← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 150960

الزيادة والإحسان في علوم القرآن

محمد عقيلة

Полный текст (4 238 стр.). Показаны 2556–2595 · переход к 2561.

стр. 2556

بل الشر المشتمل على الحكمة والمصالح خير، فلهذا قال تعالى: ﴿بيدك الخير﴾ [آل عمران: ٢٦]. ومنها: ﴿وله ما سكن في الليل والنهار وهو السميع العليم﴾ ﴿آل عمران: ٢٦] أي: «وما تحرك» وخص السكون بالذكر لأنه أغلب الحالين على المخلوق من الحيوان والجماد ولأن كل متحرك يصير إلى السكون. ومنها قوله تعالى: ﴿الذين يؤمنون بالغيب﴾ [البقرة: ٣]؛ لأنه مدح؛ ولأنه يستلزم الإيمان بالشهادة من غير عكس، فالمعنى: «يؤمنون بالغيب والشهادة». ومنها قوله تعالى: ﴿ورب المشارق﴾ [الصافات: ٥] أي: والمغارب. ومنها قوله تعالى: ﴿إن امرؤا هلك ليس له ولد﴾ [النساء: ١٧٦] أي: ولا

стр. 2557

والد، بدليل أنه أوجب للأخت النصف، وإنما يكون ذلك مع فقد الأب لأنه يسقطها. النوع الثالث من أنواع الحذف: ما يسمى: الاحتباك؛ وهو ألطف الأنواع وأبدعها. قال الحافظ السيوطي -رحمه الله تعالى-: وقل من تنبه له أو نبه عليه من أهل فن البلاغة، ولم أره إلا في شرح بديعية الأعمى لرفيقه الأندلسي.

стр. 2558

وذكره الزركشي في «البرهان»، ولم يسمه هذا الاسم، بل سماه: الحذف المقابلي. وأفرده بالتصنيف من أهل العصر العلامة برهان الدين البقاعي، قال الأندلسي في شرح البديعية: من أنواع البديع الاحتباك، وهو نوع عزيز، وهو أن يحذ من الأول ما ثبت نظيره في الثاني، ومن الثاني ما ثبت نظيره في الأول، كقوله تعالى: ﴿ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق ... ﴾ الآية [البقرة: ١٧١]، التقدير: ومثل الأنبياء والكفار كمثل الذي ينعق والذي ينعق به، فحذف من الأول: «الأنبياء»، لدلالة «الذي ينعق» عليه، ومن

стр. 2559

الثاني الذي ينعق به لدلالة «الذين كفروا» عليه. ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وأدخل يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء﴾ [النمل: ١٢]، التقدير: وأدخل يدك في جيبك غير بيضاء، وتخرجها تخرج بيضاء، فحذف «غير بيضاء» من الأول، ومن الثاني أخرجها تخرج. وقال الزركشي: هو أن يجتمع في الكلام متقابلان، فيحذف من كل واحد منهما مقابله لدلالة الآخر عليه، كقوله تعالى: ﴿أم يقولون افتراه قل إن افتريته فعلى إجرامي وأنا بريء مما تجرمون﴾، وقوله تعالى: ﴿ويعذب المنافقين إن شاء أو يتوب عليهم﴾ [الأحزاب: ٢٤] فلا يعذبهم، وقوله تعالى: ﴿ولا تقربوهن حتى يطهرن فإذا تطهرن فأتوهن﴾ [البقرة: ٢٢٢] أي حتى يطهرن من الدم، ويتطهرن بالماء، فإذا طهرن وتطهرن فأتوهن، وقوله تعالى: ﴿خلطوا عملاً صالحًا وآخر سيئًا﴾ [التوبة: ١٠٢] أي عملاً صالحًا بسيئ، وآخر سيئًا بصالح. قال السيوطي -رحمه الله تعالى-: ومن لطيفه قوله تعالى: ﴿فئة تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة﴾ [آل عمران: ١٣]، تقاتل في سبيل الطاغوت. وفي «الغرائب» للكرماني: في الآية الأولى التقدير: مثل الذين كفروا بك كمثل الناعق مع الغنم، فحذف من كل طرف ما يدل عليه الطرف الآخر. وله في القرآن نظائر وهو بلغ ما يكون من الكلام. انتهى. وأما فوائد الحذف: فقد ذكروا له فوائد:

стр. 2560

منها: الإيجاز، والاختصار، والاحتراز عن العبث، والتنبيه على أن الزمان متقاصر عن الإتيان بالمحذوف، وأن الاشتغال بذكره يفضي إلى تفويت المهم. وهذه فائدة باب التحذير والإغراء. وقد اجتمعا في قوله تعالى: ﴿ناقة الله وسقياها﴾ [الشمس: ١٣]، بتقدير: ألزموا، وتحذير بتقدير: ذروا. ومنها: التعظيم والتفخيم لما في الحذف من الإبهام. قال حازم في «منهاج البلغاء»: إنما يحسن الحذف لقوة الدلالة عليه، أو

стр. 2561

لقصديه تعديد أشياء، فيكون في تعدادها طول أو سآمة، فيحذف ويكتفي بدلالة الحال عن ذكرها، ولهذا القصد يورد في المواضع التي يراد بها التعجب والتهويل على النفوس، ومنه قوله تعالى: في وصف أهل الجنة: ﴿حتى إذا جاءوها وفتحت أبوابها﴾ [الزمر: ٧٣] فحذف الجواب؛ إذ كان وصف ما يجدونه ويلقونه عن ذلك لا ينتهي؛ فجعل الحذف دليلاً على ضيق الكلام عن وصف ما يشاهدونه، وتركت النفوس تقدر ما شأنه؛ ولا تبلغ مع ذلك كنه ما هنالك. وكذا قوله تعالى: ﴿ولو ترى إذ وقفوا على النار﴾ [الأنعام: ٢٧]، أي لرأيت أمرًا فظيعًا لا يكاد يحيط به العبارة. انتهى. وقال القزويني في «تلخيص المفتاح» في أحوال/ المسند إليه: أما حذفه فللاحتراز عن العبث بناء على الظاهر. أقول: يعني أنه لا يخفى وأنه في غاية الظهور، فإذا ذكر كان عبثًا. قال: أو تخيل العدول إلى أقوى الدليلين من العقل واللفظ. أقول: وهذه فائدة عظيمة من فوائد الحذف وهو أن المتكلم اعتمد على أن

