← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 150960

الزيادة والإحسان في علوم القرآن

محمد عقيلة

Полный текст (4 238 стр.). Показаны 2416–2455 · переход к 2421.

стр. 2416

ولا يمكن اجتماعهما وتسمى عنادية ومن العنادية التهكمية والتلميحية وهما استعمال الشيء في ضده ونقيضه نحو قوله تعالى: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ﴾ [آل عمران: ٢١] فالبشارة تكون فيما يسر والإنذار فيما يضر واستعير التبشير في مقام التنذير تهكمًا وهما لا يجتمعان وكذلك قول الله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ [هود: ٨٧] يعني الغوي السفيه تهكمًا ومن ذلك قول الله تعالى: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ (٤٩)﴾ [الدخان: ٤٩]. وكذلك لها تفسير آخر باعتبار وجه الشبه لأنه إمّا أن يكون مبتذلًا معروفًا وتسمى استعارة عامية أو غريب لطيف فيسمى خاصية وأمّا الاستعارة التمثيلية فهي قسم برأسه وهي ما يكون وجه الشبه فيه منتزع من متعدد نحو قولهم إني أراك تقدم رجلًا وتؤخر أخرى فشبه حال المتردد في أمره بحال الشخص الذي يقدم رجلًا ويؤخر

стр. 2417

أخرى وكقول الله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا﴾ [آل عمران: ١٠٣] شبه المتمسك بعهد الله والتوثيق به وحمايته وحفظه ودفعه المكروه عمن يتمسك به والنجاة به بمن يتمسك بحبل وثيق مدَلًّى من محال عال يأمن به من يتمسك به ويحفظ به من الوقوع. ثم إن تشبيه الهيئات إن كان على قاعدة الاستعارة فيسمى استعارة تمثيلية وإن كان على وجه التشبيه فيسمى تمثيلًا ومثاله في الاستعارة ما مر وأما مثله في التشبيه فكما مر في قوله تعالى: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ إلى آخر الآية [البقرة: ١٧] وقد يرد على هذه الاستعارة التمثيلية كثر مما ذكرناه في الأقسام السالفة وأمّا الاستعارة بالكناية فهو أن يضمر التشبيه في النفس فلا يصرح بشيءٍ من أركانه سوى المشبه ويؤتى بأمر مختص بالمشبه به فتسمى هذه استعارة بالكناية ويسمى المثبت للمشبه به استعارة تخيلية كقول القائل: وإذا المنية أنشبت أظفارها ............

стр. 2418

شبه المنية بالسبع وحذف السبع وأتى بذكر المشبه به وذكر ما يلائم المستعار منه وهو الإنشاب والأظفار والاستعارة بالكناية ضد الاستعارة السابقة فإن في الأولى يذكر المشبه به ويجهل هو المشبه ادعاء كقولك: رأيت أسدًا يرمي فجعلت الرجل الشجاع أسدًا وحذفت المشبه وذكرت المشبه به والاستعارة بالكناية كقولك رأيت رجلًا له يد وأظفار لم تقلم فشبهت الرجل أيضًا بالأسد لكن حذفت الأسد وذكرت الرجل وأتيت بما يلائم الأسد ومن ذلك قول الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ﴾ [البقرة: ٢٧] شبه العهد بالحبل وحذف الحبل وأتى بالعهد وذكر ما يلائم الحبل وهو النقض والوثوق.

стр. 2419

النوع الثالث عشر بعد المائة علم أحوال المسند والمسند إليه

стр. 2420

النوع الثالث عشر بعد المائة علم أحوال المسند والمسند إليه ولم يذكر هذا النوع الحافظ السيوطي رحمه الله تعالى اعلم أيدنا الله وإياك أن علم البيان يشتمل على أربعة مباحث: ١ - بحث الحقيقة والمجاز. ٢ - وبحث الصريح والكناية ٣ - وبحث الاستعارة ٤ - وبحث التشبيه وقد تقدمت هذه الأنواع كلها. وأما علم المعاني فيشتمل على أبحاث ثمانية:

стр. 2421

الأول: في أحوال الإسناد. الثاني: في أحوال المسند إليه. الثالث: في أحوال المسند الرابع: في أحوال متعلقات الفعل الخامس: في القصر السادس: في الإنشاء والخبر السابع: في الفصل والوصل الثامن: في الإيجاز والإطناب والمساواة. وهذا النوع نتكلم فيه في أحوال الإسناد والمسند إليه فأما الإسناد: فهو إثبات النسبة الحكمية بين المسند والمسند إليه مثل قولك زيد قائم فإثبات نسبة القيام إلى زيد والحكم عليه بأنه قائم يسمى إسنادًا وزيد مسند إليه وقائم مسند ثم إن هذا الإسناد يكون حقيقة وهو إسناد الفعل أو ما في معناه إلى ما هو له وإلى من قام به الفعل ومجازًا وهو إسناد الفعل إلى غير ما هو له وقد تقدم في

