Полный текст (4 238 стр.). Показаны 2521–2560 · переход к 2526.
стр. 2521
تذنيب
أصل الحال المنتقلة أن تكون بغير واو؛ لأنها في المعنى حكم على صاحبها، كالخبر، ووصف له كالنعت.
لكن خولف إذا كانت جملة؛ فإنها من حيث هي جملة مستقلة بالإفادة، فتحتاج إلى ما يربطها بصاحبها، وكل من الضمير والواو صالح للربط. والأصل الضمير؛ بدليل المفردة، والخبر، والنعت. فالجملة إن خلت عن ضمير صاحبها وجب الواو. وكل جملة خالية عن ضمير ما يجوز أن ينتصب عنه حال؛ يصح أن تقع حالاً عنه بالواو إلا المصدرة بالمضارع المثبت، نحو: جاء زيد ويتكلم عمرو، لما سيأتي،
стр. 2522
وإلا فإن فعلية والفعل مضارع مثبت، امتنع دخولها، نحو: قوله تعالى: ﴿ولا تمنن تستكثر (٦)﴾ [المدثر: ٦]، لأن الأصل المفردة، وهي تدل على حصول صفة غير ثابتة مقارن لما جعلت قيداً له، وهو كذلك، أما الحصول فلكونه فعلاً مثبتاً، وأما المقارنة فلكونه مضارعاً، وأما ما
стр. 2523
جاء من نحو قمت وأصك عينه، وقوله:
فلما خشيت أظافيرهم ... نجوت وأرهنهم مالكا
فقيل: على حذف المبتدأ، وأنا أصك، وأنا أرهنهم. وقيل: الأول شاذ، والثاني ضرورة. وقال عبد القاهر: هي فيهما للعطف، والأصل: وصككت، ورهنت، / عدل إلى المضارع لحكاية الحال. وإن كان منفياً فالأمران كقراءة ابن ذكوان: ﴿فاستقيما ولا تتبعان﴾ [يونس: ٨٩]
стр. 2524
بالتخفيف. ﴿وما لنا لا نؤمن بالله﴾ [المائدة: ٨٤] على المقارنة لكونه مضارعاً دون الحصول لكونه منفياً، وكذا إن كان ماضياً لفظاً أو معنى، كقوله تعالى: ﴿أنى يكون لي غلام وقد بلغني الكبر﴾ [آل عمران: ٤٠]، وقوله تعالى: ﴿أو جاءوكم حصرت صدورهم﴾ [النساء: ٩٠]، وقوله تعالى: ﴿أنى يكون لي ولد ولم يمسسني بشر﴾ [مريم: ٢٠] وقوله تعالى: ﴿فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء﴾ [آل عمران: ١٧٤]، وقوله تعالى: ﴿أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم﴾ [البقرة: ٢١٤]. أما المثبت فلدلالته على الحصول لكونه فعلاً مثبتاً، دون المقارنة، لكونه ماضياً، ولهذا شرط أن يكو مع «قد» ظاهرة أو مقدرة.
وأما المنفي فلدلالته على المقارنة دون الحصول، أما
стр. 2525
الأول فلأن «لما» للاستغراب، وغيرها لانتفاء متقدم مع أن الأصل استمراره، فيحصل به الدلالة/ عليها عند الاطلاق، بخلاف المثبت، فإن وضع الفعل على إفادة التجدد، وتحقيقه أن استمرار العدم لا يفتقر إلى سبب، بخلاف استمرار الوجود، وأما الثاني فلكونه منفياً وإن كانت اسمية، فالمشهور جواز تركها لعكس ما مر في الماضي المثبت، نحو: كلمته فوه إلى في،
стр. 2526
وإن دخولها أولى، لعدم دلالتها على عدم الثبوت، مع ظهور الاستئناف فيها، فحسن زيادة رابط نحو: ﴿فلا تجعلوا لله أنداداً وأنتم تعلمون﴾ [البقرة: ٢٢].
وقال عبد القاهر ﵀: إن كان المبتدأ ضمير ذي الحال وجبت، نحو: جاء زيد وهو يسرع، أو وهو مسرع، وإن جعل نحو: على كتفه سيف، حالاً؛ كثر فيها تركها نحو:
........................... ... خرجت مع البازي علي سواد
стр. 2527
ويحسن الترك تارة لدخول حرف على المبتدأ كقوله:
فقلت عسى أن تبصريني كأنما ... بني حوالي الأسود الحوارد
وأخرى لوقوع الجملة بعقب مفرد كقوله:
والله يبقيك لنا سالماً ... برداك تبجيل وتعظيم
стр. 2528
النوع الثامن عشر بعد المائة
علم إيجازه وإطنابه ومساواته
стр. 2529
النوع الثامن عشر بعد المائة
علم إيجازه وإطنابه ومساواته
واختلفوا: هل بين الإيجاز والإطناب واسطة، وهي المساواة؟ أو ليس بينهما واسطة. فذهب قوم كالسكاكي، والقزويني: أن المساواة واسطة بينهما.
وقال ابن الأثير وغيره: الإيجاز: التعبير عن المراد بلفظ غير زائد. والإطناب: بلفظ زائد.
ورجح هذا القول السيوطي في «الإتقان» وأنه لا واسطة، قال: ولا يكاد يوجد خصوصاً في القرآن.
стр. 2530
وقد مثل لها في «التلخيص» بقوله تعالى: ﴿ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله﴾ [فاطر: ٤٣]. وفي «الإيضاح» بقوله تعالى: ﴿وإذا رأيت الذين يخوضون في ايتنا﴾ [الأنعام: ٦٨]، وتعقب: بأن في الآية الثانية: حذف موصوف «الذين» وفي الأولى: إطناباً بلفظ «السيء»؛ لأن المكر لا يكون إلا سيئاً، وإيجاز بالحذف لأن الاستثناء غير مفرغ، أي: بأحد، وبالقصر في الاستثناء.
