← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 150960

الزيادة والإحسان في علوم القرآن

محمد عقيلة

Полный текст (4 238 стр.). Показаны 2591–2630 · переход к 2596.

стр. 2591

ولم يقل: «مالكهم»، لأن المقام مقام استعاذة الناس بربهم، فكان الإظهار أولى. وذكر بعضهم: أنه في الآية نكتة الجناس .. وليس فيها جناس، بل هي من نوع التكرار- كما تقدم. لنكتة وفائدة. وكذا قوله تعالى: ﴿اقرأ باسم ربك الذي خلق (١) خلق الإنسان من علق (٢)﴾ [العلق: ١، ٢]، ثم قال: ﴿علم الإنسان ما لم يعلم﴾ [العلق: ٥]، ثم قال: ﴿إن الإنسان ليطغى﴾ [العلق: ٦]، وكلهم بمعنى واحد. وإن قال بعضهم: إن «الإنسان» الأول هو مطلق الإنسان، والثاني آدم ومن تعلم الكتابة، والثالث، أبو جهل. وهو بعيد وفيه تكلف. [١١] ومنها: مراعاة الترصيع وتوازن اللفظ في التركيب ذكره بعضهم، في قوله تعالى: ﴿أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى﴾.

стр. 2592

[١٢] ومنها: أن يحتمل ضميرًا لابد منه؛ ومنه قوله تعالى: ﴿حتى إذا أتينا أهل قرية استطعما أهلها﴾ [الكهف: ٧٧]، لو قال: «استطعماها» لم يصح لأنهما لم يستطعما القرية، أو استطعماهم فكذلك؛ لأن جملة «استطعما» صفة لقرية النكرة، لا لـ «أهل»، فلابد أن يكون فيها ضمير يعود عليها، ولا يمكن إلا مع التصريح بالظاهر. كذا حرره السبكي في جواب سؤال سأله الصلاح الصفدي، وصورة السؤال: أسيدنا قاضي القضاة ومن إذا ... بدا وجهه استحيا له القمران ومن كفه يوم الندى ويراعه ... على طرسه بحران يلتقيان ومن إن دجت في المشكلات مسائل ... جلاها بفكر دائم اللمعان رأيت كتاب الله أكبر معجز ... لأفضل من يهدي به الثقلان ولكنني في الكهف أبصرت آية ... بها الفكر من طول الزمان عناني وما هي إلا «استطعما أهلها» فقد ... نرى «استطعماهم» مثله ببيان فما الحكمة الغراء في وضع ظاهر ... مكان ضمير إن ذاك لشان

стр. 2593

فأرشد على عادات فضلك حيرتي ... فمالي بها عند البيان يدان الرابع عشر من أنواع الإطناب: الإيغال، وهو الإمعان، بأن يختم المتكلم الكلام بما يفيد نكتة يتم المعنى بدونها. وزعم بعضهم أنه خاص بالشعر، ورد بأنه واقع في القرآن، ومثل لذلك بقوله تعالى: ﴿ ... اتبعوا من لا يسئلكم أجرًا وهم مهتدون﴾ [يس: ٢١] فقوله: «وهم مهتدون» إيغال؛ لأنه مما يتم المعنى بدونه، لأن الرسول مهتد

стр. 2594

لا محالة، لكن فيه زيادة حيث على الإتباع، وترغيبًا في الرسل، أي لا تخسرون معه شيئًا من دنياكم، وتربحون صحة دينكم، فينتظم لكم خير الدنيا والآخرة. وجعل منه ابن الإصبع: ﴿ولا تسمع الصم الدعاء إذا ولوا مدبرين﴾ [النحل: ٨٠] فإن قوله: «إذا ولوا مدبرين» زائد على المعنى، مبالغة في عدم انتفاعهم. النوع الخامس عسر من أنواع الإطناب: التذييل: وهو أن يؤتي بجملة عقب جملة مشتملة على معناها لتأكيد مفهومها ومنطوقها، ليظهر لمن لا يفهمه، ويتقرر عند من يفهمه. وهو ضربان: [أ] ضرب لم يخرج مخرج المثل، كقوله تعالى: ﴿ذلك جزيناهم بما

стр. 2595

كفروا وهل نجزي إلا الكفور﴾ [سبأ: ١٧]. [ب] وضرب خرج مخرج المثل، نحو: ﴿وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقًا﴾ [الإسراء: ٨١]. وقد اجتمعا في آية واحدة، وهي قوله تعالى: ﴿وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد أفإين مت فهم الخالدون (٣٤) كل نفس ذائقة الموت﴾ [الأنبياء: ٣٤، ٣٥]. جار مجرى المثل. وكل منهما تذييل لما قبله. النوع السادس عشر من أنواع الإطناب: التكميل ويسمى بالاحتراس، وهو أن يؤتي بكلام يرفعه إيهام خلاف المقصود، مثل قوله: ﴿أذلة على المؤمنين

стр. 2596

أعزة على الكافرين﴾ [المائدة: ٥٤]، فلو اقتصر على وصفهم «بالذلة على المؤمنين» أوهم أنهم ضعفاء، فأتى بـ «أعزة على الكافرين» تكميلاً ودفعًا لهذا الوهم، وإشعارًا بأن ذلك منهم على وجه التواضع للمؤمنين، ولهذا عدى بـ «على» لتضمنه معنى العطف، كأنه قيل: «عاطفين عليهم» على وجه التذلل والتواضع. وقال السعد -رحمه الله تعالى- في المطول: بجواز أن تكون التعدية بـ «على» للدلالة على أنهم -مع شرفهم وعزهم على الكفار- رحماء بينهم، فلو اقتصر على «أشداء على الكفار»، لتوهم أنهم غلظاء. انتهى.

