Полный текст (4 238 стр.). Показаны 2486–2525 · переход к 2491.
стр. 2486
قال الكندي: ذهب كثير من العلماء في قوله تعالى: ﴿هل يسمعونكم إذ تدعون (٧٢) أو ينفعونكم﴾ [الشعراء: ٧٢، ٧٣]. إلى أن «هل» تشارك الهمزة في معنى التقرير والتوبيخ؛ إلا أني رأيت أبا علي أبي ذلك، وهو معذور فإن ذلك من قبيل الإنكار. ونقل أبو حيان عن سيبويه أن استفهام التقرير لا يكون بـ «هل»، إنما يستعمل فيه الهمزة.
ثم نقل بعضهم أن «هل» تأتي تقريراً كما في قوله تعالى: ﴿هل في ذلك قسم لذي حجرٍ (٥)﴾ [الفجر: ٥].
والكلام مع التقرير موجب، ولذلك يعطف عليه صريح الموجب، ويعطف على صريح الموجب، فالأول: كقوله تعالى: ﴿ألم نشرح لك صدرك (١) ووضعنا عنك وزرك (٢)﴾ [الشرح: ١، ٢]، وقوله: ﴿ألم يجدك يتيماً فأوى (٦) ووجدك﴾ [الضحى: ٦، ٧]، ﴿ألم يجعل كيدهم في تضليل (٢) وأرسل﴾ [الفيل: ٢، ٣].
والثاني: نحو: ﴿أكذبتم بآياتي ولم تحيطوا بها علماً﴾ [النمل: ٨٤] على ما قرره الجرجاني من جعلها مثل قوله : ﴿وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلماً وعلواً﴾ [النمل: ١٤].
стр. 2487
وحقيقة استفهام التقرير، أنه استفهام إنكار، والإنكار نفي، ونفي النفي إثبات، ومن/ أمثلته قوله تعالى: ﴿أليس الله بكافٍ عبده﴾ [الزمر: ٣٦]، ﴿ألست بربكم﴾ [الأعراف: ١٧٢]؛ وجعل منه الزمخشري ﴿ألم تعلم أن الله على كل شيءٍ قدير﴾ [البقرة: ١٠٦].
الرابع: التعجب أو التعجيب، نحو قوله تعالى: ﴿كيف تكفرون بالله﴾ [البقرة: ٢٨]، ﴿مالي لا أرى الهدهد﴾ [النمل: ٢٠]. وقد اجتمع هذا القسم وسابقاه في قوله تعالى: ﴿أتأمرون الناس بالبر﴾ [البقرة: ٤٤].
قال الزمخشري: الهمزة للتقرير مع التوبيخ والتعجب من حالهم. ويحتمل التعجب والاستفهام الحقيقي في ﴿ما ولاهم عن قبلتهم﴾ [البقرة: ١٤٢].
الخامس: العتاب، كقوله تعالى: ﴿ألم يأن للذين امنوا أن تخشع قلوبهم لذرك الله﴾ [الحديد: ١٦].
قال ابن مسعود: ما كان بين إسلامهم وبين أن عوتبا بهذه الآية/ إلا أربع سنين، أخرجه الحاكم.
ومن ألطفه ما عاتب الله به خير خلقه ﷺ بقوله عز من قائل: ﴿عفا الله عنك لم أذنت لهم﴾ [التوبة: ٤٣]، ولم يتأدب الزمخشري بأدب الله في هذه الآية، على عادته في سوء الأدب.
стр. 2488
السادس: التذكير، وفيه نوع اختصار، كقوله تعالى: ﴿ألم أعهد إليكم يا بني ادم أن لا تعبدوا الشيطان﴾ [يس: ٦٠]، ﴿ألم أقل لكم إني أعلم غيب السماوات والأرض﴾ [البقرة: ٣٣]، ﴿هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه﴾ [يوسف: ٨٩].
السابع: الافتخار، نحو قوله تعالى حكاية عن فرعون: ﴿أليس لي ملك مصر﴾ [الزخرف: ٥١].
الثامن: التفخيم، نحو قوله تعالى: ﴿مال هذا الكتاب لا يغادر صغيرةً ولا كبيرةً﴾ [الكهف: ٤٩].
التاسع: التهويل والتخويف، نحو قوله تعالى: ﴿الحاقة (١) ما الحاقة (٢)﴾ [الحاقة: ١، ٢] وقوله تعالى: ﴿القارعة (١) ما القارعة (٢)﴾ [القارعة: ١، ٢].
العاشر: عكسه، وهو التسهيل والتخفيف، نحو قوله تعالى: ﴿وماذا عليهم لو امنوا بالله﴾ [النساء: ٢٩].
الحادي عشر: التهديد والوعيد، نحو قوله تعالى: ﴿ألم نهلك الأولين (١٦)﴾ [المرسلات: ١٦].
الثاني عشر: التكثير، نحو قوله تعالى: ﴿وكم من قريةٍ أهلكنها﴾ [الحج: ٤٥].
الثالث عشر: التسوية، وهو الاستفهام الداخل على جملة يصح حلول المصدر محلها، نحو قوله تعالى: ﴿سواء عليهم أنذرتهم أم لم تنذرهم﴾ [البقرة: ٦].
الرابع عشر: الأمر، نحو قوله تعالى: ﴿أسلمتم﴾ [آل عمران: ٢٠] أي أسلموا، وقوله تعالى: ﴿فهل أنتم منتهون﴾ [المائدة: ٩١] أي انتهوا، وقوله تعالى: ﴿أتصبرون﴾ [الفرقان: ٢٠] أي: اصبروا.
