Полный текст (4 238 стр.). Показаны 3116–3155 · переход к 3121.
стр. 3116
ثم أخبرهم شمويل ﵇ أن علامة اختيار الله لطالوت أن يكون ملكًا عليهم أن يجيئهم التابوت ويعود عليهم، كما قال تعالى: ﴿وقال لهم نبيهم إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت﴾ [البقرة: ٢٤٨]، وكانت إعادته بعد مدة طويلة على بني إسرائيل في الوقت الذي قال لهم شمويل ﵇: إن الله اصطفى لكم طالوت ملكًا وأخبرهم أن اختيار الله له مجيء التابوت.
قصة نبي الله داود ﵊ -
نبي الله ورسوله -صلوات الله وسلامه عليه- نبأه الله واصطفاه، وملك
стр. 3117
بني إسرائيل سبعين سنة، واجتمعت كلمة بني إسرائيل عليه، وأعطاه الله الملك والحكمة والنبوة، ورفع شأنه، وأعز بني إسرائيل له، وأنزل الله -جل شأنه- عليه الزبور وقد اشتمل على مواعظ وحكم ومعارف.
وكان داود ﵇ إذا قرأ الزبور عكفت عليه الطير والوحش والأودام، ويركد الماء، ويسكن الريح، ويحمل من مجلسه جماعة كثيرون أمواتًا من رقة قوله وحسن صوته، وكانت الجبال والطير تسبح الله معه إذا سبح. وكان الله قد أعطاه ملكًا عظيمًا وسلطانًا فخيمًا، وكان الذين يحرسون محرابه من الجن ستة وثلاثين ألفًا.
стр. 3118
ومن عجائب قصصه ﵇ أن رجلًا من بني إسرائيل ادعى على رجل عظيم كبير أنه غصب بقرته، فطلب الرجل المدعي بينة، فلم يأت بها ولم يعترف الغاصب، فقال لهما داود ﵇: قوما حتى أنظر في أمركما فذهبا، فأوحي الله -جل شأنه- إليه في المنام أن يقتل الرجل الذي ادعى على صاحبه أنه غاصب البقرة، فقال داود ﵇: هذه رؤية ولا أعمل. فلم يزي يؤمر بقتله ثلاثًا، فعلم أنه حق. فدعا الرجل: وقال له: إني قاتلك وقد أمرت بذلك. فقال: كيف تقتلني بلا بينة ولا دليل، فقال له: لا بد أن أنفذ فيك أمر الله تعالى، فعلم أنه لا بد من ذلك، قال: لا تعجل علي حتى أخبرك، والله ما أخذت بهذا الذنب، ولكنني قتلت أبا هذا الرجل خفية وغيلة، فأخذت بذلك، فأمر به داود فقتل.
فاشتدت هيبة داود ﵇ وقوي ملكه. وقد أشار الله إلى ذلك بقوله -عز من قائل-: ﴿وأتيناه الحكمة وفصل الخطاب﴾ [ص: ٢٠]. وهي الإصابة في الرأي، ومعرفة حقائق الأشياء على ما هي عليه، وفصل الخطاب يعني البينة على المدعي واليمين على المنكر؛ لأنه يفصل الحكم، وهو فصل عظيم.
ومن القصص العجيبة الواقعة له قصة امرأة أرويا وهي مشهورة معروفة مذكورة في الكتاب العزيز، وذلك أن داود ﵇ كان صاحب مقام عظيم في الوجه، ومحل جليل في الشوق (غابت الإحساس بسكر الحال في كثير من الأهوال)، وكان لسان حاله يقول: وليس لي في سواك قصد، فكيف مما شئت فأخبرني! فأراد الحق أن يبتليه لما سبق في علمه أ، يبتلي أحبابه وأصفياءه وليكونوا قدوة للعارفين وتسلية للمحسنين وعزاء للمتأخرين، فرأى
стр. 3119
في بعض الأحيان امرأة ذات حسن فائق وجمال رائق فأعجب بها كثيرًا، فسأل عنها، فقيل له: هي سابغ بنت شائغ امرأة أرويا بن حنان، وهو في غزاة البلقاء مع أيوب بن صوريا ابن أخت داود، فتمنى داود ﵇ أن تكون له، ومال خاطره لو كان زوجها مات عنها، أو قتل لأجل أن تحل له، فكان من قضاء الله وقدره أن قتل أرويا في تلك الغزاة. فلما مضت عدتها تزوج بها داود ﵇ فلم يلبث وهو في محرابه والحرس من الحجاب على أبوابه إلا ورجلين عنده، يدعي أحدهما أن لصاحبه وأخيه هذا تسعة وتسعين نعجة، ولي نعجة واحدة، فسأله أخوه، وطلب منه بوجه الغصب والقهر أن يأخذ نعجته ويضمها إلى نعاجه، فأنكر داود ﵇ ذلك عليه، ونهاه عن التعرض لأخيه، وإن هذا لا ينبغي ولا يليق. فخرجا من عنده، فاستشعر داود أنهما ليسا رجلين، وإنما هما ملكان بعثهما الله لتنبيهه وتعريفه بأن ما صار منه هو عين ما نهى عنه، فندم واستغفر واعترف لله ، وكان يبكي من ذلك كثيرًا، ويتضرع إلى الله تعالى يسبح في الفيافي والقفار، ويبكي على نفسه وخطيئته، وذلك قول الله : ﴿وهل أتاك نبأ الخصم إذ تسوروا المحراب (٢١) إذ دخلوا على داود ففزع منهم قالوا لا تخف خصمان بغى بعضنا على بعض فاحكم بيننا بالحق ولا تشطط واهدنا إلى سواء الصراط (٢٢) إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة ولي نعجة واحدة فقال أكفلنيها وعزني في الخطاب (٢٣) قال لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه وإن كثيرًا من الخلطاء لبغى بعضهم على بعض إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وقليلٌ ما هم وظن داود أنما فتناه فاستغفر ربه
стр. 3120
وخر راكعًا وأناب فغفرنا له ذلك وإن له عندنا لزلفى وحسن مئاب (٢٥)﴾ [ص].
