حتى التأمت، فضم الله المعنيين في القراءتين.
وأما الثالث: فنحو: ﴿وظنوا أنهم قد كذبوا﴾ [يوسف: ١١٠] بالتشديد والتخفيف، وكذا: ﴿وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال﴾ [إبراهيم: ٤٦]
стр. 1109
بفتح اللام الأولى ورفع الأخرى، وبكسر الأولى وفتح الثانية.
وكذا: ﴿للذين هاجروا من بعد ما فتنوا﴾ [النحل: ١١٠]، و "فتنوا" بالتسمية والتجهيل، وكذا: ﴿قال لقد علمت﴾ [الإسراء: ١٠٢] بضم التاء وفتحها، وكذلك ما قرئ شاذا: "وهو يطعم ولا يطعم" [الأنعام: ١٤] عكس القراءة المشهورة، وكذلك "يطعم ويطعم" على التسمية فيهما، فإن ذلك كله، وإن اختلف لفظا ومعنى وامتنع اجتماعه في شيء واحد، فإنه يجتمع من وجه آخر يمتنع فيه التضاد والتناقض.
فأما وجه تشديد "كذبوا" فالمعنى: وتيقن الرسل أن قومهم قد كذبوهم. ووجه التخفيف أي: وتوهم المرسل إليهم أن الرسل قد كذبوهم فيما أخبروهم. فالظن في الأولى تيقن، والضمير الأول للرسل، والثاني للمرسل إليهم، والظن في القراءة الثانية شك، والضمير الأول للمرسل
стр. 1110
إليهم، والثاني للرسل
وأما وجه فتح اللام الأولى ورفع الثانية من "لتزول" [إبراهيم: ٤٦] أن يكون "أن" مخففة من الثقيلة، أي: وإن كان مكرهم من الشدة بحيث تقتلع منه الجبال الراسيات من مواضعها، وفي القراءة الثانية "إن" نافية، أي: ما كان مكرهم وإن تعاظم وتفاقم ليزول منه أمر محمد ﷺ ودين الإسلام، ففي الأول [تكون] الجبال حقيقة، وفي الثاني، مجازا.
وأما وجه ﴿من بعد ما فتنوا﴾ [النحل: ١١٠] على التجهيل: أن الضمير يعود على الذين هاجروا، وفي التسمية يعود إلى الخاسرين. وأما وجه ضم تاء "علمت" [الإسراء: ١٠٢] فإنه أسند العلم إلى موسى حديثا منه لفرعون، حيث قال: ﴿إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون﴾ [الشعراء: ٢٧]، وقال موسى عنه نفسه: ﴿لقد "علمت" ما انزل هؤلاء إلا رب السموات والأرض بصابر﴾ [الإسراء: ١٠٢]، فأخبر موسى ﵇ عن نفسه بالعلم بذلك، أي: أن العالم بذلك ليس بمجنون، وقراءة فتح التاء: أنه أسند هذا العلم لفرعون، مخاطبة من موسى له بذلك على وجه التقريع لشدة معاندته
стр. 1111
للحق بعد علمه.
