Полный текст (4 238 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.
стр. 1191
واللذة، ومنه ﴿لذة للشربين﴾ [محمد: ١٥]. والذلة نحو: ﴿ضربت عليهم الذلة﴾ [البقرة: ٦١]، والانتباذ نحو: ﴿فانبذ إليهم﴾ [الأنفال: ٥٨]، ﴿فنبذنه﴾ [الصافات: ١٤٥]، والذرية نحو: ﴿من ذرية ءادم﴾ [مريم: ٥٨]، ﴿وذريتنا﴾ [الفرقان: ٧٤]. والأذى نحو: ﴿منا ولا أذى﴾ [البقرة: ٢٦٢]، وأما ﴿وأداء إليه بإحسن﴾ [البقرة: ١٧٨] فبالمهملة. وذر: بمعنى الترك نحو: ﴿فذرهم﴾ [الزخرف: ٨٣] بالمعجمة، كالذنب نحو: ﴿ومن يغفر الذنوب﴾ [آل عمران: ١٣٥]، والذنوب بفتح الذال، ومنه: ﴿ذنوبا مثل ذنوب أصحبهم﴾ [٩٥] في الذاريات فقط، ومعناه: النصيب، والدلو الكبير ملآن، والذئب الحيوان الضاري نحو: ﴿فأكله الذئب﴾ [يوسف: ١٧]، والإنقاذ نحو: ﴿ينقذون﴾ [يس: ٢٣]، وذرة نحو: ﴿مثقال ذرة﴾ [النساء: ٤٠]، و ﴿يومئذ﴾ [آل عمران: ١٦٧]، ﴿حينئذ﴾ حيث وقعا، والإذاعة نحو: ﴿أذاعوا به﴾ [النساء: ٨٣]، والاستحواذ نحو: ﴿ألم نستحوذ عليكم﴾ [١٤١] ب (النساء)، ﴿استحوذ عليهم الشيطن﴾ [١٩] ب (المجادلة) فقط، والذبذبة نحو: ﴿مذبذين﴾ [١٤٣] ب ﴿النساء﴾، ﴿والموقوذة﴾ [٣] ب (المائدة)، والذرء: بمعنى الخلق نحو: ﴿ذرأنا﴾ [الأعراف: ١٧٩]، فإن كان بمعنى الدفع نحو: ﴿فادرءتم فيها﴾ [البقرة: ٧٢] فبالمهملة، و ﴿مذموما﴾
стр. 1192
[الإسراء: ٢٢]، و ﴿مذءوما﴾ [١٨] بـ (الأعراف) و (الإسراء) بالمعجمة، كالتبذير نحو: ﴿ولا تبذر﴾ [٢٦]، والأذقان ﴿فهي إلى الأذقان﴾ [يس: ٨]. والذرع نحو: ﴿وضاق بهم ذرعا﴾ [هود: ٧٧]، والذراع نحو: ﴿ذرعها سبعون ذراعا﴾ [الحاقة: ٣٢]، والتذرية نحو: ﴿تذروه الريح﴾ [الكهف: ٤٥]، وذروا نحو: ﴿والذاريات﴾ [الذاريات: ١]، والجذع نحو: ﴿وهزى إليك بجذع النخلة﴾ [مريم: ٢٥]، والقذف نحو: ﴿ويقذفون﴾ [الصافات: ٨]، والذوق نحو: [فذوقوا العذاب﴾ [آل عمران: ١٠٦]. والذهول نحو: ﴿تذهل كل مرضعة﴾ [الحج: ٢]، والذباب نحو: ﴿لن يخلقوا ذبابا﴾ [الحج: ٧٣]، والإذعان نحو: ﴿يأتوا إليه مذعنين﴾ [النور: ٤٩]، والإلواذ نحو: ﴿يتسللون منكم لواذا﴾ [النور: ٦٣]، والخذلان نحو ﴿فتقعد مذموما مخذولا﴾ [الإسراء: ٢٢].
والشرذمة نحو: ﴿لشرذمة قليلون﴾ [الشعراء: ٥٤]، أي: جماعة، والذود بإعجام الأولى وإهمال الثانية، ومنه: ﴿امرأتين تذودان﴾
стр. 1193
[القصص: ٢٣] / أي: تمنعان غنمهما عن الماء انتظارا لخلو شفير البئر. والجذوة: القطعة الغليظة من الحطب فيها نار لا لهب فيها، ومنه: ﴿جذوة من النار﴾ [القصص: ٢٩]، والذمة نحو: ﴿لا يرقبوا فيكم إلا ولا ذمة﴾ [التوبة: ٨]، والحنيذ نحو: ﴿بعجل حنيذ﴾ [هود: ٦٩]، والمجذوذ: المقطوع بمعجمتين نحو: ﴿عطاء غير مجذوذ﴾ [هود: ١٠٨]، ﴿فجعلهم جذاذا﴾ [الأنبياء: ٥٨]، وأما قوله: ﴿جدد﴾ فبالمهملة، ومنه ﴿ومن الجبال جدد﴾ أي: قطه ﴿بيض وحمر﴾ [فاطر: ٢٧]، والإعتذار نحو: ﴿يعتذرون إليكم﴾ [التوبة: ٩٤]، ﴿وجاء المعذرون﴾ [التوبة: ٩٠]، والأراذل نحو: ﴿واتبعك الأرذلون﴾ [الشعراء: ١١١]، والنفاذ بمعنى الإخراق، نحو ﴿فانفذوا لا
стр. 1194
تنفذون إلا بسلطن﴾ [الرحمن: ٣٣]، فإن كان بمعنى الفراغ فالمهملة نحو: ﴿ما عندكم ينفد﴾ [النحل: ٩٦]، و ﴿لنفد البحر﴾ [الكهف: ١٠٩]، كالودق: وهو المطر، وكله بالمهملة.
