← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 150960

الزيادة والإحسان في علوم القرآن

محمد عقيلة

Полный текст (4 238 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.

стр. 1226

يتغنى - حين يقرأ - يبكي ويبكي. وعن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - أن داود ﵇ كان يقرأ الزبر بسبعين لحنا، ويقرأ قراءة يطيب منها المحموم، وكان إذا أراد أن يبكي نفسه لم تبق دابة في بر أو بحر إلا أنصتت له، واستمعت وبكت. ويروى عنه ﵇ كان إذا قرأ الزبور عكف عليه الطير والوحش والأودام، ويركد الماء، ويسكن الريح، ويحمل من مجلسه جماعة كثيرون أمواتا، من رقة قوله وحسن صوته. وذهب إلى ما ذهب إليه سفيان أبو عبيد القاسم بن سلام، واستدل بقول الشاعر الأعشى:

стр. 1227

وكنت امرءا زمنا بالعراق ... عفيف المناخ طويل [التغن] وقول الآخر: كلانا غني عن أخيه حياته ... ونحن إذا متنا أشد [تغانيا] واحتج - أيضا - بما روي عن ابن مسعود - رضي الله تعالى عنه -: من قرأ سورة آل عمران فهو غني، أي: مستغن. قال أبو عبيد: لو كان معناه الترجيع لعظمت المحنة علينا بذلك، إذ كان من لم يرجع بالقرآن ليس منه ﷺ . والحاصل أن في هذا الحديث ستة معان: الأول: يستغني. الثاني: تحسين الصوت بالقرآن. الثالث: قراءته بالحزن.

стр. 1228

الرابع: الإقامة عليه من باب تغنى بالمكان: إذا قام به، قال الله تعالى: ﴿كأن لم تغن الأمس﴾ [يونس: ٢٤]، وقال تعالى: ﴿كأن لم يغنوا فيها﴾ [الأعراف: ٩٢]، أي: لم يقيموا، وقال الأسود الإيادي: ولقد غنوا فيها بأنعم عيشة في ظل ملك ثابت الأوتاد الخامس: التلذذ والاستحلاء بالقرآن كما يلتذ ويستحلي أهل الطرب [بالغناء]. السادس: أن يجعله هجيره كما كانت العرب تجعل الغناء هجيرها. وأحسن المعاني في الحديث أنه بمعنى تحسين الصوت والترجيع بالقراءة. وأما قوله ﵇: "ليس منا - يعني أنه ليس على أخلاقنا/ ولا على صفاتنا - من لا يتغنى بالقرآن". وقيل: ليس على ملتنا وديننا من لم يتغن بالقرآن، وهو بعيد جدا، إلا أن يحمل على نفي الكمال في الدين والملة، والله أعلم. وكان بين السلف اختلاف في جواز القراءة بالألحان، أما تحسين الصوت وتقديم حسن الصوت على غيره فلا نزاع فيه. وقد حكى القاضي عبد الوهاب المالكي عن مالك - رحمه الله تعالى - تحريم القراءة بالألحان،

стр. 1229

وحكاه أبو الطيب الطبري، وابن حمدان [الحنبلي] عن جماعة من أهل العلم. وحكى ابن بطال، والقاضي عياض، والقرطبي من المالكية، والماوردي، والبندنيجي، والغزالي من الشافعية. وصاحب الذخيرة من الحنفية الكراهة، واختاره أبو يعلى ................................................................................................................

стр. 1230

وابن عقيل من الحنابلة. وحكى ابن بطال عن جماعة من الصحابة والتابعين الجواز. وقال في التتارخانية: الفصل السادس: في التغني بالقرآن والألحان. هذا الفصل على وجهين: إذا كانت الألحان لا تغير الكلمة عن موضعها، ولا يؤدي التغني بها إلى تطويل الحروف التي حصل التغني بها حتى لا يصير الحرف حرفين، بل يحسنه تحسين الصوت وتزيين القراءة، لا يوجب فساد الصلاة، وذلك مستحب، ولأن ذلك منهي عنه، وإنما يجوز إدخال المد في حروف المد واللين، وهي الهوائية والمعتلة، نحو الألف، والواو، والياء. وفي الخانية والألحان في حروف المد واللين لا تغير إلا إذا فحش. وإن قرأ بالألحان في غير الصلاة اختلفوا فيه، وعامة المشايخ كرهوا ذلك، وكرهوا الاستماع، أيضا، لأنه يشبه بالفسقة بما فعلوه في فسقهم. وكذا الترجيع في الأذان.