الخامس عشر: التنبيه، وهو من أقسام الأمر، نحو قوله تعالى: ﴿ألم تر إلى ربك كيف مد الظل﴾ [الفرقان: ٤٥] أي انظر، وقوله تعالى: ﴿ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فتصبح الأرض مخضرةً﴾ [الحج: ٦٣]. ذكره صاحب الكشاف عن سيبويه، ولذلك رفع الفعل في جوابه. وجعل منه قوم: ﴿فأين
стр. 2489
تذهبون (٢٦)﴾ [التكوير: ٢٦] للتنبيه على الضلال، وكذا قوله تعالى: ﴿ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه﴾ [البقرة: ١٣٠].
السادس عشر: الترغيب، نحو قوله تعالى: ﴿من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً﴾ [البقرة: ٢٤٥]، وقوله تعالى: ﴿هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذابٍ آليم﴾ [الصف: ١٠].
السابع عشر: النهي، نحو قوله تعالى: ﴿أتخشونهم فالله أحق أن تخشوه﴾ [التوبة: ١٣] بدليل قوله تعالى: ﴿فلا تخشوا الناس واخشون﴾ [المائدة: ٤٤]، وقوله تعالى: ﴿ما غرك بربك الكريم﴾ [الانفطار: ١٦] أي لا تغتر.
الثامن عشر: الدعاء، وهو كالنهي، إلا أنه من الأدنى إلى الأعلى، نحو قوله تعالى: ﴿أتهلكنا بما فعل السفهاء منا﴾ [الأعراف: ١٥٥] أي لا تهلكنا.
التاسع عشر: الاسترشاد، نحو قوله تعالى: ﴿أتجعل فيها من يفسد فيها﴾ [البقرة: ٣٠].
العشرون: التمني، نحو قوله تعالى: ﴿فهل لنا من شفعاء﴾ [الأعراف: ٥٣].
الحادي والعشرون: الاستبطاء، نحو قوله تعالى: ﴿متى نصر الله﴾ [البقرة: ٢١٤].
الثاني والعشرون: العرض، نحو قوله تعالى: ﴿ألا تحبون أن يغفر الله لكم﴾ [النور: ٢٢].
الثالث والعشرون: التخضيض، نحو قوله تعالى: ﴿ألا تقاتلون قوماً نكثوا أيمانهم﴾ [التوبة: ١٣].
стр. 2490
الرابع والعشرون: التجاهل، نحو قوله تعالى: ﴿أءنزل عليه الذكر من بيننا﴾ [ص: ٨].
الخامس والعشرون: التعظيم، نحو قوله تعالى: ﴿من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه﴾ [البقرة: ٢٥٥].
السادس والعشرون: التحقير، نحو قوله تعالى: ﴿أهذا الذي يذكر الهتكم﴾ [الأنبياء: ٣٩]، وقوله تعالى: ﴿أهذا الذي بعث الله رسولاً﴾ [الفرقان: ٤١]، ويحتمله وما قبله قراءة: ﴿من فرعون﴾ [الدخان: ٣١].
السابع والعشرون: الاكتفاء، نحو قوله تعالى: ﴿أليس في جهنم مثوى للمتكبرين﴾ [الزمر: ٦٠].
الثامن والعشرون: / الاستبعاد، نحو قوله تعالى: ﴿أنى لهم الذكرى﴾ [الفجر: ٢٣].
التاسع والعشرون: الإيناس، نحو قوله تعالى: ﴿وما تلك بيمينك يا موسى (١٧)﴾ [طه: ١٧].
الثلاثون: التهكم والاستهزاء، نحو قوله تعالى: ﴿أصلوتك تأمرك﴾ [هود: ٨٧]، وقوله تعالى: ﴿ألا تأكلون ما لكم لا تنطقون (٩٢)﴾ [الصافات: ٩١، ٩٢].
الحادي والثلاثون: التأكيد لما سبق من معنى إرادة الاستفهام قبله كقوله تعالى: ﴿أفمن حق عليه كلمة العذاب أفأنت تنقذ من في النار (١٩)﴾ [الزمر: ١٩]،
стр. 2491
قال الموفق عبد اللطيف البغدادي: أي من حق عليه كلمة العذاب فإنك لا تنقذه، فـ «من» للشرط، و «الفاء» جواب الشرط، والهمزة في «أفأنت» دخلت معادة مؤكدة لطول الكلام، وهذا نوع من أنواعها.
وقال الزمخشري: الهمزة الثانية هي الأولى، كررت لتوكيد معنى الإنكار والاستبعاد.
الثاني والثلاثون: الأخبار، نحو قوله تعالى: ﴿أفي قلوبهم مرض أم ارتابوا﴾ [النور: ٥٠]، وقوله تعالى: ﴿هل أتى على الإنسان﴾ [الإنسان: ١].
تنبيهات:
الأول: هي أن يقال: أن معنى الاستفهام في هذه الأشياء موجود، وانضم إليه معنى آخر، أو مجرد عن الاستفهام بالكلية؟ قال في «عروس الأفراح»: محل نظر؛ قال: والذي يظهر الأول، قال: ويساعده قول التنوخي في «الأقصى القريب»: أن «لعل» تكون للاستفهام مع بقاء الترجي.
قال: ومما يرجحه أن الاستبطاء في قولك: كم أدعوك! معناه أن الدعاء وصل إلى حد لا أعلم عدده، فأنا أطلب أن أعلم عدده، والعادة تقضي بأن الشخص إنما يستفهم عن عدد ما صدر منه إذا كثر فلم يعلمه، وفي طلب فهم عدده ما يشعر بالاستبطاء.
