← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 150960

الزيادة والإحسان في علوم القرآن

محمد عقيلة

Полный текст (4 238 стр.). Показаны 1401–1440 · переход к 1406.

стр. 1401

﴾ على الله كذبا﴾ [١٥] ب (الكهف)، ﴿والسلوى﴾ [١٦٦] ب (طه)، ﴿وابتغوا أهواءهم﴾ ب (القتال) [محمد: ١٦]، ﴿والأنثى﴾ [٤٥] ب (النجم). وقد يتوجه الأمران في كلمة فيختلف فيها، فمنها البسملة: وقد نزلت بعض آية في (النمل)] آية: ٣٠].] وبعضها [آية في (الفاتحة)، ونزلت أولها في بعض الأحرف السبعة، فمن قرأ بحرف نزلت فيه عدها آية، لم يحتج إلى إثباتها بالقياس للنص المتقدم، خلافا للداني، ومن قرأ بحرف لم تنزل معه لم يعدها، ولزمه من إجماع كونها سبع آيات أن يعد عوضها﴾ عليهم ﴿الأولى، وهي مماثلة في] الروي]. وإن تجردت نحو: ﴿ماغشيهم﴾ [طه: ٧٨]، و﴾ ولا يضركم﴾ [الأنبياء: ١٦٦ [﴾ ذى ذكر﴾ [ص: ١] و﴾ اليوم الآخر﴾ بـ (الطلاق)، ونزلت، أيضا، مع كل سورة غير (الفاتحة) في بعض الأحرف. ومنها حروف الفواتح فوجه عدها استقلالها على الرفع والنصب، ومناسبة الروي والردف، ووجه عدمها الاختلاف في الكلمة والتعليق على الجر، ولم يلحق بها﴾ الر﴾ [يونس: ١، هو: ١، يوسف: ١، ابراهيم:

стр. 1402

: ١، الحجر: ١] للمخالفة ولا﴾ طس] ﴿النمل: ١] للموازنة، وكذا نحو: ﴿ص﴾ [ص: ١] ولا يرد﴾ يس] ﴿يس: ١] لزيادة أوله، ولا﴾ حم ﴿للأطراد. ومنها: ب (البقرة)﴾ عذاب أليم﴾ [البقرة: ١٠] و ﴿إنما نحن مصلحون] ﴿البقرة: ١١] وجه عده: مناسبة الروي، ووجه عدمه: تعلقه بتالييه. وكذا﴾ يأولى الألباب﴾ [البقرة: ١٧٩]، و﴾ من خلق﴾ [البقرة: ٢٠٠] الثاني لحمله على الأول، وكذا (ماذا ينفقون) [البقرة: ٢١٥] الثاني إلحاقا بالأول والثالث، وكذا﴾ لعلكم تتفكرون﴾ [البقرة: ٢١٩] وأما﴾ الحى القيوم﴾ [البقرة: ٢٥٥]، فيرد حمله على (آل عمران) تسمية النبي ﷺ (آية الكرسي): من﴾ الله لا إله إلا هو الحي القيوم﴾. ومنها: (إلى بني إسراءيل) [٤٩] ب (آل عمران) حملا على ما في (الأعراف) [آية: ١٠٥] و (الشعراء) [آية: ١٧]، و (السجدة) [آية: ٢٣]، و (الزخرف) [آية: ٥٩] لتعلقه بتالييه، وحملا على﴾ لبنى إسراءيل) [آل عمران: ٩٣]. ومنها: ﴿كم بدأكم تعودون﴾ [٢٩] ب (الأعراف)، للاستقلال بتقدير هذا فريق، أو تعودون فريقين.

стр. 1403

ومنها: ﴿ولا يزالون مختلفين] ﴿هود: ١١٨ [لتقدير اتصال الاستثناء وانفصاله. ومنها: ﴿واذكر في الكتب إبراهيم] ﴿مريم: ٤١] ب (مريم) لمناسبة السابق ومباينة اللاحق. ومنها: ﴿فبشر عباد ﴿هكذا ب (الزمر) لتقدير تالييه مفعولا ومبتدأ. ومنها: ﴿كالأعلم﴾ بـ (الشورى)، لا﴾ كالأعلم﴾ بـ (بالرحمن)، ومخالفة الطرفين. ومنها: ﴿والطور﴾ [الطور: ١]، و﴾ الرحمن] ﴿الرحمن: ١]، و﴾ الحاقة﴾ [الحاقة: ١]، ﴿والقارعة﴾ [القارعة: ١]، ﴿والعصر﴾ [العصر: ١] حملا على﴾ والفجر] ﴿الفجر: ١] و﴾ والضحى﴾ [الضحى: ١] والمناسبة، لكت تفاوتت في الكلمية. وقال بعضهم: تقع الفاصلة عند الاستراحة في الخطاب لتحسين الكلام، وهي الطريقة التي يباين القرآن بها سائر الكلام، وتسمى فواصل؛ لأنه ينفصل عنده الكلامان، وذلك أن آخر الآية فصل بينها وبين ما يعدها، وأخذا من قوله تعالى: ﴿كتب فصلت ءايته] ﴿فصلت: ٣ [ولا يجوز تسميتها قوافي إجماعا؛ لأن الله تعالى لما سلب عنه اسم الشعر وجب سلب القافية عنه أيضا؛ لأنها منه وخاصة به في الاصطلاح، وكما/يمتنع

стр. 1404

استعمال القافية فيه يمتنع الفاصلة في الشعر؛ لأنها صفة لكتاب الله فلا تتعداه. وهل يجوز استعمال السجع في القرآن؟ فيه خلاف: الجمهور على المنع، لأن أصله من سجع الطير فيشرف القرآن أن يستعار لشيء منه لفظ أصله مهمل، ولأجل تشريفه عن مشاركة غيره من الكلام الحادث بذلك، ولأن القرآن من صفاته تعالى، فلا يجوز وصفة بصفة لم يرد الإذن بها. وقال الرماني في"إعجاز القرآن" ذهب الأشعرية إلى امتناع أن يقال في القرآن: سجع، فرقوا بأن السجع هو الذي يقصد في نفسه، ولذلك كانت الفواصل بلاغة، والسجع عيبا، وتبعه على ذلك القاضي أبو بكر الباقلاني، ونقل عن نص أبي الحسن الأشعري قال:

стр. 1405

وأصحابنا كلهم، وقال: ذهب كثير من غير الأشاعره إلى إثبات السجع في القرآن، وزعموا أن ذلك مما يبين به فضل الكلام، وأنه من الأجناس التي يقع بها التفاضل في البيان والفصاحة كالجناس والالتفات ونحوهما، قال: وأقوى ما استدلوا به الإتفاق على أن موسى أفضل من هارون، ولمكان السجع قبل موضع: ﴿وهرون وموسى﴾ [طه: ٧٠]، ولما كانت الفواصل في موضع آخر بالواو والنون قيل: ﴿موسى وهرون﴾ [الشعراء: ٤٨] قالوا: وهذا بفارق امر الشعر، لأنه لا يجوز أن يقع في الخطاب إلا مقصودا إليه، وإذا وقع غير مقصود إليه كان دون القدر الذي تسمية شعرا، وذلك القدر مما يتفق وجوده من المفحم كما يتفق وجوده من الشاعر. وأما ما جاء في القرآن من السجع فهو كثير، لا يصح أن يتفق كله

