← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 150960

الزيادة والإحسان في علوم القرآن

محمد عقيلة

Полный текст (4 238 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.

стр. 1261

والفاء تقتضي الترتيب، ولا سيما إذا كانت جوابا للشرط؛ لأن الجواب متأخر عن الشرط، فوجب أن تكون الاستعاذة متأخرة عن القراءة. قالوا: ولا يجوز أن يكون المراد من قوله: ﴿فإذا قرأت﴾ أي: إذا أردت، كما في قوله: ﴿إذا قمتم إلى الصلوة فاغسلوا﴾ [المائدة: ٦]، والمعنى: إذا أرتم القيام؛ لأنه لم يقل: فإذا صليتم فاغسلوا حتى يكون نظير قوله: ﴿فإذا قرأت القرءان﴾ [النحل: ٩٨]، ولئن سلمنا كون هذه الآية نظير تلك فنقول: نعم، إذا قام [يغتسل] عقيب قيامة إلى الصلاة؛ لأن الأمر إنما ورد بالغسل عقيب قيامة، وأيضا، فالإجماع على ترك هذا الظاهر، وإذا ترك الظاهر في موضع لدليل، لا يوجب تركه في سائر المواضع لغير ذلك، وكذا روي عن مالك، وداود، واستغربه القاضي أبو بكر بن العربي عن مالك ثم قال: وهذا قول لم يرد به أثر، ولا يعضده نظر.

стр. 1262

وعورض بأن الإمام مالكا لم ينفرد به، بل نقل عن أبى هريرة كما سبق فصار له سلف في ذلك، لكن قال ابن الجزري: إنه لا يصح شيء من هذه الروايات/ عمن نقل عنه. انتهى. وعن الفخر الرازي - رحمه الله تعالى -: يؤتى بالاستعاذة قبل القراءة بمقتضى الخبر، وبعدها بمقتدى القرآن جمعا بين الدلائل بقدر الإمكان وهذا لا يصح. أيضا نقل ابن القاصح شارح الشاطبيه: والاستعاذه قبل القراءة بالإجماع، فنقل الاجماع. وقال الشاطبي - رحمه الله تعالى -: إذا ما أردت الدهر تقرأ فاستعذ ... جهارا من الشيطان بالله مسجلا

стр. 1263

والذى اتفق عليه الجمهور قديما وحديثا: ترك هذا الظاهر، وتأويله على إضمار الارادة. قال جار الله: لأن [الفعل] يوجد [عند] القصد والإرادة بغير فاصل [و] على حسبه فكان منه بسبب قوي وملابسة ظاهرة؛ لقوله تعالى: ﴿إذا قمتم إلى الصلوة فأغسلوا وجوهكم﴾ [المائدة: ٦]، وكقوله: "إذا أكلت فسم الله ". وقال ابن عطيه: فإذا وصلة بين الكلاميين، والعرب تستعملها في مثل هذا، وتقدير الآية فإذا أخذت في قراءة القرآن فاستعذ، أي قبل القراءة لأنه وسيلة، والوسائل مقدمة. ويؤيد هذا أن المعنى الذي شرعت له الاستعاذه يقتضي أن تكون قبل القراءة؛ لأنها طهارة الفم مما كان

стр. 1264

يتعاطى من اللغو والرفث، وتطيب له، و [تهيؤ] لتلاوة كلام الله، فهي التجاء إلى الله تعالى، واعتصام بجنابه من خلل يطرأ عليه، أو خطاء يحصل منه في القراءة وغيرها. قال الحافظ عماد الدين ابن كثير: ومعنى أعوذ: أستجير بجناب الله من الشيطان الرجيم أن يضرنى في ديني أو ادنياي، أو يصدني عن فعل ما أمرت به، أو يحثني على فعل ما نهيت/ عنه، فإن الشيطان لا يكفه عن الإنسان إلا الله تعالى. ولهذا أمر الله بمصانعة شيطان الإنس ومدارته بإسداء الجميل إليه ليرده طبعه عن ما هو فيه من الأذى، وامر بالاستعاذة [به] من شيطان الجن؛ لأنه لا يقبل رشوة، ولا يؤثر فيه جميل لأنه شرير بالطبع، ولا يكفه عنك إلا الذى خلقه. وهذا المعنى يدل عليه ثلاثة آيات من القرآن، وهي قوله تعالي في (الأعراف): ﴿خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجهلين﴾ فهذا ما يتعلق بمعاملة الأعداء من البشر، ثم قال: ﴿وإما ينزغنك من الشيطن نزغ فاستعذ بالله إنه سميع عليم﴾ [الاعراف ٢٠٠]، وقال في سورة

стр. 1265

(المؤمنين): ﴿أدفع بالتى هى أحسن السيئة نحن اعلم بما يصفون (٩٦) وقل رب أعوذ بك من همزت الشيطين (٩٧) وأعوذ بك رب أن يحضرون (٩٨)﴾، وقال تعالى: ﴿ادفع بالتى هى أحسن فإذا الذى بينك وبينه عدوة كأنه ولى حميم وما يلقها الإ الذين صبروا وما يلقها الإ ذو حظ عظيم (٣٥) وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله﴾ [فصلت: ٣٤ - ٣٦]. والشيطان مشتق من شطن إذا بعد، فهو بعيد بطبعه عن طباع البشر، وبعيد لفسقه عن كل خير، والظاهر أن المراد به إبليس وأعوانه. المبحث الثاني: في كيفيتها: ولم يرد في لفظها نص قطعي. والذى عليه الجمهور من القراء وغيرهم: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، موافقة للتنزيل الوارد في سوره (النحل) وحكى ابن [سوار]، . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1266