وروي أن داود ﵇ لما تال إلى الله -جل شأنه- بكى على خطيئته ثلاثين سنة لا يرقأ دمعه ليلًا ونهارًا، وكان قد أصاب الخطيئة ابن سبعين سنة، فقسم الدهر بعد الخطيئة على أربعة أيام: يوم للقضاء بين بني إسرائيل، ويوم يسبح في الفيافي والجبال والسواحل، ويوم يخلو في دار له فيها أربعة آلاف محراب، فيجتمع إليه الرهبان فينوح معهم على نفسه فيساعدنه على ذلك، فلو
стр. 3121
عدل بكاء داود ببكاء أهل الدنيا لعدله.
قصة لقمان الحكيم
وكان عبدًا حبشيا فسح الله عليه وعلمه وفهمه وأنطق بالمعرفة والحكمة، وكان يعين داود ﵇ وينصت له ويعازره بحكمته ومعرفته.
وناهيك بثناء الله -جل شأنه- عليه في قوله تعالى: ﴿ولقد آتينا لقمان الحكمة أن اشكر لله ومن يشكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإن الله غني حميد (١٢)﴾ [لقمان: ١٢ - ١٩] إلى آخر الآيات.
قصة نبي الله سليمان ﵊ -
وهو ابن داود بن إيشا، أعطاه الله الملك والحكمة والنبوة وهو صغير،
стр. 3122
وسأل الله قائلًا: إن قومي تعجز عن التدبير ولا علم لي بالقضاء، فارزقني عقلًا رزينًا، وقلبًا فهمًا، فأعطاه الله -جل شأنه- ذلك، وسأل الله تعالى شأنه أن يعطيه ملكًا لا يكون لأحد بعده، فأعطي ذلك.
وله في الحكومات العجيبة غرائب: من ذلك قصة الحرث، وقد أشار الله إلى ذلك في قوله -عز من قائل-: ﴿وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين (٧٨) ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكمًا وعلمًا﴾ [الأنبياء: ٧٨، ٧٩].
والقضية أن رجلين تحاكما إلى داود ﵇ أحدهما صاحب غنم، والآخر صاحب حرث، فدخلت الغنم ليلًا فرعته وأفسدته، فقضى داود ﵇ لصاحب الحرث بالغنم في مقابلة زرعه، فمرا بسليمان ﵇ فسألهما عن حكم أبيه، فأخبراه فقال: غير هذا كان أرفق بالرجلين. فأخبر داود ﵇ بقوله فقال له: بحق التوراة ما هو الرفق بالرجلين. فقال له: ارفع إلى صاحب الحرث الغنم ينتفع بدرها ونسلها وصوفها، ويبذر صاحب الغنم الأرض، فإذا صار الزرع كهيئته يوم أكل، دفع صاحب الحرث الغنم إلى صاحبها وأخذ زرعه، فقال داود ﵇: القضاء ما قضيت له واستحسنه وحكم به.
ومن قصصه المشهورة المذكورة في الكتاب العزيز قصة الهدهد، وإسلام
стр. 3123
بلقيس، وقصة النملة.
وهو أنه مر في بعض مسيره بواد السدير وهو واد قريب من الطائف، فأتى على واد النمل فسمع نملة وهو على بعد منها، تقول لأصحابها وجماعتها: ﴿ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون (١٨) فتبسم ضاحكًا من قولها﴾ [النمل: ١٨، ١٩].
وسأل الله تعالى أن يوقظه وينبهه ويشعره لمعرفة آلائه ونعمائه؛ وإنما سأل الله في هذا الموطن لوجهين عظيمين: أحدهما: تفهيم الله -جل شأنه- إياه لغات الطير والحيوان الذي لا يفهمه أحد من البشر إلا من علمه.
стр. 3124
ثانيهما: في معرفة الحيوان والحشرات والبهائم التي لا تعقل بعظمة ما أعطاه الله لسليمان، وما خصه به من الملك والرفعة، وذلك قوله تعالى: ﴿وحشر لسليمان جنوده من الجن والإنس والطير فهم يوزعون (١٧) حتى إذا أتوا على واد النمل قالت نملة يأيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون (١٨) فتبسم ضاحكًا من قولها وقال رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي وأن أعمل صالحًا ترضاه وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين (١٩)﴾ [النمل].
وأما قصة الهدهد، فذلك في سيره بعدما توجه من زيارة البيت الشريف
стр. 3125
قاصدًا صنعاء اليمن، تفقد الهدهد، وكان الهدهد لما رأى نزول العسكر وارتفع في الهواء لينظر ماء للجنود، فرأى أرضًا عظيمة تهبط، وسأل هدهد آخر عنها وعن أهلها، فأخبره أن ملكة هذه الأرض امرأة تسمى بلقيس، وكانت ملكة عظيمة قد ملكت أرض اليمن جميعًا وهي بلقيس ابنة شراحيل من نسل يعرب بن قحطان، فرأى الهدهد ما هم عليه من عبادة غير الله ، وكانوا يعبدون الشمس، فتفحص عن حالهم وأخبارهم، ففقده سليمان ﵇ فغضب لذلك فقال كما أخبر الله -جل شأنه- عنه في كتابه المبين: ﴿لأعذبنه عذابًا شديدًا أو لأذبحنه أو ليأتيني بسلطانٍ مبينٍ (٢١)﴾ [النمل]، فأقبل إليه الهدهد وأخبره بأن غيبته كانت لفائدة عظيمة؛ وهو أنه أتى أرض سبأ وأخبره بصفة ما هم عليه من القوة والشوكة والعظمة.
стр. 3126
وسبأ هذه اسم رجل كان ملكًا من ملوكهم، واسمه عبد شمس بن يشجب بن يعرب بن شادخ بن غابر بن قحطان، وكان كثير الغزو والسبي؛ فلهذا سمي سبأ، وولد له أولاد كثيرًا سموا باسمه، وبنى مدينة أيضًا سميت باسمه. فسبأ اسم الملك أصالة وللأولاد والقبيلة تبعًا.
