Полный текст (4 238 стр.). Показаны 2801–2840 · переход к 2806.
стр. 2801
فأجره حتى يسمع كلام الله﴾ [التوبة: ٦]، فلولا أن سماعه حجة عليه لم يقف أمره على سماعه، ولا يكون إلا وهو معجزة.
وقال تعالى: ﴿وقالوا لولا أنزل عليه آيات من ربه قل إنما الآيات عند الله وإنما أنا نذير مبين * أو لم يكفهم أنا أنزلنا عليك المتاب يتلى عليهم﴾ [العنكبوت: ٥٠، ٥١] فأخبر بأن الكتاب آية من آياته، كاف في الدلالة، قائم مقام معجزات غيره وآيات من سواه من الأنبياء، ولما جاء به النبي ﷺ إليهم، وكانوا أفصح الفصحاء ومصاقع الخطباء، وتحداهم على أن يأتوا بمثله، وأمهلهم طول السنين فلم يقدروا، [كما قال تعالى]: ﴿فليأتوا بحديثٍ مثله إن كانوا صادقين﴾ [الطور: ٣٤]، ثم تحداهم بعشر سور منه في قوله تعالى: ﴿أم يقولون افتراه قل فأتوا بعشر سورٍ مثله مفترياتٍ وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين * فإلم يستجيبوا لكم فاعلموا أنما أنزل بعلم الله﴾ [هود: ١٣، ١٤] الآية. ثم تحداهم بسورة في قوله (تعالى): ﴿أم يقولون افتراه قل فأتوا بسورةٍ مثله ... ﴾ [يونس: ٣٨]. ثم كرر في قوله (عز من قائل): ﴿وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورةٍ من مثله ... ﴾ الآية [البقرة: ٢٣]، فلما عجزوا عن معارضته والإتيان بسورة تشبهه على كثرة الخطباء فيهم والبلغاء، نادى عليهم بإظهار العجز وإعجاز القرآن، فقال [عز من قائل]: ﴿قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرًا﴾ [الإسراء: ٨٨].
هذا وهم الفصحاء اللد، وقد كانوا أحرض شيء على إطفاء نوره، وإخفاء أمره، فلو كان في مقدورتهم معارضته لعدلوا إليها قطعًا للحجة، ولم ينقل عن أحد منهم أنه حدث نفسه شيء من ذلك ولا رامه، بل عدلوا إلى
стр. 2802
العناد تارة، وإلى الاستهزاء أخرى، فتارة قالوا: «سحر»، وتارة قالوا: «شعر»، وتارة قالوا: ﴿أساطير الأولين﴾ [الفرقان: ٥]، كل ذلك من التحير والانقطاع، ثم رضو [بتحكيم السيف] في أعناقهم وسبي ذراريهم وحرمهم واستباحة أموالهم، وقد كانوا آنف شيء وأشده حمية، فلو علموا أن الإتيان بمثله في قدرتهم لبادروا إليه؛ لأنه كان أهون عليهم، كيف وقد أخرج الحاكم عن ابن عباس ﵄: قال: جاء الوليد بن المغيرة إلى النبي ﷺ فقرأ عليه القرآن فكأنه رق له، فبلغ ذلك أبا جهل، فأتاه فقال: يا عم، إن قومك يرون أن يجمعوا لك مالاً ليعطوكه؛ فإنك أتيت محمدًا لتعرض لما قبله، قال: قد علمت قريش أني من أكثرها مالاً، قال: فقل فيه قولاً يبلغ قومك أنك كاره
стр. 2803
له قال: وماذا أقول: فوالله ما فيكم رجل أعلم بالشعر مني، ولا برجزه، ولا بقصيده ولا بأشعار الجن، والله ما يشبه الذي يقول شيئًا من هذا، ووالله إن لقوله الذي يقول حلاوة، وإن عليه لطلاوة، وأنه لمثمر أعلاه، مغدق أسفله، وأنه ليعلو ولا يعلى عليه، وإنه ليحطم ما تحته، قال: لا يرضى عنك قومك حتى تقول فيه، قال: دعني حتى أفكر، فلما فكر قال: هذا سحر يؤثر، يأثره عن غيره.
قال الجاحظ: بعث الله محمدًا ﷺ أكثر ما كان العرب شاعرًا وخطيبًا، وأحكم ما كانت لغة، وأشد ما كانت عدة، فدعا أقصاها، وأدناها توحيد الله وتصديق رسالته، فدعاهم بالحجة، فلما قطع العذر، وأزال الشبهة، وصار الذي يمنعهم من الإقرار الهوى والحمية، دون الجهل والحيرة،
стр. 2804
حملهم على حظهم بالسيف، فنصب لهم الحرب، ونصبوا له، وقتل من عليتهم وأعلامهم وأعمامهم وبني أعمامهم، وهو في ذلك يحتج عليهم بالقرآن ويدعوهم صباحًا ومساء إلى أن يعارضوه إن كان كاذبًا بسورة واحدة، أو بآيات يسيرة، فكلما ازداد تحديًا لهم بها وتقريعًا لعجزهم عنها تكشف من نقصهم ما كان مستورًا، وظهر منه ما كان خفيًا، فحين لم يجدوا حيلة ولا حجة قالوا له: أنت تعرف من أخبار الأمم ما لا نعرف، فلذلك يمكنك ما لا يمكننا قال: فهاتوها مفتريات، فلم يرم ذلك خطيب، ولا طمع فيه شاعر، ولو طمع فيه لتكلفه، ولو تكلفه لظهر ذلك، ولو ظهر لوجد من يستجيده ويحامي عليه ويكايد فيه، ويزعم أنه قد عارض وقابل وناقض، دل ذلك العاقل على عجز القوم مع كثرة كلامهم، واستحالة لغتهم، وسهولة ذلك عليهم، وكثرة شعرائهم، وكثرة من هجاه منهم وعارض شعراء أصحابه، وخطباء أمنه؛ لأن سورة واحدة آيات يسيرة كانت أنقض لقوله، وأفسد لأمره، وأبلغ في تكذيبه، وأسرع في تفريق أتباعه من بذل النفوس، والخروج من الأوطان، وإنفاق الأموال.
وهذا من جليل التدبير الذي لا يخفى على من هو دون قريش والعرب في الرأي والعقل بطبقات، ولهم القصيد العجيب، والرجز الفاخر، والخطب الطوال البليغة، والقصار الموجزة، ولهم الأسجاع والمزدوج، واللفظ
стр. 2805
المنثور. ثم يتحدى به أقصاهم بعد أن أظهر عجز أدناهم، فمحال -أكرمك الله- أن يجتمع هؤلاء كلهم على الغلط في الأمر الظاهر، والخطأ المكشوف البين، مع التقريع بالنقص، والتوقيف على العجز، وهم أشد الخلق أنفة، وأكثرهم مفاخرة، والكلام سيد عملهم، وقد احتاجوا إليه، والحاجة تبعث على الحيلة في الأمر الغامض، فكيف بالظاهر! .
وكما أنه محال أن يطبقوا ثلاثًا وعشرين سنة على الغلط في الأمر [الجليل] المنفعة، فكذلك محال أن يتركوه، وهم يعرفونه، ويجدون السبيل إليه وهم يبذلون أكثر منه! انتهى.