والقلانسي الاتفاق عليه، والسخاوي إجماع الأمة وهو متعقب بما روي من الزيادة والنقصان الآتي ذكرها قريبا إن شاء الله تعالى. قال الداني: إنه المستعمل عند الحذاق دون غيره، وهو المأخوذ به عند عامة الفقهاء كالشافعي، وأبي حنيفة، وأحمد وغيرهم، وورد النص به وفي الصحيحين من حديث سليمان بن صرد قال: استب رجلان عند النبي ﷺ ونحن عنده جلوس، وأحدهما يسب صاحبه مغضبا، قد احمر وجهه، فقال النبي ﷺ : "إني لأعلم كلمه لو قالها لذهب عنه ما يجده، لو قال أعوذ بالله من الشيطان الرجيم". الحديث أورده ابن [الجزري] تبعا لشيخه الحافظ ابن كثير، لكن في الاستدلال به هنا نظر؛ لأن الكلام هو في الاستعاذة

стр. 1267

خاصة، وهى الاستعاذه التي تتقدم القراءة، لا مطلق الاستعاذة فليتأمل. وروى نافع بن جبير بن مطعم عن أبيه قال: كان النبي ﷺ يقرأ قبل القرآن أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال: وكذلك قرأ على جبريل. وروى أبو الفضل الخزاعي فيما ذكره في النشر حديثا مسلسلا إلى عاصم بن بهدلة، وقال: غريب جيد الإسناد من هذا الوجه، قال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم فأني قرأت على ابن مسعود، فقلت: أعوذ بالسميع العليم فقال لي: قل: أعوذب بالله من الشيطان الرجيم، فإني قرأت على النبي ﷺ فقلت: اعوذ بالسميع العليم فقال لي: يا ابن أم عبد، قل: أعوذب بالله من

стр. 1268

الشيطان الرجيم، هكذا أخذته عن جبريل، عن ميكائيل، عن اللوح المحفوظ. وهذا صريح في أن المنقول في استعاذة النبي ﷺ عدم الزيادة على ما تقدم، وهو معنى قول صاحب الحرز: وقد ذكرو لفظ الرسول فلم يزد. . . . . . . . . . . . . . . . . . ثم أورد على نفسه سؤالا، وهو: أنه إذا لم يزد النبي ﷺ ومنع من الزيادة في حديث ابن مسعود - رضي الله تعالى عنه - فكيف نبهت على جوازها في قولك: . . . . . . . . . . وإن تزد ... لربك تنزيها فلست مجهلا فأجاب بأن المنع غير ثابت، فقال: . . . . . . . . . . . . . ... ولو صح هذا النقل لم يبق مجملا

стр. 1269

إذ لو صح نقل ترك الزيادة لذهب إجمال الآية، واتضح معناها، وتعين لفظ النحل. وتعقبه الجعبري بأن الحديثين ولو صحا لا يلزم من صحتهما نفي الاحتمال؛ لأن حديث جبير لا يمنع الزيادة، وحديث ابن مسعود معارض بقول أنس: كان النبي ﷺ يقول مرة: "أعوذ بالله من الشيطان الرجيم". ولو قال: ولو دل هذا النقل لكان أصوب، والسنة تعين ما في الكتاب لقوله تعالى: ﴿لتبين للناس ما نزل إليهم﴾ [النحل ٤٤] وقد وردت الزيادة على التعوذ السابق بألفاظ: منها: ما يتعلق [بتنزيه] الله، وأولها: أعوذ بالله السميع العليم منم الشيطان الرجيم، نص عليه الداني - رحمه الله تعالى - في "جامعه"، وقال: إن على استعماله عامة أهل الأداء من الحرمين، والعراقين، والشام. ورواه الأهوازي أداء عن الأرزاق، عن الرفاعي، عن سليم،

стр. 1270

أن كلاهما عن حمزة. ورواه الخزاعي، عن أبي عدي، عن ورش أداء. ورواه أصحاب السنن الأربعة من حديث أبى سعيد الخدري بإسناد جيد. ومنها: أعوذ بالله العظيم من الشيطان الرجيم، وروي عن أهل مصر، وسائر المغاربة كما في "جامع البيان"، وهو مروي عن قنبل والزينبي، وعن المصريين، وعن ورش وعن ابن كثير في غير رواية الزينبي. ومنها: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم إن الله هو السميع العليم، وهو مروي من طريق الهذلي عن نافع في غير رواية أبى عدي عن ورش. ومن طريق الشهرزوري عن أهل المدينة، وابن عامر، والكسائي وحمزة في أحد وجوهه، وكذا أبو جعفر من طريق الهذلي. ووافقهم الأعمش لكن من طريق

стр. 1271

الشنبوذي بإدغام في الهاء. فإن قيل: ما الحكمة في قوله هنا: إن الله هو السميع العليم، دون أن يقول: الغفور الرحيم، ونحوه؟ أجيب: بأن الغرض من الاستعاذة الاحتراس من شر الوسوسة، ومعلوم ان الوسوسة كلام يخفى في قلب الإنسان، ولا يطلع عليها أحد، فكان العبد يقول: يا من هو يسمع كل مسموع، ويعلم كل أمر خفي، أنت تعلم وسوسة الشيطان، وتعلم غرضه منها، وأنت القادر على دفعها عنى، فادفعها عنى بفضلك، فلهذا كان ذكر السميع العليم أولى بهذا الموضوع من سائر الأذكار. وأيضا، في القرآن: ﴿وإما ينزغنك من الشيطن نزغ فأستعذ بالله إنه سميع عليم (٢٠٠)﴾ [الأعراف ٢٠٠]، وفى حم السجدة ﴿إنه هو السميع العليم﴾ ومنها: أعوذ بالله العظيم السميع العليم من الشيطان الرجيم، رواه الخزاعي عن [هبيرة عن حفص]، والهذلي عن أبى عدي عن ورش.

