← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 150960

الزيادة والإحسان في علوم القرآن

محمد عقيلة

Полный текст (4 238 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

وكذا قوله تعالى: (قل لآ أجد في مآ أوحي إلي محرماً) [الأنعام: ١٤٥]، وهو أن الكفار لما أحلوا ما حرمه الله تعالى من هذه الأشياء، نزلت هذه الآية على جهة المضادة والإفحام. مثاله: من يقول: لا تأكل اليوم حلوى، فيقال: لا آكل اليوم إلا حلوى. فالمقصود من هذه المضادة لا الحصر، وهو أن لا يأكل في ذلك اليوم غير الحلوى، وكذلك الآية، فكأنه تعالى قال: لا حرام إلا ما أحللتموه من (الميتة والدم ولحم الخنزبر ومآ أهل لغير الله به)، ولم يقصد حل ما وراءه، إذ القصد إثبات تحريم ما أحلوه لا حصر المحرمات. وهذا الفهم في الآية من استخراجات الإمام الشافعي ﵁، فلله دره ما أعلمه بأساليب الكلام، ولو لم يفهم الإمام هذا الفهم، لكان ظاهر الكلام يقتضي حصر المحرمات في هذه الأشياء. وقد ذهب إليه بعضهم بمقتضى الظاهر. وقد تحمل الآية على الحصر الادعائي، حيث إن الكفار يرون حل هذه الأشياء، فادعى حصر هذه المحرمة فيها.

стр. 212

فائدة: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ، وقيل: العبرة بخصوص السبب، وفهم العموم مستفاد من دليل آخر، فإن لم يوجد عليه دليل آخر بقي على خصوصه. الصحيح الأول. فائدة: كثيراً ما يذكر المفسرون للآية الواحدة أسباباً متعددة ، فإما أن يمكن الجمع بينهما، أو لا. وطريق الجمع والله أعلم منحصر في خمس صور: الأول: أن يقول أحدهما نزلت في كذا، والآخر يقول نزلت في كذا، ويزيد ما يفيد أنه سبب لنزولها، فيحمل حينئذ كلام من قال: أنها نزلت في كذا على التفسير، وكلام من زاد بيان السبب، على السبب. مثال ذلك: ما أخرجه البخاري غن ابن عمر ﵄ قال: نزلت (نساؤكم حرث لكم) [البقرة: ٢٢٣] في إتيان النساء في أدبارهن. وأخرج مسلم عن جابر - رضي الله تعالى عنه - قال: كانت اليهود تقول: من أتى امرأة من دبرها في قبلها جاء الولد أحول، فأنزل الله تعالى الآية. فكلام جابر مصرح بالسبب، بخلاف ابن عمر، فيحمل على أنه تفسير منه.

стр. 213

وقد رد ابن عباس ﵄ عليه، وذكر مثل حديث جابر. ومن هذا القبيل أيضاً: ما أخرجه البيهقي وغيره عن ابن عمر ﵄ في قوله تعالى: (قد أفلح من تزكى. وذكر اسم ربه فصلى) [الأعلى: ١٤ - ١٥]: أنها نزلت في زكاة الفطر. والسورة مكية، ولم يكن بمكة زكاة ولاعيد. فمعنى كلام ابن عمر ﵄ على التفسير يعني: أن زكاة الفطر والعيد داخل في هذه الآية، لا أنها سبب نزولها. وقد قال ابن تيمية - رحمه الله تعالى -: قولهم: إن الآية نزلت في كذا. يراد به تارة أن ذلك سبب نزولها، ويراد به تارة أن ذلك داخل في الآية وإن لم يكن سبباً، كما يقال: عني بالآية كذا، انتهى. الثاني من أوجه الجمع: أن يقول أحدهما نزلت في كذا، فينظر إلى المتقدم منهما ويعمل به, ويكون كلام الثاني فهم منه، حيث رأى النبي ﷺ تلا الآية عقيب الواقعة، ولم يكن سمعها قبل، فظن أن الآية نزلت في ذلك بحسب فهمه. مثاله: ما أخرجه الترمذي عن ابن عباس ﵄ قال: مر النبي ﷺ بيهودي فقال: كيف تقول يا أبا القاسم إذا وضع الله السماوات على ذه؟ فأنزل الله

стр. 214

تعالى: (وما قدروا الله حق قدره) [الأنعام: ٩١، والحج: ٧٤، والزمر: ٦٧]. فهذا يقتضي أنها نزلت في المدينة، والآية مكية، فيحمل على أنه: فتلى، كما في الصحيح. والحمل على ذلك أولى من الحمل على تعدد النزول؛ لكونه لا بد فيه من مستند؛ ولكون في بعض طرق هذه الأحاديث الصحيحة: فتلى. الوجه الثالث من أوجه الجمع: أن يجعل السببين شيئاً واحداً. مثال ذلك: ما أخرجه الشيخان عن جندب قال: اشتكى النبي ﷺ فلم يقم ليلة أو ليلتين، فأتته امرأة فقالت: يا محمد ما أرى شيطانك إلا قد تركك. فأنزل الله تعالى قوله: (والضحى. والليل إذا سجى) [الضحى]. وأخرج الطبراني وابن أبي شيبة عن حفص بن ميسرة، عن أمه عن

