Полный текст (4 238 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
وأجاب البغوي بأنه يجوز أن يكون النزول سابقاً على الحكم كما قال تعالى: (لآ أقسم بهذا البلد. وأنت حل بهذ البلد) [البلد: ١ - ٢]. فالسورة مكية، وقد ظهر أثر الحل يوم فتح مكة، حتى قال ﷺ : (أحلت لي ساعة من نهار). انتهى.
لكن في " سيرة الحلبي ": وقيل: فرضت زكاة الفطر قبل الهجرة، وعليه يحمل ما في " سفر السعادة ": كان ﷺ يرسل منادياً ينادي في الأسواق والمحلات والأزقة من مكة: " ألا إن صدقة الفطر واجبة على كل مسلم ومسلمة ". الحديث. انتهى.
ويدل لما في " سفر السعادة "، ما تقدم عن ابن عمر ﵄، فيحتمل أن تكون زكاة الفطر فرضت بمكة، وكان ظهورها والأمر بها في الخطبة والحث عليها، وأنها مزكية للصوم بالمدينة في السنة الثانية من الهجرة، وهذا هو
стр. 247
المشهور المعروف.
ومما تأخر حكمه عن نزوله: قوله : (سيهزم الجمع ويولون الدبر) [القمر: ٤٥]. قال عمر بن الخطاب: فقلت: أي جمع؟ فلما كان يوم بدر وانهزمت قريش، نظرت إلى رسول الله ﷺ في آثارهم مصلتاً بالسيف يقول: " سيهزم الجمع ويولون الدبر ". فكانت يوم بدر. أخرجه الطبراني في الأوسط.
وكذا قوله تعالى: (جند ما هنالك مهزوم من الأحزاب) [ص: ١١]. قال قتادة - رحمه الله تعالى -: وعده الله وهو يومئذ بمكة - أنه سيهزم جند من المشركين، فجاء تأويلها يوم بدر. أخرجه ابن أبي حاتم.
وكذا قوله تعالى: (قل جاء الحق وما يبدئ الباطل وما يعيد) [سبأ: ٤٩] أخرج ابن أبي حاتم عن ابن مسعود في قوله تعالى: (قل جاء الحق)، قال: السيف. والآية مكية متقدمة على فرض القتال. وكذا ذكره السيوطي - رحمه الله تعالى -، أن هذه الآيات الثلاثة من هذا الباب. والظاهر أنها ليست منه، بل هي وعد يأتي، فحكمها ثابت من حال نزولها وهو الإيمان بمضمونها، وظهورها يأتي في وقت مستقل كما أخبر الله .
стр. 248
والذي من هذا الباب هو ما نقل عن ابن الحصار مثل قوله : (وءاتوا حقه يوم حصاده) [الأنعام: ١٤١]، وقوله تعالى في سورة (المزمل): (وأقيموا الصلاة وءاتوا الزكاة) [المزمل: ٢٠]، وقوله تعالى: (وءاخرون يقاتلون في سبيل الله) [البقرة: ١٥٤]؛ فهذه الآيات مكية، ولم يفرض بمكة بعد الإيمان غير الصلوات الخمس. فهذه الآيات ما تأخرت حكمه عن نزوله.
وأما قول عائشة ﵄ وابن عمر وعكرمة في قوله تعالى: " ومن أحسن قولاً ممن دعا إلى الله وعمل صالحاً) [فصلت: ٣٣]: أنها نزلت في المؤذنين، والآية مكية ولم يشرع اللآذان إلا بالمدينة! فليس من هذا الباب، بل من
стр. 249
باب ما تقدم في أسباب النزول: أن الصحابي قد يقول إن الآية نزلت في كذا، ويعني بذلك تفسيرها لا سبب نزولها.
فظهر أن قولهم من هذا الباب، وكذا ما تقدم في قول ابن عمر ﵄ في قوله تعالى: (قد أفلح من تزكى) أنها نزلت في زكاة الفطر. يحمل على أنه أراد بذلك تفسير الآية، لا بيان سبب نزولها، وحينئذ يرتفع الإشكال.
وأما ما تأخر نزوله عن حكمه:
فآية الوضوء في (المائدة) وهي قوله تعالى: (يا أيها الذين ءامنوا إذا قمتم إلى الصلاة) إلى قوله: (لعلكم تشكرون) [المائدة: ٦]، فالآية مدنية إجماعاً، وفرض الوضوء كان بمكة مع فرض الصلوات الخمس. بل ذكر بعضهم أن الوضوء فرض مع الصلاة ركعتين في أول يوم من مبعثه ﵇، وقيل: في اليوم الثاني، والله أعلم.
