← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 150960

الزيادة والإحسان في علوم القرآن

محمد عقيلة

Полный текст (4 238 стр.). Показаны 3081–3120 · переход к 3086.

стр. 3081

عظيم، وأما أنا فابتلاني الله -جل شأنه- بفقد يوسف فبكيت حتى ذهب بصري ونحل جسمي، وكنت أتسلى بهذا الغلام الذي حبسته عندك، فزعمت أنه سارق، وإن الله تعالى قد طهرنا من جميع الرذائل، فالله من علي به ولا تفقدني إياه، واتق دعوة المظلوم فإنها لا تحجب عن الله، فإن لم ترسل إلي ابني دعوت عليك دعوة تلحقك وتلحق السابع من ابنك. فلما وصل الكتاب إلى يوسف وعدهم في غد أن يعيد لهم الجواب. ثم خرج في اليوم الثاني في أحسن الهيئة وأعظم الزينة، ودعا أولاد يعقوب ﵇ فسألهم هل تعرفون شيئا من اللغات، وقراءة الكتب؟ وكان روبائيل وهو أكبرهم يعرف من اللغات سبعين لغة، فقال له: أنا أعرف سبعين لغة، فأمر فأتي بحق ففتحه، فاستخرج منه كتابا فدفعه إلى روبائيل، فلما نظر روبائيل الكتاب وتأمله تغير لونه وسقط من يده، فنظر فيه يهودا ودار الكلام بينهم، فقالوا: هذا الكتاب الذي كتبناه يوم بيع يوسف. فقال لهم العزيز: ما لكم تتشاورون؟ فأجاب شمعون: بأن الكتاب قد تقادم عهده، وقد امتحى الخط. فقال لهم: كذبتم ليس الشأن كذلك، وإنما هذا كتاب بيعكم أخاكم، وقد استحققتم بفعلكم غاية التأديب والعقوبة، فلما رأوا تشديده وتصميمه عليهم، وكانت لهم همم عظيمة وأحوال فخيمة، قال شمعون: أنا أكفيه هو وجنوده وأهل بلده، وكان إذا صاح صيحة الغضب وقع على وجهه كل من يسمعه، ولا يسكن غضبه إلا إذا وضع أحد من أولاد يعقوب ﵇ يده عليه أو لمسه، فلما توجه ليفعل ذلك وعلم يوسف ﵇ منه ما أراده أرسل ابنه أفراثيم، وقال اذهب إلى هذا الشيخ المبارك وأدخل يدك فيه إلى أن تمس

стр. 3082

بدنه وقل: بسم الله إله إبراهيم الخليل، فلما أراد أن يصيح وضع أفراثيم يده عليه، فوقع مغشيا عليه، فلما أفاق من (غشيه)، قال لإخوته: (من مسني منكم) ولأي شيء مسستموني؟ ثم أمر يوسف بالأخشاب، فوضعت وأمر بهم أن يصلبوا عليها، فبكوا لذلك وحزنوا، فعطف عليهم ودعاهم وكشف لهم عن حقيقة الحال، وبين لهم الأمر والشأن، ثم أمرهم أن يتوجهوا بقميصه إلى يعقوب ﵇، فلما أقبلوا بالقميص شم يعقوب ﵇ ريح يوسف ﵇ من عشرة مراحل، فأخبر من عنده بأنه شم ريح يوسف ﵇ فاستبعد الحاضرون ذلك. فلما وصلوا بالقميص بشروه بوجود يوسف وسلامة أخيه بنيامين، وشم القميص ووضعه على بصره عاد بصره ونشطت قواه. وطلب يوسف ﵇ من إخوته أن يتوجهوا جميعا، وأن يتحملوا بأهلهم وأتباعهم، فلما وصلوا إلى أرض مصر تلقاهم يوسف ﵇ وكان يوما عظيما، ورفع أباه وخالته على سرير عظيم، وحمد الله قائلا: ﴿يا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقا وقد أحسن بي إذ أخرجني من السجن وجاء بكم من البدو من بعد أن نزغ

стр. 3083

الشيطان بيني وبين إخوتي إن ربي لطيف لما يشاء إنه هو العليم الحكيم (١٠٠) رب قد آتيتني من الملك وعلمتني من تأويل الأحاديث فاطر السماوات والأرض أنت وليي في الدنيا والآخرة توفني مسلما وألحقني بالصالحين (١٠١)﴾ [يوسف: ١٠٠ - ١٠١]. قصة نبي الله أيوب ﵊ - هو أيوب بن موص بن زراح بن روم بن العيص بن إسحاق بن إبراهيم -عليهما الصلاة والسلام- وجده العيص هذا أخ يعقوب ﵇ ولدا في بطن واحد، فخرج العيص متقدما، وتعقبه يعقوب ﵇ فلذا سمي يعقوب، وكان الله قد اصطفى أيوب عليه، ونبأه ورزقه دنيا عريضة وسعة الرزق عظيمة وأرغد له في العيش، وكان له من الأموال ما لا يعد ولا يحد، ومن المواشي والمزارع والدور كذلك، كان في ذلك شاكرا لأنعم الله معترفا بفضل الله مثنيا على الله، يبذل ما أعطاه الله لأسباب الخير، يؤوي الغريب ويكرم الضيف ويحسن إلى السائل، لم تغره الدنيا ولم تطغه ولم تفرد. وكانت الملائكة والعالم الإنسي يثنون عليه ويذكرون فضله، وكان قد سبق في علم الله أن يبتليه ويمتحنه ليكون قدوة للصابرين، وإماما للمريضين، وتسلية لأهل البلاء، وتعزية لأهل القضاء، فابتلاه الله -جل شأنه- وسلط عيه الصوارف والمهلكات، فذهب ماله ومواشيه وزرعه وهو في كل ذلك مثنيا