ثم قال الهدهد لسليمان ﵇: إن مرجع قبائل سبأ وأرضهم ومدار أحوالهم وإن التي تملكهم امرأة ومن معها يعبدون الشمس، فعفى سليمان ﵇ لذلك وكتب به كتابًا إلى بلقيس، وفيه: بسم الله الرحمن الرحيم. من سليمان بن داود إلى بلقيس وقومها ألا تعلوا علي وأتوني مسلمين.
فذهب الهدهد بالكتاب حتى ألقاه على صدر بلقيس، فقرأت الكتاب ورأت الخاتم، فألقى الله الرعب والتعظيم في قلبها لسليمان، فخرجت وجلست على سرير ملكها فاستشارت قومها في الحال وما يكون الأمر، فأشاروا عليها
стр. 3127
قائلين: إن لنا قوةً ومنعةً وشوكةً، وإن أراد سليمان الحرب فنحن أولو قوة وأولو بأس شديد، والأمر إليك فانظري ماذا تأمرين، فردت إليهم بأن الرأي الملاطفة والمحاسنة ودفع الضرر، فإن الملوك إذا دخلوا محلًا أفسدوه وأفسدوا برعاياه والضعفة من أهله، ولكن الرأي أن أرسل إليه هدية، وأنطر ماذا يأتي به المرسلون، وأتحقق بذلك حقيقة ما هو عليه وما هو فيه من القوة والمنعة، وهل هو ملك أو نبي مرسل؟ وألبست في جملة الهدية جواري ألبستهم لباس الرجال، وغلمانًا ألبستهم لباس النساء لتختبر هل يميز بينهم بمجرد النظر أو لا.
ثم قالت للأمير المرسول إليه: انظر إلى الرجل إذا دخلت عليه، فإن نظر إليك نظر المغضب فاعلم أنه ملك، فلا يهولنك منظره فأنا أعز منه، وإن رأيت الرجل باشًا لطيفًا فاعلم أنه نبي مرسل فتفهم قوله وراء الأبواب.
فلما أقبلت الرسل أوحي إلى سليمان ﵇ بحقيقة ما جاؤوا به، فأمر الجن أن يجعلوا مجلسًا عظيمًا وزينوه بأعظم الزينة، وصف فيه الجنود والأتباع وحشر فيه العوالم، فلما رأى المرسلون ما احتوى عليه مجلس سليمان هابوه وارتاعوا لذلك كثيرًا وعظموا شأن ملكه، فلما دخلوا عليه رأوا من البشاشة واللطف ولين الجانب ما لا يعهد عند غيره من الملوك، ثم لما قدموا له
стр. 3128
الهدية والوصائف والوصيفان، ميز بين الوصيفان بنور النبوة وفراسة الولاية، وأعاد الرسل ورد الهدية، وقال: لا حاجة لي بالدنيا فإن الله أعطاني ما لم يعطه لأحد غيري، وإنما حاجتي أن يدخلوا في طاعة الله وعبادته، ويتركوا عبادة ما سواه ويطيعوا أمري، فإن لم يفعلوا ذلك أتيناهم بجنود لا يقدرون على ملاقاتهم، وعساكر لا يستطيعون مدافعتهم.
فلما رجع الرسل إليها وأخبروها بما رأوا من جلالته وعظمته، وتمييزه بين الوصائف والوصيفان، وقوله لهم، أرسلت إليه قائلة: إني قادمةٌ عليك، فتوجهت في قومها وأكابر رهطها، فلما أقبلت قريبًا من سليمان، قال لجلسائه من الجن والإنس: أيكم يقدر أن يأتيني بسريرها وتخت ملكها التي تجلس عليه ليكون ذلك سببًا إلى إيمانها وطريقًا إلى تقوية إيقانها؛ لأنها جعلته في موضع بعيد وأقفلت عليه سبعة أبواب، فقال واحد من الجان: ﴿أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك﴾ [النمل: ٣٩]، فسكت سليمان ثم قال وزيره وصاحبه وهو آصف بن برخيا، وكان من أولياء الله وخاصته وأهل التصريف التام والقول
стр. 3129
النافذ في الوجوه، وكان صاحب اسم الله الأعظم الذي إذا دعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى فقال: ﴿أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك﴾ [النمل: ٤٠]. فلم يمض هذا القول إلا والسرير بين يدي سليمان ﵇، فما رآه سليمان أثنى على الله تعالى خيرًا وشكر تفضلًا لله ونعمائه كما قال تعالى حاكيا عن شأنه: ﴿هذا من فضل ربي ليبلوني ءأشكر أم أكفر ومن شكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإن ربي غني كريم﴾ [النمل: ٤٠].
ولما دخلت بلقيس على سليمان ورأت ما خصه الله تعالى به ازدادت معرفتها به وإذعانها، وأمر سليمان ﵇ أن يغير في السرير ويبدل لتجهيله فلما رأت السرير، قيل لها: «أهكذا عرشك؟ » قالت: «كأنه هو»، ولم تقل: هو؛ لكونها ترددت في ذلك، وأخبر سليمان ﵇ بجمال بلقيس وبهائها، فأعجب بها، وأخبر أنها كثيرة شعر الساقين، فأراد أن يختبر ذلك
стр. 3130
بالنظر، فأمر أتباعه أن يجعلوا موضعًا واسعًا كله بالبلور المموج الأبيض الصافي بحيث يظن الرائي أنه ماء، فجلس هو في صدر الموضع، وطلب بلقيس، فلما رأت الصرح ظنته ماء فكشفت عن ساقيها فرأى الشعر كما ذكر له، وكان سببًا في إيمانها وزيادة في يقينها، فأسلمت هي ومن تبعها وتزوج بها سليمان ﵇، وذلك قوله تعالى: ﴿قيل لها ادخلي الصرح فلما رأته حسبته لجةً وكشفت عن ساقيها قال إنه صرحٌ ممرد من قوارير قالت رب إني ظلمت نفسي وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين (٤٤)﴾ [النمل: ٤٤].