стр. 1231

ومراد قوله ﵊: "زينوا القرآن بأصواتكم" القراءة بنغمة العرب، وهو المنصوص للشافعي، ونقله الطحاوي عن الحنفية، وقال الفوراني من الشافعية في [الإبانة]: يجوز؛ بل يستحب. ومحل هذا الخلاف إذا لم يختل شيء من الحروف عن مخرجه، فلو يختل تغير، قال النووي في التبيان: [أجمعوا على تحريمه]، ولفظه: أجمع العلماء على استحباب تحسين الصوت بالقرآن ما لم يخرج عن حد القراءة بالتمطيط فإن خرج حتى زاد حرفا وأخفاه حرم،

стр. 1232

قال: وأما القراءة بالألحان فقد نص الشافعي ﵀ في موضع على كراهتها، وقال في موضع: لا بأس بها، فقال أصحابه: ليس على اختلاف قولين؛ بل على اختلاف [حالين]، فإن لم يخرج بالألحان عن المنهج القويم جاز، وإلا حرم، وقال الغزالي، والبندنيجي، وصاحب الذهيرة من الحنفية: إذا لم يفرط في التمطيط الذي يشوش النظم استحب، وإلا فلا. وقال الرافعي: إن أفرط في المد وفي إشباع الحركات حتى يتولد من الفتحة ألف، أو من الضمة واو، أو من الكسرة ياء، أو يدغم في غير موضعه [كره]، فإن لم ينته إلى هذا الحد فلا كراهة. وقال في زوائد الروضة: والصحيح أن الإفراط على الوجه المذكور حرام، فيفسق به القارئ، ويأثم المستمع لأنه عدل عن نهجه القويم، قال: وهذا مراد الشافعي بالكراهة. وأغرب الرافعي فحكى عن أمالي السرخسي أنه لا يضر التمطيط

стр. 1233

مطلقا، وحكاه ابن حمدان رواية عن الحنابلة، وهذا شذوذ لا يعول عليه. والذي تحصل من الأدلة أن حسن الصوت بالقرآن مطلوب، فإن لم يكن حسنا فليحسنه ما استطاع، كما قال ابن [أبي] مليكة أحد رواة الحديث، وقد أخرج ذلك عنه أبو داود بإسناد صحيح. ومن جملة تحسينه أن تراعى فيه قوانين النغم، فإن الحسن الصوت يزداد حسنا بذلك، وإن خرج عنها أثر ذلك في حسنه، / وغير الحسن ربما انجبر بمراعاتها ما لم يخرج عن شرط الأداء المعتبر عند أهل الفن، فإن خرج عنها لم في تحسين الصوت بقبح/ الأداء، ولعل هذا مستند من كره القراءة بالأنغام؛ لأن الغالب على من راعى الأنغام أن لا يراعي الأداء، فإن وجد من يراعيهما معا فلاشك في أنه أرجح عن غيره؛ لأنه يأتي بالمطلوب من تحسين الصوت، وتجنب الممنوع من محرم الأداء.

стр. 1234

وقد ابتدع قوم في القرآن أصوات الغناء الجامعة للتطريب الذي لا ينفك عن المد في غير موضعه، وزيادته فيه مما لا تجيزه الأئمة، وغير ذلك مما عمت به البلوى. وقيل: وأول ما غني به من القرآن قوله تعالى ﴿أما السفينة فكانت لمسكين يعملون في البحر﴾ [الكهف: ٧٩]، نقلوا ذلك من تغنيتهم بقول الشاعر: أما القطاة فإني سوف أنعتها نعتا يوافق عندي بعض ما فيها وقد قال ﵊ في هؤلاء: "مفتونة قلوبهم وقلوب من يعجبهم شأنهم". تاب الله علينا وهدانا.

стр. 1235

النوع الحادي والسبعون علم كيفية تحمله

стр. 1236

النوع الحادي والسبعون علم كيفية تحمله اعلم - أيدنا الله وإياك - أن حفظ القرآن فرض كفاية على الأمة، صرح به الجرجاني في الشافعي، والعبادي وغيرهما. قال الجويني: والمعنى فيه أن لا ينقطع عدد التواتر فيه فلا يتطرق إليه التبديل والتحريف، فإن قام بذلك قوم يبلغون العدد سقط عن الباقين، وإلا أثم الكل. وتعليمه - أيضا - فرض كفاية، وهو من أفضل القرب، ففي الصحيح "خيركم من تعلم القرآن وعلمه". وأوجه التحمل عند أهل الحديث: السماع من لفظ الشيخ، والقراءة

стр. 1237

عليه، والسماع عليه بقراءة غيره، والمناولة، والإجازة، والمكاتبة، والوصية، والإعلام، والوجادة، فأما غير الأولين فلا ياتي هنا، لما يعلم مما سنذكره. وأما القراءة على الشيخ فهي المستعملة سلفا وخلفا، وأما السماع من لفظ الشيخ فيحتمل أن يقال به هنا؛ لأن الصحابة - رضي الله تعالى عنهم - إنما أخذوا القرآن من في النبي ﷺ لكن لم يأخذ به [أحد] من القراء، والمنع فيه ظاهر؛ لأن المقصود هنا كيفية الأداء، وليس كل من سمع من لفظ الشيخ يقدر على الأداء كهيئته، بخلاف الحديث، فإن المقصود منه المعنى أو اللفظ، لا بالهيئات المعتبرة في أداء القراءات. وأما الصحابة - رضي الله تعالى عنهم - فكانت فصاحتهم وطباعهم السليمة تقتضي قدرتهم على الأداء كما سمعوه من النبي ﷺ لأنه نزل بلغتهم. ومما يدل للقراءة على الشيخ عرض النبي ﷺ القرآن على جبريل ﵇ في رمضان كل عام.