стр. 2562

العقل مثبت للمحذوف راسخ فيه، كما أن العبارة مثبت للمذكور موضحة له، ودلالة العقل أقوى من دلالة اللفظ، لأنه يحتاج إلى الفعل. قال في التلخيص: أو اختبار تنبه السامع عند القرينة، أو مقدار تنبهه. أقول: وهما نكتان من فوائد الحذف، يعني تحذف المحذوف ولتعلم هل ينبه السامع أو هل يتنبه من أول وهلة، أو بعد التأمل. قال: أو إيهام صونه عن لسانك يعني تعظيمًا له، «أو عكسه» يعني أنك تصون لسانك عن ذكره تحقيرًا له. قال: «أو تعينه» يعني لا ينصرف إلا إليه، كقولنا: خالق كل شيء، فاعل لما يريد، لا ينصرف إلا إلى الله تعالى. قال: «أو ادعاء التعين» يعني: وإن أمكن أن ينصرف إلى الغير، لكن المتكلم يدعي أنه لا ينصرف إلا في مذكور معروف تعظيمًا وتنويهًا، نحو: وهاب الألوف، يعني الخليفة. وقال في باب متعلقات الفعل: وإما للتعميم مع الاختصار، كقولك: قد كان منك ما يؤلم، أي كل أحد، وعليه قوله تعالى: ﴿والله يدعوا إلى دار السلام﴾ [يونس: ٢٥]. أقول: يعني بحذف المفعول للتعميم كما في الآية والله يدعو، أي: جميع عباده.

стр. 2563

قال: وأما لمجرد الاختصار، نحو: أصغيت إليه، أي: أذني، وعليه قوله تعالى: ﴿أرني أنظر إليك﴾ [الأعراف: ١٤٣]، أي: ذاتك. انتهى. أقول: حمل الآية على أنه لمجرد/ الاختصار مما لا ينبغي في القرآن، فإنها نكتة ضعيفة لفظية. وجعل الآية في عروس الأفراح للسبكي، مما حذف تعظيمًا لذكره، وصيانة اللسان عن أن ينطق به لشرفه وعلوه، وهو في غاية النفاسة والحسن. قال: أو لرعاية الفاصلة، كقوله تعالى: ﴿وما دعك ربك وما قلى﴾ [الضحى: ٣]. انتهى. كذا ذكره غير واحد، أن حذف المفعول في «قلى» لرعاية السجعة، وهو ضعيف، ولم أر من ذكر لذلك نكتة معنوية، وقد لاح لي في ذلك: أنه إنما حذف المفعول لئلا يواجه الحق نبيه ﵊ بكاف الخطاب- فإن القلي هو الإبعاد، والهجر، والبغض- فحذف لئلا يتوجه إليه هذا الخطاب، وإن كان منفيًا، فقال تعالى: ﴿ما ودعك ربك وما قلى﴾ [الضحى: ٢].

стр. 2564

فإن قلت: كيف قال جل شأنه: ﴿ما ودعك﴾، والتوديع: المفارقة، وخاطبه بها؟ قلت: التوديع ليس مثل القلي، فإن الموادعة المفارقة، وتكون من غير مباغضة ولا مقاطعة ولا قلى، بخلاف القلي، فإنه البغض والهجر، والصد. فكان أمره عظيم لا تستطيعه مرارة المحبوبين، ولذا قال قائلهم: عذب -بغير الهجر- قلبي تجد له ... على غير جفاك اصطبار قال الشيخ عبد القاهر: ما من اسم حذف في الحالة التي ينبغي أن يحذف فيها إلا وحذفه أحسن من ذكره. وسمى ابن جني الحذف: شجاعة العربية؛ لأنه شجع على الكلام. فائدة: قال الشيخ عز الدين: لا يقدر من المحذوف إلا أشدها موافقة للغرض ، وأفصحها؛ لأن العرب لا تقدر إلا ما لو لفظوا به لكان أحسن وأنسب لذلك الكلام، كما يفعلون ذلك في الملفوظ به، نحو قوله تعالى: ﴿جعل الله الكعبة البيت الحرام قيامًا للناس﴾ [المائدة: ٩٧]، قدر أبو علي: جعل الله نصب الكعبة. وقدر غيره: حرمة الكعبة، وهو أولى؛ لأن تقدير «الحرمة» في الهدي والقلائد والشهر الحرام لا يشك في فصاحته، وتقدير: «النصب» فيها بعيد من الفصاحة. قال: ومهما تردد المحذوف بين الحسن والأحسن وجب تقدير الأحسن، فإن الله وصف كتابه: بأنه أحسن الحديث، فليكن محذوفه أحسن

стр. 2565

المحذوفات، كما أن ملفوظه أحسن الملفوظات. قال: ومتى تردد بين أن يكون مجملاً أو مبينًا، فتقدير المبين أحسن، نحو قوله تعالى: ﴿وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث﴾ [الأنبياء: ٧٨] لك أن تقدر: في أمر الحرث، أو في تضمين الحرث، وهو أولى؛ لتبيينه وهو مجمل لتردده بين أنواع. فصل: نذكر فيه أنواع الإطناب كما سبق أنواع الإيجاز . النوع الأول: من أنواب الإطناب، الإطناب بتكثير الجمل، نحو قول الله تعالى: ﴿إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في

стр. 2566

البحر ... ﴾ الآية في سورة (البقرة) [البقرة: ١٦٤]. أطنب الله -جل شأنه- في أنواع المتفكر فيه لكون الخطاب فيه لجميع الثقلين، وفي كل عصر وحين، للعالم والجاهل، والموافق والمخالف، وكذا قوله تعالى: ﴿إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب﴾ في سورة [آل عمران: ١٩٠]. أطنب الحق فيها في صفات المتفكرين لبيان شرفهم وعلو مقامهم، وما منحهم الله من جليل النعم، وكذلك قوله تعالى: ﴿الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به﴾ [غافر: ٧]، فقوله تعالى: ﴿ويؤمنون به﴾ إطنابًا؛ لأن من المعلوم إيمان حملة العرش، وذكر؛ لإظهار شرف الإيمان والترغيب فيه. وكذا قوله تعالى: ﴿وويل للمشركين (٦) الذين لا يؤتون الزكاة﴾ [فصلت: ٦، ٧]، وليس أحد من المشركين مزكي، والنكتة: الحث للمؤمنين على أدائها، والتحذير من المنع، حيث جعل من أوصاف المشركين. النوع الثاني: من أنواع الإطناب: دخول حرف فأكثر من حروف التأكيد على الجملة، مثل: لا الابتداء، و «ألا»

