← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 150960

الزيادة والإحسان في علوم القرآن

محمد عقيلة

Полный текст (4 238 стр.). Показаны 2766–2805 · переход к 2771.

стр. 2766

يهدون بالحق﴾ [١٥٩] ناسب تبعيض الظالمين بقوله: ﴿الذين ظلموا منهم﴾ [١٦٢] ولم يتقدم في (البقرة) مقله فترك. وفي (البقرة) إشارة إلى سلامة غير الذين ظلموا [لتصريحه] بالإنزال على المتصفين بالظلم، والإرسال أشد وقعًا من الإنزال، فناسب سياق ذكر النعمة في (البقرة) ذلك، وختم آية (البقرة) بـ ﴿يفسقون﴾ [٥٩]، ولا يلزم منه الظلم، والظلم يلزم منه الفسق، فناسب كل لفظة منها سياقه. وكذا في (البقرة): ﴿فانفجرت﴾ [٦٠] وفي (الأعراف): ﴿فانبجست﴾ [١٦٠] لأن الانفجار أبلغ في كثرة الماء، فناسب سياق ذكر النعم التعبير به. قوله تعالى: ﴿وقالوا لن تمسنا النار إلا أيامًا معدودةً﴾ [البقرة: ٨٠]، وفي (آل عمران): ﴿معدوداتٍ﴾ [٢٤] قال ابن جماعة: لأن [قائل] ذلك فرقتان من (اليهود)، إحداهما قالت: إنما نعذب بالنار سبعة أيام عدد أيام الدنيا، والأخرى قالت: إنما نعذب أربعين عدة أيام عبادة آبائهم

стр. 2767

العجل، فآية (البقرة) تحتمل قصد الفرقة الثانية حيث عبر بجمع الكثرة، و (آل عمران) بالفرقة الأولى حيث أتى بجمع القلة. وقال أبو عبد الله الرازي: إنه من باب التفنن قوله تعالى: ﴿إن هدى الله هو الهدى﴾ [البقرة: ١٢٠]. وفي (آل عمران): ﴿إن الهدى هدى الله﴾ [٧٢]؛ لأن الهدى في (البقرة) المراد به تحويل القبلة، وفي (آل عمران) المراد به الدين لتقدم قوله: ﴿لمن تبع دينكم﴾ [٧٢] ومعناه إن دين الله الإسلام. قوله تعالى: ﴿رب اجعل هذا بلدًا أمنًا﴾ [البقرة: ١٢٦]، وفي (إبراهيم): ﴿هذا البدا أمنًا﴾ [٣٥]، لأن الأول دعا قبل مصيره بلدًا عند (نزول) هاجر وإسماعيل به، وهو وادٍ، فدعا بأن يصير بلدًا، والثاني دعا به بعد عوده وسكنى جرهم له ومصيره بلدا فدعا بأنه. قوله تعالى: ﴿قولوا أمنا بالله ومآ أنزل إلينا﴾ [البقرة: ١٣٦]، وفي (آل عمران): ﴿قل أمنا بالله ومآ أنزل علينا﴾ [٨٤]؛ لأن الأولى خطاب للمسلمين، والثانية خطاب للنبي ﷺ ، و «إلى» ينتهي بها من كل جهة، و «على»

стр. 2768

لا ينتهي بها إلا من جهة واحدة وهي العلو، والقرآن يأتي المسلمين من كل جهة يأتي مبلغة إياهم منها وإنما أتى النبي ﷺ من جهة العلو خاصة، فناسب قوله: ﴿علينا﴾، ولهذا أكثر ما جاء في جهة النبي ﷺ بـ «على»، وأكثر ما جاء في جهة الأمة بـ «إلى». قوله تعالى: ﴿تلك حدود الله فلا تقربوها﴾ [البقرة: ١٨٧]، وقال بعد ذلك: ﴿فلا تعتدوها﴾ [البقرة: ٢٢٩]؛ لأن الأولى وردت بعد نواه فناسب النهي عن قربانها، والثانية بعد أوامر فناسب النهي عن تعديها وتجاوزها بأن يوقف عندها. قوله تعالى: ﴿نزل عليك الكتاب﴾ [آل عمران: ٣]، وقال: ﴿وأنزل التوراة والإنجيل﴾ [آل عمران: ٣] لأن الكتاب أنزل منجمًا فناسب الإتيان بـ ﴿نزل﴾ الدال على التكرير بخلافهما فإنهما أنزلا دفعة. قوله تعالى: ﴿ولا تقتلوا أولادكم من إملاق﴾ [الأنعام: ١٥١]، وفي (الإسراء): ﴿خشية إملاق﴾ [٣١]؛ لأن الأولى خطاب للفقراء المقلين، أي لا تقتلوهم من فقر بكم، فحسن ﴿نحن نرزقكم﴾، ما يزول به إملاقكم، ثم قال: ﴿وإياهم﴾ أي: نرزقكم جميعًا و [الثانية] خطاب للأغنياء، أي خشية فقر

стр. 2769

يحصل لكم بسببهم، ولذا حسن ﴿نحن نرزقهم وإياكم﴾ [الإسراء: ٣١]. قوله تعالى: ﴿فاستعذ بالله إنه سميع عليم﴾ [الأعراف: ٢٠٠]، وفي (فصلت): ﴿فاستعذ بالله إنه هو السميع العليم﴾ [٣٦] قال ابن جماعة: لأن آية: (الأعراف): نزلت أولاً، وآية (فصلت): [نزلت] ثانيًا فحسن التعريف، أي هو السميع العليم الذي تقدم ذكر أولاً عند نزوغ الشيطان. قوله تعالى: ﴿المنافقون والمنافقات بعضهم من بعضٍ﴾ [التوبة: ٦٧]، وقال في (المؤمنين: ﴿بعضهم أولياء بعض﴾ [التوبة: ٧١]، وفي (الكفار): ﴿والذين كفروا بعضهم أولياء بعضٍ﴾ [الأنفال: ٧٣]؛ لأن المنافقين ليسوا متناصرين على دين معين وشريعة ظاهرة؛ فكان بعضهم أولياء (يهود)، وبعضهم مشركين، فقال: ﴿من بعضٍ﴾، أي: في الشك والنفاق، والمؤمنون متناصرون على دين الإسلام، وكذلك الكفار المعلنون بالكفر كلهم أعوان بعض ومجتمعون على التناصر، بخلاف المنافقين، كما قال تعالى: ﴿تحسبهم جميعًا وقلوبهم شتى﴾ [الحشر: ١٤]. فهذه أمثلة يستضاء بها، وقد تقدم منها كثير في نوع التقديم والتأخير، وفي نوع الفواصل، وفي أنواع أخر. انتهى، والله اعلم.