стр. 1406

غير مقصود إليه. وبنوا الأمر في ذلك على تحديد معنى السجع. فقال أهل اللغة: هو موالاة الكلام على حد واحد وقال ابن دريد: سجعت الحمامة: معناه رددت صوتها. قال القاضي: وهذا غير صحيح، ولو كان القرآن سجعا لكان غير خارج عن أساليب كلامهم، ولو كان داخلا فيها لم يقع بذلك إعجاز، ولو جاز أن يقال: سجع معجز، لجاز أن يقولوا: شعر معجز، والسجع مما كان يتألفه الكهان من العرب، ونفيه من القرآن أجدر بأن يكون حجة من نفي الشعر، لأن الكهان من العرب تنافي النبوات بخلاف الشعر، وقد قال صلى الله وعليه وسلم "أسجع كسجع الكهان" فجعله مذموما. قال: وما توهموا أنه سجع باطل لأن مجيئه على صورته لا يقتضى كونه هو، لأن السجع يتبع المعنى فيه اللفظ الذي يؤدي السجع، وليس كذلك ما اتفق مما هو في معنى السجع من القرآن، لأن اللفظ وقع فيه تابعا للمعنى، وفرق بين أن ينتظم الكلام في نفسه بألفاظه التي تؤدي المعنى المقصود منه، وبين أن يكون المعنى منتظما دون اللفظ، ومتى ارتبط

стр. 1407

المعنى بالسجع، كان إفادة السجع كإفادة غيره، ومتى انتظم المعنى بنفسه دون السجع كان] مستجلبا [لتحسين الكلام دون تصحيح المعنى. قال: وللسجع منهج، محفوظ وطريق مضبوط من أخل به وقع الخلل في كلامه، ونسب/إلى الخروج عن الفصاحة، كما أن الشاعر إذا خرج عن الوزن المعهود كان مخطئا، وأنت ترى فواصل القرآن متفاوتة بعضها متداني المقاطع وبعضها يمتد حتى يتضاعف طوله عليه وترد الفاصلة في ذلك الوزن الأول بعد كلام كثير، وهذا في السجع غير مرضي ولا محمود قال: وما ذكروه من تقديم موسى على هارون في موضع، وتأخيره في موضع عنه لمكان السجع وتساوي مقاطع الكلام فليس بصحيح؛ بل الفائدة فيه إعادة القصة الواحدة بألفاظ مختلفة تؤدي معنى واحد، وذلك من الأمر الصعب الذي تظهر فيه الفصاحة، ويتبين فيه البلاغة، ولهذا] أعيدت [الكثير من القصص على ترتيبات متفاوتة تنبيها بذلك على عجزهم عن الإتيان بمثل مبتدأ به ومتكرر، ولو أمكنهم المعارضة لقصدوا تلك القصة وعبروا بألفاظ لهم تؤدي إلى تلك المعاني ونحوها، فعلى هذا القصد بتقديم بعض الكلام على بعض

стр. 1408

وتأخيرها، إظهار الإعجاز دون السجع، إلى أن قال: فبان أن الحروف الواقعة في الفواصل متناسبة موقع النظائر التي تقع في الأسجاع لا تخرجها عن حدها، ولا تدخلها في باب السجع، وقد بينا انهم يذمون كل سجع خرج عن اعتدال الأجزاء، فكان بعض مصاريعه كلمتين، وبعضها أربع كلمات، ولا يرون ذلك فصاحة؛ بل يرونه عجزا، فلو فهموا اشتمال القرآن على السجع لقالوا: نحن نعارضه بسجع معتدل فيزيد في الفصاحة على طريق القرآن. انتهى كلام القاضي في كتاب "الإعجاز" ونقل صاحب عروس الأفراح عنه أنه ذهب في الانتصار إلى جواز تسمية الفواصل سجعا. وقال الخفاجي في"سر الفصاحة": قول الرماني: إن السجع عيب والفواصل بلاغة، غلط، فإنه أراد بالسجع ما يتبع المعنى، وهو غير مقصود، فذلك بلاغة، والفواصل مثله، وإن أراد به ما تقع المعاني تابعة له، وهو مقصود متكلف فذلك عيب، والفواصل مثله ... ،

стр. 1409

قال: وأظن الذي دعاهم إلى تسمية كل ما في القرآن فواصل، ولم يسموا ما تماثلت حروفه سجعا، رغبتهم في تنزيه القرآن عن الوصف اللاحق بغيره من الكلام المروي عن الكهنة وغيرهم، وهنا عرض في التسمية قريب، والحقيقة ما قلناه ... قال: والتحقيق أن الأسجاع حروف متماثلة في مقاطع الفواصل. قال: فإن قيل: إذا كان عندكم أن السجع محمود/فهلا ورد القرآن حله مسجوعا، و] ما [الوجه في ورود بعضة مسجوعا وبعضه غير مسجوع؟ . قلنا: إن القرآن نزل بلغة العرب، وعلى عرفهم، وعادتهم، وكان الفصيح منهم لا يكون كلامه كله مسجوعا لما فيه من أمارة التكليف والاستكراه، لا سيما مع طول الكلام، فلم يرد كله مسجوعا جريا منه على عرفهم في ....

стр. 1410

] الطبقة [العالية من كلامهم، ولم يخل من السجع لأنه يحسن في بعض الكلام على الصيغة السابقة. قلت: قوله: نزل على عرفهم وعادتهم كلام غير محرر، فإنه قد اشتهر وتواتر عن العرب استغرابهم طريقة القرآن حتى قال قائلهم: قد نظرت في الشعر وأنواعه فلم أره يشبهه، وقد نظرت في السجع وأنواعه فلم أره منه، ولكونه مخالفا لطرائقهم جاء مسجعا في بعض الآيات وغير مسجع في بعض الآيات ليكون أنموذجا مفردا. قال ابن النفيس: يكفي في حسن السجع ورود القرآن به، قال: ولا يقدح في ذلك خلوه من بعض الآيات، لأن الحسن قد يقتضي المقام الانتقال إلى أحسن منه. وقال حازم: من الناس من يكره تقطيع الكلام إلى مقادير متناسبة الأطراف] غير [متقاربة في الطول والقصر، لما فيه من/التكلف إلا ما يقع به الإلمام في النادر من الكلام، ومنهم من يرى أن التناسب الواقع بإفراغ

стр. 1411

الكلام في قوالب التقفية وتحليتها بمناسبات المقاطع أكيد جدا، ومنهم-وهو الوسط- من يرى أن السجع- وإن كان زينة الكلام- فقد يدعو إلى التكلف، فرأى أن لا يستعمل في جملة الكلام، وأن لا يخل الكلام منه جملة، وأنه يقبل منه ما اجتلبه الخاطر عفوا بلا تكلف، قال وكيف يعاب السجع على الإطلاق، وإنما نزل القرآن على أساليب الفصيح] من [كلام العرب، فوردت الفواصل فيه بإزاء ورود الأسجاع في كلامهم، وإنما لم يجئ على أسلوب واحد لأنه لا يحسن في الكلام جميعا أن يكون مستمرا على نمط واحد لما فيه من التكلف، ولما في الطبع من ملل، ولأن الافتنان في ضروب الفصاحة أعلى من الاستمرار على ضرب واحد، فلهذا وردت بعض آي القرآن متماثلة المقاطع، وبعضها غير متماثلة.