стр. 250
ومن أمثلته أيضاً: آية الجمعة، فإنها مدنية، والجمعة فرضت بمكة.
قال الحافظ السيوطي في " الإتقان ": وقول ابن الفرس: إن إقامة الجمعة لم تكن بمكة قط: يرده ما أخرجه ابن ماجه عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك قال: كنت قائد أبي حين ذهب بصره، فكنت إذا خرجت إلى الجمعة فسمع الأذان يستغفر لأبي أمامة أسعد بن زرارة، فقلت: يا أبتاه أرأيتك صلاتك على أسعد بن زرارة كلما سمعت النداء بالجمعة، لم هذا؟ قال: يابني كان أول من صلى بنا الجمعة، قبل مقدم رسول الله ﷺ من مكة.
أقول: ما ذكره ابن الفرس هو الصحيح؛ لما روى عبد الرزاق بإسناد صحيح عن محمد بن سيرين قال: اجتمع أهل المدينة قبل أن يقدمها رسول الله ﷺ ، وقبل أن تنزل الجمعة فقالت الأنصار: إن اليهود يوماً يجتمعون فيه كل سبعة أيام، وللنصارى مثل ذلك، فهلموا نجعل لنا يوماً
стр. 251
نجتمع فيه، فنذكر الله ونصلي ونشكره، فجعلوه يوم العروبة - والعروبة يوم الجمعة - واجتمعوا إلى أسعد بن زرارة، فصلى بهم يومئذ، وأنزل الله تعالى بعد ذلك: (يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة) [الجمعة: ٩].
وهذا وإن كان كرسلاً فله شاهد بإسناد حسن، وأخرجه الإمام أحمد، وأبو داوود، وابن ماجه، وصححه ابن خزيمة، من حديث كعب بن مالك قال: كان أول من صلى بنا الجمعة قبل مقدم رسول الله ﷺ المدينة أسعد بن زرارة.
فمرسل ابن سيرين يدل على أن أولئك الصحابة اختاروا يوم الجمعة بالاجتهاد فهداهم الله إليه.
وما ذكره الحافظ السيوطي من حديث كعب بن مالك لا يدل على أنها فرضت بمكة، بل يدل على أن أسعد بن زرارة أول من صلاها بهم بالمدينة، وقد بينت رواية عبد الرزاق أن ذلك كان اجتهاداً منهم ووافقهم النبي ﷺ ، ويدل لذلك أنه لم ينقل أن النبي ﷺ جمع بمكة، بل أول جمعة جمع في بني سالم بالمدينة بمن معه من المؤمنين، وكانت خامس يوم من وصوله المدينة.
стр. 252
ومن أمثلة ما تأخر نزوله عن حكمه قوله تعالى: (إنما الصدقات للفقراء) [التوبة: ٦٠]، فإنها نزلت سنة تسع، وقد فرضت الزكاة في أوائل الهجرة.
قال ابن الحصار: وقد يكون مصرفها قبل ذلك معلوماً، ولم يكن فيه قرآن متلو، كما كان الوضوء معلوماً قبل نزول الآية، كذا ذكره السيوطي - رحمه الله تعالى -، انتهى.
стр. 253
النوع السابع والعشرون
علم ما نزل مفرقاً وما نزل مجتمعاً
стр. 254
النوع السابع والعشرون
علم ما نزل مفرقاً وما نزل مجتمعا
الأول: غالب القرآن فإنه نزل مفرقاً على مقتضى الوقائع.
وأما ما نزل جمعاً، فمن ذلك:
سورة (الفاتحة) و (الإخلاص) و (الكوثر) و (تبت يدا) و (لم يكن) و (النصر) و (المعوذتين) و (المرسلات) و (الصف) وسورة (الأنعام) وفي سورة (الأنعام) جرى الخلاف.
فأما سورة (الأنعام)، فقد أخرج أبو عبيد، والطبراني عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - قال: نزلت سورة (الأنعام) بمكة ليلاً جملة، حولها سبعون ألف ملك.
وأخرج الطبراني من طريق يوسف بن عطية الصفار - وهو متروك - عن ابن عون
стр. 255
عن نافع عن ابن عمر - رضي الله تعالى عنهما - قال: قال رسول الله ﷺ : " نزلت علي سورة الأنعام جملة واحدة، يشيعها سبعون ألف ملك ".
وأخرج البيهقي في " البيهقي " - بسند فيه من لا يعرف - عن علي - كرم الله وجهه - قال: أنزل القرآن خمساً خمساً، إلا سورة (الأنعام) فإنها نزلت جملة في ألف يشيعها من كل سماء سبعون ملكاً، حتى أدوها إلى النبي ﷺ .