стр. 3084

على الله راضيا بمواقع قضائه وقدره، ثم ابتلي بفقد أولاده وأهل بيته فحزن لذلك عند تفقد أولاه، ثم آب إلى الله تعالى وأسرع في الرجوع، ثم ابتلي في جسده بأنواع الأمراض والأسقام، ولم يكن يخدمه غير امرأته، وهي رحمة بنت أفريثم بن يوسف ﵇ وكانت ذات جاه وجمال، وكانت من الأخيار الصابرات الراضيات، وكانت هي التي تسعى في خدمته ومعاشه وتقدم ذلك إليه، فلما طال مرضه واشتد بها الحال عرضت عليه التداوي، وطلبت منه أن يستعمل شيئا من الأدوية ليزول ما به من الأمراض، فغضب لذلك لعلمه أن الذي هو فيه، ليس من قبيل الأمراض الطبيعية، وإنما هو ابتلاء إلهي، وامتحان رباني لا تنفع فيه الأدوية، ولا يفيد فيه الطب، فقال عند ذلك: لئن شفاني الله لأجلدتها مائة جلدة، فلما شفاه الله تعالى أمره أن يأخذ قضيبا من نخل فيه مائة عرجون فيضربه ضربة واحدة، وذلك قول الله : ﴿وخذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا تحنث إنا وجدناه صابرا نعم العبد إنه أواب (٤٤)﴾ [ص: ٤٤]. ولما طال البلاء وهو في كل ذلك راض من الله تعالى صابرا على ما أولاه المولى مستغرقا متلذذا، فلما قارب أن يتصل إلى غلبة شيء من الاشتغال عن التعظيم والتفكر في الآلاء، فإن القلب هو الطريق إلى ذلك، فإذا وصله الألم

стр. 3085

اشتغل عن هذا المعنى، فلم يطق أيوب ﵇ هذه البلية، لكونه سببا إلى إفساد المشاهدة والمعاينة والمكالمة، فحينئذ قال ﵇: ﴿ربه أني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين (٨٣)﴾ [الأنبياء: ٨٣] فاستجاب الله -جل شأنه- دعاءه وشفاه، وذلك قوله تعالى: ﴿وأيوب إذ نادى ربه أني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين (٨٣) فاستجبنا له فكشفنا ما به من ضر وآتيناه أهله ومثلهم معهم رحمة من عندنا وذكرى للعابدين (٨٤)﴾ [الأنبياء: ٨٣ - ٨٤]. قصة نبي الله موسى ﵊ - ولما قرب ظهور موسى ﵊ أخبر المنجمون والكهان فرعون بأنه سيولد مولود في بني إسرائيل يكون زوال ملكه على يده، فخشي

стр. 3086

من ذلك كثيرا، وأمر أن تذبح الأطفال التي تولد في ذلك الزمن، فذبح أطفالا كثيرا. ولما آن أوان ولادة أم موسى صنعت تابوتا من خشب؛ لأن العامل لهذا التابوت رجل اسمه حبيب النجار، وقد كان سأل أم موسى ما تصنع بالتابوت، فأخبرته أنها تريد وضع ابن لها فيه كيلا يقتله فرعون، فتوجه يريد أن يخبر فرعون لذلك، فعقد الله لسانه عن النطق ثلاث مرات، فلما رأى ذلك؛ علم أنها كرامة من الله ، فتاب إلى الله -جل شأنه-، وأناب وعزم على موالاة هذا العبد الصالح وأتباعه، فهو أول من آمن بموسى ﵇.

стр. 3087

ثم لما وضعت موسى، وضعته في التابوت وألقته في البحر وذلك بالإلهام الإلهي وقع في نفسها، فألقته الأمواج في البحر إلى موضع كان فيه بنات فرعون ونساؤه يغتسلن، ففتحوا التابوت، فرأوه، فألقى الله -جل شأنه- في قلوبهم محبته، فذهبوا به إلى دار فرعون، وعرضوا عليه المراضع فأبى، فجاءت أخته مستخفية فعرفته وأخبرت أمه، ثم جاءت إليهم أمه فأرضعته على أنها مرضعة، فلم يزل يربى في دار فرعون ولم يشعر به. فلما علم به أراد قتله فمنعوه من ذلك، وألقى الله عليه الشفقة، وتربى وأحبته ابنة فرعو، وامرأته آسية، وهي آسية بنت مزاحم، وقد

стр. 3088

آمنت بموسى ﵊ لما رأت (مع وقع له مع السحرة). ثم لما شب وترعرع أسلمته امرأة فرعون وابنته إلى من يعلمه، فتعلم العلم والحكمة، وكانت مصر دار العلم والحكمة، فأحدق جميع العلوم، وكان بمصر حكيمان أحدهما يسمى ياسين والآخر عرائيس، فأسلمته ابنة فرعون إليهما، وتعلم منهما الحكمة، وبعد أن كبر رأى رجلين يختصمان أحدهما قبطي والآخر إسرائيلي، والقبطي يتجرأ على الإسرائيلي، فالتفت موسى ﵇ فلم ير أحدا فقتل القبطي، ثم بعد أيام رأى رجلين يختصمان أيضا، فأنكر عليهما فقالا: من ولاك علينا أتريد أن تقتلنا كما قتلت بالأمس رجلا، فخشي أن يبلغ فرعون ذلك، فخرج فارا من مصر متوجها إلى أرض مدين، وهو مدين بن إبراهيم ﵇ وهم قبائل عظيمة، فتوجه نحو أرضهم فوصل إلى بئر

стр. 3089

يردها قبيلة من أولاد مدين بعد أن مشى سبعة أيام ليس له فيها زاد، فجلس قريبا من البئر، فرأى امرأتين ولهما ماشية تنتظران خلو البئر عن الواردين، فتقدم إليهما موسى ﵇ قائلا لهما: ما لكما لا تسقيان؟ فقالتا: إنا ضعاف ووالدنا شيخ كبير، فسقى لهما ماشيتهما، وكان موسى ﵇ صاحب قوة وجلادة، ثم رجع إلى فيء شجرة فنام تحتها، وسأل الله تعالى أن يرزقه قوتا، فعادت إليه إحدى المرأتين قائلة: إن والدي يدعوك إلى الضيافة فأجابها، فكان الشيخ هو نبي الله شعيب ﵇.