стр. 2597

ومن هذا النوع، ﴿وأدخل يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء ... ﴾ [النمل: ١٢]، ﴿لا يحطمنكم وسليمان وجنوده وهم لا يشعرون﴾ [النمل: ١٨]. فقوله: ﴿من غير سوء﴾ دفع توهم «بيضاء» يعني برصاء. وبقوله: ﴿وهم لا يشعرون﴾ دفع توهم أنهم جبابرة ظلمة. قال الشيخ بهاء الدين في: «عروس الأفراح»: فإن قيل: كل ذلك إفادته معنى جديدًا، فلا يكون أطنابًا، قلنا: هو إطناب لما قبله، من حيث رفع توهم غيره، وإن كان له معنى نفسه. النوع السابع عشر من أنواع الإطناب: التتميم، وهو أن يؤتي في الكلام بقيد زائد لنكتة، أما المبالغة أو غيرها، كقوله تعالى: ﴿ويطعمون الطعام على حبه مسكينًا ويتيمًا وأسيرًا﴾ [الإنسان: ٨]، فقوله: ﴿على حبه﴾ -أي حب الطعام- قيد زائد مبين لكرمهم، وطيب أنفسهم، وهذا على حمل «حبه» على حب الطعام. وأما إن حمل على «حب الله» فلا يكون من هذا الباب، بل

стр. 2598

يكون من تمام الكلام ومن ضرورياته. فإن من أطعم الطعام «مسكينًا أو يتيمًا» أما أن يكون قصد به الله وهو المقبول الذي يمدح عليه، أولاً، فليس بمقبول. فهذا المعنى مظنونًا في الآية على كل حال، فلما صرح به صار من ضروريات الكلام. فلهذا قال في «التلخيص» -عند ذكر الآية- «في وجه». وقال شارحه: وهو أن يكون الضمير في «حبه» للطعام، أي: يطعموه مع حبه والاحتياج إليه. فإذا جعل الضمير «لله»، أي «يطعمون» على حب الله تعالى، فلا يكون مما نحن فيه؛ لأنه تأدية أصل المراد. انتهى. ومنه قوله تعالى: ﴿وأتى المال على حبه﴾ [البقرة: ١٧٧]، وقوله تعالى: ﴿ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة﴾ [الحشر: ٩]، فقوله: ﴿ولو كان بهم خصاصة﴾ قيد زائد للمبالغة في إيثارهم وإعطائهم الغير. النوع الثامن عشر من أنواع الإطناب، الاعتراض: وهو أن يؤتي في أثناء الكلام، أو بين كلامين متصلين معنى، بجملة أو أكثر لا محل لها من الإعراب، لنكتة، نحو قوله تعالى: ﴿ويجعلون لله البنات سبحانه ولهم ما

стр. 2599

يشتهون﴾ [النحل: ٥٧] فقوله: «سبحانه» اعتراض لتنزيه الله تعالى وتقديسه عما لا يليق بجلاله. وقوله تعالى: ﴿لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين﴾ [الفتح: ٢٥] فقوله تعالى: ﴿إن شاء الله﴾ اعتراض قصد به التبرك، وتعليم الخلق الأدب في قرن الأشياء بمشيئة الله تعالى، فإذا كان الحق جل شأنه قال ذلك في خبر أخبر به فنحن أحق وأولى. فائدة: قد تشتبه جملة الحال بجملة الاعتراض إذا كانت مقترنة بالواو، مثل قوله تعالى: ﴿ومن أحسن دينًا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن واتبع ملة إبراهيم﴾ [النساء: ١٢٥]، فقوله: ﴿وهو محسن﴾ جملة حالية لا اعتراضية، أي والحال أنه محسن؛ لأن الحال وصف والمقام مقتضي الوصفية. وإن كان الزمخشري جعلها اعتراضية في قوله تعالى: ﴿رب إني وضعتها أنثى والله أعلم بما وضعت وليس الذكر كالأنثى وإن سميتها مريم﴾ [آل عمران: ٣٦]، فقوله: ﴿والله أعلم﴾ أي

стр. 2600

أني سميتها- اعتراض، وهي مقترنة بالواو. وقال السعد في «المطول»: ومثال هذا الاعتراض كثيرًا ما يلتبس بالحال، والفرق دقيق أشار إليه صاحب الكشاف، حيث ذكر في قوله تعالى: ﴿اتخذتم العجل من بعده وأنتم ظالمون﴾ [البقرة: ٥١، ٩١]، أن قوله: ﴿وأنتم ظالمون﴾ حال، أي عبدتم العجل وأنتم واضعون العبادة في غير موضعها، أو اعتراض، أي: عبدتم العجل وأنتم واضعون العبادة في غير موضعها، أو اعتراض، أي: وأنتم قوم عادتكم الظلم. انتهى، وهي في غاية الحسن. ومن الاعتراض بأكثر من جملة بين كلامين، ما مثل له في «التلخيص» بقوله تعالى: ﴿فأتوهن من حيث أمركم الله إن يحب التوابين ويحب المتطهرين﴾ [البقرة: ٢٢٢]، فقوله: ﴿إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين﴾ اعتراض بأكثر من جملة، فإن: ﴿نساؤكم حرث لكم﴾ [البقرة: ٢٢٣] بيان لقوله تعالى: ﴿فأتوهن من حيث أمركم الله﴾ يعني أن الموضع المأتي/ هو محل الحرث، لأن المقصود من الجماع الأكبر هو التناسل، لا قضاء الشهوة، فلا تأتوهن إلا من حيث يحصل الغرض المطلوب. واعترض الشيخ بهاء الدين السبكي على صاحب «التلخيص» بما ملخصه: أن هذا ليس من الاعتراض بأكثر من جملة، فإن قوله تعالى: ﴿يحب التوابين﴾ اسم إن وخبرها، ﴿ويحب المتطهرين﴾ معطوف على جملة خبر إن، فهي معمول لا غير. والمقصود أن تكون جملتين مستقلتين. انتهى. والأحسن التمثيل بقوله تعالى: ﴿ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبًا من الكتاب يشترون الضلالة ويريدون أن تضلوا السبيل (٤٤) والله اعلم بأعدائكم وكفى بالله وليًا وكفى بالله نصيرًا (٤٥) من الذين هادوا يحرفون﴾ [النساء: ٤٤ - ٤٦]، فإن فيه اعتراض