стр. 1272

ومنها: أعوذ بالله العظيم من الشيطان الرجيم إن الله هو السميع العليم، وهو مروي عن الحسن، لكن مع إدغام الهاء في الهاء. ومنها: [أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وأستفتح الله وهو خير الفاتحين] وهو مروى عن إدريس، عن خلف، عن حمزة. ثم إن ظاهر كلام الشاطبي يقتضي عدم النقض من التعوذ، والصحيح جوازه لما ورد، فقد نص الحلواني في "جامعه"/ على جوازه، فقال: وليس للاستعاذة حد ينتهى إليه، من شاء زاد ومن شاء نقص، أي بحسب الرواية، ففي حديث جبير بن مطعم المروي في أبى داود: أعوذب بالله من الشيطان، ومن غير ذكر: الرجيم.

стр. 1273

وأما ما حكاه الجعبري عن حمزة في أعوذ وأسنعيذ [ونستعيذ] وأستعذت. واختاره صاحب "الهداية" وغيره محتجين بأنه مطابق للفظ الآية، وقول الجوهري: "عذت بفلان، وأستعذت به، أي: لجات إليه"، لم تدخل السين والتاء في فعل المستعيذ الماضي والمضارع، وقد قيل له:

стр. 1274

استعذ، بل لا بقول إلا: أعوذب، دون أستعيذ، واستعذت، وتعوذت، وذلك لأن السين والتاء شأنهما الدلالة على الطلب فوردتا في الأمر إيذانا بطلب التعوذ، فمعنى استعذ بالله: أطلب منه أن يعيذك، فامتثال الأمر هو أن يقول: أعوذ بالله؛ لن قائله متعوذ ومستعيذ قد عاد والتجأ، والقائل: أستعيذ بالله، ليس بعائذ، وإنما هو طالب العياذ بالله، كما يقول: أستخير الله أي: أطلب خيرته. و [أستقيله]: أطلب إقالته، وأستغفره: أطلب مغفرته، فدخلت في فعل الأمر أيذانا بطلب هذا المعنى من المعاذ به، وإذا قال المأمور: أعوذ بالله فقد امتثل ما طلب منه، فإنه طلب من نفسه الاعتصام والالتجاء، وفرق بين الاعتصام، وبين طلب ذلك، فلما كان المستعيذ هاربا ملتجئا معتصما، أتى بالفعل الدال على طلب ذلك، فتأمله. قال: والحكمة التي لأجلها امتثل المستغفر الأمر بقوله: أستغفر الله أنه طلب منه أن يطلب المغفرة التي لا تأتي إلا منه، بخلاف العياذ واللجأ والاعتصام، فأمتثل الأمر بقوله: أستغفر الله، أي اطلب منه أن يغفر لي. وقال ابن القيم: القائل: أستعيذ بالله مخبر عن طلبه وسؤاله،

стр. 1275

والقائل: أعوذب بالله مخبر عن حاله ولجئه واعتصامه بربه، وهذا أكمل حالا، ولهذا إنما جاء النبي ﷺ امتثال هذا الأمر بلفظ أعوذ كقوله: "أعوذب بالله من عذاب جهنم". و"أعوذ بالله من جهد البلاء"، وكذلك سائر عوذه ﷺ التي فالها والأمر بها، وكذلك أمره أن يقول: ﴿أعوذ برب الفلق﴾ [الفلق: ١]، ﴿قل أعوذ برب الناس﴾ [الناس: ١] دون أستعيذ. فإن قلت: كيف جاء امتثال هذا الأمر في السورتين بلفظ الأمر والمأمور جميعا، فامر الله جل شأنه أن يقول: : ﴿قل أعوذ برب الفلق﴾، و ﴿قل أعوذ برب الناس﴾، فقال: قل: أعوذب، والمأمور به إنما هو قول الاستعاذة لا قول الأمر، كما إذا قال: قل: سبحان الله ثلاثا وثلاثين، فإنه يقول: سبحان الله، ولا يقول قل: / سبحان الله، فالجواب: أن هذا السؤال هو الذى أورده أبى بن كعب على النبي ﷺ وأجاب عنه ﷺ كما في صحيح البخاري عن [زر] قال: سألت أبى بن كعب عن المعوذتين، فقال: سألت رسول الله ﷺ فقال: قيل لي، فقلت فنحن نقول كما قال ﷺ .