стр. 3090

ثم إن شعيبا لما جاء موسى اتخذه ابنا، واستأجره لرعي ماشية، وأن يزوجه ابنته، فلما مضت سبعة أعوام زوجه ابنته، فحصل لموسى العلوم الكسبية من مصر والعلوم الوهبية من صحبته شعيب. ثم توجه موسى من عند شعيب بزوجته، فلما كان قريبا من طور سيناء خرج يلتمس لأهله نارا، فرأى نورا عظيما قد شعشع الوادي، فلما رآه ظنه نارا فخوطب: اخلع نعليك، كما قال تعالى ذلك في كتابه العزيز بقوله: ﴿يا موسى (١١) إني أنا ربك فاخلع نعليك إنك بالواد المقدس طوى (١٢) وأنا اخترتك فاستمع لما يوحى (١٣) إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني وأقم الصلاة لذكري (١٤)﴾ [طه: ١١ - ١٤]. وخاطبه الله -جل شأنه- قائلا: ما هذه التي بيمينك؟ قال: عصاي، فأمر الله -جل شأنه- أن يلقيها، فألقاها، فانقلبت حية عظيمة، فقال: خذها، فأخذت فانقلبت عصاه في يده، فأمره الله أن يذهب إلى فرعون، فيعظه

стр. 3091

وينصحه وينهاه عن الطغيان والكفر والعناد واستعباده بني إسرائيل، فقال موسى ﵇: إن لساني ألثغ وبي لكنة، وأحتاج إلى معين، فأعانه الله بهارون ﵇ ونبأه وأمرهما أن يذهبا إلى فرعون، وأن يشتغلا بذكره ولا ينيا على في ذلك، ولا يقصروا، وأن يكون الله -جل شأنه- منهما على بال، وأن يستشعرا معينه لهما وحفظه ويعلما أنه ناظر إليهما، فامتثلا أمره، وقصدا فرعون ودخلا عليه، وأخبراه أن الله أوحى إليهما بما أوحى، وألانا له في القول بأمر الله تعالى بذلك، فطغى وتمرد ولم يقبل وطلب منهما برهانا

стр. 3092

وعلامة على صدقهما، فألقى موسى العصا فصارت حية عظيمة تمشي، وأخرج يده من كمه فإذا هي بيضاء تلمع، ثم أدخلها ثانيا فإذا هي عليه. فلما رأى ذلك استشار أصحابه وجلساءه في أمرهما، فقالوا له: إن هذا سحر، فأرسل السحرة في كل أرض وأجمعهم فسيعلوه، فأرسل فرعون فجمعهم، فكانوا أكثر من الصعيد، فاجتمع عنده نحوا من أربعين ألف ساحر، فخرجوا هم وموسى ﵇ وألقى كل منهم ما بيده من الحبال والعصا، فانقلبت ثعابين وحيات، وأقبلت نحو موسى ﵇ فارتاع لذلك.

стр. 3093

فأوحى الله -جل شأنه- إليه في سره ألق عصاك فألقاها، فانقلبت حية عظيمة وابتلعت جميع تلك الحيات المموهة، فلما رأى السحرة ذلك علموا أن مثل هذا الشأن لا يكون إلا المؤيد بتأييد إلهي، فأذعنوا حينئذ وآمنوا به وعلموا أنه مرسل من عند الله ، وأنكر فرعون عليهم ما صنعوا من الإيمان بموسى واتباعه، وقال لهم: إن هذا هو الذي علمكم السحر فلهذا أطعتموه وآمنتم به، وهددهم وخوفهم فلم يرجعوا؛ بل أصروا على الإيمان وصرحوا بالتوحيد، وقالوا: افعل ما شئت فلا نرجع من ذلك أبدا. فلما رأى ذلك فرعون منهم، ورأى إيمان كثير من بني إسرائيل واتباعهم لموسى، استشار فرعون أصحابه في قتل موسى هو ومن اتبعه، فأشاروا عليه بالفعل إلا رجل مؤمن يخفي الإيمان، واسمه خرقيل، وهو الذي قال الله -جل شأنه- فيه: ﴿وقال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله﴾ إلى آخر الآية [غافر: ٢٨]، فإنه قال له: قد جاءه هذا الرجل بهذه الآيات الواضحات فلا ينبغي الفتك فيه؛ فإنه إن يكن كاذبا فما

стр. 3094

يضرك كذبه، وإن يكن صادقا يصبك أمر عظيم، ويخشى عليك من الخطر فوعظه كثيرا، فأعرض عن موسى ولم يتعرض له بسوء، وبقي مصرا على تجبره وادعائه الربوبية، واستضعافه بني إسرائيل. وكان المؤمنون بموسى ﵇ مستضعفين مستخفين في أرض مصر لقوة فرعون وجنوده، فدعا موسى لربه قائلا كما قص الله -جل شأنه- خبره في كتابه المكنون بقوله: ﴿ربنا إنك آتيت فرعون وملأه زينة وأموالا في الحياة الدنيا ربنا ليضلوا عن سبيلك ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم (٨٨) قال قد أجيبت دعوتكما فاستقيما ولا تتبعان سبيل الذين لا يعلمون (٨٩)﴾ [يونس: ٨٨ - ٨٩]. ثم إن موسى ﵇ كان يدعو فرعون وقومه إلى توحيد الله تعالى وتعظيمه، ويطلب منهم أن يرسلوا معه بني إسرائيل ليذهب بهم إلى وطنهم الأصلي، ومسكن أبيهم الخليل ﵇، فأبوا عن ذلك فدعا عليهم، فأرسل الله -جل شأنه- عليهم طوفانا عظيما فأغرق بيوتهم ودخل الماء عليهم في كل موضع فالتجؤوا إلى موسى ﵇ وسألوه أن يسأل الله -جل وعلا- أن يكشف ما بهم، إن كشف عنهم آمنوا به، وأرسلوا معه بني إسرائيل، فكشف الله -جل شأنه- عنهم ذلك، وأنبتت الأرض أضعاف ما تنبته من المعتاد فطغوا بذلك، وقالوا: هذه كانت علينا نعمة، فدعا عليهم بالجراد فأتاهم من كل موضع وأكل زروعهم، فسألوا موسى ﵇ أن يدعو لهم ويؤمنوا ويرسلوا معه بني إسرائيل، فلما كشف ما بهم عادوا إلى ما هم عليه. فدعا عليهم بالقمل فكثر فيهم، وأهلكهم وأتبعهم، فسألوا موسى ﵇ كشف ذلك وأن يؤمنوا، فدعا لهم فكشف عنهم فلم يرجعوا عما هم عليه. فدعا عليهم بالضفادع فامتلأت منازلهم وأماكنهم بها، فسألوه كشف ذلك ويؤمنوا، فكشف الله -جل شأنه- عنهم فلم يرجعوا. فدعا عليهم بالدم فامتلأت منازلهم ومواطنهم دما، فسألوا كشف ذلك، وأن يؤمنوا، فدعا لهم، فكشف الله عنهم فلم يرجعوا.