стр. 1238

ويحكى أن الشيخ شمس الدين ابن الجزري لما قدم القاهرة، وازدحمت عليه الخلق لم يتسع وقته لقراءة الجميع، فكان يقرأ عليهم الآية ثم يعيدونها عليه دفعة واحدة، فلم يكتف بقراءته. انتهى. فصل: وينبغي للطالب أن يتأدب مع شيخه ويجله، ويعظمه ، ثم بقدر إجلاله يكون انتفاعه بعلمه، وأن يعتقد أهليته ورجحانه. قال بعضهم: من لم ير خطأ شيخه خيرا من صواب نفسه لم ينتفع به. وكان بعضهم إذا ذهب إلى شيخه تصدق بشيء وقال: اللهم استر عيب معلمي عني، ولا تذهب بركة علمه مني. وينبغي أن يقعد قعدة المتعلمين لا قعدة المعلمين، بأن يجثو على ركبتيه. وليحذر من جعل يده اليسرى خلف ظهره معتمدا عليها، ففي الحديث: "إنها قعدة المغضوب عليهم" رواه أبو داود في "سننه". وينبغي للشيخ أن يقبل بكليته على الطالب عند قراءته عليه، ويصغي إليه من غير لهو بحديث أو غيره مما هو أجنبي/ عن ذلك. وقد اختلف أئمة الحديث فيما إذا كان الشيخ وقت السماع ينسخ، فمنعه أبو إسحاق الإسفراييني، وابن عدي وغيرهما، وألحقوا بالنسخ

стр. 1239

الصلاة، لكن روي أن الدارقطني كان يصلي في حال قراءة القارئ عليه، وربما يشير برد ما يخطئ فيه القارئ، وقال الرافعي في "أماليه": كان شيخنا أبو الحسن الطالقاني ربما قرئ عليه في الحديث وهو يصلي، ويصغي إلى ما يقول القارئ، وينبهه إذا زل - يعني بالإشارة -. انتهى. وقد كان الشيخ سراج الدين أبو حفص عمر بن قاسم الأنصاري كثيرا ما يقرأ عليه القراءات السبع وهو ينسخ، ولا يفوته شيء من دقائق وجوه القراءات إذا أخل، بل ربما يدرك زيادة المد على المرتبة المقررة لمن هي له أو نقصها، فينبهنا على ذلك، أثابه الله تعالى. واختلف هل يلحق بذلك قراءة قارئين فأكثر في آن واحد؟ فيه نظر، وقد قال الذهبي في طبقات القراء: ما أعلم أحدا من المقرئين ترخص في

стр. 1240

إقراء اثنين فصاعدا إلا الشيخ علم الدين السخاوي، وفي النفس من صحة [كمال] الرواية على هذا الفعل شيء، فإن الله تعالى قال: ﴿ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه﴾ [الأحزاب: ٤]. قال: وما هذه في قوة البشر؛ بل قوة الربوبية، قالت عائشة ﵂: سبحان من وسع سمعه الأصوات. انتهى. [ممن] ترجم السخاوي بذلك ابن خلكان، فقال: إنه رآه مرارا راكبا، وحوله اثنان وثلاثة يقرؤون عليه دفعة واحدة، في أماكن من القراءة مختلفة، وهو يرد على الجميع. ونحوه ما حكاه التقي الفاسي في تاريخ مكة عن الشمس

стр. 1241

محمد بن إسماعيل بن يوسف الحلبي أنه كان في بعض الأحايين يقرأ في موضع من القرآن، ويقرا عليه في موضع آخر، ويكتب في موضع آخر فيصيب فيما يقرأه ويكتبه، وفي الرد، بحيث لا يفوته شيء من ذلك، وهذا فيه تساهل وتفريط لمن لا ملكة له. قال القسطلاني: ومقابله في التشديد والإفراط ما بلغني عن شيخ مشايخنا/ الكيلاني أنه كان صعب المذهب فيما يقرأ عليه، بل ربما كرر الآية على الطالب المرة بعد المرة، بل ربما كان عزيز التصريح بالرد، وإنما يشير للطالب عند وقوع الخلل منه، حتى قيل: إن بعضهم أظهر النون قبل الفاء من قوله تعالى: ﴿ما عندكم ينفد﴾ [النحل: ٩٦]، فأشار إليه مرات فلم يفهم، فأقامه وحلف لا يقرئه أياما وأشهر، والأعمال بالنيات. فائدة: الإجازة من الشيخ غير شرط في جواز التصدي للإقراء والإفادة ، فمن