وأجيب: بأن بعض المكر غير سيء، لقوله تعالى: ﴿ومكروا ومكر الله﴾ [آل عمران: ٥٤]، لأنه جواب [عنه]، وعن الاستثناء بأن بعض المحذوفات متناسية لا يتوقف عليه تأدية المعنى.
فصل:
والإيجاز والاختصار بمعنى واحد ، وقال بعضهم: الاختصار خاص بحذف الجمل، بخلاف الإيجاز.
стр. 2531
فصل:
الإيجاز على قسمين: إيجاز القصر، وإيجاز الحذف. قال الشيخ بهاء الدين السبكي: الكلام القليل إن كان بعضاً من كلام أطول منه فهو إيجاز حذف، وإن كان كلاماً يعطي معنى أطول منه فهو إيجاز القصر. وقد تقدم التعبير عنه في عبارة التلخيص ومثل لكل بأمثلته.
ومن أمثلة إيجاز القصر، قوله تعالى: ﴿خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين (١٩٩)﴾ [الأعراف: ١٩٩]، لأن في الأخذ بالعفو التساهل والتسامح واللين والرفق والتيسير في الدعوة إلى الدين، وفي الأمر بالمعروف: تعليم الشرائع والعبادات والنهي عن القبائح والمنكرات، وفي الأعراض: الصبر والحلم والتودد والمداراة.
стр. 2532
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿يا أرض أبلعي ماءك ويا سماء أقلعي وغيض الماء وقضي الأمر واستوت على الجودي وقيل بعداً للقوم الظالمين﴾ [هود: ٤٤]، أمر فيها ونهى، وأخبر ونادى، ونعت وسمى، وأهلك وأبقى، وأسعد وأشقى، وقص من الأنباء ما لو شرح من اندرج في هذه الجملة من بديع اللفظ/ والبلاغة والإيجاز والبيان، لجفت الأقلام. وقد أفردت هذه الآية بالتأليف وذكر ما فيها من عجائب البلاغة والإيجاز والفصاحة.
وقال الكرماني في كتاب «العجائب» أجمع المعاندون على أن طوق البشر قاصر عن الإتيان بمثل هذه الآية بعد أن فتشوا جميع كلام العرب والعجم فلم يجدوا مثلها في فخامة ألفاظها، وحسن نظامها، وجودة معانيها في تصوير الحال مع الإيجاز من غير إخلال.
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿يا أيها النمل ادخلوا مسكانكم ... ﴾ الآية [النمل: ١٨] جمع في هذه اللفظة أحد عشر جنساً: نادت وكنت، ونبهت وسمت، وأمرت، وقصت، وحذرت، وخصت، وعمت، وأشارت، وعذرت.
فالنداء «يا» والكتابة «أي» والتنبيه «ها»، والتسمية «النمل»، والأمر «ادخلوا»، والقصص «مساكنكم»، والتحذير «لا يحطمنكم»، والتخصيص «سليمان»، والتعميم «جنوده»، والإشارة «وهم»، والعذر «لا يشعرون».
وأدت خمس حقوق: حق الله، وحق رسوله، وحقها، وحق رعيتها، وحق جنود سليمان.
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿فاصدع بما تؤمر ... ﴾ الآية [الحجر: ٩٤]، وقد روي أن أعرابياً لما سمع هذه الآية سجد، وقال سجدت لفصاحة هذا الكلام.
стр. 2533
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين وأنتم فيها خالدون﴾ [الزخرف: ٧١]، قال بعضهم: جمع الله تعالى في هاتين الجملتين ما لو اجتمع الخلق كلهم على وصف ما فيه على التفصيل لم يخرجوا عنه.
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿ولكم في القصاص حياة يا أولى الألباب﴾ [البقرة: ١٧٩] وقد فضلت هذه الجملة على أخصر ما كان عند العرب في هذا المعنى، وهو قولهم: القتل أنفى للقتل.
قال ابن الأثير: لا تشبيه بين كلام الخالق سبحانه وكلام المخلوق.
وإنما العلماء يقدحون أذهانهم فيما يظهر لهم من ذلك.
الأول: أن ما يناظره من كلامهم قوله: ﴿القصاص حياة﴾، أقل حروفاً، فإن حروفه عشرة، وحروف «القتل أنفى للقتل» أربعة عشر.
стр. 2534
الثاني: أن نفي القتل لا يدل على الحياة، والآية دالة على ثبوتها الذي هو الغرض والمطلوب.
الثالث: أن تنكير «حياة» يفيد تعظيماً، فيدل على أن القصاص حياة مستطالة، كقوله تعالى: ﴿ولتجدنهم أحرص الناس على حياة﴾ [البقرة: ٩٦]، وكذلك المثل، فإن اللام فيه للجنس، ولذا فسروا الحياة فيها بالبقاء.
الرابع: أنها مطردة، بخلاف المثل، فإنه ليس كل قتل أنفى للقتل، بل قد يكون أدعى له، وهو القتل ظلماً، وإنما ينفيه قتل خاص وهو القصاص، ففيه حياة أبداً.
الخامس: أن الآية خالية من تكرار لفظ القتل الواقع في المثل، والخالي من التكرار أفضل من المشتمل عليه، وإن لم يكن مخلاً بالفصاحة.