وأخرج أبو الشيخ عن أبي بن كعب - رضي الله تعالى عنه - مرفوعاً: " أنزلت علي سورة (الأنعام) جملة واحدة، يشيعها سبعون ألف ملك ".
وأخرج عن مجاهد قال: نزلت سورة (الأنعام) كلها جملة، معها خمسمائة ملك.
стр. 256
وأخرج عن عطاء قال: نزلت سورة (الأنعام) جميعها ومعها سبعون ألف ملك. فهذه الشواهد يقوي بعضها بعضاً.
قال ابن الصلاح في " فتاويه ": الحديث الوارد أنها نزلت جملة، رويناه من طريق أبي بن كعب، وفي إسناده ضعف، ولم نر له إسناداً صحيحاً، وقد روي ما يخالفه، فروي أنها لم تنزل جملةً واحدةً، بل نزلت آيات منها بالمدينة، اختلفوا في عددها، فقيل: ثلاث، وثيل: ست، وقيل غير ذلك، انتهى.
أقول: من قال: إن السورة نزلت كلها، فإنما يعني - والله أعلم - الغالب، ولا يضر أن ينزل بعضها بعد ذلك، وتمامها، فإن القرآن غالبه إنما نزل مفرقاً آيات، ومثل هذه السورة العظيمة إذا نزل غالبها فيحكم لها بالكل، فإنه نادر الوقوع.
وأما سورة (الفاتحة)، فقد تقدم في علم أول ما نزل، من حديث عمرو بن شرحبيل: أن رسول الله ﷺ قال لخديجة - رضي الله تعالى عنها -: (إني إذا
стр. 257
خلوت وحدي سمعت نداء، فقد والله خشيت أن يكون هذا أمراً! ) فقالت: معاذ الله، ما كان الله ليفعل بك، فو الله إنك لتؤدي الأمانة، وتصل الرحم، وتصدق الحديث. فلما دخل أبو بكر ﵁ ذكرت خديجة حديثه له وقالت: اذهب مع محمد إلى ورقة. فانطلقا، فقص عليه، فقال: (إذا خلوت وحدي سمعت نداءً خلفي: يا محمد يا محمد، فأنطلق هارباً في الأرض)، فقال: لا تفعل، إذا أتاك فاثبت حتى تسمع ما يقال ثم ائتني فأخبرني.
فلما خلى ناداه: يا محمد يا محمد قل: (بسم الله الرحمن الرحيم) (الحمد لله رب العالمين)، - حتى بلغ - (ولا الضالين).
وأما سورة (الإخلاص)، فقد أخرج البيهقي في " الأسماء والصفات " عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما -، وابن جرير وابن المنذر عن قتادة: أن رهطاً من اليهود - منهم كعب بن الأشرف وحيي بن أخطب - جاءوا إلى رسول الله ﷺ فقالوا: يا محمد، هذا الله الذي لا إله إلا هو، خلق الخلق، فمن خلقه؟ فغضب النبي ﷺ حتى انتقع لونه، ثم ساورهم غضباً لربه،
стр. 258
فجاءه جبريل فسكنه وقال: خفض عليك جناحك، وجاءه من الله جواب ما سألوه، فأنزل الله ﵎: (قل هو الله أحد. الله الصمد. لم يلد ولم يولد. ولم يكن له كفواً أحد).
وأما سورة (الكوثر)، فأخرج مسلم في " صحيحه " عن أنس - رضي الله تعالى عنه - قال: بينا رسول الله ﷺ ذات يوم جالساً بين أظهرنا، إذا أغفى إغفاءة، ثم رفع رأسه مبتسماً فقلنا: ما أضحكك يا رسول الله؟ قال: " أنزلت علي آنفاً سورة، فقرأ: بسم الله الرحمن الرحيم (إنا أعطيناك الكوثر. فصل لربك وانحر. إن شانئك هو الأبتر) ".
ومما نزل مجتمعاً أيضاً، سورة (الكافرون)، قال المفسرون: نزلت في رهط من قريش منهم: الحارث بن قيس السهمي، والعاص بن وائل،
стр. 259
وغيرهما. قالوا: يا محمد هلم فاتبع دينك ونشركك في أمرنا، تعبد آلهتنا سنة ونعبد إلهك سنة، - إلى آخر ما قالوا - قال: " معاذ الله أن أشرك بالله غيره "، قالوا: فاستلم بعض آلهتنا نصدقك، قال: " حتى أنظر ما يأتني من عند الله "، فأنزل الله جل شأنه: (قل يا أيها الكافرون .... ) إلى آخر السورة. فقرأها عليهم حتى فرغ منها، فأيسوا منه.
