Полный текст (4 238 стр.). Показаны 2101–2140 · переход к 2106.
стр. 2101
أو غاية.
مثال الصفة قول الله تعالى: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: ٦] مفهومه أن غير الفاسق لا يجب التبيين في خبره فيجب قبول خبر الواحد العدل.
ومثال الحال نحو قول الله تعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: ١٨٧].
ومثال الظرف قول الله تعالى: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٨] فيفهم منه أن الذكر عند غيره ليس محصلًا للمطلوب.
ومثال العدد كقول الله تعالى: ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: ٤] أي لا أقل ولا أكثر.
ومفهوم الشرط نحو قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦] فيفهم منه أن غير ذوات الحمل لا يجب الإنفاق عليهن.
ومفهوم الغاية نحو قوله تعالى: ﴿فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠].
ومفهوم الحصر نحو قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا
стр. 2102
هُوَ .... ﴾ [طه: ٩٨] فغيره ليس بإله ومن الحصر أيضًا فصل المبتدأ من الخبر بضمير الفصل نحو: ﴿ .... أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ .... ﴾ [الشورى: ٩] فغيره ليس بولي ومن الحضر أيضًا تقدم المعمول نحو: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة: ٥] أي لا غيرك.
ومن جعل مفهوم المخالفة حجة جعل لذلك شروطًا منها: أن لا يكون خرج للغالب مثل قوله تعالى: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] أو خرج لسؤال عنه أو حادثة تتعلق به أو
стр. 2103
للجهل بحكمه أو خرج المذكور لغير ما ذكر مما يقتضي التخصيص بالذكر وأصح التقاسيم عند من ذهب إلى القول بمفهوم المخالفة مفهوم الحصر وأكثرهم لا يقول بمفهوم اللقب وذهب بعض المتأخرين إلى إنكاره في غير الشرع من الكتاب والسنة مثل كتب المصنفين من الفقه والعبادات في التآليف. والله أعلم.
стр. 2104
النوع الثالث بعد المائة
علم مطلقه ومقيده
стр. 2105
النوع الثالث بعد المائة علم مطلقه ومقيده المطلق: هو الدال على الماهية من غير قيد بوصف وهو أي المقيد كالخاص مع العام فالعام كالمطلق والمقيد كالخاص فيقيد الكتاب بالكتاب والسنة بالسنة وبالكتاب.
стр. 2106
والفرق بين العام والمطلق: أن العام هو اللفظ المتناول لأفراد كثيرة.
والمطلق: قد يكون عامًا كقول الله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [النساء: ٩٢، المجادلة: ٣ [وقد يكون غير عام كقول الله تعالى: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: ٦] فالأيدي مطلقة وقيدت بالمرافق وكذا الأرجل في قوله تعالى: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: ٦] فقيدت بالكعبين.
ولا يحمل المطلق على المقيد إلا إذا قامت قرينة على تقييده فحينئذٍ يقيد وإن لم تقم قرينة ولا دليل على تقييده بقي على إطلاقه.
مثال الأول قول الله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، وقول الله جل شأنه: ﴿فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ﴾ [النساء: ٦]، وهذا اللفظ مطلق لم يقيد. وفي محل آخر: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢]، وقوله تعالى: ﴿شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [المائدة: ١٠٦]، فقيدت الشهادة في هاتين الآيتين، ودلت القرائن على اشتراط الشهادة مطلقًا في الآيات بالقرائن الخارجية.
стр. 2107
ومن ذلك قول الله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١١]، فقول الله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ مقيد لسائر المواريث يعني لا يقسم ميراث حتى يبتدأ أولًا بالوصية والدَّين.
ولذا لما لم تتضح القرائن اختلف العلماء في اشتراط الرقبة المؤمنة في كفارة الظهار واليمين فإنها جاءت في هاتين: ﴿رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة: ٣]، وقال تعالى في اليمين: ﴿أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المائدة: ٨٩]، وقيد ذلك في كفارة القتل بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢] فحمل بعضهم المطلق على المقيد ولم يحمله بعضهم بل أبقى المطلق على إطلاقه والمقيد على تقييده.
واتفق العلماء في عدم حمل المطلق على المقيد في قول الله تعالى في
стр. 2108
كفارة القتل: ﴿فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ [النساء: ٩٢] فهو مقيد بالتتابع، وأطلق في كفارة اليمين بقوله : ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ﴾ [المائدة: ٨٩] وفي قضاء رمضان.
стр. 2109
النوع الرابع بعد المائة
علم مقدمه ومؤخره
стр. 2110
النوع الرابع بعد المائة علم مقدمه ومؤخره أما التأخير: فهو أن يكون الكلام مقتضاه تقديم بعض الكلمات أو الجمل فتؤخر لحكمة في المؤخر.