стр. 2567

الاستفتاحية، و «أما»، و «ها» التنبيه. والكلام في التأكيد إذا لم/ يكن هو مقتضى الحال، أما إذا كان الحال مقتضية فليس من الإطناب./. مثال التأكيد على وجه الإطناب، قوله تعالى: ﴿ثم إنكم بعد ذلك لميتون (١٥) ثم إنكم يوم القيامة تبعثون﴾ [المؤمنين: ١٥، ١٦]، أكد الموت تأكيدين، وإن لم ينكر؛ لتنزيل المخاطبين -لتماديهم في الغفلة- تنزيل من ينكر الموت. وأكد إثبات البعث تأكيدًا واحدًا وإن كان أشد نكيرًا؛ لأنه لما كانت أدلته ظاهرة واضحة، نزل إنكار المنكر منزلة العدم. كما في قوله تعالى: ﴿ذلك الكتاب لا ريب فيه﴾ [البقرة: ٢]، نفي عنه «الريب» على سبيل الاستغراق بـ «لا» مع أن «الريب» واقع فيه من المرتابين؛ لكن نزل ارتيابهم فيه منزلة العدم، تعويلاً على ما فيه من الأدلة الباهرة، أو

стр. 2568

عد من ارتاب فيه بمنزلة العدم، وأنهم ليس ممن يعتد بهم، لجهلهم، وسوء طباعهم، وأن الناس هم الذين يؤمنون به ويهتدون به. وقال الزمخشري: بولغ في تأكيد الموت تنبيهًا للإنسان أن يكون الموت نصب عينه، ولا يغفل عن ترقبه، فإن مآله إليه، فأكدت جملته ثلاث مرات لهذا المعنى، لأن الإنسان في الدنيا يسعى فيها غاية السعي؛ حتى كأنه مخلد، ولم يؤكد جملة البعث إلا بـ «إن» لأنه برز في صورة المقطوع به الذي لا يمكن فيه نزاع، ولا يقبل الإنكار. لطيفة: قال الجرجاني في «نظم القرآن»: قوله تعالى: ﴿ويقول الإنسان إذا ما مت لسوف أخرج حيا﴾ [مريم: ٦٦] ليست اللام فيه للتأكيد؛ فإنه منكر؛ فكيف يحقق ما ينكر؟ وإنما قاله حاكيًا به كلام النبي ﷺ الصادر منه بأداة التأكيد، فحكاه، فنزله منزلة الآية على ذلك. «تنبيه» ذكر السيوطي -رحمه الله تعالى- في «الإتقان» من أنواع الإطناب:

стр. 2569

أن يكون شيئًا من أدوات التوكيد، ولام الابتداء والقسم، وغير ذلك من الأدوات. وليس الأمر على إطلاقه، بل التأكيد والقسم إن كان الكلام مقتضيه في أصل تأدية المعنى فليس من الإطناب، بل هو من المساواة. وإن لم يكن الكلام مقتضيه فهو من بابه كما قدمناه. الثالث من أنواع الإطناب: الزيادة في الكلام بعض الحروف التي يقصد بها تأكيد الكلام وتقويته، كقوله تعالى: ﴿أليس الله بكاف عبده﴾ [الزمر: ٣٦]. وأما الأفعال، فنحو قوله تعالى: ﴿كيف نكلم من كان في المهد صبيًا﴾ [مريم: ٢٩] فـ «كان» قال بعضهم: صلة أتى بها للتأكيد والتقوية. وقال بعضهم: أصبح في قوله تعالى: ﴿فأصبحوا خاسرين﴾ [المائدة: ٣] مزيدة. وقال الرماني: العادة أن من ب هبه علة تزداد بالليل ويرجو الفرج عند الصبح، فاستعمل «أصبح» لأن الخسران حصل لهم في الوقت الذي يرجى فيه الفرج، فليست زائدة.

стр. 2570

وأما الأسماء، فأكثر النحويين على أنها لا تزاد في الكلام. وبعض النحويين واللغويين يرون زيادة الأسماء، وقد ذكروا ذلك في كثير من كلام العرب، فيقولوا: هو مقحم، أي: زائد. وحمل عليه بعضهم قوله تعالى: ﴿فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به﴾ [البقرة: ١٣٧] أي: بما. الرابع من أنواع الإطناب: التأكيد الصناعي، وهو أربعة أقسام: أحدها: التأكيد المعنوي بـ «كل»، و «أجمع»، و «كلا»، و «كلتا»، نحو قوله تعالى: ﴿فسجد الملائكة كلهم أجمعون﴾ [الحجر: ٣٠]. الثاني: التأكيد اللفظي، وهو تكرار اللفظ الأول بلفظه، نحو قوله تعالى:

стр. 2571

﴿دكًا دكًا﴾ [الفجر: ٢١]، ﴿صفًا صفًا﴾ [الفجر: ٢٢]، ﴿قواريرًا قواريرًا﴾ [الإنسان: ١٥، ١٦]، أو مرادفه، نحو قوله تعالى: ﴿ضيقًا حرجًا﴾ [الأنعام: ١٢٥]. الثالث: تأكيد الفعل بالمصدر، نحو قوله تعالى: ﴿وكلم الله موسى تكليمًا﴾ [النساء: ١٦٤]، ﴿وسلموا تسليمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦]. الرابع: الحال المؤكدة، نحو قوله تعالى: ﴿وأرسلناك للناس رسولاً﴾ [النساء: ٧٩]. كذا ذكر الحافظ السيوطي في «الإتقان» هذا النوع أنه من الإطناب، وأطال في أمثلته. وأقول: إن التوكيد بسائر أنواعه ليس من الإطناب في شيء، بل هو من أصل الكلام، وقصد به المتكلم رفع المجاز، فليس من الإطناب، لأن الإطناب: الزيادة عن أصل الكلام الذي به يتساوى المعنى، وليس التأكيد منه. ولم يذكره القزويني في «تلخيص المفتاح». الخامس من أنواع الإطناب: التكرير، وهو من محاسن الفصاحة، وله فوائد:

стр. 2572

[١] منها: التقرير، وقد قيل: الكلام إذا تكرر تقرر. [٢] ومنها: التأكيد. [٣] ومنها: زيادة التنبيه على ما ينفي التهمة، ليكمل تلقي الكلام بالقبول، ومنه قوله تعالى -حاكيًا-: ﴿وقال الذي آمن يا قوم اتبعون أهدكم سبيل الرشاد (٣٨) يا قوم إنما هذه الحياة الدنيا متاع﴾ [غافر: ٣٨، ٣٩] فكرر النداء لذلك. [٤] ومنها: إذا طال الكلام وخشي تناسي الأول، أعيد ثانيًا تطرية له، وتجديدًا لعهده، ومنه قوله تعالى: ﴿ثم إن ربك للذين عملوا السوء بجهالة ثم تابوا من بعد ذلك وأصلحوا إن ربك من بعدها لغفور رحيم﴾ [النحل: ١١٩] وقوله تعالى: ﴿ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا ثم جاهدوا وصبروا إن ربك من بعدها﴾ [النحل: ١١٠]، وقوله تعالى: ﴿ولما جاءهم كتاب من عند الله﴾ إلى قوله: ﴿فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به﴾ [البقرة: ٨٩]، وقوله تعالى: ﴿لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب﴾ [آل عمران: ١٨٨]، وقوله تعالى: ﴿ ... إني رأيت أحد عشر كوكبًا والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين﴾ [يوسف: ٤]. [٥] ومنها: التعظيم، نحو قوله تعالى: ﴿الحاقة (١) ما الحاقة﴾ [الحاقة: ١، ٢]، وقوله تعالى: ﴿القارعة (١) ما القارعة﴾ [القارعة: ١، ٢]،

стр. 2573

وقوله تعالى: ﴿وأصحاب اليمين ما أصحاب اليمين﴾ [الواقعة: ٢٧]. [٦] ومنها التنبيه والإيقاظ للسامع لينتبه ويستيقظ لما يلقى إليه، وما يعد عليه من النعم والامتنانات وما يسرد عليه من العبر والإشارات، كقوله تعالى -في سورة الرحمن-: ﴿فبأي آلاء ربكما تكذبان﴾ [الرحمن: ١٣] نيفًا وثلاثين مرة، إيقاظًا للسامعين، وتنبيهًا لهم على، نعم الله وامتناعه عليهم، وأدلة توحيده، ولذا ورد عن رسول الله ﷺ فيما أخرجه الترمذي عن جابر ﵁ قال: خرج رسول الله ﷺ على أصحابه فقرأ عليهم سورة الرحمن من أولها إلى آخرها، فسكتوا، فقال: «لقد قرأتها على الجن ليلة الجن فكانوا أحسن مردودًا منكم، كلما أتيت على قوله تعالى: ﴿فبأي آلاء ربكما تكذبان﴾ قالوا: لا بشيء من نعمك ربنا نكذب فلك الحمد». انتهى. وذكر الزمخشري في الكشاف في تفسير سورة «اقتربت» عند قوله تعالى: ﴿ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر﴾ [القمر: ١٧، ٢٢، ٣٢، ٤٠]، فإن قلت: ما فائدة تكرير قوله تعالى: ﴿فذوقوا عذابي ونذر (٣٧) ولقد صبحهم بكرةً عذاب مستقر﴾؟ قلت: أن يتجدد عند استماع كل نبأ من أنباء الأولين ادكارًا وإيقاظًا، وأن يستأنفوا تنبيهًا واستيقاظًا إذا سمعوا الحث على ذلك والبعث عليه، وأن يقرع لهم العصا مرات، ويقعقع لهم

стр. 2574

الشن تارات لئلا يغلبهم السهو، ولا تستولي عليهم الغفلة. وهذا حكم التكرير: كقوله تعالى: ﴿فبأي آلاء ربكما تكذبان﴾ [الرحمن: ١٣] عند كل نعمة عدها في سورة الرحمن، وقوله تعالى: ﴿ويل يومئذ للمكذبين﴾ [المرسلات: ١٥] عند كل آية أوردها في سورة المرسلات، وكذلك تكرير الأنباء والقصص أنفسها، لتكون تلك العبرة حاضرة للقلوب مصورة للأذهان، مركوزة غير منسية في كل أوان. انتهى. وقال في «عروس الأفراح»: فإن قلت: إذا كان المراد بكل ما قبله ليس ذلك بإطناب بل هي ألفاظ كل أريد غير ما أريد بالآخر، قلت: والأمر كذلك، ولا يرد عليه: أن التأكيد لا يزاد على ثلاثة؛ لأن ذاك في التوكيد هو تابع، وأما ذكر الشيء في مقامات متعددة أكثر من ثلاثة فلا يمتنع. انتهى. ومن هذا النوع أيضًا قوله تعالى في سورة (الشعراء): ﴿إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين (٨) وإن ربك لهو العزيز الرحيم﴾ [الشعراء: ٨، ٩] كررت ثماني مرات، كل مرة عقب قصة، فالإشارة في كل واحدة من ذلك/ إلى قصة النبي المذكور قبلها، وما اشتملت عليه من الآيات والعبر. وقوله: ﴿وما كان أكثرهم مؤمنين﴾ إلى قومه. ولما كان مفهومه أن الأقل من قومه آمنوا أتى

стр. 2575

بوصفي: «العزيز الرحيم» للإشارة إلى أن «العزة» على من لم يؤمن منهم، «الرحمة» لمن آمن. قال السيوطي -رحمه الله تعالى- في «الإتقان»: ومن ذلك تكرير القصص قصة آدم، وموسى، ونوح، وغيرهم من الأنبياء، انتهى. وأقول: إن تكرار قصص الأنبياء ﵈ ليس من الإطناب في شيء؛ لأن قصص الأنبياء ﵈ أن تكرر القصة في أماكن متعددة، وسور مختلفة، بأساليب متنوعة، ولها في كل سورة حكمة ولطيفة غير ما في السورة الأخرى. وأيضًا كل قصة مستقلة على حدة. والإطناب: الإطالة والزيادة في كلام واحد، وسيأتي في نوع «تكرار قصص الأنبياء والحكمة في ذلك وسر التكرار». ومن التكرار على وجه الإطناب والمبالغة عند الفراء قوله تعالى: ﴿قل يا أيها الكافرون (١) لا أعبد ما تعبدون (٢) ولا أنتم عابدون ما أعبد (٣) ولا أنا عابد ما عبدتم (٤) ولا أنتم عابدون ما أعبد (٥) لكم دينكم ولي دين﴾ [الكافرون]. قال: هو بمنزلة قوله: لا أفعل هذا الأمر، لا أفعله.