ومما نزل مجتمعاً، أيضاً، (تبت يدآ). قال المفسرون: صعد رسول الله ﷺ الصفا، فقال: " يا صباحاه! " فاجتمعت إليه قريش فقالوا له: مالك؟ قال: " أرأيتكم لو أخبرتكم أن العدو مصبحكم أو ممسيكم، أما كنتم تصدقوني؟ "، قالوا: بلى، فقال: " إني نذير لكم، بين يدي عذاب شديد ".
فقال أبو لهب: تباً لك، ألهذا دعوتنا جميعاً! ، فأنزل الله جل شأنه: (تبت يدآ أبي لهب وتب) [المسد: ١] إلى آخرها.
стр. 260
ومما نزل مجتمعاً أيضاً، سورتي (المعوذتين)، بسبب سحر لبيد بن الأعصم اليهودي لرسول الله ﷺ ، فأنزل الله جل شأنه (المعوذتين)، فقرأهما وتعوذ بهما فانحل السحر وبطل، والقضية مشهورة معلومة.
ومما نزل مجتمعاً أيضاً، سورة (المرسلات)، ففي "المستدرك " عن ابن مسعود ﵁ قال: كنا مع النبي ﷺ في غار، فنزلت عليه (والمرسلات عرفاً) فأخذتها من فيه، وإن فاه رطب بها، فلا أدري بأيها أختم: (فبأي حديث بعده يؤمنون) [٥٠] أو (وإذا قيل لهم اركعوا لا يركعون) [٤٨].
ومما نزل مجتمعاً أيضاً، سورة (الصف)، وقد روينا مسلسلاً عن عبد الله بن سلام - رضي الله تعالى عنه - قال: قعدنا نفراً من أصحاب رسول الله ﷺ فتذاكرنا فقلنا: لو نعلم أي الأعمال أقرب إلى الله لعملناه؟ فأنزل الله تعالى شأنه: (سبح لله ما في السموات وما في الأرض وهو العزيز الحكيم. يا أيها الذين ءامنوا لم تقولون مالا تفعلون) [الصف: ١ - ٢]، قال عبد الله بن سلام - رضي الله تعالى عنه -: فقرأها علينا رسول الله ﷺ هكذا.
стр. 261
ومما نزل مجتمعاً أيضاً، غالب سورة (الحشر). روى الشيخان عن سعيد بن جبير قال: قلت لابن عباس: سورة (الحشر) قال: قال سورة (النضير).
انتهى. يعني أنها نزلت في شأن (بني النضير): (سبح لله ما في السموات وما في الأرض وهو العزيز الحكيم) من أول السورة إلى قوله تعالى: (فكان عاقبتهما أنهما في النار خالدين فيها وذلك جزؤا الظالمين) [الحشر: ١ - ١٧].
ومما نزل مجتمعاً أيضاً، سورة (المنافقون) فإنها نزلت في عبد الله بن أبي المنافق كما تقدم.
стр. 262
النوع الثامن والعشرون
علم ما نزل مشيعاً وما نزل مفرداً
стр. 263
النوع الثامن عشر
علم ما نزل مشيعاً وما نزل مفرداً
قال ابن حبيب، وتبعه ابن النقيب: من القرآن ما نزل مشيعاً، وهو سورة (الأنعام) شيعها سبعون ألف ملك، و (فاتحة الكتاب) نزلت ومعها ثمانون ألف ملك، و (آية الكرسي) نزلت ومعها ثمانون ألف ملك، وسورة (يس) نزلت ومعها ثمانون ألف، وقوله تعالى: (وسئل من أرسلنا من قبلك من رسلنا) نزلت ومعها عشرون ألف ملك، وسائر القرآن نزل به جبريل مفرداً بل تشييع.
قال الحافظ السيوطي - رحمه الله تعالى - في (الإتقان): أما (الفاتحة) وسورة (يس) وقوله تعالى: (وسئل من أرسلنا من قبلك) الآية، فلم أقف على حديث فيها بذلك. انتهى.
وكذلك مما نزل مشيعاً سورة االبقرة. أخرج أحمد في مسنده عن معقل بن يسار: أن رسول الله ﷺ قال: (البقرة) سنام القرآن وذروته، نزل مع كل آية
стр. 264
منها ثمانون ألف ملك. واستخرجت (الله لآ إله إلا هو الحي القيوم) [٢٥٥] من تحت العرش فوصلت بها.