стр. 2492
وأما التعجب فالاستفهام معه مستمر، فمن تعجب من شيء فهو بلسان الحال سائل عن سببه، فكأنه يقول: أي شيء عرض في حال عدم رؤية الهدهد! وقد صرح في الكشاف ببقاء الاستفهام في هذه الآية.
وأما التنبيه على الضلال، فالاستفهام فيه حقيقي، لأن معنى: «أين تذهب»؟ أخبرني إلى أي مكان تذهب، فإني لا أعرف ذلك؟ وغاية الضلال لا يشعر بها إلى أين تنتهي.
وأما التقرير فإن قلنا: المراد به الحكم بثبوته فهو خبر بأن المذكور عقيب الأداة واقع. أو طلب إقرار المخاطب به مع كون السائل يعلم، فهو استفهام يقرر المخاطب؛ أي يطلب منه أن يكون مقراً به، وفي كلام أهل الفن ما يقتضي الاحتمالين، والثاني أظهر، وفي «الإيضاح» تصريح به، ولا بدع في صدور الاستفهام ممن يعلم/ المستفهم منه؛ لأنه طلب الفهم؛ أما طلب فهم المستفهم، أو وقوع فهم لمن لم يفهم كائناً من كان.
وبهذا تنحل إشكالات كثيرة في مواضع الاستفهام ويظهر بالتأمل بقاء معنى الاستفهام مع كل أمر من الأمور المذكورة. انتهى.
الثاني: القاعدة أن المنكر يجب أن يلي الهمزة، وأشكل عليها قوله تعالى: ﴿أفاصفاكم ربكم بالبنين﴾ [الإسراء: ٤٠]، فإن الذي يليها هنا الإصفاء بالبنين، وليس هو المنكر، إنما المنكر قولهم: إنه اتخذ من الملائكة إناثاً.
стр. 2493
وأجيب: بأن لفظ الإصفاء يشعر بزعم أن البنات لغيرهم، أو بأن المراد مجموع الجملتين؛ وينحل منهما كلام واحد. والتقدير: أجمع بين الإصفاء بالبنين واتخاذ البنات!
وأشكل منه قوله تعالى: ﴿أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم﴾ [البقرة: ٤٤] ووجه الإشكال: أنه لا جائز أن يكون المنكر أمر الناس بالبر فقط. كما تقتضيه القاعدة المذكورة؛ لأن أمر البر ليس مما ينكر، ولا نسيان النفس فقط؛ لأنه يصير ذكر أمر الناس بالبر لا مدخل له، ولا مجموع الأمرين؛ لأنه يلزم أن تكون العبادة جزء المنكر، ولا نسيان النفس بشرط الأمر؛ لأن النسيان منكر مطلقاً، ولا يكون نسيان النفس حال الأمر أشد منه حال عدم الأمر؛ لأن المعصية لا تزداد بشاعتها بانضمامها إلى الطاعة؛ لأن جمهور العلماء على أن الأمر بالبر واجب؛ وإن كان الإنسان ناسياً لنفسه وأمره لغيره بالبر كيف يضاعف/ بمعصية نسيان [النفس]، ولا يأتي الخير بالشر.
قال في «عروس الأفراح» ويجاب بأن فعل المعصية مع النهي عنها أفحش؛ لأنها تجعل حال الإنسان كالمتناقض، وتجعل القول كالمخالف للفعل، ولذلك كانت المعصية مع العلم أفحش منها مع الجهل، قال: ولكن الجواب عن أن الطاعة كيف تضاعف المعصية المقارنة لها من جنسها؟ فيه دقة.
فصل:
من أقسام الإنشاء: الأمر: وهو طلب فعل غير كف. وصيغته: «افعل»،
стр. 2494
و «ليفعل». وهي حقيقة في الإيجاب نحو قوله تعالى: ﴿أقيموا الصلوة﴾ [البقرة: ٤٣]، وقوله تعالى: ﴿فليصلوا معك﴾ [النساء: ١٠٢]. ويرد مجازاً لمعان أخر:
(١) - منهما الندب، نحو قوله تعالى: ﴿وإذا قرئ القرءان فاستمعوا له وأنصتوا﴾ [الأعراف: ٢٠٤].
(٢) والإباحة، نحو قوله تعالى: ﴿فكاتبوهم﴾ [النور: ٣٣] نص الشافعي على أن الأمر فيه للإباحة؛ ومنه قوله تعالى: ﴿وإذا حللتم فاصطادوا﴾ [المائدة: ٢].
стр. 2495
(٣) والدعاء من السافل للعالي، نحو قوله تعالى: ﴿رب اغفر لي﴾ [الأعراف: ١٥١، نوح ٢٨].
(٤) والتهديد، نحو قوله تعالى: ﴿اعملوا ما شئتم﴾ [فصلت: ٤٠]، إذ ليس المراد الأمر بكل عمل شاؤوا.
(٥) والإهانة، نحو قوله تعالى: ﴿ذق إنك أنت العزيز الكريم (٤٩)﴾ [الدخان: ٤٩].
(٦) والتسخير، أي التذليل، نحو قوله تعالى: ﴿كونوا قردةً﴾ [البقرة: ٦٥]؛ عبر عن نقلهم من حالة إلى حالة إذلالاً لهم، فهو أخص من الإهانة.