стр. 1276

وفي رواية، أيضا عن [زر] قال سألت أبى بن كعب، قلت: يا أبا المنذر، أن أخاك ابن مسعود يقول كذا وكذا، فقال إني سألت رسول الله ﷺ فقال: قيل لي، فقلت نحن نقول كما قال رسول الله ﷺ . ومفعول القول محذوف، تقديره: قيل لي: قل، أو قيل لي هذا اللفظ، فقلت كما قيل لي. وتحت هذا من السر أن النبي ﷺ ليس له في القرآن إلا بلاغه، ولم [ينشئ] من قبل نفسه حرفا واحدا منه، بل هو المبلغ له عن الله تعالى، وقد قال الله له: ﴿قل أعوذ برب الفلق/﴾، فمقتضى البلاغ التام ان يقول: ﴿قل أعوذ برب الفلق﴾ كما قال الله تعالى، وهذا المعنى الذى أجاب به ﷺ بقوله: "قيل لي، فقلت، غنى لست مبتدئا بل مبلغا، أقول كما يقال لي وأبلغ كلام ربي كما أنزله". وهذا الحديث أدل دليل على انه ﷺ بلغ القرآن الذى أمر بتبليغه على وجهه ولفظه، حتى أنه لما قيل له قل. قال: هو قل. لأنه مبلغ، ﴿وما على الرسول إلا البلغ﴾ [النور ٥٤]. انتهى.

стр. 1277

المبحث الثالث: في حكم الجهر بها والإخفاء: استحب الجهر بها عند جميع القراء في جميع القرآن، عند افتتاح السور ورؤوس الأجزاء والآي، إلا ما صح من إخفائها، من رواية المسيبي عن نافع، لئلا يتوهم انه من القرآن، والإسرار بالدعاء أفضل. ولحمزة وجهان: الإخفاء مطلقا، والثاني: الجهر في أول الفاتحة، ومحل الجهر حيث يجهر بالقراءة، فإن أسر القراءة أسرها؛ لأنها تابعة فحكت متبوعها، وهذا في غير الصلاة. اما فيها المختار الإسار. وقيد أبو شامة إطلاقهم اختيار الجهر بحضره سامع؛ لأن الجهر إظهار إشعار للقراءة كالجهر بالتلبية، فإذا جهر بالاستعاذة أنصت السامع للقراءة

стр. 1278

من أولها، ولم يفته منها شيء، وإن أخفاها لم يعلم السامع إلا بعد فوات شيء من المقروء، وهذا بخلاف الصلاة، لأن المأموم منصت من أول الإحرام بالصلاة. وكذا يخفى إذا قرأ خاليا، سواء سرا او جهرا. واختلف في المراد بالإخفاء هنا، فقال كثير: هو الكتمان، وعليه حمل كلام الشاطبي واكثر الشراح، فعلى هذا يكفى منه الذكر في النفس من غير تلفظ. وقال الجمهور المراد الإسرار، وعليه حمل كلام الشاطبي، فلا يكفى فيه إلا التلفظ وإسماع نفسه، ولا يكفى التصور ولا إعمال الآلة بدون صوت. قال ابن الجزري: وهو الصواب؛ لأن نصوص المتقدمين كلها على جعله ضدا للجهر، وهو يقتضى الإسرار به. المبحث الرابع: في الوقف عليها: يجوز [فصل] ما ليس بقرآن بإجماع مما هو قرآن بلا خلاف، والابتداء بما بعدها بسملة كان أو غيرها، ويجوز وصلها بما بعدها، لكن ظاهر كلام الداني أن الأولى [وصلها] بالبسملة، لأنه قال في

стр. 1279

"الاكتفاء": الوقف على آخر التعوذ تام، وعلى آخر البسملة أتم، ورجح ابن الباذش في "الإقناع": الوقف لمن مذهبه الترتيل، وأما من لم يسم مع الاستعاذة فالأشبه أن يسكت عليها ولا يصلها بشيء من القرآن، ويجوز وصلها. وعلى الوصل لو التقى مع الميم مثلها، نحو: ﴿العظيم (١٠٥) ما ننسخ﴾ [البقرة: ١٠٥ - ١٠٦] أدغم من مذهبه الإدغام، كما يجب حذف همزة الوصل في نحو ﴿الجحيم (١٩) اعلموا أنما﴾ [الحديد ١٩ - ٢٠] ونحو ذلك. وورد من طريق أحمد بن إبراهيم [القصباني] عن محمد بن غالب، عن شجاع، عن أبى عمرو أنه كان يخفي الميم من الرجيم عن

стр. 1280

باء بسم الله. المبحث الخامس: إذا قرأ جماعة جملة، هل يشرع لكل واحد الاستعاذة، أو يكفى استعاذة بعضهم؟ الظاهر الاستعاذة لكل واحد؛ لأن المقصود اعتصام القارئ والتجاؤه بالله من شر الشيطان. المبحث السادس: إذا قطع القارئ القراءة لعارض عن سؤال أو كلام يتعلق بالقراءة لم يعدها، بخلاف ما إذا كان الكلام أجنبيا، ولو رد السلام فإنه يستأنف الاستعاذة، والله أعلم. انتهى.

стр. 1281

النوع الرابع والسبعون علم البسملة

стр. 1282

النوع الرابع والسبعون علم البسملة ولم يفرد هذا النوع الحافظ السيوطي- رحمه الله تعالى - في "الإتقان". البسملة: مصدر بسمل، نحو: حوقل، وهيلل، وحمدل/، إذا قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، ولا إله إلا الله، والحمد لله، وهذا شبيه بباب البحث في النسب، أي: أنهم يأخذون اسمين، فينتخبون لفظا واحدا فينسبون إليه كقولهم: حضرمي، وعبقسي، وعبشمي، نسبه إلى حضرموت، وعبد القيس، وعبد شمس، قال: وتضحك مني شيخة عبشمية ... كأن لم تر قبلي أسيرا يمانيا وهو غير مقيس، فلا جرم أن بعضهم قال في: بسمل وهيلل، أنها لغة مولدة. قال الماوردي: يقال لمن قال: بسم الله مبسمل، وهي لغه مولدة،