стр. 3131
قصة نبي الله إلياس ﵇
وهو إلياس بن ياسين من ولد هارون بن عمران ﵇، أرسل إلى لاجب ملك العشرة الأسباط وامرأته أربيل، وكان لاجب وأتباعه يعبدون الأصنام، وكان قد صنع صنمًا، وسماه بعلًا، ودعا قومه وأجبرهم على عبادته، فنهاهم
стр. 3132
إلياس ﵇ عن ذلك، وأكثر عليهم، فهموا بقتله ففر هاربًا إلى الفلاة والقفار، وأقام مدة شريدًا وحيدًا فريدًا في الجبال الشوامخ يعبد الله ، ويقتات من الأشجار، ولما اشتدت به الكرب من عدم إيمان من أرسل إليهم وتفرده عنهم، أوحى الله إليه: ما هذا الحزن والجزع الذي أنت فيه، ألست أميني على وحيي، وحجتي على خلقي، ورحمتي في أرضي، فاسألني أعطك، فإنني ذو الرحمة الواسعة، فقال: تمتني وتلحقني بآبائي؛ فإني قد مللت هؤلاء القوم وملوني، فأوحى الله -جل شأنه- إليه ما هذا اليوم الذي أعري منك الأرض وأهلها، وإنما قوامها بك وأشباهك، ولكن سلني أعطك،
стр. 3133
فقال إلياس ﵇ أن تمتني فأعطني ثأري منهم بأن تمنع القطر عنهم سبع سنين، فلا تنزل قطرة إلا بدعوتي، فقال الله : أنا أرحم بخلقي من ذلك، فلم يزل حتى أعطاه ثلاث سنين، فامتنعت الأمطار واشتد القحط وهلكت البهائم والدواب. وفي هذه المدة كان إلياس ﵇ يأوي إلى بيت أم يونس بن متى، وكان قد مات، فدعا له فحيي بعد الموت ودعا له أيضًا بالبركة، فكان منه ما كان.
وفي هذه المدة أيضًا كان يأوي إلى بيت أم اليسع ابن أخطوب وكان به ضر، فدعا له فعفي واتبعه اليسع وآمن به وصدقه وكان لا يفارقه أبدًا، وكان يذهب معه حيث ما ذهب. ثم أوحى الله -جل شأنه- إلى إلياس ﵇ قد
стр. 3134
هلكت كثير من الخلق بدعائك، ومن الحيوانات ممن لم يعص، فسأل الله أن يكون الفرج لهؤلاء العصاة، فأتاهم إلياس ﵇، وقال لهم: إنكم قد هلكتم من الجوع والجهد؛ وذلك بدعائي، وإن كنتم تريدون الفرج فاخرجوا بأصنامكم واستسقوا لها فإن استجابت علمتم أنكم على حق، وإلا دعوت الله لكم يفرج عليكم وعلمتم أنني على حق، ففعلوا ذلك وخرجوا بأوثانهم فدعوا فلم يستجب لهم.
ودعا إلياس ﵇ هو واليسع فأنزل الله -جل شأنه- الأمطار، فآمن به من شرح الله صدره للإيمان وكفر به (من) لم يهده الله .
ولما كبر إلياس ﵇ استخلف اليسع ﵇ ورفعه الله عن أعين الناس، ونزع عنه لذة المطعم والمشرب، وصار إنسانيا ملكيًا سماويا وهو كالخضر موجود في هذا العالم، كما دلت على ذلك الأخبار النبوية والآثار عن خيار
стр. 3135
الأبرار، وقد قص الله -جل شأنه- في القرآن العظيم بقوله -جل شأنه-: ﴿وإن إلياس لمن المرسلين (١٢٣) إذ قال لقومه ألا تتقون (١٢٤) أتدعون بعلًا وتذرون أحسن الخالقين (١٢٥)﴾ [الصافات] إلى آخر الآية.
قصة نبي الله اليسع ﵇
نبأه الله -جل شأنه- وبعثه إلى بني إسرائيل فآمنوا به، وكان رسولًا معظمًا مهابًا مسموع الكلمة فيهم مقبول الإشارة، وقد تقدم أنه كان به مرض، فدعا له نبي الله إلياس ﵇ فعوفي فاتبعه، وكان لا يفارقه أبدًا،
стр. 3136
ويذهب معه حيثما ذهب، إلى أن استخلف في بني إسرائيل وحكم فيهم مدة إلى أن توفاه الله تعالى -عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة وأزكى السلام-.
قصة نبي الله ذو الكفل ﵇
وهو نبي على أصح الأقوال، واختلف في سبب تسميته ذو الكفل، والمشهور أنه تكفل أن لا يغضب. وقيل: تكفل بصيام النهار وقيام الليل. وقيل: تكفل بصلاة ألف ركعة في كل يوم.
وكان نبيًا عظيمًا، وقد كان ذكره ﵇ في الكتاب العزيز في عدة آيات منها قوله تعالى: ﴿وإسماعيل وإدريس وذا الكفل كل من الصابرين (٨٥)﴾ [الأنبياء].
стр. 3137
قصة نبي الله يونس ﵇
هو يونس بن متى، أرسله الله تعالى إلى أهل (نينوى) وما والاها، وكانوا أممًا كثيرة وعوالم جليلة، فدعاهم إلى توحيد الله تعالى وتعظيمه فلم يستجب له منهم إلا القليل، فدعا عليهم وأوعدهم حصول العذاب في يوم معين، فلما علموا صدق قوله أنابوا إلى الله -جل شأنه- وتابوا وآمنوا به، فعلم الله صدقهم فتاب عليهم، ولم يعلم يونس ﵇ بذلك، فلما رأى العذاب لم يأتهم خشي أن يعيروه، فخرج مغاضبًا لله حيث لم ينجز له وعده، وتوجه، فرأى سفينة فركب فيها فلم تسر السفينة، وتحيرت كثيرًا، فقال أهل السفينة: فينا عبد آبق فاقترعوا حتى نعرفه، فظهرت القرعة على
стр. 3138
نبي الله يونس ﵇ فقال: نعم، أنا الآبق، ورمى بنفسه في البحر فابتلعه حوت عظيمة، فجلس في بطنها نحوًا من ثلاثين يومًا، وكان يسبح الله تعالى في بطن الحوت، فلذلك أنجاه الله تعالى من تلك الشدة، وكان تسبيحه: ﴿لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين﴾ [الأنبياء: ٨٧].