فصل:
لما ثبت كون القرآن معجزة نبينا ﷺ وجب الاهتمام بمعرفة وجه الإعجاز وقد خاض الناس في ذلك كثيرًا، فبينم محسن ومسيء.
فزعم قوم أن التحدي وقع بالكلام القديم الذي هو صفة الذات، وأن العرب كلفت في ذلك ما لا يطاق، وبع وقع عجزها. وهو مردود؛ لأن ما لا يمكن الوقوف عليه لا يتصور التحدي به، والصواب ما قاله الجمهور أنه وقع بالدال القديم، وهو الألفاظ.
ثم زعم النظام أن إعجازه بالصرفة، أي أن الله صرف العرب عن
стр. 2806
معارضته وسلب عقولهم، وكان مقدورًا لهم، لكن عاقهم أمر خارجي، فصار كسائر المعجزات. وهذا قول فاسد بدليل (قوله تعالى): ﴿قل لئن اجتمعت الإنس والجن ... ﴾ الآية [الإسراء: ٨٨]، فإنه يدل على عجزهم مع بقاء قدرتهم، ولو سلبوا القدرة لم يبق لهم فائدة لاجتماعهم، لمنزلته منزلة اجتماع الموتى، وليس عجز الموتى مما يحتفل بذكره، هذا مع أن الإجماع منعقد على إضافة الإعجاز إلى القرآن، فكيف يكون معجزًا وليس فيه صفة إعجاز؛ بل المعجز هو الله تعالى، حيث سلبهم القدرة على الإتيان بمثله.
وأيضًا فيلزم من القول بالصرفة زوال الإعجاز بزوال زمان التحدي، وخلو القرآن من الإعجاز، وفي ذلك خرق لإجماع الأمة، أن معجزة الرسول العظمى باقية ولا معجزة سوى القرآن.
قال القاضي أبو بكر: ومما يبطل القول بالصرفة أنه لو كانت المعارضة ممكنة وإنما منع منها الصرفة، لم يكن الكلام معجزًا، وإنما يكون بالمنع معجزًا، فلا يتضمن الكلام فضيلة على غيره في نفسه.
قال: وليس هذا بأعجب من قول فريق منهم: إن الكل قادرون على الإتيان بمثله؛ وإنما تأخروا عنه لعدم العلم بوجه ترتيب لو تعلموه لوصلوا إليه به، ولا بأعجب من قول آخرين: إن العجز وقع منهم؛ وأما من بعدهم ففي قدرته.
стр. 2807
الإتيان بمثله؛ وكل هذا لا يعتد به. وقال قوم وجه إعجازه ما فيه من الإخبار عن الغيوب المستقبلة ولم يكن ذلك من شأن العرب.
وقال آخرون: ما تضمنه من الإخبار عن قصص الأولين وسائر المتقدمين حكاية من شاهدها وحضرها.
وقال آخرون: ما تضمنه من الإخبار عن الضمائر من غير أن يظهر ذلك منهم بقول أو فعل كقوله [تعالى]: ﴿إذا هممت طائفتان منكم أن تفشلا﴾ [آل عمران: ١٢٢]. ﴿ويقولون في أنفسهم لولا يعذبنا الله﴾ [المجادلة: ٨].
стр. 2808
وقال القاضي أبو بكر: وجه إعجازه ما فيه من النظم والتأليف والترصيف، وأنه خارج عن جميع وجوه النظم المعتاد في كلام العرب، ومباين لأساليب خطاباتهم. قال: ولهذا لم تمكنهم معارضته.
قال: ولا سبيل إلى معرفة إعجاز القرآن من أصناف البديع التي أودعوها في الشعر؛ لأنه ليس مما يخرق العادة، بل يمكن استدراكه بالعلم والتدريب والتصنع به، كقول الشعر، ورصف الخطب، وصناعة الرسالة، والحذق في البلاغة، وله طريق تسلك، فأما شأن نظم القرآن فليس له مثال يحتذى، ولا إمام يقتدى به، ولا يصبح وقوع مثله اتفاقًا. قال: ونحن نعتقد أن الإعجاز في بعض القرآن أظهر، وفي بعضه أدق وأغمض.
وقال الإمام فخر الدين: وجه الإعجاز الفصاحة، وغرابة الأسلوب، والسلامة من كل العيوب.
وقال الزملكاني: وجه الإعجاز راجع إلى التأليف الخاص به، لا مطلق التأليف، بأن اعتدلت مفرداته تركيبًا وزنة، وعلت مركباته معنى، بأن يوقع كل في فن مرتبته العليا في اللفظ والمعنى.
وقال ابن عطية: الصحيح والذي [ذهب] عليه الجمهور والحذاق في وجه إعجازه، أنه بنظمه وصحة معانيه وتوالي فصاحة ألفاظه؛ وذلك أن الله
стр. 2809
أحاط بكل شيء علمًا، وأحاط بالكلام كله علمًا، فإذا ترتبت اللفظة من القرآن، علم بإحاطته أي لفظة [تصلح] أن تلي الأولى وتبين المعنى بعد المعنى، ثم كذلك من أول القرآن إلى آخره، والبشر يعمهم الجهل والنسيان والذهول، ومعلوم ضرورة أن أحدًا من البشر لا يحيط بذلك، فبهذا جاء نظم القرآن في الغاية القصوى من الفصاحة، وبهذا يبطل قول من قال: إن العرب كان في قدرتها الإتيان بمثله، فصرفوا عن ذلك، والصحيح أنه لم يكن في قدرة أحد قط.
ولهذا ترى البليغ ينقح القصيدة أو الخطبة حولاً، ثم ينظر فيها فيغير فيها وهلم جرا.
وكتاب الله لو نزعت منه لفظة، ثم أدير لسان العرب على لفظة أحسن منها لم يوجد. ونحن تتبين لنا البراعة في أكثره ويخفى علينا وجهها في مواضع، لقصورنا عن مرتبة العرب يومئذ في سلامة الذوق، وجودة القريحة، وقامت الحجة على العالم بالعرب، إذ كانوا أرباب الفصاحة، ومنظمة المعارضة، كما قامت الحجة في معجزة موسى [﵇] بالسحرة، و [في] معجزة عيسى [﵇] بالأطباء؛ فإن الله إنما جعل معجزات الأنبياء
стр. 2810
بالوجه الشهير أسرع ما يكون في زمن النبي الذي أراد إظهاره، فكان السحر قد انتهى في مدة موسى إلى غايته؛ وكذلك الطب في زمن عيسى ﵇ والفصاحة في زمن محمد ﷺ .
وقال حازم في «منهاج البلغاء»: وجه الإعجاز في القرآن من حيث استمرت الفصاحة والبلاغة فيه من جميع أنحائها في جميعه؛ [استمرار] لا توجد له فترة، ولا يقدر عليه أحد من البشر، وكلام العرب ومن تكلم بلغتهم لا تستمر الفصاحة والبلاغة في جميع أنحائها في العالي منه إلا في الشيء اليسير المعدود، ثم تعرضت الفترات الإنسانية فينقطع طيب الكلام ورونقه، فلا تستمر لذلك الفصاحة في جميعه، بل توجد في تفاريق وأجزاء منه.