وأما الثاء المثلة فيحتفظ بالنطق بها [مع] مراعاة صفاتها من غير أنه يحدث فيها جهرا، فتلتبس بالذال فإنهما من مخرج واحد، ويتعين بيانها إذا سكنت قبل مستعل نحو: ﴿أثخنتموهم﴾ [محمد: ٤]، و ﴿إن يثقفوكم﴾ [الممتحنة: ٢] لضعفها وقوة المستعلي، ويتأكد إذا تكررت نحو: ﴿ثالث ثلثة﴾ [المائدة: ٧٣]، وترقق قبل الألف نحو: "ثالثهم" [المائدة: ٧٣]، ﴿وثامنهم﴾ [الكهف: ٢٢]، وتمييز التاء من الثاء متعين، فالمثلثة: الميثاق نحو: ﴿وإذ أخذ الله ميثق النبين﴾ [آل عمران: ٨١]، والوثاق نحو: ﴿فشدوا الوثاق﴾ [محمد: ٤]، والغوث نحو: ﴿إذ تستغيثون ربكم﴾ [الأنفال: ٩]، والغيث نحو: ﴿وينزل الغيث﴾ [لقمان: ٣٤]، والفرث ﴿من بين فرث﴾ [النحل: ٦٦]، والإناث نحو: ﴿يهب لمن يشاء إنثا﴾ [الشورى: ٤٩]، ﴿والأنثى﴾ [البقرة: ١٧٨]، و ﴿الأنثيين﴾ [النساء: ١١]، والأثقال نحو: ﴿وأثقالا﴾ [العنكبوت: ١٣]، والأنكاث نحو: ﴿فمن نكث﴾ [الفتح: ١٠]، والمثقال نحو: ﴿وإن كان مثقال حبة من
стр. 1195
خردل﴾ [الأنبياء: ٤٧]، والمكث نحو: ﴿فمكث غير بعيد﴾ [النمل: ٢٢]، والغثاء نحو: ﴿فجعله غثاء أحوى﴾ [الأعلى: ٥]، والإيثار نحو: ﴿ءاثرك الله علينا﴾ [يوسف: ٩١]، والأثر ﴿إلى ءاثر رحمت الله﴾ [الروم: ٥٠]، وثم بضم الثاء للعطف نحو: ﴿ثم يقال﴾ [المطففين: ١٧]، وثم بفتحها إشارة إلى المكان نحو: ﴿فثم وجه الله﴾ [البقرة: ١١٥]، و ﴿ثم رأيت﴾ [الإنسان: ٢٠]، فإن كانت تماما لعدد نحو: ﴿فتم ميقت ربه﴾ [الأعراف: ١٤٢] فبالمثناة، والثرى بالمثلثة نحو: ﴿وما تحت الثرى﴾ [طه: ٦] كالمثل نحو: ﴿مثل الذين﴾ [البقرة: ٢٦١]، والإثم نحو: ﴿إثم كبير﴾ [البقرة: ٢١٩]، والحديث نحو: ﴿أفمن هذا الحديث﴾ [النجم: ٥٩]، وبعثر نحو: ﴿وإذا القبور بعثرت (٤)﴾ [الإنفطار: ٤]، والانبعاث نحو: ﴿إذ انبعث أشقاها (١٢)﴾ [الشمس: ١٢]، والبعث نحو: ﴿بعثنا عليكم﴾ [الإسراء: ٥]، والخبيثات نحو: ﴿الخبيثت﴾ [النور: ٢٦]، ﴿والذى خبث﴾ [الأعراف: ٥٨]، والبحث نحو: ﴿يبحث في الأرض﴾ [المائدة: ٣١]، والثياب نحو: ﴿ويلبسون ثيابا﴾ [الكهف: ٣١]، والثواب نحو: ﴿ثوابا من عند الله﴾ [آل عمران: ١٩٥]، والنفث ﴿النفثت في العقد﴾ [الفلق: ٤] الأولى مثلثة، والثانية مثناة، والحرث نحو: ﴿ويهلك الحرث والنسل﴾ [البقرة: ٢٠٥]، والإثقاف نحو: ﴿حيث ثقفتموهم﴾ [البقرة: ١٩١]، والرفث نحو: ﴿فلا رفث ولا فسوق﴾ [البقرة: ١٩٧]، و ﴿الكوثر﴾ [الكوثر: ١] سورتها، و ﴿التكاثر﴾ [التكاثر: ١] بتثليث الثانية، والكثير نحو: ﴿واذكروا الله كثيرا﴾ [الجمعة: ١٠]، و ﴿اجتثت﴾ [إبراهيم: ٢٦] بمثلثة مكتنفة بين مثناتين، والأجداث نحو: ﴿الأجداث﴾ [يس: ٥١]، والإثارة ﴿تثير الأرض﴾ [البقرة: ٧١]، ﴿فتثير سحابا﴾ [الروم: ٤٨] بتثليث الثانية، والمثوى نحو: ﴿مثوى المتكبرين﴾ [غافر: ٧٦]، و ﴿جثيا﴾ [مريم: ٦٨]، و ﴿جثمين﴾ [الأعراف: ٧٨] بمثلثة، و ﴿ثلثة﴾ [الكهف: ٢٢] بمثلثتين، ويثرب ﴿يأهل يثرب﴾ [١٣] بـ (الأحزاب)
стр. 1196
بمثلثة واحدة، و ﴿لم يطمثهن﴾ [الرحمن: ٥٦]، و ﴿ثيبت﴾ بتثليث الأولى ﴿ثيبت وأبكارا﴾ [٥] بـ (التحريم)، و ﴿يلهث﴾ [الأعراف: ١٧٦]، و ﴿حثيثا﴾ [الأعراف: ٥٤] بمثلثتين، ﴿ولا تعثوا﴾ [هود: ٨٥] [بتثليث الثانية. وأما ﴿وعتو عتوا﴾ [الفرقان: ٢١] فمثناة فقط، و ﴿عبثا﴾ [المؤمنون: ١١٥] بالمثلثة لـ ﴿وقثائها﴾ [البقرة: ٦١]، و ﴿ثلة﴾ [١٣] في (الواقعة) بتثليث الأولى. و ﴿هباء منثورا﴾ [الفرقان: ٢٣]، ﴿وإذا الكواكب انتثرت (٢)﴾ [الانفطار: ٢] بتثليث الأولى التي قبل الراء، والثبور نحو ﴿لا تدعوا اليوم ثبورا﴾ [الفرقان: ١٤]، و ﴿يا فرعون مثبورا﴾ [الإسراء: ١٠٢]. وأما ﴿تبرنا تتبيرا﴾ [الفرقان: ٣٩] فبالمثناة، والإثخان نحو: ﴿حتى إذا أثخنتموهم﴾ [محمد: ٤] / بالمثلثة، كـ ﴿ثعبان﴾ [الأعراف: ١٠٧]، و ﴿أثرة من علم﴾ [الأحقاف: ٤]، و ﴿كثيبا مهيلا﴾ [المزمل: ١٤]، و ﴿سبعا من المثاني﴾ [الحجر: ٨٧]، والثمر نحو: ﴿من ثمره﴾ [الأنعام: ١٤١]، و ﴿من ثمرت﴾ [فصلت: ٤٧]، و ﴿لا تثريب﴾ [يوسف: ٩٢] بتثليث الثانية، كـ ﴿التراث﴾ [الفجر: ١٩]، و ﴿المدثر﴾ [المدثر: ١]، والإعثار نحو: ﴿فإن عثر﴾ [المائدة: ١٠٧]، وأما ﴿غير تتبيب﴾ [هود: ١٠١]، و ﴿تباب﴾ [غافر: ٣٧] فبمثناة فقط، كـ ﴿الأبتر﴾ [غافر: ٣٧] بمعنى المقطوع.