стр. 215

أمها، وكانت خادم النبي ﷺ : أن جرواً دخل بيت النبي ﷺ فمات، فمكث النبي ﷺ أربعة أيام لا ينزل عليه الوحي فقال: " يا خولة ما حدث في بيت رسول الله؟ جبريل لا يأتيني! "، فقلت في نفسي: لو هيئت البيت وكنسته، فأهويت بالمكنسة تحت السرير، فأخرجت الجرو، فجاء النبي ﷺ ترعد لحيته وكان إذا نزل عليه أخذته الرعدة، فأنزل الله جل شأنه: (والضحى) إلى قوله: (فترضى). فهذه قضيتان، كل منهما ذكر أنها سبب لنزول السورة، ولا منافاة بينهما والله أعلم، لا حتمال أن موت الجرو وشكوى النبي ﷺ كل ذلك كان في زمن واحد، فمن سمع كلام المرأة، ورأى نزول السورة عقبه قال: إن السبب موت الجرو. وفي الواقع هما سبب واحد. وقال الحافظ ابن حجر - رحمه الله تعالى - في " شرح البخاري ": قصة

стр. 216

إبطاء جبريل بسبب الجرو مشهورة، وكونها سبب لنزول الآية غريب، وفي سنده من لا يعرف، فالمعتمد ما في الصحيح. انتهى. فجنح إلى الترجيح دون الجمع، والله أعلم. الوجه الرابع من أوجه الجمع: الحمل على أنها نزلت لهما: مثال ذلك قوله تعالى: (والذين يرمون أزواجهم) إلى قوله تعالى: (إن كان من الصادقين) [النور: ٦]. ففي البخاري أن سبب نزولها: قذف هلال بن أمية زوجته. وفيه أيضاً وفي مسلم: أن سبب نزولها قذف عويمر. فجمه بينهما بأن أول من وقع له ذلك هلال، وصادف مجيء عويمر،

стр. 217

فنزلت في شأنهما معاً. وليس هذا القسم هو القسم الأول؛ لأن القسم الأول يجعل السببين سبباً واحداً، وهنا مختلفين، لكن الوقت جمع بينهما. الخامس من أوجه الجمع: الحمل على تكرار النزول: مثال ذلك قوله تعالى: (وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به .... ) [النحل: ١٢٦] إلى آخر السورة، ففهي البيهقي والبزار عن أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ وقف على حمزة حين استشهد وقد مثل به، فقال: " لأمثلن بسبعين منهم مكانك "، فنزل جبريل والنبي ﷺ واقف بخواتيم سورة النحل. وأخرج الترمذي عن أبي بن كعب قال: لما كان يوم أحد أصيب من الأنصار أربعة وستون، ومن المهاجرين ستة منهم حمزة، فمثلوا بهم، فقالت الأنصار:

стр. 218

لئن أصبنا منهم يوماً مثل هذا لنريين عليهم. فلما كان يوم فتح مكة أنزل الله جل شأنه: (وإن عاقبتم فعاقبوا ... ). قال ابن الحصار: ويجمع بأنها نزلت أولاً بمكة قبل الهجرة مع السورة لأنها مكية، ثم بأحد، ثم يوم الفتح، تذكيراً من الله جل شأنه للعباد. انتهى. ومن ذلك أيضاً: آية الروح، ففي البخاري عن ابن مسعود ﵁: أنها نزلت بالمدينة؛ بسبب سؤال اليهود. وأخرج الترمذي عن ابن عباس ﵄: أنها نزلت بمكة بسبب سؤال قريش. قال الزركشي في " البرهان ": إن آية الروح مما تكرر نزوله، فلا تعارض بين الحديثين، فالكل منهما سبب للنزول.

стр. 219

ومن ذلك قوله تعالى: (ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين) [التوبة: ١١٣]. أخرج الشيخان عن ابن المسيب: أنها نزلت في أبي طالب لما حضرته الوفاة فقال: هو على ملة عبد المطلب، فقال النبي ﷺ : (لأستغفرن لك ما لم أنه عنك). فنزلت. وأخرج الترمذي وحسنه عن علي ﵁ قال: سمعت رجلاً يستغفر لأبويه وهما مشركان، فقلت: أتستغفر لأبويك وهما مشركان؟ فقال: استغفر إبراهيم لأبيه وهو مشرك. فذكرت ذلك للنبي ﷺ فنزلت. فلا يبعد أنها نزلت أولاً في حق أبي طالب ثم نزلت في حق هذا الرجل، والله أعلم. فهذه صور الجمع.