стр. 2576

وقال بعضهم: إن الكفار كان في سؤالهم: تعبد آلهتنا سنة، ونعبد إلهك سنة، واعبد آلهتنا شهرًا ونعبد إلهك شهرًا، فأتى الجواب على وفق سؤالهم، فكان التكرار؛ لذلك ليست الآية من التكرار الذي قصد به التوكيد. وعليه أكثر المفسرين. فقالوا: «لا أعبد» أي في المستقبل، «ما تعبدون» فيه، «ولا أنتم عابدون» فيه، «ما أعبد» فيه، «ولا أنا عابد» في الحال، «ما عبدتم» في الحال، «ولا أنتم عابدون» في الحال، «ما أعبد» في الحال. ويحتمل عليه ذلك، فإن اسم الفاعل يصلح للحال والاستقبال، فتكون الجملة الأولى للحال، والثانية للاستقبال. وقد أجاز الوجهين الإمام الرازي في «التفسير الكبير» قال الأول: للاستقبال، الثاني: أن ينقلب الأمر فيجعل الأول للحال، والثاني للاستقبال، ثم قال بعضهم: كل واحد منهما يصلح للحال والاستقبال، ولكنا نخص أحدهما بالحال، والثاني بالاستقبال دفعًا للتكرار، فإن قلنا: إنه خبر عن الحال، ثم عن الاستقبال، فهو الترتيب، وإن قلنا: أخبر أولاً عن الاستقبال، فلأنه هو الذي دعوه إليه، فهو الأهم فبدأ به. انتهى. وإلى حمل الجملتين على الزمانين ذهب أكثر المفسرين، وبعضهم: إلى

стр. 2577

نفي العبادة في الأزمنة الثلاثة. وكل هذه التعبيرات التي عبروا بها تكلف وتعسف. وقال بعضهم في وجه دفع التكرار: ﴿لا أعبد ما تعبدون﴾ [الكافرون] من الأصنام، ﴿ولا أنتم عابدون ما أعبد﴾ وهو الله، ﴿ولا أنا عابد ما عبدتم﴾ أي عبادتكم، فـ «ما» مصدرية، ﴿ولا أنتم عابدون ما أعبد﴾ أي عبادتي، فالجملة الأولى لنفي المعبود، والثانية للعبادة. وعندي: أن الوجه في السورة ما ذكره المفسرون في أسباب نزول السورة، وأخرجه ابن جرير في تفسيره، والطبراني عن ابن عباس -رضي الله تعالى عنهما- أن رهطًا من قريش قالوا: يا محمد، هلم فاتبع ديننا ونتبع دينك، تعبد آلهتنا سنةً ونعبد إلهك سنةً فقال: «معاذ الله أن أشرك بالله غيره»، فقالوا: فاستلم بعض آلهتنا نصدقك ونعبد إلهك، فنزلت، فعمد إلى المسجد الحرام وفيه الملأ من قريش فقام على رؤوسهم فقرأها عليهم، فآيسوا. انتهى.

стр. 2578

وهذا السبب موضح مبين لوجه التكرار/ لمن تأمل أنى تأمل، وكثير من الآيات يشكل ولا يبينها إلا معرفة السبب، كقوله تعالى: ﴿فأينما تولوا فثم وجه الله﴾ [البقرة: ١١٥] وقوله تعالى: ﴿إن الصفا والمروة من شعائر الله﴾ [البقرة: ١٥٨] وغير ذلك من الآيات. فيكون معنى: ﴿لا أعبد ما تعبدون﴾ على شريطة أنكم تعبدون الله معي، ﴿ولا أنتم عابدون ما أعبد] إلا بأن أعبد ما تعبدون من الأصنام، ﴿ولا أنا عابد ما عبدتم﴾ على الشرط الآخر أيضًا، وهو قولهم: إن لم تعبد آلهتنا فتسمح ببعضها/ نصدقك، فلا أعبد آلهتكم على هذا الشرط أيضًا، ولا أنتم عابدون إلهي إلا بما شرطتم، فلا يتم أمر بيني وبينكم، لكم الباطل، ولي دين الحق، والله يقول الحق. وعلى هذا المعنى لا يكون من باب التكرار، وهو في غاية الجودة. النوع السادس من أنواع الإطناب: الإطناب بالنعت والصفة، وتكون لمعان متعددة: أحدها: التخصيص في النكرة، نحو قوله تعالى: ﴿فتحرير رقبة مؤمنة﴾ [النساء: ٩٢].

стр. 2579

الثاني: التوضيح في المعرفة، نحو قوله تعالى: ﴿ورسوله النبي الأمي﴾ [الأعراف: ١٥٨]. الثالث: المدح والثناء، نحو قوله تعالى: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين (٢) الرحمن الرحيم (٣) مالك يوم الدين﴾ [الفتحة: ١ - ٤] وقوله تعالى: ﴿هو الله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة هو الرحمن الرحيم (٢٢) ... الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر سبحان الله عما يشركون هو الله الخالق البارئ المصور له الأسماء الحسنى يسبح له ما في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم﴾ [الحشر: ٢٢ - ٢٤]. الرابع: الذم، نحو قوله تعالى: ﴿فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم﴾ [النحل: ٩٨]. فائدة: إذا وقعت الصفة بعد متضايفين أولهما عدد، جاز إجراؤها على المضاف، والمضاف إليه، فمن الأول قوله تعالى: ﴿ ... سبع سموات طباقًا﴾ [الملك: ٣]، من الثاني قوله تعالى: ﴿ ... سبع بقراتٍ سمانٍ .. ﴾ [يوسف: ٤٣].