стр. 2422

المجاز ثم إن المتكلم إذا قصد بالإسناد إفادة المخاطب بالحكم يسمى فائدة الخبر فإن قصد إعلامه بكونه عالمًا سمي لازمها ثم إن كان السامع غير متردد أو خالي الذهن عن الحكم أتى له من الخطاب بما يناسبه وإذا فهم منه التردد في الأمر وعدم ثبوت النسبة في ذهنه جيء له بما يؤكد الثبوت وإن ارتقى إلى مرتبة الإنكار والفساد زيد له في التأكيد فالأول: كقول الله تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة: ٢٥٥] مما يشتمل على غير تأكيد. والثاني: كما قال الله تعالى حكاية عن رسل عيسي: ﵇ ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ (١٣) إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ (١٤)﴾ [يس: ١٣، ١٤] والثالث: كقول الله تعالى في هذه السورة: ﴿قَالُوا مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ (١٥) قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ (١٦)﴾ [يس: ١٥، ١٦] ففي الأول لم يكن تأكيد والثاني: كان التوكيد بأن والجملة وفي الثاني كان التأكيد بأن والجملة الإسمية واللام ويسمى الضرب الأول ابتدائيًا والثاني طلبيًا والثالث إنكاريًا وإخراج الكلام عليها إخراج على مقتضى الحال وقد يخرج الكلام على غير مقتضى الحال وذلك لنكتة فيجعل غير السائل كالسائل نحو قول الله تعالى: ﴿وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ﴾ [هود: ٣٧] وغير المنكر كالمنكر

стр. 2423

كقول الله تعالى: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة: ١، ٢] وأما أحوال المسند إليه يعني الأمور التي تعرض للمبتدأ والفاعل من كونه مذكورًا أو محذوفًا أو مؤكدًا إلى غير ذلك فأما حذفه فقد يكون لكونه معلومًا ظاهرًا عند السامع فلا حاجة إلى ذكره كقوله تعالى: ﴿ ... مَا الْحُطَمَةُ نَارُ اللَّهِ﴾ [الهمزة: ٥، ٦]، ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ (١٠) نَارٌ حَامِيَةٌ (١١)﴾ [القارعة: ١٠، ١١] فحذف المسند إليه لظهوره عند السامع وكقوله تعالى: ﴿لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الجاثية: ١٤] فحذف الفاعل لظهوره عند السامع وقد يحذف للتحقير وصونًا للسان عن ذكره نحو قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ﴾ [فصلت: ٤٩] أو التعظيم نحو قول الله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء: ٩] أي الملة التي هي أقوم وقد يحذف لأشياء أخرى كضيق المقام أو تأتي الإنكار أو تعين المسند إليه كقول الله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] أي فالشاهد رجل وامرأتان. وأما ذكر المسند إليه فلكونه الأصل ويقصد بذلك الإيضاح والتبيين أو إظهار تعظيمه كقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥)﴾ [البقرة: ٥] أو إهانته أو الاستلذاذ بذكره وبسط الكلام حيث الإصغاء مطلوب كقول الله تعالى: ﴿هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا﴾ [طه: ١٨] إلى آخر الآية إلى غير ذلك وأما تعريف المسند إليه: فالتعريف بأنواع منها الضمير واسم

стр. 2424

الإشارة والموصول والإضافة إلى واحدة من هذه والمحلى بالألف واللام فأما تعريفه بالمضمر فلتعيينه كقول الله تعالى: ﴿هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ [غافر: ٦٥] وبالإشارة لتمييزه نحو قول الله تعالى: ﴿أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَاإِبْرَاهِيمُ﴾ [الأنبياء: ٦٢] وقد يؤتى باسم الإشارة لتعظيمه بالبعد ورفعه في الرتبة نحو قول الله تعالى: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ [البقرة: ١، ٢] أو للتحقير نحو وقله تعالى: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ﴾ [آل عمران: ١٧٥] وبالموصول فلعدم علم المخاطب بالأحوال المختصة به سوى الصلة كقول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (١٠١)﴾ [الأنبياء: ١٠١] أو استهجان التصريح بالاسم نحو قول الله تعالى: ﴿وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا﴾ [يوسف: ٢٣] أو للتفخيم نحو قول الله تعالى: ﴿فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ﴾ [طه: ٧٨] أو تنبيه المخاطب على الخطأ نحو قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا﴾ [الحج: ٧٣] وبالعلمية فلإحضاره بعينه في ذهن السامع باسم مختص به نحو قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] أو للتعظيم بأن يكون الاسم مشتملًا على معنى