стр. 2535
السادس: أن الآية مستغنية عن تقدير محذوف، بخلاف قولهم، فإن فيه حذف «من» التي بعد أفعل التفضيل وما بعدها، وحذف «قصاص» من القتل الأول، و «ظلماً» من القتل الثاني، والتقدير: القتل قصاصاً أنفى للقتل ظلماً من تركه.
السابع: أن في الآية طباقاً، لأن القصاص يشعر بضد الحياة، بخلاف المثل.
الثامن: أن الآية اشتملت على فن بديع، وهو جعل أحد الضدين الذي هو القضاء والموت، حكماً لضده الذي هو الحياة، واستقرار الحياة في الموت مبالغة عظيمة. ذكره في «الكشاف»، وعبر عنه صاحب «الإيضاح»: بأنه جعل القصاص كالمنبع للحياة والمعدن لها بإدخال «في» عليه.
التاسع: أن في المثل توالي أسباب كثيرة حقيقة، وهو السكون بعد الحركة، وذلك مستكره، فإن اللفظ المنطوق به إذا توالت حركاته تمكن اللسان من النطق به، وظهرت فصاحته، بخلاف ما إذا تعقب كل حركة بسكون، فالحركات تنقطع بالسكنات، نظيره إذا تحركت الدابة أدنى حركة فحبست ثم تحركت فحبست لا يتيسر إطلاقها، ولا تتمكن من حركتها على ما
стр. 2536
تختاره، فهي كالمقيدة.
العاشر: أن المثل كالمتناقض من حيث الظاهر، لأن الشيء لا ينفي نفسه.
الحادي عشر: سلامة الآية من تكرير قلقلة القاف الموجب للضغط والشدة، وبعدها من غنة النون.
الثاني عشر: سلامة استعمالها على حروف ملائمة لما قبلها من الخروج من القاف إلى الصاد، إذ «القاف» من حروف الاستعلاء، و «الصاد» من حروف الاستعلاء والإطباق، بخلاف الخروج من القاف إلى التاء التي هي حرف منخفض فهو غير ملائم للقاف، وكذا الخروج من الصاد إلى الحاء، أحسن من الخروج من اللام إلى الهمزة/ لبعد ما بين طرف اللسان وأقصى الحلق.
الثالث عشر: في النطق بالصاد، والحاء، والياء، حسن الصوت، ولا كذلك تكرار القاف والفاء.
стр. 2537
الرابع عشر: سلامتها من لفظ «القتل» المشعر بالوحشة؛ بخلاف لفظ «الحياة»؛ فإن الطباع أقبل له من لفظ مطلق «القتل».
الخامس عشر: أن لفظ «القصاص» مشعر بالمساواة، فهو مبني على العدل، بخلاف مطلق القتل.
السادس عشر: الآية مبنية على الإثبات، والمثل مبني على النفي؛ والإثبات أشرف لأنه أول، والنفي ثانٍ عنه.
السابع عشر: أن المثل لا يكاد يفهم إلا بعد فهم أن القصاص هو الحياة. / وقوله تعالى: ﴿في القصاص حياة﴾ مفهوم من أول وهلة.
الثامن عشر: أن في المثل بناء أفعل التفضيل من فعل متعد، والآية سالمة منه.
التاسع عشر: أن أفعل في الغالب يقتضي الاشتراك؛ فيكون ترك القصاص نافياً للقتل؛ ولكن القصاص أكثر نفياً، وليس الأمر كذلك، والآية سالمة من ذلك.
العشرون: أن الآية رادعة عن القتل والجراح معاً؛ لشمول القصاص لهما، والحياة أيضاً في قصاص الأعضاء؛ لأن قطع العضو ينقص مصلحة الحياة، وقد يسرى إلى النفس فيزيلها، ولا كذلك المثل.
стр. 2538
ثم في أول الآية: «ولكم» وفيها لطيفة؛ وهي بيان العناية بالمؤمنين على الخصوص، وأنهم المراد حياتهم، لا غيرهم؛ لتخصيصهم بالمعنى مع وجوده فيمن سواهم.
فصل:
ذكر ابن الأثير، وصاحب «عروس الأفراح» وغيرهما: أن من أنواع إيجاز القصر «الحصر» سواء أكان بـ «ألا»، أو بـ «إنما»، أو غيرهما من أداواته؛ لأنه الجملة فيها نابت مناب جملتين. وباب العطف؛ لأن حرفه وضع للإغناء عن إرادة تكرار العامل. وباب نائب الفاعل؛ لأنه دل على الفاعل بإعطائه حكمه، وعلى المفعول بوضعه. وباب الضمير؛ لأنه وضع للاستغناء به عن الظاهر اختصاراً، ولذلك لا يعدل إلى المنفصل مع إمكان المتصل. وباب: علمت أنك قائم؛ لأنه منحل لاسم واحد سد مسد المفعولين من غير حذف.
ومنها: باب التنازع - إذا لم يقدر - على رأي الفراء.
ومنها: طرح المفعول، اقتصاراً على جعل المتعدي كاللازم.
стр. 2539
ومنها: جميع أدوات الاستفهام، والشرط، فإن «كم مالك؟ » يغني عن قولك: «مالك عشرون أم ثلاثون» وكذا إلى ما لا ينتهي.
ومنها: الألفاظ المذكورة للعموم - كما مر.
ومنها: لفظ التثنية والجمع، فإنه يغني عن تكرار المفرد، وأقيم الحرف فيها مقامه اختصاراً.