стр. 1242

علم من نفسه الأهلية جاز له ذلك وإن لم يجزه أحد، وعلى ذلك السلف الأولون، والصدر الصالح كذلك في كل علم، وفي الإقراء والإفتاء، خلافا لما يتوهمه الأغبياء من اعتقاد كونها شرطا، وإنما اصطلح الناس على الإجازة؛ لأن أهلية الشخص لا يعلمها غالبا من يريد الأخذ عنه من المبتدئين ونحوهم، لقصور مقامهم عن ذلك. والبحث عن الأهلية قبل الأخذ شرط، فجعلت الإجازة كالشهادة من [الشيخ للمجاز] بالأهلية. فائدة ثانية: ما عتاده كثير من مشايخ القراء من امتناعهم من الإجازة إلا بأخذ مال في مقابلها لا يجوز إجماعا؛ بل إن علم أهليته وجب عليه الإجازة، أو عدمها حرم عليه، وليس الإجازة مما تقابل بالمال، فلا يجوز أخذه عنها، ولا الأجرة عليها، وفي فتاوى الصدر موهوب الجزري: من أنه سئل عن شيخ طلب/ من الطالب شيئا على إجازته، فهل للطالب رفعه إلى الحاكم وإجباره على الإجازة؟ فأجاب: لا تجب الإجازة على الشيخ، ولا يجوز أخذ الأجرة عليها. وسئل -أيضا- عن رجل أجازه الشيخ بالإقراء، ثم بان أنه لا دين له، وخاف الشيخ من تفريطه فهل له النزول عن الإجازة؟ فأجاب: لا تبطل

стр. 1243

الإجازة لكونه غير دين. وأما أخذ الأجرة على التعليم فجائز، ففي البخاري: "إن أحق ما أخذتم عليه أجرا كتاب الله"، وقيل: إن تعين عليه لم يجز، واختاره الحليمي، وقيل: لا يجوز مطلقا، وعليه أبو حنيفة لحديث أبي داود، عن عبادة بن الصامت: أنه علم رجلا من أهل الصفة القرآن فأهدى له قوسا، فقال له النبي ﷺ : "إن سرك أن تطوق بها طوقا من نار فاقبلها". وأجاب من جوز: أن في إسناده مقالا، وبأنه تبرع في تعليمه فلم يستحق شيئا، ثم أهدى على سبيل العوض، فلم يجز له الأخذ، بخلاف من يعقد معه إجارة قبل التعليم. وفي البستان لأبي الليث: التعليم على ثلاثة أوجه: أحدهما: للحسبة، ولا يأخذ به عوضا، والثاني: أن يعلم بالأجرة، والثالث: أن يعلم بغير شرط، فإذا أهدي إليه قبل. فالأول: مأجور، وعليه عمل الأنبياء ﵈، والثاني: مختلف فيه، والأرجح الجواز، والثالث: يجوز إجماعا؛ لأن النبي ﷺ كان معلما للحق،

стр. 1244

وكان يقبل الهدية. فائدة ثالثة: كان ابن بصحان إذا رد على القارئ شيئا فاته فلم يعرفه، كتبه عنده ، فإذا أكمل الختمة وطلب الإجازة سأله عن تلك المواضع، فإن عرفها أجازه، وإلا تركه يجمع ختمة أخرى. فائدة رابعة: يجب على مريد تحقيق القراءات وأحكام تلاوة الحرف أن يحفظ كتابا كاملا يستحضر به اختلاف القراء، وتمييز الخلاف الواجب من الخلاف الجائز . فائدة خامسة: قال ابن الصلاح في فتاويه: قراءة القرآن كرامة أكرم الله -جل شأنه- بها البشر، فقد وردت أن الملائكة لم يعطوا ذلك، وأنها حريصة لذلك على استماعه من الإنس. انتهى.

стр. 1245

النوع الثاني والسبعون علم كيفية الأخذ بالجمع في القراءات

стр. 1246

النوع الثاني والسبعون علم كيفية الأخذ بالجمع في القراءات ولم يفرد هذا النوع الحافظ السيوطي في "الإتقان". وإذا أراد الطالب معرفة تحقيق وتدقيق طريق الروايات فلا بد له من حفظ كتاب كامل، فيستحضر اختلاف القراء، ولا بد مع ذلك من معرفة اصطلاح ذلك الكتاب ومعرفة طرقه، ثم يفرد القراءات التي يريد معرفتها بقراءة راو راو، وشيخ شيخ، وهكذا إلى نهاية ما يريد معرفته من ذلك. وقد روينا عن أبي الحسن الحصري أنه قرأ القراءات السبع على شيخه أبي بكر القصري تسعين ختمة، كلما ختم قرأ غيرها حتى أكمل في مدة عشر سنين، وإلى ذلك أشار بقوله: وأذكر أشياخي الذين قرأتها ... عليهم فأبدأ بالإمام أبي بكر

стр. 1247

قرأت عليه السبع تسعين ختمة ... بدأت ابن عشر ثم أكملت في عشر وقد كان السلف لا يجمعون رواية إلى أخرى، وإنما ظهر جمع القراءات في ختمة واحدة في أثناء المئة الخامسة، في عصر الداني، وابن شيطا، واستمر إلى هذه الأزمان، واستقر عليه العمل عند أهل الإتقان لقصد سرعة الترقي، لكنه مشروط بإفراد القراءات، وإتقان الطرق والروايات على النحو/ الذي ذكرته، وقد كانوا في الصدر الأول لا يزيدون القارئ على عشر آيات، ويشهد له قول [الخاقاني]: وحكمك بالتحقيق إن كنت آخذا على أحد أن لا تزيد على عشر وكان كثير من المشايخ يأخذون في الإفراد بجزء من أجزاء مئة وعشرين جزءا، وفي الجمع بجزء من أجزاء مئتين وأربعين جزءا، والصواب: الأخذ في ذلك بحسب قوة الطالب من غير حد ولا عد؛ فقد روينا أن أبا العباس بن الطحان قرأ على شيخه أبي العباس بن نحلة ختمة بحرف أبي

