Полный текст (4 238 стр.). Показаны 3151–3190 · переход к 3156.
стр. 3151
ومن قصصه العجيبة -عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام- قصة (المائدة) التي ذكرها الله تعالى في القرآن العظيم، وذلك أنه سأل الحواريون قبل ثبوت قدهم ورسوخهم في المعرفة من عيسى ﵇ أن يسأل الله أن ينزل عليهم مائدة من السماء تكون لهم عيدًا وسرورًا وعلامة على صحة النبوة وتثبتًا وزيادة في الإيمان واليقين، فلما سألوه ذلك لبس عيسى ﵇ صوفًا، وسأل الله وقال: ﴿اللهم ربنا أنزل علينا مائدة من السماء﴾ [المائدة: ١١٤]، فنزلت سفرة بين غمامتين غمامة فوقها وغمامة تحتها، وهم ينظرون إليها وهي تهوي منقضة حتى سقطت بين أيديهم، وأكل منها المرضى فعوفوا بإ ذن الله تعالى، وكانت آية عظيمة ونعمة عليهم من الله جليلة، ثم رفعت وكانت تنزل أيامًا يوم بعد يوم، وذلك قول الله تعالى: ﴿إذ قال الحواريون يا عيسى ابن
стр. 3152
مريم هل يستطيع ربك أ، ينزل علينا مائدة من السماء ... ﴾ إلى آخر الآيات [المائدة: ١٢ - ١٥].
ولما شك فيها بعض أهل البغي ونسب ذلك إلى السحر؛ قال الله تعالى مخاطبًا لعيسى ﵇: من كفر بعد ما أنزلت عذبته عذابًا لا أعذبه أحدًا من العالمين.
ولما بلغ عيسى من العمر ثلاثًا وثلاثين سنة اجتمع اليهود على قتله، فأخبره الله بذلك، وأخبره أني رافعك إلى السماء وإلى العالم العلوي المقدس عن الأعراض والعلل، فلما هموا بقتله دخل بيتًا ليس فيه منفذ، فرفعه الله من شقق ذلك البيت وأدخل اليهود رجلًا ينظر لهم أين هو؟ فلما أبطأ عليهم الرجل دخلوا لينظروا إليه، فإذا هو قد ألقى الله عليه شبه عيسى ﵇ فأخذوه وصلبوه.
стр. 3153
وقد اختلفوا هل مات عيسى ﵇ ثم أحياه الله تعالى بعد الرفع أو رفع حيًا؟ الله أعلم بذلك.
وهذا آخر ما أوردناه من قصص الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- المذكورين في القرآن المجيد الذي لا يأتيه الباطل من يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد.
стр. 3154
النوع السابع والثلاثون بعد المائة علم من ذكر في القرآن الكريم من الملوك والأمم غير الأنبياء
-عليهم الصلاة والسلام -
стр. 3155
النوع السابع والثلاثون بعد المائة علم من ذكر في القرآن الكريم من الملوك والأمم غير الأنبياء
-عليهم الصلاة والسلام-
وقد أفردنا ذلك في النوع المتقدم قبله، ذكرنا فيه أخبار الأنبياء ﵇ على الاختصار. وهذا النوع يذكر فيه قصة الملوك والأمم السالفة.
قصة شداد بن عاد
وصفة المدينة التي بناها يريد أن يشابه الجنة التي ذكرها الله على لسان أنبيائه ﵈، لما بعثهم الله -جل شأنه- إليه وأخبروه بما أعد الله لعباده المؤمنين، ووصفوا له الجنة، فقال شداد: أنا أصنع مثل هذه الجنة التي وصفت، فأمر أن يؤتى بآلات الصنائع وأهل المعرفة بالبناء والنجارة وبصائر الحرف والأعمال العجيبة الغريبة، وحشروا إليه من سائر الأرض؛ لأنه كان قد ملك الأرض جميعًا، وعاش من العمر نحوًا من ستمائة عام، فبنى هذه المدينة، وجعل فيها من القصور والغرف له ولأتباعه وأهل بلده منازل عظيمة، وأجرى فيها الأنهار، وحفها بالأشجار، وفرش أرضها بالزعفران والمسك، وفرش مقاعدها بالديباج والأرائك، فلما تمت توجه إليها هو وجنوده في مركب عظيم، فأرسل الله -جل شأنه- عليه الموت بعد أن عاينها وهلك في الهالكين، ورفعت المدينة. وذلك قوله تعالى: ﴿أم تر كيف فعل ربك بعادٍ (٦) إرم ذات العماد (٧) التي لم يخلق مثلها في البلاد (٨)﴾ [الفجر: ٦ - ٨].
стр. 3156
وقد قيل في تفسير الآية غير ذلك -والله تعالى أعلم-.
قصة أهل البئر المعطلة وأهل القصر المشيد
وهي المذكورة في قول الله : ﴿فكأين من قريةٍ أهلكناها وهي ظالمة فهي خاوية على عروشها وبئر معطلة وقصر مشيد (٤٥)﴾ [الحج: ٤٥].
وأما أهل البئر المعطلة فإنهم أقاموا دهرًا يعبدون الله وتناسلوا وتوالدوا، ثم حببت إليهم عبادة الأصنام فعبوا غير الله ، فنبأ الله رجلًا يقال له: حنظلة بن صفوان، فنهاهم عن عبادة الأصنام، وأخبرهم أنها لا تغني عنهم شيئًا، وأنهم إن لم يرجعوا أهلكهم الله ، كما أهلك قبلهم عادًا وثمود، فلم يرجعوا وهموا بقتله، فنجاه الله منهم، وأخرب بئرهم التي كانوا يغتبكون بها، وصاحت فيهم ملائكة العذاب فهلكوا جميعًا.