стр. 2601

بثلاث جمل، على تقدير، وهي: ﴿والله أعلم بأعدائكم﴾، ﴿وكفى بالله وليًا﴾، ﴿وكفى بالله نصيرًا﴾، وبجملتين على تقدير، وهما: ﴿وكفى بالله وليًا وكفى بالله نصيرًا﴾، وكذا قوله تعالى: ﴿والله اعلم بما وضعت وليس الذكر كالأنثى﴾ [آل عمرن: ٣٦]. فيمن قرأ بسكون «تاء» وضعت، وهو احتراز حسن، فإن على قراءة «وضعت» يكون من كلامها.

стр. 2602

النوع التاسع عشر بعد المائة «علم بديعه»

стр. 2603

النوع التاسع عشر بعد المائة علم بديعه أفرده بالتصنيف ابن أبي الإصبع، فأورد فيه نحو مائة نوع، وهي: المجاز، والاستعارة، والكناية، والإرداف، والتمثيل، والتشبيه، والإيجاز، والاتساع، والإشارة، والمساواة، والبسط، والإيغال، والتسجيع، والتشريع، والتتميم، والتكميل، والاحتراس، والاستقصاء، والتذييل،

стр. 2604

والزيادة، والترديد، والتكرار، والتفسير، والإيضاح، ونفي الشيء بإيجابه، والمذهب الكلامي، ولقول بالموجب، والمناقضة، والانتقال، والإسجال، والتسليم، والتمكين، والتوشيح، ورد العجز على الصدر، وتشابه الأطراف، ولزوم ما لا يلزم، والتخيير، والإبهام، والتورية، والاستخدام، والالتفات، والاستطراد، والاطراد، والانسجام، والإدماج، والافتنان، والاقتدار، وائتلاف اللفظ مع اللفظ، وائتلاف اللفظ مع المعنى، والاستدراك، والاستثناء، وتأكيد المدح بما يشبه الذم، والتفريق، والتغاير، والتقسيم، والتدبيج، والتنكيت، والتضمين، والجناس، وجمع المؤتلف والمختلف، وحسن النسق، وعتاب المرء نفسه، والعكس، والعنوان، والفرائد، والقسم، والمبالغة، والمطابقة، والمقابلة، والمواربة، والمراجعة، والنزاهة، والإبداع، والمقارنة، وحسن الابتداء، وحسن الختام، والاستطراد. فأما المجاز وما بعده إلى الإيضاح، فقد تقدم بعضها في أنواع مفردة، وبعضها في نوع الإيجاز والإطناب، مع أنواع أخر ستأتي في نوع

стр. 2605

الفواصل. وأما نفي الشيء بإيجابه، وكثير من أنواع البديع، وحسن التخلص، فستأتي في كثير من الأنواع. ونورد في هذا الفن كثيرًا من أنواعه . أولها: الإيهام، ويدعي التورية- أن يذكر لفظ له معنيان، إما بالاشتراك أو التواطؤ، أو الحقيقة، أو المجاز- أحدهما قريب والآخر بعيد؛ ويقصد البعيد، ويوري عنه بالقريب، فيتوهمه السامع من أول وهلة. قال الزمخشري: لا ترى بابًا في البيان أدق، ولا ألطف من التورية؛ ولا أنفع ولا أعون على تعاطي تأويل المتشابهات في كلام الله ورسوله. قال: ومن أمثلتها: قوله تعالى: ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ [طه: ٥]؛ على معنيين: الاستقرار في المكان وهو المعنى القريب الموري به الذي هو غير مقصود لتنزيهه تعالى عنه، والثاني: الاستيلاء والملك؛ وهو المعني البعيد المقصود الذي ورى عنه بالقريب المذكور. انتهى.

стр. 2606

كذا ذكره الحافظ السيوطي في «الإتقان»، والذي في تفسير الزمخشري في هذه الآية غير ذلك، فإنه اختار أن مثل هذا الكلام من قبيل تمثيل حالة بحالة، لا من قبيل التورية، فإنه لما كان الاستواء على العرش «وهو سرير الملك» مما يرادف الملك، جعلوه كناية عن الملك فقالوا: استوى فلان على العرش، يريدون: ملك لم يقعد على السرير البتة. وقالوه أيضًا لشهرته في ذلك المعنى، ومساواته في مواده، وإن كان أشرح وأبسط وأدل على صورة الأمر. ونحوه قولك: يد فلان مبسوطة، ويد فلان مغلولة، بمعنى: أنه جواد، أو بخيل، لا فرق بين العبارتين إلا فيما قلت. حتى أن من لم يبسط يده، قط بالنوال، أو من لم تكن له يد رأسًا قيل له: يد مبسوطة، لمساواته عندهم قولهم: جواد. ومنه قوله : ﴿وقالت اليهود يد الله مغلولةً غلت أيديهم﴾ [المائدة: ٦٤] أي: هو بخيل ﴿بل يداه مبسوطتان﴾ [المائدة: ٦٤] أي: هو جواد من غير