وكذلك وجه قراءة/الجماعة: ["يطعم" بالتسمية] "ولا يطعم" على التجهيل: أن الضمير في "وهو" يعود إلى الله تعالى، أي: والله تعالى يرزق الخلق، ولا يرزقه أحد. [والضمير في عكس هذه القراءة يعود إلى الولي، أي: والولي المتخذ يرزق ولا يرزقه أحد]. والضمير في القراءة الثالثة إلى الله تعالى، أي: والله يطعم من شاء، لا يطعم من شاء. فليس في شيء من القراءات تناف، ولا تضاد، ولا تناقض، وكلما صح عن النبي ﷺ من ذلك فقد وجب قبوله، ولم يسع أحد من الأمة/ رده، ولزم الإيمان به، وأن كله منزل من عند الله تعالى، إذ كل قراءة منها مع الأخرى بمنزلة الآية [مع الآية]، يجب الإيمان بها كلها، واتباع ما [تضمنته] من المعنى علما وعملا، ولا يجوز ترك موجب إحديهما لأجل الأخرى ظنا أن ذلك تعارض، وإلى ذلك أشار عبد الله بن مسعود- رضي الله تعالى عنه- بقوله: ولا تختلفون في القرآن، ولا تتنازعون فيه، فإنه لا يختلف ولا يتساقط، ألا ترون أن شريعة الإسلام فيه واحدة، حدودها وقراءتها؟ وأمر الله فيها [واحد]، ولو كان من الحرفين حرف يأمر بشيء
стр. 1112
[ينهى عنه الآخر] كان ذلك الاختلاف، ولكنه جامع ذلك كله، ومن قرأ على قراءة فلا يدعها رغبة عنها، فإنه من كفر بحرف منه كفر به كله.
قلت: إلى ذلك أشار النبي ﷺ حيث قال [لأحد المختلفين: "أحسنت"]، وفي الحديث الآخر: "أصبت"، وفي الآخر: "هكذا أنزلت"، فصوب النبي ﷺ قراءة كل المختلفين، وقطع [بأنها] كذلك أنزلت ن عند الله تعالى، وبهذا افترق اختلاف القراء من اختلاف الفقهاء فإن اختلاف [القراء كل حق وصواب نزل من عند الله، وهو كلامه لا شك
стр. 1113
فيه، واختلاف] الفقهاء اختلاف اجتهادي، والحق في نفس الأمر فيه واحد، فكل مذهب بالنسبة إلى الآخر صواب يحتمل الخطأ، وكل قراءة بالنسبة إلى الأخرى حق وصواب في نفس الأمر نقطع بذلك ونؤمن به. ونعتقد: أن معنى إضافة كل حرف من حروف الاختلاف إلى من أضيف إليه من الصحابة وغيرهم، وإنما هو من حيث إنه كان أضبط له، وأكثر قراءة وإقراء به، وملازمة له وميلا إليه غير ذلك، وكذلك إضافة الحروف والقراءات إلى أئمة القراءة ورواتهم، المراد بها: أن ذلك القارئ، وذلك الإمام اختار القراءة بذلك الوجه من اللغة حسبما قرأ به، فآثره على غيره، وداوم عليه، ولزمه حتى اشتهر وعرف به، وقصد فيه، وأخذ عنه، لذلك أضيف إليه دون غيره من القراء، وهذه الإضافة إضافة اختيار ودوام ولزوم لا إضافة اختراع، ورأي، واجتهاد.
وأما فائدة اختلاف القراءات وتنوعها:
فإن في ذلك فوائد غير ما قدمناه، من سبب التهوين، والتسهيل، والتخفيف على الأمة.
ومنها: ما في ذلك من نهاية البلاغة، وكمال الإعجاز، وغاية الاختصار، وكمال الإيجاز، إذ كل قراءة بمنزلة آية، إذ كان تنوع اللفظ بكلمة يقوم مقام آيات، ولو جعلت دلالة كل لفظ آية على حدتها لم يخف ما كان في ذلك من التطويل.
ومنها: ما في ذلك من عظيم البرهان وأوضح الدلالة، إذ هو مع
стр. 1114
كثرة هذا الاختلاف وتنوعه لم يتطرق إليه تضاد، ولا تناقض، ولا تخالف، بل كل يصدق بعضه بعضا، ويبين بعضه بعضا، ويشهد بعضه لبعض على نمط واحد، وأسلوب واحد، وما ذلك إلا آية بالغة، وبرهان صادق على صدق ما جاء به ﷺ .
ومنها: سهولة حفظه، وتيسير نقله على هذه الأمة، إذ هو على هذه الصفة من البلاغة والوجازة، فإنه من يحفظ كلمة ذات أوجه، أسهل عليه، وأقرب إلى فهمه، وأدعى لقبوله من حفظه جملا من الكلام يؤدي معاني تلك القراءات المختلفات، لا سيما فيما كان خطه واحدا، فإن ذلك أسهل حفظا، وأيسر لفظا.