стр. 220

وأما إذا لم يمكن الجمع فإما: أن يكون الحديثان صحيحان، فيرجح أحدهما بطريق من طرق الترجيح. أو يكون أحدهما صحيحاً والآخر ضعيفاً، فالعمل على الصحيح. مثال الأول: ما أخرجه الحاكم وصححه عن ابن مسعود قال: خرج النبي ﷺ يوماً إلى المقابر فجلس إلى قبر منها، فناجاه طويلاً ثم بكى فقال: " إن القبر الذي جلست إليه قبر أمي، وإني استأذنت ربي في الدعاء فلم يأذن لي، فأنزل الله تعالى علي: (ما كان للنبي والذين ءامنوا أن يستغفروا للمشركين) ". وسبق من حديث الشيخين أن سبب نزول الآية في أبي طالب، فيرجح ما في البخاري ومسلم بأوجه: الأول منها: أنه ﵇ بعد أن ينهى عن الاستغفار لأبي طالب يبعد منه العود إلى أن يستغفر ثانياً. الثاني: أن حديث ابن مسعود وإن صححه الحاكم فقد تعقبه الذهبي في " مختصره "، قال: في سنده أيوب بن هاني، ضعفه ابن معين. فهذه علة تقدح في صحته.

стр. 221

الثالث: أن الحديث مضطرب، ففي بعض رواياته أن القبر بمكة، وفي بعضها، بالأبوا، وفي بعضها: قبل ثنية عسفان. فهذه علة ثانية تقدح فيه. الرابع: أن في بعض طرق هذا الحديث - وهو أصحها - كما ذكره الحافظ السيوطي - رحمه الله تعالى - أن النبي ﷺ زار قبر أمه في ألف مقنع، فما رأي أكثر باكياً ذلك اليوم. رواه الحاكم وصححه. وهذه الروايات ليس فيها ذكر لسبب نزول الآية، وقد يكون البكاء لمجرد الرقة الحاصلة من زيارة الأموات من الأحياء لا لأمر آخر. فبما تقرر، ظهر أن العمل على ما في الصحيحين من أن سبب النزول لها قضية أبي طالب. ومثال ما كان أحد الحديثين هو الصحيح والعمل عليه: ما رواه الطبري من طريق العوفي عن ابن عباس ﵄: أن سبب نزول " والضحى "

стр. 222

فترة الوحي التي بين النبوة والرسالة، وأنها نزلت عقيب (يا أيها المدثر). قال الحافظ: وكل من هذه الروايات لا تثبت بحال، ويخالفها ما رواه الشيخان في سبب نزولها عن جندب بن سفيان البجلي ﵁، وقد سبق حديثه. قال الحافظ: والحق أن الفترة المذكورة في سبب نزول " والضحى " غير الفترة المذكورة في ابتداء الوحي، فإنها دامت أياماً، وهذه لم تكن إلا ليلتين أو ثلاثاً، فاختلط على بغض الرواة، وتحقيق الأمر ما بينته. قال: ووقع في " السيرة " لابن إسحاق في سبب نزولها شيء آخر، فإنه ذكر: أن المشركين لما سألوا رسول الله ﷺ عن ذي القرنين وغيره، ووعدهم بالجواب ولم يستثن، فأبطأ عليه جبريل اثنتي عشر ليلة، فضاق صدره لذلك، وتكلم المشركون، فنزل جبريل بسورة " الضحى " وبجواب ما سألوه. وقال: وذكر سورة " والضحى " هنا بعيد، لكن يجوز أن يكون الزمان في القصتين متقارباً، فضم بعض الرواة إحدى القصتين إلى الأخرى، ثم قال في آخر كلامه: وكل ما خالف ما في الصحيحين من

стр. 223

هذه الروايات فغير ثابت. انتهى. تنبيه: وهو عكس من تعدد الأسباب في آية واحدة، وهو أن يكون السبب الواحد للآيات . مثال ذلك: ما أخرجه البخاري من حديث زيد بن ثابت: أن رسول الله ﷺ أملى عليه: (لا يستوي القاعدون من المؤمنين ..... والمجاهدون في سبيل الله) [النساء: ٩٥]، فجاء ابن أم مكتوم فقال: يا رسول الله لو أستطيع الجهاد لجاهدت، فأنزل الله جل شأنه: (غير أولي الضرر) [النساء: ٩٥]. وأخرج ابن أبي حاتم عن زيد أيضاً قال: كنت أكتب لرسول الله ﷺ فإني لواضع القلم على أذني إذ أمر بالقتال، فجعل رسول الله ﷺ ينظر ما يوحى إليه، إذ جاء ابن أم مكتوم فقال: كيف وأنا أعمى؟ فنزلت: (ليس على الضعفاء) [التوبة: ٩١]. فكل من الآيتين سبب نزولها سؤال ابن مكتوم. قال السيوطي - رحمه الله تعالى -: هذا من استخراجي من كلام الأئمة،

стр. 224

ولم أسبق عليه. فجزاه الله خيراً. ومن ذلك آيات الخمر، فإن سببها سؤال سيدنا عمر بن الخطاب ﵁.