стр. 3095

ثم إن موسى ﵇ طلب منهم أن يصنع عيدا لله تعالى ويخرج هو وبنو إسرائيل إلى خارج مصر، فاستعار بنو إسرائيل من القبط مصاغا وحليا لعرس لهم على أنهم يصنعوه ويعودوا إلى مصر، فتوجه موسى ﵇ بهم وكانوا ستمائة ألف رجل والنساء والأطفال، وتوجهوا إلى خارج مصر وقصد المسير إلى الأرض المقدسة، وكانت ليلة خروجهم ألقى الله -جل شأنه- الموت على أبكار القبط فماتوا جميعهم، فاشتغل القبط بدفنهم، وسار موسى ﵇ في ساقة بني إسرائيل، وسار هارون في مقدمتهم، فبلغ فرعون قصدهم، فخرج

стр. 3096

في طلبهم في ألف ألف وسبعمائة ألف، فلما رأى بنو إسرائيل قرب فرعون منهم وقدموا على موسى ﵇ قائلين: كنا راضين بعبودية القبط ولا يهلكونا، وكان البحر أمامهم ولس طريق غيره، فضرب موسى ﵇ البحر بعصاه فانفلق بإذن الله ، وصار لهم طريق فيه، فمروا فيه، وأتى فرعون وجنوده فمشوا في البحر، فلما خرج بنو إسرائيل من الطريق الآخر انطبق البحر على فرعون وجنوده فأغرقهم جميعا، وورث بنو إسرائيل أموال القبط ودورهم ومساكنهم وصاروا ملوكا بعد أن كانوا مملوكين. وأوحى الله إلى موسى ﵇ أن يتوجه إلى طور سيناء، فيأتي بني إسرائيل بكتاب من عند الله فيه جميع ما يحتاجون إليه من الأحكام والشرائع والنوامس، وهي التوراة، وهي أول كتاب أنزل من عند الله -جل شأنه- وما

стр. 3097

قبلها من كتب الأنبياء تسمى صحفا، وكانت التوراة وقر بعير، وهي سبعون سفرا، يذكر في كل سفر منها نوعا من الأنواع: مثل: المبدأ والمعاد والتوحيد والأحكام، فتوجه موسى ﵇ ووعدهم أن يغيب عنهم ثلاثين يوما يناجي فيها ربه ويأتيهم بكتاب من عنده، فتوجه إلى طور سيناء وأقام بجبل الطور تسعة وعشرين يوما صائما طاويا، وفي اليوم التاسع والعشرين استاك بعود الحزون، فقال له الملائكة: قد تغير ريح فمك، وأمر بزيادة عشرة أيام، وكانت الثلاثين يوما على وجه الطي والسهر، وفي هذه العشرة اضطرب بنو إسرائيل: وقالوا: وعدنا موسى ﵇ بثلاثين يوما فلم يجيء، وزعموا أنه مات، وكان السامري: واسمه موسى بن ظفر رجلا صائغا، فمر به فارس لا يمر ببقعة من الأرض إلا اخضرت، فعلم أنه ليس من البشر، ووقع في نفسه أنه لا يوضع هذا التراب الذي وقع عليه حافر الفرس في شيء إلا حي، فأخذ منه قبضة واستعار من بني إسرائيل مصاغا الذي أخذوه من القبط، وصبغه عجلا ورصعه بالجواهر وألقى في جوفه شيئا من ذلك التراب، فخار وتحرك، فدعى بني إسرائيل قائلا: هذا إلهكم يا بني إسرائيل الذي ذهب موسى إليه، فعبدوا العجل في تلك المدة، فلما عاد موسى ﵇ ومعه الألواح مكتوب فيها جميع ما يحتاج، وكانت اثني عشر لوحا.

стр. 3098

فلما رأى ما صار منهم غضب لذلك، وألقى الألواح فتكسرت وأقبل يوبخ أخاه، فاعتذر إليه بأنهم لم يقبلوا نصيحتي، وأمر موسى بالعجل فبرد بالمياه وألقاه في النيل وأمرهم أن يشربوا منه، فأوحى الله -جل شأنه- إليهم إن أرادوا قبول التوبة فليقتل بعضهم بعضا فامتثلوا، وأنزل الله -جل شأنه- سحابة سوداء فصار لا يرى بعضهم قريبه أو أباه أو أخاه، فلما طال القتل فيهم تضرع موسى ﵇ وأخوه هارون لحضرة الأزل، فكشف السحابة ونهوا عن القتل، فكان المقتول منهم نحوا من سبعين ألف رجل.

стр. 3099

ورجع موسى ﵇ إلى طور سيناء ثانيا واختار كبار بني إسرائيل سبعين رجلا، فجلسوا في آخر الجبل، وصعد موسى ﵇ إلى أعلاه، فطلبوا من موسى ﵇ أن يرى الله هو وإياهم، فلما حصل التجلي الإلهي صار الجبل هباء ومات السبعون جميعهم وغشي على موسى ﵇، فلما أفاق من