стр. 1248

عمرو في يوم واحد، وأن ابن مؤمن قرأ على الصائغ القراءات جمعا بعدة كتب في سبعة عشر يوما، وأن المكين الأسمر قرأ على أبي إسحاق بن [وثيق] الإشبيلي ختمة بالقراءات السبع/ في ليلة واحدة، وأن ابن الجزري قرأ على الصائغ من أول النحل ليلة الجمعة، وختم ليلة الخميس في ذلك الأسبوع جمعا [للقراءات السبع بالشاطبية والتيسير والعنوان، وأن آخر مجلس ابتدأ فيه بأول الواقعة حتى ختم، فإذا أحكم القارئ القراءات إفرادا وصار له بالتلفظ بالأوجه ملكة من غير تكلف، وأراد أن يحكمها جمعا]، فليرض نفسه ولسانه فيما يريد أن يجمعه، ولينظر ما في ذلك من الخلاف أصولا وفرشا، فما أمكن فيه التداخل اكتفى منه بوجه، وما لم يمكن فيه نظر، فإن أمكن عطفه [عطفه]، وإلا رجع إلى موضع ابتداء حتى يستوعب الأوجه كلها من غير إهمال ولا تركيب ولا إعادة ما دخل، فإن الأول ممنوع، والثاني مكروه، والثالث معيب، وذلك كله بعد أن يحقق معرفة [أوجه]

стр. 1249

الخلاف الواجب من أوجه الخلاف الجائز، وليميز بين الطرق والروايات، فمن لم يعرف الخلاف الواجب بين الجائز والواجب، لا سبيل له إلى الوصول إلى معرفة القراءات، ومن لم يميز بين الطرق والروايات لا منهاج له إلى السلامة من التركيب في القراءات. وإذا علمت هذا، فاعلم أن الخلاف إما أن يكون للشيخ كابن كثير، أو للراوي عنه كالبزري، [أو] للراوي عن واحد من رواة المشايخ أو من بعده وإن سفل، أو لم يكن كذلك. فإن كان [للشيخ] بكماله، أي: مما اجتمعت عليه الروايات والطرق عنه فقراءة، وإن كان للراوي عن الشيخ فهي رواية، وإن كان لمن بعد الرواة وإن سفل فطريق، وما كان على غير هذه الصفة مما هو راجع إلى اختيار القارئ فيه كان وجها. [مثاله]: إثبات البسملة بين السورتين قراءة ابن كثير، وقراءة عاصم،

стр. 1250

وقراءة الكسائي، وكذا قراءة أبي جعفر، ورواية قالون عن نافع، وطريق الأصبهاني عن ورش، وطريق صاحب الهادي عن أبي عمرو، وطريق صاحب "العنوان" عن [ابن] عامر، وطريق صاحب "التبصرة" عن الأزرق عن ورش، وطريق صاحب "التذكرة" عن يعقوب. والوصل بين السورتين قراءة حمزة، وطريق صاحب "العنوان" عن الأزرق عن ورش، وطريق صاحب "العنوان" أيضا عن أبي عمرو، وطريق صاحب "الهداية" عن ابن عامر، وطريق صاحب "الغاية" عن يعقوب.

стр. 1251

والسكت بينهما طريق صاحب التذكرة عن الأزرق عن ورش. ومثال الأوجه الثلاثة في البسملة بين السورتين لمن بسمل، ولا يقال: ثلاث قراءات، ولا ثلاث روايات، ولا ثلاث طرق. كالوقوف على ﴿العلمين﴾ [الفاتحة: ٢] ثلاثة أوجه كما يقول لكل من الأزرق عن ورش، وأبي عمرو، وابن عامر، وكذا يعقوب بين السورتين ثلاث طرق، وللأزرق في نحو ﴿ءادم﴾ [البقرة: ٢١]، و ﴿ءامن﴾ [البقرة: ١٣] ثلاث طرق، والفرق بين الخلافين أن خلاف القراءات والروايات والطرق خلاف نص ورواية/، فلو أخل القارئ بشيء منه كان نقصا في الرواية، فهو وضده واجب في إكمال الرواية، وخلاف الأوجه ليس كذلك، إذ هو على سبيل التخيير، فبأي وجه أتى القارئ أجزأ في تلك الرواية، ولا يكون مبطلا لشيء منها، [فهو] وضده جائزان في القراءة من حيث إن القارئ مخير في الإتيان بأيهما شاء ولا احتياج إلى الجمع بينهما في موضع واحد. ومن ثم كان بعض المحققين لا يأخذ منها إلا