وقال المراكشي في شرح المصباح: الجهة المعجزة في القرآن تعرف
стр. 2811
بالتفكير في علم البيان، وهو كما اختاره جماعة في تعريفه ما يحترز [به] عن الخطأ في تأدية المعنى، وعن تعقيده، (وتعرف به) وجوه تحسين الكلام بعد رعاية تطبيقه لمقتضى الحال؛ لأن جهة إعجازه ليست مفردات ألفاظه، وإلا لكانت قبل نزوله معجزة، ولا مجرد تأليفها؛ وإلا لكان تأليف معجزًا، ولا إعرابها؛ وإلا لكان كل [كلام] معرب معجزًا، ولا مجرد أسلوبه؛ وإلا لكان الابتداء بأسلوب الشعر معجزًا، [والأسلوب الطريق]، ولكن هذيان مسيلمة معجزًا، ولأن الإعجاز يوجد دونه، أي الأسلوب في نحو: ﴿فلما استيئسوا منه خلصوا نجيًا﴾ [يوسف: ٨٠]، ﴿فاصدع بما تؤمر﴾ [الحجر: ٩٤]، ولا بالصرف عن معارضتهم؛ لأن تعجبهم كان من فصاحته، ولأن مسيلمة وابن المقفع والمعري وغيرهم قد تعاطوها فلم يأتوا إلا بما تمجه الأسماع، وتنفر منه الطباع، ويضحك منه في أحوال تركيبه، وبها، أي
стр. 2812
بتلك الأحوال أعجز البلغاء وأخرس الفصحاء. فعلى إعجازه دليل إجمالي، وهو أن العرب عجزت عنه وهو بلسانها، فعيرها أحرى، ودليل تفصيلي مقدمته التفكر في خواص تركيبه، ونتيجته العلم بأنه تنزيل من المحيط بكل شيء علمًا. وقال الأصبهاني في تفسيره: اعلم أن إعجاز القرآن ذكر من وجهين:
أحدهما: إعجاز يتعلق بنفسه، والثاني: بصرف الناس عن معارضته، فالأول.
إما أن يتعلق بفصاحته وبلاغته [أو بمعناه] أما الإعجاز المتعلق بفصاحته وبلاغته فلا يتعلق بعنصره؛ الذي هو اللفظ والمعنى؛ فإن ألفاظه ألفاظهم، قال تعالى: ﴿قرآنًا عربيًا﴾ [يوسف: ١] ﴿بلسان عربي مبين﴾ [الشعراء: ١٩٥]، ولا بمعانيه فإن كثيرًا منها موجود في الكتب المتقدمة، قال تعالى: ﴿وإنه لفي زبر الأولين﴾ [الشعراء: ١٩٦]؛ وما هو في القرآن من المعارف الإلهية وبيان المبدأ والمعاد، (إخباره) بالغيب؛ فإعجازه ليس براجع إلى القرآن من حيث هو قرآن، بل لكونها حاصلة من غير سبق تعليم وتعلم، ويكون الإخبار بالغيب
стр. 2813
إخبارًا بالغيب؛ سواء كان بهذا النظم، أو بغيره، موردًا بالعربية أو بلغة أخرى، بعبارة أو بإشارة فإذن النظم صورة القرآن، واللفظ والمعنى عنصره، وباختلاف الصور يختلف حكم الشيء واسمه لا بعنصره، كالخاتم، والقرط، والسور؛ فإنه باختلاف صورها [اختلفت] أسماؤها، لا بعنصرها الذي هو الذهب والفضة والحديد، فإن الخاتم المتخذ من الذهب ومن الفضة ومن الحديد يسمى خاتمًا، وإن كان العنصر مختلفًا، وإن اتخذ خاتم وقرط وسوار من ذهب اختلفت أسماؤها باختلاف صورها، وإن كان العنصر واحدًا.
قال: فظهر من هذا أن الإعجاز المختص بالقرآن يتعلق بالنظم المخصوص.
وبيان كون النظم معجزًا يتوقف على بيان نظم الكلام، ثم بيان أن هذا النظم مخالف لنظم ما عداه، فنقول: مراتب تأليف الكلام خمس:
الأولى: ضم الحروف المبسوطة بعضها إلى بعض، لتحصل الكلمات الثلاث: الاسم والفعل والحروف.
والثانية: تأليف هذه الكلمات لتحصل الجمل المفيدة، وهو النوع الذي يتداوله الناس جميعًا في مخاطباتهم، وقضاء حوائجهم، ويقال له المنثور من الكلام.
والثالثة: ضم بعض ذلك إلى بعض ضمًا له مبادئ ومقاطع، ومداخل ومخارج، ويقال له المنظوم.
والرابعة: أن يعتبر في أواخر الكلام مع ذلك تسجيع، ويقال له المسجع.
والخامسة: أن يجعل له مع ذلك وزن، ويقال له الشعر والمنظوم، إما محاورة ويقال له الخطابة، وإما مكاتبة ويقال له الرسالة؛ فأنواع الكلام لا تخرج عن هذه الأقسام، ولكل من ذلك نظم مخصوص، والقرآن جامع
стр. 2814
لمحاسن الجميع، على نظم غير نظم شيء منها؛ يدل على ذلك أنه لا يصح أن يقال له، رسالة، أو خطابة، أو شعر، أو سجع، كما يصح أن يقال: هو (كلام)، والبليغ إذا قرع فصل بينه وبين ما عداه من النظم، ولهذا قال [تعالى]: ﴿إن الذين كفروا بالذكر لما جاءهم وإنه لكتاب عزيز * لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه﴾ [فصلت: ٤١، ٤٢]، تنبيها على أن (نظمه) ليس على هيئة نظم يتعاطاه البشر، فيمكن أن يغير بالزيادة والنقصان كحالة الكتب الأخرى.
قال: وأما الإعجاز المتعلق بصرف الناس عن معارضته، فظاهر أيضًا إذا اعتبر؛ وذلك أنه ما من صناعة، محمودة كانت أو مذمومة؛ إلا وبينها وبين قوم مناسبات خفية، واتفاقات حملية؛ بدليل أن الواحد يؤثر حرفة من الحرف، فينشرح صدره بملابستها، وتطيعه قواه في مباشرتها، فيقبلها بانشراح صدره، ويزاولها باتساع قلبه، فلما دعا الله أهل البلاغة والخطابة الذين يهيمون في كل واد من المعاني بسلاطة لسانهم إلى معارضة القرآن، وعجزهم عن الإتيان بمثله، ولم يتصدوا لمعارضته لم يخف على أولي الألباب أن صارفًا إليهم صرفهم عن ذلك، وأي إعجاز أعظم من أن يكون كافة البلغاء [عجزة]، في الظاهر عن معارضته، مصروفة في الباطن عنها. انتهى.
قلت: هذا الكلام يوهم أن عجزهم كان يصرف الله لهم عن معارضته، والحق خلاف ذلك، فالإعجاز أنه كان وحصل وتحقق من ذات القرآن وجوهر
стр. 2815
اللفظ وبلاغه المعنى وحسن النسف وما كساه الله تعالى من البهاء والرونق.
وقال السكاكي في «المفتاح»: عن إعجاز القرآن يدرك، ولا يمكن وصفه، كاستقامة الوزن تدرك ولا يمكن وصلها وكالملاحة، وكما يدرك طيب النغم العارض لهذا الصوت، ولا يدرك تحصيله لغير ذوي الفطرة السليمة إلا [بإتقان] على المعاني والبيان والتمرين فيهما.