فصل:
تقدم الكلام على إيجاز القصر وذكر ما فيه من الآيات الشريفة، وبقي إيجاز الحذف. ذكر ابن هشام في «المغنى» للحذف ثمانية شروط:
أحدها: وجود دليل حالي، كقولك لمن رفع سوطاً: «زيداً» بإضمار أضرب، ومنه: ﴿قالوا سلاماً﴾ [هود: ٦٩]، أي سلمنا سلاماً، أو مقالي، كقولك لمن قال: من أضرب؟ «زيداً». ومنه: ﴿وقيل للذين اتقوا ماذا أنزل ربكم قالوا خيراً﴾ [النحل: ٢٤]، وإنما يحتاج إلى ذلك إذا كان المحذوف الجملة بأسرها، - كما مثلنا - أو أحد ركنيها نحو: ﴿قال سلام قوم منكرون﴾ [الذاريات: ٢٥]، أي: سلام عليكم أنتم قوم منكرون، فحذف خبر الأولى ومبتدأ
стр. 2540
الثانية. أو لفظاً يفيد معنى فيها [هي] مبنية عليه، نحو: ﴿تالله تفتؤا﴾ [يوسف: ٧٥]، أي: لا تفتأ.
وأما إذا كان المحذوف فضلة فلا يشترط لحذفه وجدان الدليل، ولكن يشترط ألا يكون في حذفه ضرر معنوي، كما في قوله: ما ضربت إلا زيداً، أو صناعي كما في قولك: زيد ضربته، وقولك: ضربني وضربته زيد.
انتهى.
الثاني: من شروط الحذف: ألا يكون ما يحذف كالجزاء، فلا يحذف الفاعل، ولا نائبه، ومشبهه.
قال ابن هشام، وقال ابن عطية في: ﴿بئس مثل القوم الذي كذبوا﴾ [الجمعة: ٥]: أن التقدير: بئس المثل مثل القوم: فإن أراد أن الفاعل لفظ/ المثل محذوفاً فمردود، وإن أراد تفسير المعنى، وأن في بئس ضمير المثل مستتراً فأين تفسيره؟ . ثم قال: والصواب أن «مثل القوم» فاعل، وحذف المخصوص، أي: مثل هؤلاء، أو مضاف: أي: مثل الذين كذبوا ولا خلاف في جواز حذف الفاعل مع فعله، نحو: ﴿قالوا خيراً﴾ [النحل: ٣٠] «يا عبد الله وزيداً ضربته. انتهى.
الشرط الثالث: من شروط الحذف: ألا يكون مؤكداً؛ لأن التأكيد ينافي الحذف؛ لأن الحذف مبني على الاختصار، والتوكيد مبني على التطويل، وأول من ذكره الأخفش وتبعه الفارسي، فرد في كتاب «الأفعال» قول الزجاج
стр. 2541
في قوله تعالى: ﴿إن هذان لساحران﴾ [طه: ٦٣]، أن التقدير: أن هذان لهما ساحران، فقال: الحذف والتأكيد باللام متنافيان.
وتبعهما ابن جني في «الخصائص»، وتبعهم ابن مالك، وكلهم مخالفون لسيبويه، والخليل، فإنهما أجازا مثل ذلك. والله أعلم.
الشرط الرابع: أن لا يؤدي حذفه إلى اختصار المختصر، فلا يحذف اسم الفاعل دون معموله؛ لأنه اختصار للفعل.
الشرط الخامس: أن لا يكون عاملاً ضعيفاً، فلا يحذف الجار، والجازم، والناصب للفعل، إلا في مواضع قويت فيها الدلالة، وكثر فيها استعمال تلك العوامل، ولا يجوز القياس عليها.
الشرط السادس: ألا يكون عوضاً عن شيء فلا تحذف «التاء» من «عدة»، و «إقامة»، و «استقامة»، فأما قوله تعالى: ﴿وأقام الصلاة﴾ [النور: ٣٧] فمما يجب الوقوف عنده، كذا قاله ابن هشام في المغني، وفسر الشارح الدماميني والشمني ذلك بأنه يجعل مما لا يقاس ..........................
стр. 2542
عليه، وتبعه السيوطي - رحمه الله تعالى - في «الإتقان» /
فقال: وأما إقام الصلاة فلا يقاس عليه. انتهى. وهو كلام في غاية الإشكال، كيف يكون في القرن لفظ يسمع ولا يقاس عليه؟ ، فالمعنى أنه من الشواذ التي تسمع ولا يقاس عليها! ! وفيه من التباعد ما لا مزيد عليه. وهذا الكلام سهو من هذين الإمامين عما يترتب على ذلك من البشاعة، وكأن السيوطي - رحمه الله تعالى - قلد ابن هشام في ذلك [ولم يتنبه] عما يترتب على ذلك.
قال الدماميني في شرح المغني: قال الزمخشري في تفسير سورة النور: «التاء» في «إقامة» عوض من «العين» الساقطة للاعتلال، والأصل «أقوام» فلما أضيفت أقيمت الإضافة مقام حرف التعويض، فأسقطت. ونحوه:
........................ ... فأخلفوك عد الأمر الذي وعدوا
стр. 2543
قال بعض الفضلاء ن شارحي «شافية ابن الحاجب»: الحكم بالتزامهم التعويض في: «إجازة»، غير مسلم؛ لأنه يجوز ترك التعويض في مصدر «أفعل»، تقول: أريته: «أراء»، قال الله تعالى: ﴿وإقام الصلاة﴾ [الأنبياء: ٧٣].
فإن قلت: يحمل المذكور على الشاذ، فلا يجوز القياس عليه، قلت: الحمل على الشائع أولى، لئلا يلزم ورود القرآن على اللغة النادرة، وأيضاً: نص النحاة على جواز تركه، فلا يخالف النص، وعلى هذا ذهب الفراء إلى أن جواز ترك التعويض مشروط بالإضافة؛ ليكون المضاف إليه ساداً مسد «التاء». وعند سيبويه: الجواز مطلقاً ثابت. وقولهم: أريته «أراء» - كما ذكرنا - يقوى الأصح. انتهى.
