Полный текст (4 238 стр.). Показаны 3046–3085 · переход к 3051.
стр. 3046
(احسب الناس أن يتركوا) (العنكبوت: ٣)، هم المؤذون على الإسلام بمكة منهم عمّار بن ياسر.
(وقال الذين كفروا للذين آمنوا اتبعوا سبيلنا) (العنكبوت: ٢)، سمي منهم الوليد بن المغيرة.
(ومن الناس من يشتري لهو الحديث) (لقمان: ٦)، سمي منهم النّضر بن الحارث.
(فمنهم من قضى نحبه) (الأحزاب: ٢٣)، (سمي) منهم أنس بن النضر.
(حتى إذا فزّع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم قالوا االحق) (سبأ: ٢٣)، أول من يقول جبريل فيتبعونه.
(وانطلق الملأ) (ص: ٦)، (سمي) منهم عقبة بن أبي معيط، وأبو جهل، والعاصي بن وائل، والأسود بن يغوث.
стр. 3047
(وقالوا مالنا لا نرى الله رجالاً) (ص: ٦٢) سمى من القائلين أبو جهل ومن الرجال عمار (بن ياسر) وبلال ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ﴾ [الأحقاف: ٢٩] سمى منهم زويعة وحسي ومسي وشاصر وماصر والأرد وإينان والأجقم وسرف.
﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ﴾ [الحجرات: ٤] سمى منهم الأقرع بن حابس والزبرقان بن بدر وعيينة بن حصن وعمر بن (الأهم)
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ [المجادلة: ١٤] قال السدي: نزلت في عبد الله بن نبتل من المنافقين
стр. 3048
حضرموت ممتدة إلى أرض عمان، وكانت أخصب أرض الله وأحسنها، وفيهم الملوك الجبابرة، وبعض ملوكهم ملك الأرض جميعها، فدعاهم إلى الله وعرفهم وحدانيته وعظمته وكبرياءه، فلم يستجب له فيهم إلا القليل، فأهلك الله طغاتهم بالريح العقيم، فأرسل الله - جل شأنه - عليهم ريحا حارة شديدة، فأهلكت كل جبار عنيد وباغ متمرد، ولم تبق منهم أحدا، كما قال عز من قائل: (سخرها عليهم سبع ليال وثمنية أيام حسوما فترى القوم فيها صرعى كأنهم أعجاز نخل خاوية، فهل ترى لهم من باقية) (الحاقة)، بعد أن ابتلاهم الله بإمساك الغيث عنهم ثلاث سنين، حتى أجهدهم ذلك، وقد أهلك بدعاء هود ﵇ عادا الأولى السابق ذكر أبيهم، وهو عاد بن إرم بن عوص، وهو أبو قبائل عاد جميعها.
وعاد الثانية، وهو من أولاد عاد الأكبر ويقال له: عاد الأصغر، وهو
стр. 3049
عاد بن صدا بن عاد الأكبر، ومن أولاد الأصغر لقمان بن عاد، وكان في زمن هود ﵇.
وبعد أن أهلك الله - جل شأنه - عادا توجه هود إلى مكة لزيارة البيت الشريف، وأقام يعبد الله ، ويطوف ببقعة البيت الشريف، كانت ربوة خضراء عالية، لأنه بعد الطوفان لم يعمر البيت أحد إلى عهد إبراهيم _ عليه وعلى سائر الأنبياء وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام -.
قصة نبي الله صالح ﵊ -
أرسله الله إلى قومه، وهم ثمود، ومسكنه الحجر وما والاها، ممتدة
стр. 3050
إلى طرف الشام، وكانوا أمما عظيمة وقبائل فخيمة، فدعاهم إلى الله ، وأمرهم بتوحيد الصانع، وترك عبادة ما سواه، ونهاهم عن المعاصي، والفسوق، والجور، والبغي، والعدوان. وندبهم إلى الصدقة والبر والإحسان، فكذبوه وبالغوا في إنكار ما جاء به، وطلبوا علامة على صدق ما جاء به، فخلق الله ناقة عظيمة ولها فصيل صغير.
وكانت تحلب اللبن الكثير المقيت لجمع كبير منهم، بحيث يتعذر ولا يمكن في المعتاد أن تحلب ناقة من نياق الخلق، وكانت هذه معجزة وكرامة من الله لنبيه صالح ﵇، وأخرج الله - جل شأنه - تلك الناقة من صخرة صماء، وكانت في غاية الكبر والعظم، واستخراج منها فصيلها، وكانت ترد بئر الحجر يوما وقبائل ثمود يوما، وتشرب جميع ما في البئر وتحلب كما تقدم، وتكفيهم جميعهم، فلم يفدهم ذلك، بل أصروا على الإنكار والعناد، وينسبون ذلك إلى السحر والخيال، وعقروا ناقته، وذبحوا فصيلها، فغضب الله -جل شأنه- لذلك، وأمر ملكا من ملائكته، فصاح بهم صيحة عظيمة، فهلكوا عن أمرهم غير صالح ﵇ ومن آمن به، ورفع المدائن وقلبها على وجهها، وكانوا أقوى الأمم أجسادا وأعظمهم أجساما، كذلك قوم عاد، حتى كانت بيوت ثمود (وهؤلاء) كلها من الصخر المنقور، فأهلكهم الله .
стр. 3051
وتوجه صالح ﵇ إلى البيت الشريف (هو) ومن آمن به، وكانوا نحوا من أربعة آلاف رجل بعد هلاك قومه، فأقام يعبد الله ويمجده إلى أن توفي، ودفن عند البيت الشريف - عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة وأزكى السلام -.
قصة نبي الله إبراهيم ﵊ -
بعثة الله رسولا إلى الأمم الطاغية من قوم نمرود بن كنعان، فدعا إلى الله عز وجل
стр. 3052
وجاهد في الله حق جهاده فأوذي كثيرا، ثم نصره الله تعالى، فدعا قومه إلى الله ، وترك ما هم عليه من عبادة الأصنام، وحاجهم في ذلك، وبكت عليهم، وبين لهم فساد ما هم عليه، وأرشدهم إلى أن الذي يستحق العبادة هو من ينفع ويضر، فلم يجد ذلك فيهم، فتركهم إلى أن ذهبوا لمجتمع لهم وعيد من أعيادهم، فعمد إلى أصنامهم فكسرها جميعا إلا صنما واحدا كبيرا.