وأما الصاد المهملة فإذا سكنت ووليها دال نحو: ﴿أصدق﴾ [النساء: ٨٧]، أو طاء نحو: ﴿اصطفى﴾ [البقرة: ١٣٢] وجب تخليصها منها، وبيان
стр. 1197
إطباقها واستعلائها لئلا تصير كالزاي عند من لا يجيزه في الأولى، كبيانيها إذا أتى بعدها تاء نحو: ﴿حرصت﴾ [يوسف: ١٠٣] و ﴿حرصتم﴾ [النساء: ١٢٩] لئلا تصير كالسين.
وأما السين المهملة فلولا الهمس الذي فيها لكانت زايا، ولولا الجهر الذي في الزاي لكانت سينا، فبالصفتين تميزت كل واحدة منهما، فإذا أتى بعد السين حرف إطباق نحو: ﴿بسطة﴾ [البقرة: ٢٤٧]، و ﴿مسطورا﴾ [الإسراء: ٥٨]، و ﴿تستطع﴾ [الكهف: ٨٢]، و ﴿أقسط﴾ [البقرة: ٢٨٢] يتعين بيانها برفق وتؤدة لئلا تجذبها قوة الطاء المجاورة لها فتقلبها صادا، فإن سكنت قبل تاء نحو: ﴿نستعين﴾ [الفاتحة: ٥]، و ﴿المستقيم﴾ [الفاتحة: ٦]، و ﴿يستأخرون﴾ [الأعراف: ٣٤]، أو جيم نحو: ﴿مسجد﴾ [الأعراف: ٢٩] لزم بيانها مع تمام تسكينها خوف التباسها بالزاي والجيم وتحريكها، فكثير من القراء يذهبون إلى فصل السين من التاء، فيحركون السين، وطريق السلامة من ذلك إرسال ما في السين من الرخاوة والهمس، وإذا أتى لفظ هو بالسين يشبه آخر هو بالصاد وجب بيان كل، وإلا التبس نحو: ﴿أسروا﴾ [الأنبياء: ٣]، ﴿وأصروا﴾ [نوح: ٧]، [و] ﴿يسحبون﴾ [غافر: ٧١] و ﴿يصحبون﴾ [الأنبياء: ٤٣]، و ﴿قسمنا﴾ [الزخرف: ٣٢] و ﴿قصمنا﴾ [الأنبياء: ١١]، فيتعين بيان الصفير والاستفال.
والزاي إذا سكنت قبل مهموس نحو: ﴿كنزتم﴾ [التوبة: ٣٥] أو مجهور نحو: ﴿وزرك﴾ [الشرح: ٢] وجب بيانها مما بعدها وإشباع لفظها خوفا من أن تصير سينا، خصوصا في الأولى، وكذا إن تكررت نحو: ﴿فعززنا﴾
стр. 1198
[يس: ١٤] لثقل التكرر، وإن وليها ألف نحو: ﴿والزانية﴾ [النور: ٢] تعين ترقيقها.
وأما الفاء فيجب بيانها إذا وليها ميم نحو: ﴿تلقف ما صنعوا﴾ [طه: ٦٩]، أو واو نحو: ﴿ولا تخافي ولا تحزني﴾ [القصص: ٧] كترقيقها قبل ألف نحو: ﴿فأوف﴾ [يوسف: ٨٨]، وبيانها عند تكريرها نحو: ﴿فليستعفف﴾ [النساء: ٦]، و ﴿تعرف﴾ [المطففين: ٢٤] عند من لم يدغم.
وأما الواو فيحتفظ ببيانها إن ضمت نحو: ﴿تفوت﴾ [الملك: ٣]، أو كسرت نحو: ﴿ولكل وجهة﴾ [البقرة: ١٤٨] لئلا يخالطها غيرها ويقصر اللفظ عن حقها، فإن تكررت نحو: ﴿ورى﴾ [الأعراف: ٢٠] تأكد التحفظ بها، فإن لقيت الساكنة واوا نحو: ﴿آمنوا وعملوا﴾ [البقرة: ٢٥] لزم بيان كل منهما مع تمكن الأولى بالمد واللين الطبيعي خوف الإدغام الممتنع اتفاقا، فإن لم تجانس حركة السابق بأن كان فتحة نحو: ﴿اتقوا وآمنوا﴾ [لمائدة: ٩٣] وجب إدغام السابق في لاحقتها اتفاقا، فإن شددت نحو: ﴿لووا﴾ [المنافقون: ٥]، ﴿وأعدو﴾ [الأنفال: ٦٠]، ﴿وأفوض﴾ [غافر: ٤٤] وجب بيان التشديد بقوة من غير تمضغ.