стр. 1283

وقد جاءت في الشعر، قال عمرو بن ربيعة: لقد بسملت ليلى غداة لقيتها ... فيا حبذا ذاك الحديث المبسملا ونقلها غيره من أهل اللغة، ولم يقل أنها مولده كثعلب، و [المطرزي] والكلام على البسملة في مباحث: الأول: أنه لا خلاف أنها بعض آية من (النمل) في قوله: ﴿وإنه بسم الله الرحمن الرحيم﴾ [النمل: ٣٠]، وقال القاضي أبو بكر ابن العربي: اتفق الناس على أنها آية كما نص عليه أبو بكر الرازي، وعبارته: لا خلاف بين الناس أنها ليست آية تامة في سورة (النمل) وانها هناك بعض

стр. 1284

آية. ثم إن ابتداء الآية قوله تعالي: ﴿إنه من سليمن﴾، ولا خلاف - أيضا -أن نصفها الأول بعض آية، نحو: ﴿بسم الله مجرها﴾ [هود: ٤١]، وكذا الأخير نحو ﴿الرحمن الرحيم﴾ [الفاتحة: ٣]. وأما في أوائل (الفاتحة) وغيرها، فمذهب الإمام أبى حنيفة - رحمه الله تعالى - أنها آية من القرآن أنزلت للفصل بين السور، ليست من الفاتحة، ولا ممن غيرها. ومذهب الإمام مالك: أنها للفصل من في أوائل السور، وليست من القرآن. ومذهب الشافعي - رحمه الله تعالى - أنها آية مستقلة من أول الفاتحة، بلا خلاف عنده ولا عند أصحابه، أنها آية مستقلة من أول الفاتحة بلا خلاف عنده، ولا عند أصحابه لحديث أم سلمة المروي في "البيهقي" و "صحيح ابن خزيمة" أن رسول الله ﷺ قرأ: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾ في أول (الفاتحة) في الصلاة، وعدها آية. وفى رواية الشافعي

стр. 1285

قال: قرأ رسول الله ﷺ (فاتحة الكتاب) فعد: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾ آية، ﴿الحمد لله رب العلمين﴾ آية، ﴿الرحمن الرحيم﴾ آية، ﴿ملك يوم الدين﴾ آية، ﴿إياك نعبد وإياك نستعين﴾ آية، ﴿اهدنا السراط المستقيم﴾ آية، ﴿صرط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين﴾. وهذا استدلال جيد لولا أن يقال: إن (وعدها آية) من فهم الراوي. وفي "سنن البيهقي" عن علي، وأبى هريرة، وابن عباس - رضى الله تعالى عنهم - وغيرهم: أن (الفاتحة) هي السبع المثاني، وهي سبع آيات، وأن البسملة هي الأولى، وهي الآية السابعة. وعن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - في قوله تعالى ﴿ولقد ءاتيناك سبعا من المثانى﴾ [الحجر: ٨٧] قال: هي فاتحة الكتاب، قيل: فأين السابعة؟ قال ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾، وفيه نظر، إذ غاية ما فيه أنه قول صحابي، لا يقال: إنهم قالوه ولم يخالفوا فكان إجماعا سكوتيا؛ لأن الواقع بخلافه، فكم من مخالف حينئذ. وروى الدارقطني عن أبى هريرة - رضى الله تعالى عنه - قال: قال رسول الله ﷺ : إذا قرأتم ﴿الحمد لله﴾ فاقرؤوا: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾ إنها أم القرآن، وأم الكتاب، والسبع/ المثاني، و ﴿بسم الله الرحمن

стр. 1286

الرحيم﴾ إحدى آياتها". قال الرارقطني: رجال إسناده كلهم ثقات. المبحث الثاني: في حكمها بين السورتين: اختلف في الفصل والوصل بينها البسملة وتركها، فقرأ قالون وورش من طريق الأصبهاني، وابن كثير، وعاصم، والكسائي، وكذا أبو جعفر في الفصل بينهما بالبسملة؛ لأنها عندهم آية، لحديث سعيد بن جبير: كان ﵊ لا يعلم انقضاء السورة حتى ينزل عليه: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾، ولثبوتها في المصحف بين كل سورتين ماعدا براءة. ووافقهم ابن محيصن، والمطوعي، واختلف عن ورش ممن طريق [الأزرق]، وأبي عمرو، وابن عامر وكذا يعقوب في الوصل والسكت والبسملة بينهما جمعا بين الدليلين. ووافقهم اليزيدي. فأما ورش فالبسملة له في "التبصرة" من قراءته على أبي عدي، وهو إحدى الثلاثة، أي الأوجه في "الشاطبية" والوصل من غير بسملة قطع له به في العنوان والمفيد، وهو الثاني في "الشاطبية".

стр. 1287

وبالسكت ابن غلبون، وابن [بليمة]، وهو الذى في "التيسير" لابن بليمة، وبه قرأ الداني على جميع شيوخه، وهو الثالث في "الشاطبية". وأما أبو عمرو فقطع له بالوصل من غير بسملة صاحب "العنوان"، وهو احد الوجهين في "الشاطبية" وفاقا لجامع البيان، وبه قرأ الداني على شيخه الفارسي. وبالسكت صاحب "الهدايه" في الوجه الثاني، وهو الذى في سائر كتب العراقيين لغير ابن حبش عن السوسي، واختاره الداني وهو الوجه الآخر في "الشاطبية" وقطع له بالبسملة صاحب "الهادي"، ورواه ابن [حبش] عن السوسي. وأما ابن عامر فقطع له بالبسملة في "العنوان"، وفاقا لسائر العراقيين، وبه قرأ الداني على أبي الفتح الفارسي، ولم يذكر المالكي في "الروضة" سواه، وبالوصل صاحب "الهداية"، وهو أحد الوجهين في "الشاطبية".