стр. 2607

تصور «يد» ولا «غل» ولا «بسط» والتفسير «بالنعمة» والتمحل للتثنية، من ضيق العطن، والسافرة [عن] علم البيان سيرة أعوام. انتهى. وهذه التورية تسمى مجردة؛ لأنها لم يذكر فيها شيء من لوازم المورى به، ولا المورى عنه. ومنها ما تسمى «مرشحة»، وهي التي ذكر فيها شيء من لوازم هذا وهذا، كقوله: ﴿والسماء بنيناها بأييدٍ﴾ [الذاريات: ٤٧] فإنه يحتمل

стр. 2608

الجارحة، وهو المورى به، وقد ذكر من لوازمه على جهة الترشيح «البنيان»، ويحتمل «القوة» وهو البعيد المقصود. وقال «السعد» في «المطول»: تمثيل وتصوير لعظمته، وتوقيف على كنه جلاله، من غير ذهاب بالأيدي إلى جهة حقيقة أو مجاز، بل يذهب إلى أخذ الزبدة والخلاصة من الكلام، من غير أن يتحمل لمفرداته حقيقة أو مجاز. وقد تشدد النكير على من يفسر «اليد» بالنعمة، و «الأيدي» بالقدرة، و «الاستواء» بالاستيلاء، و «اليمين» بالقدرة. وقال: قلت: قد جرى المصنف في جعل الآيتين مثالين للتورية، على ما اشتهر بين أهل الظاهر من المفسرين. انتهى. وأما الزمخشري فذكر في تفسيره: ﴿والسماء بنيناها بأييدٍ وإنا لموسعون﴾ [الذاريات: ٤٧] / قال: «بأيد» بقوة، والأيد، والآد: القوة، وقد آد يئيد، وهو آيد. فقد جعلها من التورية. وهو ظاهر كلام السعد في «المطول» أن الزمخشري لا يقول إن الآية من التورية، وأنه يجعلها مثل: ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ [طه: ٥]. قال ابن أبي الإصبع في كتابه «الإعجاز»، ومنها:

стр. 2609

قوله تعالى: ﴿قالوا تالله إنك لفي ضلالك القديم﴾ [يوسف: ٩٥]، فالضلال يحتمل الحب وضد الهدى، فاستعمل أولاد يعقوب ﵇ ضد الهدى تورية عن الحب. كذا قال، فليتأمل. وقوله تعالى: ﴿فاليوم ننجيك ببدنك﴾ [يونس: ٩٢] على تفسيره بالدرع؛ فإن البدن يطلق عليه وعلى الجسد، والمراد البعيد وهو الجسد، كذا قال. ومن ذلك قوله تعالى- بعد ذكر أهل الكتاب من اليهود والنصارى- حيث قال: ﴿ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل آيةٍ ما تبعوا قبلتك وما أنت بتابعٍ قبلتهم﴾ [البقرة: ١٤٥]، ولما كان الخطاب لموسى من الجانب الغربي، وتوجهت إليه اليهود، وتوجهت النصارى إلى الشرق، كانت قبلة الإسلام وسطًا بين القبلتين، قال تعالى وتقدس: ﴿وكذلك جعلناكم أمةً وسطًا﴾ [البقرة: ١٤٣] أي: خيارًا، وظاهر اللفظ يوهم التوسط مع ما يعضده، من توسط قبلة المسلمين. [فصدق] على لفظ «وسط» ها هنا [أن] يسمى تعالى به لاحتمالها المعنيين. ولما كان المراد أبعدهما وهو «الخيار» صلحت أن تكون من أمثلة التورية. قال الحافظ السيوطي -رحمه الله تعالى- وهي مرشحة بلازم المورى عنه، وهو قوله تعالى: ﴿لتكونوا شهداء على الناس﴾ فإنه لزم كونهم خيارًا؛ أي:

стр. 2610

عدولًا، والإتيان قبله من قسم المجردة. ومن ذلك قوله تعالى: ﴿والنجم والشجر يسجدان﴾ [الرحمن: ٦]، فإن النجم يطلق على الكوكب، ويرشحه ذكر الشمس والقمر، وعلى ما لا «يساق» له من النبات، وهو المعنى البعيد له وهو المقصود في الآية. ونقل من خط شيخ الإسلام ابن حجر: أن من التورية في القرآن: ﴿وما أرسلناك إلا كافةً للناس﴾ [سبأ: ٢٨]، فإن «كافة» بمعنى «مانع» أي: تكفهم عن الكفر والمعاصي، والهاء للمبالغة، وهذا معنى بعيد، والمعنى القريب المتبادر: أن المراد جامعة بمعنى: جميعًا، لكن منع من حمله على ذلك أن التأكيد يتراخى عن المؤكد، فكما لا تقول: رأيت جميع الناس، لا تقول: رأيت كافة الناس.

стр. 2611

الاستخدام: هو والتورية أشرف أنواع البديع، وهما سيان، بل فضله بعضهم عليها، ولهم فيه عبارتان: أحدهما: أن يؤتى بلفظ له معنيان فأكثر مرادًا به أحد معانيه، ثم يؤتى بضميرًا مرادًا به المعنى الآخر، وهذه طريقة السكاكي وأتباعه. والأخرى: أن يؤتى بلفظ مشترك، ثم بلفظين يفهم من أحدهما أحد المعنيين، ومن الآخر الآخر. وهذه/ طريقة بدر الدين بن مالك في المصباح، ومشى عليها ابن أبي الإصبع، ومثل له بقوله تعالى: ﴿لكل أجلٍ كتاب﴾ [الرعد: ٣٨]، فلفظ «الكتاب» يحتمل الأمر المحتوم، والكتاب المكتوب، فلفظ «أجل» يخدم المعنى الأول، و «يمحو» يخدم الثاني. ومثل غيره بقوله تعالى: ﴿لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى﴾ [النساء: ٤٣]، فـ «الصلاة» يحتمل أن يراد بها فعلها وموضعها، وقوله: ﴿حتى تعلموا ما تقولون﴾ يخدم الأول، و ﴿إلا عابري سبيلٍ﴾ يخدم الثاني.