فمن المؤخر وحقه التقديم ما أخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله تعالى: ﴿وَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الدُّنْيَا﴾ [التوبة: ٨٥]، قال: وهذا من تقاديم الكلام وتقول: لا تعجبك أموالهم ولا أولادهم في الحياة الدنيا إنما يريد الله أن يعذبهم بها في الآخرة.
وأخرج عنه أيضًا في قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكَانَ لِزَامًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى﴾ [طه: ١٢٩]، قال: هذا من تقاديم الكلام يقول لولا كلمة وأجل مسمى لكان لزامًا. انتهى.
قوله: من تقاديم الكلام يعني قدم ما حقه أن يؤخر وأخر ما حقه أن يقدم. وأما تقديم المؤخر فسيأتي بَعْدُ. إن شاء الله تعالى.
وأخرج عن مجاهد في قوله تعالى: ﴿أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (١) قَيِّمًا﴾ [الكهف: ١، ٢] قال: هذا من التقديم والتأخير أنزل على عبده الكتاب قيمًا ولم يجعل له عوجًا.
стр. 2111
وأخرج عن قتادة في قوله تعالى: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ [آل عمران: ٥٥] قال: هذا من المقدم والمؤخر أي رافعك إليّ ومتوفيك.
وأخرج عن عكرمة في قوله: ﴿لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾ [ص: ٢٦] قال: هذا من باب التقديم والتأخير يقول لهم يوم الحساب عذاب شديد بما نسوا.
وأخرج ابن جرير عن ابن زيد في قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء: ٨٣]، قال: هذه الآية مقدمة ومؤخرة إنما هي أذاعوا به إلا قليلًا منهم ولولا فضل الله عليكم ورحمته لم ينج قليل ولا كثير.
وأخرج عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في قوله: ﴿فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً ... ﴾ [النساء: ١٥٣] قال: إنهم إذا رأوا الله فقد رأوه وإنما قالوا جهرة أرنا الله فهو مقدم ومؤخر قال ابن جرير يعني أن سؤالهم كان جهرة.
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا﴾ [البقرة: ٧٢] قال البغوي هذا أول القصة وإن كان مؤخرًا في التلاوة.
стр. 2112
وقال الواحدي: كان الاختلاف في القاتل قبل ذبح البقرة وإنما أخر في الكلام لأنه تعالى لما قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ﴾ [البقرة: ٦٧] علم المخاطبون أن البقرة لا تذبح إلا للدلالة على قاتل خفيت عينه عليهم، فلما استقر علم هذا في نفوسهم أتبع بقوله: ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا﴾ [البقرة: ٧٢] فسألتم موسى فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾. وكذا قوله تعالى: ﴿فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا﴾ [البقرة: ٧٣] فإنه مؤخر من تقديم، وتقدير الكلام والله أعلم: ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ [البقرة: ٧٢]، ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ فتضربوا ببعضها الميت فيحييه الله تعالى، ﴿كَذَلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتَى﴾، ﴿قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾.
ومنه قوله تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ [الفرقان: ٤٣]، والأصل: هواه إلهه، لأن من اتخذ إلهه هواه غير مذموم فقدم المفعول الثاني للعناية به.
وقوله تعالى: ﴿أَخْرَجَ الْمَرْعَى (٤) فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى (٥)﴾ [الأعلى: ٤، ٥] على تفسير أحوى بالأخضر نعتًا للمرعى أي أخرجه أحوى فجعله غثاءً وأخر رعاية للفاصل.
стр. 2113
وقوله تعالى: ﴿وَغَرَابِيبُ سُودٌ﴾ [فاطر: ٢٧] والأصل سود غرابيب لأن الغربيب الشديد السواد. وقوله تعالى: ﴿فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا﴾ [هود: ٧١] أي فبشرناها فضحكت.
وقوله تعالى: ﴿ ... وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ ... ﴾ [يوسف: ٢٤]، قيل المعنى على التقديم والتأخير: أي لولا أن رأى برهان ربه لهم بها وعلى هذا فالهم منتف عنه.
ومن ذلك قوله تعالى في (البقرة): ﴿لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا ... ﴾ [البقرة: ٢٦٤] تقدير الكلام لا يقدرون مما كسبوا على شيء.
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ ... ﴾ [الكهف: ٥٤] تقدير الكلام ولقد صرفنا في هذا القرآن من كل مثل للناس.
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى ... ﴾ [يس: ٢٠] تقدير الكلام: وجاء رجل يسعى من أقصى المدينة.
وأما تقديم بعض الأشياء المعتبرة على بعض فقد ألف فيه العلامة شمس الدين ابن الصائغ كتابه: المقدمة في سر الألفاظ المقدمة قال فيه:
стр. 2114
الحكمة الشائعة الذائعة في ذلك الاهتمام، كما قال سيبويه في كتابه: كأنهم يقدمون الذي بيانه أهم وهم ببيانه أعنى. اهـ.