стр. 225

النوع الرابع والعشرون علم ما نزل موافقاً لقول قائل

стр. 226

النوع الرابع والعشرون علم ما نزل موافقاً لقول قائل والأصل في ذلك موافقات عمر ﵁. فعن عبد الله بن عمر ﵁ أنه قال: ما اختلف أصحاب رسول الله ﷺ في شيء فقالوا وقال عمر، إلا نزل القرآن كما قال عمر. أخرجه ابن وركان. وعن علي ﵁: إن عمر ليقول القول فينزل القرآن بتصديقه. فمما نزل على لسانه، ما أخرجه البخاري عن أنس قال: قال عمر: وافقت ربي في ثلاث، قلت: يا رسول الله لو اتخذنا من مقام إبراهيم مصلى، فنزلت: (واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى) [البقرة: ١٢٥]. وقلت: يا رسول الله إن نساءك يدخل عليهن البر والفاجر، فلو أمرتهن يتحجبن، فنزلت آية الحجاب. واجتمع على رسول الله ﷺ نساؤه في العسر، فقلت: (عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجاً خيراً منكن) [التحريم: ٥].

стр. 227

فنزلت كذلك. انتهى. فهذه ثلاثة. والرابعة: في أسارى بدر، فإنه أشار بضرب أعناقهم - كما في " صحيح مسلم " - وامتنع ﵇ من ذلك، فأنزل الله جل شأنه: (ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة) [الأنفال: ٦٧]. وهي موافقة معنوية لا لفظية. الخامسة: في قوله تعالى: (ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين) الآية [المؤمنون: ١٢]، فلما نزلت قال عمر: (فتبارك الله أحسن الخالقين) [المؤمنون: ١٤] فنزلت. وفي رواية قال النبي ﷺ : " تزيد في القرآن يا عمر "، فنزل جبريل بها، وقال: إنها من تمام الآية. السادسة: في قوله تعالى: (من كان عدواً لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال فإن الله عدو للكافرين) [البقرة: ٩٨].

стр. 228

أخرج ابن أبي حاتم عن عبد الرحمن بن أبي ليلى: أن يهودياً لقي عمر بن الخطاب ﵁ فقال: إن جبريل الذي يذكره صاحبكم عدو لنا، فقال عمر: (من كان عدواً لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال فإن الله عدو للكافرين) فنزلت. وعن علي ﵁ أن عمر انطلق إلى اليهود فقال: إني أنشدكم بالله الذي أنزل التوراة على موسى، هل تجدون وصف محمد ﷺ في كتابكم؟ فقالوا: نعم. فقال: ما يمنعكم من اتباعه؟ قالوا إن الله تعالى لم يبعث رسولاً إلا كان له من الملائكة كفيلاً، وإن جبريل هو الذي يكفل محمداً ﷺ ، وهو عدونا من الملائكة، وميكائيل سلمنا، فلو كان هو الذي يأتيه، اتبعناه.

стр. 229

قال: فإني أشهد أنه كلن ميكائيل ليعادي سلم جبريل، وما كان جبريل ليسالم عدو ميكائيل. فمر النبي ﷺ فقالوا: هذا صاحبك يا ابن الخطاب. فقام إليه وقد أنزل عليه: (قل من كان عدواً لجبريل) إلى قوله: (فإن الله عدو للكافرين) [البقرة: ٩٨]، أخرجه ابن السمان في (الموافقة). وأخرج أبو الفرج معناه " أسباب النزول " وزاد، فقلت: والذي بعثك بالحق، ما جئت إلا لأخبرك بقول اليهود، فإذا اللطيف الخبير قد سبقني. ذكره الواحدي في تفسيره (الوسيط). وعلى هذا الحديث فيكون موافقة عمر في هذه الآية معنوية لا لفظية، كما تقدم. السابعة: في قوله تعالى: (وإن تظاهرا عليه فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين) [التحريم: ٤]. قال عمر: يا رسول الله إن كنت طلقت نساءك،

стр. 230

فإن الله معك وجبريل وأنا وأبو بكر والمؤمنون. فأنزل الله : (وإن تظاهرا عليه) الآية. أخرجه أبو حاتم من حديث طويل. الثامنة: في قوله تعالى: (ولا تصل على أحد منهم مات أبداً) الآية [التوبة: ٨٤]. عن ابن عباس ﵁ قال: لما مات عبد الله بن أبي بن سلول، دعي له رسول الله ﷺ ليصلي عليه، فلما قام رسول الله ﷺ وثبت إليه فقلت: يا رسول الله أتصلي على ابن أبي ابن سلول وقد قال يوم كذا كذا وكذا؟ ! قال: أعدد عليه قوله. فتبسم رسول الله ﷺ وقال: " أخر عني يا عمر "، فلما أكثرت عليه قال: " أما أنا خيرت فاخترت، لو أعلم إني إن زدت على السبعين له لزدت عليها ". قال: فصلى عليه رسول الله ﷺ ثم انصرف، فلم يمكث إلا يسيراً حتى نزلت الآيتان من براءة: (ولا تصل على أحد منهم مات أبداً ولا تقم على قبره) إلى قوله: (وهم فاسقون) [براءة: ٨٤ - ٨٥].الحديث أخرجه البخاري. وهذه موافقة معنوية أيضاً. التاسعة: في قوله تعالى: (سواء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم لن يغفر الله لهم) [المنافقون: ٦].