ومنها: إعظام امور هذه الأمة، من حيث إنهم يفرغون جهدهم ليبلغوا قصدهم في تتبع معاني ذلك، واستنباط الحكم والأحكام من دلالة كل لفظ، واستخراج كمين أسراره وخفي إشارته، وإمعانهم النظر، وإمعانهم الكشف عن التوجيه، والتعليل، والترجيح، والتفصيل بقدر ما يبلغ غاية علمهم، ويصل إليه نهاية فهمهم: ﴿فاستجاب لهم ربهم أنى لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى﴾ [آل عمران: ١٩٥]، والأجر على قدر المشقة.
ومنها: بيان فضل هذه الأمة وشرفها على سائر الأمم، من حيث تلقيهم كتاب ربهم هذا التلقي، وإقبالهم عليه هذا الإقبال، والبحث عن لفظه، والكشف عن صنعه، وبيان صوابه، وتحرير تصحيحه، وإتقان تجويده،
стр. 1115
حتى حموه من خلال التحريف، وحفظوه من الطغيان والتطفيف، فلم يهملوا تحريكا، ولا تسكينا، ولا تفخيما، ولا ترقيقا، حتى ضبطوا مقادير المدات، وتفاوت الإمالات، وميزوا بين الحروف بالصفات، مما لم يهتد إليه فكر أمة من الأمم، ولا يوصل إليه إلا بإلهام باري النسم.
ومنها: ما ادخره الله تعالى من المنقبة العظيمة، والنعمة الجليلة الجسيمة لهذه الأمة الشريفة، من إسنادها كتاب ربها، واتصال هذا السبب الإلهي بسببها خصصه الله - جل شأنه - هذه الأمة المحمدية، وإعظاما لقدر هذه الملة الحنيفية، فكل قارئ يوصل حرفه بالنقل إلى أصله، ويرفع ارتياب الملحدين قطعا بوصله، فلو لم يكن من الفوائد إلا هذه الفائدة الجليلة لكفت، ولو لم يكن من الخصائص إلا هذه الخصلة النبيلة لوفت.
ومنها: ظهور سر الله تعالى في توليه حفظ كتابه العزيز، وصيانة كلامه المنزل بأوفى البيان والتمييز، فإن الله تعالى لم يخل عصرا من الأعصار/ ولو في قطر في الأقطار من إمام حجة، قائم بنقل كتاب الله تعالى، وإتقان حروفه ورواياته، وتصحيح وجوهه وقراءته، ليكون وجوده سببا لوجود هذا السبب القويم على ممر الدهور، وبقاؤه دليلا على بقاء القرآن العظيم في المصاحف والصدور.
انتهى منقولا من كتاب النشر للحافظ ابن الجزري - رحمه الله تعالى-.
стр. 1116
النوع الرابع والستون
علم تعريف علم القراءات، وموضوعه، وفائدته
стр. 1117
النوع الرابع والستون
علم تعريف علم القراءات، وموضوعه ، وفائدته
ولم يذكر هذا النوع الحافظ السيوطي- رحمه الله تعالى- في "الإتقان".
هو علم يعرف منه اختلاف الناقلين لكتاب الله تعالي، واتفاقهم في اللغة، والإعراب، والحذف، والإثبات، والتحريك، والإسكان، والفصل، والاتصال، إلى غير ذلك من هيئة النطق.
أو يقال في تعريفه: علم بكيفية أداء كلمات القراءات واختلافها، معزوا إلى ناقليه.
وموضوعه: كلمات القرآن العزيز.
وله فوائد ، منها: صيانة الكتاب العزيز عن التحريف والتغيير.