فلما جاؤوا ووجدوا آلهتهم على تلك الحالة حزنوا لذلك كثيرا، وتشاوروا فيما بينهم: (من فعل هذا بالهتنآ) (الأنبياء: ٥٩)، فقال: إبراهيم ﵇ تبكيتا عليهم: (فعله كبيرهم هذا فسلوهم إن كانوا ينطقون) (الأنبياء: ٦٣)، ثم قالوا فيما بينهم وتحققوا أن الفاعل لذلك إبراهيم ﵇ لما سبق منه من الطعن في آلهتهم وتقبيح ما هم عليه، فعرضوا أمرهم على ملكهم، وكان ملكهم نمرود بن كنعان، وكان من طغاة الملوك وجبابرتهم، قد مد الله له في العمر وبسط له في الرزق وأعطاه من القوة والشوكة أمرا عظيما وحالا فخيما، فطغى بذلك، وبغى وتكبر، وكان قد ملك من الأرض جانبا عظيما، فأخبر بفعل إبراهيم ﵇ بآلهتهم، فبعث إليه وهدده وخوفه،
стр. 3053
فلم يخف ولم يرجع، بل نوه حينئذ بشأن التوحيد وأعلن بصادق التفريد، وحقر آلهتهم التحقير العظيم، ونقص آراءهم وعقولهم، فأرهبه الملك ولم يفتك فيه لكون أبيه آزر كان من أتباعه، فلم يرجع إبراهيم ﵇ لما منحه الله من قوة اليقين، وما خصه به من الوصول والتمكين، فلم يزل الملك يخوفه بالقتل، ويعرضه على السجن، فلم يزده ذلك إلا قوة في توكله على الله واعتمادا عليه، وطرح ما سواه لعلمه أنه إن نفعه الله فلا ضار له، وإن ضره فلا مانع له، كل ذلك لقوة إيمانه وخلوص يقينه، فإن التوكل ثمرة اليقين.
فلما رأى الملك أنه لا يرجع عما هو عليه، جعل له منجنيقا، والمنجنيق: عبارة عن أخشاب يربط أطرافها بالسلاسل والحبال ويرمى بها من محل شاهق، فهو الشيء الذي يرمى بها إلى محل بعيد بغاية الشدة والقوة، فأمر الملك وهو نمرود بن كنعان بجمع الحطب والأخشاب، فجمعت وأوقدها في حفرة عظيمة بعد أن حفرت تلك الحفرة القامات الطويلة، فوضعت الأخشاب فيها والحطب الكثير، وأوقدت أياما عديدة حتى صارت في أشد ما يكون من الحرارة، بحيث لا يمكن أن يمر بها ولو من البعد، فأمر بالمنجنيق من بعد، فلما فارق المنجنيق وهو في الهواء نازلا إلى مستوقد النار يعرض له ملك من ملائكة الله ، فقال له: ألك حاجة يا إبراهيم الخليل؟ فقال أما إليك فلا، فقال له: الآن تدعو الله . فقال: علمه
стр. 3054
بحالي يغني عن سؤالي، فلما وصل إلى النار جعلها الله - جل شأنه - عليه بردا وسلاما، فجلس فيها يقدس الله ويعظمه، قال الله تعالى في كتابه العزيز: (قلنا ينار كونى بردا وسلما على إبرهيم) (الأنبياء: ٦٩) فأقام فيها سبعة أيام يرزق من فضل الله وإحسانه وجوده وأنزل الله - جل شأنه - في تلك النار روضة من رياض لطفه وكرمه، فلما رأوا ذلك رجعوا إلى ملكهم وأخبروه بذلك وأخرجوا إبراهيم ﵇ وجاؤوا به إلى الملك، فتعجب من ذلك وقال لإبراهيم ﵇: من أنجاك؟ فقال: أنجاني الله الذي لا إله إلا هو ربنا ورب كل شيء له السماوات والأرض، فترك حال إبراهيم ﵇ ومن آمن به ممن هدى الله قلبه بالإيمان.
стр. 3055
وأما الملك، فلم يزده هو ومن تابعه من أهل الشقاء رؤية هذه الآية إلا إصرارا على العناد والكفر, وأما نبي الله إبراهيم ﵇ فإنه بعد أن يئس من إيمانهم خرج هو ومن تبعه على التوحيد لله والإيمان من أرض بابل، وكانت هي مسكنه، وأمر بقصد الشام واتخاذها وطنا ودارا والسكن بأوريشلم، وهي بيت المقدس، (فسار) قاصدا نحوها، وكان ممن صحبه ابن أخيه لوط ﵇ وزوجته سارة، فمر في طريقه بجبار من الملوك فأعجبته سارة زوجة إبراهيم ﵇ وأراد أخذها وغصبها، وكان إذا أعجبته امرأة أخذها، فإن كان لها زوج قتله، فلما فهم إبراهيم ﵇ منه ذلك قال لها: إن سألك عني فقولي: هو أخي، فإني أخوك في الإسلام والإيمان بالله تعالى، فأرسل الملك إلى إبراهيم ﵇ وقال له: ما هذه منك؟ فقال: أختي، فطلبها الملك وخلى بها، فلما أراد أن يمد يده إليها، سألت الله قائلة: اللهم إن كنت تعلم أني آمنت بنبيك ﵇ وحصنت فرجي إلا على زوجي فامنعه عني، فأرسل الله -جل شأنه - شيئا فغطه، حتى كاد يموت، فدعت الله بأن يطلقه، فإنه إن
стр. 3056
هلك قالوا: قتلته، ففرج الله تعالى عنه، فعاد إلى حاله، وعادت هي إلى الدعاء أيضا، فعاد كحاله الأولى ثلاث مرات، فلما رأى ذلك أطلقها وأمر بإخراجها، ووهب لها هاجر أم النبي إسماعيل ﵇، وكانت من القبط، فسار إبراهيم ﵊ هو وسارة وهاجر إلى بيت المقدس، وكان ممن سار معه كما تقدم لوط ﵇، فنزل إبراهيم ﵇ بأرض فلسطين ونزل لوط بأرض الأردن.
قصة نبي الله لوط
﵊ -
أرسله الله - جل شأنه - إلى أهل سدوم، وهي بلدة عظيمة بالأردن، ويقال: كان المرسل إليهم سبع مدائن كبار، فدعاهم إلى توحيد الله وتعظيمه،
стр. 3057
وأمرهم باجتناب المناكر والفواحش، وكان قد فشي في أهل هذه الأرض اللواط، فنهاهم لوط ﵇ عن ذلك، وحذرهم غضب الله وسخطه عليهم، فلم ينتهوا عما هم عليه، وكانوا يتجاهرون بذلك في مجالسهم ونواديهم، ويفعلون الفاحشة بمن وصل إليهم من غريب أو ابن سبيل، وكان لوط ﵇ على سنة إبراهيم ﵇ في الكرم وإيواء الغريب والضيف، وكان من سنة إبراهيم الخليل ﵇ أن لا يأكل إلا مع ضيف ولو جلس طاويا، وكان يتطلب الضيف الفراسخ البعيدة عن منزله، فإذا وجده أتى به وأكل معه، فلما لم ينتبه الأمم التي أرسل الله إليهم لوطا ﵇ ولم يقبلوا نصيحته وأرادوا إيذاءه وإخراجه من أرضهم لنصحه لهم، أرسل الله ملائكة في صورة البشر، فنزلوا على إبراهيم ﵇ فنحر لهم عجلا سمينا، فقربه إليهم فلم يأكلوا لأن ذوات الملائكة وقوابلهم لا تقبل ذلك، لما رأى ذلك منهم استوحش وخشي منهم، فلما علموا ذلك منه بينوا له أنهم رسل من حضرة الله، وأنهم مأمورون بإهلاك الأمم التي أرسل إليهم لوطا، فراجعهم
стр. 3058
إبراهيم ﵇ قائلا: إن فيهم لوطا وأهله، فكيف يكون الإهلاك؟ فقالوا: قد أمرنا الله بذلك، ولوط وأهله محفوظون من الهلاك مبعدون عنه، فلما علم أن الأمر من الله - جل شأنه - مبرم سكت ولم يراجع.