стр. 2425

المدح أو الكنية أو اللقب مثل قول الله تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ﴾ [الفتح: ٢٩] فذكر العلم للتعظيم لما في لفظ محمد ﷺ من الإشارة للمدح كقول القائل جاء زين العابدين وجاء أبو الخير وقد يكون ذكره للإهانة والذم كقول الله تعالى: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾ [المسد: ١] وبالإضافة إلى واحدة من هذه للاختصار أو تعظيم شأن المضاف إليه كقول الله : ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ [الإسراء: ١] وقوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ﴾ [الجن: ١٩] أو المضاف كقوله تعالى: ﴿يَاقَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ﴾ [الأحقاف: ٣١] أو للتحقير كقول الله تعالى على لسان الكفار: ﴿إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ﴾ [الشعراء: ٢٧] وبالألف واللام للإشارة إلى معهود كقول الله تعالى: ﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى﴾ [آل عمران: ٣٦] يعني ليس الذكر الذي طلبته كالأنثى الذي وهبت لك وتكون الألف واللام للإشارة إلى الحقيقة كقول الله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣٤] وتكون الألف واللام لواحد أو طائفة مقصود في الذهن معلوم كقول القائل: ادخل السوق لا يريد كل سوق إنما يريد سوقًا معلومًا في الذهن وفي التنزيل قول الله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ [آل عمران: ١٧٣] والناس الأول هو الأخنس بن شريق الثقفي كما صح ذلك ومن ذلك قول الله تعالى: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾

стр. 2426

[الفاتحة: ٧] إذا كان المقصود بالمغضوب عليهم هم اليهود والضالين هم النصارى وتكون الألف واللام للاستغراق كقول الله تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦)﴾ [الجن: ٢٦] يعني كل غيب وقول الله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)﴾ [الفاتحة: ٢] وقول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ١٩٥] وأمثال هذا وأما تنكير المسند إليه فلمعان منها الإفراد نحو قوله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى﴾ [القصص: ٢٠] أو للتعظيم نحو قوله تعالى: ﴿وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ﴾ [البقرة: ٧] عظيمة وقول الله ﵎: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٣) وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ (١٤)﴾ [الواقعة: ١٣، ١٤]، ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (٣٩) وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ (٤٠)﴾ [الواقعة: ٣٩ - ٤١] أو للتحقير نحو وقله تعالى: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: ٦] أو كقوله تعالى حكاية

стр. 2427

﴿إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا﴾ [الجاثية: ٣٢] أي ظنًا حقيرًا ضعيفًا أو التكثير كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [فاطر: ٤] أي ذو عدد كثير أو التقليل كقوله تعالى: ﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [التوبة: ٧٢] وأما وصف المسند إليه فلمعان منها بيانه وإيضاحه وكشف حقيقته عند السامع كقوله تبارك شأنه ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى (٧) إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى (٨)﴾ [العلق: ٦ - ٨] وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا (١٩) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (٢٠) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا﴾ [المعارج: ١٩ - ٢١] أو لتخصيصه وبيان أوصافه مدحًا كقول الله تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة: ٢٥٥] أو ذمًا كقولك جاء زيد الجاهل. وأما توكيد المسند إليه فلمعان منها تقريره وتحقيقه في ذهن السامع وقطع التجوز في الكلام نحو زيد نفسه وكقول الله تعالى: ﴿فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٣٠)﴾ [الحجر: ٣٠] وأما تعقيب المسند إليه بعطف البيان فلإيضاحه نحو جاء عمر صديقك وفي القرآن في غير هذا البحث قوله تعالى: ﴿جَعَلَ اللَّهُ

стр. 2428

الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ﴾ [المائدة: ٩٧] وقول الله تعالى: ﴿أَلَا بُعْدًا لِعَادٍ قَوْمِ هُودٍ﴾ [هود: ٦٠] وأورد السكاكي في عطف البيان قول الله تعالى وتبارك شأنه: ﴿لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [النحل: ٥١] فـ (اثنين) بيان لـ (الإلهين) و (واحد) بيان لـ (الإله). وقال بعضهم مقصود عطف البيان في هذا المقام هو الإيضاح والصفة لا عطف البيان الصناعي. وأما الإبدال من المسند إليه فلمعان منها زيادة التقرير نحو جاء زيد أخوك وفي التنزيل في غير المسند إليه: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢) صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [الشورى: ٥٢]، وقوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة: ٦، ٧] وقوله تعالى: ﴿لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (١) اللَّهِ﴾ [إبراهيم: ١، ٢] على قراءة الجر بدل من الحميد

стр. 2429

وأما العطف على المسند إليه فللإشارة إلى مشاركة المعطوف عليه في الحكم على وجه الاختصار فإنك إذا قلت جاء زيد وعمرو ليس كقولك جاء زيد وجاء عمرو ويختلف المعنى بحسب أدوات العطف فإن لكل حرف من حروف العطف إذا نظم في الكلام معنى ليس للآخر فمن حروفه الواو وهي لمطلق الجمع في الحكم لا تفيد ترتيبًا ولا معية بل هي صالحة للكل قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ﴾ [البقرة: ١٢٧] والفاء تفيد التعقيب والترتيب كقول الله تعالى: ﴿ ... أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ﴾ [عبس: ٢١] و (ثم) وتفيد الترتيب والمهلة كقول الله تعالى: ﴿ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ (٢٢)﴾ [عبس: ٢٢] و (أو) وتكون للتشكيك غالبًا أو للتخيير كقول الله تعالى: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [سبأ: ٢٤] و (بل) وهي للإضراب نحو جاء زيد بل عمرو فصرفت الحكم عن زيد وأثبته لعمرو وأما تقديمه أي المسند إليه فهو الأصل وإذا جاء الحكم على

