Полный текст (4 238 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
النوع الثامن عشر
علم الأرضي والسمائي
قال الحافظ السيوطي - رحمه الله تعالى - في " الإتقان ": تقدم قول ابن العربي أن من القرآن سمائياً وأرضياً، وما نزل بين السماء والأرض، وما نزل تحت الأرض في الغار.
قال: وأخبرنا أبو بكر الفهري، أخبرنا التميمي، أخبرنا هبة الله المفسر أنه قال: نزل القرآن بين مكة والمدينة إلا ست آيات نزلت لا في الأرض ولا في السماء، ثلاثة في سورة (الصافات): (وما منا إلا له مقام معلوم) الآيات الثلاث
١٦٤ - ١٦٦، وواحدة في (الزخرف): (وسئل من أرسلنا من قبلك من رسلنا) الآية [٤٥]. والآيتان من آخر سورة (البقرة) [هما الآيتان: ٢٨٥ - ٢٨٦] نزلت ليلة المعراج.
قال ابن العربي: ولعله أراد في الفضاء بين السماء والأرض.
قال: وأما ما نزل تحت الأرض في (الغار)، فسورة (المرسلات) لما في
стр. 177
الصحيح عن ابن مسعود ﵁.
قلت: أما الآيات المتقدمة، فلم أقف على مستند لما ذكره فيها إلا آخر (البقرة) فيمكن أن يستدل بما أخرجه مسلم عن ابن مسعود ﵁: لما أسري برسول الله ﷺ انتهى إلى سدرة المنتهى، الحديث. وفيه: فأعطي رسول الله ﷺ منها ثلاثاً: أعطي الصلوات الخمس، وأعطي خواتم سورة البقرة، وغفر لمن لا يشرك من أمته بالله شيئاً المقحمات.
وفي الكامل للهذلي: نزلت (ءامن الرسول) [البقرة: ٢٨٥ - ٢٨٦] إلى آخرها بـ (قاب قوسين).
стр. 178
النوع التاسع العاشر
علم ما نزل نهاراً
وما نزل ليلاً من القرآن
стр. 179
النوع التاسع العاشر
علم ما نزل من نهاراً وما نزل ليلاً من القرآن
قال ابن حبيب: أنزل أكثر القرآن نهاراً، وأما الليلي فلنذكر ما نزل: فمنه: قوله تعالى: (إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب) إلى آخر سورة (آل عمران) [١٩٠ - ٢٠٠].
أخرج ابن أبي الدنيا في كتاب " التفكير " عن عائشة ﵂: أن بلالاً أتى النبي ﷺ يؤذنه لصلاة الصبح، فوجده يبكي، فقال: يا رسول الله ما يبكيك؟ قال: وما يمنعني أن أبكي وقد أنزل علي في هذه الليلة (إن في خلق السموات) إلى آخره، ثم قال: ويل لمن قرأها ولم يتفكر.
ومنه قوله تعالى: (والله يعصمك من الناس) [المائدة: ٦٧]، أخرج الحاكم والترمذي عن عائشة ﵂ قالت: كان النبي ﷺ يحرس حتى نزلت، فأخرج رأسه من القبة فقال: يا أيها الناس انصرفوا فقد عصمني الله. انتهى. وكان
стр. 180
ذلك في غزوة (ذات الرقاع).
ومنه سورة (الأنعام)، أخرج الطبراني عن ابن عباس ﵄ قال: نزلت سورة (الأنعام) بمكة ليلاً جملة، حولها سبعون ألف ملكاً يجأرون بالتسبيح.
والجأر: رفع الصوت والاستغاثة، جأر يجأر. نهاية.
ومنه قوله تعالى: (لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار) [التوبة: ١١٨] إلى آخر الآيات التي أنزلت في توبة الذين خلفوا، ففي الصحيح من حديث كعب: فأنزل الله توبتنا حين بقي الثلث الأخير من الليل.
ومنه سورة (مريم)، ففي الطبراني عن أبي مريم قال: أتيت النبي ﷺ فقلت: ولدت لي الليلة جارية، فقال: والليلة أنزلت علي سورة (مريم)، سمها مريم.
стр. 181
ومنه أول (الحج)، أخرج ابن مردويه عن عمران بن حصين: أنها نزلت والنبي ﷺ في سفر، وقد نعس بعض القوم وتفرق بعضهم، فرفع بها صوته. انتهى.