стр. 1288

واما يعقوب فقطع له بالبسملة الداني، وبالوصل صاحب "الغاية"، وبالسكت صاحب "المستنير" كسائر العراقيين. فالوصل لبيان ما في أواخر السورتين من إعراب، وبناء [و] همزات وصل، ونحو ذلك، والسكت لأنهما آيتان وسورتان، وفيه اشترط بالانفصال. واشترط في السكت أن يكون من دونه النفس، واختلف ألفاظهم في التأدية عن زمن السكت، وفى "المبهج": وقفة تؤذن بإسرارها. أي البسملة، وهذا يدل على المهلة، وفي "جامع البيان" خفيفة من غير قطع شديد، وقال أبو العز: سكتة يسيرة، إلى غير ذلك من ألفاظهم المخرج استقصاؤها من غرض الاختصار خصوصا، وحاصلها يرجع إلى أنه دون زمن الوقف عادة، وهو في مقداره بحسب مذاهبهم في التحقيق والحدر والتوسط حسبما تحكم المشافهة. قال في "النشر" والصواب حمل دون من قولهم: دون تنفس. أن تكون بمعنى غير، كما دلت عليه نصوصهم وما أجمع عليه أهل الأداء من المحققين من أن السكت لا يكون إلا مع عدم التنفيس سواء قل منه أو كثر. ويؤيده ما تقدم من صاحب "المبهج": [سكته تؤذن بإسرارها] فإن الزمن الذي يؤذن بإسرار البسملة أكثر من زمن إخراج النفس. وقد علم بهذا أن حمل (دون) على معنى/ أقل خطأ. وعلى تقدير حملها على معنى أقل، فلابد من تقديره كما قدروه من قولهم: أقل من زمان

стр. 1289

إخراج النفس، ونحو ذلك، وعدم التقدير أولى، والله أعلم. وإذا فصل بين السورتين بالبسملة جاز لكل من روينا عنه ثلاثة أوجه: وصلها بالماضية مع الآتية لأنه الأصل. وفصلها عنها؛ لأن كلا من الطريقين وقف تام. وفصلها عن الماضية ووصلها بالآتية. قال الجعبري: وهو أحسنها لإشعاره بالمراد، وهو أنها للتبرك والابتداء، من السورة، ويمتنع وصلها بالماضية وفصلها عن الآتية لأن البسملة لأوائل السور لا لأواخرها، والمراد بالفصل والقطع والوقف. نص عليه الشاطبي بقوله: . . . . . . . . . . . . . ... فلا تقفن الدهر فيها فتثقلا وتعقبه الجعبري فقال: لو قال: فلا تسكتن، لكان أشد لما يلزم

стр. 1290

من نفي السكت نفي الوقف، بخلاف الوقف. وتعقبه ابن الجزري قال: إنه وهم لم يتقدمه إليه أحد، قال: وكأنه فهمه من كلام السخاوي حيث قال: فإذا لم تصلها بآخر السورة جاز أن يسكت عليها، فلم يتأمله، ولو تأمله لعلم أن مراده بالسكت الوقف، فإنه قال أول الكلام: اختاره الأئمة لمن يفصل بالتسمية أن يقف القارئ على أواخر السورة، ثم يبتدئ بالتسمية. وقراءة حمزة، وكذا خلف بوصول آخر السورة بأول التي تليها من غير بسملة؛ لأن القرآن عندهما كالسورة الواحدة. قال حمزة فيما روي عنه: القرآن عندي كالسورة الواحدة، فإذا بسملت في الفاتحة أجزأني ولم أحتاج إليها كالأبعاض، إذا لم أحتج إلى الفصل بالبسملة لم أحتج إلى السكت". واحتاجوا لترك البسملة بالحديث المروي: كنا نكتب "باسمك اللهم"، فلما نزلت: ﴿بسم الله مجرها﴾ كتبناها ﴿بسم الله﴾، فلما نزل: ﴿قل أدعو الله أو ادعو الرحمن﴾ كتبنا: ﴿بسم الله الرحمن﴾ فلما نزل: ﴿إنه من سليمن وإنه بسم الله الرحمن الرحيم (٣٠)﴾ [النمل] كتبناها. قالو: فهذا دليل على أنها لم تنزل أول كل سورة، والله اعلم. وقد اختار كثير من الأهل الأداء عن من وصل السورة بالسورة لمن ذكر من ورش، وأبي عمرو، وابن عامر، وحمزة، وكذا يعقوب السكت بين (المدثر) و (القيامة)، وبين (الانفطار) و (المطففين)، وبين (الفجر) و (البلد)، وبين (العصر) و (الهمزة)، كاختيار الأخذين بالسكت لورش، وابن عامر، وأبي عامر، وكذا يعقوب الفصل بالبسملة بين [السور] المذكورة. وإنما اختاروا