стр. 3157
وأما أهل القصر المشيد، فأقاموا متمسكين بدين نبي الله صالح ﵇، وتوالدوا وتناسلوا على ذلك، ثم ظهر فيهم ملك جبار ذو شوكة وقوة فبنى قصرًا عظيمًا وأتقنه وشيد بنيانه؛ أي رفعها وأعلاها، وكان جبارًا طاغيًا سفاكًا للدماء، فبعث الله -جل شأنه- نبيا من أنبيائه، فنصحه ووعظه، فقتله ولم ينكر أهل بلده عليه صنيعه، فغضب الله ، فأرسل إليهم ملكًا من ملائكته، فصاح بهم فهلكوا جميعهم، وبقي القصر المشيد خاليًا خاويا، وهو باقٍ عبرة للمعتبرين وتنبيهًا للغافلين.
قصة أصحاب الرس
وهم الذين قال الله -جل شأنه- فيهم: ﴿وعادًا وثمودا وأصحاب الرس وقرونًا بين ذلك كثيرًا (٣٨)﴾ [الفرقان: ٣٨].
وأما أصحاب الرس، فمساكنهم أرض حضرموت، وكانت مدينتهم طولها أربعون ميلًا وعرضها كذلك، وسموها باسم ملكهم الرس، وكانوا متنعمين
стр. 3158
ومتمتعين، فعبدوا الأصنام، وفشت فيهم الفواحش، فأرسل الله -جل شأنه- نبيًا من أنبيائه يقال له: صفوان، فدعاهم إلى الله ، ونهاهم عن المعاصي فلم يسمعوا، وأقام فيهم يدعوهم إلى الله ، فلم يقبلوا فغضب الله -جل شأنه- عليهم ومسخهم كلهم ومدينتهم أحجارًا سودًا.
قصة السبت
وهم المذكورون في قوله عز من قائل: ﴿وسئلهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر إذ يعدون في السبت إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعًا ويوم لا يسبتون لا تأتيهم كذلك نبلوهم بما كانوا يفسقون (١٦٣)﴾ [الأعراف].
وكان الله قد أمر بني إسرائيل على لسان موسى ﵇ بتعظيم يوم السبت واتخاذه عيدًا، وأن لا يحدثوا فيه شيئًا من الحركات، ولا يصاد فيه صيد البر ولا سمك البحر، فمضوا على ذلك مدة من الزمن وهم يعظمون هذا اليوم ويحتفلون به، وكان الله -جل شأنه- قد أوقع في قلوب الحيوانات مغرقة إلا من يوم السبت، فكانوا يخرجون سارعين في البحر فلم يعترضهم أحد، وفي غير يوم السبت يبعدون ولا يظهرون، وقد
стр. 3159
ذكر الله ذلك في كتابه العزيز.
ثم إن جماعة من بني إسرائيل احتالوا في صيد السمك وأخذه، وكانوا إذا كان عشية الجمعة فتحوا صنادق وأنهارًا، فتأتي الحيتان فتدخل فيها فيتركونها يوم السبت ولا تستطيع الخروج ويأخذونها في يوم الأحد، فنهاهم عن ذلك أنبياؤهم وعلماؤهم، وانقسم أهل المدينة قسمان؛ قسم كانوا يفعلون ذلك، وقسم كانوا لم يفعلوا.
فلما لم يقبلوا منهم اعتزلوا عنهم، وقسموا المدينة بينهم قسمين، فلما رأى المعتدون أنهم لم يصابوا تجرؤوا أيضًا في يوم السبت وارتكبوا المناهي والمنكرات، وأصروا على الاعتداء، فغضب الله عليهم، فأصبحوا وقد مسخوا قردة وخنازير ثم هلكوا.
стр. 3160
قصة بخت نصر
وهو المشار إليه في قوله تعالى: ﴿وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدن في الأرض مرتين ولتعلن علوًا كبيرا (٤) فإذا جاء وعد أولاهما بعثنا عليكم عبادًا لنا أولي بأس شديد فجاسوا خلال الديار وكان وعدًا مفعولًا (٥)﴾ [الإسراء].
فالفساد الأول هو قتل نبي الله أشعيا ﵇، وقد عضب الله على بني إسرائيل بسبب ذلك، وبعث عليهم بخت نصر، فأهلكهم وخرب بيت المقدس.
стр. 3161
وهذه القصة مساقة بعضها في قصة نبي الله أرميا، وبعضها في قصة نبي الله دانيال ﵉.
قصة الإسكندر ذي القرنين
وهو إسكندر بن فيلسوف الملقب بذي القرنين، وهو المذكور في قول الله : ﴿ويسئلونك عن ذي القرنين قل سأتلوا عليكم منه ذكرًا (٨٣) إنا مكنا له في الأرض وأتيناه من كل شيءٍ سببًا (٨٤) ... حتى إذا بلغ مغرب الشمس ... ﴾ إلى آخر الآيات [الكهف: ٨٣ - ٩٨].
وليس هو ذا القرنين القديم الأكبر؛ فإن ذلك ملك عظيم صالح، وكان في زمن الخليل ﵇.
стр. 3162
وأما ذو القرنين المذكور في الكتاب العزيز فهو الأخير، وهو الذي سار في الأرض، وملك جميع المعمور منها، وبنى السد.
وبداية أمره أن أباه فيلسوف كان ملكًا للروم واليونان فأسلمه من صباه إلى المعلم الحكيم أرسطو، فأقام عنده خمس سنين، ولما استشعر أبوه الموت
стр. 3163
جدد له العهد وولي الملك بعد والده، وعمره يومئذٍ عشرون عامًا، وكانت ملوك الروم جميعها تحمل الخراج لملك الفرس، وكان أبوه يحمل أيضًا إلى دارا ملك الفرس.