стр. 231

روي أن النبي ﷺ لما نزل عليه: (إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم) [التوبة: ٨٠] قال: " لأ زيدن على السبعين ". وأخذ في الاستغفار، فقال عمر: يا رسول الله، والله لا يغفر الله لهم سواء استغفرت لهم أم لم تستغفر لهم. فنزلت. خرجه في " الفضائل ". العاشرة: في قوله : (سبحانك هذا بهتان عظيم) [النور: ١٦]. روي أن النبي ﷺ استشار عمر ﵁ في أمر عائشة حين قال أهل الإفك ما قالوا، فقال: يا رسول الله من زوجكها؟ فقال: " الله تعالى "، قال: أفتظن أن ربك دلس عليك فيها! سبحانك هذا بهتان عظيم. فأنزل الله وفق ما قال عمر. نقل ذلك في " الرياض النضرة " للمحب الطبري - رحمه الله تعالى -. الحادي عشر: روي عن ابن عباس ﵄: أن رسول الله ﷺ أرسل غلاماً من الأنصار إلى عمر بن الخطاب وقت الظهر، فدخل فرأى عمر

стр. 232

على حالة كره عمر رؤيته عليها، فقال يا رسول الله وددت أن الله تعالى أمرنا ونهانا في حالة الاستئذان، فنزلت: (يأيها الذين ءامنوا ليستئذنكم الذين ملكت أيمانكم) الآية [النور: ٨٥]. أخرجه أبو الفرج، وخرجه " صاحب الفضائل " وقال بعد قوله: فدخل عليه وكان نائماً وقد اكشف بعض جسده فقال: اللهم حرم الدخول علينا وقت نومنا. فنزلت. وهذه موافقة معنوية. ويمكن أن يعد من الموافقات المعنوية الثلاث الآيات التي في الخمر، فقد روي أن عمر ﵁ كان حريصاً على تحريم الخمر، فكان يقول: اللهم بيّن لنا في الخمر، فإنه يذهب العقل والمال. فنزل قوله تعالى: (يسئلونك عن الخمر والميسر) [البقرة: ٢١٩] فلم يكتف عمر، فقال: اللهم بيّن لنا في الخمر بياناً شافياً، فنزل: (يأيها الذين ءامنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى) [النساء: ٤٣]، فلم يكتف، ثم قال: اللهم بين لنا في الخمر بياناً شافياً، فنزل: (يأيها الذين ءامنوا إنما الخمر والميسر) الآية [المائدة: ٩٠]. فدعى رسول الله ﷺ عمر، فتلاها عليه، فقال عمر: انتهينا يا رب انتهينا. فهذه ثلاثة إلى أحد عشر، فتكون أربعة عشر آية. وروي أنه لما نزل قوله تعالى: (ثلة من الأولين. وقليل من الآخرين)

стр. 233

[الواقعة: ١٣] بكى عمر ﵁، فأنزل الله تعالى: (ثلة من الأولين. وثلة من الآخرين) [الواقعة: ٣٩ - ٤٠]، فدعى رسول الله ﷺ عمر وقال: " لقد أنزل الله تعالى فيما قلت، فجعل (ثلة من الأولين. وثلة من الآخرين). ذكره في " الرياض النضرة ". وأقول: إن هذا الحديث لا أصل له والله أعلم، فإن الثلة الأولى التي هي من الأولين، وقليل من الآخرين في حق السابقين، فإن الله تعالى قسم الخلق في ذلك الموقف ثلاثة أقسام، كما قال تعالى: (وكنتم أزواجاً ثلاثة) وقوله: (ثلة من الأولين. وقليل من الآخرين) في أصحاب اليمين، فكيف يصح أن يقول النبي ﷺ لعمر: قد جعل الله (ثلة من الأولين. وثلة من الآخرين) في قسم غير القسم الذي بكى منه عمر ﵁. وأيضاً فهذا الحديث يشير إلى النسخ، والنسخ في الأخبار الإلهية غير جائز، إنما النسخ في الأحكام وهذا خبر، فلا يصح نسخه.

стр. 234

فإن صح هذا الحديث فيحمل - والله أعلم - على أنه أراد ﵇ بقوله: فجعل الله (ثلة من الأولين)، أن الله تعالى قد عوضنا حيث لم يجعل منا إلا قليلاً في السابقين فجعل منا كثيراً في أصحاب اليمين. فإن قلت: فما وجه إنا قليل في السابقين؟ قلت: مقام السابقين مقام المقربين كما قال تعالى: (أولئك المقربون)، وغالب أهل هذا المقام هم الأنبياء ومن على قدمهم في الكمال، وكان في السابقين مائة ألف نبي، ومن على قدمهم من أمتهم، فصاروا في السابقين أكثر منا. فهذه على صحة هذا الحديث خمسة عشر موافقة لعمر ﵁، ولم أر من أوصلها إلى هذا القدر.