стр. 2612

قيل: ولم يقع في القرآن على طريقة السكاكي. قال السيوطي: قلت: وقد استخرجت بفكري آيات على طريقته، منها: قوله تعالى: ﴿أتى أمر الله﴾ [النحل: ١] فأمر الله يراد به قيام الساعة، والعذاب، وبعثته ﷺ ، وقد أريد بلفظه الأخير، كما أخرج ابن مردويه من طريق الضحاك عن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: ﴿أتى أمر الله﴾ قال: محمد ﷺ . وأعيد الضمير عليه في «تستعجلوه» مرادًا به قيام الساعة، والعذاب. ومنها: وهو أظهرها قوله تعالى: ﴿ولقد خلقنا الإنسان من سلالةٍ من طينٍ﴾ [المؤمنون: ١٢]، فالمراد به «آدم» ثم أعاد الضمير عليه مرادًا به ولده، فقال عز من قائل: ﴿ثم جعلناه نطفةً في قرارٍ مكينٍ﴾ [المؤمنون: ١٣]. ومنها: قوله تعالى: ﴿لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم﴾ [المائدة: ١٠١]، ثم قال تعالى: ﴿قد سألها قوم من قبلكم﴾ [المائدة: ١٠٢] أي أشياء أخر؛ لأن الأولين لم يسألوا عن الأشياء التي سأل عنها الصحابة، فنهوا عن سؤالها. قلت: وقد استخرجت بفكري آية على طريقة السكاكي، وهي قوله تعالى: ﴿وجئتك من سبإ بنبإ يقينٍ * إني وجدت امرأةً تملكهم﴾ [النمل: ٢٢ - ٢٣]، فـ «سبأ» يطلق على الأرض، وهو المراد في قوله: «وجئتك من سبأ» ويطلق على القبيلة، وقد أعاد عليه بقوله: «تملكهم» أي: القبيلة.

стр. 2613

الالتفات: هو نقل الكلام من أسلوب إلى آخر، أعني من المتكلم، أو الخطاب، أو الغيبة، إلى آخر منها بعد التعبير بالأول، هذا هو المشهور. وقال السكاكي: إما ذلك، أو التعبير بأحدهما فيما حقه التعبير بغيره. وله فوائد: منها: تطرية الكلام، وصيانة السمع عن الضجر والملال، لما جلبت عليه النفوس من حب التنقلات، والسآمة من الاستمرار على منوال واحد. هذه فائدته العامة. ويختص كل موقع بنكت باختلاف محله، كما سنبينه.

стр. 2614

مثاله: من التكلم إلى الخطاب- ووجهه: حث السامع وبعثه على الاستماع حيث أقبل المتكلم عليه، وأعطاه فضل عناية وتخصيص بالمواجهة- قوله تعالى: ﴿وما لي لا أعبد الذي فطرني وإليه ترجعون﴾ [يس: ٢٢]، الأصل: «وإليه أرجع»، فالتفت من التكلم إلى الخطاب، ونكتته: أنه أخرج الكلام في معرض مناصحته لنفسه، وهو يريد نصح قومه، تلطفًا وإعلامًا أنه يريد لهم ما يريد لنفسه، ثم التفت إليهم؛ لكونه في مقام تخويفهم ودعوتهم إلى الله تعالى. كذا جعلوا هذه الآية من الالتفات وفيه نظر؛ لأنه إنما يكون منه إذا قصد الإخبار عن نفسه في كلا الجملتين، وهنا ليس كذلك، لجواز أن يريد بقوله:

стр. 2615

«ترجعون» المخاطبين، لا نفسه. وأجيب: بأنه لو كان المراد كذلك لما صح الاستفهام الإنكاري؛ لأن رجوع العبد إلى مولاه ليس بمستلزم أن يعبده غير ذلك الراجع، فالمعنى: كيف لا أعبد من إليه رجوعي، وإنما عدل عن «وإليه أرجع» إلى «وإليه ترجعون» لأنه داخل فيهم، ومع ذلك أفاد فائدة حسنة، وهي تنبيههم على أنه مثلهم في وجوب عبادة من إليه الرجوع. ومن أمثلته أيضًا قوله تعالى: ﴿وأمرنا لنسلم لرب العالمين﴾ [الأنعام: ٧١]، ﴿وأن أقيموا الصلاة﴾ [الأنعام: ٧٢]. ومثاله من التكلم إلى الغيبة: - ووجهه أن يفهم السامع أن هذا نمط المتكلم وقصده من السامع حضر أو غاب، وأنه في كلامه ليس مما يتلون ويتوجه، ويبدي في الغيبة خلاف ما يبديه في الحضور، قوله تعالى: ﴿إنا فتحنا لك فتحًا مبينًا * ليغفر لك الله .... ﴾ [الفتح]، والأصل: «لنغفر». وقوله: ﴿إنا أعطيناك الكوثر * فصل لربك وانحر﴾ [الكوثر]، والأصل: «فصل لنا». وقوله تعالى: ﴿أمرًا من عندنا إنا كنا مرسلين * رحمةً من ربك﴾ [الدخان] والأصل: «منا». وقوله تعالى: ﴿يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعًا الذي له ملك السماوات والأرض لا إله إلا هو يحي ويميت فأمنوا بالله ورسوله﴾ [الأعراف: ١٥٨]. والأصل: «وبي» عدل عنه لنكتتين:

стр. 2616

أحدهما: دفع التهمة عن نفسه بالعصبية لها. والأخرى: ينبههم على استحقاقه الاتباع بما اتصف به من الصفات المذكورة، والخصائص المتلوة. ومثاله من الخطاب إلى التكلم لم يقع في القرآن، ومثل له بعضهم بقوله تعالى: ﴿فاقض ما أنت قاضٍ﴾ [طه: ٧٢] ثم قال: ﴿إنا آمنا بربنا﴾ [طه: ٧٣]. وهذا المثال لا يصح؛ لأن شرط الالتفات أن يكون المراد به واحدًا. ومثاله من الخطاب إلى الغيبة قوله تعالى: ﴿حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم﴾ [يونس: ٢٢]، والأصل: «بكم»، ونكتته العدول عن خطابهم إلى حكاية حالهم لغيرهم، والتعجب من كفرهم وفعلهم، إذ لو استمر على خطابهم لفاتت تلك الفائدة. وقيل: لأن الخطاب أولًا كان مع الناس/ مؤمنهم وكافرهم، بدليل قوله تعالى: ﴿هو الذي يسيركم في البر والبحر﴾ [يونس: ٢٢]، ولو قال: «وجرين بكم» للزم الذم للجميع، فالتفت عن الأول للإشارة [إلى] اختصاصه بهؤلاء الذين شأنهم ما ذكره عنهم في آخر الآية، عدولًا من الخطاب العام إلى الخاص. قال الحافظ السيوطي -رحمه الله تعالى-: ورأيت عن بعض السلف في

стр. 2617

توجيهه عكس ذلك؛ وهو أن الخطاب أوله خاص وآخره عام، فأخرج ابن أبي حاتم عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم أنه قال: في قوله تعالى: ﴿حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم﴾ [يونس: ٢٢]، قال: ذكر الحديث عنهم، ثم حدث عن غيرهم، ولم يقل: «وجرين بكم»؛ لأنه قصد أن يجمعهم وغيرهم، وجرين بهؤلاء وغيرهم من الخلق./ هذه عبارته: فلله در السلف ما كان أوقفهم على المعاني اللطيفة التي بذل المتأخرون فيها زمانًا طويلًا، ويفنون فيها أعمارهم، ثم غايتهم أن يحوموا حول الحمى. ومما ذكر في توجيهه أيضًا: أنهم وقت الركوب حضروا لأنهم خافوا الهلاك وغلبة الرياح، فخاطبهم خطاب الحاضرين، ثم لما جرت الرياح بما تشتهي السفن، وأمنوا الهلاك، ولم يبق حضورهم كما كان، على عادة الإنسان أنه إذا أمن غاب قلبه عن ربه، فلما غابوا ذكرهم الله بصيغة الغيبة، وهذه إشارة صوفية. ومن أمثلته أيضًا قوله تعالى: ﴿وما آتيتم من زكاةٍ تريدون وجه الله فأولئك هم المضعفون﴾ [الروم]، وقوله تعالى: ﴿وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان أولئك هم الراشدون﴾ [الحجرات: ٧]، وقوله تعالى: ﴿ادخلوا الجنة أنتم وأزواجكم تحبرون * يطاف عليهم﴾ [الزخرف: ٧٠، ٧١]، والأصل: «عليكم»، ثم قال: ﴿وأنتم فيها خالدون﴾ [الزخرف: ٧١] فكرر الالتفات. ومثاله من الغيبة إلى المتكلم قوله تعالى: ﴿والله الذي أرسل الرياح فتثير سحابًا فسقناه﴾ [فاطر: ٩]، وقوله تعالى: ﴿وأوحى في سماءٍ أمرها وزينا السماء

стр. 2618

الدنيا﴾ [فصلت: ١٢]، وقوله تعالى: ﴿سبحان الذي أسرى بعبده ليلًا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا﴾ [الإسراء: ١] ثم التفت ثانيًا إلى الغيبة، قال: ﴿إنه هو السميع البصير﴾ [الإسراء: ١]، وعليه قراءة الحسن: «ليريه» بالغيبة يكون التفاتًا ثانيًا في «باركنا»، وفي «آياتنا» التفات ثالث، وفي «إنه» التفات رابع. قال الزمخشري: وفائدته في هذه الآيات وأمثالها التنبيه على التخصيص بالقدرة، وأنه لا يدخل تحته قدرة أحد. ومثاله من الغيبة إلى الخطاب قوله تعالى: ﴿وقالوا اتخذ الرحمن ولدًا * لقد جئتم شيئًا إدًا﴾ [مريم]، وقوله تعالى: ﴿ألم يروا أهلكنا من قبلهم من قرنٍ مكناهم في الأرض ما لم نمكن لكم﴾ [الأنعام: ٦]، وقوله تعالى: ﴿وسقاهم ربهم شرابًا طهورًا * إن هذا كان لكم جزاءً﴾ [الإنسان]، وقوله تعالى: ﴿إن أراد النبي أن يستنكحها خالصةً لك﴾ [الأحزاب: ٥٠].

стр. 2619

ومن محاسنه ما وقع في سورة (الفاتحة)، فإن العبد إذا ذكر الله تعالى وحده، ثم ذكر الله صفاته التي كل صفة منها تبعث على شدة الإقبال؛ وآخرها: ﴿مالك يوم الدين﴾ [الفاتحة: ٤] المفيد أنه مالك الأمر كله في يوم الجزاء، يجد من نفسه حالًا لا يقدر على دفعه على خطاب من هذه صفاته وتخصيصه بغاية الخضوع والاستعانة في المهمات. وقيل: إنما اختير لفظ الغيبة للحمد، وللعبادة الخطاب، للإشارة إلى أن الحمد دون العبادة في الرتبة؛ لأنك تحمد نظيرك ولا تعبده؛ فاستعمل لفظ الحمد مع الغيبة ولفظ العبادة مع الخطاب؛ لينسب إلى العظيم حال المخاطبة والمواجهة ما هو على رتبته؛ وذلك على طريق التأدب. وعلى نحو من ذلك جاء آخر السورة؛ فقال تعالى: ﴿الذين أنعمت عليهم﴾ مصرحًا بذكر المنعم وإسناد الإنعام إليه لفظًا، ولم يقل: صراط المنعم عليهم. فلما صار إلى ذكر الغضب زوى عنه لفظه، فلم ينسبه إليه لفظًا، وجاء باللفظ منحرفًا عن ذكر الغاضب، فلم يقل غير الذين/ غضبت عليهم؛ تفاديًا عن نسبة الغضب إليه في اللفظ حال المواجهة. وقيل: لأنه لما ذكر الحقيق بالحمد، وأجرى عليه الصفات العظيمة من كونه ربًا للعالمين، ورحمانًا رحيمًا، ومالكًا ليوم الدين، تعلق العلم بمعلوم عظيم الشأن، حقيق بأن يكون معبودًا دون غيره، مستعانًا به، فخوطب بذلك لتمييزه بالصفات المذكورة تعظيمًا لشأنه؛ حتى كأنه قيل: «إياك يا من هذه صفاته نحصر بالعبادة والاستعانة لا غيرك».