стр. 1412

أقول: هذا تعليل- لكون القرآن جاء بعضه مسجعا وبعضه غير مسجع-] استفيدت الطلاوة والحلاوة [منه، لأن هذا الأمر سابق معلوم كما تقدم فليعلم، والله أعلم. فصل: ألف الشيخ شمس الدين ابن الصائغ الحنفي كتابا سماه"إحكام الرأي في أحكام الآي " قال فيه: اعلم أن المناسبة أمر مطلوب في اللغة العربية يرتكب لها أمور من مخالفة الأصول، قال: وقد تتبعت الأحكام التي وقعت في آخر الآي مراعاة للمناسبة فعثرت منها على أربعين حكما. احدهما: تقدم المعمول أمام العامل، نحو﴾ أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون﴾ [سبأ: ٤٠ [قيل: ومنه: ﴿وإياك نستعين﴾ [الفاتحه: ٣ [أو على معمول آخر، أصله التقديم نحو: ﴿لنريك من ءايتنا الكبرى] ﴿طه: ٢٣ [إذا أعربنا﴾ الكبرى ﴿مفعول﴾ نرى﴾. أو على الفاعل نحو﴾ ولقد جاء ءال فرعون النذر﴾ [القمر: ٤١] ومنه تقديم خبر كان على اسمها نحو: ﴿ولم يكن له كفوا أحد﴾، [الاخلاص: ٤] الثاني: تقديم ما هو متأخر في الزمان، نحو: ﴿فلله الآخرة والأولى﴾

стр. 1413

] النجم: ٢٥ [ولولا مراعاة الفواصل لقدمت﴾ الأولى ﴿على الأخرة، كقوله: ﴿له الحمد في الأولى والأخرة﴾ [القصص: ٧٠]. الثالث: تقديم الفاضل على الأفضل، نحو: ﴿برب هرون وموسى﴾ [طه: ٧٠].قلت: وتقدم مافيه. الرابع: تقديم الضمير على ما يفسره نحو: ﴿فأوجس في نفسه خيفة موسى﴾ [طه: ٦٧ [ الخامس: تقديم الصفة الجملة على الصفة المفردة نحو: ﴿ونخرج له يوم القيمة كتبا يلقه منشورا﴾ [الإسراء: ١٣ [ السادس: حذف ياء المنقوص المعرف نحو: ﴿الكبير المتعال] ﴿الرعد: ٩] و ﴿يوم التناد﴾ [غافر: ٣٢] السابع: حذف ياء الفعل غير المجزوم، نحو: ﴿واليل إذا يسر﴾ [الفجر: ٤] الثامن: حذف ياء الإضافة نحو: ﴿فكيف كان عذابي ونذر] ﴿القمر: ١٦]، ﴿فكيف كان عقاب﴾ [الرعد: ٣٢] التاسع: زيادة حرف المد، نحو: ﴿الظنونا] ﴿الاحزاب: ١٠] و ﴿الرسولا﴾ [الاحزاب: ٦٦] و ﴿السبيلا﴾ [الاحزاب: ٦٧ [ومنه إبقاؤه مع

стр. 1414

الجازم نحو: ﴿لا تخف دركا ولا تخشى] ﴿طه: ٧٧ [﴾ سنقرئك فلا تنس﴾ [الأعلى: ٦]، على القول بأنه نهي. العاشر: صرف ما لا ينصرف نحو: ﴿قواريرا قواريرا﴾ [الإنسان: ١٥ - ١٦ [ الحادي عشر: إيثار تذكير اسم الجنس كقوله: ﴿أعجاز نخل منقعر﴾ [القمر: ٢٠ [ الثاني عشر: إيثار تأنيثه نحو: ﴿أعجاز نخل خاوية﴾ [الحاقة: ٧ [ونظير هذين قوله في القمر: ﴿وكل صغير وكبير مستطر﴾ [القمر: ٥٣]، وفي الكهف: ﴿لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصها﴾ [الكهف: ٤٩ [ الثالث عشر: الاقتصار على أحد الوجهين الجائزين اللذين قرئ بهما في السبع في غير ذلك، كقوله: ﴿فأولئك تحروا رشد﴾ [الجن: ١٤] ولم يجئ ﴿رشدا﴾ في السبع، وكذا ﴿وهيئ لنا من أمرنا رشدا﴾ [الكهف: ١٠]، لأن الفواصل في السورتين متحركة الوسط، وقد/جاء في﴾ وإن يروا سبيل الرشد﴾ [الاعراف: ١٤٦]، وبهذا يبطل ترجيع الفارسي قراءة التحريك بالإجماع عليه فيما تقدم، ونظير ذلك قراءة﴾ تبت يدا أبي لهب﴾ [المسد: ١] بفتح الهاء وسكونها وغن لم يقرأ: ﴿سيصلى نارا ذات لهب﴾ [المسد: ٣ [إلا بالفتح المراعاة الفاصلة. الرابع عشر: إيراد الجملة التي يرد بها ما قبلها على غير وجه المطابقة في الاسمية والفعلية، كقوله تعالى: ﴿ومن الناس من يقول ءامنا بالله وباليوم الأخر وما هم بمؤمنين (٨)﴾ [البقرة: ٨]، ولم يطابق بين قولهم: ﴿ءامنا ﴿وبين ما ورد به فيقول: "ولم يؤمنوا"، "وما آمنوا" لذلك.

стр. 1415

الخامس عشر: إيراد احد القسمين غير مطابق للآخر كذلك، نحو: ﴿فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكذبين﴾، ولم يقل: ﴿الذين كذبوا ﴿ السادس عشر: إيراد أحد جزأي الجملتين على غير الوجه الذي أورد نظيرها من الجملة الأخرى نحو: ﴿أولئك الذين صدقوا وأولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون ﴿ السابع عشر: إيثار أغرب اللفظين، نحو: ﴿قسمة ضيزى﴾ [النجم: ٢٢]، ولم يقل: جائزة، ﴿ولينبذن في الحطمة﴾ [الهمزة: ٤] ولم يقل: في جهنم أو النار، وقال في (المدثر (: ﴿سأصليه سقر (٢٦)﴾ وفي (سأل (﴾ كلا إنها لظى﴾ [المعارج: ١٥]، وفي (القارعة): ﴿فأمه هاوية ﴿لمراعاة فواصل كل سورة. الثامن عشر: اختصاص كل من المشتركين بموضع، نحو: ﴿وليذكر أولوا الألبب﴾ [إبراهيم: ٥٢]، وفي (طه): ﴿إن في ذلك لأيت لأولى النهى﴾ [١٢٨]. التاسع عشر: حذف المفعول، نحو: ﴿فأما من أعطى وأتقى (٥)﴾ [الليل: ٥]، و﴾ ما ودعك ربك وما قلى (٣)﴾. [الضحى: ٣]. ومنه حذف متعلق أفعل التفضيل، نحو: ﴿يعلم السر وأخفى﴾ [طه: ٧]، ﴿والله خير وأبقى﴾ [طه: ٧٣]. العشرون: الاستغناء بالإفراد عن التثنية، نحو﴾ فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى﴾ [طه: ١١٧]. الحادي والعشرون: الاستغناء به عن الجمع، نحو: ﴿واجعلنا للمتقين إماما﴾ [الفرقان: ٧٤]، ، ولم يقل: أئمة، كما قال: ﴿وجعلنهم أئيمة يهدون﴾ [الأنبياء: ٧٣]، ﴿إن المتقين في جنت ونهر (٥٤)﴾ [القمر: ٥٤] أي أنهار. الثاني والعشرون: الاستغناء بالتثنية عن الإفراد، نحو: ﴿ولمن خاف مقام ربه جنتان (٤٦)﴾ [الرحمن: ٤٦]. قال الفراء: أراد جنة كقوله: ﴿فإن الجنة هى