فلمما توفي والده منع هو الخراج عن ملك الفرس هدده، فأجابه بما يشق عليه وجميع جنوده، فأقبل إليه دارا ملك الفرس بجنوده، ووقع القتال فانكسر دارا وقتله الإسكندر، واستولى على الملك في الأرض حتى بلغ أقصى أرض المغرب، ومكن الله -جل شأنه- له في البلاد والعباد، وأطاعته الجبابرة، وأذاعته الفراعنة، وقصد المشرف فدخل العراق والهند، وتوصل إلى الصين، ولما نزل بجنوده على ملك الصين أتاه ليلًا ملك العين مستخفيا، فدخل عليه وطلب منه أن يصالحه على أمر ويرجع عنه، فطلب منه الإسكندر أمورًا عظيمة فامتنع من ذلك، وقال: لا يمكنني الوفاء بها، ثم اتفقا على أمر يحمله له في كل عام وذهب عنه.
فلما أصبح الإسكندر رأى جنود الصين محيطة به، وكانوا قدر جنده أضعافًا مضاعفة، فساء ظنه بهم وقال: لعله غدر بي ومكر علي، فلم يشعر إلا وملك الصين قد أقبل في مركب عظيم، وترحل عن مركبه وقبل الأرض بين يدي الإسكندر. فقال: ما السبب فيما رأيت؟ فقال: أردت أيها الملك أريك أن ليس بي ضعف ولا قلة من الجنود عن مقاومتك، وإنما أنا رجل ذو معرفة وحكمة، وأرى إله العالم مؤيدك وناصرك، فلا أحب أن أعارض إله العالم أيده ونصره.
وسار الإسكندر حتى بلغ إلى أرض الترك ويأجوج ومأجوج، وهم أمم
стр. 3164
عظيمة لا يحصيهم إلا الله ، وهم أولاد يافس بن نوح ﵇، فطلب من إسكندر الأمم المجاورون ليأجوج ومأجوج أن يجعل بينهم سدا؛ لأن يأجوج ومأجوج لكثرتهم كانوا يفسدون كثيرًا ويؤذون الأمم المجاورين لهم، فأمر ببناء السد، وكان هناك جبلان عظيمان بينهما الطريق، فوضع الحجرة العظيمة وصب الرصاص والنحاس، ورفع السد إلى أن ألحقه بعنان السماء، فامتنعت أذية يأجوج ومأجوج عن الأمم.
ورجع الإسكندر فتوفي بأرض بابل راجعًا مسمومًا، وكان عمره اثنين وثلاثين عامًا، وقتل من الملوك خمسة وثلاثين ملكًا، وبنى اثنتي عشرة مدينة منها: هران، ومرة، وسمرقندي، والإسكندرية، ولما توفي وضع في تابوت من ذهب وحمل أكتاف الملوك، ودفن بالإسكندرية -رحمه الله تعالى-.
стр. 3165
قصة أهل سبأ
قال المفسرون: وكانت أرض سبأ المعينة بقوله تعالى: ﴿لقد كان لسبأ في مسكنهم آية جنتان عن يمين وشمال كلوا من رزق ربكم واشكروا له بلدة طيبة ورب غفور (١٥)﴾ [سبأ: ١٥] أخصب بلاد الله، ليس بها سباخ ولا بعوضة ولا ذبابة ولا برغوث ولا عقرب ولا حية، ويمر الغريب بواديهم وفي ثيابه القمل فيموت، وتخرج المرأة وعلى رأسها بمكتلها، فتعمل بمعزلها وتسير بين الشجرة فيمتلئ مما يتساقط من الشجر، وهي أكثر من شهرين للراكب المجد طولًا وعرضًا، وأهلها في غاية الكثرة مع أجماع الكلمة والقوة، تخرج المرأة تتردد تبيت في قرية وتقيل في أخرى حتى تأتي الشام، كما قال تعالى:
стр. 3166
﴿وجعلنا بينهم وبين القرى التي باركنا فيها﴾ [سبأ: ١٨]؛ أي: قرى الشام قرى ظاهرة يرى بعضًا من بعض بمقربها، فبطروا النعمة ﴿فقالوا ربنا باعد بين أسفارنا﴾ [سبأ: ١٩]؛ أي: بمفاوز بينهم وبين الشام يركبون الرواحل، فعجل الله -جل شأنه- لهم الإجابة، كما قال عز من قائل: ﴿فقالوا ربنا باعد بين أسفارنا وزلموا أنفسهم فجعلناهم أحاديث ومزقناهم كل ممزقٍ إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور (١٩)﴾ [سبأ: ١٩].
وكانوا يقتتلون على ماء واديهم، فأمرت بلقيس بواديهم فسد بالعرم وهو المستاه بلغة حمير، فسدت ما بين الجبلين بالصخر والقار وجعلت له أبوابًا ثلاثة بعضها فوق بعض، وبنت من دونه بركة ضخمة، وجعلت فيها اثني عشر مخرجًا على عدة أنهارهم يفتحونها إذا احتاجوا إلى الماء، وإذا استغنوا سدوها، وإذا جاء المطر اجتمع إليه أودية اليمن فاحتبس السيل من وراء السد، فأمرت بالباب الأعلى ففتح فجرى ماؤه في البركة، فكانوا يسقون من الباب الأعلى، ثم من الباب الثاني ثم من الباب الثالث، فلا ينفد الماء حتى يرجع الماء من السنة المقبلة، وكان السيل يأتيهم من مسيرة عشرة أيام حتى يستقر في واديهم فيجتمع الماء من تلك السيول والجبال في ذلك الوادي، وكان السد فرسخين في فرسخ.
стр. 3167
وقيل: بناه لقمان الأكبر العادي، وقيل: سبأ بن يستجب ومات قبل إكماله، فأكمله ملوك حمير وأولاد كهلان بن سبأ ملوك اليمن حينئذٍ. وهم: عمرو مزيقيا بن عامر ماء السماء، وكانت زوجة عمرو تسمى طريفة الحميرية كاهنة وولدت له ثلاثة عشر ولدًا، ثعلبة أبو الأوس من الخزرج وحارثة والد خزاعة.
وقيل فيهم غير ذلك، وجفنة والد غسان وحارثة والحارث وعوفًا ولعبًا ومالكًا وعمران هؤلاء أعقبوا والثلاثة الباقون لم يعقبوا، وكان لعمرو مزيقيا من القصور والأموال ما لم يكن لأحد فرأى أخوه عمران، وكان كاهنًا ولم يعقب أن قومه يتمزقون وتخرب بلادهم فذكر له.