(٧) والتعجيز عن قوله تعالى: ﴿فأتوا بسورةٍ من مثله﴾ [البقرة: ٢٤]؛ إذ ليس المراد طلب ذلك منهم، بل إظهار عجزهم.
(٨) والامتنان، نحو قوله تعالى: ﴿كلوا من ثمره إذا أثمر﴾.
(٩) والعجب، نحو قوله تعالى: ﴿انظر كيف ضربوا لك الأمثال﴾ [الإسراء: ٤٨].
(١٠) والتسوية، نحو قوله تعالى: ﴿فاصبروا أو لا تصبروا﴾ [الطور: ١٦].
стр. 2496
(١١) والإرشاد، نحو قوله تعالى: ﴿وأشهدوا إذا تبايعتم﴾ [البقرة: ٢٨٢].
(١٢) والاحتقار، نحو قوله تعالى: ﴿ألقوا ما أنتم ملقون﴾ [يونس: ٨٠].
(١٣) والإنذار، نحو قوله تعالى: ﴿قل تمتعوا﴾ [إبراهيم: ٣٠].
(١٤) والإكرام، نحو قوله تعالى: ﴿ادخلوها بسلامٍ امنين (٤٦)﴾ [الحجر: ٤٦].
(١٥) والتكوين، وهو أعم من التسخير، نحو قوله تعالى: ﴿كن فيكون﴾ [النحل: ٤٠].
(١٦) والإنعام، وهو تذكير النعمة، نحو قوله تعالى: ﴿كلوا مما رزقكم الله﴾ [الأنعام: ١٤٢].
(١٧) والتكذيب، نحو قوله تعالى: ﴿قل فأتوا بالتوراة فاتلوها﴾ [آل عمران: ٩٣]، وقوله تعالى: ﴿قل هلم شهداءكم الذين يشهدون أن الله حرم هذا﴾ [الأنعام: ١٥٠].
(١٨) والمشورة، نحو قوله تعالى: ﴿فانظر ماذا ترى﴾ [الصافات: ١٠٢].
стр. 2497
(١٩) والاعتبار، نحو قوله تعالى: ﴿انظروا إلى ثمره إذا أثمر﴾ [الأنعام: ٩٩].
(٢٠) والتعجب، نحو قوله تعالى: ﴿أسمع بهم وأبصر﴾ [مريم: ٣٨]، ذكره السكاكي في استعمال الإنشاء بمعنى الخبر.
فصل: ومن أقسامه: «النهى» .
وهو طلب الكف عن فعل، وصيغته «لا تفعل»، وهي حقيقة في التحريم وترد مجازاً لمعانٍ منها:
стр. 2498
١ - الكراهة، نحو قوله تعالى: ﴿ولا تمش في الأرض مرحاً﴾ [الإسراء: ٣٧].
٢ - والدعاء، نحو قوله تعالى: ﴿ربنا لا تزغ قلوبنا﴾ [آل عمران: ٨].
٣ - والإرشاد، نحو قوله تعالى: ﴿لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم﴾ [المائدة: ١٠١].
٤ - والتسوية، نحو قوله تعالى: ﴿أو لا تصبروا﴾ [الطور: ١٦].
٥ - والاحتقار والتقليل، نحو قوله تعالى: ﴿ولا تمدن عينيك﴾ الآية [الحجر: ٨٨]، أي فهو قليل حقير.
٦ - وبيان العاقبة، نحو قوله تعالى: ﴿ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياء﴾ [آل عمران: ١٦٩]. أي عاقبة الجهاد الحياة، لا الموت.
٧ - واليأس، نحو قوله تعالى: ﴿لا تعتذروا﴾ [التوبة: ٦٤].
٨ - والإهانة: نحو قوله تعالى: ﴿اخسئوا فيها ولا تكلمون﴾ [المؤمنون: ١٠٨].
فصل:
ومن أقسامه؛ التمني . وهو طلب حصول شيء على سبيل المحبة. ولا يشترط إمكان المتمني، بخلاف المترجى، لكن نوزع في تسمية تمني الحال طلباً بأن مالاً يتوقع كيف يطلب؟
قال في «عروس الأفراح»: فالأحسن ما ذكره الإمام وأتباعه من أن التمني والترجي والنداء والقسم، ليس فيها طلب، بل هو تنبيه ولا بدع في
стр. 2499
تسميته إنشاء. انتهى. وقد بالغ قوم فجعلوا التمني من قسم الخبر، وأن معناه النفي، والزمخشري من جزم بخلافه. ثم استشكل دخول التكذيب [في جوابه] في قوله تعالى: ﴿ياليتنا نرد ولا نكذب ... ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿ ... وإنهم لكاذبون﴾ [الأنعام: ٢٧، ٢٨]، وأجاب بتضمنه معنى العدة فتعلق به التكذيب.
وقال غيره: التمني لا يصح فيه الكذب، وإنما الكذب في المتمني/ الذي يترجح/ عند صاحبه وقوعه، فهو إذن وارد على ذلك الاعتقاد الذي هو ظن، وهو خبر صحيح.
قال: وليس المعنى في قوله تعالى: ﴿ ... وإنهم لكاذبون﴾ [الأنعام: ٢٨] أن ما تمنوا ليس بواقع؛ لأنه ورد في معرض الذم لهم، وليس في ذلك المتمني ذم، بل التكذيب ورد على إخبارهم عن أنفسهم أنهم لا يكذبون وأنهم يؤمنون.