стр. 2580

فائدة: قطع النعوت في مقام المدح والذم أبلغ من إجرائها ؛ قال الفارسي: إذا ذكرت صفات في معرض المدح أو الذم، فالأحسن أن يخالف في إعرابها؛ لأن المقام يقتضي الإطناب، فإذا خولف في الإعراب كان المقصود أكمل؛ لأن المعاني عند الاختلاف تتنوع وتتفنن وعند الإيجاز تكون نوعًا واحدًا. مثاله في المدح: ﴿والمؤمنون يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك والمقيمين الصلاة والمؤتون الزكاة﴾ [النساء: ١٦٢]، ﴿ولكن البر من آمن بالله﴾، إلى قوله: ﴿والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين﴾ [البقرة: ٣]. وقد تقدم قراءة من قرأ: ﴿الحمد لله رب العالمين﴾ [الفاتحة: ٢] بالرفع والنصب. ومثاله في الذم: ﴿وامرأته حمالة الحطب﴾ [المسد: ٤]. النوع السابع من أنواع الإطناب: الإطناب بالبدل. والقصد به الإيضاح

стр. 2581

بعد الإبهام. وفائدته: البيان والتوكيد. أما الأول: فواضح. وأما التوكيد فهو على ثلاثة أقسام: ١ - بدل الكل من الكل، نحو: ﴿أهدنا الصراط المستقيم (٦) صراط الذين أنعمت عليهم﴾ [الفاتحة: ٦]، ﴿وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم (٥٢) صراط الله الذي له ما في السموات وما في الأرض﴾ [الشورى: ٥٢، ٥٣]، ﴿كلا لئن لم بنته لنشفعا بالناصية (١٥) ناصية كاذبة خاطئة﴾ [العلق: ١٥، ١٦]. ٢ - ومثال بدل البعض من الكل: ﴿ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً﴾ [آل عمران: ٩٧]، فـ ﴿من استطاع﴾ بدل من ﴿الناس﴾ بدل بعض من كل. ٣ - مثال بدل الاشتمال: ﴿يسئلونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير﴾ [البقرة: ٢١٧]. النوع الثامن من أنواع الإطناب: الإطناب بعطف البيان. وفرق ابن

стр. 2582

كيسان بينه وبين البدل، بأن البدل هو المقصود؛ فكأنك قررته في موضع البدل منه، وعطف البيان وما عطف عليه كل منهما مقصود. وقال ابن كيسان: عطف البيان يجري مجرى النعت في تكميل متبوعة، ويفارقه في أن تكميله بشرح وتبيين، لا بدلالة على معنى في المتبوع أو سببه، ومجرى التوكيد في تقوية دلالته، ويفارقه في أنه لا يرفع توهم مجز ويجري مجرى البدل في صلاحية للاستقلال ويفارقه في أنه غير منوي الاطراح. وذكر ابن هشام في «المغني»: أن البدل يفارق عطف البيان في ثمانية أشياء: الأول: أن عطف البيان لا يكون مضمرًا ولا تابعًا لمضمر، بخلاف البدل، نحو: ﴿وما أنسانيه إلا الشيطان﴾ [الكهف: ٦٣]. الثاني: أن البيان لا يخالف متبوعة في تعريفه، وتنكيره، بخلاف البدل، نحو: ﴿كلا لئن لم ينته لنسعفا بالناصية (١٥) ناصية كاذبة خاطئة﴾ [العلق: ١٥، ١٦].

стр. 2583

الثالث: لا يكون عطف البيان جملة، بخلاف البدل، نحو: ﴿وأسروا النجوى الذين ظلموا هل هذا إلا بشر مثلكم﴾ [الأنبياء: ٣]. الرابع: أنه لا يكون تابعًا لجملة، بخلاف البدل، نحو: ﴿اتبعوا المرسلين اتبعوا من لا يسئلكم أجرًا﴾ [يس: ٢٠، ٢١]. الخامس: أن لا يكون عطف البيان فعلاً، ولا تابعًا لفعل، بخلاف البدل، نحو: ﴿ومن يفعل ذلك يلق أثامًا يضاعف له العذاب يوم القيامة﴾ [الفرقان: ٦٨، ٦٩]. السادس: أن عطف البيان لا يكون بلفظ الأول، ويجوز ذلك في البدل بشرط أن يكون مع الأول زيادة بيان، كقراءة يعقوب: ﴿وترى كل أمة جاثية كل أمة تدعى إلى كتابها﴾ [الجاثية: ٢٨] بنصب «كل» الثانية، وهذا الفرق اختاره ابن مالك وبعض النحاة، ورده ابن هشام في «المغني».

стр. 2584

السابع: أن عطف البيان ليس في نية إحلاله محل الأول، بخلاف البدل. الثامن: أنه ليس في التقدير من جملة أخرى، بخلاف البدل. انتهى ملخصًا. مثال عطف البيان قول الله تعالى: ﴿فيه آيات بينات مقام إبراهيم﴾ [آل عمران: ٩٧]، ﴿ومن شجرة مباركة زيتونة﴾ [النور: ٣٥]. وقد يأتي لمجرد المدح نحو قوله تعالى: ﴿جعل الله الكعبة البيت الحرام﴾ [المائدة: ٩٧]، فالبيت الحرام عطف بيان للمدح، لا للإيضاح.

стр. 2585

أقول: قد ذكر الحافظ السيوطي في «الإتقان» أن البدل وعطف البيان من الإطناب. وليسا منه في شيء؛ لأنهما مقصودان في أصل الكلام، والإطناب: الزيادة عن أصل الكلام الذي به يتم المقصود. والله أعلم. النوع التاسع من أنواع الإطناب: الإطناب بعطف المترادفين أحدهما على الآخر: ﴿إنما أشكوا بثي وحزني إلى الله﴾ [يوسف: ٨٦]، ﴿فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا﴾ [آل عمران: ١٤٦]. ﴿لا ترى فيها عوجًا ولا أمتا﴾ [طه: ١٠٧]، قال الخليل: العوج والأمت بمعنى واحد، ﴿لا تبقى ولا تذر﴾ [المدثر: ٢٨]. وأنكر المبرد وجود هذا النوع في القرآن، وأول كل ما سبق من هذه الألفاظ إلى اختلاف المعنيين. وهو الراجح. فيكون من باب تأكيد الكلام وتوضيحه توكيدًا غير صناعي، وإلا فتقدم أن التوكيد الصناعي ليس من باب الإطناب. النوع العاشر من أنواع الإطناب: عطف الخاص على العام، وفائدته: التنبيه على فضله حتى كأنه ليس من جنس العام تنزيلاً لتغاير الوصف منزلة