وأما الباء الموحدة ففيها من صفات القوة الجهر والشدة، والجهر: منع الصوت أو النفس أن يجري معها، والشدة: انحصار صوت
стр. 1199
النفس الحرف عند مخرجه بحيث لا يجري، ولا يلزم من الجهر الشدة، ولا من الشدة الجهر لأنه قد يجري النفس مع الحرف، ولا يجري الصوت معه كالكاف والتاء، وقد يجري الصوت ولا يجري النفس كالضاد، ومخرج الفاء والباء متقاربان، فإذا لم توف الباء حقها من الجهر والشدة شابه لفظها لفظ الفاء، وقد يبالغ في المحافظة على شدتها، وتخرج عن حدها، ويقبح لفظها، وإذا وقع بعدها ألف تعين ترقيقها من غير مبالغة تفضي إلى الإمالة، كما يفعله كثير من المغاربة، خصوصا إذا وليها حرف مفخم، نحو: ﴿وبرق﴾ [البقرة: ١٩]، ﴿وبطل﴾ [الأعراف: ١١٨]، فإن وقع بينهما ألف نحو: ﴿وبطل﴾ [الأعراف: ١٣٩]، و ﴿باغ﴾ [البقرة: ١٧٣]، ﴿والأسباط﴾ [البقرة: ١٣٦]، كان التحفظ بترقيقها/ آكد، فإن سكنت وجب ترقيقها وقلقلتها نحو: ﴿ربوة﴾ [المؤمنون: ٥٠]، و ﴿عبرة﴾ [يوسف: ١١١]، ﴿فانصب﴾ [الشرح: ٧] و ﴿الحساب﴾ [البقرة: ٢٠٢] في الوقف، فإن لقيت مثلها نحو: ﴿فاضرب به﴾ [ص: ٤٤] لزم إدغامها فيما يليها، وإن لقيت ميما نحو: ﴿اركب معنا﴾ [هود: ٤٢]، أو فاء نحو: ﴿يغلب فسوف﴾ [النساء: ٧٤] جاز الإدغام [للتقارب و] الإظهار لاختلاف اللفظ، فإن اجتمعا في التحريك نحو: ﴿سببا﴾ [الكهف: ٨٤] تعين بيانهما مع الترقيق، وبالله التوفيق.
وأما الميم فلولا الغنة التي فيها وجريان النفس/ معها لكانت باء، ولما
стр. 1200
[كانتا] أختين أبدلت أحدهما من الأخرى كـ "غيب" و"غيم"، ويتعين ترقيق الميم خصوصا إن جاورها مفخم نحو: ﴿مخمصة﴾ [التوبة: ١٢٠]، و ﴿مرض﴾ [البقرة: ١٠]، و ﴿مريم﴾ [البقرة: ٨٧] و ﴿ما الله﴾ [البقرة: ٧٤] خصوصا إذا كان المجاو لها ألفا نحو: ﴿مالك﴾ [الفاتحة: ٤]، ﴿بما أنزل﴾ [البقرة: ٤]، وكثير من الأعاجم يفخمونه، وهو غير جائز، فإن سكنت قبل باء نحو: ﴿أم بظهر﴾ [الرعد: ٣٣]، ﴿ومن يعتصم بالله﴾ [آل عمران: ١٠١] فبإخفاء الميم مع إظهار الغنة أخذ [الداني] وغيره من أهل التحقيق، وفاقا لابن مجاهد وسائر أهل الأداء بمصر والشام والأندلس، وبإظهارها أخذ مكي القيسي وغيره، وفاقا لأهل الأداء من العراقيين، وصحح في النشر الوجهين إلا أنه قال: [بأولية] الإخفاء للإجماع على إخفائها عند القلب، وعلى إخفائها في مذهب أبي عمرو حالة الإدغام في نحو: ﴿بأعلم بالشكرين﴾ [الأنعام: ٥٣]. انتهى.
стр. 1201
فإن وليها غير ذلك كـ ﴿الحمد لله﴾ [الفاتحة: ٢]، و ﴿أنعمت﴾ [الفاتحة: ٧]، و ﴿هم يوقنون﴾ [البقرة: ٤]، و ﴿لهم عذاب﴾ [البقرة: ٧] تعين إظهارها خصوصا إذا وليها فاء نحو: ﴿هم فيها﴾ [البقرة: ٢٥]، أو واو نحو: ﴿عليهم ولا هم﴾ [البقرة: ٣٨] خوفا ممن إخفائها لقرب المخرجين، فكثيرا ما يلحن في هذه الميم [كثير] من القراء، فأرسل الغنة التي فيها تعينك على تجويد اللفظ بها، والله الموفق والمعين.
وهذا ما لخص من تجويد هذه الحروف بحسب تركيبها، فليقس عليها أشباهها. وإعمال الرياضة، والإدمان، مع المشافهة تحقق ذلك، وعلى الله قصد السبيل، وهو حسبنا ونعم الوكيل. انتهى. منقول من "لطائف الإشارات في القراءات" للشيخ أحمد القسطلاني - رحمه الله تعالى -.
стр. 1202
النوع التاسع والستون
علم تجويد القرآن
стр. 1203
النوع التاسع والستون
علم تجويد القرآن
وهذا النوع لم يفرده الحافظ السيوطي في "الإتقان"، وهو حقيق بالإفراد، وقد ألف الناس في ذلك تآليف كثيرة.
اعلم أن التجويد هو مصدر جود تجويدا إذا أتى بالقراءة مجودة الألفاظ، وهو تقويم حروفها، وإعطاؤها حقها، وتوفيتها واجب مستحقها، من غير إفراط ولا تفريط، ولا تكلف ولا تعسف ولا تخليط، سالمة من تمضيغ اللسان، وتقعير الفم، وتعريج الفك، وتقطيع وتطنين الغنات، وحصرمة المدات، إلى غير ذلك مما
стр. 1204
تنفر عنه الطباع، وتمجه القلوب والأسماع.