وحرف التمني الموضوع له «ليت»، نحو قوله تعالى: ﴿ياليتنا نرد﴾، وقوله تعالى: ﴿ياليت قومي يعلمون﴾ [يس: ٢٦] وقوله تعالى: ﴿يا ليتني كنت معهم فأفوز﴾ [النساء: ٧٣]. وقد يتمنى بـ «هل» حيث يعلم فقده، نحو قوله تعالى: ﴿فهل لنا من شفعاء فيشفعوا لنا﴾ [الأعراف: ٥٣].
стр. 2500
وبـ «لو» نحو قوله تعالى: ﴿لو أن لنا كرةً فنتبرأ﴾ [البقرة: ١٦٧]. ولذا نصب الفعل في جوابها.
وقد يتمنى بـ «لعل» في البعيد، فتعطي حكم «ليت» في نصب الجواب؛ نحو قوله تعالى: ﴿لعلي أبلغ الأسباب (٣٦) أسباب السماوات فأطلع﴾ [غافر: ٣٦، ٣٧].
فصل:
ومن أقسامه: الترجي . نقل القرافي - رحمه الله تعالى - في «الفروق»، الإجماع على إنه إنشاء، وفرق بينه وبين التمني بأنه في الممكن والتمني فيه وفي المستحيل، وبأن الترجي في القريب والتمني في البعيد، وبأن الترجي في المتوقع والتمني في غيره، وبأن التمني في المعشوق للنفس والترجي في غيره.
قال الحافظ السيوطي - رحمه الله تعالى: - وسمعت شيخنا العلامة
стр. 2501
الكافيجي يقول: الفرق بين التمني وبين العرض، هو الفرق بينه وبين الترجي.
وحرف الترجي «لعل» و «عسى». وقد ترد مجازاً لتوقع محذور، ويسمى الإشفاق، نحو قوله تعالى: ﴿لعل الساعة قريب﴾ [الشورى: ١٧].
فصل:
يجوز تقدير الشرط بعد التمني ، والاستفهام، والأمر، والنهي كثيراً.
ويجوز تقديره بعد غيرها بقرينة دالة على ذلك، نحو قوله تعالى: ﴿أم اتخذوا من دونه أولياء فالله هو الولي﴾ [الشورى: ٩]، أي: إن أرادوا أن يتخذوا ولياً بحق فإنه هو الذي يجب أن يتولى وحده ويعتقد أنه المولى والسيد.
فصل:
ومن أقسامه: النداء . وهو طلب إقبال المدعو على الداعي بحرف نائب
стр. 2502
مناب «أدعو». ويصحب في الأكثر الأمر والنهي، والغالب تقدمه، نحو قوله تعالى: ﴿يا أيها الناس اعبدوا ربكم﴾ [البقرة: ٢١]، وقوله تعالى: ﴿يا عباد فاتقون﴾ [الزمر: ١٦]، وقوله تعالى: ﴿يا أيها المزمل (١) قم الليل﴾ [المزمل: ١، ٢]، وقوله تعالى: ﴿ويا قوم استغفروا ربكم﴾ [هود: ٥٢]، وقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين أمنوا لا تقدموا﴾ [الحجرات: ١]، وقد يتأخر، نحو قوله تعالى: ﴿وتوبوا إلى الله جميعاً أية المؤمنون﴾ [النور: ٣١]، وقد تصحب الجملة الخبرية فتعقبها جملة الأمر، نحو قوله تعالى: ﴿يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له﴾ [الحج: ٧٣]، وقوله تعالى: ﴿ويا قوم هذه ناقة الله لكم أيةً فذروها﴾ [هود: ٦٤] وقد لا تعقبها، نحو قوله تعالى: ﴿يا عباد لا خوف عليكم اليوم﴾ [الزخرف: ٦٨]، وقوله تعالى: ﴿يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله﴾ [فاطر: ١٥] وقوله تعالى: ﴿يا أبت هذا تأويل رءيي﴾ [يوسف: ١٠٠]. وقد تصحبه الاستفهامية، نحو قوله تعالى: ﴿ياأبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر﴾ [مريم: ٤٢] وقوله تعالى ﴿يا أيها النبي لم تحرم﴾ [التحريم: ١]، وقوله تعالى: ﴿وياقوم ما لي أدعوكم إلى النجاة﴾ [غافر: ٤١].
وقد ترد صورة النداء لغيره مجازاً، كالإغراء والتحذير، وقد اجتمعا في قوله تعالى: ﴿ناقة الله سقياها﴾ [الشمس: ١٣].
стр. 2503
والاختصاص، كقوله تعالى: ﴿رحمت الله وبركاته عليكم أهل البيت﴾ [هود: ١٧].
والتنبيه، كقوله تعالى: ﴿ألا يسجدوا﴾ [النمل: ٢٥].
والتعجب، كقوله تعالى: [يا حسرةً على العباد﴾ [يس: ٢٠].
والتحسر، كقوله تعالى: ﴿يا ليتني كنت تراباً﴾ [النبأ: ٤٠].
قاعدة:
وأصل النداء بـ «يا» أن يكون للبعيد حقيقة أو حكماً، وقد ينادي به القريب لنكت:
- منها إظهار الحرص في وقوعه على إقبال المدعو، نحو قوله تعالى: ﴿يا موسى أقبل﴾ [القصص: ٣١].
- ومنها كون الخطاب المتلو معتنى به، نحو قوله تعالى: ﴿يا أيها الناس اعبدوا ربكم﴾ [البقرة: ٢١].
- ومنها قصد تعظيم شأن المدعو، نحو قوله تعالى: ﴿يا رب﴾ وقد قال تعالى: ﴿فإني قريب﴾ [البقرة: ١٨٦].