стр. 1252

بالأصح القوي، ويجعل الباقي مأذونا فيه، وبعضهم لا يلتزم شيئا؛ بل يترك القارئ يقرأ ما شاء منها، إذ كل ذلك جائز، مأذون فيه، منصوص عليه، وكان بعضهم يقرأ بواحد من الأوجه في موضع، وبآخر في غيره ليجمع الجميع مشافهة، وبعضهم يرى الجمع بينهما في أول موضع، ورب متكلف غير عارف بحقيقة أوجه الخلاف يأخذ بجميعها في كل موضع، وإنما ساغ بين الأوجه في نحو التسهيل في وقف حمزة لتذرب القارئ والمبتدئ، أو رياضته على الأوجه الغريبة، ليجري لسانه، ويعتاد التلفظ بها بلا كلفة، فيكون على سبيل التعريف، فلذلك لا يكلف العارف بجمعها في كل موضع، بل بحسب ما تقدم. وإذا تقرر هذا، فاعلم أنه يشترط على جامعي القراءات شروط أربعة لا بد منها. رعاية الوقف والابتداء، فلا يقف على مثل قوله: ﴿أولئك أصحب الميمنة والذين كفروا﴾ [البلد: ١٩، ١٨] حتى يأتي بما بعد، ولا نحو قوله:

стр. 1253

﴿فويل للمصلين﴾ [الماعون: ٤]، وقرأ إنسان على أبي [بصخان]: ﴿تبت يدا أبى﴾ [المسد: ١] ووقف، وأخذ يعيدها ليسوي مراتب المد، فقال: يستاهل الذي أبرز مثلك. وأما رعاية الترتيب، والتزام تقديم قارئ بعينه فلا يشترط، وكثير من الناس يرى تقديم قالون أولا، كما هو في كثير من كتب الخلاف، ثم ورش، وهكذا على حسب الترتيب السابق في هذا الموضع، ثم بعد إكمال خلاف السبعة يأتي بالثلاثة بعدها، ثم بالأربعة إن كانت سائغة كأن وافقت المتواتر، وكثير يرى تقديم ورش من طريق الأزرق لأجل انفراده في كثير من ورايته عن باقي القراء بأنواع من الخلاف، كالمد، والنقل، والتغليظ، والترقيق، فإنه يبتدئ له غالبا بالمد الطويل في نحو: ﴿ءامنوا﴾ [البقرة: ١٣]، و ﴿بإيمن﴾ [الطور: ٢١] ونحوه مما يكثر دوره، ثم بالمتوسط، ثم بالقصر، فيخرج مع قصره غالبا سائر القراء، ثم إذا أكمل طريق الأزرق فأتبعها بطريق الأصبهاني عن ورش، ثم بقالون، ثم بأبي جعفر، ثم بابن كثير، ثم بأبي عمرو، ثم يعقوب، ثم

стр. 1254

ابن عامر، ثم بعاصم، ثم بحمزة، ثم بالكسائي، ثم بخلف، ويقدم عن كل شيخ الراوي المتقدم على الترتيب السابق، ولا ينتقل إلى من بعد حتى يكمل من قبل، حفظا لرعاية الترتيب وقصدا لاستدراك ما فاته. ثم إن الماهر عندهم هو الذي لا يلتزم تقديم شخص بعينه، ولكنه إذا وقف على وجه لقارئ يبتدئ بذلك القارئ بعينه، ثم يعطف الوجه الأقرب على ما يبدأ به عليه، وهكذا إلى آخر الأوجه، ويختصر كيف أمكن/ ويستوعبها فلا يخل بشيء منها. واختلف الشيوخ في كيفية الأخذ بالجمع، فمنهم من كان يرى الجمع بالوقف. وكيفيته أنه إذا أخذ في قراءة من قدمه لا يزال في ذلك إلى الانتهاء إلى وقف يحسن الابتداء بما بعده، فيقف ثم يعود إلى القارئ الذي بعده إن لم يكن/ خلفه داخلا في سابقه، ولا يزال حتى يعود على الوقف الذي وقف عليه، ثم يفعل ذلك بقارئ قارئ حتى ينتهي الخلف، ثم يبتدئ بما بعد ذلك. ومنهم من كان يرى الجمع بالحرف، وكيفيته أن يشرع في القراءة، فإذا مر بكلمة فيها خلف من الأصول أو الفروع

стр. 1255

أعاد تلك الكلمة بمفردها حتى يستوفي ما فيها من خلاف، فإن كانت مما يسوغ الوقف وقف واستأنف ما بعدها على الحكم المذكور، وإلا وصلها بآخر وجه انتهى عليه، حتى يبتدئ إلى وقف فيقف، وإن كان الخلف مما يتعلق بكلمتين كمد المنفصل، والسكت على ذي كلمتين، وقف على الكلمة الثانية، واستوعب الخلاف، ثم انتقل إلى ما بعدها على ذلك الحكم. والأول: مذهب الشاميين، وهو أشد في الاستحضار، وأشد في الاستظهار، وأطول زمانا، وأجود مكانا. والثاني: مذهب المصريين، وهو أوثق في استيفاء أوجه الخلاف، وسهل في الأخذ، وأخصر، ولكنه فيه خروج عن رونق التلاوة وحسن أدائها. وللشيخ ابن الجزري مذهب ثالث مركب من هذين المذهبين، وهو أنه إذا ابتدأ بالقارئ ينظر إلى من يكون من القراء أكثر موافقة له، فإذا وصل إلى الكلمة بين [القارئين] فيها خلف وقف وأخرجه مع، ثم وصل حتى ينتهي إلى الوقف السائغ جوازه، وهكذا إلى أن ينتهي الخلاف. ومنهم من كان يرى في الجمع كيفية أخرى، وهي التناسب، وكان