وكانت سارة قائمة، فضحكت من مراجعة إبراهيم ﵇ ومخاطبته لهم، وعجبت من ذلك، ثم ذهب أولئك المرسلون من عند الله، فلما رآهم لوط ﵇ خشي عليهم من فساد أهل المدينة، فذهب بهم إلى منزله وأخفاهم في داره، وكانت امرأته ممن يميل إلى صنيع أهل المدينة، ولم تكن من المخلصين (مع لوط)، ويقال: إنها أشارت إلى أهل المدينة بالأضياف، فأقبلوا يهرعون إليه يريدون الأضياف، فمنعهم عن ذلك وعرض عليهم بناته
стр. 3059
فلم يقبلوا وألحوا في طلبهم، فلما رأى ذلك منهم وعجزه عن مقاومتهم قال كما قال الله تعالى في كتابه العزيز حاكيا عنه: (لو أن لي بكم قوة أو ءاوى إلى ركن شديد) (هود: ٨٠) يعني قبيلة ومنعة ناصرين. وأما قوله: (لو أن لي بكم قوة ... ) إلى آخره، فلعله قصد بذلك استنزالهم واستعطافهم والإشارة إليهم، بأني رجل ضعيف مسكين ... ، وإلا فأنبياء الله معترفون في جناب الالتجاء إلى الله تعالى فلم يفد ذلك، فلما رأت الملائكة ما يقاسيه لوط ﵇ مع قومه أفصحوا له بالمقصود، وأبدوا له حقيقة الحال، وأخبروه أنهم مرسلون من جناب الحق - جل شأنه - لإهلاك هؤلاء القوم، وأرسل الله
стр. 3060
-جل شأنه - عليهم العمى وطمست أبصارهم فلم يروا لوطا ولا أضيافهم، فاشتغلوا بأنفسهم عنه، وقالوا: سحرنا لوط، ولم يرجعوا لله ولا أنابوا إليه، وأقاموا على ذلك ثلاثة أيام، وأمرت الملائكة لوطا أن يتحمل بأهله ويخرج عن أرضهم، وأمروه أن لا يلتفت أحد إلى ورائه، فساروا، واحتملت الملائكة مدائنهم حتى بلغت (بها) إلى الجو، فقلبت عاليها سافلها وحصبوا بالحجارة من السماء، فلم يبق أحد منهم، فالتفتت امرأة لوط، فرأت ما أصابهم، فأصابها حجر فأهلكها - نعوذ بالله من غضبه -.
قصة نبي الله إسماعيل ﵊ -
لما حملت به هاجر (غارت سارة) منها غيرة عظيمة، وأمرت
стр. 3061
إبراهيم ﵇ أن يخرجها عنها هي وابنها، فذهب بهما، وأمره الله أن يجعلهما بمكة - شرفها الله -، فذهب بهما فوضعهما بمكة، وكانت أرضا قفرا ليس فيها ماء ولا كلأ، ثم ذهب راجعا عنهما، فقالت له هاجر: أتتركنا حيث لأن الله أمرك (بذلك)؟ قال: نعم. قالت: هو حسبنا وكفى، فأقامت هي
стр. 3062
وابنها حتى لحقها الظمأ، واشتد بها العطش، فخرجت تلتمس لابنها ماء، فذهبت إلى الصفا ثم إلى المروة فلم تجد، فترددت في المحلات سبع مرات، وفي غيبتها أمر الله جبريل ﵇، فضرب بجناحه تحت قدم إسماعيل ﵇، فنبع الماء، ففحص إسماعيل ﵇ الماء برجله، وأقبلت (أمه) وعندها أنه قد مات من الظمأ، فوجدت الماء يسيل تحت قدمه (فجمعت) وقالت: زمزم، أي: اجتمع، فلذلك سمي زمزما، وأقامت هاجر وإسماعيل ﵇ يشربان من ذلك الماء، حتى وفد عليها ناس من جرهم، فلما رأوا الماء ولم يكونوا يعهدونه في ذلك الوقت استأذنوا (هاجر) أن ينزلوا معها على الماء، فأذنت لهم وأقاموا معها واستأنست بهم.
وكان إبراهيم ﵇ يزورهما في كل شهر مرة على البراق، فلما رأى ما حصل لهم فرح بذلك ودعا لهم قائلا: (ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم ربنا ليقيموا الصلوة فاجعل أفدة من الناس تهوى إليهم وارزقهم من الثمرت لعلهم يشكرون) (إبراهيم: ٣٧) ودعا أيضا بوجود محمد ﷺ قائلا: (ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلوا عليهم ءايتك ويعلمهم الكتب والحكمة ويزكيهم إنك أنت العزيز الحكيم) (البقرة: ١٢٩).
وكان إبراهيم ﵇ يتردد عليهم، وشب إسماعيل ﵇ وكبر، فأمر إبراهيم ﵇ بذبحه في منامه مرارا، فامتثل أمر الله ، وأتى إليه وشاوره في
стр. 3063
ذلك، فقال: يا أبت افعل ما تؤمر ولا تتوقف في أمر الله، فأضجعه إبراهيم ﵇ وحد الشفرة واستسلم إسماعيل ﵇ لمراد الله وقضائه، ومر بها على حنجرة إسماعيل مرارا، وهي تنقلب في يده، ثم نودي من خلفه، وأهبط الله ملائكة، وأنزل معهم كبشا عظيما فداء إسماعيل ﵇، وقيل له: اذبح هذا مكان ابنك وإنما أراد الله ابتلائك وامتحانك، وقد ظهر كمال امتثالك لأمر الله ، ثم أقام إسماعيل ﵇ بمكة، وماتت (أمه) هاجر ودفنت بالحطيم أو الحجر - رحمها الله -، وكبر إسماعيل ﵇، فتزوج امرأة من جرهم، فأتى أبوه إبراهيم ﵇ وإسماعيل غائب، فسألها عن حالهم ومعاشهم، فذكرت شرا ولم تجبه بخير، فقال لها: إذا جاء بعلك فسلمي عليه، وقولي له: حول عتبة بابك، فلما جاء إسماعيل ﵇ أخبرته، فقال لها: أنت عتبة الباب وأنت طالق. ثم تزوج امرأة أخرى، فأتى إبراهيم ﵇، فسألها عن حالهم ومعاشهم، فذكرت خيرا وأثنت على الله بما هو أهله، فقال لها: إذا أتى بعلك فقولي له: ثبت عتبة بابك، فأخبرته بذلك، وأولد إسماعيل ﵇ أولادا
стр. 3064
كثيرين، منهم: نابت بن إسماعيل، وكان إسماعيل ﵇ قد نبغ في العربية لمخالطته جرهم، ففاق عليهم، من ذريته القبائل العدنانية جميعهم.