стр. 2430

أصله فلا يسأل عنه وقد يكون التقديم لنكتة مثل سرعة التفاؤل وكونه لا يزول عن الخاطر وأمثال هذا من النكت. وأما تأخيره فلإقتضاء المقام ذلك وسيأتي ذلك في باب التخصيص والقصر والحصر ومن أبحاث المسند إليه وضع المضمر موضع المظهر ويدخل فيه الالتفات ومثاله قول الله تعالى: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (١) فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (٢)﴾ [الكوثر: ١، ٢] فإنه التفات من المتكلم إلى الغائب وانتقال من التكلم إلى الخطاب على وجه الالتفات وكقوله تعالى: ﴿وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٢)﴾ [يس: ٢٢] ومن الخطاب إلى الغيبة كقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ﴾ [يونس: ٢٢] ومن الغيبة إلى المتكلم كقول الله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا﴾ [الروم: ٤٨] ومن الغيبة إلى الخطاب كقول الله تعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾ [الفاتحة: ٤، ٥]

стр. 2431

بعد قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)﴾ [الفاتحة: ٢] وسر الالتفات أن الكلام إذا انتقل من أسلوب إلى أسلوب آخر كان ألطف وأوقع في النفس وأنشط للسامع مثل قول الله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [الفاتحة: ٢] فإنه لما جرى الحمد على لسان العبد ووصف الحق جل شأنه بصفات الكمال استشعر قلبه التعظيم لمولاه وصار كأنه مشاهد حاضر عنده فخاطبه بخطاب الحاضر وهو: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة: ٥]. وليس الالتفات من خواص المسند إليه بل كذلك يكون في المسند ويكون في الفعل وإنما ذكر في باب (المسند إليه) لكونه: يجري فيه.

стр. 2432

- (الجزء السادس) -

стр. 2433

النوع الرابع عشر بعد المائة علم أحوال المسند وأحوال متعلقات الفعل

стр. 2434

النوع الرابع عشر بعد المائة علم أحوال المسند وأحوال متعلقات الفعل ولم يذكر هذا النوع الحافظ السيوطي -رحمه الله تعالى- فصل: في أحوال المسند وهو الخبر أما تركه وحذفه فلما تقدم في أحوال المسند إليه من كونه واضحًا وصون الكلام عن الزيادة وإيثار الاختصار إلى غير ذلك من الفوائد ومن أمثلة حذف الخبر كما جزم به الزمخشري في الكشاف قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ﴾ [البقرة: ٦٢] وأما قوله تعالى: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ [يوسف: ٨٣] فيحتمل حذف المبتدأ

стр. 2435

ويكون التقدير: فأمري صبر جميل ويحتمل حذف الخبر والتقدير: فصبر جميل أجمل ومما يحتمل الأمرين قول الله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا﴾ [النساء: ١٧١] وأما ذكر المسند: فلكونه الأصل ولكونه أوضح وأبين أو للتبرك والتعظيم إلى غير ذلك ثم إن المسند تارة يكون اسما وتارة يكون جملة فعلية لأجل تقييده بأحد الأزمنة الثلاثة مثل زيد قام للماضي وزيد يقوم وزيد انطلق مع إفادة التجدد قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [البقرة: ١٥] وإذا كان الخبر اسما أفاد عدم التقييد والتجديد لكن الاستمرار والثبوت والدوام كقول الله تعالى: ﴿اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ﴾ [الشورى: ١٩] وأما تنكير الخبر: فلإرادة عدم الحصر كقولك زيد كاتب أو للتفخيم

стр. 2436

نحو قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢] وأما تخصيصه بالإضافة أو الوصف نحو: زيد رجل عالم فلإفادة معان يقتضيها حال الكلام وأما تعريف الخبر فغالبا يكون لإفادة الحصر والاختصاص -ولو ادعاء- نحو: زيد الأسير وعمرو الشجاع وأما تأخيره -أي الخبر- فلكونه هو الأصل فإن المبتدأ مقدم والخبر مؤخر وأما تقديمه: فإظهار الاهتمام به والتخصيص وحصره في المسند إليه [١٥٥ ب/ح] إلى غير ذلك كقول الله تعالى: ﴿لَا فِيهَا غَوْلٌ﴾ [الصافات: ٤٧] أي بخلاف خمور الدنيا وقد يكون التقديم للإشارة من أول الأمر إلى أنه خبر لا صفة كقول حسان في مدح النبي ﷺ : له همم لا منتهى لكبيرها ... همته الصغرى أجل من الدهر ويكون التقديم للتفاؤل والتشويق كقول القائل:

стр. 2437

ثلاثة تشرق الدنيا ببهجتها ... شمس الضحى وأبو إسحاق والقمر ويكون التقديم لكون الخبر أهم عند المتكلم كقولك ﵇ فصل في أحوال المفعول: اعلم أن الكلام في أحوال المسند إليه وهو المبتدأ والفاعل من ذكره وحذفه وتقديمه وتأخيره ووصفه وتأكيده والعطف عليه والإبدال منه ونكت ذلك وفوائده ثم الكلام على أحوال المسند وهو الخبر وكونه اسم أو جملة فعلية وتقديمه وتأخيره ووصفه وما في ذلك من الفوائد قد تقدم في أول هذا النوع وفي النوع الذي سبقه وهذا الفصل يذكر فيه المفعول مع ملاحظة الفعل فإن الفعل على قسمين قاصر وهو الذي لا يحتاج إلى مفعول كقولك قام زيد ويقوم زيد فإنه لا يفتقر إلى مفعول ومتعد وهو الذي يحتاج إلى مفعول وبعض الأفعال تحتاج إلى مفعول واحد وهو أكثرها وبعضها تحتاج إلى مفعولين وبعضها يحتاج إلى ثلاثة مفاعيل ثم إن المفعول قد يكون [٣٥٠ ب/هـ] مذكورا وهو الأكثر وقد يكون محذوفا ثم هو في حالة الحذف إما أن يكون ملاحظا أو متناسيا عنه غير ملاحظ كقول الله تعالى: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٩] فمفعول يعلمون محذوف متناسي للإشارة إلى تميم العلم وعدم التحكم بنوع من الأنواع وتقديره هل يستوي الذين يعلمون العلم ومن حذف المفعول قول الله تعالى: ﴿فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الأنعام: ١٤٩] وذلك لدلالة السياق على الحذف والتقدير فلو شاء الله هدايتكم لهداكم ومن حذف المفعول للاختصار والتعميم قول الله تبارك

стр. 2438

وتعالى: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ﴾ [يونس: ٣٥] ومن حذفه للاختصار فقط قول الله تعالى وتقدس ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ﴾ [القصص: ٢٣] فحذف مفعول يسقون أي مواشيهم وتذودان أي أغنامهما ومن حذف المفعول قول الله جل شأنه: ﴿وَالضُّحَى (١) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (٢) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ [الضحى: ١ - ٣] أي ما قلاك وثيل حذف المفعول لرعاية الفاصلة وعندي إنما حذف لئلا يواجهه بخطاب القلا وهو البعاد والهجران وهذه نكتة معنوية ومراعاة الفاصلة نكتة لفظية وقد يحذف المفعول لاستهجان ذكره كقول عائشة -رضي الله تعالى عنها ما رأيت منه ولا رأى مني أي من العورة وقد يحذف لظهوره ووضوحه وتعينه عند السامع كقول الله ﵎: ﴿لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا﴾ [الكهف: ٢] أي لينذر الذين كفروا

стр. 2439

وأما تقديمه أي المفعول على الفعل فلمعان منها [رد] الخطأ في التعيين كقولك زيدا عرفت لمن اعتقد أنك عرفت إنسانا وأنه غير زيد وقال الله ﵎: ﴿وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ [البقرة: ٤٠] لا غيري وقول الله ﵎ ﴿إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ﴾ [العنكبوت: ٥٦] ومن هذه الأوجه التخصيص أيضا وإذا قدم المفعول على الفعل فغالبا يكون المقصود التخصيص فلهذا يقال في ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] أي نخص ذاتك بالعبادة لا غيرك وفي قول الله ﵎ شأنه: ﴿لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ﴾ [آل عمران: ١٥٨] لا إلى غيره وكذا تقديم المفعول على الفاعل لغرض من هذه الأغراض كقول الله ﵎ ﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى﴾ [طه: ٦٧] للاهتمام بشأن الخيفة والانتزاع في النفس فقدم على الفاعل وكذلك تقديم ما يتعدى إلى مفعولين مثل تقديم المفعول الأول على الثاني لنكتة كقول الله تعالى شأنه ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ﴾ [الأنعام: ١٠٠] فـ ﴿شُرَكَاءَ﴾ و ﴿الْجِنَّ﴾ مفعولين

стр. 2440

لـ ﴿جَعَلُوا﴾ فالمفعول الأول منها ﴿الْجِنَّ﴾ والثاني الشركاء للإشارة إلى [٣٥٠ أ/هـ] [١٥٥ أ/ح] اهتمامهم ورغبتهم في الشرك

стр. 2441

النوع الخامس عشر بعد المائة علم حصره واختصاصه

стр. 2442

النوع الخامس عشر بعد المائة علم حصره واختصاصه أما الحصر ويقال له القصر فهو تخصيص أمر بآخر بطريق مخصوص ويقال أيضا إثبات الحكم للمذكور ونفيه عما عداه وينقسم إلى قصر الموصوف على الصفة وقصر الصفة على الموصوف وكل منهما إما حقيقي وإما مجازي