ثم إن طريفة الكاهنة سجعت له بما يدل على ذلك، فقال: وما علامته؟ قالا: إذا رأيت جرذًا يكثر في السد الجفر ويقلب بيده الصخرة.
فلما غضب الله -جل شأنه- عليهم، وأذن في هلاكهم دخل عمرو
стр. 3168
مزيقيا فنظر جرذًا تنقل أولادها من باطن الوادي إلى أعلى الجبل، فقال: ما نقلت هذه أولادها من ها هنا إلا وقد حضر أخل هذه البلاد عذاب، فخرقت ذلك العرم فنقبت نقبًا، فسال الماء من ذلك النقب إلى جنبه، فأمر بذلك النقب فشد فأصيبوا وقد انفجر بأعظم مما كان، فلم يترك فرجة بين حجرين
стр. 3169
إلا وأمر بربط هرة عندها، فما زاد الأمر إلا شدة، وكان الجرذ يقلب صخرة ما يقلبها خمسون رجلًا.
فلما رأى ذلك دعا ابن أخيه، فقال له: إذا جلست العشية في نادين قومي، فأتني فقل لي: علام تحبس علي مالي، فإني سأقول لك: ليس لك عندي مال ولا ترك أبوك شيئا، وإنك كاذب، فإذا كذبتك فكذبني، واردد علي مثل ما قلت لك. فإذا فعلت ذلك فإني أشتمك فاشتمني، فإذا شتمتني فإني ألطمك، فإذا أنا لطمتك فالطمني.
قال: ما كنت لأستقبلك بذلك يا عم، قال: بلى فافعل؛ فإني أريد بذلك صلاحك وصلاح أهل بيتك، فقال الفتى: نعم، حيث عرف رأي عمه، فجاء فقال ما أمره به حتى لطمه، فقال الشيخ: يا معشر بني فلان ألطم فيسلم، لا سكنت في بلد لطمني فيه فلان أبدًا، من يبتاع مني، فلما عرف القوم منه الجد أعطوه، فنظر إلى أفضلهم عطية، فأوجب له البيع ودعا بالمال. ويحمل هو وبنوه من ليلته.
وفي رواية: أن الثمن لما صار في يده قال: [أي قومي إن العذاب قد أظلكم، وزوال أمركم قد دنا، فمن أراد منكم دارًا جديدًا وحمى شديدًا وسفرًا بعيدًا فليلحق بعمان، ومن أراد منكم الخمر والحمير والعصير فليلحق ببصرى، ومن أراد منكم الراسخات في الوحل، المطعمات في المحل، المغيمات في القحل، فليلحق بيثرب ذات النخل]، فأطاعه قوم فخرج أهل عمان إلى عمان، وخرجت غسان إلى بصرى، وخرجت الأوس والخزرج وبنو كعب إلى يثرب، فلما كانوا
стр. 3170
ببطن مر قال بنو كعب: هذا مكان صالح لا نبغي به بدلًا، فأقاموا به، فلذلك سموا خزاعة؛ لأنهم انخزعوا عن أصحابهم، وأقبلت الأوس والخزرج حتى نزلوا بيثرب، ولما أراد الله -جل شأنه- ما أراد من تفريق من بقي وخراب بلادهم، أقبلت فأرة حموا إلى هرة من تلك الهرر فساررتها حتى استأخرت عنها الهرة قد دخلت في الفرجة التي كانت عندها فتغلغلت بالسد فحفرت فيه حتى أوهنته وهم لا يدرون، فلما جاء السيل وجد خلالًا فدخل فيه قلع السد وخاض الماء على الأموال فاحتملها ولم يبق منها إلا ما ذكر الله تعالى. انتهى.
قصة صياطاس
وهو الذي أخرب بيت المقدس بأمر أسفايوس، وقتل أكثر من سبعين ألفًا، وشتت الباقي، وأحرق التوراة، وأخرب بيت المقدس، وهذا هو الفساد الثاني الذي أشار الله -جل شأنه- في كتابه العزيز بقوله: ﴿فإذا جاء وعد الآخرة ليسؤوا وجوهكم وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة وليتبروا ما علوا تتبيرا﴾ [الإسراء: ٧].
فالمرة الأولى كان بخت نصر، والثانية هذا الملك، وبسبب هاتين الواقعتين تشتت بنو إسرائيل وتفرقوا في سائر المعمور من الأرض. ومنهم من سكن المدينة بنو قريظة وبنو النضير.
стр. 3171
قصة أهل الكهف
وكانوا من جملة أهل الروم وأشرافهم، وبادهم (دقسوس)، وهي التي يقال لها الآن: (طرسوس)، وكانوا ممن آمن بعيسى ﵇، وكانوا على الطريقة المستحسنة، فأخبروا فيوس الملك عنهم، فهددهم بالقتل، فهربوا منه إلى جبل عظيم فيه مغارة، وجلسوا يعبدون الله تعالى، وفي مسيرهم إلى المغارة تبعهم كلب مؤالف لهم فطردوه فلم يرجع عنهم، وكان يجلس معهم على قريب من باب المغارة. وكانوا كلهم شبابًا صغارًا، وكانوا يبعثون كل يوم شخصًا منهم يقال له: تمليخا يشتري لهم ما يحتاجون إليه، ويتجسس لهم
стр. 3172
ممن فيه ما يقال في شأنهم، سأل عنهم الملك فأخبر أنهم في كهف في جبل كذا وكذا، فأمرهم بالكهف أن يسد ويبنى، فيموتوا فيه، وكان الله قد ألقى عليهم النوم فناموا في المغارة فسدت عليهم وكان محلًا مهيأ لهم، كتب أسماءهم وجعلها في لوح من رصاص، وبناه في موضعهم عند باب المغارة، وصورة الكتابة أن مكسالميتا، ومخشالمينا، ويلبخا، ومرطوسن وكيسوطوس، ويبرونس، ودينوس، وينطوس، كانوا فئة هربوا من ملكهم راقيوس الجبار مخافة أن يفتنهم فدخلوا هذا الكهف، فلما أخبر أنهم في الكهف أمر به فشد عليهم بالحجارة، وإنا كتبنا شأنهم وخبرهم ليعلم ذلك من عثر عليهم، وألقى الله -جل شأنه- عليهم النوم ومنع عنهم الآفات والعوارض ثلاثمائة عام، ومات ذلك الملك الجبار، وولي بعده ملوك إلى أن ولي ناودسبوس، وكان ملكًا عظيمًا صالحًا، وكان متبعًا لعيسى ﵇ وأظهر ملة عيسى ﵇، وكان يسأل الله -جل شأنه- أن يظهر في أيام بينة في إثبات البعث والنشور لتكون آية للناظرين ومدفعًا للمعاندين.