وهذا السفر كان في غزوة (بني المصطلق).
ومنه قوله تعالى: (وسئل من أرسلنا من قبلك من رسلنا) [الزخرف: ٤٥] كما تقدم أنها نزلت ليلة الإسراء بـ (بيت المقدس).
ومنه سورة (الفتح)، ففي البخاري من حديث عمر - رضي الله تعالى عنه -: لقد أنزلت عليّ سورة هي أحب إليّ مما طلعت عليه الشمس، فقرأ (إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً).
ومنه سورة (المنافقين)، أخرجه الترمذي عن زيد بن أرقم: أنها نزلت ليلاً في غزوة (تبوك)، وجزم ابن إسحاق أنها نزلت في غزوة (بني المصطلق) - والله أعلم -.
стр. 182
ومنه المعوذتين عن عقبة بن عامر الجهني قال: قال رسول الله ﷺ : " أنزلت الليلة آيات لم ير مثلهن، (قال أعوذ برب الفلق) و (قل أعوذ برب الناس) ".
فصل: فيما نزل وقت الصبح:
فمن ذلك آية (التيمم) في (المائدة)، ففي الصحيح عن عائشة - رضي الله تعالى عنها -: وحضرت صلاة الصبح، فالتمس الماء فلم توجد؛ فنزلت: (يا أيها الذين آمنوا إذا آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة .... ) إلى قوله تعالى: (لعلكم تشكرون) [المائدة: ٦]. وكذا قوله تعالى: (ليس لك من الأمر شيء) [آل عمران: ١٢٨]، ففي الصحيح: أنها نزلت في الركعة الأخيرة من الصبح، حين أراد أن يقنت على أبي سفيان ومن معه.
стр. 183
النوع العشرون
علم الصيفي منه والشتائي
стр. 184
النوع العشرون
علم الصيفي منه والشتائي
قال الواحدي ﵀: أنزل الله جل شأنه في الكلالة آيتين، إحداهما في الشتاء، وهي التي في أول (النساء)، والأخرى في الصيف وهي التي في آخرها.
ومن الصيفي قوله تعالى: (اليوم أكملت لكم دينكم ... ) [المائدة: ٣] لكونه في حجة الوداع، وكانت في أشد الحر كما ذكر.
ومنه (إذا جاء نصر الله والفتح) [النصر]، و (المرسلات)
стр. 185
ومنه: (إذا جآءك المنافقون) [المنافقون: ١].
ومنه قوله تعالى: (لو كان عرضاً قريباً وسفراً قاصداً لاتبعوك .... ) الآية [التوبة: ٤٢].
ومنه قوله تعالى: (وإن كادوا ليستفزونك من الأرض ..... ) الآية [الإسراء: ٧٦].
ومنه قوله تعالى: (ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب) الآية [التوبة: ٦٥].
ومنه قوله تعالى: (ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني) [التوبة: ٤٩].
ومنه قوله تعالى: (قل نار جهنم أشد حراً) [التوبة: ٨١].
ومن الشتائي آيات البراءة من الإفك، فعن عائشة ﵂: أنها نزلت في يوم شات.
ومنه قوله تعالى: (ويستفتونك في النساء) [النساء: ١٢٧].
стр. 186
ومنه قوله تعالى: (يا أيها الذين ءامنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جآءتكم جنود) [الأحزاب: ٩]، نزلت بعد الخندق، وكان في الشتاء.
وكذا قوله تعالى: (وإذا يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ... ) الآية [الأحزاب: ١٢].
وكذا قوله تعالى: (ويستئذن فريق منهم النبي يقولون إن بيوتنا عورة ... ) [الأحزاب: ١٣] إلى آخرالسورة.
стр. 187
النوع الحادي والعشرون
علم الحضري والسفري
стр. 188
النوع الحادي والعشرون
علم الحضري والسفري
أما الحضري فهو كثير، وغالب القرآن نزل إما بمكة أو بالمدينة.
وأما السفري فقد تقدم جانب منه في علم المواضع التي أنزل فيها القرآن، فمن ذلك:
قوله تعالى: (واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى) [البقرة: ١٢٥]، قال ابن الخصار: نزلت إما في عمرة القضاء أو في غزوة الفتح، أو في حجة الوداع. أخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن جابر ﵁ قال: لما طاف رسول الله ﷺ قال له عمر ﵁: هذا مقام أبينا إبراهيم، قال: نعم، قال: أفلا نتخذه مصلى؟ فنزلت.