стр. 2443

فمثال قصر الموصوف على الصفة حقيقيا نحو ما زيد إلا كاتب أي لا صفة له غيرها وهو عزيز لا يكاد يوجد لتعذر الإحاطة بصفات الشيء حتى يمكن إثبات شيء منها ونفي ما عداها بالكلية وعلى عدم تعذرها يبعد أن تكون للذات صفة واحدة ليس لها غيرها ولذا لم يقع في التنزيل ومثاله مجازيا قوله تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ﴾ [آل عمران: ١٤٤] أي أنه مقصور على الرسالة لا يتعداها إلى التبري من الموت الذي استعظموه الذي هو من شأن الإله وأما مثال قصر الصفة على الموصوف حقيقيا ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد: ١٩] ومثاله مجازيا قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً ... ﴾ الآية [الأنعام: ١٤٥] كما قال الإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه فيما نقل عنه من أسباب النزول أن الكفار لما كانوا يحلون الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به وكانوا يحرمون كثيرا من المباحات وكانت سجيتهم تخالف وضع الشرع ونزلت الآية مسبوقة بذكر شبهتهم في البحيرة والسائبة والوصيلة والحامي وكان الغرض إبانة كذبهم فكأنه قال لا حرام إلا ما أحللتموه والغرض الرد عليهم والمضادة لا الحصر الحقيقي وينقسم الحصر باعتبار آخر إلى ثلاثة أقسام قصر إفراد وقصر

стр. 2444

قلب وقصر تعيين فالأول يخاطب به من يعتقد الشركة نحو قوله تعالى ﴿إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [النساء: ١٧١] خوطب به من يعتقد اشتراك الله والأصنام في الألوهية. والثاني يخاطب به من يعتقد إثبات الحكم لغير من أثبته المتكلم له نحو قوله تعالى: ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ [البقرة: ٢٥٨] خوطب به نمروذ الذي اعتقد أنه المحيي المميت دون الله تعالى وقوله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ﴾ [البقرة: ١٣] خوطب به من اعتقد من المنافقين أن المؤمنين سفهاء دونهم والثالث يخاطب به من تساوى عنده الأمران فلم يحكم بإثبات الصفة لواحد بعينه ولا لواحد بعينه بإحدى الصفتين بعينها فمثل قوله تعالى حاكيا عن أهل أنطاكية إذ كذبوا رسل عيسى ﵇: ﴿وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ﴾ [يس: ١٥] فإنهم كانوا مترددين في

стр. 2445

أن الرسل صادقين أو كاذبين ثم قصروهم على الكذب قصر تعيين فصل طرق الحصر كثيرة: أحدها النفي والاستثناء سواء كان النفي (بلا) أو (ما) أو غيرهما والاستثناء بإلا أو غير نحو ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [الصافات: ٣٥، محمد: ١٩]، ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٦٢]، ﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ﴾ [المائدة: ١١٧] ووجه إفادته الحصر: أن الاستثناء المفرغ لا بد أن يتوجه النفي فيه إلى مقدر هو مستثنى منه لأن الاستثناء إخراج فيحتاج إلى مخرج منه والمراد التقدير المعنوي لا الصناعي ولا بد أن يكون عاما لأن الإخراج لا يكون إلا من عام ولا بد أن يكون مناسبا للمستثنى في جنسه مثل ما قام إلا زيد أي أحد وما أكلت إلا تمرا أي مأكولا ولا بد أن يوافقه في صفته أي إعرابه وحينئذ يجب القصر إذا أوجب شيء منه بـ (إلا) ضرورة تبقى ما عداه على صورة الانتفاء وأصل استعمال هذا الطريق أن يكون المخاطب جاهلا بالحكم وقد يخرج عن ذلك فينزل المعلوم منزلة المجهول لاعتبار مناسب نحو قوله تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ﴾ [آل عمران: ١٤٤] فإنه خطاب للصحابة وهم لم يكونوا/ [٣٥١ أ/هـ] يجهلون رسالة النبي ﷺ لأنه نزل استعظامهم له عند الموت منزلة من يجهل رسالته لأن كل رسول لا بد من موته فمن استبعد موته فكأنه استبعد رسالته الثاني: (إنما) الجمهور على أنها للحصر فقيل بالمنطوق وقيل بالمفهوم.

стр. 2446

وأنكر قوم إفادتها إياه منهم أبو حبان واستدل ما أثبتوه بأمور منها قوله تعالى ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ﴾ [البقرة: ١٧٣] بالنصب فإن معناه ما حرم عليكم إلا الميتة لأنه المطابق في المعنى لقراءة الرفع فإنها للقصر فكذا قراءة النصب والأصل استواء معنى القراءتين. قال في التلخيص ومنها (إنما) كقولك في قصره إفرادا: إنما زيد كاتب وقلبا إنما زيد قائم وفي قصرهما إنما قائم زيد لتضمنه معنى (ما) و (إلا) لقول المسفرين في قوله تعالى ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ﴾ [البقرة: ١٧٣، النحل: ١١٥] بالنصب معناه ما حرم عليكم إلا الميتة وهو المطابق لقراءة الرفع قال شارحه السعد في مطوله وتقرير هذا أن القراءة المشهورة نصب