وقال أبو حيان التوحيدي: سئل بندار الفارسي عن موض الإعجاز من القرآن؟
стр. 2816
فقال: هذه مسألة فيها حيف على المعنى، وذلك أنه شبيه بقولك: ما موضع الإنسان من الإنسان؟ . فليس للإنسان موضع من الإنسان؛ بل متى أشرت إلى جملته فقد حققته، ودللت على ذلته، كذلك القرآن، لشرفه لا يشار إلى شيء فيه إلا وكان ذلك المعنى آية في نفسه، ومعجزة لمحاوله، وهدى لقائله، وليس في طاقة البشر الإحاطة بأغراض [الله] [جل شأنه] في كلامه وأسراره في كتابه؛ فلذلك حارت العقول، وتاهت البصائر عنده.
وقال الخطابي: ذهب الأكثرون من علماء النظر، إلى أن وجه الإعجاز فيه من جهة البلاغة، لكن صعب عليهم تفصيلها، وصغوا [فيه] إلى حكم الذوق.
قال: والتحقيق أن أجناس الكلام مختلفة، ومراتبها في درجات البيان متفاوتة؛ فمنها البليغ الرصين الجزل، ومنها الفصيح القريب السهل، ومنها الجائز الطلق الرسل؛ وهذه أقسام الكلام الفاضل المحمود؛ فالأول أعلاها، والثاني أوسطها، والثالث أدناها وأقربها، فجازت بلاغة القرآن من كل قسم من هذه الأقسام حصة، وأخذت من كل نوع شعبة، فانتظم لها بانتظام هذه الأوصاف نمط من الكلام يجمع بين صفتي الفخامة والعذوبة، وهما على الانفراد
стр. 2817
في نعوتهما المتضادين؛ لأن العذوبة نتاج السهولة؛ الجزالة والمتانة تعالجان نوعًا من الزعورة، فكان اجتماع الأمرين في نظمه، مع نبو كل واحد منهما على الآخر فضيلة خص بها القرآن، ليكون آية بينة لنبيه ﷺ .
وإنما تعذر على البشر الإتيان بمثله لأمور: منها أن علمهم لا يحيط بجميع أسماء اللغة العربية وأوضعها التي هي ظروف المعاني، [ولا تدرك] أفهامهم جميع معاني الأشياء المحمولة على تلك الألفاظ، ولا تكمل معرفتهم باستيفاء جميع وجوه [النظوم] التي بها يكون ائتلافها وارتباط بعضها ببعض فيتوصلوا باختيار الأفضل من الأحسن من وجوهها إلى أن يأتوا بكلام مثله، وإنما يقوم الكلام بهذه الأشياء الثلاثة: لفظ حاصل، ومعنى به قائم، وربط لهما ناظم.
وإذا تأملت القرآن وجدت هذه الأمور منه غاية الشرف والفضيلة، حتى لا ترى شيئًا من الألفاظ أفصح ولا أجزل، ولا أعذب من ألفاظ؛ ولا ترى نظمًا أحسن تأليفًا، وأشد تلاؤمًا وتشاكلاً من نظمه. وأما معانيه فكل ذي لب يشهد له بالتقدم في أبوابه، والترقي إلى أعلى درجاته.
وقد توجد هذه الفضائل الثلاث على التفرق في أنواع الكلام؛ فأما أن توجد مجموعة في نوع واحد منه، فلم توجد إلا في كلام العليم القدير، فخرج من هذا أن القرآن إنما صار معجزًا؛ أنه جاء بأفصح الألفاظ في أحسن نظوم التأليف، [مضمنًا أصح] المعاني من توحيد لله تعالى [وتنزيه
стр. 2818
له] في [حفظ] صفاته، ودعاء إلى طاعته، وبيان لطريق عبادته، من تحليل وتحريم وحظر وإباحة، ومن وعظ وتقويم، وأمر بمعروف، ونهي عن منكر، وإرشاد إلى محاسن الأخلاق، وزجر عن مساويها، واضعًا كل شيء [منها] موضعه الذي لا يرى شيء أولى منه، ولا يتوهم من صورة العقل أمر أليق به منه، مودعًا أخبار القرون الماضية، وما نزل من مثلات الله بمن مضى، منبئًا عن الكوائن المستقبلة في الأعصار الآتية من الزمان، جامع في ذلك بين الحجة والمحتج له، والدليل والمدلول عليه؛ ليكون ذلك آكد للزوم ما دعا عليه، وإنباء عن وجوب ما أمر به ونهى عنه.
ومعلوم أن الإتيان بمثل هذه الأمور، والجمع بين أشتاتها حتى تنتظم وتتسق أمر تعجز عن قوى البشر، ولا تبلغه [قدرتهم]، فانقطع الخلق دونه، وعجزوا عن معارضته بمثله، أو مناقضته في شكله. ثم صار المعاندون له يقولون مرة: إنه شعر لما رأوه منظومًا، ومرة إنه سحر لما رأوه معجوزًا عنه، غير مقدور عليه، وقد كانوا يجدون له وقعًا في القلوب، وقرعًا في النفوس، يريبهم ويحيرهم، فلم يتمالكوا أن يعترفوا به نوعًا من الاعتراف، ولذلك قالوا: إن له حلاوة، وإن عليه لطلاوة، وكانوا مرة لجهلهم يقولون: ﴿وقالوا أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلاً﴾ [الفرقان: ٥]، مع
стр. 2819
علمهم أن صاحبهم أمي، وليس بحضرته من يملي أو يكتب في نحو ذلك من الأمور التي أوجبها العناد والجهل والعجز.
ثم قال: وقد قلت في إعجاز القرآن وجهًا ذهب عنه الناس، وهو صنيعه في القلوب، وتأثيره في النفوس، فإنك لا تسمع كلامًا غير القرآن منظومًا، ولا منثورًا، إذا قرع السمع خلص له القلب؛ من اللذة والحلاوة في حال، ومن الروعة والمهابة في حال آخر، ما يخلص منه إليه، قال عز من قائل: ﴿لو أنزلنا هذا القرآن على جلٍ لرأيته خاشعًا متصدعًا من خشية الله﴾ [الحشر: ٢١]، وقال (جل شأن): ﴿الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم﴾ [الزمر: ٢٣]. انتهى.
وقال ابن سراقة: اختلف أهل العلم في وجه إعجاز القرآن، فذكروا في ذلك وجوهًا كثيرة كلها حكمة وصواب، وما بلغوا في وجوه إعجاز جزءًا واحدًا من عشر معشاره، فقال قوم: هو الإيجاز مع البلاغة.
وقال آخرون: هو البيان والفصاحة.
وقال آخرون: هو الرصف والنظم.
وقال آخرون: هو كونه خارجًا عن جنس كلام العرب من النظم، والنشر، والخطب، والشعر، مع كونه حروفه في كلامهم ومعانيه في خطابهم وألفاظه من جنس كلماتهم، وهو بذاته قبيل غير قبيل كلامهم، وجنس آخر متميز عن أجناس خطابهم؛ حتى أن من اقتصر على معانيه، وغير حروف أذهب
стр. 2820
رونقه، ومن اقتصر على حروفه وغير معانيه أبطل فائدته؛ فكان في ذلك أبلغ دلالة على إعجازه.