ويرحم الله الإمام أبا الحسن السخاوي، فلقد أجاد وأفاد حيث قال:
لا تحسب التجويد مدا مفرطا ... أو مد ما لا مد فيه لوان
[أو] أن تشدد بعد مد همزة ... أو أن تلوك الحرف كالسكران
أو أن تفوه بهمزة متهوعا ... فيفر سامعها من الغثيان
للحرف ميزان فلا تك طاغيا ... فيه ولا تك مخسر الميزان
فتنبه مريد التجويد على اجتناب أمور ربما يتوهم أنها المعول عليها في التجويد، محذرا من ارتكابها، إذ هي [خارجة] عن حد التجويد، منافية له، معدودة من اللحن الجلي والخفي، وهي الإفراط في [مد] حروف
стр. 1205
المد، وهو مجاوزة الحد، وما لا مد فيه كواو ﴿مالك يوم الدين (٤)﴾ [الفاتحة: ٤] وصلا، والمبالغة في تشديد/ الهمزة إذا وقعت بعد حرف المد مبالغة في تحقيقها وبيانها، وتلوك الحروف نحو كلام السكران فإنه لاسترخاء لسانه وأعضائه بسبب السكر تذهب فصاحة كلامه وبيانه.
وقد روي عن نافع - رحمه الله تعالى - أنه قال: قراءتنا قراءة الصحابة، سهل جزل، لا تمضغ ولا تلوك.
والمبالغة في نبر الهمزة وضغط صوتها حتى تصير كصوت المتهوع، وهو المتقيء، فإذا أخرج الحرف من مخرجه وأعطاه حقه من الصفات على وجه العدل من غير إفراط ولا تفريط، فقد وزنه بميزانه، وقد روي عن حمزة إمام المحققين - رحمه الله تعالى - أنه قال لبعض من سمعه يبالغ في الإفراط: أما علمت أنه ما كان فوق الجعودة فهو قطط، وما كان فوق البياض فهو
стр. 1206
برص، وما كان فوق القراءة فليس بقراءة.
فوزن الحرف عسر، ومشافهة الشيخ توضح طريقه، وإدمان الرياضة تصيره طبيعة وسليقة، ولله در العلامة ابن الجزري حين قال: ولا أعلم سببا لبلوغ نهاية الإتقان والتجويد، ووصول غاية التصحيح والتسديد، مثل رياضة الألسن، والتكرار على اللفظ المتلقى من فم المحسن، وما أحسن قول إمام هذا الفن الحافظ أبي عمرو الداني حيث يقول: ليس بين التجويد وتركه إلا رياضة القارئ وتدبره بفكه".
وأنت إذا تأملت ما صح وثبت من عرضه ﷺ القرآن على جبريل ﵇ كل عام مرة، وفي عام وفاته مرتين مع ما روي من قراءته ﷺ على أبي بن كعب: ﴿لم يكن الذين كفروا﴾ السورة [البينة]، وضح ذلك مشروعية القراءة على
стр. 1207
المشايخ، وأخذ الألفاظ عنهم بطريق المشافهة، فهو ﷺ إنما قرأ على أبي بن كعب ليعلمه طريق التلاوة وترتيلها، وعلى أي صفة تكون قراءة القرآن، لكون ذلك سنة في الإقراء والتعليم، وقد وقع الأمر كذلك، فإن الصحابة - الآخذين للقرآن عنه ﷺ عرض بعضهم على بعض، ثم وقع كذلك للتابعين وأتباعهم حتى اتصل الأمر إلينا مسلسلا متواترا، فمن ابتدع واجترأ بما تعلم من الكتب فقد أساء وخالف، وربما وقع في أمر عظيم وخطر جسيم، وأسأل الله العفو والعافية، وسلوك سواء السبيل.
وفي شرح البخاري للبرماوي في معنى مدارسة جبريل للنبي ﷺ : أن معناه تعلم مخارج الحروف وكيفية النطق بها، وكذا قال الكرماني، وعبارته: وفائدة درس جبريل تعليم الرسول تجويد لفظه، وتصحيح إخراج الحروف من مخارجها، وليكون سنة في حق الأمة لتجويد التلامذة على الشيوخ قراءتهم. انتهى.
ولا مرية أنه كما/ يتعبد بفهم معاني القرآن وإقامة حدوده يتعبد بتصحيح ألفاظه وإقامة حروفه على الصفة المتلقاة، العربية التي لا يجوز مخالفتها ولا العدول عنها، فمن أنف عن الأخذ عن أستاذ يوقفه على حقيقة ذلك، مع تماديه على تحريف ألفاظ القرآن، فهو عاص بلا شك، وآثم بلا
стр. 1208
ريب، إذ صيانة جميع حروف القرآن عن التبديل والتحريف واجبة، ولا يقال: إن وجوب التجويد على القارئ مقصور على ما يلزم المكلف قراءته في المفروضات، لأنا نقول: لا رخصة في تغيير لفظ منه، وقد قال تعالى مخاطبا لرسوله ﷺ خصوصا، ولأمته عموما: ﴿ورتل القرآن ترتيلا﴾ [المزمل: ٤]، فلم يقتصر على الأمر بالفعل، حتى أكده بالمصدر اهتماما به وتعظيما له، ليكون عونا على تدبر القرآن وتفهيمه/، وكذلك كان ﷺ يفعل كما نعتت أم سلمة - رضي الله تعالى عنها - قراءته ﷺ فقالت: قراءة مفسرة حرفا حرفا، رواه الترمذي، وقالت عائشة ﵂: كان ﷺ يقرأ السورة حتى تكون أطول من أطول منها.
وقد قسم أهل الأداء القراءة أربعة أقسام: التحقيق، والحدر - بالدال المهملة الساكنة -، والتدوير، والترتيل.
فالتحقيق: المبالغة للشيء على حده من غير زيادة فيه ولا نقص
стр. 1209
منه، وهو إعطاء الحروف حقها، كإشباع المد، وتحقيق الهمزة، وإتمام الحركات، وتفكيك الحروف وهو بيانها، وإخراج بعضها من بعض بالسكت و [الترسل] والتؤدة، عاريا من الإفراط، كتحريك ساكن، وتوليد حرف من حركة، وغيرهما مما لا يجوز.