قصة نبي الله إسحاق ﵊ -
ولما بلغ إبراهيم ﵇ من العمر ما بلغ، حملت زوجته سارة بإسحاق نبي الله ﵇، وهو أبو الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - من بني إسرائيل، نبأه الله جل شأنه واصطفاه فخلف هو وإسماعيل أباهما إبراهيم ﵇، وكان إسماعيل ﵇ مرسلا إلى قبائل العرب من جرهم والعمالقة، وإسحاق إلى
стр. 3065
أهل فلسطين وبيت المقدس.
وقد اختلف أهل العلم في الذبح من أولاد إبراهيم ﵇، فذهب أهل الكتاب وجمع من أهل الإسلام إلى أنه نبي الله إسحاق ﵇، والمشهور الصحيح عند المحدثين أنه إسماعيل ﵇. ويمكن الجمع، بأن إبراهيم ﵇ بعد أن أمر بذبح إسماعيل، واتفق له ما اتفق، ففعل ذلك بإسحاق تيمنا وتبركا، ثم فدا من عنده، فصار يطلق على كل منهما الذبيح، والله أعلم.
قصة نبي الله يعقوب ﵊ -
وهو مسمى بإسرائيل، خلف أباه إسحاق ﵇، ودعا الناس إلى توحيد الله وتعظيمه والتمسك بسنة الخليل إبراهيم ﵇، وأوصى بذلك بنيه وأتباعه، وله من الولد اثنا عشر ولدا، وهم الأسباط، ومن هؤلاء
стр. 3066
الاثنا عشر الولد سائر قبائل بني إسرائيل، وأسماؤهم: يوسف ﵇، بنيامين، يهوذا، أشير، لاوي، دان، نفتالي، أيشاخر، روبائيل، شمعونن، زابلون، جاد.
قصة نبي الله يوسف ﵇
ولما ولد يوسف أحبه والده يعقوب ﵇ وشغف به، وكان يقرب منه ويدنيه إليه، فلما ترعرع رأى رؤيا كأنه غرس عصاه في الأرض فتنبت وأورقت وأثمرت، وغرس إخوتهم عصيهم فلم تنبت ولم تورق، ثم مالت عصاه على عصيهم فابتلعتها جميعا، فأخبر والده بالرؤيا، فحمد الله ، وأثنى عليه وبشره بالكرامة والرقي إلى مقامات (آبائه) الكرام، وبلغ إخوته ذلك
стр. 3067
فحسدوه وأضمروا له السوء، وبلغ من العمر اثنتي عشرة سنة رأي في منامه كأن السماء قد انفتحت، فنزلت الشمس في أحسن هيئتها، وكذلك القمر، وأحد عشر كوكبا (من الكواكب) نزلوا وسجدوا جميعهم له، وعظموه (بأحسن تعظيم)، فلما أخبر يوسف بذلك أباه حمد الله تعالى، وأثنى عليه، وأمره أن لا يفشي هذا السر ولا يخبر به إخوته، وذلك قول الله : ﴿إذ قال يوسف لأبيه يا أبت إني رأيت أحد عشر كوكبا والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين (٤)﴾ [يوسف: ٤] إلى آخر الآيات. فبلغت أيضا هذه الرؤيا إخوته، فازداد حسدهم وتأكدت عدواتهم ليوسف ﵇، وطلبوا له الغوائل والمهلكات، ورأوا أنهم إذا تخلصوا من نصب الغيرة والحسد أن يستريحوا ويسلم لهم دينهم ودنياهم، فلما جنحوا إلى ما جنحوا إليه وطلبوا منه أن يذهب معهم إلى المرعى فيلعب ويستريح، فمال إلى ذلك واستأذنوا أباه، وقالوا له: ليذهب معنا يرتع وليس عليه خلاف ولا بأس، فقال: إني أخشى عليه أن يأكله الذئب، وذلك قول الله : ﴿لقد كان في يوسف وإخوته آيات للسائلين (٧) إذ قالوا ليوسف وأخوه أحب إلى أبينا منا ونحن عصبة إن أبانا لفي ضلال مبين (٨)
стр. 3068
اقتلوا يوسف أو اطرحوه أرضا يخل لكم وجه أبيكم وتكونوا من بعده قوما صالحين (٩) قال قائل منهم لا تقتلوا يوسف وألقوه في غيابة الجب يلتقطه بعض السيارة إن كنتم فاعلين (١٠) قالوا يا أبانا ما لك لا تأمنا على يوسف وإنا له لناصحون (١١) أرسله معنا غدا يرتع ويلعب وإنا له لحافظون (١٢) قال إني ليحزنني أن تذهبوا به وأخاف أن يأكله الذئب وأنتم عنه غافلون (١٣) قالوا لئن أكله الذئب ونحن عصبة إنا إذا لخاسرون (١٤)﴾ [يوسف: ٧ - ١٤].
فتوجهوا بيوسف ﵇، فلما توسطوا في الطريق طلب الماء، فلم يسقوه، وطلب الطعام فلم يعطوه وأجمعوا حينئذ على قتله، واستغاث بهم فلم يغيثوه، فاستغاث بأخيه يهودا، ورمى بنفسه عليه، فقالوا: لئن لم تذهب عنه، وإلا قتلناك وإياه، فطلب منهم يهودا أن يلقوه في بئر ولا تقتلوه، فأجابوه إلى ذلك فدلوه بحبل ورموه في بئر، فبكى يوسف ﵇، فأنزل الله -جل شأنه- عليه سكينة ونورا ولطفا من عنده، وخاطبه إخوته من أعلى البئر قائلين له: أين رؤياك الكاذبة، فقد مكر الله منك، وقد بغيت علينا وأردت وأنت أصغرنا أن (تكون) أكبرنا وأرأسنا، وحقيق لمن بغى أن يصير إلى ما صرت إليه.