وفي زمنه أتى راعٍ إلى ذلك البناء المسدود فهدمه ورماه ليستكن في المغارة، ففي هذه المدة استيقظ الفتية النائمون في الكهف، وذلك بعد مضي ثلاثمائة عام، فظنوا أنهم ناموا يومًا أو بعض يوم. فبعثوا أخاهم تمليخا
стр. 3173
ليشتري لهم طعامًا يأكلونه وأن يكون حذرًا لا يفطنون له ويتجسس عن أخبار الملك وما يقال في شأنهم، فلما وصل تمليخا إلى المدينة رأى أمورًا وأشياء أنكرها، وتخير منها لظنه أنه إنما غاب عن المدينة يومًا واحدًا، فرأى إشارات وعمات تدل على أن الدين قد تغير بدين الحق وطريقة الإيمان، ونظر إلى الملأ فلم يعرف منهم أحدًا، فظن أنه تخيل أو ذاهل أو أن بعقله جنون، فأراد أن يرجع ثم عزم على أن يشتري لإخوته طعامًا، فأتى إلى صاحب الطعام فأعطاه دراهم عه ورقًا وهي الفضة، فلما رأى صاحب الطعام تلك الدراهم لأن عليها طابع راقيوس، فقطع أنه قد ظفر بكنز فأعرضها على أصحاب دراهم إياها، فأنكروها جميعًا، ثم أقبلوا على تمليخا قائلين له: أرنا موضع الكنز ونحن لا نظهر عليك أحدًا، فلم يدر ما يقول وتحير، فاجتمع الناس عليه ورأوا الدراهم ووضع بعضهم رمداءه في عنقه، وذهب به إلى والي البلد وهو يبكي ويستغيث، وفي ظنه أنهم قد شعروا بحال إيمانهن وأنهم يذهبون به إلى الملك الجبار، فجعل يتحسر ويقول: أين إخوتي عني فإنا تعاهدنا أن نكون جميعًا حياتنا ومماتنا، ووقوفنا بين يدي الجبار وإظهار كلمة الحق لديه. فدخلوا به على الأمير وأراه الدراهم فسألوه: فقال: أنا فلان بن فلان فلم يعرفه أحد، وقال له بعض الحاضرين: أظهر الكنز الذي وجدته، فإنك إن لم تظهره أوجعناك ضربًا وألمًا، فقال بعض الحاضرين: إنه مجنون، وقال
стр. 3174
آخرون: إنه ليس به جنون، وبين رأيه فظهر ذلك ليخلص، فاشتد الكرب بتمليخا، فقال لهم: إني أسألكم عن أمر فأجيبوني عنه: ماذا فعل الملك راقيوس؟ فقالوا له: قد مضى من ملك راقيوس مدة عظيمة طويلة. فقال لهم: أنا أخبركم عن شأني وحال ورفقة لي أكرهنا الملك على الكفر بعد الإيمان، فهربنا منه خوفًا من الفتنة والتجأنا إلى مغارة، وبالأمس كنت أنا في هذه البلدة وأتيت اليوم ووقع لي ما ترون.
وكان الأمير موفقًا ذا رأي وعقل، فقال لجلسائه: أمهلوا على الرجل ولعلها أن تكون آية أظهره الله وأجاب دعوة ملكنا الصالح، فهلموا نتوجه وننظر في شأن هذه الفتية، وكانوا بعد أن قاموا من نومهم على حالهم من الشباب وبهاء المنظر ونضارة الشباب.
فتوجه الأمير ومن معه جميعًا وتمليخا معهم حتى أتوا المغارة، وكان الفتية قد فقدوا أخاهم واستبطؤوه فحزنوا لذلك كثيرًا فدخل عليهم قبل الجماعة، وأخبرهم بما صار له، ثم دخل الأمير ومن معه وتكلموا معهم، وأرسلوا إلى الملك وأخبروا بما صار، فأتى إليهم وجلس معهم ورأوا الأسماء المكتوبة في اللوح الرصاص بباب المغارة، فازداد بذلك إيمانهم ويقينهم، فشكر الله الملك على هذه الآية العظيمة والنعمة الجزيلة.
ثم ودعهم الملك ومن معهم وانصرفوا، وألقى الله -جل شأنه- عليهم النوم، وعمر الملك على باب المغارة مسجدًا عظيمًا، وجعل في ذلك المكان عيدًا في كل عام يأتي الناس إليه ويتبركون بذلك الموضع، وألقى الله -جل شأنه- هيبة وإجلالًا على ذلك الغار، فلا يستطيع الدخول ولا الوصول إليهم.
стр. 3175
قصة تبع الأخي ر
وهو تبان أسعد أبو كرب، وهو ملك عظيم، روع الأرض وسار في البلدان وملك كثيرًا من المعمور، وهو أحد الملوك الذي قهر الجبابرة وأعطاه الله الشوكة والعزة. وقد قيل: إن التبايعة ثلاثة من حمير. الأول وهو في زمن سليمان ﵇، والثاني وهو قبل عيسى ﵇، والأخير بعده وهو هذا.