стр. 3100

غشوته، سأل الله -جل شأنه- إحياء السبعين فأحياهم الله ﵎، ورجع موسى ﵇ بالمواعظ والأحكام إلى بني إسرائيل، فأظهر فيهم أحكام الله -جل شأنه-، ودعاهم إلى عبادته، فامتنع من ذلك قومه ولم يمتثلوا، فرفع الله بدعاء موسى ﵇ جبلًا عظيمًا حتى أظلهم وعلا عليهم فحينئذ امتثلوا وانقادوا. وقع لموسى ﵇ بمصر قميص جليلة: منها: قصة البقرة: وكان سبب هذه القصة أن رجلًا من بني إسرائيل كان غنيًا، وكان له ابن عم فقير وليس له وارث غيره، فطال عمر الغني، واستبطأ وارثه ذلك فقتله ليلًا ورماه في محله أخرى، وأصبح يدعي أهل ذلك المنزل الذي وجد القتيل عندهم إلى موسى ﵇، واختلفوا بنو إسرائيل في ذلك،

стр. 3101

فأوحى الله -جل شأنه- إلى موسى ﵇ أن أذبحوا بقرة، وخذوا قطعة منها واضربوا به قبر الميت؛ فإنه يخبركم من قتله، فلما أخبرهم موسى ﵇ بذلك استبعدوا قوله، فسألوه عن صفة البقرة، فأخبرهم أنها بقرة لا كبيرة ولا صغيرة. فسألوه عن لونها، فأخبرهم أنها صفراء، وسألوه سائمة أم عاملة فأخبرهم أنها سائمة. وكان سؤالهم لحكمة إلهية؛ وهو أن هذه البقرة الموصوفة بهذه الصفة كانت لغلام يتيم لما قربت وفاة والده أخذ هذه البقرة، وذهب بها إلى غيضة فاستودعها الله تعالى لابنه حتى يكبر، وكان ذلك الغلام شابًا بارًا بوالدته، فقالت له يومًا: إن أباك استودع لك في غيضة كذا البقرة فنادها، فذهب فناداها فأتت إليه، فسار بها إلى أمه، فقالت له: بعها بثلاثة دنانير بشورتي، فبعص الله -جل شأنه- ملكًا فقال: بكم تبيع البقرة؟ فقال: بثلاثة دنانير وأستأمر والدتي، فقال الملك: بستة دنانير ولا تستأمرها، فقال له: لو أعطيتني وزنها ذهبًا لم آخذ إلا برضا والدتي، فردها إلى والدته، وأخبرها، فقالت: بعها بستة دنانير مع الاستئمار، فراوده الملك بزيادة ضعف الثمن، فلم يفعل إلا باستئمار والدته، فقالت له أمه: إن الذي يأتيك هذا ملك، فاسأله: أبيعها أم أبقيها، فسأله فقال له: أبقها؛ فإن بني إسرائيل يحتاجون إليها فستبيعها بملء مسكها ذهبًا. فلما رآها بنو إسرائيل دفعوا إليه فيها ثمنًا، فأبى أن يبيعها إلا بملء جلدها ذهبًا، ووسع الله -جل شأنه- الجلد حتى حمل أضعاف ما هو حامل، ثم ذبحوها وضربوا ببعضها قبر الميت، واسمه عاميل، فأحياه الله -جل شأنه-، وقال: قاتلي فلان، ثم رجع ميتًا فعرفوا القاتل واقتصوا منه.

стр. 3102

ووقع لموسى ﵇ أيضًا بمصر أنه قام خطيبًا في بني إسرائيل، فوعظهم وذكر علومًا عظيمة ومعارف جليلة، فقالوا له: يا نبي الله من أعلم الناس؟ فقال: «أنا»، ولم يرد العلم إلى الله -جل شأنه-، فأوحى الله إليه، أنك ما أعدت العلم إلي، وإن لي عبدًا من عبادي هو أعلم منك يقال له: الخضر. فلما قال الله -جل شأنه- له ما قال طلب من الحق أن يجتمع به، فقال له الحق -جل وعلا-: اطلبه عند مجمع البحرين، فعلامة اجتماعك بأن تأخذ حوتًا فتنساه.

стр. 3103

فتوجه موسى ﵇ واستتبع معه تلميذه يوشع بن نون، وقال له: أنا طالب الاجتماع بهذا الشخص، ولو مضى علي حقبًا من السنين، فلما وصلا إلى مجمع البحرين نام موسى ﵇ عند صخرة، وكان معهما حوت في مكتل، ثم قام من نومه فتوجه وتوجه معه يوشع، ونسيا الحوت في محله فسارا، وكان موسى قد تعب وجاع فطلب الحوت، فأخبر يوشع بنسيانه وخشي من ذلك، فقال موسى ﵇: هذا مطلوبنا، ورجعنا فوجدا رجلًا عند مجمع البحرين، فسلم موسى ﵇ وقال له: إني أريد أتبعك وأتعلم منك،

стр. 3104

فقال له: إنك لا تقدر على متابعتي وصحبتي. فقال له موسى ﵇: ستراني إن شاء الله قادرًا على صحبتك، فمرت بهم سفينة عظيمة فطلبوا أهلها أن يحملوهم، فلما استقروا فيها أخذ الخضر ﵇ قدومًا فكسر لوحًا من ألواح السفينة وأخرجه، فأنكر عليه موسى ﵇ قائلًا له: قوم حملونا وأكرمونا تعيب سفينتهم! فقال لهم: ما قلت لك: إنك ما تقدر على مرافقتي، فاستغفر موسى ﵇ له، وقال: قد نسيت فلا تؤاخذني، ثم خرجا من السفينة ومشيا في مدينة، فرأيا غلامًا حسن الصورة بديع الشكل، واسمه حيسون، فجذب الخضر عنقه فاقتلعها من جسده فرماه ميتًا، فأنكر عليه موسى ﵇ قائلًا: أتقتل غلامًا بلا سبب؟ فقال له: ألم أخبر أن لا تقدر على مرافقتي. فقال له موسى ﵇: لا أعود، وإن عدت فلا تصحبني أبدًا. فخرجا مشيًا وانتقلا من موضع إلى موضع حتى وصلا إلى مدينة أنطاكية وهما جياع، فطلب أن يضيفوهما فلم يضيفوهما، فخرجا منها فوجد الخضر ﵇ جدارًا مائلًا يكاد أن يقع، فمسح بيده عليه فاستقام كأحسن ما يكون، فقال له موسى ﵇: لو أخذت أجره منهم فأكلنا بها فكان خيرًا، فقال له الخضر: هذا فراق بيني وبينك، ولكن اجلس فسأخبرك عما صنعت معك. أما السفينة فهي لمساكين يعملون في البحر، وأن ملكًا جبارًا يغصب السفائن التي تعجبه، فخرقي لها حتى أعيبها فلا تعجبه ولا يأخذها. وأما الغلام فكان أبواه مؤمنين صالحين، وكان هو في علم الله شقيًا كافرًا، فعلم الله -جل شأنه- أنه يتعب أبويه ويؤذيهما، فأرحتهما منه بأمر الله تعالى، ويعوضهما الله -جل شأنه- خيرًا منه. قيل: إنه عوضهما الله -جل شأنه- بنتًا تزوجت بنبي من الأنبياء، فأتت بني عظيم هدى الله -جل شأنه- به أممًا عظيمة. وأما الحكمة في عمارة الجدار؛ فإنه كان ليتيمين: واسمهما أصرم وصريم، وكان تحته كنز لهما من ذهب، وكان أبو الغلامين رجلًا صالحًا،