وقال آخرون: هو كون قارئه لا يكل، وسامعه لا يمل، وإن تكررت عليه تلاوته.
وقال آخرون: هو ما فيه من الإخبار عن الأمور الماضية.
وقال آخرون: هو ما فيه علم الغيب والحكم على الأمور بالقطع.
وقال آخرون: هو كونه جامعًا لعلوم يطول شرحها، ويشق حصرها. انتهى.
وقال الزركشي في البرهان: أهل التحقيق على أن الإعجاز وقع بجميع ما سبق من الأقوال، لا بكل واحد على انفرد؛ فإنه جمع ذلك كله، فلا معنى لنسبته إلى واحد منها بمفرده، مع اشتمال على الجميع، بل وغير ذلك مما لما يسبق؛ فمنها الروعة التي في قلوب السامعين وأسماعهم، سواء المقر والجاحد. ومنها أنه لم يزل ولا يزال غضًا طريًا في جمعه بين أسماع السامعين، وعلى ألسنة القارئين. ومنها جمعه بين صفتي الجزالة والعذوبة، وهما المتضادين لا يجتمعان غالبًا في كلام البشر. ومنها جعله آخر الكتب غنيًا عن غيره وجعل غيره من الكتب المتقدمة قد يحتاج إلى بيان يرجع فيه إليه كما قال تعالى: ﴿إن هذا القرآن يقص على بني إسرائيل أكثر الذي هم فيه يختلفون﴾ [النمل: ٧٦].
وقال الرماني: وجوه إعجاز القرآن تظهر من جهات ترك المعارضة، مع
стр. 2821
توفر الدواعي وشدة الحاجة، والتحدي للكافة، والصرفة، والبلاغة، والإخبار عن الأمور المستقبلة، ونقض العادة، وقياسه بكل معجزة.
قال: ونقض العادة هو أن العادة كانت جارية بضروب من أنواع الكلام معروفة، منها الشعر، ومنها السجع، ومنها الخطب، ومنها الرسائل، ومنها المنثور الذي يدور بين الناس في الحديث؛ فأتى القرآن، بطريقة مفردة خارجة عن العادة، لها منزلة في الحسن تفوق به كل طريقة، وتفوق الموزون الذي هو أحسن الكلام.
قال: وأما قياسه بكل معجزة؛ فإنه يظهر إعجازه من هذه الجهة؛ إذ كان سبيل فلق البحر وقلب العصا حية، وما جرى هذا المجرى في ذلك سبيلاً واحدًا في الإعجاز، إذ خرج عن العادة، وقعد الخلف فيه عن المعارضة.
وقال القاضي عياض في الشفا: اعلم أن القرآن منطو على وجوه من الإعجاز كثيرة، وتحصيلها من جهة ضبط أنواعها في أربعة وجوه .
أولها: حسن تأليفه والتئام كلمه وفصاحته، ووجوه إيجازه، وبلاغته الخارقة عادة العرب الذين هم فرسان الكلام، وأرباب هذا الشأن.
стр. 2822
الثاني: صورة نظمه العجيب، والأسلوب الغريب، المخالف لأساليب كلام العرب، ومنها نظمها ونثرها الذي جاء عليه، وقفت عليه مقاطع آياته وانتهت إليه فواصل كلماته، ولم يوجد قبله ولا بعده نظير له. قال: كل واحد من هذين النوعين: الإيجاز والبلاغة بذاتها، والأسلوب الغريب بذاته نوع إعجاز على التحقيق، لم تقدر العرب على الإتيان بواحد منهما، إذ كل واحد خارج عن قدرتها، مباين لفصاحتها وكلامها، خلافًا لمن زعم أن الإعجاز في مجموع البلاغة والأسلوب.
الثالث: ما انطوى عليه من الإخبار بالمغيبات وما لم يكن، فوجد كما ورد.
الرابع: ما أنبأ به من أخبار القرون السالفة، والأمم البائدة، والشرائع الدائرة، مما كان لا يعلم منه القصة الواحدة إلا الفذ من أخبار أهل الكتاب الذي قطع عمره في تعلم ذلك، فيورده ﷺ على وجهه ويأتي به على [نصه]؛ وهو أمي لا يقرأ ولا يكتب.
قال: فهذه الوجوه الأربعة من إعجازه بينة [لا نزاع] فيها.
ومن الوجوه في إعجازه غير ذلك أي وردت بتعجيز قوم في قضايا وإعلامهم أنهم لا يفعلونها، فما فعلوا ولا قدروا على ذلك، كقوله: [تعالى] لليهود: ﴿فتمنوا الموت إن كنتم صادقين * ولن يتمنوه أبدًا﴾ [البقرة: ٩٤، ٩٥]، فما تمناه [واحد] منهم، وهذا الوجه داخل في الوجه الثالث.
ومنها الروعة التي تلحق قلوب سامعيه عند سامههم، والهيبة التي تعتريهم عند تلاوته، وقد أرسلهم جماعة عند سماع آيات منه، كما وقع لجبير بن
стр. 2823
مطعم أنه سمع النبي ﷺ يقرأ في المغرب بالطور، قال: فلما بلغ هذه الآية: ﴿أم خلقوا من غير شيءٍ أم هم الخالقون﴾ إلى قول قوله: ﴿المصيطرون﴾ [الطور: ٣٥ - ٣٧]، كاد قلبي أن يطير، قال: وذلك أول ما وقر الإسلام في قلبي. وقد مات جماعة عند سماع آيات منه أفردوا بالتصنيف.
ثم قال: ومن وجوه إعجازه كونه آية باقية، لا يعدم ما بقيت الدنيا؛ مع تكفل الله (تعالى) بحفظه.
ومنها: أن قارئه لا يمله، وسامعه لا يمجه، بل الإكباب على تلاوته يزيده حلاوة، وترديده يوجب له محبة، وغيره من الكلام يعادى إذا أعيد، ويمل من الترديد، ولهذا وصف ﷺ القرآن بأنه: «لا يخلق على كثرة الرد»، ومنها جمعه لعلوم ومعارف لم يجمعها كتاب من الكتب، ولا أحاط بعلمها أحد في كلمات قليلة وأحرف متعددة.
стр. 2824
قال: وهذا الوجه داخل في بلاغته، فلا يجب أن يعد فنًا مفردًا في إعجازه.
قال: والأوجه التي قبله تعد في خواصه وفضائله، لا إعجازه. وحقيقة الإعجاز الوجوه الأربعة الأول فليعتمد عليها. انتهى.
تنبيهات:
الأول: اختلف في قدر المعجز من القرآن، فذهب بعض المعتزلة إلى أنه متعلق بجميع القرآن، والآيتان السابقتان ترده.
وقال القاضي: يتعلق الإعجاز بسورة؛ طويلة كانت أو قصيرة تثبتًا بظاهر قوله: ﴿بسورةٍ﴾.
وقال في موضع آخر: يتعلق بسورة أو قدرها من الكلام، بحيث يتبين فيه تفاضل قوى البلاغة؛ قال: فإذا كانت آية بقدر حروف سورة، وإن كانت كسور (الكوثر) فذلك معجز.
قال: ولم يقم دليل على عجزهم عن المعارضة من هذا القدر.