وأخرج ابن مردويه من طريق عمرو بن ميمون عن عمر بن الخطاب
стр. 189
- رضي الله تعالى عنه - أنه أمر بمقام إبراهيم ﵇ فقال: يا رسول الله أليس نقوم مقام خليل ربنا؟ قال: بلى، قال: أفلا نتخذه مصلى؟ فلم يلبث إلا يسيراً حتى نزلت. وقد أخر.
ومن ذلك قوله تعالى: (وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها) [البقرة: ١٨٩]، روى ابن جرير عن الزهري: أنها نزلت في عمرة الحديبية. وعن السدي: بأنها نزلت في حجة الوداع.
ومن ذلك: سورة (الفتح)، أخرج البخاري والترمذي والنسائي وابن حبان وابن مردويه عن عمر بن الخطاب - رضي الله تعالى عنه - قال: كنا مع رسول الله ﷺ في سفر - يعني الحديبية -، فسألته عن شيء ثلاث مرات فلم يرد علي، فقلت: ثكلتك أمك عمر، سألت رسول الله ﷺ ثلاث مرات كل ذلك لا يجبك.
قال عمر: فحركت بعيري حتى تقدمت أمام الناس، فخشيت أن يكون ينزل في قرآن، فما نشبت أن سمعت صارخاً يصرخ بي
стр. 190
فقلت: لقد خشيت أن يكون نزل في قرآن، فجئت رسول الله ﷺ فسلمت عليه فقال: لقد أنزل علي الليلة سورة لهي أحب إلي من الدنيا وما فيها، ثم قرأ: (إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً. ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك) [الفتح: ١,٢] انتهى.
ومن السفري أيضاً قوله تعالى: (إذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض غر هؤلاء دينهم ومن يتوكل على الله فإن الله عزيز حكيم) [الأنفال]، نزلت لما استقل المشركون أصحاب رسول الله ﷺ يوم بدر وقالوا: أغر هؤلاء دينهم؟ فأنزل الله تعالى ذلك: (وإذ يقول المنافقون ... ) إلى آخر الآية.
ومن ذلك قوله تعالى: (إنا بلوناهم كما بلونا أصحاب الجنة إذ أقسموا ليصرمنها مصبحين) [ن: ١٧]، روى ابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن جريج: أن أبا جهل
стр. 191
قال يوم بدر: خذوهم أخذاً فاربطوهم في الحبال ولا تقتلوا منهم أحداً.
فنزل: (إنا بلوناهم كما بلونا أصحاب الجنة ... ) [القلم: ١٧]. يقول في قدرتهم عليهم كما اقتدر أصحاب الجنة على الجنة.
ومن السفري أيضاً سورة (الأنفال)، روى ابن أبي شيبة، والإمام أحمد، وعبد بن حميد، وابن مردويه، عن سعد بن أبي وقاص - رضي الله تعالى عنه - قال: لما كان يوم بدر قتل أخي عمير، وقتلت سعيد بن العاص، وأخذت سيفه وكان يسمى " ذا الكتيفة "، فأتيت رسول الله ﷺ به، فقلت: يا رسول الله قد شفاني الله تعالى من المشركين، فنفلني هذا السيف، فأنا من قد علمت. فقال: " هذا السيف لا لك ولا لي ضعه "، فوضعته، ثم رجعت قلت: عسى أن يعطي هذا السيف اليوم من لا يبلى بلائي. فرجعت فقال: " اذهب فاطرحه في القبض "، فرجعت وبي ما لا يعلمه إلا الله تعالى من قتل
стр. 192
أخي وأخذ سلبي، فرجعت به، حتى إذا أردت أن ألقيه لامتني نفسي فرجعت إليه فقلت: أعطنيه، فشد لي صوته، وما جاوزت إلا يسيراً حتى نزلت سورة (الأنفال)، فقال لي رسول الله ﷺ : " اذهب فخذ سيفك ".
ومن ذلك سورة (المنافقين)، نزلت في عبد الله بن أبي في غزوة (بني المصطلق) لما قال ما قال، والقضية مشهورة من أولها إلى آخرها سفرية.