стр. 2586

التغاير في الذات. ومن أمثلته: ﴿حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى﴾ [البقرة: ٢٣٨]، ﴿من كان عدو لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال فإن الله عدو للكافرين﴾، [البقرة: ٩٨]. النوع الحادي عشر من أنواع الإطناب: عطف العام على الخاص. وأنكره بعضهم. وفائدته: التعميم. وأفرد الأول بالذكر للاهتمام بشأنه. مثاله: ﴿إن صلاتي ونسكي﴾ [الأنعام: ١٦٢]. والنسك: العبادة، فهو أعم. ومنه قوله: ﴿ولقد آتيناك سبعًا من المثاني والقرآن العظيم﴾ [الحجر: ٨٧]. إن لم تجعل القرآن اسم الفاتحة. ومنه قوله: ﴿رب اغفر لي ولوالدي

стр. 2587

ولمن دخل بيتي مؤمنًا وللمؤمنين والمؤمنات﴾ [نوح: ٢٨]. النوع الثاني عشر من أنواع الإطناب: الإطناب بالإيضاح بعد الإبهام، نحو قوله تعالى: ﴿إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرًا في كتاب الله يوم خلق السموات والأرض منها أربعة حرم﴾ [التوبة: ٣٦]، ﴿وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر فتم ميقات ربه أربعين ليلة﴾ [الأعراف: ١٤٢]، فكان قوله: ﴿فتم ميقات ربه﴾ رفع احتمال أن يكون العشرة من غير موعدة. ومن أمثلته قوله تعالى: ﴿إن الإنسان خلق هلوعًا (١٩) إذا مسه الشر جزوعًا (٢٠) وإذا مسه الخير منوعًا﴾ [المعارج: ١٩ - ٢١]، فقوله: ﴿إذا مسه ... ﴾ إلى آخره. مفسر «للهلوع» كما قال أبو العالية وغيره. وكذا قوله تعالى: ﴿الله لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم﴾ [البقرة: ٢٥٥]، قال البيهقي في شرح أسماء الله الحسنى: قوله: ﴿لا تأخذه سنة ولا نوم﴾ تفسير «للقيوم». وقوله تعالى: ﴿يسومونكم سوء العذاب يذبحون أبناءكم ... ﴾ الآية [البقرة: ٤٩]، فـ «يذبحون» وما بعده تفسير لـ «يسومونكم». وكذا قوله تعالى:

стр. 2588

﴿لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة﴾ [الممتحنة: ١]، فـ «تلقون ... » إلى آخره، تفسير لـ «اتخاذهم أولياء». وكذا قوله تعالى: ﴿الله الصمد (٢) لم يلد ولم يولد (٣) ... ﴾ الآية [الإخلاص: ٢، ٣]، قال محمد بن كعب القرظي: لم يلد إلى آخره ... تفسير لـ «الصمد»، وهو في القرآن كثير. قال ابن جني: ومتى كانت الجملة تفسيرًا لم يحسن الوقوف على ما قبلها دونها؛ لأن تفسير الشيء لا حق به ومتمم له وجار مجرى بعض أجزائه. النوع الثالث عشر من أنواع الإطناب: الإطناب بوضع الظاهر موضع المضمر. وقد ألف في ذلك ابن الضائع تأليفًا مفردًا. وله فوائد: [١] منها زيادة التقرير والتمكين، نحو: ﴿قل هو الله أحد (١) الله الصمد﴾ [الإخلاص: ١، ٢]، ﴿وبالحق أنزلناه وبالحق نزل﴾ [الإسراء: ١٠٥]، ﴿إن الله لذو فضل على الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون﴾ [غافر: ٦١]، ﴿لتحسبوه من الكتاب وما هو من الكتاب ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله﴾ [آل عمران: ٧٨].

стр. 2589

[٢] ومنها: قصد التعظيم، نحو ﴿اتقوا الله ويعلمكم الله والله بكل شيء عليم﴾ [البقرة: ٢٨٢]، ﴿أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون﴾ [المجادلة: ٢٢]، ﴿وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودًا﴾ [الإسراء: ٧٨]، ﴿ولباس التقوى ذلك خير ذلك﴾ [الأعراف: ٢٦]. [٣] ومنها: قصد الإهانة والتحقير، نحو: ﴿أولئك الشيطان ينزع بينهم﴾ [الإسراء: ٥٣]. [٤] ومنها: إزالة اللبس حيث يوهم الضمير أنه غير الأول، نحو قوله تعالى: ﴿قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك﴾ ﴿آل عمران: ٢٦]، لو قال: «تؤتيه» لأوهم أنه الأول، قال ابن الخشاب. وقوله تعالى: ﴿الظانين بالله ظن السوء عليهم دائرة السوء﴾ [الفتح: ٦]، كرر «السوء» لأنه لو قال: «عليهم دائرته» لأوهم أن الضمير عائد إلى الله تعالى. وقوله تعالى: ﴿فبدأ بأوعيتهم قبل وعاء أخيه ثم استخرجها من وعاء أخيه﴾ [يوسف: ٧٦] لو قال: ثم استخرجها منه لأوهم عود الضمير إلى الأخ وأنه استخرجها منه، وليس الأمر كذلك.