стр. 1416

المأوي (٤١)﴾ [النازعات: ٤١] فأثنى لأجل الفاصلة، قال: والقوافي تحتمل من الزيادة والنقصان ما لا يحتمله سائر الكلام، ونظير ذلك قول الفراء-أيضا- في قوله: ﴿إذ انبعث أشقها (١٢)﴾ [الشمس: ١٢] أنها رجلان: قدار وآخر معه، ولم يقل: "أشقياها" للفاصلة. وقد أنكر ذلك ابن قتيبة وأغلظ فيه، وقال: إنما يجوز في رؤوس الآي زيادة هاء السكت، أو الألف، أو حذف همزة، أو حرف، فأما أن يكون الله- جل شأنه- وعد جنتين فجعلهما جنة واحدة لأجل رؤوس الآي معاذ الله، وكيف هذا وهو يصفهما بصفات الاثنين، قال: ﴿ذواتا أفنان﴾ [الرحمن: ٤٨]، ثم قال: ﴿فيهما﴾ [الرحمن: ٥٠]. وأما ابن الصايغ، فإنه نقل عن الفراء أنه أراد جنات فأطلق الاثنين على الجمع لأجل الفاصلة، ثم قال: وهذا غير بعيد، قال: إنما عاد الضمير بعد ذلك بصفة التثنية مراعاة للفظ، وهذا هو الثالث والعشرون. الرابع والعشرون: الاستغناء بالجمع عن الإفراد نحو: ﴿لا بيع فيه ولا خلل﴾ [إبراهيم: ٣١] أي: ولا خلة، كما في الآية الأخرى، وجمع مراعاة للفاصلة.

стр. 1417

الخامس والعشرون: إجراء غير العاقل مجرى العاقل، نحو: ﴿رأيتهم لى سجدين﴾ [يوسف: ٤] ﴿كل في فلك يسبحون﴾ [الأنبياء: ٣٣]. السادس والعشرون: إمالة ما لا يمال، كآي طه والنجم. السابع والعشرون: الإتيان بصيغة المبالغة ك﴾ قدير ﴿و﴾ عليم ﴿مع ترك ذلك في نحو: ﴿قل هو القادر﴾ [الأنعام: ٦٥]، وهو﴾ علم الغيب﴾ [الأنعام: ٧٣] ومنه: ﴿وما كان ربك نسيا﴾ [مريم: ٦٤]. الثامن والعشرون: إيثار بعض/أوصاف المبالغة على بعض، نحو: ﴿إن هذا لشئ عجاب﴾ [ص: ٥] أوثر على﴾ عجيب ﴿لذلك. التاسع والعشرون: الفصل بين المعطوف والمعطوف عليه نحو: ﴿ولولا كلمة سبقت من ربك لكان لزاما وأجل مسمى (١٢٩)﴾ [طه: ١٢٩]. الثلاثون: إيقاع الظاهر موقع المضمر، نحو: ﴿والذين يمسكون بالكتب وأقاموا الصلوة إنا لا نضيع أجر المصلحين (١٧٠)﴾ [الأعراف: ١٧٠] وكذا آية الكهف: [الإسراء: ٤٥]. الحادي والثلاثون: وقوع مفعول موقع فاعل كقوله: ﴿حجابا مستورا﴾ [الإسراء: ٤٥]، ﴿كان وعده مأتيا﴾ [مريم: ٦١] أي: ساترا وآتيا. الثاني والثلاثون: وقع فاعل موقع مفعول نحو: ﴿عيشة راضية﴾ [الحاقة: ٢١]، ﴿ماء دافق﴾ [الطارق: ١٦] الثالث والثلاثون: الفصل بين الموصوف والصفة نحو: ﴿اخرج المرعى (٤) فجعله غثاء أحوى﴾ [الأعلى: ٦، ٥]. إن إعراب أحوى: صفة المرعى، أي: حالا. الرابع والثلاثون: إيقاع حرف مكان غيره، نحو: ﴿بأن ربك أوحى لها﴾ [الزلزلة: ٥]، والأصل﴾ إليها﴾.

стр. 1418

الخامس والثلاثون: تأخير الوصف غير الأبلغ عن الأبلغ، ومنه: ﴿الرحمن الرحيم﴾ [الفاتحة: ٣]، ﴿رءوف رحيم﴾ [التوبة: ١١٧]، لأن الرأفة أبلغ من الرحمة. السادس والثلاثون: حذف الفاعل ونيابة المفعول، نحو: ﴿وما لأحد عنده من نعمة تجزى (١٩)﴾ [الليل: ١٩]. السابع والثلاثون: إثبات هاء السكت، نحو: ﴿ماليه﴾ [الحاقة: ٢٨]، ﴿سلطنية﴾ [الحاقة: ٢٩]، ﴿ما هيه﴾ [القارعة: ١٠]. الثامن والثلاثون: الجمع بين المجرورات، نحو: ﴿ثم لا تجدوا لكم علينا به تبيعا﴾ [الإسراء: ٦٩]. فأن الأحسن الفصل بينهما، إلا أن مراعاة الفاصل اقتضت عدمه وتأخير ﴿تبيعا﴾. التاسع والثلاثون: العدول عن صيغة المضي إلى صيغة الاستقبال، نحو: ﴿ففريقا كذبتم وفريقا تقتلون﴾ [البقرة: ٨٧]، والأصل: قتلتم. الأربعون: تغيير بنية الكلمة، نحو: ﴿وطور سينين (٢)﴾ [التين: ٢] الأصل: سيناء أقول: وهذا غير سليم، يقال: طور سيناء، ﴿وطور سينين﴾ [التين: ٢] والكلام الإلهي أعظم شاهد، فليتأمل. تنبيه: قال ابن الصايغ: لا يمتنع في توجيه الخروج عن الأصل في الآيات المذكورة امور أخرى مع وجه المناسبة، فإن القرآن العظيم كما جاء في الأثر: "لا تنقضي عجائبة"

стр. 1419

فصل: قال ابن [أبي] الأصبع: لا تخرج فواصل القرآن عن أربعة أشياء: التمكين، والتصدير، والتوشيح، و [والإيغال]. فالتمكين ويسمى ائتلاف القافية: ان يمهد للقرينة، أو الشاعر للقافية وتميدا تأتي به القافية أو القرينة متمكنة في مكانها، مستقرة في قرارها، مطمئنة في موضعها، غير نافرة ولا قلقة، متعلق معناها بمعنى الكلام كله تعلقا تاما بحيث لو طرحت لاختل المعنى، واضطرب الفهم، وبحيث لو سكت عنها كله السامع بطبعه. ومن أمثلة ذلك: ﴿يا شعيب أصلوتك تأمرك أن تترك ... ﴾ [هود: ٨٧] فإنه لما تقدم في الآية ذكر العبادة وتلاوة ذكر التصرف في الأموال اقتضى ذلك ذكر الحلم والرشد على الترتيب لأن الحلم يناسب العبادات، والرشد يناسب الأموال، وقوله: ﴿أولم يهد لهم كم أهكلنا من قبلهم من القرون يمشون في مساكنهم عن في ذلك لآيات أفلا يسمعون (٢٦) أولم يروا أنا نسوق الماء إلى الأرض الجرز .. ﴿إلى قوله: ﴿أفلا يبصرون﴾ [السجدة: ٢٦، ٢٧] فأتى في الآية الأولى: ﴿يهد لهم ﴿وفيها: ﴿يسمعون﴾، لأن الموعظة فيها مسموعة، وهي أخبار القرون، وفي الثانية ب﴾ يروا ﴿وختمها ب﴾ يبصرون ﴿لأنها مرئية.