стр. 2770

النوع الرابع والعشرون بعد المائة علم لطائف القرآن وأسراره ونكته وفوائده

стр. 2771

النوع الرابع والعشرون بعد المائة علم لطائف القرآن وأسراره ونكته وفوائده ولم يذكره الحافظ السيوطي في الإتقان، وعلامة أن الجواب لي في الآية أن أقول: قلت: الجواب كذا، وإذا كان الجواب مما ثيل أقول: والجواب. وقد ألف الناس في ذلك تأليفًا حسنًا وكتب التفسير مشحونة بذلك خصوصًا التفسير الكبير للإمام الفخر الرازي. والمقصود في هذا النوع بيان سر التقديم والتأخير، والتعبير بالمجاز دون الحقيقة وإظهار أسرار ذلك ونكته ولطائفه، وقد تقدم في نوع الآيات المتشابهات المتشاكلات جانب من ذلك، وفي غيره من الأنواع مفرقًا. وهذا النوع نذكر فيه اللطائف لا المتشابهات. وقد ألف الشيخ محمد بن أبي بكر الرازي في ذلك كتابًا سماه: «أسئلة القرآن»، واختصره القاضي

стр. 2772

زكريا الأنصاري، وليس هذا الرازي هو الفخر بل غيره، وسنورده من عيون هذا النوع نبذة من سورة (الفاتحة). فإن قيل: المراد بـ ﴿الصراط المستقيم﴾ الإسلام أو القرآن، أو طريق الجنة، والمؤمنون مهتدون إلى ذلك، فما معنى ﴿اهدنا﴾ مع كونهم مهديين؟ الجواب معناه: ثبتنا عليه وأدمنا على ذلك، كما تقول العرب للواقف: قف حتى آتيك، أي: دم على وقوفك واثبت. فإن قيل: كيف قال تعالى: ﴿ذلك الكتاب لا ريب فيه﴾ [البقرة: ٢] وكم مرتاب من الخلق؟ فالجواب: هو في ذاته بلغ الرتبة العليا من الكمال، بحيث لا ينبغي أن يرتاب فيه وإن وجد ريب فلا بعتد به، أو لا ريب فيه عند أهل المعرفة والبصيرة والتفكر فمن سواهم لا يعتد به. فإن قيل: ما معنى قوله تعالى: ﴿حسدًا من عند أنفسهم﴾ [البقرة: ١٠٩] أجاب الرازي أنه تأكيد.

стр. 2773

وأقول: إنه لما كانت النفس تطلق ويراد بها مجموع الخصال الذميمة ذكر من عند أنفسهم للإشارة إلى أن هذه الصفة القبيحة إنما نشأت من النفس، ولو أنهم تبصروا بنور العقل والفكر، وبصيرة القلب لما وقعوا في الحسد. فإن قيل: كيف قال تعالى: ﴿الذين يأكلون الربوا﴾ [البقرة: ٢٧٠] والحق والذم والوعيد على أكل الربا، والربا ينتفع به في وجوه من اللباس، والنكاح، والمسكن، والفراش، والأثاث، وغير ذلك؟ . الجواب: لما كان أكثر الانتفاع من المال بالأكل أطلق عليه. والمقصود سائر الانتفاعات كما يقال: أكل فلان مال فلان، إذا انتفع بسائر الانتفاعات. فإن قيل: كيف قال تعالى: ﴿آلم * الله لا إله إلا هو الحي القيوم * نزل عليك الكتاب بالحق﴾ [آل عمران: ١ - ٣]. ثم قال: ﴿وأنزل التوراة والإنجيل﴾ [آل عمران: ٣] الجواب: أن نزل يقتضي التكرار، والقرآن نزل منجمًا مفرقًا مرة بعد أخرى، والتوراة والإنجيل أنزلت جملة، فناسب (أنزل)؛ فإن (أنزل) لا يقتضي التكرار. فإن قلت: قوله تعالى: ﴿وءاتوا اليتامى أموالهم﴾ [النساء: ٢]، واليتيم لا يعطى ماله حتى يبلغ، وإذا بلغ لا يسمى يتيمًا، فهو يقتضي إعطاؤهم أموالهم قبل البلوغ؟ . الجواب: لا يعطى إلا بعد البلوغ، وتسميته يتيمًا مجازًا عن ما كانوا عليه من اليتم.

стр. 2774

فإن قلت: كيف صح قول اليهود فيما حكاه الله عنهم: ﴿وبكفرهم وقولهم على مريم بهتانًا عظيمًا * وقولهم إنا قتلنا المسيح ابن مريم رسول الله﴾ [النساء: ١٥٦، ١٥٧]. فكيف قالوا: رسول الله وهم لا يقولون برسالته ولا يؤمنون به؟ والجواب: قد تقدم في نوع: «المفصول معنى الموصول لفظًا» من هذا النوع آيات، وهذا لأنه منه، فيكون قولهم انتهى إلى قوله: ﴿إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم﴾ [النساء: ١٥٧]، واستأنف الكلام فقال تعالى: ﴿رسول الله﴾ تشنيعًا عليهم وتعظيمًا لافترائهم (فيكون) من قول الله تعالى، لا من قولهم. فإن قلت: كيف قال تعالى: ﴿وعد الله الذين أمنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة وأجر عظيم﴾ [المائدة: ٩]، والغفران إنما يكون في عمل السيئات لا في عمل الحسنات؟ الجواب: لما كانت أعمال الحسنات يدخلها التقصير (من عدم التوجه الكامل) في الطاعة، ودخول الرياء والغفلة، فكان قوله تعالى: ﴿لهم

стр. 2775

مغفرة﴾، أي: ستر ونجاوز عن ما وقع من تقصير في الطاعة، وقوله: ﴿وأجر عظيم﴾ أي جزاء على الطاعة. فإن قلت: قول الله تعالى: ﴿وجعل الظلمات والنور﴾ [الأنعام: ١] كيف جمع الظلمات وأفرد النور؟ الجواب: الأنوار لصفائها كشيء واحد، فلذا أفردت، والظلمات لكثافتها وتباعد بعضها عن بعض متكثرة، فلهذا جمعت. وأيضًا فإن الأنوار قريبة إلى العالم الأعلى وعالم القدس فالأنسب بها الإفراد. والظلمات مناسب للعالم الأدنى والأنسب بها الكثرة فلهذا جمعت. فإن قلت: قوله تعالى: ﴿فإن كذبوك فقل ربكم ذو رحمةٍ واسعةٍ ولا يرد بأسه عن القوم المجرمين﴾ [الأنعام، كيف ناسبه أن يقال: ﴿ذو رحمةٍ واسعةٍ﴾ والمقام يقتضي ذو عذاب شديد أو صاحب عقاب شديد حيث إنهم كذبوا الرسل. قلت: الجواب عن ذلك أن الله تعالى ذو رحمة واسعة لم يعجل العقوبة ولم يسارع بالنقمة على من عصى وتجرأ وكذب الرسل، بل يهمل ثم يكون عاقبة الإهمال الانتقام كما قال تعالى: ﴿ولا يرد بأسه عن القوم المجرمين﴾ [الأنعام: ١٤٧]. فإن قلت: كيف الجمع بين قوله تعالى: ﴿ودمرنا ما كان يصنع فرعون وقومه وما كانوا يعرشون﴾ [الأعراف: ١٣٨]، وقوله تعالى:

стр. 2776

﴿فأخرجناهم من جنات وعيون * وكنوز ومقامٍ كريمٍ * كذلك وأورثناها بني إسرائيل﴾ [الشعراء: ٥٧، ٥٩]، فهذه الآية تقتضي بقاء آثارهم وبيوتهم، والآية السابقة تقتضي إهلاك آثارهم وذهابها؟ الجواب: أن الآية الأولى محمولة على المجاز ﴿ودمرنا ما كان يصنع فرعون وقومه﴾ من التدبير والإضلال ﴿وما كانوا يعرشون﴾ من الحيلة وغير ذلك، والآية الأخرى على الحقيقة، أو أن التدبير في الآية السابقة راجع إلى ما اخترعه فرعون وجبابرة قومه من المساكن الهائلة والأبنية الشامخة كقوله تعالى: ﴿يا هامان ابن لي صرحًا لعلي أبلغ الأسباب﴾ [غافر: ٣٦]، والآية الأخرى فيما أورثه الله تعالى بني إسرائيل من دور القبط ومساكنهم الذين هم قوم فرعون، فلا تعارض، وقد تقدم في «نفي ما يوهم التعارض» جانب من الآيات تشبه هذه الآية. فإن قلت: ما معنى قوله تعالى: ﴿ذلك قولهم بأفواههم﴾ [التوبة: ٣٠]، والقول لا يكون إلا بالأفواه؟ فالجواب: الإعلام بأن ذلك مجرد قول لا أصل له، وظهر من ألسنتهم لم يستندوا فيه إلى عقل راجح ولا نقل. فإن قلت: كيف قال الله لنبيه ﷺ : ﴿قل لو شاء الله ما تلوته عليكم﴾ [يونس: ١٦]، وقال في آية أخرى: ﴿لو شاء ربك ما فعلوه﴾ [الأنعام: ١١٢]، وقال في آية أخرى: ﴿أن لو يشاء الله لهدى الناس جميعًا﴾ [الرعد: ٣١]، وأنكر على من قال ذلك في آية أخرى، فقال تعالى: ﴿وقال الذين أشركوا لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيءٍ نحن ولا آباؤنا ولا حرمنا من دونه من شيءٍ كذلك

стр. 2777

فعل الذين من قبلهم فهل على الرسل إلا البلاغ المبين﴾ [النحل]؟ . قلت: لم أر لأحد من أهل العلم عن هذا السؤال جوابًا شافيًا، وقد فتح الله علي بجواب حسن إن شاء الله تعالى، وهو أن الاحتجاج بالقدر مذموم إذا قصد به المتكلم تنزيه نفسه، وأن المعاصي والكفر لم يقع منه إلا بمشيئة الله وقدرته، فهذا مذموم لأنه يريد بذلك براءة نفسه، ونسبة المعصية إلى قضاء الله وقدره، فرد الله على من قال ذلك من الكفر؛ لأنهم يريدون أن لا تثبت لله عليهم حجة: ﴿قل فلله الحجة البالغة﴾ [الأنعام: ١٤٩]، وحجة الله ثابتة على كل مخلوق، ومن قصد بإسناد القضاء والقدر إلى الله توحيد الصانع وبيان الأشياء راجعة إلى علم الله وإرادته وقدرته في كل حال، وهو يعتقد قيام حدة الله عليه، فهذا مذهب محمود وهو الذي ذكره الله في الآية السابقة [الأنعام: ١٤٩] فتحفظ بهذا الجواب. والله أعلم. فإن قلت: ما معنى قوله تعالى: ﴿فإن كنت في شكٍ﴾ [يونس: ٩٤] والشك منتف عنه ﵇؟ الجواب: أن هذا [خطاب للنبي] ﷺ والمراد به أمته، وقد ذكروا لهذه الآية نظيرًا، قالوا: إن الخطاب فيه للنبي ﷺ والمقصود به غيره. فإن قلت: ما معنى قوله تعالى: ﴿خالدين فيها ما دامت السموات والأرض﴾ [هود: ١٠٧]، والسماوات والأرض تفنى؟ والجواب: أن ذلك خرج على عادة العرب في قولهم: (لا أفعل ما دام الجديدان)، عبارة عن عدم الفعل أبدًا، فالمعنى على الدوام.

стр. 2778

فإن قلت: ما معنى الاستثناء في قوله تعالى: ﴿خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك﴾ [هود: ١٠٧]؟ قلت: والحال أن الله أخبر في كثير من الآيات أن أهل النار خالدين فيها وأهل الجنة خالدين فيها. قلت: الجواب أن ذلك تعليمًا من الله تعالى لعباده الأدب، وأن لا يذكروا الأشياء إلا ويقرونها بمشيئة الله، وبيانًا أن الله تعالى له في ملكه ما لا تحصره القيود وأنه فعال لما يريد. فإن قلت: لما ذكر زاد في ذكر أهل الجنة: ﴿عطاءً غير مجذوذٍ﴾ ولم يقل في أهل النار كذلك. قلت: للإشارة إلى أن إنجاز الوعد فضل وإنجاز الوعيد مفوض إلى الرب جل شأنه. فإن قلت: كيف قال يوسف ﵇: ﴿قال اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم﴾ [يوسف: ٥٥]، وفيه الرغبة في الدار الفانية، والأنبياء أعظم الناس زاهدًا فيها.

стр. 2779

الجواب: فعل ذلك ليوصل به إلى إمضاء أحكام الله وإظهار أوامره وإقامة العدل، وعلم أن أحدًا لا يقوم بذلك فما طلب إلا خيرًا. فإن قلت: كيف جاز ليوسف أن يأمر المؤذن أن يقول: ﴿أيتها العير إنكم لسارقون﴾ [يوسف: ٧٠]، والحال أنهم لم يسرقوا ولم يكونوا واسمين في هذه الحالة بالسرقة؟ قلت: لعل يوسف ﵇ اطلع عليه في أيام الصغر، أي بسرقة ما لا يعد نقصًا ولا يخلو عنه الأطفال فأراد ذلك، كما نقل في قولهم: ﴿إن يسرق فقد سرف أخ له من قبل﴾ [يوسف: ٧٧]. قيل: كان يوسف ﵇ في صغره يخفي بعض كسيرة العيش ليتصدق بها فسمى ذلك إخوته سرقة. فإن قلت: لما قال يوسف ﵇: ﴿وقد أحسن بي إذ أخرجني من السجن﴾ [يوسف: ١٠٠]، ولم يقل: أخرجني من الجب ونعمة خروجه من الجب أعظم؟ الجواب: أن معصية السجن كانت عنده أعظم لطول مدتها ولمصاحبة غير الجنس، ولهذا قيل: عذاب الروح الحبس مع غير الجنس، بخلاف الجب فإن المؤنس له جبريل ﵇.