قال: وهذه الحكمة إجمالية وأما تفاصيل أسباب التقديم وأسراره فقد ظهر لي منها في الكتاب العزيز عشرة أنواع: الأول: التبرك كتقديم اسم الله في الأمور ذوات الشأن، ومنه قوله تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ .... ﴾ [آل عمران: ١٨]، وقوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ ... ﴾ الآية [الأنفال: ٤١].
الثاني: التعظيم، كقوله تعالى: ﴿ .... وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ ... ﴾ [النساء: ٦٩]، و ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ... ﴾ [الأحزاب: ٥٦]، و ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ ... ﴾ [التوبة: ٦٢].
الثالث: التشريف، كتقديم الذكر على الأنثى نحو قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ .... ﴾ الآية [الأحزاب: ٣٥]. والحر في قوله تعالى: ﴿ ... الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى .... ﴾ [البقرة: ١٧٨]. والحي في قوله تعالى: ﴿ ... يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ .... ﴾ الآية [الأنعام: ٩٥]. ﴿ .... وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ ... ﴾ [فاطر: ٢٢]. والخيل في قوله تعالى: ﴿ ... وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا ... ﴾ [النحل: ٨]. والسمع في قوله تعالى: ﴿ ... وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ ... ﴾ [البقرة: ٧]، وقوله تعالى: ﴿ ... إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ ... ﴾ [الإسراء: ٣٦]، وقوله تعالى: ﴿ ... إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ ... ﴾ [الأنعام: ٤٦].
стр. 2115
حكى ابن عطية عن النقاش أنه استدل بها على تفضيل السمع.
ومن ذلك تقديمه ﷺ على نوح ومن معه في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ ... ﴾ الآية [الأحزاب: ٧]. وتقديم الرسول ﷺ في قوله: ﴿ ... مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ ... ﴾ [الحج: ٥٢].
وتقديم المهاجرين في قوله تعالى: ﴿ ... وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ ... ﴾ [التوبة: ١٠٠].
وتقديم الإنس على الجن حيث ذُكرا في القرآن.
стр. 2116
وتقديم النبيين ثم الصدِّيقين ثم الشهداء ثم الصالحين في آية النساء.
وتقديم إسماعيل على إسحاق لأنه أشرف بكون النبي ﷺ من ولده. وتقديم موسى على هارون لاصطفائه بالكلام وقدم هارون عليه في سورة (طه) رعاية للفاصلة. وتقديم جبريل على ميكائيل في آية (البقرة) لأنه أفضل.
وتقديم العاقل على غيره في قوله تعالى: ﴿ ... مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ (٣٣) ... ﴾ [النازعات: ٣٣]، ﴿ ... يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ ... ﴾ [النور: ٤١].
وأما تقديم (الأنعام) في قوله تعالى: ﴿ ... تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ ... ﴾ [السجدة: ٢٧]، فلأنه تقدم ذكر الزرع فناسب تقديم (الأنعام) بخلاف الآية (عبس) فإنه تقديم فيها: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (٢٤)﴾ فناسب تقديم لكم وتقديم المؤمنين على الكفار في كل موضع وأصحاب اليمين على
стр. 2117
أصحاب الشمال والسماء على الأرض والشمس على القمر حيث وقع إلا في قوله تعالى: ﴿خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا (١٥) وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا (١٦)﴾ [نوح]، فقيل: لمراعاة الفاصلة، وقيل: لأن انتفاع أهل السماوات العائد عليهن الضمير به أكثر.
قال ابن الأنباري: يقال: إن القمر وجهه يضيء لأهل السماوات وظهره لأهل الأرض ولهذا قال تعالى: ﴿فِيهِنَّ﴾ لما كان أكثر نوره يضيء لأهل السماء.
ومنه تقديم الغيب على الشهادة في قوله تعالى: ﴿عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ [الزمر: ٤٦]، لأن علمه أشرف، وأما ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ [طه: ٧] فأخر رعاية للفاصلة.
стр. 2118
الرابع: المناسبة: وهي إما مناسبة المتقدم لسياق الكلام كقوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ (٦)﴾ [النحل: ٦]، فإن الجمال بالجمال وإن كان ثابتًا حالي السراح والإراحة إلا أنها حالة إراحتها وهو مجيئها من الرعي آخر النهار يكون الجمال بها أفخر إذ هي فيه بطان وحالة سراحها إلى الرعي أول النهار يكون الجمال بها دون الأول إذ هي فيه خماص ونظيره في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا﴾ [الفرقان: ٦٧] قدم نفي الإسراف على نفي التقتير لأن السرف في الإنفاق وقوله تعالى: ﴿يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ [الروم: ٢٤] لأن الصواعق تقع مع أول برقة ولا يحصل المطر إلا بعد توالي البرقات وقوله: ﴿وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ٩١]، قدمها على الابن لما كان السياق في ذكرها في قوله: ﴿الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا﴾ [التحريم: ١٢]، لذلك قدم الابن في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً﴾ [المؤمنون: ٥٠] وحسنه تقدم موسى في الآية التي قبله. ومنه قوله تعالى: ﴿وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ [الأنبياء: ٧٩] قدم الحكم وإن كان العلم سابقًا عليه لأن السياق فيه لقوله في أول الآية: ﴿إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ﴾ [الأنبياء: ٧٨].