стр. 2447

الميتة وحرم مبنيا للفاعل وقرئ برفع المبتدأ وحرم مبنيا للفاعل وقرئ برفعها وحرم مبنيا للمفعول كذا في تفسير الكواشي فعلى قراءة نصب (الميتة) وحرم مبنيا للفاعل (ما) في (إنما) كافة قطعا إذ لو كانت موصولة لبقي (إن) بلا خبر والموصول بلا عائد بل لم يبق للكلام معنى أصلا فإذا فسروا قراءة النصب بما حرم عليكم إلا الميتة ثبت أن (إنما) متضمن معنى (ما) (وإلا) وطابقت هذه القراءة قراءة/ الرفع لأن (ما) فيها موصولة [١٥٦ أ: ح] والعائد محذوف والميتة خبر (إن) تقديره إن الذي حرمه الله عليكم الميتة وهذا يفيد القصر كما مر في تعريف المسند أن نحو المنطلق زيد أو زيد المنطلق يفيد حصر الانطلاق على زيد فإن قلت هل جعلت (ما) في الرفع كافة مثله في قراءة النصب؟ قلت: أما على قراءة (حرم) مبنيا للفاعل وهو المذكور في المفتاح والمقصود ههنا فظاهر أنها ليست بكافة لأن (حرم) إلى ضمير (الله) فلا وجه لرفع (الميتة) إلا على تأويل إنما حرم الله شيئا هو الميتة ومع

стр. 2448

ظهور هذا الوجه الصحيح وهو أن يجعل (ما) موصولة والعائد محذوف والميتة خير إن والتقدير إن الذي حرم عليكم الميتة لا مجال لارتكاب هذا التأويل وأما على قراءة حرم مبنيا للمفعول فيحتمل أن تكون ما كافة وأن تكون موصولة وتقول النحاة إنما للإثبات نقل أبو علي عن الزجاج أنه اختار أن تكون ما كافة وحرم مسند إلى الميتة لكنا نقول جعلها موصولة اسم إن والميتة خبرها أولى لتبقى إن عاملة على ما هو الأصل انتهى ومنها أن إن للإثبات وما للنفي فلا بد أن يحصل القصر للجمع بين النفي والإثبات لكن تعقب بأن ما زائدة كافة لا نافية ومنها (إن) للتأكيد و (ما) كذلك فاجتمع تأكيدان فأفادا الحصر

стр. 2449

قاله السكاكي وتعقب بأنه لو كان اجتماع تأكيدين يفيد الحصر لأفاده نحو إن زيدا لقائم وأجيب بأن مراده لا يجتمع حرفا تأكيد متواليان إلا للحصر ومنها قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الأحقاف: ٢٣] ﴿قَالَ إِنَّمَا يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ [هود: ٣٣] ﴿قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي﴾ [الأعراف: ١٨٧] فإنه إنما تحصل مطابقة الجواب إذا كانت (إنما) للحصر ليكون معناها لا آتيكم به إنما يأتيكم به الله ولا أعلمها إنما يعلمها الله وكذا قوله تعالى: ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ (٤١) إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ﴾ [الشورى: ٤١، ٤٢] ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾ إلى قوله تعالى ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَاءُ﴾ [التوبة: ٩١، ٩٢، ٩٣] ﴿وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآَيَةٍ قَالُوا لَوْلَا اجْتَبَيْتَهَا قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي﴾ [الأعراف: ٢٠٣] ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ [النحل: ٨٢] ولا يستقيم المعنى في هذه الآيات ونحوها إلا بالحصر وأحسن ما تستعمل (إنما) في موضع التعريض نحو قوله تعالى ﴿إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [الرعد: ١٩، الزمر: ٩]

стр. 2450

الثالث (أنما) بالفتح عدها من طرق الحصر الزمخشري والبيضاوي فقالا في قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [الأنبياء: ١٠٨] أنما لقصر الحكم على شيء أو لقصر الشيء على حكم نحو إنما زيد قائم، إنما زيد يقوم وقد اجتمع الأمران في هذه الآية لأن إنما يوحى إلي مع فاعله بمنزلة إنما يقوم زيد وإنما إلهكم بمنزلة إنما زيد قائم وفائدة اجتماعهما الدلالة على أن الوحي إلى الرسول ﷺ مقصور على استئثار الله جل شأنه بالوحدانية وصرح التنوخي في الأقصى القريب بكونها للحصر فقال كلما وجب (إنما) بالكسر للحصر أوجب أن (أنما) بالفتح للحصر لأنها فرع عنها وما ثبت للأصل ثبت للفرع ما لم يثبت مانع منه والأصل عدمه ورد أبو حيان على الزمخشري ما زعمه بأنه يلزم انحصار الوحي في الوحدانية وأجيب بأنه حصر مجازي باعتبار ....