стр. 2780

فإن قلت: كيف قدم الله تعالى الإراحة في قوله: ﴿ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون﴾ [النحل: ٦] والسرح مقدم؟ الجواب: لأنها تقبل مالئة البطون حافلة الضروع متهادية في مشيها، بخلاف وقت سروحها، فحالة ورودها حالة جميلة حسنة تنبسط بها نفوس أهلها. فإن قلت: ما معنى قول موسى ﵇ فيما حكاه الله تعالى: ﴿قال لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السموات والأرض بصائر﴾ [الإسراء: ١٠٢] وفرعون كافر يدعي الربوبية؟ قلت: الجواب: أن موسى علم أن فرعون يعلم الحق، ولكن يتعامى عنه ويعاند فيه، فأراد موسى عليه أن يبكته بذلك. فإن قلت: لأي شيء قال تعالى في قصة الخضر مع موسى: ﴿لقد جئت شيئًا إمرًا﴾ [الكهف: ٧١]، وقال الخضر: ﴿ألم أقل﴾ [الكهف: ٧٢] كل ذلك في أمر السفينة، وقال في أمر الغلام: ﴿لقد جئت شيئًا نكرًا﴾ [الكهف: ٧٤]، وقال الخضر: ﴿ألم أقل لك﴾ [الكهف: ٧٥]. قلت: لما كان خرق السفينة أهون من قتل العلام؛ لأنه ما كل خرق يوجب هلاك أهل السفينة، وقتل الغلام (الصغير) أمر شديد، ولذا قال له الخضر: ﴿أقل لك﴾ فزاد بالرد عليه بالخطاب الكاف.

стр. 2781

فإن قلت: ما وجه إنكار موسى ﵇ على الخضر: ﴿فوجدا فيها جدارًا يريد أن ينقض فأقامه﴾ [الكهف: ٧٧]، فإن إقامة جدار يريد أن ينقض أمر حسن لا يخالف الشرع، بخلاف (المسألتين المتقدمتين)؟ . قلت: الجواب -والله أعلم- أن موسى والخضر لما [لم يضيفهما] أهل القرية صارا في شدة، ووصلا إلى حد الإضرار، ولما كان الخضر قادرًا على أن ينتفع [بنفسه] بأن يتكلم مع أهل الجدار ويأخذ منهم أجرًا على إقامة الجدار ويقتات به هو وموسى ﵇ وترك هذا الأمر، توجه إنكار موسى ﵇. فإن قلت: لم عبر الخضر فيما حكاه الله عنه في قوله لموسى: ﴿أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر فأردت أن أعيبها﴾ بالكهف: ٧٩]، فنسب الإرادة [إلى نفسه]، وقال في حق الغلام: ﴿فأردنا أن يبدلهما ربهما خيرًا منه زكاةً وأقرب رحمًا﴾ [الكهف: ٨١]ـ وقال في حق الجدار: ﴿فأراد ربك أن يبلغا أشدهما ويستخرجا كنزهما﴾ [الكهف: ٨٢]؟ . قلت: لما كان ظاهر خرق السفينة إفسادًا وإضرارًا، نسبه إلى نفسه، وهكذا ينبغي أن يكون الأدب مع الله تعالى في نسبة المقدورات المذمومة إلى النفس على وجه التعظيم والتنزيه لله تعالى، وكذلك لما كان قتل الغلام من الإفساد والإضرار الظاهر. نسبه إلى نفسه، وأتى بضمير المتكلم ومعه غيره أو التعظيم نفسه للإشارة إلى قوته وجسارته وإقدامه على الأمور وهو شأن الرجل القوي.

стр. 2782

وقال في حق الجدار ﴿فأراد ربك﴾ لكونه غير مخض وإصلاح ليس فيه فساد، فنسبه إلى جناب الرب لأن الأدب ينبغي كذلك. فغن قلت: لما قال إبراهيم ﵇: ﴿الذي خلقني فهو يهدين * والذي هو يطعمني ويسقين﴾ [الشعراء: ٧٩]، ثم قال: ﴿وإذا مرضت فهو يشفين﴾ [الشعراء: ٨٠]؟ . الجواب: هو من باب الأدب مع الله تعالى، وتنزيه جناب الرب عن نسبة الضرر إليه في اللفظ، وإن كان يجب على المؤمن اعتقاد أن الخير والشر والضر والنفع كل من عند الله تعالى. فإن قلت: لم قال بعد: ﴿والذي يميتني﴾ [الشعراء: ٨]، فنسب الإماتة إلى الله تعالى وهي إعدام؟ الجواب: أنها وإن كانت إعدامًا لكنها راحة المؤمن وسبب إلى لقاء الله تعالى، فكانت نعمة لا نقمة. ما فائدة ﴿وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه﴾ [القصص: ٧] مع أنها ترضعه بالطبع؟ . الجواب: لو لم يوح الله إليها ربما استأجرت له من يرضعه (فلا يألف) برضاعها فيفوت الأمر المطلوب، وهو أن لا يقبل ثدي امرأة غيرها فترضعه في دار فرعون. فإن قلت: ما معنى: [﴿فإذا خفت عليه فألقيه في اليم ولا تخافي﴾] [القصص: ٧]. الجواب: وإذا خفت عليه القتل فألقيه في اليم ولا تخافي عليه الغرق. فإن قلت: كيف قال سليمان ﵇: ﴿وهب لي ملكًا لا ينبغي لأحدٍ من بعدي﴾ [ص: ٣٥] «مع أنه شبه الحسد؟ ».

стр. 2783

قلت: الجواب: لما كانت النعم توجب الشكر لله تعالى، وعلم سليمان أن الله تعالى جعل فيه استعدادًا كاملاً على شكر النعم، فطلب العظيمة لأجل أن يشكر الله تعالى، وطلب من شدة حبه للنعم أحب [أن ينفرد] بشكره ولا يصل أحد إلى المقام الذي أعطيه، فهو باب [غير المحبين] على المحبوب لا من باب الطمع في الملك الفاني. فإن قلت: لأي شيء قال تعالى في سورة (الزمر): ﴿وفتحت أبوابها﴾ [٧٣] في حق أهل الجنة بالواو، وفي حق أهل النار ﴿فتحت أبوابها﴾ [الزمر: ٧١] بدون الواو؟ الجواب: أن الواو في أهل الجنة واو الحال، والمعنى والحال أنها قد فتحت أبوابها قبل مجيئهم، بخلاف أبواب النار فإنها إنما تفتح عند مجيئهم، و [السبب] في ذلك زيادة الفرح والسرو وتعجيل الكرامة لهم قبل وصولهم، حتى لا يتعرفوا ولا يقفوا على الأبواب، بل يدخلوها بلا مانع، بخلاف أهل النار ليقفوا على الباب موقف الذل و [الصغار] ويكون أشد حرارة ويلفح وجوههم لهيبها. فإن قلت: لم قدم تعالى الإناث وحقهن التأخير في قوله: ﴿لله ملك السموات والأرض يخلق ما يشاء يهب لمن يشاء إناثًا ويهب لمن يشاء الذكور﴾ [الشورى: ٤٩﴾؟ . الجواب: أن الآية سيقت لبيان عظمة الله وأنه يفعل ما يشاء، لا ما يشاء خلقه (ولما كان مشيئة الإنسان أن يكون له) ذكور لا إناث كان الأولى