وأخرج سعيد بن مصور في سننه، عن الضحاك بن مزاحم قال: خواتيم سورة (البقرة) جاء بها جبريل ومعها من الملائكة ما شاء الله.
ونقل في (الإتقان) عن ابن الضريس في " فضائله " بسنده عن إسماعيل بن رافع قال: بلغنا أن رسول الله ﷺ : (ألا أخبركم بسورة ملأ عظمتها بين السماء والأرض، شيعها سبعون ألف ملك، سورة (الملك) ".
تنبيه:
لا منافاة بين ما تقدم أن المشيع بعض القرآن وبين ما ورد مما أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح عن سعيد بن جبير قال: ما جاء بالقرآن جبريل إلى
стр. 265
النبي ﷺ إلا ومعه أربعة من الملائكة حفظة.
وما أخرجه ابن جرير عن الضحاك قال: كان النبي ﷺ إذا بعث إليه الملك بالوحي بعث معه ملائكة يحرسونه من بين يديه ومن خلفه، أن يتشبه الشيطان على صورة الملك. فإن هذه الملائكة المقصود بهم الحفظة، وأولئك التشييع لتعظيم شأن المنزل. فلا تعارض.
стр. 266
النوع التاسع والعشرون
علم ما نزل على بعض الأنبياء وما لم ينزل
стр. 267
النوع التاسع والعشرون
علم ما نزل على بعض الأنبياء وما لم ينزل
من أمثلة الأول:
ما أخرجه الحاكم عن ابن عباس ﵄ قال: لما نزلت: (سبح اسم ربك الأعلى) [الأعلى] قال ﷺ : " كلها في صحف إبراهيم وموسى ".
وأخرج الحاكم من طريق القاسم عن أبي أمامة قال: أنزل الله تعالى على إبراهيم ﵇ مما أنزله على محمد (التآئبون العابدون) إلى قوله: (وبشر المؤمنين) [التوبة: ١١٢]، و (قد أفلح المؤمنون) إلى قوله: (فيها خالدون) [المؤمنون: ١ - ٥]، و (إن المسلمين والمسلمات) الآية [االأحزاب: ٣٥]، والتي في (سأل): (الذين هم على صلاتهم دآئمون) إلى قوله: (قائمون)
стр. 268
[المعارج: ٢٣ - ٣٣]، فلم يف بهذه السهام إلا إبراهيم ومحمد ﷺ .
وأخرج البخاري عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: إنه - يعني النبي ﷺ لموصوف في التوراة، ببعض صفته في القرآن: (يآ أيها النبي إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً) [الأحزاب: ٤٥] وحرزاً للأميين. الحديث.
وأخرج ابن الضريس وغيره عن كعب قال: فتحت (التوراة) بـ (الحمد لله الذي خلق السموات والأرض وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا بربهم يعدلون) [الأنعام: ١]، وختمت بـ (الحمد لله الذي لم يتخذ ولداً) إلى قوله: (وكبره تكبيرا) [الإسراء: ١١١]، وفي رواية: وختمت بخاتمة (هود): (فاعبده وتوكل عليه وما ربك بغافل عما تعملون) [هود: ١٢٣].
وأخرج أبو عبيد عن كعب قال: أول ما نزل في (التوراة) عشر آيات من سورة (الأنعام): (قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم) الآيات الأنعام: [١٥١ .... ].
قال بعضهم: يعني أن هذه الآيات اشتملت على الآيات العشر التي كتبها الله لموسى ﵇ في التوراة أول ما كتبه، وهي توحيد الله، والنهي عن: الشرك، واليمين الكاذبة، والعقوق، والقتل، والربا، والسرقة، والزور، ومد العين إلى ما في أيدي الغير. والأمر بتعظيم السبت.
стр. 269
وأخرج الدارقطني من حديث بريدة أن النبي ﷺ قال: (لأعلمنكم آية لم تنزل على نبي بعد سليمان غيري (بسم الله الرحمن الرحيم) [النمل: ٣٠].
وروى البيهقي عن ابن عباس قال: أغفل الناس آية في كتاب الله تعالى، لم ينزل على أحد سوى النبي ﷺ إلا أن يكون سليمان بن داود: (بسم الله الرحمن الرحيم).