وأما مناسبة لفظ هو من التقديم والتأخير كقوله تعالى: ﴿الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ﴾ [الحديد: ٣]، ﴿وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ﴾ [الحجر: ٢٤]، ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ﴾ [المدثر: ٣٧]، ﴿بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ﴾ [القيامة: ١٣]، ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (٣٩) وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ (٤٠)﴾ [الواقعة]، ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ
стр. 2119
قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾ [الروم: ٤]، و ﴿لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ﴾ [القصص: ٧٠]، وأما قوله تعالى: ﴿فَلِلَّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولَى (٢٥)﴾ [النجم: ٢٥] فلمراعاة الفاصلة، وكذا قوله تعالى: ﴿جَمَعْنَاكُمْ وَالْأَوَّلِينَ﴾ [المرسلات: ٣٨].
الخامس: الحث عليه والحض على القيام به حذرًا من التهاون به كتقديم الوصية على الدَّين في قوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١١]، مع أن الدين يقدم عليها شرعًا.
السادس: السبق، وهو إما في الزمان باعتبار الإيجاد كتقديم الليل على النهار والظلمات على النور وآدم على نوح ونوح على إبراهيم وإبراهيم على موسى وهارون على عيسى وداود على سليمان.
والملائكة على البشر في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ ... ﴾ [الحج: ٧٥]، وعاد على ثمود والأزواج على الذرية في قوله تعالى: ﴿قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ ... ﴾ [الأحزاب: ٥٩]، والسِّنَة على النوم في قوله تعالى: ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، أو باعتبار الإنزال كقوله تعالى: ﴿صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى﴾ [الأعلى: ١٩]، ﴿وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ﴾ [آل عمران: ٣]، أو باعتبار الوجوب والتكليف في قوله تعالى: ﴿ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ [الحج: ٧٧]، ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: ٦]، ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ ... ﴾ [البقرة: ١٥٨]. ولهذا قال ﷺ : أبدأ بما بدأ الله به.
أو بالذات نحو: ﴿مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ ... ﴾ [النساء: ٣]، ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧] وكذا
стр. 2120
جميع الأعداد كل مرتبة هي مقدمة على ما فوقها بالذات وأما قوله تعالى: ﴿أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ... ﴾ [سبأ: ٤٦] فالحث على الجماعة والاجتماع على الخير ناشئ عن العلم.
السابع: السببية كتقديم العزيز على الحكيم لأنه عزَّ فَحَكَم والعليم عليه لأن الإحكام والإتقان ناشئ عن العلم. وأما تقديم الحكيم عليه في سورة (الأنعام) فلأنه مقام تشريع الأحكام.
ومنه: تقديم العبادة على الاستعانة في سورة (الفاتحة) لأنها سبب حصول الإعانة وكذا تقديم: ﴿يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، لأن التوبة سبب الطهارة، وكذا: ﴿لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ﴾ [الجاثية: ٧] لأن الإفك سبب الإثم، ﴿يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ [النور: ٣٠] لأن البصر داعية الفرج.
الثامن: الكثرة كقوله تعالى: ﴿فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾ [التغابن: ٢] لأن الكفار أكثر، ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ ... ﴾ الآية [فاطر: ٣٢] قدم الظلم لكثرته، ثم المقتصد ثم السابق قيل: ولهذا قدم السارق على
стр. 2121
السارقة لأن السرقة في الذكور أكثر والزانية على الزاني لأن الزنا فيهن أكثر.
ومنه: تقديم الرحمة على العذاب حيث وقع في القرآن غالبًا ولهذا ورد: إن رحمتي غلبت غضبي.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ﴾ [التغابن: ١٤] قال ابن الحاجب في أماليه إنما قدم الأزواج لأن المقصود الإخبار أن فيهم أعداء ووقوع ذلك في الأزواج أكثر منه في الأولاد فكان أعقد في
стр. 2122
المعنى المراد فقدم ولذلك قدمت الأموال في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ [التغابن: ١٥] لأن الأموال لا تكاد تفارقها الفتنة وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى (٧)﴾ [العلق] وليست الأولاد في استلزام الفتنة مثلها فكان تقديمها أولى.
التاسع: الترقي من الأدنى إلى الأعلى كقوله تعالى: ﴿أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا ... ﴾ الآية [الأعراف: ١٩٥] بدأ بالأدنى لغرض الترقي لأن اليد أشرف من الرجل والعين أشرف من اليد والسمع أشرف من البصر ومن هذا النوع تأخير الأبلغ.