يقول رسول الله ﷺ : «إني لأعرف كلمة لا يقولها مكروب في بر ولا بحر إلا فرج الله عنه: ﴿لا إله إلا أنت﴾»، وسئل رسول الله ﷺ : أهي ليونس خاصة أم للناس عامة؟ فقال: «ألم تسمع إلى قوله تعالى: ﴿وكذلك ننجي المؤمنين﴾»، فسبحان المتفضل على عباده بمزيد بره وإحسانه وإمداده، فلما سأل الله الفرج وتاب من مغاضبته لمولاه ألقاه الحوت إلى ساحب البحر،
стр. 3139
وأنبت الله عليه شجرة اليقطين، وهي شجرة الدباء، وكان حين لفظته الحوت كالطفل حين يخرج من بطن أمه في غاية الضعف.
وأما قومه فإنهم أسفوا على نفسه كثيرًا، فلما عاد إليهم فرحوا به فرحًا شديدًا، وذلك قوله تعالى: ﴿وإن يونس لمن المرسلين (١٣٩) إذ أبق إلى الفلك المشحون (١٤٠) فساهم فكان من المدحضين (١٤١)﴾ [الصافات]، إلى آخر ما قص الله -جل شأنه- من الآية في شأنه -عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام.
قصة نبي الله عزير -عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام -
هو من سبط هارون ﵇، وهو عزير بن سروخا، وكان فيمن أسره بخت نصر لما أن دخل بيت المقدس ووصل معه إلى أرض بابل، وتخلص منهم
стр. 3140
وأقبل راجعًا إلى الأرض المقدسة ومعه حماره، ودخل قرية من قرى الأرض المقدسة، فرآها خاوية خالية قد تهدمت بيوتها، فقال في نفسه: متى ترجع هذه البلدة وتعود على حالها؟
وكان معه عنب في سلة قد أخذه وعصر منه جانبًا ووضعه في زق فأكل من هذا وشرب من هذا ونام، فنزع الله منه الروح، وأبقاه حيا، ومنع منه الآفات مائة سنة. وكان نومه وقت الضحى وأفاق وقت الغروب، فلما أفاق قال له الملك: كم لبثت؟ قال: ﴿لبثت يومًا أو بعض يوم﴾ [البقرة] فنظر إلى حماره فوجده على حاله، ونظر إلى العنب فوجده لم يتغير، وإلى العصير كذلك، ورأى البلاد قد عمرت بأحسن ما يكون، فركب حماره وذهب إلى داره،
стр. 3141
فقال: هذه دار نبي الله عزير؟ فقيل له: أين نبي الله عزير له مائة سنة فقدناه؟ فقال: أنا نبي الله عزير، وكان ابنه شيخًا كبيرًا قد بلغ من العمر مائة وثماني عشرة سنة. فقال: كانت لأبي شامة سوداء في كتفه، فكشفوا عنها فرأوها.
وكان بخت نصر أحرق كتب التوراة جميعها، فحزن لذلك عزير ﵇ فألقاها الله في سره فأملاها جميعها على بني إسرائيل، ولهذا المعنى تغالت طائفة من اليهود فيه.
وقصته في القرآن الشريف في قوله تعالى: ﴿أو كالذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها﴾ إلى آخر الآية [البقرة: ٢٥٩].
قصة نبي الله زكريا ﵊ -
هو زكريا بن دان بن مسلم بن صدوق، من ولد سليمان بن داود -عليهم الصلاة والسلام-، وكان رئيس الأخبار وكبير الرهبان، إليه مرجعهم، وهو أحد أنبياء بني إسرائيل -عليهم الصلاة والسلام-، وكان متزوجًا بخالة مريم بنت عمران أم عيسى ﵊ واسمها أشياع بنت فاقود وهي أم يحيى ﵇.
стр. 3142
وكان زكريا ﵇ قد سن وكبر ولم يرزق ولدًا، فحزن لذلك كثيرًا، وسأل الله أن يرزقه ولدًا يرث حاله وماله، وكانت امرأته عاقرًا لم تلد، قد بلغت من العمر ثمان وتسعين سنة، وهو ابن مائة وعشرين سنة، فبشر بولد اسمه يحيى، وأنه كان نبيًا وسيدًا ووحيدًا في صفاته وذاته، فلما بشر بذلك حصل له اشتباه في كيفية وجود ذلك الولد، هل يكون مع بقاء الضعف والشيخوخة أو بإعادة القوى والشباب؟
فأجيب: بأن الله تعالى يفعل ما يشاء على أي صفة شاء، وسأل الله أن يجعل له علامة على قرب وجود ذلك المولود المبشر به، فأوحى الله -جل شأنه- إليه بأن علامة ذلك أن يمتنع عنك الكلام ثلاثة أيام بلا سبب، ويكون كلامك إشارة، وأمر بالإكثار من ذكر الله والتسبيح والتقديس، وكان
стр. 3143
ذلك من طريق الفكر والسر، ورزقه الله تعالى يحيى ﵊ فورث حاله وماله كما تمنى وقتل ﵇ شهيدًا منشورًا بالمنشار.
قصة نبي الله يحيى ﵊ -
نبأه الله واصطفاه، وأيده بالحكمة والمعرفة، وعلمه التوراة، كل ذلك وهو طفل صغير، ولما نبئ كان عمره ثلاث سنين، وأرسل إلى بني إسرائيل. وكان أكبر من عيسى ﵇ بنحو ثلاثة أعوام، فبشر بعيسى ﵇، وأخبرهم أنه سيوجد، ونصح لله وأرشد العباد، ودعا إلى توحيد الله تعالى وطاعته. وكان قد كثر الفساد والطغيان في بني إسرائيل، فدعاهم إلى الله .
وكان حصورًا لا يريد النساء ولا يشتهيهم، وكان ذا مقام عظيم في التجرد عن الدنيا والعزوب عنها، وكان مقامه ﵇ إدمان الصوم وملازمة الجوع والسهر، وقد مدحه الله -جل شأنه- وأثنى عليه في قوله تعالى: ﴿فنادته الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب أن الله يبشرك بيحيى مصدقًا بكلمةٍ من الله وسيدًا وحصورًا ونبيًا من الصالحين (٣٩)﴾ [آل عمران]، قتل ﵇ شهيدًا قطع رأسه
стр. 3144
الشريف -على نبينا وعليه أفضل الصلاة والسلام-.