قال الدماميني: قلت فعلى هذا يكون إدعاء المصنف أن «التاء» لا تحذف من «إقامة»، وأن «إقامة الصلاة» مما يجب الوقوف عنده بمعنى أنه لا يقاس
стр. 2544
عليه، متعقب. انتهى.
الشرط السابع: من شروط الحذف: أن لا يؤدي حذفه إلى تهيئة العامل للعمل وقطعه عنه.
الشرط الثامن: أن لا يؤدي إلى إعمال العامل الضعيف مع إمكان أعمال العامل القوي.
تنبيه:
قد يظن أن الشيء من باب الحذف وليس هو [منه] قال ابن هشام - رحمه الله تعالى-: جرت عادة النحويين أن يقولوا: بحذف المفعول اختصاراً واقتصاراً، ويريدون بالاختصار: الحذف لدليل، وبالاقتصار الحذف لغير دليل، ويمثلونه بنحو: ﴿كلوا واشربوا﴾ [البقرة: ٦٠] أي أوقعوا هذين الفعلين، وقول العرب فيما يتعدى للاثنين: من يسمع يخل أي: يكن منه خيلة. قال: والتحقيق أن يقال: إنه تارة يتعلق الغرض/ بالإعلام بمجرد وقوع الفعل من غير تعيين من أوقعه، أو من أوقع عليه، فيجاء بمصدره مسنداً إلى فعل كون عام، فيقال: حصل حريق ونهب، وتارة يتعلق بالإعلام بمجرد
стр. 2545
إيقاع الفاعل للفعل، فيقتصر عليهما، ولا يذكر المفعول ولا ينوي، إذ المنوي كالثابت، ولا يسمى محذوفاً؛ لأن الفعل منزل بهذا القصد منزلة ما لا مفعول له.
ومنه: ﴿ربي الذي يحي ويميت﴾ [البقرة: ٢٥٨]، ﴿هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون﴾ [الزمر: ٩]، ﴿وكلوا واشربوا ولا تسرفوا﴾ [الأعراف: ٣١]، ﴿وإذا رأيت ثم ... ﴾ [الإنسان: ٢٠]، إذ المعنى: ربي يفعل الإحياء والإماتة، وهل يستوي من يتصف بالعلم ومن ينتفي عنه العلم؟ وأوقعوا الأكل والشرب وذروا الإسراف، وإذا حصلت منك رؤية هنالك. انتهى.
أقول: هذا التقدير الذي قدره ابن هشام بيان لمعنى أن الفعل جعل في معنى القاصر، وأما أن قدرناه على أصله قبل أن يتناسى فيه المفعول، فيكون تقدير ﴿ربي الذي يحي﴾ الأموات، «ويميت الأحياء». وفي قوله تعالى: ﴿هل يستوي الذين يعلمون﴾ العلم، ﴿والذين لا يعلمون﴾ العلم. وفي قوله تعالى: ﴿وكلوا﴾ الطعام، ﴿واشربوا﴾ الشراب. وفي قوله تعالى: ﴿وإذا رأيت﴾ النعيم، ﴿ثم رأيت﴾ نعيماً.
فائدة:
ينبغي أن يقدر المحذوف في محله الذي يليق به ، فإنه كان الأليق تقديمه قدم، وإن كان الأليق بالمعنى التأخير أخر.
ولهذا قال الزمخشري في متعلق الجار والمجرور في «بسم الله»: متأخراً عنها، لأن قريشاً كانت تقول: بسم اللات والعزى نفعل كذا، فيؤخرون أفعالهم عن ذكر ما اتخذوه معبوداً تفخيماً لشأنه بالتقديم، فوجب على الموحد أن يعتقد ذلك في اسم الله تعالى، فإنه الحقيق بذلك. ثم اعترض بـ ﴿اقرأ باسم ربك﴾ [العلق: ١] وأجاب بأنها أول سورة نزلت فكان الاهتمام تقدير الأمر بالقراءة فيها أهم. انتهى.
стр. 2546
فائدة:
ينبغي تقليل الحذف مهما أمكن ؛ لتقل مخالفة الأصل، ولهذا ضعف قول من قال في قوله تعالى: ﴿وأشربوا في قلوبهم العجل﴾ [البقرة: ٩٣] أي: حب عبادة العجل، والأولى: حب العجل.
فائدة:
اعتبر الأخفش التدريج في الحذف مهما أمكن ، فقال في قوله تعالى: ﴿واتقوا يوماً لا تجزي نفس عن نفساً شيئاً﴾ [البقرة: ٤٨، ١٢٣]: أن الأصل لا تجزي «فيه»، فحذف حرف الجر فصار: «تجزيه»، ثم حذف الضمير فصار: «تجزي».
وعن سيبويه: أنها حذف دفعة واحدة.
ونقل ابن الشجري القول الأول عن الكسائي واختاره، قال: والثاني قول نحوي آخر.
وقال أكثر أهل العربية - منهم سيبويه، والأخفش - يجوز الأمران.
انتهى.
قال ابن هشام في «المغنى»: وهو نقل غريب.
فصل:
في أماكن من الحذف في القرآن .
١ - حذف المضاف/: ﴿وجاء ربك﴾ [الفجر: ٢٢]، ﴿فأتى الله بنيانهم﴾
стр. 2547
[النحل: ٢٦] أي: أمره؛ لاستحالة المجيء الحقيقي.