стр. 1256

إذا ابتدأ بالقصر مثلا أتى بالمرتبة التي فوقه، ثم كذلك حتى ينتهى إلى آخر مراتب المد، وإن ابتدأ بالمد المشبع أتى بما دونه حتى ينتهي إلى القصر، وإن ابتدأ بالفتح أتى بعده بالصغرى ثم الكبرى، وإن ابتدأ بالنقل أتى بعده بالتحقيق، ثم السكت القليل، ثم ما فوقه، ويراعى ذلك طردا وعكسا، وهذا لا يقدر على العمل به إلا من قوي استحضاره. تنبيه: هل يسوغ للجامع إذا قرأ كلمتين رسمتا في المصاحف كلمة واحدة وكانت ذات أوجه ، نحو: ﴿هؤلاء﴾، ﴿يئادم﴾ مثلا، وأورد استيفاء بقية أوجهها أن يبتدئ بأول الكلمة الثانية فيقول: ﴿ءادم﴾ بالمد والتوسط ثم القصر مثلا، مع حذف أداة المد لفظا لقصد الاختصار على عادة الجمع؟ لم أر في ذلك نقلا، والذي يظهر لي عدم الجواز، وأنه يتعين قراءة الكلمتين [متصلتين] لفظا اتباعا للاتصال الرسمي فيقول: "ياآدم، ياآدم". انتهى منقولا من لطائف الإشارات في علوم القراءات للشيخ القسطلاني -رحمه الله تعالى-.

стр. 1257

النوع الثالث والسبعون علم كيفية الاستعاذة

стр. 1258

النوع الثالث والسبعون علم كيفية الاستعاذة ولم يفرد هذا النوع الحافظ السيوطي -رحمه الله تعالى- في "الإتقان". والاستعاذة: هي الالتجاء، والاعتصام، والاستجارة، يقال: استعذت بفلان وتعوذت وعذت به، أي: التجأت إليه واستجرت به، استعاذ به وتعوذ عوذا أو عياذا ومعاذا. وليست من القرآن في أول التلاوة بالإجماع، وهي دعاء بلفظ الخير، فالكلام عليها هنا في مباحث: الأول: في دليل مشروعيتها ومحلها. قال الله -تعالى شأنه- مخاطبا لرسوله ﷺ : ﴿فإذا قرأت القرءان فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم﴾ [النحل: ٩٨]، وأصل الأمر للوجوب، وبه قال

стр. 1259

الثوري وعطاء، لظاهر هذه الآية، وبأنه ﵊ واظب عليها، فيكون واجبا لقوله تعالى: ﴿فاتبعوه﴾ [الأنعام: ١٥٥، ١٥٣]، ثم إن ذكر الحكم عقيب الوصف المناسب يدل على التعليل، والحكم يتكرر [١٣٤ ب/هـ] بتكرر العلة، فيجب/ التعوذ كلما قرأ. وقال ابن سيرين: إن تعوذ مرة واحدة في عمره كفى في إسقاط الواجب. وحمل الجمهور الأمر هنا على الندب، مستدلين بحديث المسيء صلاته، فإنه لما علمه الواجبات لم

стр. 1260

يذكر له التعوذ، وتأخير البيان عن وقت الحاجة غير جائز، لكن لقائل أن يقول: إن ذلك الخبر غير مشتمل على بيان جملة واجبات الصلاة، فلا يلزم من عدم ذكر الاستعاذة له عدم وجوبها. وقال بعضهم: موضع الخلاف إنما هو في الصلاة خاصة، وأما في غيرها فسنة غير واجب قطعا. وقال آخرون: كانت فرضا على النبي ﷺ ثم تأسينا نحن به. انتهى. والظاهر أن الاستعاذة تعقب القراءة، وقد روى ذلك بعض الرواة عن حمزة، وعن ابن سيرين أنه قال: كلما قرأت الفاتحة حين تقول: آمين، فاستعذ، وكذا روي عن أبي هريرة ﵁ والنخعي عملا بهذا الظاهر.