ومن ذلك قوله تعالى: (وأتموا الحج والعمرة لله) [البقرة: ١٩٦]، أخرج ابن أبي حاتم عن صفوان بن أمية قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ متضمخ بالزعفران، عليه جبة، فقال: كيف تأمرني في عمرتي؟ فنزلت. فقال: " أين السائل
стр. 193
عن العمرة؟ ألق عنك ثيابك ثم اغتسل " الحديث.
ومن ذلك آية التيمم في (النساء)، أخرج ابن مردويه عن الأسلع بن شريك: أنها نزلت في بغض أسفار النبي ﷺ .
ومن ذلك قوله تعالى: (وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة) الآية [النساء: ١٠٢]، نزلت بعسفان بين الظهر والعصر، كما أخرجه أحمد عن ابن عياش الرزقي.
ومن ذلك آية التيمم في (المائدة)، ففي الصحيح عن عائشة - رضي الله تعالى عنها -: أنها نزلت بالبيداء وهم داخلون المدينة.
стр. 194
ومن ذلك قول الله تعالى: (والذين يكنزون الذهب والفضة) الآية [التوبة: ٣٤]، أخرج أحمد عن ثوبان: أنها نزلت في بعض أسفار النبي ﷺ .
ومن ذلك قول الله تعالى: (لو كان عرضاً قريباً) الآية [التوبة: ٤٢]، نزلت في تبوك، أخرجه ابن جرير عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما -.
ومن ذلك خاتمة (النحل): (وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به) [١٢٦]، أخرج البيهقي في " الدلائل "، والبزار عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه -: أنها نزلت بأحد والنبي ﷺ واقف على حمزة حين استشهد.
стр. 195
أقول: كذا ذكره الحافظ السيوطي - رحمه الله تعالى - وليس من هذا النوع، لأن أحداً من المدينة، وكذلك قوله: إن سورة (اقرأ) من السفر لا يتم، لأن حراء من مكة.
ومن ذلك قوله تعالى: (وإن كادوا ليستفزونك من الأرض ليخرجوك منها) الآية [الإسراء: ٧٦]، أخرج أبو الشيخ والبيهقي في " الدلائل " من طريق شهر بن حوشب عن عبد الرحمن بن غنم: أنها نزلت في تبوك.
ومن ذلك قول الله تعالى: (إن الذي فرض عليك القرآن لرآدك إلى معاد) [القصص: ٨٥]، نزلت بالجحفة في سفر الهجرة.
ومن ذلك قول الله تعالى: (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى) الآية [الحجرات: ١٣]. أخرج الواحدي عن ابن أبي مليكة: أنها نزلت بمكة يوم الفتح لما رقي بلال على ظهر الكعبة وأذن، فقال بعض الناس: هذا العبد الأسود يؤذن على ظهر الكعبة.
ومن ذلك سورة: (إذا جاء نصر الله) الآية [النصر: ١]. أخرج البزار والبيهقي في " الدلائل " عن ابن عمر - رضي الله تعالى عنهما - قال: نزلت هذه السورة: (إذا جاء نصر الله والفتح) على رسول الله ﷺ أواسط أيام التشريق،
стр. 196
فعرف أنه الوداع، فأمر بناقته القصوى فرحلت، ثم قام فخطب الناس.
فذكر خطبته المشهورة. انتهى.
стр. 197
النوع الثاني عشر
علم الفراشي والنومي
стр. 198
النوع الثاني عشر
علم الفراشي والنومي
فمن الفراشي قول الله تعالى: (والله يعصمك من الناس) الآية [المائدة: ٦٧]. كما تقدم، وآية الثلاثة الذين خلفوا عن رسول الله ﷺ في غزوة تبوك، ففي الصحيح أنها نزلت وقد بقي من الليل ثلثه، وهو ﷺ عند أم سلمة.
قال الحافظ السيوطي - رحمه الله تعالى -: وقد ظفرت بما يؤخذ منه جواب أحسن من هذا، فروى أبو يعلى في مسنده عن عائشة - رضي الله
стр. 199
تعالى عنها - قالت: أعطيت تسعاً .... الحديث. وفيه: وإن كان الوحي لينزل عليه وهو في أهله فينصرفون عنه، وإن كان لينزل عليه وأنا معه في لحافه. وعلى هذا لا معارضة بين الحديثين كما لا يخفى.
ومن الفراشي أيضاً قول الله تعالى شأنه: (وءاخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملاً صالحاً وءاخر سيئاً عسى الله أن يتوب عليهم إن الله غفور رحيم) [التوبة: ١٠٢].