وذكر ابن النقاش في تفسيره: أن علياً - كرم الله وجهه ورضي عنه - قال: لما نزلت: (بسم الله الرحمن الرحيم) قال رسول الله ﷺ : (أول ما نزلت هذه الآية على آدم عليه وسلم فقال: أمن ذريتي من العذاب ما داموا على قرءاتها. ثم رفعت فأنزلت على إبراهيم خليل الرحمن، فتلاها وهو في كفة المنجنيق؛ فجعل الله النار برداً وسلاماً، ثم رفعت بعده فما نزلت إلا على سليمان بن داود، وعندها قالت الملائكة: الآن والله تم ملكك. ثم رفعت فأنزلها الله علي ". الحديث.
стр. 270
وأخرج الحاكم عن أبي ميسرة: إن هذه الآية مكتوبة في التوراة بسبعمائة آية: (يسبح لله ما في السموات وما في الأرض الملك القدوس العزيز الحكيم) أول سورة الجمعة.
ومن القسم الثاني:
ما روي عن أبي أمامة الباهلي قال: أربع آيات نزلن من كنز العرش لم ينزل منه شيء على أحد غير محمد ﷺ هن: (أم الكتاب)، (آية الكرسي) وآخر سورة (البقرة) و (الكوثر). وأخرجه ابن حبان والدليمي.
وهذا القول من أي أمامة في حكم المرفوع، لكونه لا يقال من قبل الرأي.
وأخرج البيهقي في " الشعب " عن ابن عباس ﵄ قال: السبع الطوال لم يعطهن أخداً إلا النبي ﷺ ، وأعطي موسى منها اثنتين.
стр. 271
وأخرج الطبراني عن ابن عباس ﵄ مرفوعاً: (أعطيت أمتي شيئاً لم يعطه أحد من الأمم الماضية عند المصيبة: (إنا لله وإنا إليه راجعون) [البقرة: ١٥٦].
وأخرج الترمذي والنسائي والحاكم من حديث أبي بن كعب مرفوعاً: ما أنزل الله في (التوراة) ولا في (الإنجيل) مثل (أم القرآن) وهي (السبع المثاني).
стр. 272
النوع الثلاثون
علم أسماء القرآن
стр. 273
النوع الثلاثون
علم أسماء القرآن
قال أبو المعالي عزيز بن عبد الملك المعروف بشيذلة في كتاب " البرهان ": اعلم أن الله سمى القرآن بخمس وخمسين اسماً. ثم ذكر ذلك وعدده، واستدل عليه بالآيات الواردة في تسميته بالأسماء المذكورة. انتهى.
وقد سماه الله ﵎ بأسماء، فمن ذلك: أنه سماه (كتاباً) و (مبيناً).
فأما تسميته (كتاباً) فلجمعه أنواع العلوم والقصص والأخبار على أبلغ وجه، و" الكتاب " لغة: الجمع.
و" المبين " لأنه أبان، أي: أظهر الحق من الباطل.
وأما " القرآن " فاختلف فيه، فقال جماعة: هو اسم علم غير مشتق، خاص بكلام الله تعالى، فهو غير مهموز، وبه قرأ ابن كثير، وهو مروي عن الشافعي - رحمه الله تعالى -.
стр. 274
وقال قوم منهم الأشعري: هو مشتق من قرنت الشيء بالشيء إذا [ضممت] أحدهما إلى الآخر، وسمي به، لقران السورة والآيات والحروف فيه.
وقال الفراء: هو مشتق من القرائن، لأن الآيات يصدق بعضها بعضاً، ويشابه بعضها بعضاً.
وعلى القولين هو بلا همزة أيضاً، ونونه أصلية.
واختلف القائلون بأنه مهموز: فقال اللحياني: وهو مصدر القرءاة كالرجحان والغفران، سمي به المقروء من باب تسمية المفعول بالمصدر.
وقال الزجاج: وهو وصف على فعلان، مشتق من القرء، بمعنى الجمع، ومنه: قرأت الماء في الحوض، أي: جمعته.
стр. 275
قال أبو عبيدة: وسمي بذلك لأنه جمع السور بعضها إلى بعض.
وقال الراغب: لا يقال لكل جمع قرآن، ولا لجمع كل كلام قرآن. قال: وإنما سمي قرآناً لكونه جمع ثمرات الكتب السابقة المنزلة. وقيل: لأنه جمع أنواع العلوم كلها.
وحكى قطرب قولاً: أنه سمي قرآناً لأن القارئ يظهره ويبينه من فيه، أخذاً من قول العرب: ما قرأت الناقة سلى قط. أي: ما رمت ولداً، والقرآن يلفظه القارئ من فيه فسمي قرآناً.
وأما تسميته (كلاماً) فمشتق من الكلام بمعنى التأثير؛ لأنه يؤثر في نفس السامع فائدة لم تكن عنده ويؤثر في نفس السامع فائدة لم تكن عنده ويؤثر في المبطل بإقامة الحجة عليه.