وقد خرج عنه تقديم الرحمن على الرحيم والرؤوف على الرحيم والرسول على النبي في قوله تعالى: ﴿وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا﴾ [مريم: ٥١]، وذكر لذلك نكت أشهرها: مراعاة الفاصلة.
العاشر: التدلي من الأعلى إلى الأدنى وخرج عليه قوله تعالى: ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، ﴿لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً﴾ [الكهف: ٤٩]، ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ [النساء: ١٧٢] هذا ما ذكره ابن الصائغ وزاد غيره أسبابًا أخر منها: كونه أدل على القدرة
стр. 2123
وأعجب، كقوله تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ ... ﴾ الآية [النور: ٤٥]، وقوله تعالى: ﴿وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ ... ﴾ [الأنبياء: ٧٩]، قال الزمخشري قدم الجبال على الطير لأن تسخيرها وتسبيحها أعجب وأدل على القدرة وأدخل في الإعجاز لأنها جماد والطير حيوان ناطق.
ومنها: رعاية الفواصل.
ومنها: إفادة الحصر والاختصاص. والله أعلم.
стр. 2124
النوع الخامس بعد المائة
علم ما أوهم التناقض والتعارض وليس بمتناقض ولا بمتعارض
стр. 2125
النوع الخامس بعد المائة علم ما أوهم التناقض والتعارض وليس بمتناقض ولا بمتعارض قال الحافظ السيوطي في الإتقان: النوع الثامن والأربعون في مشكله وموهم التناقض.
قلت: تقدم تعريف المشكل وأنه هو الذي أشكل معناه فلم يتبين حتى بُيِّن. وليس هذا النوع من ذلك بل هذا النوع آيات يعارض بعضها بعضًا وكلام الله تعالى منزه عن ذلك كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢] وقد يقه للمبتدئ ما يوهم اختلافًا وليس به اختلاف في الحقيقة فاحتيج إلى إزالته كما صنف في مختلف الحديث وبيان الجمع بين الأحاديث المتعارضة وهذا النوع مفرد بالتصنيف.
стр. 2126
وقد تكلم في ذلك ابن عباس ﵄، وحكى عنه التوقف في بعضها.
قال عبد الرزاق في تفسيره أنبأنا معمر عن رجل عن المنهال بن عمرو عن سعيد بن جبير قال جاء رجل إلى ابن عباس ﵄ فقال: رأيت أشياء تختلف عليّ في القرآن فقال ابن عباس ما هو؟ أشك؟ ! قال ليس شك ولكنه اختلاف قال: هات ما اختلف عليك من ذلك قال: أسمع الله يقول: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣]، وقال تعالى: ﴿وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٤٢]، فقد كتموا. وأسمعه يقول: ﴿فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠١]، ثم قال: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾ [الطور: ٢٥].
وقال: ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ﴾ [فصلت: ٩، ١٠، ١١ [
стр. 2127
حتى بلغ ﴿طَائِعِينَ﴾ [فصلت: ١١] ثم قال في الآية الأخرى: ﴿أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا﴾ [النازعات: ٢٧]، ثم قال: ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾ [النازعات: ٣٠]. وأسمعه يقول: كان الله، ما شأنه يقول: وكان الله؟
فقال له ابن عباس ﵄ أما قوله: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (٢٣)﴾ فإنهم لما رأوا يوم القيامة وأن الله يغفر لأهل الإسلام ويغفر الذنوب ولا يغفر شركًا ولا يتعاظمه ذنب أن يغفره جحده المشركون رجاء أن يغفر لهم فقالوا: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ فختم الله على أفواههم وتكلمت أيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون، فعند ذلك: ﴿يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا (٤٢)﴾.
وأما قوله: ﴿فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ﴾، فإنه إذا نفخ في الصور فصعق من في السموات ومن في الأرض إلا من شاء الله فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون.
وأما قوله تعالى: ﴿خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ﴾ فإن الأرض خلقت قبل السماء وكانت السماء دخانًا فسواهن سبع سموات في يومين بعد خلق الأرض.
وأما قوله تعالى: ﴿بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾ يقول: جعل فيها جبلًا وجعل فيها نهرًا وجعل فيها شجرًا وجعل فيها بحورًا.
وأما قوله تعالى: ﴿كَانَ اللَّهُ﴾ فإن الله كان ولم يزل كذلك وهو كذلك
стр. 2128
عزيز، حكيم عليم قدير ثم لم يزل كذلك فما اختلف عليك من القرآن فهو شبه ما ذكرت لك وأن الله لم يترك شيئًا إلا وقد أصاب به الذي أراد ولكن أكثر الناس لا يعلمون. أخرجه الحاكم في المستدرك وصححه. قال: حدثنا عبد العزيز بن حاتم حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن سعد حدثنا عمرو بن أبي قيس عن مطرف عن المنهال بن عمرو عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أن رجلًا سأله عن هذه الآية: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣] السائل الأول وأصله في الصحيح.