стр. 2784

تقديم الإناث للإشارة إلى أنه جل شأنه يفعل ما يختاره لا ما يختاره العباد، ثم بين تعالى فضل الذكور بتعريف لفظ الذكور للإفهام برفع درجتهم وإن قدم الإناث عليهم لفائدة في هذا المقام، ثم بعد أن علم المقصود وعاد الخطاب إلى أصله، فقال: ﴿أو يزوجهم ذكرانًا وإناثًا﴾ [الشورى: ٥٠]. فقدم الذكور؟ فإن قلت: لأي شيء عبر الحق بالوجه في قوله تعالى: ﴿كل من عليها فان* ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام﴾ [الرحمن: ٢٦، ٢٧]. والمقصود بالوجه الذات، فلأي شيء عبر بالذات أو ما يعبر عنها؟ قلت: لما كان في الوجه حاجة البصر وهي في حق الحق جل شأنه راجعة إلى صفة العلم والإحاطة بالمبصرات والمعلومات عبر بالوجه للإشارة إلى أنه جل شأنه في حال عدم الخلق وإفنائهم، عالم بهم محيط بحقائقهم كلياتهم وجزئياتهم، ليعيدهم إلى دار البقاء، فكان التعبير بالوجه نكتة لطيفة. وقال الرازي في «تفسيره» وتبعه البيضاوي: المراد بالوجه في هذه الآية من باب وجه المسألة يعني: كل من عليها فان ويبقى الوجه الدال على بقاء الحق ويثبت ولا ترد عليه شبهة تبطله، هذا ملخص ما ذكروه. فإن قلت: لأي شيء عبر سورة (الحديد) و (الحشر) و (الصف) بلفظ: (سبح) بالماضي، وفي (الجمعة) و (التغابن) بالمضارع، وبالأعلى بالأمر، وفي (الإسراء) بالمصدر؟ الجواب: القصد استعاب الجهات المشهورة لهذه الكلمة، وبدأ بالمصدر في (الإسراء) لأنه الأصل، ثم بالماضي لسبق زمانه، ثم المضارع لشموله

стр. 2785

للحال والاستقبال، ثم بالأمر لخصومه بالحال. فإن قلت: لأي شيء نكرت «نفس» في قوله تعالى: ﴿ولتنظر نفس ما قدمت لغدٍ﴾ [الحشر: ١٨] (ولم يقل): ولتنظر النفوس أو نفوسكم؟ الجواب التنكير يأتي كتقليل، ومنه هذه الآية، فتنكير «النفس» للإشارة إلى أن النفس الناظرة في أمر المعاد قليلة، كأن قيل: وأين تلك النفس. فإن قلت: لأي شيء نكر الغد في قوله تعالى: ﴿ما قدمت لغدٍ﴾. الجواب: نكر للإبهام والتعظيم أي ليوم عظيم وغد مهول شديد. فإن قلت: ما وجه المناسبة في قوله تعالى: ﴿ما غرك بربك الكريم﴾، والمقام يقتضي القاهر الشديد المنتقم؟ الجواب: فائدة اللطف بعبده وتلقيه حجته وعذره ليقول: غرني كرمك وعفوك وفضلك. فإن قلت: لم عطف «الليالي» في قوله تعالى: ﴿والفجر * وليالٍ عشر﴾ [الفجر: ١، ٢]؟ قلت: للإشارة إلى أن هذه الليالي العظيمة في غاية الإشراق والبهاء والنور، فكأنها نهار، فناسب عطفها على الفجر وخروجها عن الليل في قوله تعالى: ﴿والليل إذا يسر﴾ [الفجر: ٤].

стр. 2786

فإن قلت: ما وجه عطف قوله تعالى: ﴿فويل للمصلين * الذين هم عن صلاتهم ساهون * الذين هم يراءون * ويمنعون الماعون﴾ [الماعون]، فعطفت جملة «يمنعون» على جملة «يراؤون» وشرط العطف أن يكون بين الجملتين (جامع مناسب لعطف أحدهما على الآخر)؟ . قلت: لما كان الرياء أبطل الأعمال الصالحة العظيمة الجليلة التي توجب للعبد الهلاك والذهاب والبعد عن حضرة الله تعالى، ومع هذا تساهل المرائي فيها وأضاعها، وهي جواهر ونفائس وذخائر ولم يبخل بها، وبخل بشيء حقير لا يضره وهو إعادة الماعون: مثل القدح والسكين، فكان بينهما (كمال المناسبة بشبه التضاد وهو أحسن الجوامع). وهذا الجواب مما فتح الله به علي. فإن قلت: ما وجه التكرار في قوله تعالى: ﴿قل أعوذ برب الناس * ملك الناس * إله الناس﴾ [الناس]؟ . الجواب: التنويه بشأن الناس (وأنه عالم جليل) مشتمل على إتقان الحكيم جل شأنه، ولذا قال القائل: أتحسب أنك جرم صغير ... وفيك انطوى العالم الأكبر ولا ذرة منك إلا غدا ... بها يوزن الكون أو أكثر والحمد لله رب العالمين- وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم-.

стр. 2787

النوع الخامس والعشرون بعد المائة علم أسرار تكرار قصص القرآن وبيان الحكمة والسر في ذلك

стр. 2788

النوع الخامس والعشرون بعد المائة علم أسرار تكرار قصص القرآن وبيان الحكمة والسر في ذلك ولم يفرد هذا النوع الحافظ السيوطي ﵀ في الإتقان، بل ذكر مسائله في نوع الإيجاز والإطناب، وقد تقدم الاعتراض عليه في جعله في باب الإطناب، [وقد] ألف في هذا النوع البدر بن جماعة كتابًا سماه: «المقتص في فوائد تكرار القصص»، (ولم أقف عليه، نقل عنه الحافظ السيوطي في الإتقان). منها: أن في كل موضع زيادة كل شيء لم يذكر في الذي قبله، أو إبدال

стр. 2789

كلمة بأخرى لنكته (وهذا عادة البلغاء) ومنها: أن الرجل كان يسمع القصة من القرآن، ثم يعود إلى أهله ثم يهاجر بعده آخرون يحكون عنه ما نزل بعد صدور من تقدمهم؛ فلولا تكرار القصص لوقعت قصة (موسى) إلى قوم آخرين؛ وكذا سائر القصص، فأراد الله اشتراك الجميع فيها، يكون فيه إفادة لقوم وزيادة تأكيد الآخرين. انتهى. قلت: وهذه الحكمة والسر في تكرار القصص فائدة عظيمة؛ فإن القرآن كان ينزل شيئًا فشيئًا وتتلقاه العرب إلى مواطنها فكان في التكرار عموم الانتفاع به. قال: ومنها (أن في إبراز الكلام الواحد) في فنون كثيرة وأساليب مختلفة ما لا يخفى من الفصاحة. ومنها: أن الداعي لا تتوفر على نقلها كتوفرها على (نقل) الأحكام، فلهذا كررت القصص دون الأحكام. ومنها: (أن الله تعالى) أنزل هذا القرآن، وعجز القوم عن الإتيان بمثله، [بأي نظم جاءوا]، ثم أوضح الأمر في عجزهم، بأن كرر ذكر القصة في