والحدر: إدراج القراءة وسرعتها، وتخفيفها، بالقصر والبدل، والإدغام الكبير، عاريا عن بتر حروف المد، وذهاب صوت الغنة، واختلاس أكثر الحركات، وعن التفريط إلى غاية لا تصح بها القراءة، ولا توصف بها التلاوة.
والتدوير: التوسط بين المقامين، وهو المختار.
والترتيل: مصدر رتل فلان كلامه: إذا أتبعت بعضه بعضا من غير عجلة.
قال المبرد في قوله تعالى: ﴿ورتل القرءان ترتيلا﴾ [المزمل: ٤]: أصله
стр. 1210
من قولهم: ثغر رتل ورتل بكسر العين وفتحها أنه إذا كان حسن التنضيد، ورتلت الكلام ترتيلا إذا تمهلت فيه، ويقال: ثغر رتل من الثنايا بافتراق قليل، وقوله تعالى: ﴿ترتيلا﴾ تأكيد في إيجاب الأمر، وأنه مما لابد منه للقارئ، وقيل: الترتيل مستحب، ومشروعيته ليست لمجرد التدبر، فإن العجمي الذي لا يفهم معنى القرآن شرع له أيضا؛ لأنه أقرب إلى الاحترام، وأشد تأثيرا في القلب.
وهل الأفضل الترتيل وقلة القراءة أو السرعة وكثرتها ؟
والصحيح؛ بل الصواب أن الترتيل والتدبر مع قلة القراءة أفضل من السرعة مع كثرتها، وعن بعضهم: ثواب قراءة الترتيل والتدبر أجل وأرفع قدرا، وثواب كثرة القراءة أكثر عددا، ومثل ذلك، بأن الأول كمن تصدق بجوهرة عظيمة أو أعتق عبدا قيمته نفيسة جدا، والثاني كمن تصدق بعدد كثير من الدراهم أو أعتق عددا من العبيد قيمتهم رخيصة.
стр. 1211
فالتحقيق: مذهب ورش من غير طريق الأصبهاني عنه وحمزة وقتيبة عن الكسائي، والأعشى عن أبي بكر، وبعض طرق الأسناني عن حفص، وبعض المصريين عن الحلواني عن هشام، وأكثر طرق العراقيين عن الأخفش عن ابن ذكوان، وهو الذي يستحب الأخذ به عن المتعلمين مع مراعاة التحفظ من التجاوز فيه.
والحدر: مذهب من قصر المنفصل كابن كثير، وأبي جعفر، وسائر من قصر [المنفصل] كأبي عمرو، وقالون، والأصبهاني عن ورش، ويعقوب - في الأشهر - عنهم، وكالولي عن حفص.
والتدوير: ورد عن أكثر الأئمة ممن روى مد المنفصل فلم يبلغ فيه إلى الإشباع، وهو مذهب سائر القراء، وهذا هو الغالب على قراءتهم.
والكل يجيز الثلاث.
فإن قلت: ما الفرق بين التحقيق والترتيل؟
стр. 1212
فالجواب: أن التحقيق يكون للرياضة والتعليم والتمرين، والترتيل يكون للتدبر والتفكر، فكل تحقيق ترتيل، وليس كل ترتيل تجقيق.
стр. 1213
النوع السبعون
علم تحسين الصوت بالقراءة
والتغني بالقرآن
стр. 1214
النوع السبعون
علم تحسين الصوت بالقراءة والتغني بالقرآن
/ وهذا النوع لم يذكره الحافظ السيوطي في "الإتقان".
قال البراء: كان النبي ﷺ يقرأ في العشاء ﴿والتين والزيتون﴾ [التين: ١] فما سمعت أحدا أحسن صوتا أو قراءة منه. متفق عليه.
وقد كانت قراءته ﵊ ترتيلا، أو هذرمة ولا عجلة؛ بل قراءة مفسرة حرفا حرفا.
وقد كان يقطع قراءته آية آية، ويمد عند حروف المد، وكان يتغنى
стр. 1215
بقراءته، ويرجع صوته بها أحيانا.
وقد روينا عن ابن مسعود - رضي الله تعالى عنه - موقوفا: "جودوا القرآن، وزينوه بأحسن الأصوات، وأعربوه فإنه عربي، والله [يحب أن يعرب] به".
وفي صحيح ابن خزيمة من حديث زيد بن ثابت ﵁ مرفوعا: "إن الله يحب أن يقرأ القرآن كما أنزل".
وقد كان عبد الله بن مسعود ﵁ ممن أعطي في تجويد القرآن وتحقيقه وترتيله كما أنزل حظا عظيما، والشاهد لذلك قوله ﷺ : "من أحب أن يسمع
стр. 1216
القرآن غضا كما أنزل فليسمع قراءة ابن أم عبد"، يعني ابن مسعود.
وفي البخاري: لما قرأ بكى ﷺ .
وقال أبو عثمان النهدي: صلى بنا ابن مسعود في المغرب فقرأ بـ ﴿قل هو الله أحد (١)﴾، ولوددت أنه قرأ بسورة (البقرة)، من حسن صوته وترتيله.
ومن العجيب ما حكاه في النشر عن الشيخ تقي الدين بن الصائغ/ قال - وكان أستاذا في التجويد -: أنه قرأ يوما في صلاة الصبح: ﴿وتفقد الطير فقال مالي لا أرى الهدهد﴾ [النمل: ٢٠] وكررها، فنزل طائر على رأسه ليسمع قراءته حتى أكملها، فنظروا إليه فإذا هو هدهد. وعن مؤلف "المبهج": أنه أسلم جماعة من اليهود والنصارى من سماع قراءته.