قال ابن إسحاق في سيرته: حدثني يزيد بن عبد الله بن قسيط: أن توبة أبي لبابة نزلت على رسول الله ﷺ وهو في بيت أم سلمة، قالت أم سلمة: فسمعت رسول الله ﷺ من السحر وهو يضحك قال: فقلت: يا رسول الله مم تضحك أضحك الله سنك؟ قال: " تيب على أبي لبابة "، قالت: قلت: أفلا أبشره يا رسول الله؟ قال: " بلى إن شئت ". فقامت على باب حجرتها - وذلك قبل أن يضرب عليهن الحجاب - قالت: يا
стр. 200
أبا لبابة، فقد تاب الله عليك. قالت: فثارالناس إليه ليطلقوه فقال: لا والله حتى يكون رسول الله ﷺ هو الذي يطلقني بيده. فلما مر عليه خارجاً إلى صلاة الصبح أطلقه. انتهى.
قلت: هذا الربط كان في غزوة بني قريظة لما بعثوا إلى أبي لبابة يستشيرونه فرّق لهم فقالوا له: ترى أن ننزل على حكم محمد؟ فأشار بيده إلى حلقه أنه الذبح، ثم علم أنه قد خان الله ورسوله في قوله، فاسترجع وتوجه إلى المسجد وربط نفسه بسارية من سواري المسجد، وعاهد الله تعالى أن لا يبرح من مكانه حتى يموت أو يتوب الله عليه. فأقام مربوطاً، فقيل: ستة أيام، وقيل: خمس وعشرين ليلة تأتيه امرأته في وقت كل صلاة فتحله حتى يتوضأ ويصلي ثم تربطه.
وقيل: هذه الآية نزلت في جماعة تخلفوا عن غزوة تبوك
стр. 201
ثم قال أبو لبابة: إن من توبتي أن أهجر دار قومي، وأن أنخلع من مالي صدقة لله تعالى، فقال له رسول الله ﷺ : " يجزيك الثلث "، وذلك قوله تعالى: " خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم والله سميع عليم " [التوبة: ١٠٣].
ومن الفراشي أيضاً قول الله تعالى: (يا أيها المزمل) [المزمل: ١] أي: المتلفف بثوبه.
قال السدي: أراد به النائم قم فصل.
وقال غيره: هذا الخطاب للنبي ﷺ في أول الوحي قبل تبليغ الرسالة، ثم خوطب بالنبوة والرسالة.
ومن الفراشي أيضاً قوله تعالى: (يا أيها المدثر. قم فأنذر) [المدثر]، أخرج البخاري في صحيحه، حدثنا عبد الله بن يوسف حدثنا الليث عن عقيل، قال ابن شهاب: سمعت أبا سلمة قال: أخبرني جابر بن عبد الله: أنه سمع رسول الله ﷺ يحدث عن فترة الوحي: (فبينا أنا أمشي إذ سمعت
стр. 202
صوتاً من السماء، فرفعت بصري قبل السماء فإذا الملك الذي جاءني بحراء قاعد على كرسي بين السماء والأرض، فجئت منه حتى هويت إلى الأرض، فجئت أهلي، فقلت: زملوني، زملوني، فزملوني، فأنزل الله تعالى: (يا أيها المدثر. قم فأنذر) إلى قوله: (فاهجر) - قال أبو سلمة: " والرجز " الأوثان -. ثم حمي الوحي وتتابع ".
وأما النومي: فمن أمثلته سورة (الكوثر)، لما روى مسلم عن أنس - رضي الله تعالى عنه - قال: بينا رسول الله ﷺ ذات يوم بين أظهرنا إذ غفى إغفاءة، ثم رفع رأسه مبتسماً، فقلنا ما أضحكك يا رسول الله؟ قال: " أنزل علي آنفاً، سورة " فقرأ: " بسم الله الرحمن الرحيم. إنا أعطيناك الكوثر. فصل لربك وانحر. إن شانئك هو الأبتر).
وقال الإمام الرافعي في " أماليه ": ففهم الفاهمون من الحديث أن السورة نزلت في تلك الإغفاءة، وقالوا: من الوحي ما كان يأتيه من النوم؛
стр. 203
لأن رؤيا الأنبياء وحي.