فقال لهم: لم أكذب في رؤياي، ولكن أصبر لما قضى الله علي. ثم تركوه وذبحوا شاة وأكلوا لحمها وألطخوا بدمها قميصه، ورجعوا بالقميص إلى أبيهم، وأقبلوا يبكون وزعموا أن الذئب أكل يوسف، فبكى يعقوب ﵇ بكاء شديدا وحزن حزنا عظيما، ولما أفاق من بكائه نظر إلى القميص، وقال ائتوني بالذئب الآكل له، فخرجوا فاصطادوا ذئبا وجاؤوا به إليه، فقال له: سألتك بالذي لا إله إلا هو إله إبراهيم وإسحاق إلا ما نطقت هل أكلت ابني؟ فأنطقه الله فقال: لا والله يا نبي الله لم آكله، وإن لحوم الأنبياء وأبناءهم محرمة علينا، وإني ذئب غريب أتيت لزيارة أخ لي، ولست من أهل هذه
стр. 3069
البلدة، فأمر به يعقوب ﵇ ففك وذهب، ومرت قافلة فأرسلوا شخصا منهم يأتيهم بماء، فلما ألقى الدلو فعلق يوسف ﵇ بالدلو، فلما رأى الرجل ثقل الدلو نادى، أعينوني، فأعانوه، فلما طلع رأوا غلاما ذا بهاء وحسن لم ير الناظرون أبهى ولا أجمل منه، وكان الله قد أعطاه من حسن الصورة والشكل ما لم يكن في أحد غيره، وكان أخوه بنيامين الذي هو أصغر منه بعده في الحسن والجمال، فذهبوا به في القافلة، وكان كبير القافلة شخصا يقال له: مالك بن دعر الخزاعي.
وجاء أولاد يعقوب، فرأوا يوسف في القافلة فادعوا أنه عبدهم فاشتراه منهم مالك بعشرين درهما، وكتب بذلك كتابا: هذا ما اشتراه (مالك بن درع الخزاعي من أولاد يعقوب، وهم يهودا ولاوي وشمعون غلاما عبرانيا بكذا وكذا. فلما أراد المسير به، قال له: دعني أودع أسيادي، فجاء يودعهم ويبكي ثم انصرف به مالك، فلما كان في أثناء الطريق رأى قبر أمه، وكان
стр. 3070
على الطريق فوقع من فوق الجمل، ومضى إليها، وبكى عندها كثيرا، ففقده مالك فرجع إليه فوجده يبكي، فأنهره ولطمه على وجهه، وساقه سوقا عنيفا، فانكسر خاطر يوسف ﵇ لذلك ودعا قائلا: اللهم إن وقع مني ذنب فألحقني بآبائي، فأصابت القافلة ظلمة وزلزلة ووقف الركب وقالوا: من منا أذنب ذنبا، فليرجع إلى الله وليتب إليه، فعلم مالك أنما أصيبوا منه، فرجع إلى يوسف ﵇ فقال له: أيها الغلام أنا قد لطمتك، فها وجهي فالطمني، فقال له: إني لا أقتص منك بل أعفو عنك، ولكن تعاهد الله أن لا تلطم مملوكا، ودعا الله فارتفعت الظلمة والزلزلة.
فانظر -رحمك الله- إلى رحمة هذا السيد الجليل وقوله لمالك: عاهد الله أن لا تلطم مملوكا، لا جرم أن الله اصطفاه واجتباه ورفع شأنه وأعزه بعد أن سار به ووصل به إلى أرض مصر، وكانت في ذلك الوقت أجدب أرض الله وأحطمها، فلما دخل يوسف ﵇ أنزل الله -جل شأنه- الأمطار وأرخص الأسعار ورحم البلاد والعباد ببركته ﵇.
стр. 3071
ولما اشتهر حال ما أعطاه الله -جل شأنه- من البهاء والجمال بأرض مصر اشتراه عزيز مصر بأفضل القيمة وأعظمها بإشارة امرأته زليخا، لما رآه أعجب الإعجاب الكامل واستحسن رؤيته ورباه واتخذه ولدا.
فلما بلغ الحلم أفاض الله -جل شأنه- عليه من المعارف الإلهية والأنوار الربانية، وعلمه (وفهمه) وفتح عليه، وأوحى إليه (وزين) باطنه بالأنوار والأسرار، كما زين ظاهره بالمحاسن والكمال، وكانت زليخا زوجة العزيز، قد تعلقت به وأحبته لما رأت من حسنه وجماله، وكانت تراوده عن نفسه، وتريد منه ما لا يليق له، وكان يمتنع من ذلك، فهيأت محلا وزينة بأفضل الزينة، وتزينت هي كلك بأحسن الزينة وحلت به في ذلك الموضع، فعصمه الله عن ذلك، فلما أكثرت عليه هم بالفتك بها ووقعت في الدار ضجة ففر هاربا متوجها، (ففتح الباب) فأدركته فشقت قميصه من خلفه، وورد الملك في ذلك الحال، فزعمت أنه راودها (عن نفسها)، وأنه يريد الفاحشة بها، فغضب الملك لذلك، وأراد الفتك به، فاستشهد يوسف ﵇ (بطفل رضيع)، فأنطق الله -جل شأنه- الطفل، فقال: انظروا في قميصه إن
стр. 3072
كان مشقوقا من وجهه فهي الصادقة، وإن كان القميص مشقوقا من خلفه فهو الصادق وهي الكاذبة، فلما رأى الملك هذه المعجزة انتهرها وأعرض عن يوسف ﵇، ولم يتعرض له بأذى. وأما زليخا، فلم تزل (مغرية) مولعة بيوسف ﵇ ولم تترك محبتها وولوعها به، وبلغ نساء الأكابر من قومها وحاشيتها وولوعها به، فأنكروا ذلك عليها فجمعتهن في بيت عظيم، وأعطت كل واحدة سكينا وأترجة ليقطعوها، ودعت يوسف ﵇ فأقبل، فلما رأته النسوة اشتغلن بالنظر إليه وصرن يقطعن أيديهن وليس لهن شعور بذلك، وقالوا جميعهم: حاشا لله ما هذا نوع البشر، وما هذا إلا ملك عظيم، وروح فخيم، فأقامت الحجة عليهم في لومهم إياها في محبته أو اشتغالها به تعتذرها، ولما لم يوافقها على مرادها أوغرت صدر العزيز عليه، ولقيت في نفسه منه أشياء، وكان ذلك تيمن من يوسف ﵇ كما قال عز من قائل: ﴿قال رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين (٣٣) فاستجاب له ربه فصرف عنه كيدهن إنه هو السميع العليم (٣٤)﴾ [يوسف: ٣٣ - ٣٤].