ومنها: استفادة المعاني بحسب القراءات الكثيرة المفيدة، التي لا تستفاد في قراءة واحدة، وقد سبق في النوع الذي قبل هذا، في علم حكمة الاختلاف في القراءة فوائد ذلك.
стр. 1118
والمقرئ في عرف القراء: هو العالم بما رواه مشافهة، وهكذا مسلسلا، لأن في القراءات أشياء لا يمكن معرفتها إلا بالسماع والمشافهة.
والقارئ المبتدئ عندهم: هو من شرع في إفراد القراءات، إلى أن يفرد ثلاثا من القراءات.
والمنتهي: من يعرف من القراءات أكثرها وأشهرها.
قال الزركشي في "البرهان": القرآن والقراءات حقيقتان متغايرتان، فالقرآن: هو الوحي المنزل على محمد ﷺ للبيان والإعجاز، والقراءات: اختلاف لفظ الوحي المذكور في الحروف وكيفيتها، من تخفيف، وتشديد وغيرهما. انتهي.
ثم علم القراءات ينقسم إلى وسائل ومقاصد:
فأما الوسائل: الإسناد، وعلم العربية، / ومنه: مخارج الحروف، وصفاتها، والوقف والابتداء، والفواصل ، وهي: عدد الآيات، ومرسوم الخط، والاستعاذة، والتكبير.
وأما المقاصد فهي على قسمين:
إما أن يقع البحث عن الكلمة بالنظر إلى ما يغير معناها غالبا، أو لا يغير معناها؛ بل [هيأتها].
والأول: فرش الحروف، والثاني يدخل فيه الإدغام الكبير، والصغير،
стр. 1119
والنون الساكنة، وهاء الكناية، والهمزة، والمد والقصر، والفتح والإمالة، وتفخيم الراءات وترقيقها، وتفخيم اللامات وترقيقها، وما يوقف عليه، و [ياءات] الإضافة، و [ياءات] الزوائد، والله الموفق. انتهي.
стр. 1120
النوع الخامس والستون
علم حقيقة الحروف القرآنية وأعدادها
стр. 1121
النوع الخامس والستون
علم حقيقة الحروف القرآنية وأعدادها
ولم يذكر هذا النوع الحافظ السيوطي ﵀ في "الإتقان".
قال القسطلاني في "الطائف الإشارات في القراءات": الحروف جمع حرف، وهو صوت معتمد على مقطع محقق أو مقدر.
والصوت: هو الحاصل من دفع الرئة الهواء المحتبس بالقوة الدافعة، فيتموج، فيصدم الهواء الساكن، فيحدث الصوت من قرع الهواء بالهواء المندفع من الرئة.
والذي عليه أهل الحق أن الصوت يحدث بمحض خلق الله تعالى من غير تأثير لتموج الهواء والقرع كسائر الحوادث، ويختص الحرف بالإنسان وضعا.
والحروف الأصول تسمى حروف الهجاء والتهجي، وسماها سيبويه،
стр. 1122
والخليل، حرف العربية، أي: حروف اللغة العربية، وهي التي تركب منها الكلام العربي، وتسمى حروف المعجم لأنها مقطعة لا تفهم إلا بإضافة بعضها إلى بعض، أو لأنها ينقط منها ما ينقط، يقال: أعجمت الحروف، ومعناها حروف الخط المعجم، كما تقول: مسجد الجامع، ومنهم من يجعل المعجم مصدرا بمعنى الإعجام، وهو من أعجم الشيء إذا بينه، فكأنها مبينه للكلام، والهمزة في أعجمت على هذا المعنى للإزالة، أي: أزلت عجمته إما بنقطه أو شكله؛ لأنها ما لم تنقط أو [تشكل] كأنها غفل لا يتضح معناها إلا بفكر، وتدبر، وتأمل، فإنه كثيرا ما يلتبس بينها ما كان متماثل الصورة ولا يتميز بعضه إلا بالنقط أو بالشكل، وتسمى هذه الحروف، أيضا، لحروف أبى جاد، وهى تسعة وعشرون حرفا باتفاق البصريين إلا المبرد، فإنه جعل الألف
стр. 1123
همزة محتجا بأن كل حرف موجود في أول اسمه [ألف]، فالألف أولها همزة، ودفع بأنه يلزم منه أن تكون الهمزة هاء لوجود هاء أولها، وبأن أحدهما مبدل من الآخر، والشيء لا يبدل من نفسه. انتهي.