стр. 2504
- ومنها قصد انحطاطه كقوله تعالى حكاية عن فرعون: ﴿إني لأظنك يا موسى مسحوراً﴾ [الإسراء: ١٠١].
فائدة:
قال الزمخشري وغيره: كثر في القرآن النداء بـ «يأيها» دون غيره؛ لأن فيه أوجهاً من التأكيد، وأسباباً من المبالغة. / منها ما في «يا» من التأكيد والتنبيه، وما في «ها» من التنبيه، وما في التدرج من الإيهام في «أي» إلى التوضيح والمقام يناسب المبالغة والتأكيد؛ لأن كل ما نادى له عباده من أوامره ونواهيه وعظاته وزواجره ووعده ووعيده، ومن اقتصاص أخبار الأمم الماضية وغير ذلك مما أنطق الله تعالى به كتابه أمور عظام، وخطوب جسام، ومعانٍ واجب عليهم أن يتيقظوا لها، ويميلوا بقلوبهم وبصائرهم إليها وهم [عنها] غافلون، فاقتضى الحال أن ينادوا بالآكد والأبلغ.
فصل:
ومن أقسامه: القسم .
نقل القرافي الإجماع على أنه إنشاء. وفائدته: تأكيد الجملة الخبرية وتحقيقها عند السامع.
стр. 2505
النوع السابع عشر بعد المائة
علم فصله ووصله
стр. 2506
النوع السابع عشر بعد المائة
علم فصله ووصله
ولم يذكر هذا النوع الحافظ السيوطي - رحمه الله تعالى - في «الإتقان». قال القزويني في «تلخيص المفتاح»: الوصل: عطف بعض الجمل على بعض، والفصل: تركه، فإذا أتت جملة ...........................
стр. 2507
[بعد جملة]؛ فالأولى: أما أن يكون لها محل من الإعراب، أو لا يكون، وعلى كون لها محل من الإعراب: إن قصد تشريك الثانية لها في حكمه عطفت عليها كالمفرد، فشرط كونه مقبولاً بالواو ونحوه أن يكون بينهما جهة جامعة، نحو: زيد يكتب ويشعر، أو يعطي، ويمنع، ولهذا/ عيب على أبي تمام قوله:
لا والذي هو عالم أن النوى ... صبر وأن أبا الحسين كريم
وألا فصلت عنها، نحو قوله تعالى: ﴿وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا
стр. 2508
معكم إنما نحن مستهزءون () الله يستهزئ بهم﴾ [البقرة: ١٤، ١٥]، لم يعطف: ﴿الله يستهزئ بهم﴾ على قوله: ﴿إنا معكم﴾، لأنه ليس من مقولهم.
وعلى الثاني: أن قصد ربطها بها، على معنى عاطف سوى «الواو»، عطفت به نحو: دخل زيد فخرج - أو ثم خرج - عمرو، إذا قصد التعقيب أو المعلة. ﴿ونادى نوح ربه فقال رب﴾ [هود: ٤٥]، ﴿وكم من قريةٍ أهلكنها فجأءها بأسنا بياتاً أو هم قائلون (٤)﴾ [الأعراف: ٤]، ﴿ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فتصبح الأرض مخضرةً﴾ [الحج: ٦٣]، ﴿ثم أماته فأقبره (٢١) ثم إذا شاء أنشره (٢٢)﴾ [عبس: ٢١، ٢٢]. وإلا فإن كان للأولى حكم [لم] يقصد إعطاؤه للثانية فالفصل، نحو قوله تعالى: ﴿وإذا خلوا إلى شياطينهم﴾ الآية [البقرة: ١٤]، لم يعطف: ﴿الله يستهزئ بهم﴾ على «قالوا»، لئلا يشاركه في الاختصاص بالظرف، لما مر وإلا فإن كان بينهما كمال الانقطاع بلا إبهام، أو كمال الاتصال، أو شبه أحدهما، فكذلك، وإلا فالوصل.
أما كمال الانقطاع فلاختلافهما خبراً أو إنشاء لفظاً ومعنى، نحو:
وقال رائدهم أرسوا نزاولها ... ........................
стр. 2509
أو معنى، نحو: مات فلان - رحمه الله تعالى-، أو لأنه لا جامع بينهما - كما سيأتي.