стр. 1420

قوله تعالى: /﴾ لا تدركه الأبصر وهو يدرك الأبصر وهو اللطيف الخبير (١٠٣)﴾ [الأنعام: ١٠٣] فإن اللطيف يناسب ما يدرك بالبصر، والخبر يناسب ما لا يدرك به. وقوله تعالى: ﴿ولقد خلقنا الإنسن من سلالة من طين (١٢) .... ﴿إلى قوله: ﴿فتبارك الله أحسن الخالقين﴾ [المؤمنون: ١٢ - ١٤]، في هذه الفاصلة التمكين التام المناسب لما قبلها، وقد بادر بعض الصحابة حين نزول أول هذه الآية على ختمها بها قبل ان يسمع آخرها، فأخرج ابن أبي حاتم من/طريق الشعبي، عن زيد بن ثابت قال: " املى على رسول الله صلى الله وعليه وسلم هذه الآية﴾ ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين (١٢) ..... ﴾ إلى قوله: ﴿خلقا ءاخر﴾ [المؤمنون: ١٢ - ١٤]، قال معاذ بن جبل: فتبارك الله أحسن الخالقين، فضحك رسول الله صلى الله وعليه وسلم، فقال له معاذ: ] مم [ضحكت يا رسول الله، قال: "بها ختمت" وحكى أن أعرابيا سمع قارئا يقرأ: ﴿فإن زللتم من بعد ما جاءتكم البينات فاعلموا أن الله غفور رحيم﴾ [البقرة: ٢٠٩]، ولم يقرأ القرآن،

стр. 1421

فقال: إن كان هذا كلام الله فلا يقول كذا، الحكيم لا يذكر الغفران عند الزلل لأنه إغراء عليه. تنبيهات: الأول: قد تجتمع فواصل في موضع واحد، ، ويخالف بينها، كأوائل النحل فإنه تعالى بدأ بذكر الأفلاك، فقال: ﴿خلق السموات والأرض بالحق﴾ [النحل: ٣]، ثم ذكر خلق الإنسان من نطفة، ثم خلق (الأنعام) [الآيات: ٤ - ٩]، ثم عجائب النبات، فقال: ﴿هو الذي أنزل من السماء ماء لكم منه شراب ومنه شجر فيه تسيمون (١٠) ينبت لكم به الزرع والزيتون والنخيل والأعنب ومن كل الثمرات إن في ذلك لأية لقوم يتفكرون (١١)﴾ [النحل: ١٠، ١١]، فجعل مقطع هذه الآية التفكر، لأنه استدلال بحدوث الأنواع المختلفة من النبات على وجود الإله القادر المختار، ولما كان هنا مظنة سؤال، وهو: أنه لم لا يجوز أن يكون المؤثر فيه طبائع الفصول وحركات الشمس والقمر؟ وكان الدليل لا يتم إلا بالجواب عن هذا السؤال، كان مجال الفكر والنظر والتأمل باقيا، فأجاب عنه بوجهين: أحدهما: أن تغيرات العالم السفلي مربوطة بأحوال حركات الأفلاك، فتلك الحركات كيف حصلت؟ فإن كان حصولها بسبب أفلاك أخرى لزم منه التسلسل، وإن كان من الخالق الحكيم فذاك إقرار بوجود الإله تعالى، وهذا هو المراد بقوله: ﴿وسخر لكم الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون (١٢)﴾ [النحل: ١٢]، فجعل مقطع هذه الآية العقل، فكأنه قيل: إن كنت عاقلا فأعلم أن التسلسل باطل، فوجب

стр. 1422

انتهاء الحركات إلى حركة يكون موجدها غير متحرك، وهو الإله القادر المختار. الثاني: أن نسبة الكواكب والطبائع إلى جميع أجزاء الورقة الواحدة والحبة الواحدة واحدة، ثم إنا نرى الورقة الواحدة من الورد أحد وجهيها في غاية الحمرة، والأخرى في غاية السواد، فلو كان المؤثر موجبا بالذات لامتنع حصول هذا التفاوت في الآثار، فعلمنا أن المؤثر قادر مختار، وهذا هو المراد من قوله: ﴿وما ذرأ لكم في الأرض مختلفا ألوانه إن في ذلك لأية لقوم يذكرون﴾ [النحل: ١٣]، فكأنه قيل: ما ترسخ في عقلك أن الواجب بالذات، والطبع لا يختلف تأثيره، فإذا نظرت حصول هذا الاختلاف، علمت أن المؤثر ليس هو الطبائع؛ بل الفاعل المختار، فلهذا جعل مقطع الآية التذكر. ومن ذلك قوله تعالى: ﴿قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم﴾ الآيات [١٥١، ١٥٢، ١٥٣] فإن الأولى ختمت بقوله: ﴿لعلكم تعقلون﴾، والثانية بقوله: ﴿لعلكم تذكرون﴾، والثالثة بقوله: ﴿لعلكم تتقون﴾ لأن الوصايا التي في الآية الأولى إنما يحمل على تركها عد العقل الغالب على الهوى؛ لأن الإشراك بالله لعدم/ استكمال العقل الدال على توحيده

стр. 1423

وعظمته، وكذلك عقوق الوالدين لا يقتضيه العقل لسبق إحسانهما إلى الولد بكل طريق، وكذلك قتل الأولاد من الإملاق مع وجود الرزاق الحي الكريم، وكذلك إتيان الفواحش لا يقتضيه عقل، وكذلك قتل النفس لغيظ أو غضب في القاتل، فحسن بعد ذلك ﴿يعقلون﴾. وأما الثانية، فلتعلقها بالحقوق المالية والقولية، فإن من علم أن له أيتاما يخلفه من بعده لا يليق به أن يعامل أيتام غيره إلا بما يجب أن يعامل به أيتامه، ومن يكيل، أو يزن، أو يشهد لغيره، لو كان ذلك الأمر له لم يحب أن يكون فيه خيانة ولا بخس، وكذا من وعد أو وعد لم يحب ان يخلف، ومن أحب عامل الناس به ليعاملوه يمثل ذلك، فترك ذلك غنما يكون لغفلة عن تدبر ذلك وتأمله، فلذلك ناسب الختم بقوله: ﴿لعلكم تذكرون﴾. وأما الثالث: فلأن ترك إتباع شرائع الله الدينية مؤد إلى غضبه وإلى عقابه، فحسن ﴿لعلكم تتقون﴾ أي عقاب الله بسببه. ومن ذلك قوله تعالى في (الأنعام) أيضا: ﴿وهو الذي جعل لكم النجوم .. ﴾ [الآيات [٩٧ - ٩٩]، فإنه ختم الأولى بقوله: ﴿لقوم يعلمون﴾، والثانية بقوله: ﴿لقوم يفقهون﴾، والثالثة بقوله: ﴿يؤمنون﴾، وذلك لأن حساب النجوم والاهتداء به يختص بالعلماء بذلك، فناسب ختمه ب ﴿يعلمون﴾، وإنشاء الخلائق من نفس واحدة، ونقلهم من صلب إلى رحم، ثم إلى الدنيا ثم حياة وموت، والنظر في ذلك والفكر فيه أدق، فناسب ختمه ب ﴿يفقهون﴾، لأن الفقه فهم الأشياء الدقيقة. ولما ذكر ما أنعم به على عباده من سعة