ولما دخل السجن ضاق ذرعا، فقال له الملك: أنت اخترت ذلك، هلا سألت الله العافية من كيدهن ومن جميع البلاء، فحبس في السجن، وحبس في تلك المدة معه غلامان من غلمان الملك، أحدهما شراب الملك، وهو الذي
стр. 3073
يصنع الشرب للملك، والآخر خباز، فقال له الشراب: إني رأيت البارحة رؤيا أحب (أن أقصها) عليك وتعبرها لي: إني رأيت أن الملك قد أطلقني من السجن، فبينما أنا دور في بيته إذ رأيت شجرة عنب مثمرة وإلى جنبها نخلا، قد اختلطت بها، فأخذت ثلاثة عناقيد من العنب وثلاثة شماريخ من الرطب وعصرتها في كأس، فدعاني الملك، فقال: اسقني، فسقيته من ذلك الشراب، فقال يوسف ﵇: نعم الرؤيا رؤياك، وسيخرجك الملك غدا، ويعيدك إلى ما كنت عليه من الكرامة والمنزلة، فإذا عدت إلى ذلك فلا تنس وخاطبه في شأني.
وقال له الغلام الآخر: إني رأيت أن الملك أعطاني طبق خبز فحملته على رأسي ومشيت به إلى محل عال من الأرض، فنزلت طيور سود فنقيت الخبز وأكلت منه؟ فقال له يوسف ﵇: سيخرجك الملك ويصلبك على محل عال (فتنزل) طيور، فتأكل من رأسك. فقال له: لم أصدق في الرؤيا ولكن كذبت عليك، فقال له: ﴿قضي الأمر الذي فيه تستفتيان (٤١)﴾ [يوسف: ٤١]، فتم الأمر، فكان الحال كما قال يوسف ﵇، أخرج الملك الشراب وأعاده إلى حاله، وصلب الخباز، وأقام يوسف في السجن؛ كما قال تعالى: ﴿بضع سنين﴾، وأكثر أهل الأخبار على أنها سبعة أعوام، وكانت تلك المدة من الله رياضة وجلوة وكرامة له، وتكريما لبشريته وتطهيرا لروحانيته، وقد جرت عادة الله تعالى شأنه، أما يختص أنبياءه وأولياءه بعد الابتلاء
стр. 3074
والامتحان، ولما أتى أوان خروجه من السجن رأى الملك في منامه: سبع بقرات عجاف ضعاف، وسبع بقرات سمان، فابتلعت كل واحدة من الضعاف واحدة من السمان، ورأى سبع سنابل عظام حسان (قد انعقد حبها)، ورأى قريبا منهم سبع سنبلات يابسات ففرك واحدة منهن فلم يجد فيها شيئا، فهب من منامه فزعا، وطلب المعبرين للرؤيا، فأخفى الله -جل شأنه- عنهم معرفتها، ولم يهتدوا إلى تعبيرها، ونسبوا رؤياه إلى أنها أضغاث أحلام؛ فأقبل الشراب وقبل الأرض بين يدي الملك، فأخبره أنه قادر على تأويل هذه الرؤيا، وأن بالسجن غلاما حاذقا في تعبير الرؤيا، فأرسل الملك الغلام إلى يوسف ﵇ فأخبره بما رأى الملك، فقال يوسف: هذه الرؤيا تدل على خصب ورخاء سبع سنين، ثم يكون بعدها سبع سنين قحط وجهد، فأخبر الغلام الملك بقول يوسف ﵇، فاعتقد صحة ما قال، وألقى الله في قلبه استحسان من أشار إليه يوسف ﵇، فأرسل إليه يطلب ويريد أن يستخلصه لنفسه ويجعل محل نظره ومرجع أمره، فثبت يوسف ﵇ ولم يجيء إليه لقصد أن تنكشف التهمة، وترتفع إشاعة امرأة العزيز، فطلب منه أن يسأل النسوة اللاتي قطعن أيديهن، هل رأيت من يوسف ريبة؟ فأجابوه قائلين:
стр. 3075
حاش لله ما علمنا عليه من سوء، وألقى الله -جل شأنه- في قلب امرأة العزيز الرجوع والإنابة عن ما اتهمت به يوسف ﵇، وأذعنت بأنها هي التي راودته عن نفسه، وذلك كله بتقدير الله حيث أراد ليوسف ﵇ زوال الغم وكشف الكربة ودفع المصيبة، فلما تم الوقت السابق في العلم والمدة المختومة في الإرادة، وأمر الملك بتهيئة الجنود والأتباع، وأرسل إليه بأفضل الكرامة وأعظم الأهبة، وزينت مصر بأشرف الزينة يوم خروجه، وأجلسه معه على سرير ملكه وتحت عزه، وأخبره أنه عزيز لديه، مكين عنده، مقبول الكلمة مسموع الإشارة، فطلب يوسف ﵇ من الملك أن يفوض أمر السياسة وتدبير الأرض والبلاد، فأعطاه ذلك، وأقام يوسف ﵇ على ذلك مدة، وأمر بأن تزرع الأرض في سنين الخصب جميعها، وجمع هو من الحبوب الزائدة عن الحاجة قدرا كبيرا، فلما مضت سبعة أعوام قل النيل وامتنعت الأمطار، فأكل الناس ما خزنوه جميعه في ثلاثة أعوام، ثم رجعوا يسألون أن يشتروا طعاما فلم يجدوه إلا عند يوسف ﵇، فاشتروه منه بالنقد والعقار والدواب والحلي والنساء حتى باعوا منه أولادهم وأنفسهم، ومات
стр. 3076
عزيز مصر واستولى ابنه، وكان الملك ليوسف ﵇ حقيقة ولابن العزيز صورة.
وممن احتاج في هذا الزمن وافتقر زليخا امرأة العزيز، وكانت قد أسنت، وكان يوسف ﵇ يطوف في مملكته ويتفقد أحوال رعيته، ويسأل عن أسباب المصالح فيفيضها، وأسباب المفاسد فيدرؤها، وكان يطوف بمدينة مصر، فنادته امرأة مظلومة، فأمر بحملها إليه، فلما وصلت إلى داره دعا بإرسالها، فقالت له: أما عرفتني؟ فلم يعرفها، فقالت: أنا زليخا امرأة العزيز، فاسترجع! ! ثم قال: أنت لم تزالي تتبعيني أبدا، فكشفت إليه ما تجده من الشدة والفاقة، وسألته أن يسأل الله تعالى لها أن يعيد عليها شبابها وجمالها، وأن يتزوج بها، فأمر الله -جل شأنه- أن يدعو بذلك لها، فدعا لها، فأعادها الله على ما كانت عليه، فتزوج بها، (وهيأ لها موضعا) وزينه بأحسن الزينة مقابلا للموضع الذي هيأته له هي للمعصية، وأولدها ولدين عظيمين اسمهما: أفرم وأفريتم.