قيل: كان في بعض مسيره مر على المدينة المشرفة على نبينا -أفضل
стр. 3176
الصلاة والسلام- فترك بها ابنًا له وجماعة من قومه، فقتل ابنه غيلة، فلما رجع أخبر بذلك فأضمر قتل من فيها جميعًا وإحراق ما فيها من الكروم والنخل، فلما أقبل إليها حاربه أهلها، وجاءه حبران من أحبار اليهود من بني قريظة واصطحبا معه ونهياه عن إخراب المدينة وقالا له: أيها الملك لا تفعل، وإن أردت ذلك لم تقدر ولا يؤمن عليك من حصول العقوبة والنقمة، فإنها مهاجر نبي ومقامه سيخرج من هذا الحرم، وأشارا إلى مكة -شرفها الله تعالى-، فأوقع الله -جل شأنه- في قلبه حسن قولهما وأصغى إلى ما أشارا به عليه، وأصحبهما معه وترك التعرض للمدينة المشرفة، وتوجه إلى مكة -زادها الله تشريفًا-.
ولما كان قريبًا من عسفان أتاه نفر من هذيل قد خشوا أن يطأ أموالهم ويأخذها، فأرادوا أن يتقربوا ليندفع عنهم ويكون سببًا لهلاكه ووباله. فقالوا: أيها الملك إن هنا بيتًا لحجة العرب وفيه كنز عظيم قد أغفلته الملوك قبلك، ونحن نريد أن يكون لك؛ فإن فيه من الأموال شيء عظيم، فأجمع على ذلك وعزم، فوقع له مرض عظيم، فأرسل إلى الحبرين، وسألهما عن ما أصاب به من المرض، فقالا له: لعلك أيها الملك أضمرت سوءًا، وأخبرهما بما أضمره من هدم البيت العتيق، فنهياه عن ذلك وأخبراه أنه بيت معظم مجلل بنته الأنبياء ﵈ وحجوا إليه، وإن أراده بسوء هلك سريعًا، فاستشارهما ماذا يفعل، فأمراه إذا قدم عليه أن يطوف به ويتذلل لله عنه. فقال لهما: وما يمنعكما أيضًا أن تفعلا معي كذلك؟ فقالا له: نحن نعمل أنه بيت إبراهيم ﵇ ولا يمنعنا من ذلك إلا ما نصبه هؤلاء الجاهلية من الأصنام، وإهراقهم الدماء عنده.
فلما وصل تبع طاف بالبيت وسعى وحلق وتصدق وأطعم، ورأى في المنام أن يكسو البيت فكساه الخصف، ثم رأى أن يكسوه فكساه المعافر، ثم رأى أن يكسوه أحسن من ذلك فكساه الملاء والوصائل، وكان تبع هو وقومه أولًا على دين غالب العرب وثنيين، فلما صحب هذين الحبرين اتبع ملة موسى عليه السلام
стр. 3177
وآمن معه كثير من قومه وأتباعه، وقد قيل: إنه هو المشار إليه في قوله تعالى: ﴿أهم خير أم قوم تبع والذين من قبلهم أهلكناهم إنهم كانوا مجرمين (٣٧)﴾ [الدخان: ٣٧].
وذلك أنه لما آمن خالف كثير من قومه فأهلكهم الله ، وكان تبع -رحمه الله تعالى- يجمع قومه وأشراف مشيرته والملوك منهم فيذكرهم بالله . فمن كلامه: أيها الناس إن الدهر نفد أكثره ولم يبق أهله، وإن الكثير إذا قل إلى النقصان أحرى منه إلى الزيادة، فسارعوا إلى المكارم فإنها تقربكم إلى الفلاح، واعلموا أنه من سلم من يومه لم يسلم من غده، ومن سلم من غده لم يسلم مما بعده، وإنكم لتسوون الآباء والأجداد، وتصيرون إلى ما صاروا إليه، والموت كل يوم إلى المرء قريب من حياته إليه وإليه، ولكل زمان أهل ولكل دائرة سبب، وسبب عطلان هذه الفترة التي من عز فيها بز من هو دونه، الوقوف على ظهور نبي يبعث بدينه، ويخصه بالكتاب المبين، على رسول من المرسلين رحمة للمؤمنين وحجة على الكافرين، فليكن ذلك عندكم وعند أبنائكم بعدكم قرنًا فقرن، جيلًا فجيل، ليتوقفوا ظهوره، وليجتهدوا في نصره على كافة الأعداء حتى يفي الناس له إلى أمر الله.
شهدت على أحمد أنه ... رسول من الله بارئ النسم
فلو مد عمري إلى عمره ... لكنت وزيرًا له وابن عم
وألزمت طاعته كل من على ... الأرض من عرب أو عجم
قصة أصحاب الأخدود
стр. 3178
وكان سببها أنه نزل بأرض نجران راهب متنسك عابد يقال له: فيمون،
стр. 3179
وكان ممن اتبع النبي عيسى ﵇ وآمن به، وكان على شريعته وملته، وكان له خباء خارج نجران، وكان بنجران رجل يعلم أهل نجران وصبيانهم الرقاء والسحر والروحانية، وكان في جملة الصبيان الذين يذهبون غليه صبي يقال له: عبد الله بن التامر، وكان ذكيًا فطنًا صاحب قابلية واستعداد، وكان إذا قصد الساحر طريقه على خباء فيمون فيجلس إليه ويتحدث معه وكان يعجبه حديثه، وكن فيمون يعلم الصبي الأحكان والدين ويخبر بالشرائع، فمال إليه الصبي وأحبه، وكان يكثر التردد عليه، وكان أهل الصبي إذا أبطأ عليهم ضربوه، وكذلك الساحر يضربه إذا أبطأ؛ لكونه يستغرق عند الراهب كثيرًا، فقال له الراهب: إذا سألك أهلك فقل: حبسني الساحر، وإذا سألك الساحر فقل: حبسني أهلي. وكان الصبي بحسن ذكائه قد تعلم من الراهب اسم الله الأعظم واستخرجه بعظمته، قأقبل يومًا فرأى حية عظيمة قد منعت الناس عن المرور في الطريق، فقال: اللهم إن كان ما عليه الراهب وما يدعوني إليه حقًا فاقتلها، فرماها بحجر فقتلها فأخبر الراهب بذلك، فقال له: يا بني إنك اليوم أفضل مني، وإنك ستبتلى فلا تدل علي، وكان الغلام يبرئ الأكمه والأبرص ويداوي العلل المزمنة بدعائه إلى الله على شريطة أن يؤمنوا فعوفي ناس كثيرون وآمنوا بالله بسببه، وكان من جملة من آمن جليس لملك تلك الأرض، وكان أعمى فدعا له عبد الله بن التامر بشريطة الإيمان بالله تعالى فأبصر وآمن بالله تعالى، فأخبر الملك بذلك فعذبه الملك، فأخبر عن الغلام فأتى به، فقال له الملك: قد بلغ مني سحرك أن تبرئ الأكمه والأبرص وتشفي المرضى.