стр. 3105

واسمه كاشخ، قيل: كان بينهما وبين الأب الذي حفظا به سبعة آباء، فعمرت الجدار كيلا ينكشف الكنز، وإذا بقي على حاله، كبر الغلامان فيأخذاه، ثم قال له الخضر ﵇: كل هذه الأشياء ما فعلتها إلا بأمر الله تعالى. وقد كان الخضر ﵇ أعد لموسى ﵇ مائة مسألة من هذه المسائل، ولكن استحيى موسى فقال: ﴿إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني﴾ [الكهف: ٧٦] يقول رسول الله ﷺ : «يرحم الله أخي موسى استحيى، فقال ذلك: لو لبث مع صاحبه لبصر عجب الأعاجب». ووقع لموسى ﵇ في هذه المدة قضية قارون، وكان موسى ﵇ أمر بني إسرائيل بأمر فقبلوا ولم يقبل قارون. وقال: إنما أردت أن تتميز على بني

стр. 3106

إسرائيل بهذه الشارة، فتركه موسى ﵇ ولم يتعرض له لقرابته. ولما قطع موسى ﵇ ببني إسرائيل البحر، فعاد إلى أرض مصر، أمره الله -جل شأنه- أن يتخذ لله بيتًا وهو المسجد، وأن يفرش بالفرش العظيمة وتوقد فيه السراج، وأن يكون أمر خدمته وأمر القرابين التي تهدى إليه راجعًا إلى أخيه هارون وبنيه، وتسمى هذه الخدمة الحبورة، فازداد بغي قارون عند ذلك، وخاطب موسى ﵇ قائلًا له: لك الرسالة والنبوة ولأخيك الحبورة

стр. 3107

وليس لي شيء؟ ! لا صبر لي. فقال له موسى ﵇: ليس ذلك مني إنما هو بأمر الله تعالى واختياره. فطلب من موسى علامة على ذلك، فطلب موسى ﵇ عصا هارون وعصا قارون عصيا كثيرًا من كبراء بني إسرائيل فحزمها وباتت جميعها عنده، فأصبح قضيب هارون معتزًا مورقًا خضرًا فرآه الحاضرون فنسب قارون ذلك إلى السحر، وازداد حقده وحسده وبغيه، وأقبل على جمع الدنيا والغرور بها والامتثال إليها، فنصحه موسى ﵇ والعاملون من قومه، وأخبروه أن هذه نعمة من الله . ثم لما فرض الله -جل شأنه- الزكاة على بني إسرائيل وطلبه موسى بذلك ازداد بغي قارون ولم تطاوعه نفسه على إعطائه

стр. 3108

حقوق الله فجمع أصحابه وإخوانه واستشارهم قائلًا: إن موسى لم يكفه ما كلفكم به من الأوامر فأراد الآن أن يشارككم في أموالكم، قالوا له: الرأي ما ترى. فأحضر قارون امرأة بغيًا وأوعدها أن يوسع لها في العيش، وأن يعطيها جانبًا عظيمًا من حطام الدنيا وأن تقذف موسى بنفسها، فامتثلت ما أشار به عليها قارون، فلما خرج موسى ﵇ في مشهد من مشاهد بني إسرائيل، وقد اجتمع الناس في ذلك الموضع، فخطبهم موسى ﵇، وأمرهم ونهاهم وأخبرهم بحدود، فقال: من سرق قطعت يده، ومن زنى وهو محصن رجم، وإن لم يكن محصنًا جلد مائة جلدة، ومن قذف مسلمًا جلد ثمانين جلدة. فقام إليه قارون قائلًا: وإن كان أنت يا نبي الله؟ فقال: نعم. فقال: إن قومًا يزعمون أنك فجرت بفلانة البغي. فقال: ادعوها، فإن قالت ذلك فهو كما تقول، فلما أقبلت عزم موسى ﵇ عليها القسم، وقال لها: أسألك بالذي لا إله إلا هو الذي فلق البحر لبني إسرائيل فأنجاهم من فرعون وجنوده إلا ما صدقتني، فأوقع الله -جل شأنه- في قلبها التوبة والإنابة وسبقت لها العناية، فقالت: لا والله يا نبي الله لم يكن شيء من ذلك، وإنما قارون هو الذي أشار علي بالافتراء والبهتان، فغضب موسى ﵇ من ذلك، ودعا عليه أن تأخذه الأرض، فأخذته الأرض، فاستغاث بموسى ﵇ فلم يغثه لشدة الغضب، ودعا أن تأخذه فلم يزل يناشده الله والرحم، وموسى لا يصغي إلى قوله إلى أن ذهبت به الأرض. وأصبح الملأ من بني إسرائيل يتحدثون أن موسى إنما دعا على قارون ليرث ماله ويأخذ ما عنده، فدعا موسى ﵇ أن يخسف الله بما عنده وبما تحتوي به دوره من الأموال. وذلك قول الله -جل شأنه- في كتابه المبين: ﴿فخسفنا به وبداره الأرض فما كان له من فئةٍ ينصرونه من دون الله وما كان من المنتصرين (٨١)﴾ [القصص: ٨١].