وأما كمال الاتصال، فلكون الثانية مؤكدة للأولى، لدفع توهم تجوز أو غلط، نحو ﴿لا ريب فيه﴾ [البقرة: ٢]، لما بولغ في وصفه ببلوغه الدرجة القصوى في الكمال، بجعل المبتدأ ﴿ذلك﴾ [البقرة: ٢]، وتعريف الخبر باللام، جاز أن يتوهم السامع قبل التأمل أنه مما يرمي به جزافاً فاتبعه
стр. 2510
نفياً لذلك، فوزانه وزان (نفسه) في: جاءني زيد نفسه، ونحو قوله تعالى: ﴿هدى للمتقين﴾ [البقرة: ٢]، فإن معناه: أنه في الهداية بالغ درجة لا يدرك كنهها حتى كأنه هداية محضة، وهذا معنى «ذلك الكتاب»؛ لأن معناه: الكتاب الكامل، والمراد بكماله: كماله في الهداية، لأن الكتب السماوية بحسبها تتفاوت في درجات الكمال؛ فوزانه وزان زيد الثاني في: جاءني زيد [زيد]. أو بدلاً منها لأنها غير وافية بتمام المراد أو كغير الوافية، بخلاف الثانية والمقام يقتضي اعتناء بشأنه لنكتة، ككونه مطلوباً في نفسه [أو] فظيعاً أو عجيباً أو لطيفاً، نحو قوله تعالى: ﴿أمدكم بما تعلمون (١٣٢) أمدكم بأنعام وبنين (١٣٣) وجناتٍ وعيونٍ (١٣٤)﴾ [الشعراء: ١٣٢ - ١٣٤]، فالمراد التنبيه على نعيم الله تعالى، والثاني أوفى بتأديته لدلالته عليها بالتفصيل من غير إحالة على علم/ المخاطبين المعاندين، فوزانه وزان وجهه
стр. 2511
في «أعجبني زيد وجهه» لدخول الثاني في الأول، ونحو:
أقول له ارحل لا تقيمن عندنا ... وإلا فكن في السر والجهر مسلماً
فإن المراد كمال إظهار الكراهة لإقامته، وقوله: لا تقيمن عندنا، أوفى بتأديته، لدلالته عليه بالمطابقة مع التأكيد، فوزانه وزان حسنها، في: أعجبني الدار حسنها، لأن عدم الإقامة مغاير للارتحال غير داخل فيه مع ما بينهما من الملابسة، أو بياناً لها لخفائها - نحو قوله تعالى:
стр. 2512
﴿فوسوس إليه الشيطان قال يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد وملكٍ لا يبلى (١٢٠)﴾ [طه: ١٢٠]، فإن وزانه وزان «عمر» في: أقسم بالله أبو حفص عمر. فقوله: «قال يا آدم» بدل من الوسوسة وبيان لها، فهو هي. وكذلك قوله تعالى: ﴿يسومونكم سوء العذاب يذبحون أبناءكم﴾ [البقرة: ٤٩] فجملة «يذبحون أبناءكم» بدل من «يسومونكم سوء العذاب» مبينة لها. وقد جاء في آية أخرى: ﴿ويذبحون أبناءكم﴾ [إبراهيم: ٦]، وليست فيها عاطفة، بل واو الحال، وإن جعلت عاطفة فعلى جعل «التذبيح» جنساً عظيماً كأنه خرج عن أنواع العذاب واستقل بنفسه حتى صح أن يعطف على العذاب. وأما كونها كالمنقطعة عنها فلكون عطفها عليها موهماً لعطفها على غيرها، ويسمى الفصل لذلك قطعاً، مثاله:
стр. 2513
وتظن سلمى أنني أبغي بها ... بدلاً أراها في الضلال تهيم
ويحتمل الاستئناف.
وأما كونها كالمتصلة بها فلكونها جواباً لسؤال اقتضته الأولى، فتنزل منزلته؛ فتفصل عنها كما يفصل الجواب عن السؤال. السكاكي: فينزل منزلة الواقع، لنكتة كإغناء السامع أن يسأل أو أن لا يسمع منه شيء، ويسمى الفصل لذلك استئنافاً، وكذا الثانية، وهو ثلاثة أضرب؛ لأن السؤال أما عن سبب الحكم مطلقاً نحو:
قال لي: كيف أنت، قلت: عليل ... سهر دائم وحزن طويل
стр. 2514
أي ما بالك عليلاً؟ وما سبب علتك؟
وأما عن سبب خاص، نحو قوله تعالى: ﴿وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء﴾ [يوسف: ٥٣] وهذا الضرب يقتضي تأكيد الحكم - كما مر.
وأما عن غيرهما، نحو قوله تعالى: ﴿قالوا سلاماً قال سلام﴾ [هود: ٦٩]، أي فماذا قال؟ وقوله:
زعم العواذل أنني في غمرة ... صدقوا ولكن غمرتي لا تنجلي
стр. 2515
وأيضاً منه ما يأتي بإعادة اسم ما استؤنف عنه نحو: أحسنت إلى زيد، زيد حقيق الإحسان.
ومنه ما يأتي على صفته، نحو: صديقك القديم أهل لذلك، وهذا أبلغ. وقد يحذف صدر الاستئناف، نحو قوله تعالى: ﴿يسبح له فيها بالغدو والأصال (٣٦) رجال﴾ [النور: ٣٦، ٣٧]، كأنه قيل: من يسبحه؟ فقال: رجال، وعليه: نعم الرجل زيد، على قول من يجعل زيد خبر مبتدأ محذوف تقديره: هو زيد.
وقد يحذف كله، أما مع قيام شيء مقامه، نحو:
زعمتم أن أخوتكم قريش ... لهم إلف وليس لكم إيلاف
стр. 2516
أو بدون ذلك، نحو قوله تعالى: ﴿فنعم الماهدون﴾ [الذاريات: ٤٨] أي: نحن، على قول. وأما الوصل لدفع الإيهام، فكقولهم: «لا، وأيدك الله».
وأما للتوسط، فإذا اتفقا خبراً، أو إنشاء، لفظاً أو معنى، بجامع، كقوله تعالى: / ﴿إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم﴾ [البقرة: ٩]، وقوله تعالى: ﴿إن الأبرار لفي نعيم (١٣) وإن الفجار لفي جحيم (١٤)﴾ [الانفطار: ١٣، ١٤]، وكقوله عز من قائل: ﴿وكلوا واشربوا ولا تسرفوا﴾ [الأعراف: ٣١]، وكقوله جل شأنه: ﴿وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله وبالوالدين إحساناً وذي
стр. 2517
القربى واليتامى والمساكين وقولوا﴾ [البقرة: ٨٣] أي: لا تعبدوا. وتحسنون؛ بمعنى: أحسنوا، أو: وأحسنوا، والجامع بينهما يجب أن يكون باعتبار المسند إليهما، والمسندين، نحو: يشعر ويكتب، ويعطي ويمنع، وزيد شاعر وعمرو كاتب، وزيد طويل وعمرو قصير، لمناسبة بينهما، بخلاف زيد شاعر وعمرو كاتب، بدونها، وزيد شاعر وعمرو طويل مطلقاً.