فقال إني لا أشفي أحدًا، ولكن الله خالقنا وخالق كل شيء هو الشافي والمعافي والكافي، فعذبه الملك، فدل على الراهب فيمون فأتي به، فقال له الملك: ارجع عن دينك فلم يرجع، فنشر بالمنشار ومات -رحمه الله تعالى-، وأمر عبد الله بن التامر أن يرجع فأبى وامتنع، فأمر به أن يلقى من جبل عال فألقي فلم يصبه شيء، وأتى إليهم صحيحًا سليمًا، فأمر به أن يغرق في البحر فلم يغرق وأنجاه الله تعالى، فلم يزل على ذلك لا يؤثر فيه شيء بإذن الله تعالى، قال للملك: لا يمكنك أن تقتلني حتى تفعل على ما أشير به عليك، فقالله الملك: وما هو؟ فقال: أن تجمع أهل البلد جميعًا في صعيد واحد من الأرض، ثم تأخذ سهمًا من كنانتي فتضعه في القوس، وتقول: بسم رب
стр. 3180
هذا الغلام وترميني به، فإنك إن فعلت ذلك قتلتني.
فجمع الملك الناس في صعيد واحد وأخذ السهم من كنانته فرماه به فوقع السهم في صدغه فوضع يدع في صدغه ومات -رحمه الله تعالى-.
فقال الناس جميعًا: آمنا برب الغلام وعملنا أنه على حق، وأسلم أهل البلد.
فقيل للملك: أرأيت ما كنت تحذر منه قد وقع، قد أسلم الناس جميعًا وآمنوا!
وأمر بالأخدود فخدت الأرض؛ أي شقت شقًا طويلًا، وأوقد نارًا فيها النيران العظيمة، وأمر بمن لم يرجع أن يلقى فيها.
فألقي أمم كثيرون فاقتحموا فيها، وجاءت امرأة ومعها طفل صغير فتقاعست عن النار، فقال لها الصبي: اصبري يا أماه فإنك على حق.
وقد ذكر الله -جل شأنه- خبر الأخدود في كتابه العزيز فقال عز من قائل: ﴿قتل أصحاب الأخدود (٤) النار ذات الوقود (٥) إذ هم عليها قعود (٦) وهم على ما يفعلون بالمؤمنين شهود (٧) وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد (٨) الذي له ملك السموات والأرض والله على كل شيء شهيد (٩) إن الذين قتلوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوبوا فلهم عذاب جهنم ولهم عذاب الحريق (١٠)﴾ [البروج].
وقد جاءت روايات كثيرة في أصحاب الأخدود غير ما ذكرناه، ولا يبعد أن يكون هذا الأخدود قد صنع مرارًا في أيام متعددة فتنة وبلية على المؤمنين، ولكن هذه الرواية التي ذكرناها رويت في الصحيح عن رسول الله ﷺ .
стр. 3181
قصة أصحاب الفيل
وسببها أن أبرهة صاحب اليمن بنى كنيسة عظيمة، وأراد أن يجعل حج
стр. 3182
العرب إليها مزاحمة للبيت الشريف، فأرسل إلى النجاشي يعرفه ذلك، فلما رام ذلك قصدها بعض الأعراب وأحدث بها ووضع فيها نجاسة، فلما رأى أبرهة ذلك غضب وأقسم ليطأن مكة وليهدمن البيت، فتوجه واستصحب معه طائفة عظيمة من الجنود قاصدًا مكة -شرفها الله تعالى-.