قال: وهذا صحيح، لكن الأشبه أن يقال: إن القرآن كله نزل في اليقظة، وكأنه خطر له في النوم سورة (الكوثر) المنزلة في اليقظة، أو عرض عليه الكوثر الذي وردت فيه السورة، فقرأ عليهم وفسرها لهم.
قال: ورد في بعض الروايات (أنه أغمي عليه). وقد يحمل ذلك على الحالة التي كانت تعتريه عند نزول الوحي، ويقال لهذا: برحاء الوحي. انتهى.
قال الحافظ السيوطي في " الإتقان ": الذي قاله الرافعي في غاية الاتجاه، وهو الذي كنت أميل إليه قبل الوقوف عليه، والتأويل الأخير أصح من الأول؛ لأن قوله: " أنزل علي آنفاً " يدفع كونها نزلت قبل ذلك، بل نقول نزلت على تلك الحالة، وليس الإغفاءة إغفاءة نوم، بل الحالة التي كانت تعتريه عند الوحي، فقد ذكر العلماء أنه كان يؤخذ عن الدنيا.
أقول: ما ذكر من حمل النزول على اليقظة دون النوم ليس متجهاً، فإنه قد صح نزول الوحي مناماً، وقد تقدم في علم (أول ما نزل) أن سورة (اقرأ) نزلت أولاً مناماً على النبي ﷺ ، ثم نزلت يقظة.
стр. 204
ففي سورة الكلاعي من حديث طويل تقدم: " فجائني وأنا نائم نمط من ديباج فيه كتاب فقال: اقرأ، فقلت: ما أقرأ؟ فغتني به حتى ظننت أنه الموت. ثم أرسلني فقال: اقرأ، فقلت: ما أقرأ؟ فغتني به حتى ظننت أنه الموت. ثم أرسلني فقال: اقرأ، فقلت: ما أقرأ؟ ما أقول ذلك إلا افتداء منه أن يعود لي بمثل ما صنع - قال: (اقرأ باسم ربك الذي خلق. خلق الإنسان من علق. اقرأ وربك الأكرم. الذي علم بالقلم. علم الإنسان مالم يعلم) [العلق: ١ - ٥] فقرأتها، ثم انتهى فانصرف عني، وهببت من نومي فكأنما كتب في قلبي كتاباً، انتهى والله الموفق.
стр. 205
النوع الثالث والعشرون
علم أسباب النزول
стр. 206
النوع الثاني عشر
علم أسباب النزول
قال الجعبري - رحمه الله تعالى -: نزل القرآن على قسمين:
قسم نزل ابتداء، وقسم نزل عقب واقعة أو سؤال. انتهى.
أقول: وهذا يجب أن يبحث عنه لفوائد:
منها: معرفة الحكمة الباعثة على تشريع الحكم.
ومنها: أن اللفظ قد يكون عاماً، وحمله على العموم يشكل، لمعارضته لآيات أخر أو نحو ذلك، فإذا علم السبب قصر على صورة المسبب.
стр. 207
مثال ذلك:
ما أشكل على مروان بن الحكم من قوله تعالى: (لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا .... ) الآية [آل عمران: ١٨٨]، فقال: لئن كان كل امرئ فرح بما أوتي، وأحب أن يحمد بما لم يفعل، معذباً، لنعذبن أجمعون. حتى بين له ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - أن الآية نزلت في أهل الكتاب حين سألهم عن شيء فكتموه إياه، وأخبروه بغيره، وأروه أنهم أخبروه بما سألهم عنه، واستحمدوا بذلك إليه. أخرجه الشيخان.
وقال ابن تيمية - رحمه الله تعالى -: معرفة سبب النزول يعين على فهم الآية، فإن العلم بالسبب يورث العلم بالمسبب. انتهى.
أقول: مثال ذلك قوله تعالى: (فأينما تولوا فثم وجه الله) [البقرة: ١١٥]، فإن مقتضى اللفظ يفيد أن المصلي لا يجب عليه استقبال القبلة لا سفراً ولا
стр. 208
حضراً، فلما عرف السبب علم المعنى. وهو ما أخرجه ابن أبي حاتم عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما -: أن النبي ﷺ لما هاجر إلى المدينة أمره الله تعالى أن يستقبل بيت المقدس، ففرحت اليهود، فاستقبلها بضعة عشر شهراً، وكان يحب قبلة إبراهيم ﵊، فكان يدعو الله وينظر إلى السماء، فأنزل الله: (فول وجهك شطر المسجد الحرام) [البقرة: ١٤٤]، فارتاب لذلك اليهود، وقالوا ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها؟ فأنزل الله تعالى: (قل لله المشرق والمغرب) [البقرة: ١٤٢]، (فأينما تولوا فثم وجه الله) [البقرة: ١١٥].