стр. 2620

قيل: ومن لطائفه التنبيه على أنه مبتدأ للخلق للغيبة منهم عنه سبحانه وقصورهم عن محاضرته ومخاطبته، وقيام حجاب العظمة عليهم؛ فإذا عرفوه بما هو له، وتوسلوا للقرب بالثناء [عليه] وأقروا بالمحامد له، تعبدوا له بما يليق بهم، وتأهلوا لمخاطبته ومناجاته فقالوا: ﴿إياك نعبد وإياك نستعين﴾. تنبيهات: الأول: [شرط الالتفات] أن يكون الضمير في المنتقل إليه عائدًا في نفس الأمر إلى المنتقل عنه، وألا يلزم عليه في: أنت صديقي- التفات. الثاني: شرطه أن يكون في جملتين: صرح به صاحب الكشاف وغيره، وإن يلزم عليه أن يكون [نوعًا غريبًا].

стр. 2621

الثالث: ذكر التنوخي في «الأقصى القريب»، وابن الأثير، وغيرهما نوعًا غريبًا من الالتفات، وهو بناء الفعل للمفعول بعد خطاب فاعله أو تكلمه، كقوله تعالى: ﴿غير المغضوب عليهم﴾ بعد «أنعمت»، فإن المعنى: «غير الذين غضبت عليهم». وتوقف فيه صاحب «عروس الأفراح». الرابع: قال ابن أبي الإصبع: جاء في القرآن من الالتفات قسم غريب جدًا، لم أظفر في الشعر بمثاله، وهو أن يقدم المتكلم في كلامه مذكورين مرتبين، ثم يخبر عن الأول منهما، وينصرف عن الإخبار عنه إلى الإخبار عن الثاني، ثم يعود إلى الإخبار عن الأول، كقوله تعالى: ﴿إن الإنسان لربه لكنود * وإنه على ذلك لشهيد﴾ [العاديات]، انصرف عن الإخبار عن الإنسان إلى الإخبار عن ربه تعالى، ثم قال منصرفًا عن الإخبار عن ربه إلى الإخبار عن الإنسان: ﴿وإنه لحب الخير لشديد﴾ [العاديات: ٨]، قال: وهذا يحسن أن يسمى التفات. الخامس: يقرب من الالتفات نقل الكلام من خطاب الواحد أو الاثنين أو الجمع لخطاب الآخر، ذكره التنوخي هو وابن الأثير، وهو ستة أقسام

стр. 2622

أيضًا. مثاله من الواحد إلى الاثنين: ﴿قالوا أجئتنا لتلفتنا عما وجدنا عليه آباءنا وتكون لكما الكبرياء في الأرض﴾ [يونس: ٧٨]. وإلى الجمع، قوله تعالى: ﴿يا أيها النبي إذا طلقتم النساء﴾ [الطلاق: ١]. ومن الاثنين/ إلى الواحد، كقوله تعالى: ﴿قال فمن ربكما يا موسى﴾ [طه: ٤٩]، وقوله تعالى: ﴿فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى﴾ [طه: ١١٧]. وإلى الجمع قوله تعالى: ﴿وأوحينا إلى موسى وأخيه أن تبوءا لقومكما بمصر بيوتًا واجعلوا بيوتكم قبلةً﴾ [يونس: ٨٧]. ومن الجمع إلى الواحد قوله تعالى: ﴿وأقيموا الصلاة وبشر المؤمنين﴾ [يونس: ٨٧]. وإلى الاثنين، قوله تعالى: ﴿يا معشر الجن والإنس إن استطعتم﴾ إلى قوله تعالى: ﴿فبأي آلاء ربكما تكذبان﴾ [الرحمن: ٣٣، ٣٤]. السادس: -ويقرب منه- الانتقال من الماضي والمضارع والأمر إلى الآخر. مثاله من الماضي إلى المضارع قوله تعالى: ﴿والله الذي أرسل الرياح فتثير سحابًا﴾ [فاطر: ٨]، وقوله تعالى: ﴿ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير﴾ [الحج: ٣١]، ﴿إن الذين كفروا ويصدون عن سبيل الله﴾ [الحج: ٢٥]. وإلى الأمر قوله تعالى: ﴿قل أمر ربي بالقسط وأقيموا وجوهكم﴾ [الأعراف: ٢٩]، ﴿وأحلت لكم الأنعام إلا ما يتلى عليكم فاجتنبوا الرجس من الأوثان﴾ [الحج: ٣٠].