قال ابن حجر في شرحه حاصل ما فيه السؤال عن أربعة أشياء: الأول: نفس المساءلة يوم القيامة وإثباتها.
стр. 2129
الثاني: كتمان المشركين حالهم وإفشاؤه.
الثالث: خلق السموات والأرض أيهما تقدم.
الرابع: الإتيان بحرف كان الدالة على المضي مع أن الصفة لازمة وحاصل جواب ابن عباس رضي الله تعالى عنه: عن الأول: أن نفي المساءلة فيما قبل النفخة الثانية وإثباتها فيما بعد ذلك.
وعن الثاني: أنهم يكتمون بألسنتهم فتنطق أيديهم وجوارحهم.
وعن الثالث: أنه خلق الأرض في يومين غير مدحوة ثم السموات فسواهن في يومين ثم دحى الأرض بعد ذلك وجعل فيها رواسي وغيرها في يومين فتلك أربعة أيام للأرض.
وعن الرابع: بأن كان وإن كانت للماضي لكنها لا تستلزم الانقطاع بل المراد أنه لم يزل كذلك.
فأما الأول: فالجواب: فيه تفسير آخر في نفي المساءلة عند تشاغلهم بالصعق والمحاسبة والجواز على الصراط وإثباتها فيما عدا ذلك وهذا منقول عن السدي وأخرجه ابن جرير.
стр. 2130
ومن طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس أن نفي المساءلة في النفخة الأولى وإثباتها في النفخة الثانية وقد تأول ابن مسعود نفي المساءلة على معنى آخر وهو طلب بعضهم من بعض العفو.
أخرج ابن جرير من طريق زاذان أنه قال: أتيت ابن مسعود فقال: يؤخذ بيد العبد يوم القيامة فينادى: ألا أن هذا فلان ابن فلان فمن كان له قبله حق فليأت قال فتود المرأة يومئذ أن يثبت لها حق على أبيها، أو ابنها، أو أخيها، أو زوجها، ﴿فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ﴾ به [المؤمنون: ١٠١].
ومن طريق أخرى قال: لا يسأل أحد يومئذ بنسب شيئًا ولا يتساءلون به ولا يمتُّ إليه برحم.
стр. 2131
وأما الثاني: فقد ورد بأبسط منه، فقد أخرجه ابن جرير عن الضحاك بن مزاحم أن نافع بن الأزرق أتى ابن عباس ﵄ فقال: قول الله تعالى: ﴿وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾، وقول ربنا: ﴿ ... مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ فقال: إني أحسبك قمت من عند أصحابك فقلت لهم آتي ابن عباس ألقي عليه متشابه القرآن فأخبرهم أن الله تعالى إذا جمع الناس يوم القيامة قال: إن الله لا يقبل إلا ممن وحَّده فيسألهم فيقولون: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ قال: فيختم على أفواههم وتنطق جوارحهم.
стр. 2132
ويؤيده ما أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة في أثناء حديث وفيه: ( ... ثم يلقى الثالث فيقول: رب آمنت بك وبكتابك ورسولك ويثني ما استطاع فيقول الآن نبعث شاهدًا عليك فيذكر في نفسه من شهد عليه؟ فيختم على فيه وتنطق جوارحه).
وأما الثالث: ففيه أجوبة أخرى منها: أن ثم بمعنى الواو فلا يرد. وقيل المراد ترتيب الخبر لا المخبر به كقوله: ﴿ ... ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا ... ﴾ [البلد: ١٧]. وقيل على بابها وهي التفاوت ما بين الخلقين لا للتراخي في الزمان وقيل خلق بمعنى قدر.
وأما الرابع: وجواب ابن عباس ﵄ فيحتمل كلامه أنه سمى نفسه غفورًا رحيمًا وهذه التسمية مضت لأن التعلق انقضى وأما الصفتان فلا تزالان كذلك لا ينقطعان لأنه تعالى إذا أراد المغفرة أو الرحمة في الحال أو الاستقبال وقع مراده.
قال الشمس الكرماني: ويحتمل أن يكون ابن عباس رضي الله تعالى
стр. 2133
عنهما أجاب بجوابين أحدهما أن التسمية هي التي كانت وانتهت والصفة لا نهاية لها.
والآخر: أن معنى كان الدوام فإنه لا يزال كذلك ويحتمل أن يحمل السؤال على مسلكين والجواب على وفقهما كأن يقال هذا اللفظ مشعر أنه في الزمان الماضي كان غفورًا رحيمًا مع أنه لم يكن هناك من يغفر له أو يرحم وبأنه ليس في الحال كذلك كما يشعر به لفظ كان.
