Полный текст (4 238 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.
стр. 316
ويفسده أنهم متى كان ظنهم أنهم قد استغنوا من تعففهم على أنهم فقرأ من المال، فلا يكون جاهلاً بحالهم، وإنما هي متعلقة بـ (يحسب)، وهي للتعليل. انتهى.
وهي في غاية الجودة.
ومن ذلك ما نقله في " المغني " ما حكاه بعضهم: أنه سمع شيخاً يعرب لتلميذه (قيماً) في قوله تعالى: (ولم يجعل له عوجاً قيماً) [الكهف: ١ - ٢] صفة لعوجاً.
قال فقلت له: يا هذا كيف يكون العوج قيماً؟ وترحمت على من وقف من القراء على ألف التنوين في (عوجاً)، وقفة لطيفة ليدفع هذا الوهم. انتهى.
وهذا من الفصول الموصول كما سيأتي في نوعه، و (قيما) حال من اسم محذوف هو وعامله، أي: أنزله قيماً.
الجهة الثانية التي يدخل على المعرب الغلط بسببها: أن يكون
стр. 317
المعنى صحيحاً غير أنه لا يصح في صناعة النحوي، ولا يجري على القواعد المعروفة عند أهله.
مثال ذلك: قول بعضهم في قوله تعالى: (وأنه أهلك عاداً الأولى. وثمود فما أبقى) [النجم]: أن (ثمود) مفعول مقدم.
قال في " المغني ": وهذا ممتنع؛ لأن (ما) النافية لها الصدر، فلا يعمل ما بعدها فيما قبلها، وإنما هو معطوف على (عاداً)، أو هو بتقدير: (وأهلك ثمودا).
ومن ذلك قول الحوفي: أن الباء في قوله تعالى: (فناظرة بم يرجع المرسلون) [النمل: ٣٥] متعلقة بناظرة.
قال في " المغني ": يرده أن الاستفهام له الصدر، ومثله قول ابن عطية في (قاتلهم الله أنى يؤفكون) [التوبة: ٣٠] إن أنى ظرف لـ (قاتلهم الله)، وأيضاً فيلزم كون يؤفكون لا موقع لها حينئذٍ. والصواب تعلقهما بما بعدهما.
ونظيرهما قول المفسرين في قوله: (ثم إذا دعاكم دعوة من الأرض إذا أنتم منه تخرجون) [الروم: ٢٥]: أن المعنى: إذا أنتم تخرجون من الأرض. فعلقوا ما قبل إذا بما بعدها. حكى ذلك عنهم أبو حاتم في كتاب " الوقف
стр. 318
والابتداء ". وهذا لا يصح في العربية.
وقول بعضهم في (ملعونين أينما ثقوفوا أخذوا) [الأحزاب: ٦١]: أن ملعونين حال من معمول (ثقفوا) أو (أخذوا). ويرده أن الشرط له الصدر، والصواب أنه منصوب على الذم. وأما قول أبي البقاء: إنه حال من فاعل (يجاورونك). فمردود، لأن الصحيح أنه لا يستثنى بأداة واحدة دون عطف شيئان.
وقول آخر في (وكانوا فيه من الزاهدين) [يوسف: ٢٠] أن (في) متعلقة بـ (زاهدين) المذكور. وهذا ممتنع إذا قدرت (الـ) موصولة وهو الظاهر؛ لأن معمول الصلة لا يتقدم على الموصول، فيجب تعلقها بأعني محذوفة. أو بـ (زاهدين) محذوفاً مدلولاً عليه بالمذكور، أو بالكون المحذوف الذي تعلقه به (من الزاهدين)، وأما إن قدرت (الـ) للتعريف فواضح. انتهى كلام ابن هشام.
الجهة الثالثة من الجهات التي يحصل الخطأ بسببها على المعرب: تخريج بعض الأشياء على ما لم يثبت في العربية.
كما في قول أبي عبيدة في قوله تعالى: (كمآ أخرجك ربك من بيتك بالحق) [الأنفال: ٥]: أن الكاف حرف قسم، وأن المعنى: أن الأنفال لله والرسول والذي أخرجك من بيتك.
стр. 319
وقد شنع ابن الشجري على مكي، حيث نقل هذا القول، وسكوته عليه.
وقال: لو أن رجلاً قال: كالله لأفعلن كذا. لاستحق أن يبصق في وجهه.
والحاصل: أنه لم يثبت في العربية أن الكاف حرف قسم.