стр. 1291

ذلك لبشاعة اللفظ، ففصلوا بالبسملة للساكن، وبالسكت للواصل، ولم يمكنهم البسملة لأنهم ثبت عنه النص بعدم البسملة. فلو بسملوا [لصادموا] النص بالاختيار، وذلك لا يجوز، واحتجاج مكي في الكشف للفصل بالسملة لقوله ﷺ "لا أحب العقوق"، قال مالك: كأنه كره الاسم. وبذم الخطيب الواصل: من يطع الله وسوله فقد رشد، ومن يعصيهما بقبح لفظه، وليس بشيء؛ لأنه في الأول: كره الاشتقاق، وليس هذا منه، وفي الثاني: ذاد في تقصير الخطبة، وهو الذي يقتضيه سياق مسلم؛ لأنه في مقام تعليم، ورشد، وبيان، ونصح، فلا يتناسب غاية الإيجاز، وهذا هو الصحيح في سبب الذم وقيل: لجمعه بين الله ورسوله في كلمة، وليس بشيء، أيضا، وفيما

стр. 1292

عدل إليه القراء نظر، لأنهم فروا من قبيح إلى أقبح منه، لأن من وجوه/ البسملة فليلتصق معهم الرحيم بويل، وأيضا، في القرآن كثير من هذا نحو: ﴿إنا كذلك نجزى المحسنين (٤٤) ويل يومئذ للمكذبين (٤٥)﴾ [المرسلات: ٤٥، ٤٤]، والأكثرون على عدم التفرقة بين الأربعة وغيرها، وهو مذهب المحققين. المبحث الثالث: لا خلاف في حذف البسملة إذا ابتدأت براءة وصلتها ب (الأنفال) على الصحيح، وقد حاول بعضهم جوازه في أولها. وقال السخاوي: إنه القياس، ووجهوا المنع بنزولها بالسيف. قال ابن عباس ﵄: بسم الله أمان وليس فيها أمان. ومعناه: أن العرب كانت تكتبها أول رسالاتهم في الصلح والأمان، فإذا نبذوا العهد والأمان لم يكتبوها. قال السخاوي: فيكون مخصوصا بمن نزلت فيه، ونحن إنما نسمي للتبرك. انتهى. ومما احتجوا به للمنع أنهم لم يقطعوا بأن (براءة) سورة قائمة بنفسها دون (الأنفال). قال ابن عباس: سألت عثمان عن ذلك فقال: كانت (الأنفال) من أول ما نزلت بالمدينة، و (براءة) من آخر القرآن، وقصتها شبيهة

стр. 1293

بقصتها، وقبض رسول الله ﷺ وما بين لنا، فظننت أنها منها فقربت بينهما، ولم أكتب بينهما البسملة، وهذا يخيل الخلاف، لأن غايته أنها جزء منها. وقيل: الحجة قول أبي - رضى الله تعالى عنه-: كان رسول الله ﷺ يأمرنا بها في أول كل سورة، ولم يأمرنا في أولها بشيء، وعورض بأن عدم الأمر يوجب التخيير لا الإسقاط أصلا، لأن الأجزاء لم يكن يأمرهم فيها بشيء. وقيل: قول مالك: نسخ أولها يوجب التأخير، لكن القراء مجموعون على ترك البسملة فيها، وأما تجويز ابن [شيطا] الابتداء بها فيها تبركا دون الفصل بينهما بالبسملة، وقال: إنه بدعة وضلالة وخرق للإجماع ومخالف للمصحف. فقال ابن الجزري: لقائل أن يقول له ذلك أيضا في البسملة، أولها أنه خرق للإجماع ومخالف للمصحف، و [لا] تصادم النصوص [بالآراء]. ولو وصلت (براءة) بآخر السورة سوى (الأنفال) فالحكم كما لو وصلت بها.

стр. 1294

المبحث الرابع: تجوز البسملة وعدمها في الابتداء بما بعد أوائل السور ولو بكلمه لكل من القراء تخييرا، كذا أطلق التخيير في الوجهيين الشاطبي، كالداني. ومنهم من خص البسملة عما وصل بها بين الصورتين كابن كثير وأبي جعفر، ويتركها عما لم يفصل بها كحمزة وخلف، وكان الشاطبي يأمر بالبسملة بعد الاستعاذة في قوله تعالى: ﴿الله لا إله إلا هو الحى القيوم﴾ [البقرة: ٢٥٥]، وقوله: ﴿إليه يرد علم الساعة﴾ [فصلت: ٤٧] لما في ذلك من البشاعة. قال في "النشر": وهو اختيار مكي في "التبصرة"، وينبغي أن ينهى عن البسملة [قياسا] في قوله تعالى: ﴿الشيطن يعدكم الفقر﴾ [البقرة: ٢٦٨]، وقوله: ﴿لعنه الله﴾ [النساء: ١١٨]، ونحو ذلك لبشاعته. وأما الابتداء بما بعد/ (براءة) منها فلا نص للمتقدمين فيه، وظاهر إطلاق كثير من أهل الأداء كالشاطبي التخيير فيها. واختار السخاوي في "جمال القراء" الجواز وقال: ألا ترى أنه يجوز بلا خلاف أن

стр. 1295

يقول: بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿وقتلوا المشركين﴾ [التوبه ٣٦]، وإلى منعها ذهب الجعبري، و [تعقب] السخاوي فقال: إن كان نقلا فمسلم، وإلا فرض عليه؛ لأنه تفريغ على غير أصل ومصادم لتعليلة. وتعقب الجعبري بأنه لعله لم يقف على كلامه، وإلا فهو قد أقام الدليل على جوازها في أولها كما تقدم، والصواب كما في "النشر" أن يقال: إن من ذهب إلى ترك البسملة في أوساط غير (براءة) لا إشكال في تركها عنده، ومن/ ذهب إلى التفصيل أول البسملة والمنع في أول (براءة) منع في وسط السورة تبع لأولها، ولا تجوز البسملة أولها وكذلك وسطها. وأما من ذهب إلى في الاجزاء مطلقا فإن أعتبر بقاء أثر العلة التي من أجلها حذفت البسملة أولها، وهى نزولها بالسيف كالشاطبي ومن سلك مسلكه لم يبسمل، وإن لم يعتبر بقاء أثر ما ولم يرها عله بسمل بلا نظر، والله أعلم، فهذا ما تيسر من القول في البسملة.