стр. 1424

الأرزاق والأقوات والثمار وأنواع ذلك ناسب ختمه بالإيمان الداعي إلى شكره-تعالى-على نعمه. ومن ذلك قوله: ﴿وما هو بقول شاعر قليلا ما تؤمنون (٤١) ولا بقول كاهن قليلا ما تذكرون﴾ [الحاقة: ٤١، ٤٢] /، حيث ختم الأولى ب﴾ تؤمنون﴾، والثانية ب﴾ تذكرون﴾. ووجهه أن مخالفة القرآن لنظم الشعر ظاهرة واضحة لا تخفى على أحد، ] فقول [من قال: شعر، كفر وعناد مخض، فناسب ختمه بقوله: ﴿قليلا ما تؤمنون﴾. وأما مخالفته لنظم الكهان وألفاظ السجع فيحتاج إلى تذكر وتدبر، لأن كلا منهما نثر، فليست مخالفته له في وضوحها لكل أحد كمخالفته الشعر، وإنما تظهر بتدبر ما في القرآن من الفصاحة والبدائع والمعاني الأنيقة، فحسن ختمه بقوله: ﴿قليلا ما تذكرون﴾. ومن بديع هذا النوع: اختلاف الفاصلتين في موضعين والمحدث واحد لنكتة لطيفة، كقوله تعالى في سورة (إبراهيم): ﴿وءاتكم من كل ما سألتموه وإن تعدوا نعمت الله لا تحصوها إن الإنسن لظلوم كفار (٣٤)﴾، ثم قال في سورة [(النحل)]: ﴿وأن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إن الله لغفور رحيم) ١٨)﴾. قال ابن المنير: كأنه يقول: إذا حصلت النعم الكثيرة، فأنت آخذها وأنا معطيها، فحصل لك أن عند أخذها وصفان: كونك ظلوما، وكونك كفارا- يعني لعدم وفائك بشكرها- ولي عند إعطائها وصفان، وهما: "أني غفور رحيم، أقابل ظلمك بغفراني، وكفرك

стр. 1425

برحمتي، فلا أقابل تقصيرك إلا بالتوفير)، ولا أجازي جفاك إلا بالوفاء. وقال غيره: إنما خص سورة (إبراهيم) بوصف] المنعم عليه، و [سورة (النحل) بوصف المنعم، لأنه في سورة (إبراهيم) في مشارق الأرض ووصف الإنسان، وفي سورة (النحل) في مساق صفات الله تعالى، وإثبات الألوهية. ونظيره قوله في (الجاثية): ﴿من عمل صلحا فلنفسه، ومن أساء فعليها ثم إلى ربكم ترجعون﴾ [١٥]، وفي (فصلت) ختم بقوله: ﴿وما ربك بظلم للعبيد﴾ [٤٦] ونكتة ذلك أن قبل الآية الأولى: ﴿قل للذين ءامنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله ليجزي قوما بما كانوا يكسبون (١٤)﴾ [الجاثية: ١٤] فناسب الختام بفاصلة البعث، لأن قبله وصفهم بإنكاره. وأما الثانية، فالختام بما فيها مناسب، لأنه لا يضيع عملا صالحا، ولا يزيد على ما عمل سيئا. وقال في سورة (النساء): ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به، ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ومن يشرك بالله فقد افترى إثما عظيما (٤٨) ﴿ثم أعادها وختم بقوله: ﴿ومن يشرك بالله فقد ضل ضللا بعيدا﴾ [النساء: ١١٦]، ونكته ذلك أن الأولى نزلت في اليهود، وهم الذين افتروا على الله ما ليس في كتابه، والثانية نزلت في المشركين ولا كتاب لهم، وضلالهم أشد. ونظيره قوله تعالى في (المائدة): ﴿ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكفرون﴾ [٤٤]، ثم أعادها فقال: ﴿فأولئك هم الظلمون﴾ [المائدة: ٤٥]. وقال في الثالثة: ﴿فأولئك هم الفسقون﴾ [المائدة: ٤٧]، ونكته أن الأولى

стр. 1426

نزلت في حكام مسلمين، والثانية في اليهود، والثالثة في النصارى. وقيل: الأولى: فيمن جحد ما أنزل الله، والثانية: فيمن خالفه مع علمه ولم ينكره، والثالثة: فيمن خالفه جاهلا. وقيل: الكافر والظالم والفاسق كلها بمعنى واحد، وهو الكفر، عبر عنه بألفاظ مختلفة لزيادة الفائدة واجتناب صور التكرار. وعكس هذا، اتفاق الفاصلة والمحدث عنه مختلف، كقوله تعالى في سورة (النور): ﴿يأيها الذين ءامنوا ليستئذنكم الذين ملكت أيمنكم .... ﴾ إلى قوله: ﴿كذلك يبين الله بكم الأيت والله عليم حكيم (٥٨)﴾ [النور: ٥٨]، ثم قال: ﴿وإذا بلغ الأطفل منك الحلم فليستئذنوا كما استئذن الذين من قبلهم كذلك يبين الله لكم ءايته والله عليم حكيم (٥٩)﴾ [النور: ٥٩]. التنبيه الثاني: من مشكلات الفواصل قوله تعالى: ﴿إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم (١٨)﴾ [المائدة: ١١٨]، فإن قوله: ﴿وإن تغفر لهم﴾ يقتضي أن يكون الفاصلة: الغفور الرحيم، وكذا نقلت عن مصحف أبي، وبها قرأ ابن شنبود. وذكر في حكمته أنه لا يغفر لمن استحق العذاب إلا من ليس فوقه أحد يرد عليه حكمه فهو العزيز، أي: الغالب، والحكيم، وهو الذي يضع الشيء في محله، وقد يخفى وجه الحكمة على بعض الضعفاء في بعض الأفعال، فيتوهم أنه خارج عنها وليس كذلك، فكان في وصفه الحكيم احتراس حسن، أي: وإن تغفر لهم مع استحقاقهم العذاب فلا معترض عليك لأحد في ذلك، والحكمة فيما فعلته.

стр. 1427

ونظير ذلك قوله في سورة (التوبة): ﴿أولئك سيرحمهم الله إن الله عزيز حكيم﴾ [٧١]، وفي سورة (الممتحنة): ﴿واغفر لنا ربنا إنك أنت العزيز الحكيم﴾ [٥]، وفي (غافر): ﴿ربنا وأدخلهم جنت عدن التي وعدتهم ..... ﴾ إلى قوله: ﴿إنك أنت العزيز الحكيم﴾ [٨]، وفي (النور): ﴿ولولا فضل الله عليكم ورحمته وأن الله تواب حكيم (١٠)﴾، فإن بادئ الرأي يقتضي﴾ تواب رحيم ﴿لأن الرحمة مناسبة للتوبة، لكن عبر به إشارة إلى فائدة مشروعية اللعان وحكمته، وهي الستر عن هذه الفاحشة العظيمة. ومن خفى ذلك أيضا في سورة (البقرة): ﴿هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا ثم استوى إلى السماء فسوىهن سبع سماوات وهو بكل شيء عليم﴾، وفي (آل عمران): ﴿قل عن تخفوا ما في صدوركم أو تبدوه يعلمه الله ويعلم ما في السموات وما في الأرض والله على كل شئ قدير (٢٩)﴾، فإن المتبادر إلى الذهن في آية (البقرة) الختم بالقدرة، وفي (آل عمران) الختم/ بالعلم. ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وإن من شئ إلا يسبح بحمده. ولكن لا تفقهون تسبيحهم إنه كان حليما غفورا (٤٤)﴾ [الإسراء: ٤٤] فالختم بالحلم عقب تسبيح الأشياء غير ظاهر في بادي الرأي. وذكر في حكمته أنه لما كانت الأشياء كلها تسبح ولا عصيان في حقها وأنتم تعصون، ختم به للمقدر في الآية وهو العصيان، كما جاء في الحديث: "لولا بهائم رتع، وشيوخ ركع، وأطفال رضع، لصب عليكم العذاب صبا".