الجهة الرابعة من الجهات التي يحصل على المعرب بسببها الخطأ في الإعراب: تخريج الكلام على الأوجه الضعيفة، والأمور البعيدة، واللغات الشاذة، خصوصاً في الكتاب العزيز.
فلا ينبغي أن يخرج إلا على أحسن الأوجه، وأقوى الأقوال. وأما إذا أراد المعرب تمرين الطالب وبيان الوجوه فلا بأس، لكن في غير القرآن، فإنه لا ينبغي أن يذكر فيه إلا ما يغلب على الظن أنه من بعض معاني اللفظ.
فمن ذلك قول من قال في قوله تعالى: (إن الذين كفروا بالذكر لما جاءهم وإنه لكتاب عزيز) [فصلت] أن خبره (أولئك ينادون من مكان بعيد) [٤٤]. وبينهما هذه الجمل الكثيرة وهو بعيد أن يكون الخبر (ينادون من مكان بعيد)، واختلفوا في الخبر هل مذكور؟ أو محذوف؟ . ومن قال إنه موجود، تعسف.
стр. 320
وعندي أنه محذوف، تقديره: إن الذين كفروا بالذكر لما جاءهم وهو حق.
ومن ذلك قول من قال في قول الله تعالى: (ص والقرآن ذي الذكر) [ص] أن جواب القسم (إن لحق تخاصم أهل النار) وبينهما من البعد ما لا يخفى. والصواب أن جوابه محذوف، أي: ليس الأمر كما زعموا.
ومن ذلك قول من قال في قوله تعالى: (فلا جناح عليه أن يطوف بهما) [البقرة: ١٥٨]: أن الوقف على (فلا جناح) و (عليه) إغراء، أي: أمر بالتطوف. قال ابن هشام: ويرده أن إغراء الغائب ضعيف. انتهى.
وقد فسرته عائشة - رضي الله تعالى عنه - وغيرها بما ينافي الإغراء.
ومن ذلك قول بعضهم، أيضاً، في قول الله تعالى: (قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئاً) [الأنعام: ١٥١]: أن الوقف على (ربكم) و (عليكم) إغراء، وهو بعيد جداً عن معنى الآية الشريفة، وإن استحسنه ابن هشام في " المغني " وتبعه الحافظ السيوطي في " الإتقان " قال: وبه يتخلص عن إشكال في الآية ظاهر يحوج إلى تأويل. انتهى.
стр. 321
والإشكال ذكره العلامة التفتازاني في حاشيته على " الكشاف " وأجاب عنه، فراجعه.
ومن ذلك قول من قال في قوله تعالى: (ليذهب عنكم الرجس أهل البيت) [الأحزاب: ٣٣]، إنه من الاختصاص، فيكون منصوباً على معنى أخص أهل البيت. قال ابن هشام: وهو ضعيف لوقوعه بعد ضمير الخطاب، مثل: " بك الله أرجو الفضل "، وإنما الأكثر أن يقع بعد ضمير المتكلم كالحديث: " نحن معاشر الأنبياء لا نورث "، والصواب: أنه منادى. انتهى.
ومن ذلك قول من قال في قوله تعالى: (تماماً على الذي أحسن) [الأنعام: ١٥٤] في قراءة يحيى بن يعمر بالرفع أن أصله: الذي أحسنوا، فحذفت الواو وعوضت عنها الضمة؛ لأن ذلك لا يصح إلا في الشعر، وقدره خبر مبتدأ محذوف تقديره هو.
стр. 322
ومن ذلك قول بعضهم في قوله تعالى: (عيناً فيها تسمى سلسبيلاً) [الإنسان]: أن الوقف على قوله: (تسمى) ثم يستأنف فيقول: (سل) فعل أمر من السأل، (سبيل) إليها، أي: طريقاً موصلاً، وما أبعد هذا المعنى، وسيأتي في غرائب التفسير من هذا النوع، وكل حزب بما لديهم فرحون، وبعض الخلق أفهامهم لا تجنح ولا يستلذ إلا بمثل هذا النوع مما يستعبد ويستهجن.
ومن ذلك أيضاً، حمل قوله تعالى: (وامسحوا برءوسكم وأرجلكم إلى الكعبين) [المائدة: ٦] على قراءة الجر, أن الجر هنا للمجاورة، وهو بعيد؛ لكونه لم يثبت في كلام العرب إلا شاذاً قليلاً، ولا يتخرج عليه الكتاب العزيز، والأحسن عطفه على الرؤوس لإشارته إلى تخفيف غسل الرجلين؛ لما كانت مظنة الإسراف.