стр. 2590

[٥] ومنها: الاستلذاذ بذكره، نحو: ﴿وأورثنا الأرض تتبوأ من الجنة حيث نشاء فنعم أجر العاملين﴾ [الزمر: ٧٤]، لم يقل: «منها». [٦] ومنها: قصد التوصل بالظاهر إلى الوصف نحو: ﴿فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمي الذي يؤمن بالله﴾ [الأعراف: ١٥٨]، بعد قوله: ﴿إني رسول الله إليكم﴾ [الأعراف: ١٥٨]، لم يقل: «فآمنوا بالله وبي» ليتمكن من إجراء الصفات التي ذكرها، ليعلم أن الذي وجب الإيمان به والإتباع له هو من وصف بهذه الصفات، ولو أتى بالضمير لم يكن له ذلك لأنه لا يوصف. [٧] ومنها: التنبيه على علة الحكم، نحو قوله تعالى: ﴿فبذل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم فأنزلنا على الذين ظلموا﴾ [الأعراف: ١٦٢]، لم يقل: «فأنزلنا عليهم» لأن علة إنزال الرجس عليهم هو الظلم. ومن ذلك: ﴿من كان عدوًا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال فإن الله عدو للكافرين﴾ [البقرة: ٩٨]، لم يقل: «فإن الله عدو لهم» إعلامًا بأن من عادى هؤلاء فقد كفر، وأن الله إنما عاداه لكفره. [٨] ومنها قصد العموم، نحو قوله تعالى: ﴿وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء﴾ [يوسف: ٥٣]، ولم يقل: «إنها» لئلا يفهم التخصيص، وأن ذلك خاص لنفسه، ﴿أولئك هم الكافرون حقًا واعتدنا للكافرين عذابًا مهينًا﴾ [النساء: ٣٧]. [٩] ومنها: الإشارة إلى التخصيص، كقوله تعالى: ﴿وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي﴾ [الأحزاب: ٥٠]، لم يقل: «لك» للإشارة إلى الخصوصية لكونه نبي الله. [١٠] ومنها: التقرير والتوضيح، لكون المقام يقتضيه، مثل قوله تعالى: ﴿قل أعوذ برب الناس﴾ [الناس: ١] إلى آخر السورة، كرر «الناس»

стр. 2591

ولم يقل: «مالكهم»، لأن المقام مقام استعاذة الناس بربهم، فكان الإظهار أولى. وذكر بعضهم: أنه في الآية نكتة الجناس .. وليس فيها جناس، بل هي من نوع التكرار- كما تقدم. لنكتة وفائدة. وكذا قوله تعالى: ﴿اقرأ باسم ربك الذي خلق (١) خلق الإنسان من علق (٢)﴾ [العلق: ١، ٢]، ثم قال: ﴿علم الإنسان ما لم يعلم﴾ [العلق: ٥]، ثم قال: ﴿إن الإنسان ليطغى﴾ [العلق: ٦]، وكلهم بمعنى واحد. وإن قال بعضهم: إن «الإنسان» الأول هو مطلق الإنسان، والثاني آدم ومن تعلم الكتابة، والثالث، أبو جهل. وهو بعيد وفيه تكلف. [١١] ومنها: مراعاة الترصيع وتوازن اللفظ في التركيب ذكره بعضهم، في قوله تعالى: ﴿أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى﴾.

стр. 2592

[١٢] ومنها: أن يحتمل ضميرًا لابد منه؛ ومنه قوله تعالى: ﴿حتى إذا أتينا أهل قرية استطعما أهلها﴾ [الكهف: ٧٧]، لو قال: «استطعماها» لم يصح لأنهما لم يستطعما القرية، أو استطعماهم فكذلك؛ لأن جملة «استطعما» صفة لقرية النكرة، لا لـ «أهل»، فلابد أن يكون فيها ضمير يعود عليها، ولا يمكن إلا مع التصريح بالظاهر. كذا حرره السبكي في جواب سؤال سأله الصلاح الصفدي، وصورة السؤال: أسيدنا قاضي القضاة ومن إذا ... بدا وجهه استحيا له القمران ومن كفه يوم الندى ويراعه ... على طرسه بحران يلتقيان ومن إن دجت في المشكلات مسائل ... جلاها بفكر دائم اللمعان رأيت كتاب الله أكبر معجز ... لأفضل من يهدي به الثقلان ولكنني في الكهف أبصرت آية ... بها الفكر من طول الزمان عناني وما هي إلا «استطعما أهلها» فقد ... نرى «استطعماهم» مثله ببيان فما الحكمة الغراء في وضع ظاهر ... مكان ضمير إن ذاك لشان

стр. 2593

فأرشد على عادات فضلك حيرتي ... فمالي بها عند البيان يدان الرابع عشر من أنواع الإطناب: الإيغال، وهو الإمعان، بأن يختم المتكلم الكلام بما يفيد نكتة يتم المعنى بدونها. وزعم بعضهم أنه خاص بالشعر، ورد بأنه واقع في القرآن، ومثل لذلك بقوله تعالى: ﴿ ... اتبعوا من لا يسئلكم أجرًا وهم مهتدون﴾ [يس: ٢١] فقوله: «وهم مهتدون» إيغال؛ لأنه مما يتم المعنى بدونه، لأن الرسول مهتد

стр. 2594

لا محالة، لكن فيه زيادة حيث على الإتباع، وترغيبًا في الرسل، أي لا تخسرون معه شيئًا من دنياكم، وتربحون صحة دينكم، فينتظم لكم خير الدنيا والآخرة. وجعل منه ابن الإصبع: ﴿ولا تسمع الصم الدعاء إذا ولوا مدبرين﴾ [النحل: ٨٠] فإن قوله: «إذا ولوا مدبرين» زائد على المعنى، مبالغة في عدم انتفاعهم. النوع الخامس عسر من أنواع الإطناب: التذييل: وهو أن يؤتي بجملة عقب جملة مشتملة على معناها لتأكيد مفهومها ومنطوقها، ليظهر لمن لا يفهمه، ويتقرر عند من يفهمه. وهو ضربان: [أ] ضرب لم يخرج مخرج المثل، كقوله تعالى: ﴿ذلك جزيناهم بما

стр. 2595

كفروا وهل نجزي إلا الكفور﴾ [سبأ: ١٧]. [ب] وضرب خرج مخرج المثل، نحو: ﴿وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقًا﴾ [الإسراء: ٨١]. وقد اجتمعا في آية واحدة، وهي قوله تعالى: ﴿وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد أفإين مت فهم الخالدون (٣٤) كل نفس ذائقة الموت﴾ [الأنبياء: ٣٤، ٣٥]. جار مجرى المثل. وكل منهما تذييل لما قبله. النوع السادس عشر من أنواع الإطناب: التكميل ويسمى بالاحتراس، وهو أن يؤتي بكلام يرفعه إيهام خلاف المقصود، مثل قوله: ﴿أذلة على المؤمنين
следующие страницы →