стр. 1296

النوع الخامس والسبعون علم التكبير

стр. 1297

النوع الخامس والسبعون علم التكبير ولم يفرد هذا النوع الحافظ السيوطي - لاحمه الله تعالى - في "الإتقان" وهو مصدر كبر تكبيرا إذا قال: الله اكبر، ومعناه: الله أعظم من كل عظيم. فإن قلت: إن قول: الله أكبر إن قصد به التفضيل كما لا يخفى، وإن كان بمعنى كبير لزم صحه الإحرام في الصلاة به، ولم يقل به الأئمة كمالك والشافعي، أجيب بأن المقصود به التفضيل، ولا يلزم منه المشاركة، فقد يقصد بأفعل التفضيل التباعد عن الغير في الفعل لا بمعنى تفضيله بعد المشاركة في أصل الفعل؛ بل معنى أنه متباعد في أصل الفعل متزايد في كماله، قصد إلى تمايزه في أصله حتى يفيد عدم وجود أصل الفعل للغير فيحصل كمال التفضيل كقوله تعالى: ﴿رب السجن أحب إلى مما يدعوننى﴾ [يوسف: ٣٣] في نظائر ذلك. أقول: كذا ذكر الحافظ القسطلاني، وعندي أن الجواب عن ذلك: أن الله ﷺ جعل في بعض مخلوقاته ومصنوعاته من العظمة، والكبرياء، والقوه، والهيبة، والعظمة، أمرا عظيما، مثل الشمس، والقمر، والسموات، والأرضين، والبحار، وأمثال ذلك من العوالم العظيمة الكبيرة،

стр. 1298

حتى إن بعض الخلق الذين قصرت أفكارهم ومعارفهم لما رأى ما فيها من الكبرياء ظنوها هي الصانع المقصود بالعبادة فعبدوها على وجه الغلط، فأمر الله - جل شأنه - عباده المؤمنين أن يقولوا: الله أكبر، أي: الله أعظم وأكبر من هذه الموجودات التي ترى عظيمه كبيرة، وأجل وأقوى فلا سوى عظمته وكبريائه شيء؛ بل هو أكبر وأجل من كل كبير، الله أعلم. والكلام في التكبير في مباحث: أولها في سببه ومحله: أما سببه فروينا عن البزي، أن الأصل في ذلك أن النبي ﷺ انقطع عنه الوحي، فقال المشركون: قلى محمدا ربه، فنزلت سورة ﴿الضحى﴾ فقال النبي ﷺ : "الله أكبر" تصديقا لما كان ينتظر من الوحي، وتكذيبا للكفار. وأمره ﷺ بعد ذلك أن يكبر إذا بلغ ﴿الضحى﴾ مع خاتمة كل سورة حتى يختم تعظيما لله تعالى، واستصحابا للشكر، وتعظيما لختم القرآن. وقيل: كبر رسول الله ﷺ لما رأى من صورة جبريل ﵇ التي خلقه الله عليها عند نزوله بهذه السورة، فقد ذكر الإمام أبو بكر محمد بن

стр. 1299

إسحاق عن هذه السورة أنها التي جاء بها جبريل ﵇ على رسول الله ﷺ حين تبدى له في صورته التي خلقه الله عليها، ودنا إليه وتدلى منهبطا وهو بالأبطح، وهذا قوى جدا، إذ التكبير إنما يكون غالبا لأمر عظيم أو مهول. رواه/ الحافظ أبو العلاء بإسناده إلى أحمد بن فرح عن البزي، وكذا رواه غيره، لكن قال الحافظ عماد الدين ابن كثير: إنه لم يرد بإسناد يحكم عليه بصحة ولا ضعف. ومراده - كما "النشر"- كون هذا سبب التكبير، وإلا فانقطاع الوحى مده، أو إبطاؤه مشهور.

стр. 1300

وروينا، أيضا، عن أحمد بن فرح قال: حدثني ابن أبي بزة بإسناده: ان النبي ﷺ أهدي إليه قطف عنب جاء قبل أوانه فأكل منه، فجاءه سائل فقال: أطعموني مما رزقكم الله، قال: فسلم إليه العنقود، فلقيه بعض الصحابة فاشتراه منه وأهداه للنبي ﷺ فعاد السائل الى النبي ﷺ فسأل فأعطاه إياه، فلقيه رجل أخر من الصحابة، فاشتراه منه، وأهداه للنبي ﷺ فعاد السائل فانتهره، فانقطع الوحى عن النبي ﷺ اربعين صباحا، فقال المنافقون: قلى محمد ربه، فجاء جبريل فقال اقرأ يا محمد، فقال: "وما أقرأ؟ " قال: اقرأ: ﴿والضحى﴾ فلقنه السورة، فأمر النبي ﷺ أبيا لما بلغ ﴿والضحى﴾ أن يكبر مع خاتمة كل سوره حتى يختم. وهو حديث معضل غريب جدا بهذا السياق، وهو مما انفرد به ابن أبي بزة.
следующие страницы →