والجواب عن الأول بأنه كان في الماضي يسمى به وعن الثاني بأن كان لفظ بمعنى الدوام وقد قال النحاة كان لثبوت خبرها ماضيًا دائمًا أو منقطعًا.
وقد أخرج ابن أبي حاتم من وجه آخر عن ابن عباس ﵄ أن يهوديًا قال له: إنكم تزعمون أن الله كان عزيزًا حكيمًا فكيف هو اليوم؟ فقال إنه في نفسه عزيزًا حكيمًا.
قال الحافظ السيوطي موضع آخر توقف فيه ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال أبو عبيد حدثنا إسماعيل بن إبراهيم عن أيوب
стр. 2134
عن ابن أبي مليكة قال: سأل رجل ابن عباس عن ﴿يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [السجدة: ٥]، وقوله تعالى: ﴿يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج: ٤] فقال ابن عباس هما يومان ذكرهما الله تعالى في كتابه الله أعلم بهما.
وأخرجه ابن أبي حاتم من هذا الوجه وزاد ما أدري ما هما وأكره أن أقول فيهما ما لا أعلم.
قال ابن أبي ملكية فضربت البعير حتى دخلت على سعيد بن المسيب فسأل عن ذلك فلم يدر ما يقول فقلت له ألا أخبرك بما حضرت من ابن عباس رضي الله تعالى عنهما فأخبرته فقال ابن المسيب للسائل: هذا ابن عباس قد اتقى أن يقول فيها وهو أعلم مني.
وروى عن ابن عباس ﵄ أيضًا أن يوم الألف مقدار مسير الأمين وعروجه إليه ويم ألف سنة في سورة (الحج) هو أحد الأيام الستة التي خلق الله فيها السماوات والأرض ويوم الخمسين ألف سنة هو يوم القيامة.
وأخرج ابن أبي حاتم من طريق سماك عن عكرمة عن ابن
стр. 2135
عباس ﵄ أن رجلًا قال له حدثني ما هؤلاء الآيات: ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج: ٤]، ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [السجدة: ٥]، ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ﴾ [الحج: ٤٧]، فقال: يوم القيامة حساب خمسين ألف سنة والسموات في ستة أيام كل يوم يكون ألف سنة ويدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه في يوم كان مقداره ألف سنة قال وذلك مقدار السير.
وذهب بعضهم إلى أن المراد به يوم القيامة وأنه باعتبار حال المؤمنين والكافرين بدليل قوله تعالى: ﴿يَوْمٌ عَسِيرٌ (٩) عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ (١٠)﴾ [المدثر].
فصل: قال الزركشي في البرهان للاختلاف أسباب: أحدهما: وقوع المخبر به على أحوال مختلفة وتطويرات شتى كقوله تعالى في خلق آدم مرة: ﴿مِنْ تُرَابٍ﴾ [آل عمران: ٥٩] ومرة ﴿مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ [الحجر: ٢٦، ٢٨، ٣٣]، ومرة ﴿مِنْ طِينٍ لَازِبٍ﴾ [الصافات: ١١]، ومرة من ﴿صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ﴾ [الرحمن: ١٤]، فهذه ألفاظ مختلفة ومعانيها في أحوال مختلفة لأن الصلصال غير الحمأ والحمأ غير اللازب إلا أن مرجعها كلها إلى جوهر هو التراب ومن التراب اندرجت هذه الأحوال وكقوله تعالى: ﴿فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ﴾ [الشعراء: ٣٢]، وفي موضع ﴿تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ﴾
стр. 2136
[القصص: ٣١]، والجان الصغير من الحيات، والثعبان الكبير منها وذلك لأن خلقها خلق الثعبان العظيم واهتزازها وحركتها وخفتها كاهتزاز الجان وخفته.
الثاني: لاختلاف الموضوع كقوله تعالى: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ﴾ [الصافات: ٢٤]، وقوله: ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الأعراف: ٦] مع قوله: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ﴾ [الرحمن: ٣٩]، قال الحليمي فتحمل الآية الأولى على السؤال عن التوحيد وتصديق الرسل والثانية على ما يستلزمه الإقرار بالنبوات من شرائع الدين وفروعه وحمله غيره على اختلاف الأماكن لأن في القيامة مواقف كثيرة فموضع يسألون وفي آخر لا يسألون.
وقيل إن السؤال المثبت سؤال تبكيت وتوبيخ والمنفي سؤال المعذرة وبيان الحجة ومن ذلك قوله تعالى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ [آل عمران: ١٠٢] مع قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦] حمل الشيخ أبو الحسن الشاذلي رحمه الله تعالى الأولى على التوحيد بدليل قوله تعالى: ﴿وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢] والثانية على الأعمال وقيل بل
стр. 2137
الثانية ناسخة للأولى.
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾ [النساء: ٣] مع قوله تعالى: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾ [النساء: ١٢٩].
فالأولى تفهم إمكان العدل والثانية تنفيه والجواب أن الأولى في توفية الحقوق والثانية في الميل الطبيعي وليس هو في قدرة الإنسان.