стр. 1428

وقيل: التقدير﴾ حليما ﴿عن تفريط المسبحين، ﴿وغفورا﴾ لذنوبهم. وقيل: ﴿حليما﴾ عن المخاطبين الذين لا يفقهون التسبيح بإهمالهم النظر في الآيات والعبر ليعرفوا حقه بالتأمل فيما أودع في مخلوقاته مما يوجب تنزيهه. التنبيه الثالث: من الفواصل ما لا نظير له في القرآن، كقوله عقيب الأمر بالغض في سورة (النور): ﴿إن الله خبير بما يصنعون﴾ [٣٠]، وقوله عقيب الأمر بالدعاء والاستجابة: ﴿لعلهم يرشدون﴾ [البقرة: ١٨٦]. وقيل: فيه تعريض بليلة القدر حيث ذكر ذلك عقب رمضان، أي: ﴿لعلهم يرشدون ﴿إلى معرفتها. وأما التصدير: فهو أن تكون تلك اللفظة بعينها تقدمت في الآية، وتسمى أيضا: رد العجز على الصدر. وقال ابن المعتز: هو ثلاثة أقسام: الأول: أن يوافق آخر الفاصلة آخر كلمة في الصدر، نحو: ﴿أنزله بعلمه والملئكة يشهدون وكفى بالله شهيدا﴾ [النساء: ١٦٦].

стр. 1429

الثاني: ان يوافق اول كلمة منه نحو: ﴿ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب (٨)﴾ [آل عمران: ٨].﴾ قال إني لعملكم من القالين (١٦٨)﴾ [الشعراء: ١٦٨]. الثالث: ان يوافق بعض كلماته نحو: ﴿ولقد استهزئ برسل من قبلك فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزءون (١٠)﴾ [الأنعام: ١٠]، ﴿انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض وللأخرة أكبر درجت وأكبر تفضيلا (٢١)﴾ [الإسراء: ٢١]، ﴾ قال لهم موسى ويلكم لا تفتروا على الله كذبا ...... ﴾ إلى قوله: ﴿وقد خاب من افترى﴾ [طه: ٦١]، ﴿فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارا﴾ [نوح: ١٠]. وأما التوشيح: فهو أن يكون في أول الكلام ما يستلزم القافية، والفرق بينه وبين التصدير أن هذا دلالته معنوية، وذلك لفظية، كقوله تعالى: ﴿إن الله اصطفى ءادم﴾ [آل عمران: ٣٣]، فإن ﴿اصطفى﴾ [لا] يدل على أن الفاصلة ﴿العلمين﴾ باللفظ، لأن لفظ: ﴿العلمين ﴿غير لفظ: ﴿اصطفى﴾، ولكن بالمعنى لأنه بعلم ان من لوازم] اصطفاء [شيء ان يكون مختارا على جنسه، وجنس هؤلاء المصطفين العالمون. وكقوله: ﴿وءاية لهم اليل نسلخ منه النهار ..... ﴾ الآية [يس: ٣٧]. قال ابن أبي الأصبع: فإن من كان حافظا لهذه السورة متفطنا إلى مقاطع آيها] النون [المردفة وتسمع في] صدر [الآية انسلاخ النهار من الليل علم

стр. 1430

أن الفاصلة﴾ مظلمون﴾، لأن من] انسلخ [النهار عن ليله أظلم، أي: دخل في الظلمة. ولذلك سمى توشيحا، لأن الكلام لما دل اوله على آخره نزل المعنى منزلة الوشاح، ونزل أول الكلام وآخره منزلة العاتق والكشح الذين يجول عليهم الوشاح. وأما الإيغال: فسيأتي في الإيجاز والإطناب. [فصل: في أقسام الفواصل]: قسم البديعيون السجع ومثله الفواصل على أقسام مطرف، ومتواز، ومتوازن، ومرصع، و [متماثل]. فالمطرف: أن يختلف الفاصلتان في الوزن، ويتفقان في حروف

стр. 1431

السجع، نحو: ﴿مالكم لا ترجون لله وقارا (١٣) وقد خلقكم أطوارا (١٤)﴾ [نوح: ١٤، ١٣]. والمتوازي: ان يتفقا وزنا وتقفية ولم يكن ما في] الأولى [مقابلا لما في الثانية في الوزن والتقفية، نحو: ﴿فيها سرر مرفوعة (١٣) وأكواب موضوعه (١٤)﴾ [الغاشية: ١٤، ١٣]. / والمتوازن: أن يتفقا في الوزن دون التقفية، نحو: ﴿ونمارق مصفوفة (١٥) وزرابي مبثوثه (١٦)﴾ [الغاشية: ١٦، ١٥] والمرصع: أن يتفقا وزنا وتقفية ويكون ما في] الأولى [مقابلا لما في الثانية كذلك، نحو: ﴿إن إلينا إيابهم (٢٥) ثم إن علينا حسابهم (٢٦)﴾ [الغاشية: ٢٦، ٢٥]، ﴿إنا لأبرار لفي نعيم (١٣) وإن الفجار لفي جحيم (١٤)﴾ [الانفطار: ١٤، ١٣]. والمتماثل: أن] يتساويا [في الوزن] دون [التقفية، ويكون إفراد] الأولى [مقابل لما في الثانية فهو بالنسبة إلى] المرصع [كالمتوازن بالنسبة إلى المتوازي، نحو: ﴿وءاتينهما الكتب المستبين (١١٧) وهدينهما الصراط المستقيم (١١٨)﴾ [الصافات: ١١٨، ١١٧]. فالكتاب والصراط متوازنان، وكذا المستبين والمستقيم، واختلفا في الحرف الأخير.

стр. 1432

فصل: بقى نوعان بديعيان يتعلقان بالفواصل: أحدهما: التشريع ، وسماه ابن أبي الأصبع التوأم، وأصله أن يبني] الشاعر بيته [على وزنين من أوزان] العروض]، فإذا اسقط منها جزءا أو جزءين صار الباقي بيتا من وزن آخر، ثم زعم قوم اختصاصه به. وقال آخرون: يكون في النثر بأن يبني على سجعتين، لو اقتصر على الأولى كان الكلام تاما مفيدا، وغن ألحقت به السجعة الثانية كان في التمام والإفادة على حاله مع زيادة معنى ما زاد من اللفظ. قال ابن أبي الأصبع: وقد جاء من هذا الباب معظم سورة (الرحمن)، فإن آياتها لو اقتصر فيها على أولى الفاصلتين دون﴾: فبأي ءالاء ربكما تكذبان (١٣)﴾ [الرحمن: ١٣] لكان تاما مفيدا، وقد كمل بالثانية، فأفاد معنى زائد من التقرير والتوبيخ. قال الحافظ السيوطي: التمثيل غير مطابق، والأولى أن يتمثل بالآيات التي في أثنائها ما يصلح أن يكون فاصلة، كقوله تعالى: ﴿لتعلموا أن الله على كل شئ قدير وأن الله قد أحاط بكل شئ علما﴾ [الطلاق: ١٢] الثاني: الالتزام ، ويسمى لزوم ما لا يلزم، وهو أن يلتزم في الشعر