فما بلغ الغرب ذلك شق عليهم واجتمعت قبائلهم المحاربة، ووقف كثير منهم في مقابلته فكسر كل من في طريقه إلى أن وصل أرض ثقيف، فجاء إليه جماعة منهم خوفًا أن لا يهدم بيتهم المسمى باللات، فأرسلوا معه رجلًا منهم يقال له: (أبو رغال) يدله على طريق مكة ويعرفه بها، فلما وصل المغمس مات أبو رغال ودفن ورجمت الناس قبره من ذلك الحين، ولما وصل أبرهة قريبًا من مكة أرسل جماعة من أصحابه فنهبوا أموالًا وغنمًا وإبلًا لأهل مكة، وفيها مائتا بعير لعبد المطلب جد النبي ﷺ ، ونزل أبرهة خارج مكة وهو مجمع على هدم البيت، ومعه فيل عظيم يقال له: (محمود) ويقدمه في الحروب، فتفرق أهل مكة في البر خائفين منه، وخلوا البلد، وأقبل عبد المطلب حتى وصل إلى معسكر أبرهة، فأخبر أبرهة أنه سبد أهل البلد وعظيمهم فأذن له. كان عبد المطلب بهيًا ذا هيبة وجمال، فلمام رأى أبرهة عظمته جلس معه وخاطبه وألان له، ثم سأل ترجانه ماذا يريد؟ وما حاجته؟ فقال: أريد مائتي بعير لي نهبت، أريد أن يعيدها لي، فقال أبرهة للترجمان: قل له: إنك لما دخلت علي عظمتك وأحببتك ورأيت أنك ذا كمال وعقل، وأنت لست كذلك، كيف تسألني عن مائتي بعير لك؟ ! ولا تسألني وتشفع إلي أن أرجع عن هدم بيت هو قبلتك وقبلة آبائك وشرفك وشرفهم؟ ! فقال
стр. 3183
عبد المطلب مجيبًا له: أيها الملك، إن هذه الأبل ملكي وأنا صاحبها فأنا أسألك عنها، وأطلب منك أن تعيدها علي، أما هذا البيت فأنت مأزم ومتصمم على هدمه وله رب حاضر قادر يمنعك عنه، فأعاد عليه الإبل، فانصرف عبد المطلب حتى وقف بباب الكعبة فقال:
لا هم إن العبد يمـ ... ـنع رحله فامنع رحالك
لا يغلبن صليبهم ... ومحالهم غدوا محالك
إن كنت تاركهم وقبـ ... ـلتنا فأمر ما بدا لك
ثم صعد إلى جبل أبي (قبيس) هو وأصحابه فجلس به، وأصبح برهة متوجهًا إلى مكة مجمعًا على هدم البيت وإخرابه وقدم قبله محمود، فلما توجه تلقاء مكة خطوات برك الفيل فضربوه فلم يقم، ووجهوا إلى غير جهة الحرام فهرول، فكان إذا وجهوه إلى جهة الحرام برك، وإذا وجه إلى غير جهة الحرام يهرول.
وفي هذا الحال أرسل الله -جل شأنه- طيورًا سودًا من البحر يقال لها: (الأبابيل) في منقارها حجر، وفي يدها حجر مقدار العدس، لا يصيب شخصًا إلا قتله، فألقت عليهم الحجارة فأصابت جماعة منهم فهلكوا وفر الباقون هاربين، وكان ممن أصيب أبرهة، فلم يزل ينقطع جسده إلى أن وصل صنعاء اليمن فمات بها، وذلك قول الله سبحانه: ﴿ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل (١) ألم يجعل كيدهم في تضليل (٢) وأرسل عليهم طيرًا أبابيل (٣) ترميهم بحجارة من سجيل (٤) فجعلهم كعصف مأكول (٥)﴾ [الفيل].
انتهى، والله الموفق للصواب وإليه المرجع والمآب.
стр. 3184
النوع الثامن والثلاثون بعد المائة علم أمثال القرآن
стр. 3185
النوع الثامن والثلاثون بعد المائة علم أمثال القرآن
فصل في ذكر أمثال القرآن في القرآن اثنان وأربعون مثلًا .
في (البقرة) قوله تعالى: ﴿مثلهم كمثل الذي استوقد نارا﴾ [البقرة: ١٧]، ﴿أو كصيب﴾ [البقرة: ١٩]، ﴿أن يضرب مثلًا ما بعوضة﴾ [البقرة: ٢٦]، ﴿كمثل صفوان عليه تراب﴾ [البقرة: ٢٦٤]، ﴿ومثل الذين ينفقون أموالهم﴾
стр. 3186
[البقرة: ٢٦٥]، ﴿أيود أحدكم﴾ [البقرة: ٢٦٦]، ﴿كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس﴾ [البقرة: ٢٧٥].
وفي (آل عمران): ﴿وكنتم على شفا حفرة من النار﴾ [١٠٣]، ﴿مثل ما ينفقون﴾ [١١٧].
وفي (الأنعام): ﴿كالذي استهوته الشياطين﴾ [٧١].
وفي (الأعراف): ﴿فمثله كمثل الكلب﴾ [١٧٦].
стр. 3187
وفي (يونس): ﴿إنما مثل الحياة الدنيا﴾ [٢٤].
وفي (هود): ﴿مثل الفريقين﴾ [٢٤].
وفي (الرعد): ﴿إلا كباسط كفيه إلى الماء﴾ [١٤]، ﴿وأنزل من السماء ماء﴾ [١٤]،
стр. 3188
﴿مثل الجنة﴾ [٣٥].
وفي (إبراهيم): ﴿مثل الذين كفروا بربهم﴾ [١٨]، ﴿ومثل كلمة خبيثة﴾ [٢٦].
وفي (الكهف): ﴿واضرب لهم مثلًا رجلين﴾ [٣٢].
وفي (الحج): ﴿فكأنما خر من السماء﴾ [٣١]، ﴿ضرب مثل﴾ [٧٣].
стр. 3189
وفي سورة (النور): ﴿أعمالهم كسراب﴾ [٣٩].
وفي (العنكبوت): ﴿مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء كمثل العنكبوت﴾ [٤١].
وفي (الروم): ﴿ضرب لكم مثلًا﴾ [٢٨].
وفي (الزمر): ﴿ضرب الله مثلًا رجلًا﴾ [٢٩].
وفي سورة (محمد ﷺ : ﴿مثل الجنة﴾ [١٥].
стр. 3190
وفي (الفتح): ﴿ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل﴾ [٢٩].
وفي (الحشر): ﴿كمثل الذين من قبلهم﴾ [١٥]، ﴿كمثل الشيطان﴾ [١٦].
وفي (الجمعة): ﴿مثل الذين حملوا التوراة﴾ [٥].
وفي (التحريم): ﴿ضرب الله مثلًا للذين كفروا﴾، ﴿وضرب مثلًا للذين آمنوا﴾ [١٠، ١١].
وذكر الحافظ السيوطي -رحمه الله تعالى- في «الإتقان» في النوع السادس والستين في أمثال القرآن: قال تعالى: ﴿ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل لعلهم يتذكرون (٢٧)﴾ [الروم: ٢٧].
وقال عز من قائل: ﴿وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون (٤٣)﴾ [العنكبوت: ٤٣].
وأخرج البيهقي عن أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه- قال: قال
следующие страницы →