стр. 3109

قصة الخضر ﵇ واسمه بليا بن ملكان وهو نبي من أنبياء الله تعالى وهو الصحيح، وقيل أنه ولي، وكان في زمن ذي القرنين الأول، وبقي إلى زمن موسى ﵇، والصحيح أنه حي يرزق إلى أن يذهب الله بالدنيا؛ لأن الله -جل شأنه- أعطاه ذلك،

стр. 3110

وهو من جنود الله تعالى الذي ينفع له عباده وبلاده ويخرج عنهم الشدائد. وقد ثبت عن رسول الله ﷺ فيه أحاديث كثيرة أنه موجود معمر. وقد أخبر عنه جماعة يستحيل تواطؤهم على الكذب أنهم رأوه واجتمعوا به. وقد مرت قصته في قصة نبي الله موسى بالتفصيل. قصة نبي الله هارون ﵇ هو هارون بن عمران أخو موسى وشقيقه، أكبر منه بعام، نبأه الله -جل

стр. 3111

شأنه- واصطفاه وأرسله إلى فرعون والقبط وبني إسرائيل معينًا لموسى. وكان مع موسى مدة حياته إلى أن توفاه الله -جل شأنه-، وقصة وفاته أن الله -جل شأنه- أوحى إلى موسى ﵇: إني متوفي هارون، فذهب هو وإياه إلى جبل عال فوجد هارون موضعًا حسنًا، فنام فيه، فتوفاه الله تعالى، وتولت الملائكة غسله، ورفعته في سرير إلى حيث شاء الله. فلما رجع موسى ﵇ إلى بني إسرائيل سألوه عن هارون، فأخبرهم بوفاته، فنسبوه إلى قتله، فقالوا: حسدته إذ كان محببًا فينا، فدعا الله موسى فجاءت الملائكة بالسرير حتى وضعته بين أيديهم فعرفوا صحة قوله.

стр. 3112

قصة نبي الله يوشع بن نون ﵊ - وهو تلميذ موسى ﵇ نبأه الله -جل شأنه- وأرسله إلى بني إسرائيل، وأمره بقتال الجبابرة والطغاة من العمالقة والكنعانيين، فقتلهم وفتح سائر الشام واستباح من ملوكهم أحدًا وثلاثين ملكًا، وخرب إحدى وثلاثين مدينة. وقسم الأرض الذي أخذها بين الأسباط وصارت الشام كلها لبني إسرائيل، ودبر أمر بني إسرائيل سبعًا وعشرين سنة بعد موسى ﵇. وكان موسى قد وضع يده عليه فامتلأ بالنبوة والحكمة، وتوفي يوشع وهو ابن مائة وسبع وعشرين سنة -عليه سلام ورضوان-. قصة نبي الله حزقيل ﵊ - وهو ذو الكفل، وقد ذكر في القرآن صريحًا، وبالإشارة، وهو المعنى في

стр. 3113

قوله تعالى: ﴿ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم إن الله لذو فضلٍ على الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون (٢٤٣)﴾ [البقرة]. ومساق القصة أنه وقع طاعون بأرضهم فخرج طائفة منهم وبقيت الأخرى، فسلم الذين خرجوا ووقع الطاعون في كثير ممن بقي، فأضمروا في نفوسهم إذا جاء طاعون آخر أن يخرجوا جميعهم، فوقع الطاعون ثانيا فخرجوا جميعهم، فلما كانوا بوادي أفيح ناداهم ملك من أعلى الوادي وملك من أسفله: موتوا فماتوا، فخرج حزقيل ﵇ في حليهم بعد ثمانية أيام، فوجدهم موتى فبكى، وقال: يا رب كنت في قوم يسبحونك ويهللونك فبقيت وحدي، فأوحى الله -جل شأنه- إليه إني قد جعلت حياتهم

стр. 3114

على يدك، فقال احيوا بإذن الله تعالى فعاشوا. قصة نبي الله شمويل ﵇ وهو مذكور في كتاب الله تعالى بالإشارة، ومساق القصة؛ إنه لما بلغ شمويل ﵇ من العمرة تسعًا وسبعين سنة قال له بنو إسرائيل: انصب لنا

стр. 3115

ملكًا، فرفع الأمر إلى الله -جل شأنه- بقولهم، فأوحى الله إليه: ما لهم وللملك؟ إن الملك يستبعد أولادهم ويستحيي بناتهم ويأكل زروعهم، فأخبر شمويل ﵇ بقول الله ، فأبوا وألحوا في طلب الملك، وذلك قول الله -جل شأنه-: ﴿ألم تر إلى الملأ من بني إسرائيل من بعد موسى إذ قالوا لنبيٍ لهم ابعث لنا ملكًا نقاتل في سبيل الله﴾ [البقرة: ٢٤٦] إلى آخر الآية. وكان طالوت قد ضل لوالده حمارٌ فذهب يتطلبه، وكان معه غلام آخر فمروا بدار نبي الله شمويل ﵇ فقال طالوت: دعنا ندخل فنسأل نبي الله شمويل عن حمارنا، فلما دخل عليه قربه شمويل ﵇ ومسح على رأسه، وأفاض عليه قرن دهن، وقال له: أنت ملك بني إسرائيل، فقال له: كيف لي بذلك وأنا من سبط بنيامين أضعف الأسباط وبيتي أدنى بيوت بني إسرائيل، فقال له: إن الله قد اصطفاك وأعطاك وأنت ملكهم، فملكه الله -جل شأنه- عليهم، فلما أخبرهم شمويل قالوا له كما قال الله : ﴿وقال لهم نبيهم إن الله قد بعث لكم طالوت ملكًا قالوا أنى يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه ... ﴾ [البقرة: ٢٤٧] إلى آخر الآية.