قصة نبي الله عيسى ﵊ -
وقصة ولادة مريم ﵍ به أما صفة ولادة مريم ﵍ به فهو أنها خرجت تغتسل في نهر في موضع خال مستور عن أعين الناس، فلما فرغت من غسلها أقبل نحوها شاب حسن الصورة والهيئة، فلما رأته قالت: قف أيها الشخص مكانك ولا تقرب نحوي إن كنت من أهل الإيمان والتقى، فقال لها: لست بشرًا إنما أنا ملك من ملائكة الله أرسلني الله إليك أبشرك بأنك تأتين بمولود هو كلمة من كلمات الله، يمسح الجليل على ناصبته بيد رحمته وإقباله، فلا يدع فيه شيئًا مما يكره، ويفيض عليه بمعرفته ما يحتوي عليه علم الكتاب المكنون والقلم المحزون، ويلهمه الحكمة والاقتصاد واللين والتواضع، ويعلمه التوراة المنزلة على موسى ﵇، وينزل عليه الإنجيل مشتملة على مواعظ وحكم، ويبعثه إلى بني إسرائيل، ويقيم على تحقيق نبوته براهين قاطعة ودلائل ساطعة، فيصور الطير من الطين وينفخ فيه فيكون حيوانًا طائرًا بإذن الله تعالى، ويحيي الموتى ويشفي الأكمه -وهو الذي ولد أعمى- فيصير بصيرًا، ويداوي البرص والمجذوم وذي العاهات المزمنة بنفسه ولمسه فيشفى بإذن الله تعالى، ويخبر بما كان وما يكون من الأمور المغيبة، وما دق وما خفي في البيوت والأسرار والضمائر.
فلما قال الملك لمريم ﵍ ذلك، قالت له: كيف يكون لي ويولد لي ذلك المولود، وليس لي بعل ولا يحل لي الخيانة والبغي، وإنما يولد المولود من رجل؟
فأجابها الملك بأن الله قادر على إيجاد مولود بلا أب فإنه واضع الأسباب إن شاء أجرى آثار قدرته بواسطة الأسباب، وإن شاء أجرى آثار
стр. 3145
قدرته بلا سبب، وأن الله موجد لك ذلك المولود فاثبتي ثم نفخ بفمه إلى نحرها، فخرج من فيه نور روحاني فوصل إلى جسدها والتمس بها والجمع في جوفها فاستحال في جوفها بإذن الله تعالى لحمًا ودمًا وبشرًا كاملًا فتحرك في بطنها وصار لها المخاض واستندت إلى نخلة، وكان ذلك في أيام الشتاء، والنخلة يابسة، فاخضرت وأثمرت في الحال، ووضعت نبي الله وصفوته عيسى ﵇ كل ذلك في ساعة، فلما رأت ذلك حزنت وخشيت أن تعير به، فقالت: يا ليتني مت ولم أكن أذكر، فأنطق الله عيسى ﵇، فقال لها: لا تحزني إن الله قد جعل تحتك سريًا، فهزي النخلة وكلي من ثمرها وقري عينًا وطيبي نفسًا، وإن رأيت أحدًا من البشر يسألك أو يجادلك في شأني فقولي: أنا صائمة فلا أتكلم مع أحد، فاسألوا الصبي هو يجيبكم، وذهبت بعيسى عليه السلام
стр. 3146
تحمله، فلما رآه أهلها أنكروا شأنه، وكانوا بيت خيري وصلاح ويعلمون منها التقى والعفاف، وأكثروا عليها القول في شأنه، فقالت لهم: سلوه، فقالوا: كيف نكلمه وهو طفل صغير؟ فنطق عيسى ﵇ فقال: أشهد أن الله ربي وأني عبده وكلمته، أعطاني الكتاب والعلم والحكمة، وجعلني نبيًا وجعلني مباركًا على من اتبعني وآمن بي، وأوصاني بطاعته وبالخضوع له وبذل الدنيا والزهد فيها، وألزمني بحسن الأخلاق وأنجاني من مساوئها والبر بوالدتي والطاعة لها، وقد حفظني مما لا يرضيه في حياتي ومماتي إن شاء الله.
فلما سمعوا منه هذا القول علموا أن ذلك لا يكون إلا ممن اجتباه الله واصطفاه، وتحققوا براءة مريم ﵍ وطهارتها، ونشأ عيسى ﵇ بأحسن نشأة وأكملها، ولما شب ﵇ وكبر أسلمته أمهم إلى المعلم فقال له المعلم: قل: بسم الله الرحمن الرحيم، فقال عيسى وما بسم الله الرحمن الرحيم؟ فقال المعلم: لا أدري، فقال عيسى ﵇ الباء: بهاء الله، والسين: سناؤه، والميم: مجده، والله: إله الآلهة، والرحمن: رحمن الدنيا والآخرة، والرحيم: رحيم الآخرة.
واتفق له ﵇ وهو في المكتب صغيرًا أنه كان يخبر الصبيان بما في بيوتهم وما يأكلون وما يصنعه آباؤهم في دورهم، فتعب أبو الصبيان فمنعوهم معنه وحبسوهم في بيوتهم. فجاء عيسى ﵇ يسأل عنهم فقيل له: ليس هنا أحد. فقال: من في هذا الموضع؟ فقالوا له: خنازير، فقالك ذلك يكون إن شاء الله فمسخوا خنازير.
стр. 3147
ومن قصته العجيبة ﵇ أن أمه ﵍ أسلمته إلى صباع ليتعلم حرفة الصباغة، فقال له المعلم في بعض الأيام: إني أريد السفر، وعلم له كل ثوب بخيط من النوع الذي يريده، فجمع عيسى ﵇ جميع الأثواب ووضعهم في حب واحد في آن واحد، فلما جاء الصباغ قال له: أين الثياب فأراهم إياه وقد جعلهم في حب واحد، فقال له: لقد أفسدت علي. فقال له: تعال أريك، فجعل يقول بسم الله الرحمن الرحيم، ويخرج كل ثوب باللون الذي أراده الصباغ، فلما رأى ذلك آمن به وأحبه واعترف بكرامة الله تعالى له.