стр. 2790

مواضع، إعلامًا بأنهم عاجزون عن الإتيان بمثله، أي بأي نظم جاءوا، وبأي عبارة عبروا. ومنها: أنه لما تحداهم قال: ﴿فأتوا بسورةٍ من مثله﴾ [البقرة: ٢٣]، فلو ذكرت القصص في موضع واحد واكتفى بها لقال العربي: ايتونا أنتم بسورة من مثله، فأنزلها سبحانه و [تعالى] في تعداد السور دفعًا لحجتهم من كل وجه. ومنها: أن القصة (الواحدة) (لو كررت) كان في ألفاظها في كل موضع زيادة ونقصان وتقديم وتأخير، وأتت على أسلوب (غير أسلوب الأخرى)، فأفاد ذلك ظهور الأمر العجيب في إخراج المعنى الواحد في صور متباينة في النظم وجذب النفوس إلى سماعها لما جلبت عليه من حب التنقل في الأشياء المتجددة واستلذاذها بها، وإظهار خاصة القرن حيث لم يحصل من تكرار ذلك فيه هجنة في اللفظ، ولا ملل عند سماعه، فباين ذلك كلام المخلوقين. انتهى. قلت: وقد ظهر لي في وجه في أسرار تكرار القصص غير ما تقدم، وقد أشرت إليه فيما سبق في نوع أسماء السور، وهو أن الله تعالى ذكر كل قصة في سورة من سور القرآن لغير المعنى الذي ذكر حاله في السورة الأخرى، فإن القصة الواحدة تشير إلى معان متعددة، فيكون في بعض السور مساق الكلام: صبر النبي ﷺ على إيذاء الكفار، والتسلية له بذكر قصص الأنبياء ﵇ وأنهم صبروا وأوذوا أذى عظيمًا، فتساق القصص على هذا المعنى، وفي بعض

стр. 2791

السور يكون مساق الكلام: الإخبار عن إهلاك المعاندين والظالمين، وأن عاقبة أمرهم الهلاك في الدنيا والخزي في الآخرة، فتساق القصص على هذا المعنى. وفي بعض السور يكون مساق الكلام الإخبار عن التوحيد، وتبليغ الرسالة، وإرشاد الخلق إلى الله تعالى فتقص القصص على هذا المساق؛ للإشارة إلى أنهم على وتيرة واحدة ومنهج واحد داعون إلى توحيد الله تعالى وإرشاد الخلق إلى الله تعالى. وتارة يكون مساق في بعض السور إثبات البعث والنشور، وأن الخلق مبعوثون مجزون محاسبون، فتساق قصص الأنبياء ﵈ لإثبات هذا المعنى وأنهم دعوا إلى هذا الأمر. ومن هذا الأسلوب استنبط بعض أهل العلم كالبخاري في صحيحه تكرار الحديث الواحد إذا كان يشير إلى معان كثيرة، وقد أثنى الناس على البخاري ﵀ في هذا الصنيع ولم يعدوا كثرة تكراره تكرارًا. وقال بعضهم: فقد البخاري في تراجمه قصد به على باب غير المقصود الذي قصده في الباب الآخر، فكذلك قصص الأنبياء ﵈. وجه آخر في سر تكرار القصص، وهو أن القرآن مشتمل على جملة كتب الله المنزلة على الأنبياء ﵈ كما دل على ذلك جملة من الأحاديث: منه ما أخرجه الحاكم والبيهقي في شعب الإيمان عن معقل بن ....................

стр. 2792

يسار ﵁ عن النبي ﷺ قال: «أعطيت سورة من الذكر الأول، وأعطيت (طه) والطواسين والحواميم، وأعطيت فاتحة الكتاب وخواتيم سورة البقرة من تحت العرش والمفضل نافلة». وأخرج البيهقي في الشعب، والطبراني في الكبير عن [واثلة] ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «أعطيت مكان التوراة السبع الطوال، وأعطيت مكان الزبور المئين، وأعطيت مكان الإنجيل المثاني، ................................................................................

стр. 2793

وفضلت بالمفصل». انتهى. فإذًا علم أن القرآن اشتمل على التوراة والزبور والإنجيل. ولا شك أن التوراة والإنجيل فيها أخبار الأنبياء وقصصهم، فيجب في السور التي هي مكان التوراة أن يذكر فيها قصص الأنبياء الذين ذكروا في التوراة. والسور التي مكان الإنجيل قصص الأنبياء الذين ذكروا في الإنجيل، فلم يكن التكرار حينئذ تكرارًا، بل هو تلخيص لما في التوراة والإنجيل والزبور وزيادة خص الله بها النبي ﷺ وهي المفصل والله الموفق. (فصل: فإن سأل سائل): ما الحكمة في عدم تكرار قصة يوسف ﵇

стр. 2794

وسوقها مساقًا واحدًا في موضع واحد دون غيرها من القصص؟ (أجابوا عن ذلك بأوجه): أحدها: أن فيها تشبيب النسوة به، وحال امرأة ونسوة افتتن بأبدع الناس جمالاً، فناسب عدم تكرارها لما (فيها) من الإغضاء والستر، وقد صحح الحاكم في مستدركه حديث النهي عن تعليم النساء سورة (يوسف). ثانيها: [أنها] اختصت بحصول الفرج بعد الشدة بخلاف غيرها من القصص، فإن مآلها إلى الوبال كقصة إبليس، وقوم نوح [وقوم هود وقوم صالح] وغيرهم، [فلما] اختصت بذلك اتفقت الدواعي على نقلها لخروجها عن سمت القصص. ثالثها: قال الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني: إنما كرر الله قصص الأنبياء وساق قصة يوسف مساقًا واحدًا إشارة إلى عجز العرب، كأن النبي صلى الله عليه والسلام قال لهم:

стр. 2795

إن كان من تلقاء نفسي، فافعلوا في قصة (يوسف) ما فعلت في سائر القصص. قلت: وظهر لي جواب رابع، وهو أن سورة (يوسف) نزلت (بسبب) طلب الصحابة أن يقص عليهم، كما رواه الحاكم في مستدركه فنزلت مبسوطة تامة ليحصل لهم مقصود القصص من استيعاب القصة وترويح النفس بها والإحاطة بطرفيها. وجواب خامس: وهو أقوى ما يجاب به، أن قصص الأنبياء إنما كررت؛ لأن المقصود بها إفادة إهلاك من كذبوا رسلهم، والحاجة داعية إلى ذلك لتكرير تكذيب الكفار لرسول الله ﷺ ، فكلما كذبوا أنزلت قصة منذرة بحلول العذاب، كما حصل على المكذبين، ولهذا قال تعالى في آيات: ﴿فقد مضت سنت الأولين﴾ [الأنفال: ٣٨]، ﴿ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرنٍ﴾ [الأنعام: ٦] وقصة (يوسف) لم يقصد منها ذلك. وبهذا أيضًا يحصل الجواب عن حكمة عدم تكرير قصة أصحاب (الكهف) وقصة ذي القرنين وقصة (موسى) مع الخضر وقصة الذبيح. فإن قلت: قد تكررت [قصة] ولادة يحيى وعيسى مرتين، وليست من قبيل ما ذكرت. قلت: الأولى من سورة (كهيعص) [مريم] وهي مكية أنزلت خطابًا لأهل مكة، والثانية في سورة (آل عمران) [٤٥ - ٤٧]، وهي مدنية أنزلت خطابًا لليهود [و] لنصارى نجران حين قدموا، ولهذا اتصل بها ذكر المحاجة والمباهلة. انتهى.