стр. 1261

والفاء تقتضي الترتيب، ولا سيما إذا كانت جوابا للشرط؛ لأن الجواب متأخر عن الشرط، فوجب أن تكون الاستعاذة متأخرة عن القراءة. قالوا: ولا يجوز أن يكون المراد من قوله: ﴿فإذا قرأت﴾ أي: إذا أردت، كما في قوله: ﴿إذا قمتم إلى الصلوة فاغسلوا﴾ [المائدة: ٦]، والمعنى: إذا أرتم القيام؛ لأنه لم يقل: فإذا صليتم فاغسلوا حتى يكون نظير قوله: ﴿فإذا قرأت القرءان﴾ [النحل: ٩٨]، ولئن سلمنا كون هذه الآية نظير تلك فنقول: نعم، إذا قام [يغتسل] عقيب قيامة إلى الصلاة؛ لأن الأمر إنما ورد بالغسل عقيب قيامة، وأيضا، فالإجماع على ترك هذا الظاهر، وإذا ترك الظاهر في موضع لدليل، لا يوجب تركه في سائر المواضع لغير ذلك، وكذا روي عن مالك، وداود، واستغربه القاضي أبو بكر بن العربي عن مالك ثم قال: وهذا قول لم يرد به أثر، ولا يعضده نظر.

стр. 1262

وعورض بأن الإمام مالكا لم ينفرد به، بل نقل عن أبى هريرة كما سبق فصار له سلف في ذلك، لكن قال ابن الجزري: إنه لا يصح شيء من هذه الروايات/ عمن نقل عنه. انتهى. وعن الفخر الرازي - رحمه الله تعالى -: يؤتى بالاستعاذة قبل القراءة بمقتضى الخبر، وبعدها بمقتدى القرآن جمعا بين الدلائل بقدر الإمكان وهذا لا يصح. أيضا نقل ابن القاصح شارح الشاطبيه: والاستعاذه قبل القراءة بالإجماع، فنقل الاجماع. وقال الشاطبي - رحمه الله تعالى -: إذا ما أردت الدهر تقرأ فاستعذ ... جهارا من الشيطان بالله مسجلا

стр. 1263

والذى اتفق عليه الجمهور قديما وحديثا: ترك هذا الظاهر، وتأويله على إضمار الارادة. قال جار الله: لأن [الفعل] يوجد [عند] القصد والإرادة بغير فاصل [و] على حسبه فكان منه بسبب قوي وملابسة ظاهرة؛ لقوله تعالى: ﴿إذا قمتم إلى الصلوة فأغسلوا وجوهكم﴾ [المائدة: ٦]، وكقوله: "إذا أكلت فسم الله ". وقال ابن عطيه: فإذا وصلة بين الكلاميين، والعرب تستعملها في مثل هذا، وتقدير الآية فإذا أخذت في قراءة القرآن فاستعذ، أي قبل القراءة لأنه وسيلة، والوسائل مقدمة. ويؤيد هذا أن المعنى الذي شرعت له الاستعاذه يقتضي أن تكون قبل القراءة؛ لأنها طهارة الفم مما كان

стр. 1264

يتعاطى من اللغو والرفث، وتطيب له، و [تهيؤ] لتلاوة كلام الله، فهي التجاء إلى الله تعالى، واعتصام بجنابه من خلل يطرأ عليه، أو خطاء يحصل منه في القراءة وغيرها. قال الحافظ عماد الدين ابن كثير: ومعنى أعوذ: أستجير بجناب الله من الشيطان الرجيم أن يضرنى في ديني أو ادنياي، أو يصدني عن فعل ما أمرت به، أو يحثني على فعل ما نهيت/ عنه، فإن الشيطان لا يكفه عن الإنسان إلا الله تعالى. ولهذا أمر الله بمصانعة شيطان الإنس ومدارته بإسداء الجميل إليه ليرده طبعه عن ما هو فيه من الأذى، وامر بالاستعاذة [به] من شيطان الجن؛ لأنه لا يقبل رشوة، ولا يؤثر فيه جميل لأنه شرير بالطبع، ولا يكفه عنك إلا الذى خلقه. وهذا المعنى يدل عليه ثلاثة آيات من القرآن، وهي قوله تعالي في (الأعراف): ﴿خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجهلين﴾ فهذا ما يتعلق بمعاملة الأعداء من البشر، ثم قال: ﴿وإما ينزغنك من الشيطن نزغ فاستعذ بالله إنه سميع عليم﴾ [الاعراف ٢٠٠]، وقال في سورة

стр. 1265

(المؤمنين): ﴿أدفع بالتى هى أحسن السيئة نحن اعلم بما يصفون (٩٦) وقل رب أعوذ بك من همزت الشيطين (٩٧) وأعوذ بك رب أن يحضرون (٩٨)﴾، وقال تعالى: ﴿ادفع بالتى هى أحسن فإذا الذى بينك وبينه عدوة كأنه ولى حميم وما يلقها الإ الذين صبروا وما يلقها الإ ذو حظ عظيم (٣٥) وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله﴾ [فصلت: ٣٤ - ٣٦]. والشيطان مشتق من شطن إذا بعد، فهو بعيد بطبعه عن طباع البشر، وبعيد لفسقه عن كل خير، والظاهر أن المراد به إبليس وأعوانه. المبحث الثاني: في كيفيتها: ولم يرد في لفظها نص قطعي. والذى عليه الجمهور من القراء وغيرهم: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، موافقة للتنزيل الوارد في سوره (النحل) وحكى ابن [سوار]، . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
следующие страницы →