فظهر بهذا أن معنى الآية الرد على اليهود، حيث ارتابوا في تحويل القبلة عن بيت المقدس؛ بأن التوجه إلى الله تعالى ليس محصوراً إلى جهة بيت المقدس، بل هو في كل وجهة. وللآية أسباب أخر هذه أصحها، منها:
أنها نزلت في صلاة التطوع على الراحلة، وهو مروي عن ابن
стр. 209
عمر ﵄.
ومنها أنها نزلت في ليلة مظلمة في سفر، فصلى كل رجل على حاله، فلما أصبحوا ذكروا ذلك للنبي ﷺ فنزلت.
ومن ذلك أنها لما نزلت (ادعوني أستجب لكم) [غافر: ٦٠] قالوا: إلى أين؟ فنزلت.
стр. 210
وعلى كل حال، فمعرفة سببها بين أن المعنى غير ما تبادر من اللفظ.
فإن قلت: إن القاعدة المشهورة: أن العبرة بعموم اللفظ، لا بخصوص السبب.
فالجواب: أنه كذلك ما لم يقم دليل على تخصيص اللفظ، وقد قام غليه.
ومن فوائد علم أسباب النزول: أن اللفظ قد يراد به المعارضة، والرد على قوم لإثبات أمر أو حكم، فإذا علم أن السبب هو الرد والمعارضة اتضح المعنى، وإذا لم يفهم استشكل.
مثال ذلك: قوله تعالى: (إن الصفا والمروة .... ) إلى أن قال: (فلا جناح عليه أن يطوف بهما) [البقرة: ١٥٨]، فإن اللفظ يفهم منه أن السعي ليس واجباً، وليس المعنى على ذلك، ولذا ردت عائشة - رضي الله تعالى عنها- على عروة في فهمه ذلك، وبينت أن السبب في ذلك: أن الصحابة تحرجوا من السعي بينهما؛ لكونه من عمل الجاهلية، فنزلت فظهر من السبب المعنى.
стр. 211
وكذا قوله تعالى: (قل لآ أجد في مآ أوحي إلي محرماً) [الأنعام: ١٤٥]، وهو أن الكفار لما أحلوا ما حرمه الله تعالى من هذه الأشياء، نزلت هذه الآية على جهة المضادة والإفحام. مثاله: من يقول: لا تأكل اليوم حلوى، فيقال: لا آكل اليوم إلا حلوى.
فالمقصود من هذه المضادة لا الحصر، وهو أن لا يأكل في ذلك اليوم غير الحلوى، وكذلك الآية، فكأنه تعالى قال: لا حرام إلا ما أحللتموه من (الميتة والدم ولحم الخنزبر ومآ أهل لغير الله به)، ولم يقصد حل ما وراءه، إذ القصد إثبات تحريم ما أحلوه لا حصر المحرمات.
وهذا الفهم في الآية من استخراجات الإمام الشافعي ﵁، فلله دره ما أعلمه بأساليب الكلام، ولو لم يفهم الإمام هذا الفهم، لكان ظاهر الكلام يقتضي حصر المحرمات في هذه الأشياء.
وقد ذهب إليه بعضهم بمقتضى الظاهر.
وقد تحمل الآية على الحصر الادعائي، حيث إن الكفار يرون حل هذه الأشياء، فادعى حصر هذه المحرمة فيها.
стр. 212
فائدة:
العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ، وقيل: العبرة بخصوص السبب، وفهم العموم مستفاد من دليل آخر، فإن لم يوجد عليه دليل آخر بقي على خصوصه. الصحيح الأول.
فائدة:
كثيراً ما يذكر المفسرون للآية الواحدة أسباباً متعددة ، فإما أن يمكن الجمع بينهما، أو لا.
وطريق الجمع والله أعلم منحصر في خمس صور:
الأول: أن يقول أحدهما نزلت في كذا، والآخر يقول نزلت في كذا، ويزيد ما يفيد أنه سبب لنزولها، فيحمل حينئذ كلام من قال: أنها نزلت في كذا على التفسير، وكلام من زاد بيان السبب، على السبب.