ولما بلغ من العمر ثلاثين عامًا أمره الله بإظهار الدعوة والحث على نشر سنن الفضائل وتهذيب الأخلاق، فدعا إلى الله .
فلما أظهر ذلك آذاه اليهود، فخرج هو وأمه فارين ممن آذاهم، فمرا ببلدة فأضافهم رجل وأكرمهم، وأقاما عنده، فلما كان في بعض الأيام رأت مريم ﵍ امرأة الرجل حزينة، فسألتها من ذلك فأخبرتها أن لهم ملكًا جبارًا، وأن له عادة على كل واحد من أهل البلد في كل سنة أن يضيفه هو وجنوده يومًا، فقالت لها مريم: لا تحزني، فإن لي ابنًا لا يسأل لله شيئًا إلا أعطاه، وطلبت مريم من عيس ﵇ أن يدعو لهم، فقال لها: ربما يصير من ذلك شرًا، فقال: قد أكرمونا فلا بد أن ندعو لهم، فأمرهم أن يملؤوا القدور والخوابي ماء، فاستحالت القدور مرقًا ولحمًا، واستحالت الخوابي خمرًا، فأكل الملك هو وجنوده وشربوا، وأنكروا حسن الطعام والشراب ولذته، فتفحص الملك عن ذلك، فأخبره الرجل بدعوة عيسى لهم، وكان للملك ابنًا قد مات قريبًا، فقال: إن رجلًا أجاب الله دعاءه في الطعام ليجيب دعوته في إحياء ابني، فسأل من عيسى أن يسأل لله في حياة ابنه، فقال له
стр. 3148
عيسى ﵇ بشرط أن تتركوني أتوجه عنكم، فدعا الله -جل شأنه-، فأحيى ابن الملك.
فلما رأى أهل البلد ذلك قالوا: قد ظلمنا الملك كثيرًا، فلما أرا أن يموت يريد أن يظلمنا ابنه كذلك فاقتلوهم وإياه، فتركهم عيسى ﵇ وخرج من البلدة.
وكانت هذه من معجزاته ﵊.
وهدى الله به أناسًا كثيرين، فمنهم الحواريون: وهم أنصاره وخاصته، فتوجه بهم راجعين إلى بني إسرائيل وأظهر الدعوة فآمن به من سبقت له السعادة، وكفر به من سبقت له الشقاوة، وبعث أتباعه وتلاميذه إلى الأقطار لإشاعة الخير وإفادة المعرفة بالله ، وكان من أرسلهم رجلين من جماعته إلى أنطاكية، وهما اللذان ذكرهما الله في كتابه العزيز. فلما وصلا خارج المدينة رأيا رجلًا يرعى فسألهما عن شأنهما، فأخبراه أنهما رسولان لتعليم الإيمان بالله تعالى ومعرفة جلاله وكبريائه، ويسألهما: هل لكما علامة على ذلك ودلالة؟ فقالا: نعم، نبرئ الأكمه والأبرص، ونشفي المرضى ونحيي الموتى بإذن الله تعالى، وكان عنده ابن مريض، فدعوا له فشفي فآمن بهم، وكان يقال له: حبيب النجار، وليس هذا حبيب الذي كان في زمن موسى ﵇.
ثم دخلا أنطاكية ودعوا إلى الله -جل شأنه-، وبرهنوا بشفاء الأمراض والأسقام، فهدى الله بهم أناسًا وبلغ خبرهم الملك، فدعاهم وسألهم عن
стр. 3149
شأنهم وما يدعون إليه، فذكروا أنهم يدعون إلى تعظيم الله تعالى وتوحيده، وخلع عبادة ما سواه، وكانت الروم واليونان عبدة أصنام. فأعرض الملك عنهما وأمر بحبسهما حينًا، وقال: لعلي أنظر في شأنهما، فبلغ عيسى ﵇ حبس أصحابه، فأرسل إليهم أكبر أصحابه وتلامذته وأعزهم وهو شمعون الصفا، وهو الذي قال في شأنه: ﴿فعززنا بثالث﴾ [يس: ١٤]، وكان شمعون صاحب فطنة ومعرفة وهو رئيس الحواريين، فدخل المدينة وتلطف وصحب حاشية الملك وصاحبهم بما حسن موقعه لديهم، فأعجبوا به كثيرًا، فأوصلوا خبره إلى الملك فاستدناه وجالسه ونادمه فوجده غاية ونهاية في حسن المخاطبة ولطف المحادثة، وكان يظهر بهم أنه على دينهم وعلى ما هم عليه، فلما مضت مدة وعلم أن الملك ق استأنس به، فجرى ذكر الرجلين المحبوسين، فقال له شمعون: هل سألتهما عن حقيقتهما وما هما عليه، وهل طلبت منهما بينة على ما يدعون ودليلًا على ذلك، فقال: لا لأني غلبني الغضب أن أستفسر عن هذا الشأن، فأشار إليه يدعوهم ويسألهم واستفسر عن شأنهم، فدعاهم وسألهم ما يدعون إليه، فقالا: ندعو إلى الله إلهنا وإله كل شيء، فقال لهم شمعون: صفا إلهكما وأوجزا، فقالا: إلهنا يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، فقال لهما: وهل لكما علامة على صدق ما ادعيتماه؟ فقالا: نعم، نبرئ الأكمه، وهو الذي ولد لا أعين له بإذن الله ، فأحضر الملك غلامًا ممسوح العينين فوضعا في عينه طينًا مقدار العينين، ثم نفخا فيهما بإذن الله تعالى، فصار له عينان وأبصر، فلما رأى الملك ذلك عجب منه، فخلى شمعون بالملك وقال له: هل يمكن لو دعونا هؤلاء الأصنام تفعل كما فعل رب هؤلاء؟ [فقال له الملك: أنت منا لا خفاء عليك لا تقدر هذه الأصنام أن تفعل شيئًا، ثم قال للملك: سلهم أن يحيوا ميتًا قد مات، فسألهم الملك فقال لهم، فأحضر ابنًا لدهقان قد مات منذ سبعة أيام، فأحيوه بإذن الله تعالى، وقام صحيحًا وأخبرهم أن ما هم عليه باطل، وأن ما يدعو إليه هؤلاء حق، وأخبرهم أنه رأى شابًا حسن الوجه يدخل
стр. 3150
هؤلاء الثلاثة معه العالم العلوي وأشار إلى شمعون أيضًا، فآمن حينئذ الملك هو وكثير من أتباعه، وكفر أهل المدينة وأرادوا إهلاك الرسل فخرجوا من بين أظهرهم، وأقبل حبيب النجار الذي آمن أولًا، وهو المذكور في قول الله تعالى: ﴿وجاء من أقصى المدينة رجل يسعى﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وإليه ترجعون﴾ [يس: ٢٠ - ٢٢]، فنصح أهل المينة وعرفهم جلابة المرسلين وما هم عليه من الحق، فاجتمعوا عليه وقتلوه، فرفع الله روحه للعالم العلوي وحضائر التقدير، وذلك قوله تعالى: ﴿قيل ادخل الجنة﴾ [يس: ٢٦]. ثم أهلك الله بعد موته من كفر من أهل المدينة بصيحة واحدة، وذلك قوله : ﴿وما أنزلنا على قومه من بعده من جند من السماء وما كنا منزلين (٢٨) إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم خامدون (٢٩)﴾ [يس: ٢٨، ٢٩].