وفي هذه المدة وقع غلاء عظيم وقحط بالشام وأرض كنعان، فأمر يعقوب ﵇ بنبيه أن يذهبوا إلى أرض مصر فيمتارون لهم طعاما يقتاتون به، فراجعوه قائلين له: كيف نذهب إلى مصر وهي أرض الفراعنة وموضع الجبابرة؟ فقال لهم: قد بلغني أن ملكها الآن عدل حسن السيرة، فتوجهوا إلى
стр. 3077
أرض مصر، فلما وصلوا أبواب المدينة أرسل صاحب الدرب يخبر الملك أنه قدم (علي) أناس من الشام نيرة وجوههم وذواتهم وأشكالهم يزعمون أنهم أولاد يعقوب بن إسحاق، فما يأذن الملك في شأنهم، فأرسل يوسف ﵇ وهو يأمره أن يأذن لهم قائلا له: ما أتى علي وفد أكرم من هؤلاء، وأمر صاحب المضيف بضيافتهم ثلاثة أيام وإكرامهم غاية الإكرام، ثم اجتمعوا بالملك بعد ذلك، فأكرمهم وتلطف بهم، وسألهم عن حالهم وحال أبيهم فأخبروه أنهم أحد عشر ولدا وأن واحدا منهم عند والده، فسألهم وأكد عليهم أن يعودوا ويستصحبوا أخاهم معهم أيضا ليراه (كما رآهم)، وأكرمه كما أكرمهم، ثم كال لهم الطعام، وأمر الخازن أن يضع ما استلمه منهم من الدراهم في وسط الحبوب، كل واحد دراهمه في حمله، فلما رجعوا إلى أبيهم أخبروه بإكرام العزيز إياهم وطلبه أن يأتوا بأخيهم بنيامين، فاعتذر يعقوب ﵇ وقال: أخشى عليه أن يقع عليه ما وقع على يوسف ولا أستطيع مفارقته.
стр. 3078
ثم لما فتحوا حمولهم وجدوا الدراهم قد أعيدت عليهم، فأخبروا (إياه) بذلك، وألزموا (بأن يرسل معهم أخاهم) لكون العزيز قد بالغ في كرامتهم وأعاد عليهم دراهمهم، وقالوا له: إن في رجوعنا إليه فوائد: منها: أن نشتري لأهلنا وأقاربنا ما يكفيهم من الطعام، ويزيد معنا وقد بعير بمراح بنيامين معنا، فتوثق منهم فأقسموا له بالله أن يعودوا به معهم، فودعهم وأمرهم أن لا يدخلوا من باب مصر جميعا خشية عليهم من العين.
فلما وفدوا على يوسف ﵇ أكرمهم غاية الإكرام وأضافهم وباسطهم وأجلس كل اثنين منهم على مائدة، وجلس هو مع بنيامين، فحسدوه لذلك وغاروا (وتكلموا) بالعبرانية بكلام يفهم منه الغيرة والحسد، فخشي عليه من وقوع الكيدة منهم، فأمر لهم بالكيل، فكيل لهم جميعا، وأمر خادمه أن يضع الصاع في رحل بنيامين، وكان قد أخبره بأنه هو أخوه وكشف له عن حقيقة الحال. فلما توجهوا إلى خارج المدينة، أرسل يوسف ﵇ جماعة فأدركهم ونادوا فيهم: قد سرقتهم صاع الملك فارجعوا أيها الركب، فرجعوا ففتشت رحالهم جميعا، فوجدوا الصاع في رحل بنيامين، فقال يوسف ﵇: هذا سرق صاعي فأنا آخذه وأتخذه عبدا وخادما، فطلبوا منع أن يعيده عليهم ويرحم غربتهم وضعف والدهم، فامتنع من ذلك، فسألوه أن يأخذ أحدهم بدله فلم يرض أيضا، فتعبوا لذلك كثيرا، ورجعوا على بنيامين يوبخونه ويشتمونه
стр. 3079
ويقولون: يا لص يا أخا اللص، وكان يوسف ﵇ إذا جلس في صغره معهم على السفرة يأخذ شيئا من الخبز خفية لأجل أن يتصدق به على المساكين به، فلهذا سموه يا سرقة.
ولما صمم يوسف ﵇ على عدم إعطائه إياهم، قال يهودا: أما أنا فلا يمكنني العود إلى أبي إلا أن يأذن منه أو فكاك أخي، فرجعوا إلى أبيهم، وأخبروا بما صار عليهم، فحزن لذلك كثيرا، وتجدد له الحزن على يوسف ﵇ فبكى عليهما كثيرا، وكان قد بكى على يوسف ﵇ أولا حتى ضعف بصره، وتقرحت أجفانه، وابيضت عيناه من الحزن والتعب على يوسف ﵇، ولما
стр. 3080
مضت بعد ذلك مدة من الزمن ألقى الله في روعه عود يوسف وأخيه بنيامين، وقرب مدة الاجتماع بهما، فأمر بنيه أن يرجعوا ويتعطفوا بالعزيز ويأخذوا بخاطره، ويطلبوا منه فكاك أخيهم، وأن يتفحصوا ويتحسسوا عن يوسف ﵇ فأجابوه أن يوسف قد أكله الذئب مدة، فأين نجد يوسف ﵇ وأنى له أن يعود؟ فقال لهم: لا تيأسوا من روح الله، وحسنوا الظن بالله وكتب معهم كتابا إلى العزيز، يقول فيه: بسم الله الرحمن الرحيم، من العبد الكروب الحزين يعقوب (إسرائيل بن إسحاق) صفي الله بن إبراهيم خليل الله إلى عزيز مصر، أيها العزيز إنا قوم موكل بنا البلاد وما صفت لنا الدنيا، ولا تزال أبدا ولا نزال مغمورين، أما جدي إبراهيم ﵊ فإنه ابتلاه بنار نمرود، وأما أبي إسحاق فابتلاه الله بالذبح فصبر وفداه الله بذبح
стр. 3081
عظيم، وأما أنا فابتلاني الله -جل شأنه- بفقد يوسف فبكيت حتى ذهب بصري ونحل جسمي، وكنت أتسلى بهذا الغلام الذي حبسته عندك، فزعمت أنه سارق، وإن الله تعالى قد طهرنا من جميع الرذائل، فالله من علي به ولا تفقدني إياه، واتق دعوة المظلوم فإنها لا تحجب عن الله، فإن لم ترسل إلي ابني دعوت عليك دعوة تلحقك وتلحق السابع من ابنك.