стр. 235

ومما روي مما نزل على لسان بعض الصحابة ﵃ أيضاً، قوله تعالى: (سبحانك هذا بهتان عظيم) [النور: ١٦]، فقد روي ذلك عن زيد بن حارثة وأبي أيوب. ومن ذلك ما أخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة قال: لما أبطأ على النساء الخبر في أحد خرجن يستخبرن، فإذا رجلان مقبلان على بعير، فقالت امرأة: ما فعل رسول الله ﷺ ؟ فقالا: حي، فقالت: فلا أبالي يتخذ الله من عباده الشهداء. فنزل القرآن على ما قالت: (ويتخذ منكم شهداء). وروى ابن سعد في " الطبقات " بسنده: أن مصعب بن عمير كان يقول: " وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفأين مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم " [آل عمران: ١٤٤] حتى قتل. قال محمد بن شرحبيل ﵁ راوي

стр. 236

الحديث -: وما نزلت هذه الآية: (وما محمد إلا رسول) يومئذ حتى نزلت بعد. ومن ذلك ما روى الشيخان والبيهقي واللفظ له، عن عبادة بن الصامت ﵁ قال: بايعنا النبي ﷺ على بيعة النساء .... الحديث، وما نزلت بيعة النساء إلا في عام الحديبية أو بعده. وهذه المبايعة التي ذكرها عبادة يعني بيعة العقبة في أول الإسلام، فيكون بيعته ﵇ إياهم على وفق ما أنزل عليه بعد. ومن الموافقات المعنوية، ما روى ابن إسحاق عن كعب بن مالك أن البراء بن معرور قال: يا هؤلاء إني رأيت رؤيا، والله ما أدري توافقوني عليها أم لا؟ . قلنا: وما ذاك؟ قال: قد رأيت أن لا أدع هذه البنية مني - يعني الكعبة - وأن أصلي إليها.

стр. 237

قالوا: فقلنا والله ما بلغنا أن النبي ﷺ يصلي إلا إلى الشام، وما نريد أن نخالفه. قال: فقال: إني مصل إليها. فقلنا له: لكنا لا نفعل. وفي الحديث: فلما قدمنا مكة وسأل النبي ﷺ قال له: قد كنت على قبلة لو صبرت عليها. فرجع البراء إلى قبلة رسول الله ﷺ ، وصلى معنا إلى الشام، فنزلت بعد ذلك: (فول وجهك شطر المسجد الحرام) الآية: [البقرة: ١٤٤]. ومن الموافقات المعنوية أيضاً، ما روى عبد الرزاق بإسناد صحيح عن محمد بن سيرين قال: جمع أهل المدينة قبل أن يقدمها رسول الله ﷺ وقبل أن تنزل الجمعة، فقالت الأنصار: إن لليهود يوماً يجتمعون فيه كل سبعة أيام، وللنصارى مثل ذلك، فهلموا فنجعل لنا يوماً نجتمع فيه فنذكر الله تعالى، ونصلي ونشكره، فجعلوا يوم العروبة، واجتمعوا إلى أسعد بن زرارة، فصلى بهم يومئذ، وأنزل الله جل شأنه بعد ذلك: (يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة) الآية [الجمعة: ٩].

стр. 238

فإن قلت: أما الموافقات المعنوية فلا إشكال فيها، وأما الموافقات اللفظية فهي مشكلة على ما تقرر أن القرآن العزيز معجز تحدى النبي ﷺ فيه فلم يقدر أفصح اللحناء وأبلغ البلغاء أن يأتي بآية مثله، فكيف نطق بآية هي عين القرآن؟ قلت: الجواب عن ذلك أن النبي ﷺ قد كشف هذا الإشكال بقوله: " إنه كان في الأمم السالفة محدثون، وإن يكن في أمتي أحد فمعمر ". فموافقة عمر ﵁ للقرآن ليس من ملكيته ولا من قريحته، وإنما هي إلقاء إلهي، وتحدث رباني يجده العبد في بعض الأوقات من غير تفعل ولا روية، فينطق به على وفق ما وقع له، وهذا نوع من الوحي، وهو الوحي الإلهامي الذي قال فيه تعالى: (وأوحينا إلى أم موسى) [الأعراف: ١١٧]. وهو التحديث الذي أشار إليه ﵇، وليس هذا مخصوص بالأنبياء ﵈، بل هو لهم ولغيرهم من المؤمنين. فبما تقرر ظهر أن ما نطق به عمر أو غيره موافقاً للفظ القرآن فليس منه، إنما هو إلقاء إلهي أراد الله به إظهار كرامته إلى من ألقاه إليه، حتى إذا نزل القرآن الذي هو أيضاً إلقاء إلهي إلا أنه بكيفية أخرى وهي إلقاء إلى الرسول بواسطة الملك، المأمون فيها التلبس، بخلاف غير النبي ﷺ فإنه ليس بمأمون فيها التلبس، فإن الخواطر الواردة على الإنسان كما حققه أهل