الجهة الخامسة التي حصل للمعرب بسببها الخطأ في الإعراب: أن يهمل بعض الأوجه في إعراب اللفظة المعروفة المشهورة.
فينبغي أن يذكر ما يحتمله اللفظ من أوجه الإعراب.
فمن ذلك قوله تعالى: (إنك أنت السميع العليم) [البقرة: ١٢٧، آل عمران: ٣٥] يذكر الوجوه فيه، وهي أن يكون ضمير فصل أو مبتدأ أو تأكيداً.
стр. 323
ويصح في قوله تعالى: (إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب) [ق: ٣٧]، أن تكون كان ناقصة أو تامة أو زائدة وهو أضعفها.
ومثله قوله تعالى: (فانظر كيف كان عاقبة مكرهم) [النمل: ٥١].
ومثله قوله تعالى: (وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحياً) [الشورى: ٥١].
ومن ذلك قوله تعالى: (يريكم البرق خوفاً وطمعاً) [الرعد: ١٢، والروم: ٢٤] ويحتمل أن نصب (خوفاً وطمعاً) على المصدرية، أو الحال، أو المفعول لأجله، فالمصدرية على تقدير: فتخافون خوفاً وتطمعون طمعاً، والحال على معنى حال كونهم خائفين، وحال كونهم طامعين، والمفعول لأجله، أي: لأجل الخوف والأجل الطمع.
هذه الأوجه صحيحة في المضارعة، وإن خالف في ذلك بعض النحاة.
ومن ذلك قوله تعالى: (وقاتلوا المشركين كآفة) [التوبة: ٣٦]، فكافة يحتمل أن تكون حالاً من الفاعل أو من المفعول، فمعناه على الحال من الفاعل: أي حال كونكم مجتمعين، ومن المفعول: (قاتلوا المشركين كلهم).
ومن ذلك قوله تعالى: (قالوا ءامنا برب العالمين. رب موسى وهارون) [الأعراف: ١٢١]، يحتمل (رب موسى) أن يكون بدلاً من (رب العالمين)، أو عطف بيان.
ومثله: (نعبد إلهك وإله ءابآئك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق) [البقرة: ١٣٣].
стр. 324
ومن ذلك قوله تعالى: (سبح اسم ربك الأعلى) [الأعلى: ١]، يحتمل أن يكون الأعلى صفة للاسم أو صفة للرب.
الجهة السادسة التي يدخل على المعرب بسببها الخطأ: أن يراعي الشروط بحسب الأبواب.
فإن العرب يشترطون في باب شيئاً، ويشترطون في آخر نقيض ذلك الشيء على ما اقتضته حكمة لغتهم وصحيح أقيستهم، فإذا لم يتأمل المعرب اختلطت عليه الأبواب والشرائط.
فلنذكر بعض ما وقع من الوهم لبعض المعربين، ليحترز عنه:
فمن جملة شروطهم: الجمود لعطف البيان، والاشتقاق للنعت. وقد اعترض على الزمخشري في قوله تعالى: (ملك الناس. إله الناس) [الناس: ٢ - ٣] أنهما عطفا بيان؛ لأنهما مشتقان.
والصواب أنهما صفتان للرب. وقد أجيب عن الزمخشري أن (ملك الناس) و (إله الناس) جريا مجرى الجوامد في الاستعمال.
وقد اعترض على الزمخشري أيضاً في إعرابه (ذلكم الله ربكم) [الأنعام: ١٠٢، ويونس: ٣، وفاطر: ١٣، والزمر: ٦، وغافر: ٦٢، ٦٤]، يجوز كون اسم الله تعالى صفة للإشارة، أو بياناً، و (ربكم) الخبر.
стр. 325
قال ابن هشام في " المغني ": جوز في الشيء الواحد الذات والصفة، وجوز كون العلم نعتاً، وإنما العلم ينعت ولا ينعت به، وجوز نعت اسم الإشارة بما ليس معرفاً بلام الجنس، وذلك مما أجمعوا على بطلانه. انتهى.
ومن ذلك اشتراطهم التنكير في الحال والتمييز، وقد اعترض على مكي في قوله تعالى: (فإنه ءاثم قلبه) [البقرة: ٢٨٣] في قراءة ابن أبي عبلة بنصب قلبه، أن (قلبه) تمييز وهو معرفة بإضافته إلى الضمير والصواب أنه مفعول (ءاثم) أو بدل من (ءاثم).