стр. 3116

ثم أخبرهم شمويل ﵇ أن علامة اختيار الله لطالوت أن يكون ملكًا عليهم أن يجيئهم التابوت ويعود عليهم، كما قال تعالى: ﴿وقال لهم نبيهم إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت﴾ [البقرة: ٢٤٨]، وكانت إعادته بعد مدة طويلة على بني إسرائيل في الوقت الذي قال لهم شمويل ﵇: إن الله اصطفى لكم طالوت ملكًا وأخبرهم أن اختيار الله له مجيء التابوت. قصة نبي الله داود ﵊ - نبي الله ورسوله -صلوات الله وسلامه عليه- نبأه الله واصطفاه، وملك

стр. 3117

بني إسرائيل سبعين سنة، واجتمعت كلمة بني إسرائيل عليه، وأعطاه الله الملك والحكمة والنبوة، ورفع شأنه، وأعز بني إسرائيل له، وأنزل الله -جل شأنه- عليه الزبور وقد اشتمل على مواعظ وحكم ومعارف. وكان داود ﵇ إذا قرأ الزبور عكفت عليه الطير والوحش والأودام، ويركد الماء، ويسكن الريح، ويحمل من مجلسه جماعة كثيرون أمواتًا من رقة قوله وحسن صوته، وكانت الجبال والطير تسبح الله معه إذا سبح. وكان الله قد أعطاه ملكًا عظيمًا وسلطانًا فخيمًا، وكان الذين يحرسون محرابه من الجن ستة وثلاثين ألفًا.

стр. 3118

ومن عجائب قصصه ﵇ أن رجلًا من بني إسرائيل ادعى على رجل عظيم كبير أنه غصب بقرته، فطلب الرجل المدعي بينة، فلم يأت بها ولم يعترف الغاصب، فقال لهما داود ﵇: قوما حتى أنظر في أمركما فذهبا، فأوحي الله -جل شأنه- إليه في المنام أن يقتل الرجل الذي ادعى على صاحبه أنه غاصب البقرة، فقال داود ﵇: هذه رؤية ولا أعمل. فلم يزي يؤمر بقتله ثلاثًا، فعلم أنه حق. فدعا الرجل: وقال له: إني قاتلك وقد أمرت بذلك. فقال: كيف تقتلني بلا بينة ولا دليل، فقال له: لا بد أن أنفذ فيك أمر الله تعالى، فعلم أنه لا بد من ذلك، قال: لا تعجل علي حتى أخبرك، والله ما أخذت بهذا الذنب، ولكنني قتلت أبا هذا الرجل خفية وغيلة، فأخذت بذلك، فأمر به داود فقتل. فاشتدت هيبة داود ﵇ وقوي ملكه. وقد أشار الله إلى ذلك بقوله -عز من قائل-: ﴿وأتيناه الحكمة وفصل الخطاب﴾ [ص: ٢٠]. وهي الإصابة في الرأي، ومعرفة حقائق الأشياء على ما هي عليه، وفصل الخطاب يعني البينة على المدعي واليمين على المنكر؛ لأنه يفصل الحكم، وهو فصل عظيم. ومن القصص العجيبة الواقعة له قصة امرأة أرويا وهي مشهورة معروفة مذكورة في الكتاب العزيز، وذلك أن داود ﵇ كان صاحب مقام عظيم في الوجه، ومحل جليل في الشوق (غابت الإحساس بسكر الحال في كثير من الأهوال)، وكان لسان حاله يقول: وليس لي في سواك قصد، فكيف مما شئت فأخبرني! فأراد الحق أن يبتليه لما سبق في علمه أ، يبتلي أحبابه وأصفياءه وليكونوا قدوة للعارفين وتسلية للمحسنين وعزاء للمتأخرين، فرأى

стр. 3119

في بعض الأحيان امرأة ذات حسن فائق وجمال رائق فأعجب بها كثيرًا، فسأل عنها، فقيل له: هي سابغ بنت شائغ امرأة أرويا بن حنان، وهو في غزاة البلقاء مع أيوب بن صوريا ابن أخت داود، فتمنى داود ﵇ أن تكون له، ومال خاطره لو كان زوجها مات عنها، أو قتل لأجل أن تحل له، فكان من قضاء الله وقدره أن قتل أرويا في تلك الغزاة. فلما مضت عدتها تزوج بها داود ﵇ فلم يلبث وهو في محرابه والحرس من الحجاب على أبوابه إلا ورجلين عنده، يدعي أحدهما أن لصاحبه وأخيه هذا تسعة وتسعين نعجة، ولي نعجة واحدة، فسأله أخوه، وطلب منه بوجه الغصب والقهر أن يأخذ نعجته ويضمها إلى نعاجه، فأنكر داود ﵇ ذلك عليه، ونهاه عن التعرض لأخيه، وإن هذا لا ينبغي ولا يليق. فخرجا من عنده، فاستشعر داود أنهما ليسا رجلين، وإنما هما ملكان بعثهما الله لتنبيهه وتعريفه بأن ما صار منه هو عين ما نهى عنه، فندم واستغفر واعترف لله ، وكان يبكي من ذلك كثيرًا، ويتضرع إلى الله تعالى يسبح في الفيافي والقفار، ويبكي على نفسه وخطيئته، وذلك قول الله : ﴿وهل أتاك نبأ الخصم إذ تسوروا المحراب (٢١) إذ دخلوا على داود ففزع منهم قالوا لا تخف خصمان بغى بعضنا على بعض فاحكم بيننا بالحق ولا تشطط واهدنا إلى سواء الصراط (٢٢) إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة ولي نعجة واحدة فقال أكفلنيها وعزني في الخطاب (٢٣) قال لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه وإن كثيرًا من الخلطاء لبغى بعضهم على بعض إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وقليلٌ ما هم وظن داود أنما فتناه فاستغفر ربه

стр. 3120

وخر راكعًا وأناب فغفرنا له ذلك وإن له عندنا لزلفى وحسن مئاب (٢٥)﴾ [ص]. وروي أن داود ﵇ لما تال إلى الله -جل شأنه- بكى على خطيئته ثلاثين سنة لا يرقأ دمعه ليلًا ونهارًا، وكان قد أصاب الخطيئة ابن سبعين سنة، فقسم الدهر بعد الخطيئة على أربعة أيام: يوم للقضاء بين بني إسرائيل، ويوم يسبح في الفيافي والجبال والسواحل، ويوم يخلو في دار له فيها أربعة آلاف محراب، فيجتمع إليه الرهبان فينوح معهم على نفسه فيساعدنه على ذلك، فلو
следующие страницы →