стр. 2451

المقام الرابع العطف (بلا) أو (بل) ذكره أهل البيان ولم يحكوا فيه خلافا بل هذا النوع من أنواع الحصر أول ما بدئ به في (تلخيص المفتاح) ونازل فيه الشيخ بهاء الدين في عروس الأفراح فقال أي قصر في العطف بلا غنما فيه نفي وإثبات فقولك زيد شاعر لا كاتب لا تعرض فيه لنفي صفة ثالثة والقصر إنما يكون بنفي جميع الصفات غير المثبت حقيقة أو مجازا وليس هو خاصا بنفي الصفة التي يعتقدها المخاطب وأما العطف بـ (بل) فأبعد منه لأنه لا يستمر فيها النفي والإثبات الخامس تقديم المعمول نحو ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة: ٤] ﴿لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ﴾ [آل عمران: ١٥٨] وخالف فيه قوم وسيأتي بسط الكلام فيه قريبا السادس ضمير الفصل نحو قوله تعالى ﴿فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ﴾ [الشورى: ٩] أي لا غيره ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [البقرة: ٥] ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ﴾ [آل عمران: ٦٢] ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾ [الكوثر: ٣] ومما ذكر أنه للحصر البيانوني في بحث المسند إليه واستدل له السهيلي

стр. 2452

بأنه أتى به في كل موضع ادعى فيه نسبة ذلك المعنى إلى غير الله ولم يؤت به حيث لم يدع وذلك في قوله تعالى ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى﴾ [النجم: ٤٣] إلى آخر الآيات فلم يؤت به في قوله تعالى ﴿وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ﴾ [النجم: ٤٥] ﴿وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ﴾ [النجم: ٤٧] ﴿وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى﴾ [النجم: ٥٠] لأن ذلك لم يدع لغير الله وأتى به في الباقي لادعائه لغيره قال في عروس الأفراح: وقد استنبطت دلالته على الحصر من قوله تعالى ﴿فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة: ١١٧] لأنه لو لم يكن للحصر لما حسن لأن الله تعالى لم يزل رقيبا عليهم وإنما الذي حصل بتوفيته أنه لم يبق لهم رقيب غير الله تعالى ومن قوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [الحشر: ٢٠] فإنه ذكر الحد لتبيين عدم الاستواء وذلك لا يحسن إلا بأن يكون الضمير للاختصاص.

стр. 2453

السابع: تقديم المسند إليه على «ما» قال الشيخ عبد القاهر: قد يقدم المسند إليه ليفيد تخصيصه بالخبر الفعلي./. والحاصل على رأسه أن له أحوالًا: أحدها: أن يكون المسند إليه معرفة والمسند مثبتًا؛ فيأتي للتخصيص؛ نحو أنا قمت، وأنا سعيت في حاجتك؛ فإن قصد به الإفراد أكد بنحو: وحدي؛ أو قصر القلب، أكد بنحو: لا غيري. ومنه قوله تعالى: ﴿بل أنتم بهديتكم تفرحون﴾ [النحل: ٣٦]، فإن ما قبله من قوله: ﴿أتمدونن بمال﴾ [النمل: ٣٦] ولفظ «بل» مشعر بالإضراب يقضي بأن المراد: «بل أنتم» لا غيركم، فإنه المقصود نفي فرحه هو بالهدية لا إثبات الفرح لهم بهديتهم. قاله في: «عروس الأفراح». قال: وكذا قوله: ﴿لا تعلمهم نحن نعلمهم﴾ [التوبة: ١٠١]، أي لا يعلمهم إلا نحن. وقد يأتي للتقوية والتأكيد دون التخصيص. قال الشيخ بهاء الدين: ولا يتميز ذلك إلا بما يقتضيه الحال وسياق الكلام. ثانيها: أن يكون المسند منفيًا، نحو: أنت لا تكذب، فإنه أبلغ في نفي

стр. 2454

الكذب من: لا تكذب، ومن: لا تكذب أنت. وقد يفيد التخصيص، ومنه: ﴿فهم لا يتساءلون﴾ [القصص: ٦٦]. ثالثها: أن يكون المسند إليه نكرة مثبتاً، / نحو: رجل جاءني، فيفيد التخصيص: إما بالجنس، أي: لا امرأة، أو الوحدة، إي: لا رجلان. رابعها: أن يلي المسند إليه حرف النفي فيفيده، نحو: ما أنا قلت هذا، أي: لم أقله مع أن غيري قاله. ومنه: ﴿وما أنت علينا بعزيز﴾ [هود: ٩١]، أي: العزيز علينا رهطك، لا أنت، ولذا قال: ﴿أرهطي أعز عليكم من الله﴾ [هود: ٩٢]. هذا حاصل رأي الشيخ عبد القاهر. ووافقه السكاكي، وزاد شروطاً وتفاصيل ليست واضحة في الاختصاص. وإن اقتضى الحال وكان مفهوم الكلام الاختصاص، فالمقصود أن الحصر والاختصاص مستفاد من جوهر اللفظ، وما ذكره بعيد عن ذلك، ورجعنا إلى الأشياء المفيدة للحصر. الثامن: تقديم المسند. ذكر ابن الأثير وابن النفيس وغيرهما أن

стр. 2455

تقديم الخبر على المبتدأ يفيد الاختصاص. ورده صاحب «الفلك الدائر»؛ بأنه لم يقل به أحد. وهو ممنوع، فقد صرح السكاكي وغيره؛ بأن تقديم ما رتبته التأخير يفيده. ومثلوه بنحو تميمي أنا. وإفادة الاختصاص من تقديم المسند واضحة ظاهرة. التاسع: ذكر المسند إليه، ذكر السكاكي أنه قد يذر ليفيد التخصيص.
следующие страницы →