٢ - حذف المضاف إليه، ﴿لله الأمر من قبل ومن بعد﴾ [الروم: ٤] أي من قبل الغلب ومن بعده.
٣ - حذف اسمين متضايفين، ﴿فقبضت قبضةً من أثر الرسول﴾ [طه: ٩٦] أي من أثر حافر فرس الرسول.
٤ - حذف ثلاثة متضايفات، ﴿فكان قاب قوسين أو أدنى (٩)﴾ [النجم: ٩] أي فكان مقدراً مسافة قربه مثل قاب قوسين، فحذف ثلاثة من اسم كان، وواحد من خبرها، كذا قدره الزمخشري - رحمه الله تعالى -.
٥ - حذف الموصول، أي الاسم، ذهب إلى ذلك الكوفيون،
стр. 2548
والأخفش، وتبعهم ابن مالك، وشرط في بعض كتبه كونه معطوفاً على موصول آخر، نحو: ﴿امنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم﴾ [العنكبوت: ٤٦].
٦ - حذف الموصوف: ﴿وعندهم قاصرات الطرف﴾ [الصافات: ٤٨] أي حور قاصرات، ﴿أن أعمل سابغات﴾ [سبأ: ١١] أي: دروعاً سابغات.
٧ - حذف الصفة: ﴿يأخذ كل سفينةٍ غصباً﴾ [الكهف: ٧٩] أي: صالحة، بدليل أنه قرئ كذلك.
٨ - حذف المعطوف: ويجب أن يتبعه العاطف، نحو/: ﴿لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل﴾ [الحديد: ١٠] أي: ومن أنفق بعده.
٩ - حذف المعطوف عليه: ﴿اضرب بعصاك الحجر فانفجرت﴾ [البقرة: ٦٠] أي: فضرب فانفجرت.
стр. 2549
١٠ - حذف المبتدأ: يكثر في جواب الاستفهام، نحو: ﴿وما أدراك ما الحطمة (٥) نار الله الموقدة (٦)﴾ [الهمزة: ٥، ٦] أي: هي نار الله.
١١ - حذف الخبر: ﴿وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب﴾ [المائدة: ٥] أي: حل لكم، ﴿أكلها دائم وظلها﴾ [الرعد: ٣٥] أي: دائم.
١٢ - حذف ما هو محتمل أن يكون المبتدأ والخبر: ﴿فتحرير رقبةٍ﴾ [المجادلة: ٣]، ﴿فعدة من أيامٍ أخر﴾ [البقرة: ١٨٥]، ﴿فما استيسر من الهدى﴾ [البقرة: ١٩٦]، ﴿فنظرة إلى ميسرةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠]. يحتمل: الواجب تحرير رقبة، فيكون من حذف المبتدأ، أو فتحرير رقبة عليكم فيكون من حذف الخبر، وكذا باقي الآيات.
١٣ - حذف الفعل وحده، أو معه ضمير مرفوع، أو منصوب، أو معهما، ﴿وقيل للذين اتقوا ماذا أنزل ربكم قالوا خيراً﴾ [النحل: ٣٠]، ﴿ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولون الله﴾ [العنكبوت: ٦١] أي: خلقهم الله.
وأكثر ما يحذف الفعل في القول، نحو: ﴿والملائكة يدخلون عليهم من كل بابٍ سلام عليكم﴾ [الرعد: ٢٣، ٢٤] أي: يقولون: سلام عليكم.
قال أبو علي: حذف القول من حديث البحر، قل ولا حرج. يعني في غاية الكثرة.
١٤ - حذف المفعول، يكثر بعد «لو شئت». نحو: ﴿فلو شاء لهداكم﴾ [الأنعام: ١٤٩] أي: فلو شاء هدايتكم.
١٥ - حذف تمييز، ﴿عليها تسعة عشر (٣٠)﴾ [المدثر: ٣٠] أي: ملكاً.
стр. 2550
١٦ - حذف «قد»، قال البصريون: أن الفعل الماضي الواقع حالاً لا بد معه من «قد» ظاهرة: نحو ﴿وما لكم ألا تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه وقد فضل لكم ما حرم عليكم﴾ [الأنعام: ١١٩]، أو مضمرة: ﴿أنؤمن لك واتبعك الأرذلون﴾ [الشعراء: ١١١]، ﴿أو جاءوكم حصرت صدورهم﴾ [النساء: ٩٠].
١٧ - حذف لا النافية، نحو: ﴿تالله تفتؤا تذكر يوسف﴾ [يوسف: ٨٥].
١٨ - حذف لام التوطئة، ﴿وإن لم ينتهوا عما يقولون ليمسن الذين كفروا منهم عذاب أليم﴾ [المائدة: ٧٣]، ﴿وإن أطعتموهم إنكم لمشركون﴾ [الأنعام: ١٢١]، ﴿وإلا تغفر لي وترحمني أكن من الخاسرين﴾ [هود: ٤٧].
١٩ - حذف الجار يطرد مع «أن» و «إن» نحو: ﴿يمنون عليك أن أسلموا﴾ [الحجرات: ١٧]، أي: بأن أسلموا، ﴿بل الله يمن عليكم أن هداكم﴾ [الحجرات: ١٧] أي: بأن هداكم، ﴿والذي أطمع أن يغفر لي﴾ [الشعراء: ٨٢] أي بأن يغفر لي.
٢٠ - حذف حرف النداء: ﴿يوسف أعرض عن هذا﴾ [يوسف: ٢٩]، ﴿أن أدوا إلى عباد الله﴾ [الدخان: ١٨].