стр. 2796

النوع السادس والعشرون بعد المائة إعجاز القرآن

стр. 2797

النوع السادس والعشرون بعد المائة إعجاز القرآن اعلم -أيدنا الله وإياك- أن الله ﵎ تجلى بصفة الكلام الذاتي على قلب سيدنا محمد ﷺ وأنزل عليه القرآن، فاستغرق في حال الخطاب وذهب بشريته، وتلاشت جسمانيته، وانتعشت صفات روحانيته، فسمع الخطاب الإلهي والحديث الرباني بلفظه ومعانيه وحقيقته ومبانيه، فلما رجع إلى عالم البشرية، وعاد إلى مدارك الكون، نطق بها ألقي إليه، وتكلم بما أنزل عليه، فجاء كلامه بخلعه القدسي الرحماني، وخطابه بلسان الوصف السبحاني، فلهذا يفنى الدهر وحلاوته باقية، وتذهب العصور وطلاوته دائمة تزداد فصاحة كلما تكرر، وتتجدد بلاغة كلما تقرر، تخشع الأجسام لهيبته، وتخضع النفوس لجلالته، وتركع العقول لبهائه، وتسجد الأفكار لعلاه، وتسرح الأرواح في رياض جله، وتمر الأسرار في ميادين جماله، كيف لا؛ وهو في حضرة الفيض والنور، وفي مقام القدس والسرور، فلن يستطيع متكلم أن يلبس كلامه القدسي، ومن أين الناطق أن يكسو نطقه البهاء والثناء، فلما ألبسه الحق جل شأنه من الجلالة والهيبة والعلو والرفعة والكمال ترى له صولة ودولة في المنطق أي دولة، كلما قرئ استفيد منه المعاني النفسية،

стр. 2798

كلما تلى استخرجت منه الدقائق الرسيسة، يغوص المتفكر فيه فتستخرج درر الحكم ويلج المتأمل فيه إلى بحار القدم ويدخل الناظر فيه إلى مدائن المعاني، ويعبر المتفكر فيه إلى قصور المباني فياض بالحقائق، زخار بالرقائق، متلاطم بأمواج اللاهوت، متراكم بهوامع الجبروت، نفاح بعطر الحضرات العلية، نتاح بأقفال المقامات البهية، مهيم لأرباب الذوق، مغلق لأرباب الوق لا يكل السمع منه، ولا يمل ولا يحزن، ولا يقلق، ولا يعطش، ولا يدهش، وكلما تلى اتسع الفكر، وانبسط السر، وانكشف العطاء، وارتفعت الروح إلى عالم الصفا، واتصلت بعالم الاجتباء، وشربت من كؤوس التجلي الذاتي، وارتدت من بحار الكلام الصفاتي، وسكرت بالرحيق السبوحي وطربت بالهدام القدوسي. واعلم -أيدنا الله وإياك- أن كل متكلم له رونق وصفة وكيفية في كلامه، وذلك لقوة فكرته، ومن إدراكه وتعقله لما يقوله، وإعرابه عما في ضميره، فإن كان بليغًا أورد ما في ضميره بنوع من البلاغة عاليةً أو نازلاً، وإن كان فصيحًا فكذلك، وإن كان ركيكًا أو ضعيف الفكرة والمدركة خرج على مقدار ركاكته. والقرآن كلام الله جل شأنه نزل لفظه ومعناه على محمد ﷺ ،

стр. 2799

والمعلومات كلها حاضرة عند الحق جل شأنه بإشراق قدسه، فلذا ترى من لا يفهمه يخضع لسماعه، وتأثر به أشد التأثير. ومما يقرب من هذا المعنى ما نقل عن الإمام أحمد ﵁ أنه حضر مجلس بعض أهل الحقيق مختفيًا، فتكلم ذلك العارف بأنواع من العرفان والحقائق، فسأل الإمام أحمد ﵁ فقال: لم أفهم مما يقول شيئًا غير أن على كلامه صولة ليس بصولة مبطل، فالقرآن الشريف معجز بألفاظه الفصيحة، ومعانيه البليغة وصولة متكلمة، وهذا الوجه في إعجازه عندي والله أعلم). فصل: وإنما كان القرآن العزيز معجزًا لأن لفظه الكلام العربي البليغ الراقي في درجة الفصاحة والبلاغة والبراعة إلى الغاية القصوى ، ومعناه المعاني الجليلة الفائقة العظيمة التي لا تكون في غيره من الكلام، والمرمى الأعظم هو ما فيه من صولة المتكلم وجلالته وبهائه وأشرافه وحلاوته وطلاوته، وأخذه بالقلوب ولذته النفوس، بحيث لا تمل منه على كثرة [التكرار] ولا يخلق على مر الدوام. وقال الحافظ السيوطي -رحمه الله تعالى- في الإتقان: اعلم أن المعجزة أمر خارق للعادة، مقرون بالتحدي، سالم عن المعارضة؛ وهي إما حسية وإما عقلية، وأكثر معجزات بني إسرائيل كانت حسية لبلادتهم، وأكثر معجزات هذه الأمة عقلية

стр. 2800

لفرط ذكاهم، وكمال أفهامهم، ولأن هذه الشريعة لما كانت باقية على صفحات الدهر إلى يوم القيامة، خضت بالمعجزة العقلية الباقية؛ ليراها [ذوو البصائر]، كما قال ﷺ : «ما من الأنبياء نبي إلا أعطي ما مثله آمن عليه البشر؛ وإنما كان الذي أوتيته وحيًا أوحاه الله إلي، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعًا». أخرجه البخاري، قيل: إن معناه أن معجزات الأنبياء انقرضت بانقراض أعصارهم فلم يشاهدها إلا من حضرها، ومعجزة القرآن مستمرة إلى يوم القيامة، وخرقه العادة في أسلوبه وبلاغته، وإخباره بالمغيبات فلا يمر عصر من الأعصار إلا ويظهر فيه شيء مما أخبر به أنه سيكون؛ ويدل على صحة دعواه. وقيل: المعنى أن المعجزات الماضية كانت حسية تشاهد بالأبصار كناقة صالح وعصا موسى، و [معجزة القرآن] تشاهد بالبصيرة فيكون من يتبعه لأجلها أكثر؛ لأن الذي يشاهد بعين الرأس ينقرض بانقراض مشاهده، والذي يشاهد بعين العقل باق، يشاهده كل من جاء بعد الأول مستمرًا. قال في «فتح الباري»: ويمكن نظم القولين في كلام واحد؛ فإن محصلهما لا ينافي بعضه بعضًا). ولا خلاف بين العقلاء، أن كتاب الله تعالى معجز لم يقدر [واحد] على معارضته بعد تحديهم بذلك، قال تعالى: ﴿وإن أحد من المشركين استجارك