стр. 1217
قال الشيخ القسطلاني: ولا يخفى أن النفوس لها حظ من الأصوات الحسنة، فإذا جليت ألفاظ القرآن العزيز بالأصوات الطيبة [مع] مراعاة قوانين الترتيل على الأسماع تلقتها القلوب، وأقبلت عليها النفوس، وربما أثمر ذلك تدبر آياته، والتفكر في مواضعه، والتبحر في مقاصده، فيحصل له حينئذ الامتثال لأوامره، والانتهاء عن مناهيه، والرغبة في وعده، والرهبة من وعيده، والطمع في ترغيبه، وهذه فائدة مشروعية الإنصات إلى التلاوة في الصلاة وغيرها، وسقوط السورة عن المأموم في الجهرية عند بعضهم، وسقوط كل القراءة عند بعض.
وقال [الشعراني] في "طبقاته": كان الشيخ أمين الدين إمام جامع
стр. 1218
الغمري ﵁ ينزل من بيته يتوضأ ويصلي ما شاء الله أن يصلي، ثم يقصد الكرسي فيقرأ في المصحف قبل الفجر نحو سبعة عشر جزءا سرا، فإذا أذن الصبح قرأ جهرا قراءة تكاد تأخذ القلوب عن أماكنها، فمر نصراني من [مباشري] القلعة يوما في السحر، فرق قلبه فطلع وأسلم على يد الشيخ - رضي الله تعالى عنه - وهو يقرأ على الكرسي، وصار يبكي، وحسن إسلامه، ورأيته يصلي خلفه إلى أن مات. وكان الناس يأتون للصلاة خلفه من بولاق ونواحي الجامع الأزهر في صلاة الصبح، لحسن صوته، وخشوعه، وكثرة بكائه حتى يبكي غالب الناس خلفه.
وقال غيره: كان إذا قرأ الشيخ أمين الدين في المحراب تخر الناس إلى الأرض من الخشوع قهرا عليهم. انتهى.
ومن ثم طلب تحسين الأصوات بالقراءة مع إقامة رسوم تجويدها والوقوف على مرسومها.
وقد كثر/ في القرآن ختم فواصله بحروف المد واللين وإلحاق النون، قيل: وحكمته: وجود التمكين من التطريب بذلك، كما قال بعضهم، وللناس في هذه المسألة قديما وحديثا خلاف طويل، وكل راء رأى بحسب ما فهم
стр. 1219
من المروي في ذلك وأدى إليه اجتهاده.
روينا عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - أن رسول الله ﷺ قال: "لم يأذن الله لشيء ما أذن للنبي ﷺ أن يتغنى بالقرآن". قال سفيان: تفسيره يستغني به، رواهما البخاري، وفي رواية له: "من لم يتغن بالقرآن فليس منا".
وهو في السنن من حديث سعد بن أبي وقاص ﵁ وغيره.
стр. 1220
قال في فتح الباري: قوله في الحديث الأول: لشيء هو بشين معجمة عند الإسماعيلي، وسلم من جميع طرقه، ولغير الإسماعيلي: [لنبي] بنون وموحدة، وقوله: ما أذن [لنبي] كذا للأكثر، وعند أبي ذر: للنبي بزيادة اللام، فإن كانت محفوظة فهي للجنس، ووهم من ظنها للعهد، وتوهم أن المراد نبينا ﷺ ، وقوله: أذن، أي: استمع، وهو بفتحة ثم كسرة في الماضي، وكذا في المضارع، يشترك بين الإطلاق والاستماع، تقول: أذنت آذن، بالمد، فإن أردت الإطلاق فالمصدرية بكسرة ثم سكون، وإن أردت الاستماع فالمصدر بفتحتين، قال القرطبي: أصل الأذن بفتحتين: أن المستمع يميل بأذنه إلى جهة من يسمعه، وهذا المعنى في حق الله تعالى لا يراد به ظاهره، وإنما هو على سبيل التوسع على ما جرى به عرف التخاطب، والمراد به في حق الله تعالى إكرام القارئ، وإجزال ثوابه؛ لأن ذلك ثمرة الإصغاء، وفي رواية مسلم عن أبي سلمة في هذا الحديث: ما أذن لنبي كأذنه، بفتحتين، ومثله عند أحمد وابن ماجه والحاكم وصححه، من
стр. 1221
حديث فضالة بن عبيد: "لله أشد أذنا إلى الرجل الحسن الصوت بالقراءة من صاحب القينة إلى قينته".
وقال ابن الجوزي: اختلفوا في قوله: يتغنى على أربعة أقوال:
أحدها: تحسين الصوت، والثاني: الاستغناء، والثالث: التحزين، قاله الشافعي، والرابع: التشاغل به، تقول العرب: تغنى بالمكان: أقام به.
قال الحافظ ابن حجر: وفيه قول آخر حكاه ابن الأنباري في الزاهر قال: المراد به: التلذذ والاستحلاء له كما يلتذ أهل الطرب بالغناء، فأطلق عليه تغنيا من حيث أنه يفعل عنده ما يفعل عند الغناء.
وفيه قول آخر [حسن]، وهو أن يجعله هجيره كما يجعل
стр. 1222
المسافر هجيره الغناء. قال ابن الأعرابي: كانت العرب إذا ركبت الإبل تتغنى، وإذا جلت في [أفنيتها] تتغنى، فلما أنزل القرآن أحب النبي ﷺ أن يكون هجيره هو القرآن مكان التغني.
قال في "فتح الباري": فأما الذي نقله ابن الجوزي عن الشافعي فلم أره صريحا في تفسير الخبر، إنما قال في "مختصر المزني": وأحب أن يقرأ حدرا أو تحزينا. انتهى.
قال أهل اللغة: حدرت القراءة: أدرجتها ولم أمططها، وقرأ فلان
стр. 1223
تحزينا، إذا رقق صوته وصار كصوت الحزين. وقد روى ابن أبي داود بإسناد حسن، عن أبي هريرة ﵁ أنه قرأ سورة فحزنها شبه الرثا.
وذكر/ الطبري عن الشافعي - رحمه الله تعالى - أنه سئل عن تأويل ابن عيينة بالاستغناء فلم يرتضه، وقال: لو أراد الاستغناء لقال: لم [يستغن]، وإنما أراد تحسين الصوت.