стр. 1433

والنثر حرفا وحرفان فصاعدا قبل الروي شرط عدم الكلفة مثال: التزام حرف: ﴿فأما اليتيم فلا تقهر (٩) وأما السائل فلا تنهر (١٠)﴾ [الضحى: ١٠، ٩] التزم الهاء قبل الراء، ومثل: ﴿الم نشرح لك صدرك ..... ﴾ الآيات [الشرح: ١]، التزم فيها الراء قبل الكاف، ﴿فلا اقسم بالخنس (١٥) الجوار الكنس (١٦)﴾ [التكوير: ١٦، ١٥] التزم فيها النون المشددة قبل السين، ﴿والليل وما وسق (١٧) والقمر اذا اتسق) ١٨)﴾ [الانشقاق: ١٨، ١٧] ومثال التزام حرفين: ﴿والطور (١) وكتب مسطور (٢)﴾ [الطور: ٢، ١]، و﴾ ما أنت بنعمة ربك بمجنون (٢) وإن لك لأجرا غير ممنون (٣)﴾ [القلم: ٣، ٢]، ﴿كلا إذا بغت التراقى (٢٦) وقيل من راق (٢٧) وظن أنه الفراق (٢٨)﴾ [القيامة: ٢٨، ٢٦]. ومثال التزام ثلاثة أحرف: ﴿عن الذين اتقوا إذا مسهم طئف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون (٢٠١) وإخونهم يمدونهم في الغي ثم لا يقصرون (٢٠٢)﴾ [الأعراف: ٢٠٢، ٢٠١]. تنبيهات: الأول: قال أهل البديع: أحسن السجع ونحوه ما تساوت قرائنه، نحو: ﴿في سدر مخضود (٢٨) وطلع منضود (٢٩) وظل ممدود (٣٠)﴾ [الواقعة: ٣٠، ٢٨]، ويليه ما طالت قرينته الثانية، نحو: ﴿والنجم إذا هوى (١) ما ضل صاحبكم وما غوى (٢)﴾ [النجم: ٢، ١]، والثالثة، نحو: ﴿خذوه فغلوه (٣٠) ثم الجحيم صلوه (٣١) ثم في سلسلة ... ﴾ الآية [الحاقة: ٣٠ - ٣٢]. قال ابن الأثير: الأحسن في الثانية المساواة، وإلا] فأطول قليلا]، وفي الثالثة أن يكون أطول. وقال الخفاجي: لا يجوز أن تكون

стр. 1434

الثانية أقصر من الأولى. الثاني: قالوا: أحسن السجع ما كان قصيرا، لدلالته على قوة] المنشئ [واقله كلمتان، نحو: ﴿يأيها المدثر (١) قم فأنذر (٢) ... ﴾ الآية [المدثر: ٢، ١]، ﴿والمرسلت عرفا ..... ﴾ الآية [المرسلات: ١]، ﴿والذريت ذروا .... ﴾ الآية [الذاريات: ١]، ﴿والعدايت صبحا﴾ [العاديات: ١]. والطويل ما زاد على عشر كغالب الآيات، وما بينهما متوسط كآيات سورة (القمر) الثالث: قال الزمخشري في "كشافه القديم" لا تحسن المحافظة على الفواصل حسن النظم والتئامه، فأما أن تهمل المعاني ويهتم] بتحسين [اللفظ وحده غير منظور فيه إلى مواده فليس من قبيل البلاغة، وبني على ذلك التقديم في ﴿وبالآخرة هم يوقنون﴾ [البقرة: ٤] ليس لمجرد /الفاصلة بل لرعاية الاختصاص. الرابع: مبني الفواصل على الوقف، ولهذا ساغ مقابلة المرفوع بالمجرور، وبالعكس كقوله: ﴿إنا خلقنهم من طين لازب (١١)﴾ [الصافات: ١١]

стр. 1435

مع قوله: ﴿عذاب واصب﴾ [الصافات: ٩]، و﴾ شهاب ثاقب﴾ [الصافات: ١٠]، وقوله﴾ بماء منهمر﴾ [القمر: ١١] مع قوله: ﴿قد قدر﴾ [القمر: ١٢]، و﴾ سحر مستمر﴾ [القمر: ٢] ﴿وما لهم من دونه من وال﴾ [الرعد: ١١] مع قوله: ﴿وينشئ السحاب الثقال﴾ [الرعد: ١٢]. الخامس: كثر في القرآن ختم الفواصل بحروف المد واللين وإلحاق النون، وحكمته وجود التمكن من التطريب بذلك. قال سيبويه: إنهم إذا لم ترنموا يلحقون الألف والياء والنون، لأنهم أرادوا مد الصوت، ويتركون ذلك إذا لم يترنموا، وجاء القرآن على أسهل موقف وأعذب مقطع. السادس: حروف الفواصل إما متماثلة أو متقاربة، فالأولى مثل: ﴿والطور (١) وكتب مسطور (٢) في رق منشور (٣) والبيت المعمور (٤)﴾ [الطور: ١ - ٤] والثاني مثل: ﴿الرحمن الرحيم (٣) ملك يوم الدين (٤)﴾ [الفاتحة: ٤، ٣] ﴿(ق والقرءان المجيد (١) بل عجبوا ان جاءهم منذر منهم فقال الكفرون هذا شيء عجيب (٢)﴾ [ق: ٢، ١]. قال الإمام فخر الدين وغيره: وفواصل القرآن لا تخرج عن هذين القسمين؛ بل تنحصر في المتماثلة والمتقاربة، قال: وبهذا يترجح مذهب الشافعي على مذهب أبي حنيفة في عد الفاتحة سبع آيات من البسملة، وجعل: ﴿صراط الذين .... ﴾ إلى آخرها

стр. 1436

آية، فإن من جعل آخر الآية السادسة: ﴿أنعمت عليهم﴾ مردود بأنه لا يشابه فواصل سائر آيات السورة لا بالمماثلة ولا بالمقاربة، ورعاية التشابه في الفواصل لازمة. السابع: كثر في الفواصل التضمين والإيطاء لأنهما ليسا بمعيين في النثر، وإن كانا عيبين في النظم. فالتضمين ان يكون ما بعد الفاصلة متعلقا بها كقوله تعالى: ﴿وإنكم لتمرون عليهم مصبحين (١٣٧) وباليل﴾ [الصافات: ١٣٨، ١٣٧]. والإيطاء تكرر الفاصلة بلفظها، كقوله تعالى في (الإسراء): ﴿هل كنت إلا بشرا رسولا﴾ [الإسراء: ٩٣]، وختم بذلك الآيتين بعدها. انتهى منقولا هذا النوع برمته من "الإتقان" لحسن جمعه كلام الناس في هذا المقام. والله الموفق.

стр. 1437

- (الجزء الرابع) -

стр. 1438

النوع الحادي والثمانون علم الإدغام والإظهار والإخفاء والإقلاب

стр. 1439

النوع الحادي والثمانون علم الإدغام والإظهار والإخفاء والإقلاب قال الحافظ السيوطي ﵀ في "الإتقان": قد أفرد هذا النوع بالتصنيف جماعة من القراء، قال: والإدغام هو التلفظ بحرفين حرفا كالثاني مشددا، وينقسم إلى كبير وصغير، فالكبير ما كان أول الحرفين محركا سواء كانا مثلين، أو جنسين [أو] متقاربين، وسمي كبيرا لكثرة وقوعه، إذ الحركة أكثر من السكون وقيل: لتأثيره في إسكان المتحرك قبل إدغامه، وقيل: لما فيه من الصعوبة، وقيل: لشموله نوعي المثلين، والجنسين، والمتقاربين.

стр. 1440

والمشهور نسبته إليه من الأئمة العشرة: أبو عمرو بن العلاء، وورد عن جماعة فوق العشرة، كالحسن البصري، والأعمش، وابن محيصن، وغيرهم. ووجهه طالب التخفيف، وكثير من المصنفين في القراءات لم يذكروه البتة كأبي عبيد في "كتابه"، وابن مجاهد في "سبعيته"، ومكي في "تبصرته"، والطلمنكي في "روضته"، وابن سفيان في "هاديه"، وابن شريح في "كافيه"، والمهدوي في "هدايته" وغيرهم.
следующие страницы →