стр. 2801

فأجره حتى يسمع كلام الله﴾ [التوبة: ٦]، فلولا أن سماعه حجة عليه لم يقف أمره على سماعه، ولا يكون إلا وهو معجزة. وقال تعالى: ﴿وقالوا لولا أنزل عليه آيات من ربه قل إنما الآيات عند الله وإنما أنا نذير مبين * أو لم يكفهم أنا أنزلنا عليك المتاب يتلى عليهم﴾ [العنكبوت: ٥٠، ٥١] فأخبر بأن الكتاب آية من آياته، كاف في الدلالة، قائم مقام معجزات غيره وآيات من سواه من الأنبياء، ولما جاء به النبي ﷺ إليهم، وكانوا أفصح الفصحاء ومصاقع الخطباء، وتحداهم على أن يأتوا بمثله، وأمهلهم طول السنين فلم يقدروا، [كما قال تعالى]: ﴿فليأتوا بحديثٍ مثله إن كانوا صادقين﴾ [الطور: ٣٤]، ثم تحداهم بعشر سور منه في قوله تعالى: ﴿أم يقولون افتراه قل فأتوا بعشر سورٍ مثله مفترياتٍ وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين * فإلم يستجيبوا لكم فاعلموا أنما أنزل بعلم الله﴾ [هود: ١٣، ١٤] الآية. ثم تحداهم بسورة في قوله (تعالى): ﴿أم يقولون افتراه قل فأتوا بسورةٍ مثله ... ﴾ [يونس: ٣٨]. ثم كرر في قوله (عز من قائل): ﴿وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورةٍ من مثله ... ﴾ الآية [البقرة: ٢٣]، فلما عجزوا عن معارضته والإتيان بسورة تشبهه على كثرة الخطباء فيهم والبلغاء، نادى عليهم بإظهار العجز وإعجاز القرآن، فقال [عز من قائل]: ﴿قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرًا﴾ [الإسراء: ٨٨]. هذا وهم الفصحاء اللد، وقد كانوا أحرض شيء على إطفاء نوره، وإخفاء أمره، فلو كان في مقدورتهم معارضته لعدلوا إليها قطعًا للحجة، ولم ينقل عن أحد منهم أنه حدث نفسه شيء من ذلك ولا رامه، بل عدلوا إلى

стр. 2802

العناد تارة، وإلى الاستهزاء أخرى، فتارة قالوا: «سحر»، وتارة قالوا: «شعر»، وتارة قالوا: ﴿أساطير الأولين﴾ [الفرقان: ٥]، كل ذلك من التحير والانقطاع، ثم رضو [بتحكيم السيف] في أعناقهم وسبي ذراريهم وحرمهم واستباحة أموالهم، وقد كانوا آنف شيء وأشده حمية، فلو علموا أن الإتيان بمثله في قدرتهم لبادروا إليه؛ لأنه كان أهون عليهم، كيف وقد أخرج الحاكم عن ابن عباس ﵄: قال: جاء الوليد بن المغيرة إلى النبي ﷺ فقرأ عليه القرآن فكأنه رق له، فبلغ ذلك أبا جهل، فأتاه فقال: يا عم، إن قومك يرون أن يجمعوا لك مالاً ليعطوكه؛ فإنك أتيت محمدًا لتعرض لما قبله، قال: قد علمت قريش أني من أكثرها مالاً، قال: فقل فيه قولاً يبلغ قومك أنك كاره

стр. 2803

له قال: وماذا أقول: فوالله ما فيكم رجل أعلم بالشعر مني، ولا برجزه، ولا بقصيده ولا بأشعار الجن، والله ما يشبه الذي يقول شيئًا من هذا، ووالله إن لقوله الذي يقول حلاوة، وإن عليه لطلاوة، وأنه لمثمر أعلاه، مغدق أسفله، وأنه ليعلو ولا يعلى عليه، وإنه ليحطم ما تحته، قال: لا يرضى عنك قومك حتى تقول فيه، قال: دعني حتى أفكر، فلما فكر قال: هذا سحر يؤثر، يأثره عن غيره. قال الجاحظ: بعث الله محمدًا ﷺ أكثر ما كان العرب شاعرًا وخطيبًا، وأحكم ما كانت لغة، وأشد ما كانت عدة، فدعا أقصاها، وأدناها توحيد الله وتصديق رسالته، فدعاهم بالحجة، فلما قطع العذر، وأزال الشبهة، وصار الذي يمنعهم من الإقرار الهوى والحمية، دون الجهل والحيرة،

стр. 2804

حملهم على حظهم بالسيف، فنصب لهم الحرب، ونصبوا له، وقتل من عليتهم وأعلامهم وأعمامهم وبني أعمامهم، وهو في ذلك يحتج عليهم بالقرآن ويدعوهم صباحًا ومساء إلى أن يعارضوه إن كان كاذبًا بسورة واحدة، أو بآيات يسيرة، فكلما ازداد تحديًا لهم بها وتقريعًا لعجزهم عنها تكشف من نقصهم ما كان مستورًا، وظهر منه ما كان خفيًا، فحين لم يجدوا حيلة ولا حجة قالوا له: أنت تعرف من أخبار الأمم ما لا نعرف، فلذلك يمكنك ما لا يمكننا قال: فهاتوها مفتريات، فلم يرم ذلك خطيب، ولا طمع فيه شاعر، ولو طمع فيه لتكلفه، ولو تكلفه لظهر ذلك، ولو ظهر لوجد من يستجيده ويحامي عليه ويكايد فيه، ويزعم أنه قد عارض وقابل وناقض، دل ذلك العاقل على عجز القوم مع كثرة كلامهم، واستحالة لغتهم، وسهولة ذلك عليهم، وكثرة شعرائهم، وكثرة من هجاه منهم وعارض شعراء أصحابه، وخطباء أمنه؛ لأن سورة واحدة آيات يسيرة كانت أنقض لقوله، وأفسد لأمره، وأبلغ في تكذيبه، وأسرع في تفريق أتباعه من بذل النفوس، والخروج من الأوطان، وإنفاق الأموال. وهذا من جليل التدبير الذي لا يخفى على من هو دون قريش والعرب في الرأي والعقل بطبقات، ولهم القصيد العجيب، والرجز الفاخر، والخطب الطوال البليغة، والقصار الموجزة، ولهم الأسجاع والمزدوج، واللفظ

стр. 2805

المنثور. ثم يتحدى به أقصاهم بعد أن أظهر عجز أدناهم، فمحال -أكرمك الله- أن يجتمع هؤلاء كلهم على الغلط في الأمر الظاهر، والخطأ المكشوف البين، مع التقريع بالنقص، والتوقيف على العجز، وهم أشد الخلق أنفة، وأكثرهم مفاخرة، والكلام سيد عملهم، وقد احتاجوا إليه، والحاجة تبعث على الحيلة في الأمر الغامض، فكيف بالظاهر! . وكما أنه محال أن يطبقوا ثلاثًا وعشرين سنة على الغلط في الأمر [الجليل] المنفعة، فكذلك محال أن يتركوه، وهم يعرفونه، ويجدون السبيل إليه وهم يبذلون أكثر منه! انتهى. فصل: لما ثبت كون القرآن معجزة نبينا ﷺ وجب الاهتمام بمعرفة وجه الإعجاز وقد خاض الناس في ذلك كثيرًا، فبينم محسن ومسيء. فزعم قوم أن التحدي وقع بالكلام القديم الذي هو صفة الذات، وأن العرب كلفت في ذلك ما لا يطاق، وبع وقع عجزها. وهو مردود؛ لأن ما لا يمكن الوقوف عليه لا يتصور التحدي به، والصواب ما قاله الجمهور أنه وقع بالدال القديم، وهو الألفاظ. ثم زعم النظام أن إعجازه بالصرفة، أي أن الله صرف العرب عن
следующие страницы →