وأما تسميته بـ (النور)؛ فلأنه يدرك به غوامض الحلال والحرام، ويكشف ما استتر من المشكلات، ويظهر خفيات المعضلات.
وأما تسميته (الهدى)؛ فلأنه دليل على الحق، وهو من باب إطلاق
стр. 276
المصدر على اسم الفاعل مبالغة، كأنه يشير أن من تمسك به فهو عين الهداية، وأنه يهدي إلى شيء آخر.
وأما تسميته (فرقان)؛ فلأنه فارق بين الحق والباطل. قاله مجاهد.
وأما تسميته (شفاء)؛ فلأنه يستشفى به من الأمراض المعنوية، كالكفر والجهل، والحسية.
وأما تسميته (ذكراً)؛ فلما فيه من المواعظ وأخار الأمم الماضية، فيكون من باب إطلاق المصدر على اسم الفاعل، بمعنى مذكراً، والذكر أيضاً بمعنى الشرف، ومنه قوله تعالى: (وإنه لذكر لك ولقومك) [الزخرف: ٤٤].
وأما تسميته (الحكمة)؛ فلأنه نزل على القانون المعتبر من وضع الشيء في محله، أو لأنه به يعرف أفضل المعلومات، وهو الله جل شأنه بأفضل العلم وهو القرآن.
والحكمة هي: معرفة أفضل المعلومات بأفضل العلم، أو لأنه به
стр. 277
يحصل الكمال الإنساني الذي خلق له، وهو معرفة الحق سبحانه لما له من صفات الكمال، والخلق بما هو لهم من الأحكام، والقرآن جامع لذلك.
والحكمة تطلق ويراد بها هذا المعنى؛ وهو استكمال النفس لمعرفة الحق والخلق.
وأما تسميته (الحكيم)؛ فلأنه أحكمت آياته بعجيب النظم وبديع المعنى، وأحكمت عن تطرق التبديل والتحريف، والاختلاف والتباين، فيكون المعنى على ذلك محكم بما ذكرنا. ومعنى المحكم: أي المتقن على أعلا الوجوه البالغة، وحسن الانتظام.
وأما تسميته (المهيمن)؛ فلأنه شاهد على جميع الكتب والأمم السالفة، أو لكون علمه مستول على كل علم، فهو مهيمن عليه.
وأما تسميته (الحبل)؛ فلأنه من تمسك به نجا.
وأما تسميته (الصراط المستقيم)؛ فلأنه طريق إلى الجنة [قويم] لا اعوجاج فيه.
وأما تسميته (المثاني)؛ فلأنه فيه قصص الأمم الماضية، فهو ثانٍ لما
стр. 278
تقدمه. وقيل: لتكرار المواعظ والقصص فيه.
وأما تسميته (المتشابه)؛ فلأنه يشبه بعضه بعضاً في الحسن والصدق، أو لكونه فيه المتشابه، من باب تسمية الكل بالجزء.
وأما تسميته (الروح)، فلأنه به تحيا القلوب، كما تحيا الأجسام بالروح.
وأما تسميته (المجيد)؛ فلشرف ذاته وتأثيره وعظم جزائه، والمجيد: هو الشريف ذاتاً، الجميل أفعالاً، الجزيل عطاءً. وكل ذلك في القرآن.
وأما تسميته (العزيز)؛ فلأنه لا يوجد مثله، وتشتد الحاجة إليه، ويصعب الوصول إلى مرماه.
وأما تسميته (البلاغ)؛ فلأنه أبلغ به الناس ما نزل إليهم من الأمر والنهي، أو لأن فيه بلاغاً وكفاية عن غيره.
стр. 279
وأما تسميته (رحمة)؛ فلأنه به النجاة من ورطة الكفر والعصيان.
وأما تسميته (موعظة)؛ فلكونه به يحصل الاتعاظ والتنبيه والرجوع إلى الله تعالى.
وأما تسميته (مباركاً)؛ فلأنه كثير الخيرات والمنافع والإفادات.
وأما تسميته (علياً)؛ فلارتفاعه عن طبقة كلام المخلوقين، أو لارتفاعه في اللوح المحفوظ، أو عند الحق .
وأما تسميته (قيماً)؛ فهو إما: بمعنى قياماً للحق والحجة، أو مقوماُ للعامل به على الهدى.
وأما تسميته (فصلاً)؛ فلأنه يفصل الحق من الباطل، أي: يقطعه.
وأما تسميته (نبأ عظيم)؛ فلكونه خبراً عظيماً وارداً من محل جليل، غير معروف عند السامعين.