стр. 239

المعرفة بذلك أربعة: خاطر نفسي، وخاطر شيطاني، وخاطر ملكي، وخاطر رباني. والمحمود منها الأخيرين. فما نطق به عمر على وفق القرآن، فقد بين النزول أنه قرآن، ويدل لهذا المعنى ما روي عن علي ﵁: كنا في القرآن لكلاماً من كلامه، ورأياً من رأيه. أخرجه ابن السمان في " الموافقة ". وعنه أيضاٌ: وكنا نرى ونحن متوافرون أصحاب محمد ﷺ أن السكينة تنطق على لسان عمر. أخرجه ابن السمان، والحافظ أبو الفرج في " منهاج الإصابة في محبة الصحابة ". فبما تقرر زال الإشكال.

стр. 240

النوع الخامس والعشرون علم ما تكرر نزوله

стр. 241

النوع الخامس والعشرون علم ما تكرر نزوله قال الزركشي في " البرهان ": وقد ينزل الشيء مرتين تعظيماً لشأنه، وتذكيراً عند حدوث سببه خوف نسيانه، ثم ذكر منه آية الروح، وقوله تعالى: (وأقم الصلاة طرفي النهار) الآية [هود: ١١٤]. قال: فإن سورة (الإسراء) و (هود) مكيتان، وسبب نزولهما يدل على أنهما نزلتا بالمدينة، ولهذا أشكل ذلك على بعضهم ولا إشكال؛ لأنها نزلت مرة بعد مرة. انتهى. قوله: فإن السورة مكية، وسبب نزول الآية يدل على أنها مدنية. لا يلزم من كون السورة مكية أن يكون جميع آياتها كذلك، فقد استثنى من كثير من السور - كما تقدم - آيات، بل الوجه إنما يستفاد من أسبابه أنه نزل مرتين كما ثبت ذلك في كثير من الآيات، مثل آية (الروح)، وكذا سورة

стр. 242

(الإخلاص)، وآخر سورة (النحل)، وأول سورة (الروم)، وسورة (الفاتحة). فهذه كلها ثبت تكرر نزولها. وفي " جمال القراء " للسخاوي - بعد أن حكى القول بنزول (الفاتحة) مرتين -: فإن قيل: ما فائدة نزولها مرة ثانية؟ قلت: يجوز أن يكون نزلت أول مرة على حرف واحد، ونزلت في الثانية بحرف آخر، نحو (ملك) و (مالك) و (السراط) و (الصراط) ونحو ذلك. انتهى. أقول: وكأنه حمل الحرف الوارد في قوله ﵇: فأرسل إلي أن أقرأ على سبعة أحرف على أوجه القراءة، وقد اختلف ................................

стр. 243

في ذلك كثيراً، حتى ذهب بعضهم إلى القول: بأن هذا الحديث من المتشابه. تنبيه: أنكر بعضهم كون شيء من القرآن تكرر نزوله، والمشهور هو ما تقدم .

стр. 244

النوع السادس والعشرون علم ما تأخر حكمه عن نزوله وما تاخر نزوله عن حكمه

стр. 245

النوع السادس والعشرون علم ما تأخر حكمه عن نزوله وما تاخر نزوله عن حكمه قال الزركشي في " البرهان ": قد يكون النزول سابقاً على الحكم، كقوله تعالى: (قد أفلح من تزكى. وذكر اسم ربه فصلى) [الأعلى: ١٤ - ١٥]. فقد روى البيهقي وغيره عن ابن عمر ﵄: أنها نزلت في زكاة الفطر. وأخرج البزار نحوه مرفوعاً. وقال بعضهم: لا أدري ما وجه هذا التأويل؟ لأن السورة مكية ولم يكن بمكة عيد ولا زكاة ولا صوم! .

стр. 246

وأجاب البغوي بأنه يجوز أن يكون النزول سابقاً على الحكم كما قال تعالى: (لآ أقسم بهذا البلد. وأنت حل بهذ البلد) [البلد: ١ - ٢]. فالسورة مكية، وقد ظهر أثر الحل يوم فتح مكة، حتى قال ﷺ : (أحلت لي ساعة من نهار). انتهى. لكن في " سيرة الحلبي ": وقيل: فرضت زكاة الفطر قبل الهجرة، وعليه يحمل ما في " سفر السعادة ": كان ﷺ يرسل منادياً ينادي في الأسواق والمحلات والأزقة من مكة: " ألا إن صدقة الفطر واجبة على كل مسلم ومسلمة ". الحديث. انتهى. ويدل لما في " سفر السعادة "، ما تقدم عن ابن عمر ﵄، فيحتمل أن تكون زكاة الفطر فرضت بمكة، وكان ظهورها والأمر بها في الخطبة والحث عليها، وأنها مزكية للصوم بالمدينة في السنة الثانية من الهجرة، وهذا هو