والحروف المذكورة هي حروف المد الثلاثة الآتي ذكرها، ثم الهمزة والهاء، ثم العين والحاء، ثم الغين والخاء، ثم القاف والكاف، ثم الجيم والشين والياء، ثم الضاد، ثم اللام، ثم النون، ثم الراء، ثم الطاء والدال والتاء، ثم الظاء والذال، والثاء، ثم الصاد والسين والزاي، ثم الفاء، ثم الواو والباء والميم.
ولبعض هذه الحروف فروع تستحسن، أي: توجد في كلام الفصحاء واردات في الكتاب "العزيز"، فمنها: الهمزة المسهلة، وهي عند سيبويه حرف واحد نظرا إلى مطلق التسهيل، وعند السيرافي ثلاثة أحرف، نظرا إلى التسهيل بالألف، أو الواو والياء، والنون المخفاة في قول بعضهم،
стр. 1124
وعورض بأنها نون مخففة ليس فيها شائبة حرف آخر، ولم تقع بين مخرجين، وكونها ذات مخرجين - كما يأتي تقديره- لا يلزم [بينيتها] وإلا ورد عليه الواو والياء المتحركتان والمديتان، وفي التسهيل لابن مالك: وغنة مخرجها الخيشوم، وعورض بما عورض به المخفاة. وألف الإمالة المحضة فرع عن/ الألف المنتصبة، والصاد كالزاي فرع عن الصاد الخالصة، كقراءة ﴿الصراط﴾ [الفاتحة: ٦] لحمزة، وعند مكي: ألف كواو فرع عن الألف المنتصبة، وهو محض التفخيم عنده، وذلك كـ ﴿الصلاة﴾ [البقرة: ٣] في قراءة ورش، وعورض بأن ورشا لم يقرأ إلا بتفخيم اللام كما نقل هو وغيره.
وأما قول بعض النحاة: / ولذلك رسمت واوا، فإنه غلط؛ لأنها رسمت لتدل على أصلها بدليل الزكاة. والقاف [كالكاف] فرع عن
стр. 1125
القاف الخالصة، وهى الآن غالبة في لسان من يوجد في البوادي من العرب، حتى لا يكاد عربيا ينطق بها إلا معقودة، أي: كالكاف، حتى توهم بعضهم أن العرب كانوا يقرؤون بها، لكن الظاهر أن القرآن لم يقرأ إلا بالقاف الخالصة، على ما نقله الأثبات متواترا، ولو قرى بالمعقودة لنقل ذلك كما نقل غيره، ولما لم ينقل دل على أنه لم يقرأ بها.
وقد تصير الحروف بفروعها المستحسنة والمستقبحة خمسين حرفا أضربنا عن باقيها خوف الإطالة.
واختلف الناس هل الحرف قبل الحركة؟ أو بالعكس؟ أو لم يسبق أحدهما الآخر؟
فذهب قوم إلى أن الحروف قبل الحركات، مستدلين بأن الحرف يقوم بنفسه غير محتاج إلى الحركة، وهي لا تقوم بنفسها، فلا بدّ من كونها على لحرف، فالحركة محتاجة إليه، وهو غير محتاج إليها، فالحرف أول.
وبأن من الحروف ما لا يدخله حركة، وهو الألف، وليس ثم حركة تستقل بغير حرف، فدل على أن الحرف مقدم على الحركة.
وبأن الحرف يسكن فيخلو من الحركة، ثم يتحرك بعد، فالحركة ثانية، والأول قبل الثاني.
следующие страницы →