وقال قوم: لا يحصل الإعجاز بآية، بل يشترك الآيات الكثيرة.
وقال آخرون: يتعلق بقليل القرآن وكثيره؛ لقوله [تعالى]: ﴿فليأتوا بحديثٍ مثله إن كانوا صادقين﴾ [الطور: ٣٤]، قال القاضي: ولا دلالة في الآية؛ لأن الحديث التام لا تتحصل حكايته في أقل من كلمات سورة [قصير].
стр. 2825
الثاني: اختلف في أنه هل يعلم إعجاز القرآن ضرورة؟ .
قال القاضي: فذهب أبو الحسن الأشعري إلى أن ظهور ذلك على النبي ﷺ يعلم ضرورة، وكونه معجزًا يعلم بالاستدلال.
قال: والذي نقوله: إن الأعجمي لا يمكنه أن يعلم إعجازه إلا استدلالاً، وكذلك من ببليغ، فأما البليغ الذي قد أحاط بمذاهب العرب وغرائب الصنعة؛ فإنه يعلم من نفسه ضرورة عجزه وعجز غيره عن الإتيان بمثله.
الثالث: اختلف في تفاوت القرآن في مراتب الفصاحة بعد اتفاقهم على أنه في أعلى مراتب البلاغة، بحيث لا يوجد في التركيب ما هو أشد تناسبًا ولا اعتدالاً في إفادة ذلك المعنى منه؛ فاختار القاضي المنع، وأن كل كلمة فيه موصوفة بالذروة العليا؛ وإن كان بعض الناس أحسن
стр. 2826
إحساسًا له من بعض.
واختار أبو نصر القشيري وغيره التفاوت، فقال: لا ندعي أن كل ما في القرآن أرفع الدرجات في الفصاحة، وكذا قال غيره: في القرآن الأفصح والفصيح.
وإلى هذا نجا الشيخ عز الدين عبد السلام، ثم أورد سؤالاً وهو أنه: لم لم يأت القرآن جميعه بالأفصح؟
وأجاب عنه الصدر موهوب الجزري، بما حاصله: أنه لو جاء القرآن على ذلك، لكان على النمط المعتاد في كلام العرب من الجمع بين الأفصح والفصيح، فلا تتم الحجة في الإعجاز، [فجاء] على نمط كلامهم المعتاد، [ليتم ظهور الإعجاز] عن معارضته ولا يقولوا مثلا: أتيت بما لا قدرة لنا على جنسه؛ كما لا يصح من البصير أن يقول للأعمى: قد غلبتك بنظري؛ لأنه يقول له: إنما تتم لك الغلبة، لو كنت قادرًا على النظر، وكان نظرك أقوى من نظري، فأما إذا فقد أصل النظر، فكيف [يصح] مني المعارضة.
قلت: وما ذكره غير متجه، بل الوجه ما ذكره القاضي: أنه كله في أعلى طبقات الفصاحة، وأرفع مراتب البلاغة، فليس منه الفصيح والأفصح بل كله بلغ أعلى رتب الفصاحة والبلاغة، متناسب ومتشاكلة ألفاظه بحسب المقام الذي سيقت، ويرشده إلى ذلك ما أخذ العلماء في نكت القرآن. وكون بعض الألفاظ جاءت في بعض المواضع معرفة، وفي بعضها منكرة، وفي بعض
стр. 2827
الحمل أتى فيها بحرف زائد، وفي بعضها حذف ذلك الحرف، أو غير لفظ بلفظ آخر، كل ذلك لفوائد، وأسرار، ونكات يقتضي أن هذا اللفظ في هذا المقام هو الأولى والأحرى، كما أنه في المقام الآخر فوائد.
الرابع: قيل: الحكمة في تنزيه القرآن عن الشعر الموزون، مع أن الموزون من الكلام رتبته فوق رتبة غيره، أن القرآن منبع الحق، ومجمع الصدق، وقصارى أمر الشاعر [التخيل] بتصور الباطل في صورة الحق والإفراط في الإطراء والمبالغة في الذم والإيذاء دون إظهار الحق، [وإثبات الصدق]، ولهذا نزه الله نبيه عنه، ولأجل شهرة الشعر بالكذب سمى أصحاب البرهان القياسات المؤدية في أكثر الأمر البطلان والكذب شهرية.
وقال بعض الحكماء: لم [متدين] صادق اللهجة، مفلق في شعره. وأما ما وجد في القرآن مما صورته صورة [الشعر] الموزون.
فالجواب عنه: أن ذلك لا يسمى شعرًا؛ لأن شرط الشعر القصد، ولو كان شعرًا لكان كل من اتفق له في كلامه شيء موزون شاعرًا، فكان الناس كلهم شعراء؛ لأنه قل إن يخلو كلام أحد عن ذلك، وقد ورد ذلك على ألسنة الفصحاء، فلو اعتقدوه شعرًا لبادروا إلى معارضته والطعن عليه؛ لأنهم كانوا أحرص شيء على ذلك، وإنما يقع ذلك لبلوغ الكلام الغاية القصوى في الانسجام.
وقيل: البيت الواحد وما كان على وزنه لا يسمى شعرًا، وأقل الشعر
стр. 2828
بيتان فصاعدا.
وقيل: الرجز لا يسمى شعرًا ألاً.
وقيل: أقل ما يكون من الزجر شعرًا أربعة أبيات، وليس ذلك في القرآن بحال.
الخامس: قال بعضهم: التحدي إنما وقع للإنس دون الجن؛ لأنهم ليسوا من أهل اللسان العربي الذي جاء القرآن على أساليبه، وإنما ذكروا في قوله [تعالى]: ﴿قل لئن اجتمعت الإنس والجن﴾ [الإسراء: ٨٨] تعظيمًا لإعجازه؛ لأن الهيئة الاجتماعية من القوة ما ليس للأفراد، فإذا فرض اجتماع الثقلين فيه، وظاهر بعضهم بعضًا، وعجزوا عن المعارضة، كان الفريق الواحد أعجز.
وقال غيره: بل وقع للجن أيضًا والملائكة منويون في الآية؛ لأنهم لا يقدرون أيضًا على الإتيان بمثل القرآن.
قال الكرماني في غرائب التفسير: إنما اقتصر في الآية على ذلك الإنس والجن؛ لأنه ﷺ كان مبعوثًا إلى الثقلين دون الملائكة.
السادس: سئل الغزالي .........................
стр. 2829
عن معنى [قول الله تعالى]: ﴿ولو كان من عند غير الله لوجدوا اختلافًا كثيرًا﴾ [النساء: ٨٢].