السكاكي الجامع بين الشيئين: أما عقلي: بأن يكون بينهما اتحاد في التصور أو تماثل، فإن العقل بتجريده المثلين عن الشخص في الخارج يرفع التعدد.
стр. 2518
أو تضايف كما بين العلة والمعلول، والأقل والأكثر.
أو وهمي، بأن يكون بين تصويرهما شبه تماثل، كلوني: بياض وصفرة، فإن الوهم يبرزهما في معرض المثلين، ولذلك حسن الجمع بين الثلاثة، التي في قوله:
ثلاثة تشرق الدنيا ببهجتها ... [شمس الضحى وأبو إسحاق والقمر]
стр. 2519
أو تضاد، كالسواد والبياض، والإيمان والكفر، وما يتصف بها. أو شبه تضاد، كالسماء والأرض، والأول والثاني، فإنه ينزلهما منزلة التضايف، ولذلك تجد الضد أقرب خطوراً بالبال مع الضد.
أو خيالي، بأن يكون بين تصويرهما تقارن في الخيال سابق، وأسبابه مختلفة، ولذلك اختلفت الصور الثابتة في الخيالات ترتباً
стр. 2520
ووضوحاً، ولصاحب علم المعاني فضل احتياج إلى معرفة الجامع لا سيما الخيالي، فإن جمعه على مجرى الألف والعادة.
ومن محاسن الوصل تناسب الجملتين في الاسمية والفعلية، والفعليتين في المضي والمضارعة، إلا لمانع.
стр. 2521
تذنيب
أصل الحال المنتقلة أن تكون بغير واو؛ لأنها في المعنى حكم على صاحبها، كالخبر، ووصف له كالنعت.
لكن خولف إذا كانت جملة؛ فإنها من حيث هي جملة مستقلة بالإفادة، فتحتاج إلى ما يربطها بصاحبها، وكل من الضمير والواو صالح للربط. والأصل الضمير؛ بدليل المفردة، والخبر، والنعت. فالجملة إن خلت عن ضمير صاحبها وجب الواو. وكل جملة خالية عن ضمير ما يجوز أن ينتصب عنه حال؛ يصح أن تقع حالاً عنه بالواو إلا المصدرة بالمضارع المثبت، نحو: جاء زيد ويتكلم عمرو، لما سيأتي،
стр. 2522
وإلا فإن فعلية والفعل مضارع مثبت، امتنع دخولها، نحو: قوله تعالى: ﴿ولا تمنن تستكثر (٦)﴾ [المدثر: ٦]، لأن الأصل المفردة، وهي تدل على حصول صفة غير ثابتة مقارن لما جعلت قيداً له، وهو كذلك، أما الحصول فلكونه فعلاً مثبتاً، وأما المقارنة فلكونه مضارعاً، وأما ما
стр. 2523
جاء من نحو قمت وأصك عينه، وقوله:
فلما خشيت أظافيرهم ... نجوت وأرهنهم مالكا
فقيل: على حذف المبتدأ، وأنا أصك، وأنا أرهنهم. وقيل: الأول شاذ، والثاني ضرورة. وقال عبد القاهر: هي فيهما للعطف، والأصل: وصككت، ورهنت، / عدل إلى المضارع لحكاية الحال. وإن كان منفياً فالأمران كقراءة ابن ذكوان: ﴿فاستقيما ولا تتبعان﴾ [يونس: ٨٩]
стр. 2524
بالتخفيف. ﴿وما لنا لا نؤمن بالله﴾ [المائدة: ٨٤] على المقارنة لكونه مضارعاً دون الحصول لكونه منفياً، وكذا إن كان ماضياً لفظاً أو معنى، كقوله تعالى: ﴿أنى يكون لي غلام وقد بلغني الكبر﴾ [آل عمران: ٤٠]، وقوله تعالى: ﴿أو جاءوكم حصرت صدورهم﴾ [النساء: ٩٠]، وقوله تعالى: ﴿أنى يكون لي ولد ولم يمسسني بشر﴾ [مريم: ٢٠] وقوله تعالى: ﴿فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء﴾ [آل عمران: ١٧٤]، وقوله تعالى: ﴿أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم﴾ [البقرة: ٢١٤]. أما المثبت فلدلالته على الحصول لكونه فعلاً مثبتاً، دون المقارنة، لكونه ماضياً، ولهذا شرط أن يكو مع «قد» ظاهرة أو مقدرة.
وأما المنفي فلدلالته على المقارنة دون الحصول، أما
стр. 2525
الأول فلأن «لما» للاستغراب، وغيرها لانتفاء متقدم مع أن الأصل استمراره، فيحصل به الدلالة/ عليها عند الاطلاق، بخلاف المثبت، فإن وضع الفعل على إفادة التجدد، وتحقيقه أن استمرار العدم لا يفتقر إلى سبب، بخلاف استمرار الوجود، وأما الثاني فلكونه منفياً وإن كانت اسمية، فالمشهور جواز تركها لعكس ما مر في الماضي المثبت، نحو: كلمته فوه إلى في،
следующие страницы →