٢١ - حذف نون الوقاية: ﴿أتحاجوني﴾ [الأنعام: ٨٠]، ﴿تأمروني﴾ [الزمر: ٦٤]، فيمن قرأ بنون واحدة.
стр. 2551
وهو قول أبي العباس، وأبي علي، وأكثر المتأخرين: أن المحذوف نون الوقاية، وقال سيبويه، وابن مالك: أن المحذوف نون الفعل، والموجود نون الوقاية.
٢٢ - حذف تاء الماضي مع تاء المضارعة: نحو: قوله تعالى: ﴿نارًا تلظى﴾ [الليل: ١٤]، أي: تتلظى، ﴿ولقد كنتم تمنون الموت﴾ [آل عمران: ١٤٣]، أي: تتمنون الموت.
٢٣ - حذف التثنية والجمع يحذفان للإضافة نحو: ﴿تبت يدا أبي لهب﴾ [المسد: ١]، ﴿إنا مرسلوا الناقة﴾ [القمر: ٢٧].
٢٤ - حذف لام الجوب: ﴿لو نشاء جعلناه أجاجًا﴾ [الواقعة: ٧٠] أي: لو نشاء لجعلناه.
стр. 2552
٢٥ - حذف لام قد، يحسن مع طول الكلام نحو: ﴿قد أفلح من زكاها﴾ [الشمس: ٩] أي: «لقد».
٢٦ - حذف جملة القسم: ﴿لأعذبنه عذابًا شديدًا﴾ [النمل: ٢١]، ﴿ولقد صدقكم الله وعده﴾ [آل عمران: ١٥٢]، ﴿لئن أخرجوا لا يخرجون معهم﴾ [الحشر: ١٢].
٢٧ - حذف جواب القسم: ﴿والنازعات غرقًا﴾ الآيات [المنازعات: ١]، أي: «التبعثن» وقيل: مذكور. ﴿ق والقرآن المجيد﴾ [ق: ١] أي: «ليهلكن» بدليل: ﴿كم أهلكنا﴾ [ق: ٣٦]، أو «إنك لمنذر» بدليل ﴿بل عجبوا أن جاءهم منذر﴾ [ق: ٢] وقيل: مذكور.
٢٨ - حذف الشرط، وجملة فعل الشرط: ﴿فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم﴾ [آل عمران: ٣١]، أي: فإن تتبعوني يحببكم الله. ﴿فاتبعني أهدك﴾ [مريم: ٤٣]، ﴿ربنا أخرنا إلى أجل قريب نجب دعوتك ونتبع الرسل﴾ [إبراهيم: ٤٤]. وجعل منه أبو البقاء: ﴿فذلك الذي يدع اليتيم﴾
стр. 2553
[الماعون: ٢] أي: إن أردت معرفته فذلك.
٢٩ - حذف جواب الشرط: ﴿فإن استطعت أن تبتغي نفقا في الأرض﴾ الآية [الأنعام: ٣٥]، أي: فافعل. ﴿ولو أن قرءانا سيرت به الجبال﴾ [الرعد: ٣١] أي: لما آمنوا به، بدليل: ﴿وهم يكفرون بالرحمن﴾ [الرعد: ٣٠]، قال ابن هشام في «المغني»: والنحويون يقدرون: لكان هذا القرآن، وما قدرته أظهر.
﴿وإن يكذبوك فقد كذبت رسل من قبلك﴾ [فاطر: ٤] أي: فتصبر ﴿فقد كذبت رسل من قبلك﴾ [فاطر: ٤]، ﴿إن يمسسكم قرح﴾ [آل عمران: ١٤٠] فتصبروا، ﴿فقد مس القوم قرح مثله﴾ [آل عمران: ١٤٠]، ﴿ومن يتبع خطوات الشيطان﴾ [النور: ٢١] أي: يفعل الفواحش والمنكرات ﴿فإنه يأمر بالفحشاء والمنكر﴾ [النور: ٢١]، ﴿ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا﴾ يظفر ويغلب، ﴿فإن حزب الله هم الغالبون﴾ [المائدة: ٥٦].
فائدة:
الحذف على أنواع:
стр. 2554
أحدها: ما يسمى بالاقتطاع، وهو حذف بعض حروف الكلمة.
وأنكر ابن الأثير ورود هذا النوع في القرآن. ورد: بأن بعضهم جعل منه فواتح السور، على القول بأن كل حرف منها اسمًا من أسمائه تعالى ومن آلائه تعالى، فالألف أول «الله»، واللام «لطيف» كما تقدم.
ومنه قراءة بعضهم: ﴿ونادوا يا مالك﴾ [الزخرف: ٧٧]، بالترخيم.
стр. 2555
ومنه حذف همزة «إنا» من قوله تعالى: ﴿لكنا هو الله ربي﴾ [الكهف: ٣٨] الأصل «لكن أنا» حذفت همزة «أنا» تخفيفًا وأدغمت النون في النون.
النوع الثاني: ما يسمى بالاكتفاء، وهو أن يقتضي المقام ذكر شيئين بينهما تلازم وارتباط فيكتفي بذكر أحدهما عن الآخر لنكتة. ويختص ذلك غالبًا بالارتباط العطفي، كقوله: ﴿سرابيل تقيكم الحر﴾ [النحل: ٨١] أي: والبرد، وخص الحر بالذكر؛ لأن الخطاب للعرب، وبلادهم حارة والوقاية عندهم من الحر أهم؛ لأنه أشد عندهم من البرد.