فأجاب: الاختلاف لفظ مشترك بين معان، وليس المراد نفي اختلاف الناس فيخ؛ بل نفي الاختلاف عن ذات القرآن، ويقال: هذا كلام مختلف، أي لا يشبه أوله آخره في الفصاحة، أو هو مختلف [الدعوى]، أي بعضه يدعو إلى الدين، وبعضه يدعو إلى الدنيا؛ وهو مختلف النظم، فبعضه على وزن الشعير، وبعضه منزحف، وبعضه على أسلوب مخصوص في الجزالة، وبعضه على أسلوب يخالفه، وكلام الله منزه عن هذه الاختلافات؛ فإنه على منهاج واحد في النظم مناسب أوله آخره، وعلى درج واحدة في غاية الفصاحة، فليس يشتمل على الغث والسمين، ومسوق لمعنى واحد، وهو دعوة الخلق إلى الله تعالى، وصرفتهم عن الدنيا إلى الدين، وكلام الآدميين تتطرق إليه هذه الاختلافات، إذ كلام الشعراء إذا قيس عليه، وجد فيه اختلاف في منهاج النظم، ثم اختلاف درجات الفصاحة، بل في أصل الفصاحة، حتى يشتمل على الغث والسمين، فلا تتساوى رسالتان ولا قصيدتان، بل تشتمل قصيدة على أبيات فصيحة وأبيات سخيفة، وكذلك تشتمل القصائد والأشعار على أغراض مختلفة؛ لأن الشعراء، والفصحاء في كل واد
стр. 2830
يهيمون، فتارة يمدحون الدنيا، وتارة يذمونها، وتارة يمدحون الجبن ويسمونه حزمًا، وتارة يذمونه ويسمونه ضعفًا، وتارة يمدحون الشجاعة ويسمونها صارمة، وتارة يذمونها ويسمونها تهورًا؛ ولا ينفك كلام آدمي عن هذه الاختلافات؛ لأن منشأها اختلاف الأغراض والأحوال، والإنسان تختلف أحواله فتساعده الفصاحة عند انبساط الطبع وفرحه، وتتعذر عليه عند الانقباض، وكذلك تختلف أغراضه، فيميل إلى الشيء مرة، ويميل عنه أخرى، فيوجب ذلك اختلافًا في كلامه بالضرورة، فلا يصادف إنسان يتكلم في ثلاث وعشرين سنة- وهي مدة نزول القرآن- فيتكلم على غرض واحد ومنهاج واحد ولقد كان النبي ﷺ بشرًا تختلف أحواله، فلو كان هذا كلامه أو كلام غيره من البشر [لوجد فيه اختلاف كثير].
السابع: قال القاضي: فإن قيل: هل تقولون: إن غير القرآن من كلام الله معجز، كالتوراة والإنجيل؟ .
قلنا: ليس شيء من ذلك بمعجز في النظم والتأليف؛ وإن كان معجزًا كالقرآن فيما يتضمن من الإخبار بالغيوب، وإنما لم يكن معجزًا لأن الله جل شأنه لم يصفه بما وصف به القرآن، ولأنا قد علمنا لم يقع التحدي إليه، كما وقع في القرآن، ولأن ذلك اللسان لا يتأتي فيه من وجوه الفصاحة ما يقع فيه التفاضل الذي ينتهي إلا حد الإعجاز.
وقد ذكر ابن جني ............................................................................
стр. 2831
في الخاطريات في قوله: [تعالى]: ﴿قالوا يا موسى إما أن تلقي وإما أن نكون أول من ألقى (٦٥)﴾ [طه: ٦٥]: أن العدول عن قوله [تعالى]: «وإما أن نلقي» لغرضين: أحدهما لفظي، وهو المزاوجة لرؤوس الآي، والآخر معنوي، وهو أنه تعالى أراد أن يخبر عن قوة أنفس السحرة واستطالتهم على موسى [﵇]، فجاء عنهم باللفظ أتم وأوفى منه في إسنادهم الفعل إليه.
ثم أورد سؤالًا، وهو: إنا نعلم أن السحرة لم يكونوا أهل لسان، فنذهب بهم هذا المذهب من صنعة الكلام؟
وأجاب: بأن جميع ما ورد في القرآن حكاية عن غير أهل اللسان من القرون الخالية إنما هو معرب عن معانيهم، وليس بحقيقة ألفاظهم، ولهذا لا يشك في أن قوله تعالى: ﴿قالوا إن هذان لساحران يريدان أن يخرجاكم من أرضكم بسحرهما ويذهبا بطريقتكم المثلى (٦٣)﴾ [طه: ٦٣]؛ أن هذه الفصاحة لم تجر على لغة العجم.
الثامن: قال البارزي في أول كتابه «أنوار التحصيل في أسرار التنزيل»:
أعلم أن المعنى الواحد قد يخبر عنه بألفاظ بعضها أحسن من بعض؛ ولذلك كل واحد من جزأي الجملة، قد يعبر عنه بأفصح ما يلائم الجزء الآخر، ولا بد من استحضار معاني الجمل، أو استحضار جميع ما يلائمها من الألفاظ، ثم استعمال أنسبها وأفصحها، واستحضار هذا متعذر على البشر في أكثر الأحوال؛ وذلك عتيد حاصل في علم الله تعالى، فلذلك كان القرآن أحسن الحديث وأفصحه، وإن كان مشتملًا على الفصيح والأفصح، والمليح والأملح، ولذلك أمثلة، منها قوله تعالى: ﴿وجنى الجنتين دان﴾ [الرحمن: ٥٤]، لو قال مكانه: «وثمر الجنتين قريب»، لم يقم مقامه من جهة الجناس
стр. 2832
بين الجني والجنتين، ومن جهة أن الثمر لا يشعر بمصيره إلى حال يجنى فيها، ومن جهة مؤاخاة الفواصل.
ومنها قوله تعالى: ﴿وما كنت تتلوا من قبله من كتاب﴾ [العنكبوت: ٤٨]، أحسن من التعبير بـ «تقرأ» لثقله بالهمزة.
ومنها: ﴿لا ريب فيه﴾ [البقرة: ٢] أحسن من «لا شك فيه» لثقل الإدغام، ولهذا كثر ذكر الريب.
(ومنها): ﴿ولا تهنوا﴾ [آل عمران: ١٣٩]، أحسن من «ولا تضعفوا» [لخفته، و] ﴿وهن العظم مني﴾ [مريم: ١٣٩] أحسن من «ضعف»؛ لأن الفتحة أخف من الضمة.
ومنها: ﴿ءامن﴾ [البقرة: ٦٢] أخف من «صدق»، ولذا كان ذكره أكثر من ذكر التصديق.
و﴿ءاثرك الله﴾ [يوسف: ٩١] أخف من «فضلك»
﴿وآتي﴾ [البقرة: ١٧٧] أخف من «أعطى».
و﴿أنذر﴾ [الأحقاف: ٢١] أخف من «خوف». و ﴿خير لكم﴾ [البقرة: ١٨٤] أخف من «أفضل لكم». والمصدر في نحو: ﴿هذا خلق الله﴾ [لقمان: ١١]، ﴿يؤمنون بالغيب﴾ [البقرة: ٣]، أخف من «مخلوق» و «الغائب». [﴿تنكح﴾ [البقرة: ٢٣] أخف من «تنزوج»]؛ لأن «تفعل» أخف من «تفعل»، ولهذا كان ذكر النكاح فيه أكثر.
وأجل التخفيف والاختصار، استعمل لفظ الرحمة والغضب والرضا والحب والمقت في أوصاف الله تعالى، مع أنه لا يوصف بها حقيقة؛ لأنه لو عبر عن ذلك بألفاظ الحقيقة لطال الكلام، كأن يقال: يعامله معاملة المحب والماقت، فالمجاز في مثل هذا أفضل من الحقيقة لخفته واختصاره، وابتنائه على التشبيه البليغ، فإن قوله [تعالى]: ﴿فلما ءاسفونا انتقمنا منهم﴾ [الزخرف: ٥٥]، أحسن من «فلما عاملونا معاملة الغضب» أو «فلما أتوا إلينا بما يأتيه
стр. 2833
المغضب: انتهى.