وأما تسميته (أحسن الحديث)؛ فلأنه جمع لصفات التفضيل بلا مرية في ذلك.
стр. 280
وأما تسميته (تنزيلاً)؛ فلأن الله جل شأنه أنزله على حسب الحكم التي اقتضتها الأحوال الكائنة في عهد النبي ﷺ .
وأما تسميته (وحياً)؛ فلأنه أنزل عليه في خفاء، لا يطلع على ذلك أحد من البشر والوحي هو: الإعلان في الخفاء.
وأما تسميته (عربياً)؛ فلأنه بلغة العرب.
وأما تسميته (بصائر)؛ فلأنه من الاستبصار والمعرفة.
وأما تسميته (بياناً)؛ فلأنه يبين كل مبهم، ويكشف كل مغلق.
وأما تسميته (علماً)؛ فلأنه جمع علوم الأولين والآخرين، فمن أراد العلوم كلها وجدها فيه.
وأما تسميته (حقاً)؛ فلأنه يتحقق كل شيء ويظهر.
وأما تسميته (عجباً)؛ فلما فيه من كل عجيبة من المعاني والنفائس.
وأما تسميته بـ (العروة الوثقى)؛ فلأن من تمسك به لا ينقطع أبداً، حتى يبلغ المطلوب.
وأما تسميته (صدقاً) فظاهر.
стр. 281
وأما تسميته (عدلاً)؛ فلكونه لا جور فيه ولا حيف.
وأما تسميته (أمراً)؛ فلأنه شأن عظيم، أنزله الله تعالى إلى الخلق، والشيء إذا فخم أطلق عليه أمراً، تعظيماً له عن أن يطلق عليه شيء من الأسماء.
وأما تسميته (بشيراً)؛ فلأنه به البشارة لأهل الإيمان.
وأما تسميته (قصصاً)؛ فلأنه فيه قصص الأمم السالفة.
فهذا ما تيسر من أسمائه، وكلها مذكورة في القرآن، والله المستعان.
وأما تسميته (مصحفاً)، فلما حكى المظفر في " تاريخه " قال: لما جمع أبو بكر ﵁ القرآن قال: سموه. فقال بعضهم: سموه (الجبلا). فكرهوه، وقال بعضهم: سموه سفراً. فكرهوه من أجل اليهود.
قال ابن مسعود ﵁: أرأيت كتاباً بالحبشة يدعونه بالمصحف.
فسموه به. انتهى.
стр. 282
وقد ورد في التوراة تسمية القرآن توراة وإنجيلا.
стр. 283
النوع الحادي والثلاثون
علم أسماء سور القرآن
стр. 284
النوع الحادي والثلاثون
علم أسماء سور القرآن
وهذا النوع لم يفرده الحافظ السيوطي - رحمه الله تعالى -، بل ذكره في ضمن النوع السابق.
قال القتبي: السورة تهمز ولاتهمز, فمن همزها جعلها من (أسأرت) أي: أفضلت، من السؤر، وهو ما بقي من الشراب في الإناء؛ كأنها قطعة من القرآن. ومن لم يهمز جعلها من المعنى المتقدم وسهل همزها.
ومنهم من شبهها بسور البناء، أي: القطعة منه. وقيل: من سور المدينة، لإحاطتها بآياتها واجتماعها كاجتماع البيوت بالسور.
وقيل: لارتفاعها؛ لأنها كلام الله. والسورة: المنزلة الرفيعة.
قال النابغة:
стр. 285
ألم تر أن الله أعطاك سورة ... ترى كل ملك دونها يتذبذب
وقيل: لتركيب بعضها على بعض، من التسور بمعنى التصاعد والتركيب، ومنه قوله تعالى: (وإذ تسوروا المحراب) [ص: ٢١].
قال الجعبري: حد السورة قرآن يشتمل على [آي ذي] فاتحة وخاتمة، وأقلها ثلاث آيات.
وقال غيره: السورة الطائفة المترجمة توقيفاً، أي: المسماة باسم خاص من النبي ﷺ .
وقد ثبت جميع أسمائها عن النبي ﷺ بالأحاديث والآثار.
وقد كره بعضهم أن يقال: سورة كذا. لما روى الطبراني والبيهقي عن أنس ﵁ مرفوعاً: لا تقولوا سورة (البقرة) ولا سورة (آل عمران) ولا سورة (النساء) وكذلك القرآن كله، ولكن قولوا: السورة التي تذكر فيها البقرة، والتي يذكر فيها آل عمران.
следующие страницы →