مثال ذلك: ما أخرجه البخاري غن ابن عمر ﵄ قال: نزلت (نساؤكم حرث لكم) [البقرة: ٢٢٣] في إتيان النساء في أدبارهن.
وأخرج مسلم عن جابر - رضي الله تعالى عنه - قال: كانت اليهود تقول: من أتى امرأة من دبرها في قبلها جاء الولد أحول، فأنزل الله تعالى الآية.
فكلام جابر مصرح بالسبب، بخلاف ابن عمر، فيحمل على أنه تفسير منه.
стр. 213
وقد رد ابن عباس ﵄ عليه، وذكر مثل حديث جابر.
ومن هذا القبيل أيضاً: ما أخرجه البيهقي وغيره عن ابن عمر ﵄ في قوله تعالى: (قد أفلح من تزكى. وذكر اسم ربه فصلى) [الأعلى: ١٤ - ١٥]: أنها نزلت في زكاة الفطر. والسورة مكية، ولم يكن بمكة زكاة
ولاعيد. فمعنى كلام ابن عمر ﵄ على التفسير يعني: أن زكاة الفطر والعيد داخل في هذه الآية، لا أنها سبب نزولها. وقد قال ابن تيمية - رحمه الله تعالى -: قولهم: إن الآية نزلت في كذا. يراد به تارة أن ذلك سبب نزولها، ويراد به تارة أن ذلك داخل في الآية وإن لم يكن سبباً، كما يقال: عني بالآية كذا، انتهى.
الثاني من أوجه الجمع: أن يقول أحدهما نزلت في كذا، فينظر إلى المتقدم منهما ويعمل به, ويكون كلام الثاني فهم منه، حيث رأى النبي ﷺ تلا الآية عقيب الواقعة، ولم يكن سمعها قبل، فظن أن الآية نزلت في ذلك بحسب فهمه.
مثاله: ما أخرجه الترمذي عن ابن عباس ﵄ قال: مر النبي ﷺ بيهودي فقال: كيف تقول يا أبا القاسم إذا وضع الله السماوات على ذه؟ فأنزل الله
стр. 214
تعالى: (وما قدروا الله حق قدره) [الأنعام: ٩١، والحج: ٧٤، والزمر: ٦٧].
فهذا يقتضي أنها نزلت في المدينة، والآية مكية، فيحمل على أنه: فتلى، كما في الصحيح. والحمل على ذلك أولى من الحمل على تعدد النزول؛ لكونه لا بد فيه من مستند؛ ولكون في بعض طرق هذه الأحاديث الصحيحة: فتلى.
الوجه الثالث من أوجه الجمع: أن يجعل السببين شيئاً واحداً. مثال ذلك: ما أخرجه الشيخان عن جندب قال: اشتكى النبي ﷺ فلم يقم ليلة أو ليلتين، فأتته امرأة فقالت: يا محمد ما أرى شيطانك إلا قد تركك. فأنزل الله تعالى قوله: (والضحى. والليل إذا سجى) [الضحى].
وأخرج الطبراني وابن أبي شيبة عن حفص بن ميسرة، عن أمه عن
стр. 215
أمها، وكانت خادم النبي ﷺ : أن جرواً دخل بيت النبي ﷺ فمات، فمكث النبي ﷺ أربعة أيام لا ينزل عليه الوحي فقال: " يا خولة ما حدث في بيت رسول الله؟ جبريل لا يأتيني! "، فقلت في نفسي: لو هيئت البيت وكنسته، فأهويت بالمكنسة تحت السرير، فأخرجت الجرو، فجاء النبي ﷺ ترعد لحيته وكان إذا نزل عليه أخذته الرعدة، فأنزل الله جل شأنه: (والضحى) إلى قوله: (فترضى).
فهذه قضيتان، كل منهما ذكر أنها سبب لنزول السورة، ولا منافاة بينهما والله أعلم، لا حتمال أن موت الجرو وشكوى النبي ﷺ كل ذلك كان في زمن واحد، فمن سمع كلام المرأة، ورأى نزول السورة عقبه قال: إن السبب موت الجرو. وفي الواقع هما سبب واحد.
وقال الحافظ ابن حجر - رحمه الله تعالى - في " شرح البخاري ": قصة
следующие страницы →