стр. 247

المشهور المعروف. ومما تأخر حكمه عن نزوله: قوله : (سيهزم الجمع ويولون الدبر) [القمر: ٤٥]. قال عمر بن الخطاب: فقلت: أي جمع؟ فلما كان يوم بدر وانهزمت قريش، نظرت إلى رسول الله ﷺ في آثارهم مصلتاً بالسيف يقول: " سيهزم الجمع ويولون الدبر ". فكانت يوم بدر. أخرجه الطبراني في الأوسط. وكذا قوله تعالى: (جند ما هنالك مهزوم من الأحزاب) [ص: ١١]. قال قتادة - رحمه الله تعالى -: وعده الله وهو يومئذ بمكة - أنه سيهزم جند من المشركين، فجاء تأويلها يوم بدر. أخرجه ابن أبي حاتم. وكذا قوله تعالى: (قل جاء الحق وما يبدئ الباطل وما يعيد) [سبأ: ٤٩] أخرج ابن أبي حاتم عن ابن مسعود في قوله تعالى: (قل جاء الحق)، قال: السيف. والآية مكية متقدمة على فرض القتال. وكذا ذكره السيوطي - رحمه الله تعالى -، أن هذه الآيات الثلاثة من هذا الباب. والظاهر أنها ليست منه، بل هي وعد يأتي، فحكمها ثابت من حال نزولها وهو الإيمان بمضمونها، وظهورها يأتي في وقت مستقل كما أخبر الله .

стр. 248

والذي من هذا الباب هو ما نقل عن ابن الحصار مثل قوله : (وءاتوا حقه يوم حصاده) [الأنعام: ١٤١]، وقوله تعالى في سورة (المزمل): (وأقيموا الصلاة وءاتوا الزكاة) [المزمل: ٢٠]، وقوله تعالى: (وءاخرون يقاتلون في سبيل الله) [البقرة: ١٥٤]؛ فهذه الآيات مكية، ولم يفرض بمكة بعد الإيمان غير الصلوات الخمس. فهذه الآيات ما تأخرت حكمه عن نزوله. وأما قول عائشة ﵄ وابن عمر وعكرمة في قوله تعالى: " ومن أحسن قولاً ممن دعا إلى الله وعمل صالحاً) [فصلت: ٣٣]: أنها نزلت في المؤذنين، والآية مكية ولم يشرع اللآذان إلا بالمدينة! فليس من هذا الباب، بل من

стр. 249

باب ما تقدم في أسباب النزول: أن الصحابي قد يقول إن الآية نزلت في كذا، ويعني بذلك تفسيرها لا سبب نزولها. فظهر أن قولهم من هذا الباب، وكذا ما تقدم في قول ابن عمر ﵄ في قوله تعالى: (قد أفلح من تزكى) أنها نزلت في زكاة الفطر. يحمل على أنه أراد بذلك تفسير الآية، لا بيان سبب نزولها، وحينئذ يرتفع الإشكال. وأما ما تأخر نزوله عن حكمه: فآية الوضوء في (المائدة) وهي قوله تعالى: (يا أيها الذين ءامنوا إذا قمتم إلى الصلاة) إلى قوله: (لعلكم تشكرون) [المائدة: ٦]، فالآية مدنية إجماعاً، وفرض الوضوء كان بمكة مع فرض الصلوات الخمس. بل ذكر بعضهم أن الوضوء فرض مع الصلاة ركعتين في أول يوم من مبعثه ﵇، وقيل: في اليوم الثاني، والله أعلم.

стр. 250

ومن أمثلته أيضاً: آية الجمعة، فإنها مدنية، والجمعة فرضت بمكة. قال الحافظ السيوطي في " الإتقان ": وقول ابن الفرس: إن إقامة الجمعة لم تكن بمكة قط: يرده ما أخرجه ابن ماجه عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك قال: كنت قائد أبي حين ذهب بصره، فكنت إذا خرجت إلى الجمعة فسمع الأذان يستغفر لأبي أمامة أسعد بن زرارة، فقلت: يا أبتاه أرأيتك صلاتك على أسعد بن زرارة كلما سمعت النداء بالجمعة، لم هذا؟ قال: يابني كان أول من صلى بنا الجمعة، قبل مقدم رسول الله ﷺ من مكة. أقول: ما ذكره ابن الفرس هو الصحيح؛ لما روى عبد الرزاق بإسناد صحيح عن محمد بن سيرين قال: اجتمع أهل المدينة قبل أن يقدمها رسول الله ﷺ ، وقبل أن تنزل الجمعة فقالت الأنصار: إن اليهود يوماً يجتمعون فيه كل سبعة أيام، وللنصارى مثل ذلك، فهلموا نجعل لنا يوماً
следующие страницы →