стр. 2623

ومن المضارع إلى الماضي قوله تعالى: ﴿ويوم ينفخ في الصور ففزع من في السماوات﴾ [النمل: ٨٧]. وقوله تعالى: ﴿ويوم نسير الجبال وترى الأرض بارزةً وحشرناهم﴾ [الكهف: ٤٧]. وإلى الأمر قوله تعالى: ﴿قال إني أشهد الله واشهدوا أني بري﴾ [هود: ٥٤]. ومن الأمر إلى الماضي قوله تعالى: ﴿واتخذوا من مقام إبراهيم مصلىً وعهدنا﴾ [البقرة: ١٢٥]. وإلى المضارع قوله تعالى: ﴿وأن أقيموا الصلاة واتقوه وهو الذي إليه تحشرون﴾ [الأنعام: ٧٢]. التوشيح: أن يكون أول البيت دالًا على القافية، أو أول الكلام دالًا على الفقرة، أو على الفاصلة، كقوله تعالى: ﴿إن الله اصطفى آدم ونوحًا وآل إبراهيم وآل

стр. 2624

عمران على العالمين﴾ [آل عمران: ٣٣]، فلما قال/: «إن الله اصطفى آدم» على أن الفاصلة لا تكون إلا بجنس العالمين. ومن النظم قول الصفي الحلي: هم أرضعوني ثدي الوصل حافلة ... فكيف تحسن فيها حال منفطم التهكم: وهو الاستهزاء، نحو قوله تعالى: ﴿ذق إنك أنت العزيز الكريم﴾ [الدخان: ٤٩]، وقوله تعالى: ﴿فبشرهم بعذابٍ أليمٍ﴾ [الانشقاق: ٢٤] في موضع

стр. 2625

الوعيد، والبشرى لا تكون إلا بأمر محبوب. ومثاله من الشعر، قول بعضهم: فيا له من عمل صالح ... يرفعه الله إلى أسفل وقول الصفي الحلي مخاطبًا العذال: محضتني النصح أحيانًا إلي بلا ... غش وقلدتني الأنعام والحكما التسليم: أن يذكر المتكلم أمرًا ثبت استحالته، أو مشروطًا، فيه شرط مستحيل، ثم يسلم وقوعه، ويأتي بما يدل على إبطاله وعدم الفائدة فيه، كقوله تعالى: ﴿ما اتخذ الله من ولدٍ وما كان معه من إلهٍ إذًا لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعضٍ سبحان الله عما يصفون﴾ [المؤمنون: ٩١]، ومعنى الآية الشريفة: يعني على تسليم أنه كان معه ولد، وكان معه إله لصار ذهاب كل إله

стр. 2626

بما خلق، ولعلا بعضهم على بعض [ونتج عن] ذلك الاختلاف بينهم والتناقض المؤدي إلى الفساد. ومنه في الشعر قول الشيخ إسماعيل المقري في بديعيته مخاطبًا العذال: لم يلق أذنًا على أذني ملامك لي ... وهبه يلقى فلي قلب أصم عمي وقال الصفي: سألت في الحب عذالي فما نصحوا ... وهبه كان فما نفعي بنصحهم التسهيم: ويسمى الإرصاد، وهو أن يتقدم من الكلام ما يدل على

стр. 2627

المتأخر، والفرق بينه وبين «التوشيح»: أن التوشيح لا يدل أوله إلا على القافية، أو الفاصلة، وهذا يدل على الفاصلة وعلى ما ودنها من اللفظ، كقوله تعالى: ﴿وما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون﴾ [العنكبوت: ٤٠]، وكقوله تعالى: ﴿ءأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون * لو نشاء لجعلناه حطامًا فظلتم تفكهون﴾ [الواقعة]. حسن التعليل: وهو أن يورد المتكلم أو الشاعر ..........................

стр. 2628

العلة التي أوجبت المعلول، كقوله تعالى: ﴿لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم﴾ [الأنفال: ٦٨]. وكقول البحتري: ولو لم تكن ساخطًا لم أكن ... أذم الزمان وأشكو الخطوبا وقد يتقدم المعلول على العلة، كقول ابن رشيق: سألت الأرض لم جعلت مصلى؟ ... ولم كانت لنا طهرًا وطيبًا؟ فقالت -غير ناطقةٍ-: لأني ... حويت لكل إنسان حبيبًا

стр. 2629

الاطراد: هو أن يذكر المتكلم أسماء آباء الممدوح مرتبة على حكم ترتيبها في الولادة. قال ابن أبي الإصبع: ومنه في القرآن قوله تعالى حكاية عن يوسف ﵇: ﴿واتبعت ملة آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب﴾ [يوسف: ٣٨]. قال: وإنما لم يأت به على الترتيب المألوف؛ فإن العادة الابتداء بالأب، ثم بالجد/، ثم الجد الأعلى؛ لأنه لم يرد هنا مجرد ذكر الآباء، وإنما ذكرهم ليذكر ملتهم التي اتبعها، فبدأ بصاحب الملة، ثم بمن أخذها عنه أولًا فأولًا على الترتيب. ومثله قول أولاد يعقوب: ﴿نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ... ﴾ [البقرة: ١٣٣].

стр. 2630

الانسجام: هو أن يكون الكلام- لخلوه من الانعقاد- منحدرًا كتحدر الماء المنسجم، ويكاد لسهولة تركيبه وعذوبة ألفاظه أن يسيل رقة، والقرآن كله كذلك. قال أهل البديع: وإن أقوى الانسجام في النثر، جاءت فقراته موزونة بلا قصد، لقوة انسجامه. ومن ذلك ما وقع في القرآن موزونًا. فمنه من بحر الطويل. قوله تعالى: ﴿فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر﴾ [الكهف: ٢٩]. ومن المديد قوله تعالى: ﴿واصنع الفلك بأعيننا﴾ [هود: ٣٧]. ومن البسيط قوله تعالى: ﴿فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم﴾ [الأحقاف: ٢٥]. ومن الوافر قوله تعالى: ﴿ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قومٍ مؤمنين﴾ [التوبة: ١٤].
следующие страницы →