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ﴾ [الأعراف: ٢٨] مع قوله: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا﴾ [الإسراء: ١٦] فالأولى في الأمر الشرعي والثانية في الأمر الكوني بمعنى القضاء والتقدير.
الثالث: ومن ذلك الاختلاف في جهتي الفعل كقوله تعالى: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال: ١٧] أضيف الرمي إليه ﷺ على جهة الكسب والمباشرة ونفاه عنه باعتبار التأثير كقوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ﴾ [الأنفال: ١٧] نفاه عنهم وأثبته جل وعلا لنفسه من حيث التأثير الحقيقي.
الرابع: ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى﴾ [الحج: ٢] أي سكارى من هول الموقف وما هم بسكارى من الشراب المسكر المغير.
الخامس: ومنه قوله تعالى: ﴿فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ [ق: ٢٢] مع قوله تعالى:
стр. 2138
﴿خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ [الشورى: ٤٥] قال قطرب فبصرك اليوم أي علمك ومعرفتك بها قوية من قولهم بصر بكذا أي علم وليس المراد به العين.
وقال الفارسي ويدل على ذلك قوله تعالى: ﴿فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ﴾ [ق: ٢٢].
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد: ٢٨] مع قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنفال: ٢]، فقد يظن أن الوجل خلاف الطمأنينة وجوابه إن الطمأنينة تكون بانشراح الصدر بمعرفة التوحيد والوجل يكون عند خوف الزيغ والذهاب عن الهدى فتوجل القلوب لذلك وقد جمع بينهما في آية واحدة في قوله تعالى: ﴿تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٢٣].
ومما استشكلوه قوله تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلًا﴾ [الكهف: ٥٥]، فإنه يدل على انحصار المانع من الإيمان في أحد هذين الشيئين.
стр. 2139
وقال تعالى في آية أخرى: ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ﴾ [الكهف: ٥٥] فهذا حصر آخر في غيرهما.
وأجاب ابن عبد السلام بأن معنى الآية: ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا﴾، ﴿إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ﴾ من الخسف أو غيره، ﴿أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلًا﴾ في الآخرة، فأخبر أنه أراد أن يصيبهم أحد الأمرين ولا شك أن إرادة الله تعالى مانعة من وقوع ما ينافي المراد فهذا حصر في السبب الحقيقي لأن الله هو المانع في الحقيقة ومعنى الآية الثانية ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا﴾ إلا استغراب بعثه بشرًا رسولًا لأن قولهم ليس مانعًا من الإيمان لأنه لا يصلح لذلك وهو يدل على الاستغراب بالالتزام وهو المناسب للمانعية واستغرابهم ليس مانعًا حقيقيًا بل عاديًا لجواز وجود الإيمان معه بخلاف إرادة الله فهذا حصر في المانع العادي والأول حصر في المانع الحقيقي فلا تنافي. انتهى.
أقول: ويحتمل الجمع بين الآيتين بوجه آخر وهو أن يحمل الناس
стр. 2140
على الجنس الصادق على بعض الأفراد يعني وما منع كثير من الناس عن الإيمان إلا أن تأتيهم سنة الأولين وما منع كثير من الناس عن الإيمان إلا أن قالوا أبعث الله بشرًا رسولًا فيكون مفهوم الآيتين أن الخلق أقسام في الامتناع بعضهم سبب امتناعه طلب ظهور الآيات كما كانت تكون للأولين وبعضهم المانع له التباعد أن يكون الدين والوحي من عند الله يأتي به بشر وقد جاء هذا المعنى في كثير من الآيات: ﴿أَبَشَرًا مِنَّا وَاحِدًا نَتَّبِعُهُ إِنَّا إِذًا لَفِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ﴾ [القمر: ٢٤]، ﴿وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ﴾ [الفرقان: ٧]، ﴿أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا﴾ [التغابن: ٦]. ومما يشابه الآية الأولى قولهم: ﴿وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٣٢)﴾ [الأنفال: ٣٢].
ومن المشكل أيضًا قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ [الأنعام: ٢١]،
﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ﴾ [الزمر: ٣٢]، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ﴾ [الكهف: ٥٧]، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ [البقرة: ١١٤] إلى غير ذلك من الآيات.
ووجهه أن المراد بالاستفهام النفي والمعنى لا أحد أظلم ممن كذب على الله أو افترى فيكون خبرًا فتتعارض الآيات فإن كل آية تفيد أنه لا أحد أظلم ممن اتصف بتلك الصفة المذكورة في تلك الآية.
وأجيب بأوجه منها تخصيص كل موضع بمعنى صلته أي لا أحد من المانعين أظلم ممن منع مساجد الله ولا أحد من المفترين أظلم ممن افترى على الله كذبًا وإذا تخصص بصلته زال الإشكال.
следующие страницы →