فلما وصل الكتاب إلى يوسف وعدهم في غد أن يعيد لهم الجواب. ثم خرج في اليوم الثاني في أحسن الهيئة وأعظم الزينة، ودعا أولاد يعقوب ﵇ فسألهم هل تعرفون شيئا من اللغات، وقراءة الكتب؟ وكان روبائيل وهو أكبرهم يعرف من اللغات سبعين لغة، فقال له: أنا أعرف سبعين لغة، فأمر فأتي بحق ففتحه، فاستخرج منه كتابا فدفعه إلى روبائيل، فلما نظر روبائيل الكتاب وتأمله تغير لونه وسقط من يده، فنظر فيه يهودا ودار الكلام بينهم، فقالوا: هذا الكتاب الذي كتبناه يوم بيع يوسف. فقال لهم العزيز: ما لكم تتشاورون؟ فأجاب شمعون: بأن الكتاب قد تقادم عهده، وقد امتحى الخط. فقال لهم: كذبتم ليس الشأن كذلك، وإنما هذا كتاب بيعكم أخاكم، وقد استحققتم بفعلكم غاية التأديب والعقوبة، فلما رأوا تشديده وتصميمه عليهم، وكانت لهم همم عظيمة وأحوال فخيمة، قال شمعون: أنا أكفيه هو وجنوده وأهل بلده، وكان إذا صاح صيحة الغضب وقع على وجهه كل من يسمعه، ولا يسكن غضبه إلا إذا وضع أحد من أولاد يعقوب ﵇ يده عليه أو لمسه، فلما توجه ليفعل ذلك وعلم يوسف ﵇ منه ما أراده أرسل ابنه أفراثيم، وقال اذهب إلى هذا الشيخ المبارك وأدخل يدك فيه إلى أن تمس
стр. 3082
بدنه وقل: بسم الله إله إبراهيم الخليل، فلما أراد أن يصيح وضع أفراثيم يده عليه، فوقع مغشيا عليه، فلما أفاق من (غشيه)، قال لإخوته: (من مسني منكم) ولأي شيء مسستموني؟ ثم أمر يوسف بالأخشاب، فوضعت وأمر بهم أن يصلبوا عليها، فبكوا لذلك وحزنوا، فعطف عليهم ودعاهم وكشف لهم عن حقيقة الحال، وبين لهم الأمر والشأن، ثم أمرهم أن يتوجهوا بقميصه إلى يعقوب ﵇، فلما أقبلوا بالقميص شم يعقوب ﵇ ريح يوسف ﵇ من عشرة مراحل، فأخبر من عنده بأنه شم ريح يوسف ﵇ فاستبعد الحاضرون ذلك.
فلما وصلوا بالقميص بشروه بوجود يوسف وسلامة أخيه بنيامين، وشم القميص ووضعه على بصره عاد بصره ونشطت قواه. وطلب يوسف ﵇ من إخوته أن يتوجهوا جميعا، وأن يتحملوا بأهلهم وأتباعهم، فلما وصلوا إلى أرض مصر تلقاهم يوسف ﵇ وكان يوما عظيما، ورفع أباه وخالته على سرير عظيم، وحمد الله قائلا: ﴿يا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقا وقد أحسن بي إذ أخرجني من السجن وجاء بكم من البدو من بعد أن نزغ
стр. 3083
الشيطان بيني وبين إخوتي إن ربي لطيف لما يشاء إنه هو العليم الحكيم (١٠٠) رب قد آتيتني من الملك وعلمتني من تأويل الأحاديث فاطر السماوات والأرض أنت وليي في الدنيا والآخرة توفني مسلما وألحقني بالصالحين (١٠١)﴾ [يوسف: ١٠٠ - ١٠١].
قصة نبي الله أيوب ﵊ -
هو أيوب بن موص بن زراح بن روم بن العيص بن إسحاق بن إبراهيم -عليهما الصلاة والسلام- وجده العيص هذا أخ يعقوب ﵇ ولدا في بطن واحد، فخرج العيص متقدما، وتعقبه يعقوب ﵇ فلذا سمي يعقوب، وكان الله قد اصطفى أيوب عليه، ونبأه ورزقه دنيا عريضة وسعة الرزق عظيمة وأرغد له في العيش، وكان له من الأموال ما لا يعد ولا يحد، ومن المواشي والمزارع والدور كذلك، كان في ذلك شاكرا لأنعم الله معترفا بفضل الله مثنيا على الله، يبذل ما أعطاه الله لأسباب الخير، يؤوي الغريب ويكرم الضيف ويحسن إلى السائل، لم تغره الدنيا ولم تطغه ولم تفرد. وكانت الملائكة والعالم الإنسي يثنون عليه ويذكرون فضله، وكان قد سبق في علم الله أن يبتليه ويمتحنه ليكون قدوة للصابرين، وإماما للمريضين، وتسلية لأهل البلاء، وتعزية لأهل القضاء، فابتلاه الله -جل شأنه- وسلط عيه الصوارف والمهلكات، فذهب ماله ومواشيه وزرعه وهو في كل ذلك مثنيا
стр. 3084
على الله راضيا بمواقع قضائه وقدره، ثم ابتلي بفقد أولاده وأهل بيته فحزن لذلك عند تفقد أولاه، ثم آب إلى الله تعالى وأسرع في الرجوع، ثم ابتلي في جسده بأنواع الأمراض والأسقام، ولم يكن يخدمه غير امرأته، وهي رحمة بنت أفريثم بن يوسف ﵇ وكانت ذات جاه وجمال، وكانت من الأخيار الصابرات الراضيات، وكانت هي التي تسعى في خدمته ومعاشه وتقدم ذلك إليه، فلما طال مرضه واشتد بها الحال عرضت عليه التداوي، وطلبت منه أن يستعمل شيئا من الأدوية ليزول ما به من الأمراض، فغضب لذلك لعلمه أن الذي هو فيه، ليس من قبيل الأمراض الطبيعية، وإنما هو ابتلاء إلهي، وامتحان رباني لا تنفع فيه الأدوية، ولا يفيد فيه الطب، فقال عند ذلك: لئن شفاني الله لأجلدتها مائة جلدة، فلما شفاه الله تعالى أمره أن يأخذ قضيبا من نخل فيه مائة عرجون فيضربه ضربة واحدة، وذلك قول الله : ﴿وخذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا تحنث إنا وجدناه صابرا نعم العبد إنه أواب (٤٤)﴾ [ص: ٤٤].
ولما طال البلاء وهو في كل ذلك راض من الله تعالى صابرا على ما أولاه المولى مستغرقا متلذذا، فلما قارب أن يتصل إلى غلبة شيء من الاشتغال عن التعظيم والتفكر في الآلاء، فإن القلب هو الطريق إلى ذلك، فإذا وصله الألم
стр. 3085
اشتغل عن هذا المعنى، فلم يطق أيوب ﵇ هذه البلية، لكونه سببا إلى إفساد المشاهدة والمعاينة والمكالمة، فحينئذ قال ﵇: ﴿ربه أني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين (٨٣)﴾ [الأنبياء: ٨٣] فاستجاب الله -جل شأنه- دعاءه وشفاه، وذلك قوله تعالى: ﴿وأيوب إذ نادى ربه أني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين (٨٣) فاستجبنا له فكشفنا ما به من ضر وآتيناه أهله ومثلهم معهم رحمة من عندنا وذكرى للعابدين (٨٤)﴾ [الأنبياء: ٨٣ - ٨٤].
قصة نبي الله موسى ﵊ -
ولما قرب ظهور موسى ﵊ أخبر المنجمون والكهان فرعون بأنه سيولد مولود في بني إسرائيل يكون زوال ملكه على يده، فخشي
следующие страницы →