قال ابن بطال: وبذلك فسره ابن أبي مليكة، وعبد الله بن المبارك، والنضر بن شميل، ويؤيده رواية عبد الأعلى، عن معمر، عن ابن شهاب في حديث الباب بلفظ: "ما أذن لنبي في الترنم بالقرآن". أخرجه
стр. 1224
الطبري. وعنده في رواية عبد الرزاق عن معمر: ما أذن لنبي حسن الصوت، وهذا اللفظ/ عند مسلم من رواية محمد بن إبراهيم التيمي عن أبي سلمة، [عن أبي هريرة]، وعند أبي داود [والطحاوي] من رواية عمرو بن دينار عن أبي سلمة، عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه -: حسن الترنم بالقرآن.
قال الطبري: والترنم لا يكون إلا بالصوت إذا حسنه وطربه، قال: ولو كان معناه الاستغناء لما كان لذكر الصوت ولا لذكر الجهر معنى.
وأخرج ابن ماجه، وصححه .......................................................................................
стр. 1225
ابن حبان والحاكم من حديث فضالة بن عبيد مرفوعا: "لله أشد أذنا - أي: استماعا - للرجل الحسن الصوت بالقرآن من صاحب القينة [إلى قينته] "، والقينة: المغنية.
وقال عمر بن [شبة]: ذكرت لأبي عاصم النبيل تفسير ابن عيينة فقال: لم يصنع شيئا، حدثني ابن جريج، عن عطاء، عن عبيد بن عمير قال: كان داود ﵇ ...................................................................................................................
стр. 1226
يتغنى - حين يقرأ - يبكي ويبكي.
وعن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - أن داود ﵇ كان يقرأ الزبر بسبعين لحنا، ويقرأ قراءة يطيب منها المحموم، وكان إذا أراد أن يبكي نفسه لم تبق دابة في بر أو بحر إلا أنصتت له، واستمعت وبكت.
ويروى عنه ﵇ كان إذا قرأ الزبور عكف عليه الطير والوحش والأودام، ويركد الماء، ويسكن الريح، ويحمل من مجلسه جماعة كثيرون أمواتا، من رقة قوله وحسن صوته.
وذهب إلى ما ذهب إليه سفيان أبو عبيد القاسم بن سلام، واستدل بقول الشاعر الأعشى:
стр. 1227
وكنت امرءا زمنا بالعراق ... عفيف المناخ طويل [التغن]
وقول الآخر:
كلانا غني عن أخيه حياته ... ونحن إذا متنا أشد [تغانيا]
واحتج - أيضا - بما روي عن ابن مسعود - رضي الله تعالى عنه -: من قرأ سورة آل عمران فهو غني، أي: مستغن. قال أبو عبيد: لو كان معناه الترجيع لعظمت المحنة علينا بذلك، إذ كان من لم يرجع بالقرآن ليس منه ﷺ .
والحاصل أن في هذا الحديث ستة معان:
الأول: يستغني.
الثاني: تحسين الصوت بالقرآن.
الثالث: قراءته بالحزن.
стр. 1228
الرابع: الإقامة عليه من باب تغنى بالمكان: إذا قام به، قال الله تعالى: ﴿كأن لم تغن الأمس﴾ [يونس: ٢٤]، وقال تعالى: ﴿كأن لم يغنوا فيها﴾ [الأعراف: ٩٢]، أي: لم يقيموا، وقال الأسود الإيادي:
ولقد غنوا فيها بأنعم عيشة في ظل ملك ثابت الأوتاد
الخامس: التلذذ والاستحلاء بالقرآن كما يلتذ ويستحلي أهل الطرب [بالغناء].
السادس: أن يجعله هجيره كما كانت العرب تجعل الغناء هجيرها.
وأحسن المعاني في الحديث أنه بمعنى تحسين الصوت والترجيع بالقراءة.
وأما قوله ﵇: "ليس منا - يعني أنه ليس على أخلاقنا/ ولا على صفاتنا - من لا يتغنى بالقرآن". وقيل: ليس على ملتنا وديننا من لم يتغن بالقرآن، وهو بعيد جدا، إلا أن يحمل على نفي الكمال في الدين والملة، والله أعلم.
وكان بين السلف اختلاف في جواز القراءة بالألحان، أما تحسين الصوت وتقديم حسن الصوت على غيره فلا نزاع فيه. وقد حكى القاضي عبد الوهاب المالكي عن مالك - رحمه الله تعالى - تحريم القراءة بالألحان،
стр. 1229
وحكاه أبو الطيب الطبري، وابن حمدان [الحنبلي] عن جماعة من أهل العلم.
وحكى ابن بطال، والقاضي عياض، والقرطبي من المالكية، والماوردي، والبندنيجي، والغزالي من الشافعية. وصاحب الذخيرة من الحنفية الكراهة، واختاره أبو يعلى ................................................................................................................
стр. 1230
وابن عقيل من الحنابلة. وحكى ابن بطال عن جماعة من الصحابة والتابعين الجواز.
وقال في التتارخانية: الفصل السادس: في التغني بالقرآن والألحان. هذا الفصل على وجهين: إذا كانت الألحان لا تغير الكلمة عن موضعها، ولا يؤدي التغني بها إلى تطويل الحروف التي حصل التغني بها حتى لا يصير الحرف حرفين، بل يحسنه تحسين الصوت وتزيين القراءة، لا يوجب فساد الصلاة، وذلك مستحب، ولأن ذلك منهي عنه، وإنما يجوز إدخال المد في حروف المد واللين، وهي الهوائية والمعتلة، نحو الألف، والواو، والياء. وفي الخانية والألحان في حروف المد واللين لا تغير إلا إذا فحش. وإن قرأ بالألحان في غير الصلاة اختلفوا فيه، وعامة المشايخ كرهوا ذلك، وكرهوا الاستماع، أيضا، لأنه يشبه بالفسقة بما فعلوه في فسقهم.
وكذا الترجيع في الأذان.
следующие страницы →