стр. 3151
ومن قصصه العجيبة -عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام- قصة (المائدة) التي ذكرها الله تعالى في القرآن العظيم، وذلك أنه سأل الحواريون قبل ثبوت قدهم ورسوخهم في المعرفة من عيسى ﵇ أن يسأل الله أن ينزل عليهم مائدة من السماء تكون لهم عيدًا وسرورًا وعلامة على صحة النبوة وتثبتًا وزيادة في الإيمان واليقين، فلما سألوه ذلك لبس عيسى ﵇ صوفًا، وسأل الله وقال: ﴿اللهم ربنا أنزل علينا مائدة من السماء﴾ [المائدة: ١١٤]، فنزلت سفرة بين غمامتين غمامة فوقها وغمامة تحتها، وهم ينظرون إليها وهي تهوي منقضة حتى سقطت بين أيديهم، وأكل منها المرضى فعوفوا بإ ذن الله تعالى، وكانت آية عظيمة ونعمة عليهم من الله جليلة، ثم رفعت وكانت تنزل أيامًا يوم بعد يوم، وذلك قول الله تعالى: ﴿إذ قال الحواريون يا عيسى ابن
стр. 3152
مريم هل يستطيع ربك أ، ينزل علينا مائدة من السماء ... ﴾ إلى آخر الآيات [المائدة: ١٢ - ١٥].
ولما شك فيها بعض أهل البغي ونسب ذلك إلى السحر؛ قال الله تعالى مخاطبًا لعيسى ﵇: من كفر بعد ما أنزلت عذبته عذابًا لا أعذبه أحدًا من العالمين.
ولما بلغ عيسى من العمر ثلاثًا وثلاثين سنة اجتمع اليهود على قتله، فأخبره الله بذلك، وأخبره أني رافعك إلى السماء وإلى العالم العلوي المقدس عن الأعراض والعلل، فلما هموا بقتله دخل بيتًا ليس فيه منفذ، فرفعه الله من شقق ذلك البيت وأدخل اليهود رجلًا ينظر لهم أين هو؟ فلما أبطأ عليهم الرجل دخلوا لينظروا إليه، فإذا هو قد ألقى الله عليه شبه عيسى ﵇ فأخذوه وصلبوه.
стр. 3153
وقد اختلفوا هل مات عيسى ﵇ ثم أحياه الله تعالى بعد الرفع أو رفع حيًا؟ الله أعلم بذلك.
وهذا آخر ما أوردناه من قصص الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- المذكورين في القرآن المجيد الذي لا يأتيه الباطل من يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد.
стр. 3154
النوع السابع والثلاثون بعد المائة علم من ذكر في القرآن الكريم من الملوك والأمم غير الأنبياء
-عليهم الصلاة والسلام -
стр. 3155
النوع السابع والثلاثون بعد المائة علم من ذكر في القرآن الكريم من الملوك والأمم غير الأنبياء
-عليهم الصلاة والسلام-
وقد أفردنا ذلك في النوع المتقدم قبله، ذكرنا فيه أخبار الأنبياء ﵇ على الاختصار. وهذا النوع يذكر فيه قصة الملوك والأمم السالفة.
قصة شداد بن عاد
وصفة المدينة التي بناها يريد أن يشابه الجنة التي ذكرها الله على لسان أنبيائه ﵈، لما بعثهم الله -جل شأنه- إليه وأخبروه بما أعد الله لعباده المؤمنين، ووصفوا له الجنة، فقال شداد: أنا أصنع مثل هذه الجنة التي وصفت، فأمر أن يؤتى بآلات الصنائع وأهل المعرفة بالبناء والنجارة وبصائر الحرف والأعمال العجيبة الغريبة، وحشروا إليه من سائر الأرض؛ لأنه كان قد ملك الأرض جميعًا، وعاش من العمر نحوًا من ستمائة عام، فبنى هذه المدينة، وجعل فيها من القصور والغرف له ولأتباعه وأهل بلده منازل عظيمة، وأجرى فيها الأنهار، وحفها بالأشجار، وفرش أرضها بالزعفران والمسك، وفرش مقاعدها بالديباج والأرائك، فلما تمت توجه إليها هو وجنوده في مركب عظيم، فأرسل الله -جل شأنه- عليه الموت بعد أن عاينها وهلك في الهالكين، ورفعت المدينة. وذلك قوله تعالى: ﴿أم تر كيف فعل ربك بعادٍ (٦) إرم ذات العماد (٧) التي لم يخلق مثلها في البلاد (٨)﴾ [الفجر: ٦ - ٨].
следующие страницы →