وقيل: أنت البرد تقدم ذكره في الامتنان بوقايته صريحًا في قوله تعالى: ﴿ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها﴾ [النحل: ٨٠] وفي قوله تعالى: ﴿وجعل لكم من الجبال أكنانًا﴾ [النحل: ٨١]، وفي قوله تعالى: ﴿والأنعام خلقها لكم فيها دفء﴾ [النحل: ٥].
ومن أمثلة هذا النوع أيضًا قوله تعالى: ﴿بيدك الخير﴾ [آل عمران: ٢٦] أي: «والشر»، وإنما خص الخير بالذكر؛ لأنه مطلوب العباد ومرغوبهم، أو لأنه أكثر وجودًا في العالم، أو لأن إضافة الشر إلى الله تعالى [ليس] من باب الأدب، كما قال صلى الله عليهم وسلم: «والشر ليس إليك» وقيل: ليس هو من هذا الباب،
стр. 2556
بل الشر المشتمل على الحكمة والمصالح خير، فلهذا قال تعالى: ﴿بيدك الخير﴾ [آل عمران: ٢٦].
ومنها: ﴿وله ما سكن في الليل والنهار وهو السميع العليم﴾ ﴿آل عمران: ٢٦] أي: «وما تحرك» وخص السكون بالذكر لأنه أغلب الحالين على المخلوق من الحيوان والجماد ولأن كل متحرك يصير إلى السكون.
ومنها قوله تعالى: ﴿الذين يؤمنون بالغيب﴾ [البقرة: ٣]؛ لأنه مدح؛ ولأنه يستلزم الإيمان بالشهادة من غير عكس، فالمعنى: «يؤمنون بالغيب والشهادة».
ومنها قوله تعالى: ﴿ورب المشارق﴾ [الصافات: ٥] أي: والمغارب.
ومنها قوله تعالى: ﴿إن امرؤا هلك ليس له ولد﴾ [النساء: ١٧٦] أي: ولا
стр. 2557
والد، بدليل أنه أوجب للأخت النصف، وإنما يكون ذلك مع فقد الأب لأنه يسقطها.
النوع الثالث من أنواع الحذف: ما يسمى: الاحتباك؛ وهو ألطف الأنواع وأبدعها. قال الحافظ السيوطي -رحمه الله تعالى-: وقل من تنبه له أو نبه عليه من أهل فن البلاغة، ولم أره إلا في شرح بديعية الأعمى لرفيقه الأندلسي.
стр. 2558
وذكره الزركشي في «البرهان»، ولم يسمه هذا الاسم، بل سماه: الحذف المقابلي. وأفرده بالتصنيف من أهل العصر العلامة برهان الدين البقاعي، قال الأندلسي في شرح البديعية: من أنواع البديع الاحتباك، وهو نوع عزيز، وهو أن يحذ من الأول ما ثبت نظيره في الثاني، ومن الثاني ما ثبت نظيره في الأول، كقوله تعالى: ﴿ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق ... ﴾ الآية [البقرة: ١٧١]، التقدير: ومثل الأنبياء والكفار كمثل الذي ينعق والذي ينعق به، فحذف من الأول: «الأنبياء»، لدلالة «الذي ينعق» عليه، ومن
стр. 2559
الثاني الذي ينعق به لدلالة «الذين كفروا» عليه.
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وأدخل يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء﴾ [النمل: ١٢]، التقدير: وأدخل يدك في جيبك غير بيضاء، وتخرجها تخرج بيضاء، فحذف «غير بيضاء» من الأول، ومن الثاني أخرجها تخرج. وقال الزركشي: هو أن يجتمع في الكلام متقابلان، فيحذف من كل واحد منهما مقابله لدلالة الآخر عليه، كقوله تعالى: ﴿أم يقولون افتراه قل إن افتريته فعلى إجرامي وأنا بريء مما تجرمون﴾، وقوله تعالى: ﴿ويعذب المنافقين إن شاء أو يتوب عليهم﴾ [الأحزاب: ٢٤] فلا يعذبهم، وقوله تعالى: ﴿ولا تقربوهن حتى يطهرن فإذا تطهرن فأتوهن﴾ [البقرة: ٢٢٢] أي حتى يطهرن من الدم، ويتطهرن بالماء، فإذا طهرن وتطهرن فأتوهن، وقوله تعالى: ﴿خلطوا عملاً صالحًا وآخر سيئًا﴾ [التوبة: ١٠٢] أي عملاً صالحًا بسيئ، وآخر سيئًا بصالح.
قال السيوطي -رحمه الله تعالى-: ومن لطيفه قوله تعالى: ﴿فئة تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة﴾ [آل عمران: ١٣]، تقاتل في سبيل الطاغوت.
وفي «الغرائب» للكرماني: في الآية الأولى التقدير: مثل الذين كفروا بك كمثل الناعق مع الغنم، فحذف من كل طرف ما يدل عليه الطرف الآخر. وله في القرآن نظائر وهو بلغ ما يكون من الكلام. انتهى.
وأما فوائد الحذف: فقد ذكروا له فوائد:
стр. 2560
منها: الإيجاز، والاختصار، والاحتراز عن العبث، والتنبيه على أن الزمان متقاصر عن الإتيان بالمحذوف، وأن الاشتغال بذكره يفضي إلى تفويت المهم.
وهذه فائدة باب التحذير والإغراء. وقد اجتمعا في قوله تعالى: ﴿ناقة الله وسقياها﴾ [الشمس: ١٣]، بتقدير: ألزموا، وتحذير بتقدير: ذروا.
ومنها: التعظيم والتفخيم لما في الحذف من الإبهام.
قال حازم في «منهاج البلغاء»: إنما يحسن الحذف لقوة الدلالة عليه، أو
следующие страницы →