التاسع: قال الرماني: فإن قال قائل: [فلعل السور القصار] [تمكن] فيها المعارضة؟ . قيل: لا يجوز فيها ذلك من قبل [أن] التحدي وقع بها، فظهر العجز عنها في قوله [تعالى] ﴿فأتوا بسورة﴾ [يونس: ٣٨]، فلم يخص بذلك الطوال دون القصار.
فإن قال [قائل]: فإنه يمكن في القصار أن تغير الفواصل، فيجعل بدل كل كلمة ما يقوم مقامها، فهل يكون ذلك معارضة؟ قيل له: لا، من قبل أن المفحم يمكنه أن ينشئ بيتًا واحدًا، ولا يفصل بطبعه بين مكسور وموزن، فلو أن مفحمًا رام أن يجعل بدل قوافي قصيدة رؤبة:
وقاتم الأعماق خاوي المخترق ... مشتبه الأعلام لماع الخفق
بكل وفد الريح من حيث انخرق
стр. 2834
فجعل بدل المخترق «الممزق» وبدل الخفق «الشفق»، وبدل انخرق «انطلق» [لأمكنه] ذلك ولم يثبت له به قول الشعر، ولا معارضة رؤبة في هذه القصيدة عند أحد له [أدنى] معرفة، فكذلك سبيل من غير الفواصل. انتهى.
стр. 2835
النوع السابع والعشرون بعد المائة
علم مفردات القرآن العزيز
стр. 2836
النوع السابع والعشرون بعد المائة
علم مفردات القرآن العزيز
قال الحافظ السيوطي- رحمه الله تعالى- في الإتقان: أخرج السلفي في المختار من الطيورات، عن الشعبي قال: لقي عمر بن الخطاب- رضي الله تعالى عنه- ركبا في سفر، فيهم ابن مسعود، فأمر رجلًا يناديهم: من أين القوم؟ قالوا: أقبلنا من الفج العميق، نريد البيت العتيق، فقال عمر: إن فيهم لعالمًا، وأمر رجلًا أن يناديهم: أي القرآن أعظم؟ . فأجابه عبد الله: ﴿الله لا إله إلا هو الحي القيوم﴾ [البقرة: ٢٥٥]. قال: نادهم: أي القرآن أحكم؟ فقال ابن مسعود ﴿إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى﴾ [النحل: ٩٠]، قال: نادهم: أي القرآن أجمع؟ فقال:
стр. 2837
﴿فمن يعمل مثقال ذرة خيرًا يره (٧) ومن يعمل مثقال ذرة شرًا يره (٨)﴾ [الزلزلة: ٧، ٨]، فقال: نادهم: أي القرآن أحزن؟ فقال: ﴿من يعمل سوءًا يجز به﴾ [النساء: ١١٣]، فقال: نادهم: أي القرآن أرجى؟ فقال: ﴿قل يا بعبادي الذين أسرفوا على أنفسهم ... ﴾ الآية [الزمر: ٥٣]، فقال: أفيكم ابن مسعود؟ قالوا: نعم. أخرجه عبد الرزاق في تفسيره بنحوه.
وأخرج عبد الرزاق أيضًا، عن ابن مسعود، قال: أعدل آية في القرآن: ﴿إن الله يأمر بالعدل والإحسان﴾ [النحل: ٩٠]، وأحكم آية: ﴿فمن يعمل مثقال ذرة خيرًا يره (٧)﴾ إلى آخرها.
وأخرج الحاكم عنه، قال: إن أجمع آية في القرآن للخير والشر: ﴿إن الله يأمر بالعدل والإحسان﴾ [النحل: ٩٠].
وأخرج [الطبراني] عنه، قال: ما في القرآن آية أعظم فرحًا من آية في سورة ﴿الغرف﴾: [الزمر: ٢٠] ﴿قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم ... ﴾ الآية [الزمر: ٥٣]، وما في القرآن آية [أكثر] تفويضًا من آية في سورة [النساء] القصرى ﴿ومن يتوكل على الله فهو حسبه ... ﴾ الآية [الطلاق: ٣].
стр. 2838
وأخرج أبو ذر الهروي في فضائل القرآن من طريق يحيى بن يعمر، عن ابن مسعود، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن أعظم آية في القرآن: ﴿الله لا إله إلا هو الحي القيوم ... ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، وأعدل آية في القرآن: ﴿إن الله يأمر بالعدل والإحسان ... ﴾ [النحل: ٩٠] إلى آخرها، وأخوف آية في القرآن: ﴿فمن يعمل مثقال ذرة خيرًا يره (٧) ومن يعمل مثقال ذرة شرًا يره (٨)﴾ [الزلزلة: ٧، ٨]، و أرجى آية في القرآن: ﴿قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله ... ﴾ [الزمر: ٥٣] إلى آخرها».
وقد اختلف في أرجى آية في القرآن على بضعة عشر قولًا:
أحدها: آية [الزمر: ٥٣].
والثاني: ﴿أولم تؤمن قال بلى﴾ [البقرة: ٢٦٠]، أخرجه الحاكم في المستدرك وأبو عبيد، عن صفوان بن سليم، قالا: التقى ابن عباس
стр. 2839
وابن عمر ﵃، فقال ابن عباس: أي آية في كتاب الله أرجى؟ . فقال عبد الله بن عمر: ﴿قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم ... ﴾ الآية [الزمر: ٥٣]، فقال ابن عباس، لكن قول الله: ﴿وإذ قال إبراهيم رب أرني كيف تحي الموتى قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي﴾ [البقرة: ٢٦٠]، قال: فرضي منه بقوله: ﴿بلى﴾، قال: فهذا لما يعترض في الصدر مما يوسوس به الشيطان.
الثالث: ما أخرجه أبو نعيم في الحلية عن علي بن أبي طالب-[كرم الله وجهه ورضى عنه-] أنه قال: إنكم يا معشر أهل العراق تقولون: أرجى آية في القرآن: ﴿قل يا عبادي الذين أسرفوا ... ﴾ الآية [الزمر: ٥٣] الآية، لكنا أهل البيت نقول: إن أرجى آية في كتاب الله: ﴿ولسوف يعطيك ربك فترضى (٥)﴾ [الضحى: ٥]، وهي الشفاعة.
الرابع: ما أخرجه الواحدي عن علي بن الحسين، قال: أشد آية على
стр. 2840
أهل النار: ﴿فذوقوا فلن نزيدكم إلا عذابًا (٣٠)﴾ [النبأ: ٣٠]، وأرجى آية في القرآن لأهل التوحيد: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ... ﴾ الآية [النساء: ٤٨].
وأخرج الترمذي وحسنه عن علي [كرم الله وجهه] قال: أحب آية إلي في القرآن: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ... ﴾ الآية.
الخامس: ما أخرجه مسلم في صحيحه، عن ابن المبارك، أن أرجى آية في القرآن قوله تعالى: ﴿ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة﴾ إلى قوله: ﴿ألا تحبون أن يغفر الله لكم﴾ [النور: ٢٢].
السادس: ما أخرجه ابن أبي الدنيا في كتاب «التوبة» عن أبي عثمان
следующие страницы →