стр. 326
ومن ذلك اشتراطهم الإبهام لظروف المكان؛ ولهذا اعترض على الزمخشري في قوله تعالى: (فاستبقوا الصراط) [يس: ٦٦]، وفي قوله تعالى: (سنعيدها سيرتها الأولى) [طه: ٢١] أن هذه منصوبتان على الظرف.
قال ابن هشام - رحمه الله تعالى -: وإنما يكون ظرفاً مكانياً ما كان مبهماً. ويعرف بكونه صالحاً لكل بقعة، كمكان، وناحية، وجهة، وجانب، وأمام. والصواب أن هذه المواضع على إسقاط الجار توسعاً. انتهى.
فيكون: فاستبقوا إلى الصراط، وسنعيدها إلى سيرتها الأولى.
ومن ذلك: اشتراطهم لبعض الأشياء الجملة الفعلية، ولبعضها الاسمية: فالأولى جملة الشرط غير لو، وجملة جواب الشرط، ولولا، والجملتان بعدهما، والجملة الثالثة أحرف التخصيص، وجملة أخبار أفعال المقاربة، وخبر أن المفتوحة، فقول الله تعالى: (وإن امرأة خافت من بعلها) [النساء: ١٢٨]، وقوله تعالى: (وإن أحد من المشركين استجارك) [التوبة: ٦] مقدر فيه الجملة الفعلية؛ لأن أدوات الشرط لا يليها إلا الجملة الفعلية.
فالمعنى: إن خافت امرأة خافت، وإن استجارك أحد من المشركين استجارك، وهو على مذهب البصريين، والكوفيين يجيزون أن تكون جملة الشرط وجوابه غير فعليتين.
الجهة السابعة من الجهات التي يحصل للمعرب بسببها الخطأ في الإعراب: أن يحمل كلاماً على شيء ويشهد استعمال آخر في نظير ذلك
стр. 327
الموضع على خلافه.
فمن ذلك قول بعضهم في قول الله تعالى في: (ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى) [البقرة: ٢]: أن الوقف على قوله تعالى: (لا ريب فيه)، ويبتدئ: (فيه هدى للمتقين). ويدل على خلاف ذلك قوله في سورة (السجدة): (تنزيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين) [السجدة].
ومن ذلك قول بعضهم في نحو: (وما ربك بظلام) [فصلت: ٤٦] و (وما الله بغافل) [البقرة: ٧٤، ٨٥، ١٤٠، ١٤٤. وآل عمران: ٩٩] أن المجرور في موضع نصب، أو رفع على أن (ما) حجازية أو تميمية. والصواب الأول؛ لأن الخبر لم يجئ في التنزيل مجرداً من الباء إلا وهو منصوب، نحو قول الله: (ما هذا إلا بشراً) [يوسف: ٣١].
ومن ذلك قول بعضهم في قوله تعالى: (ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله) [الزخرف: ٨٧] أن الاسم الكريم إما مبتدأ أو فاعل. وعلى تقدير المبتدأ " الله خالقهم "، وعلى تقدير الفاعل " خلقهم الله " ويشهد لكونه فاعلاً قوله تعالى في الآية الأخرى: (ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن خلقهن العزيز العليم) [الزخرف: ٩]، فصرح بأنه فاعل. كذا قاله ابن هشام في " المغني "، فليتأمل.
الجهة الثامنة من الجهات التي يدخل على المعرب الخطأ بسببها: أن يحمل على شيء وفي ذلك الموضع ما يدفعه.
وهذا أصعب من الذي قبله، فمن ذلك:
стр. 328
قول من قال في قوله تعالى: (إن هذان لساحران) [طه: ٦٣]: إنها " إن " واسمها ضمير و" ذان " مبتدأ، والمعنى: إنه أي الشأن والقصة، وذان ساحران مبتدأ وخبر، ويدفعه أن رسم " إن " منفصلة، و"هذان " متصلة. ولو كان كذلك لا تصل معها الضمير.
ومن ذلك قول من قال من قوله تعالى: (ولا الذين يموتون وهم كفار) [النساء: ١٨]: اللام للابتداء، و" الذين " مبتدأ، والجملة بعدها خبر.
ويدفعه أن الرسم " ولا " ذلك يقتضي أنه مجرور عطفاً على " الذين يعملون السيئات "، لا مرفوعاً بالابتداء.
ومن ذلك قول من قال في قوله: (أيهم أشد على) [مريم: ٦٩] أي: هم أشد مبتدأ وخبره " أي " مقطوعة عن الإضافة، وهو باطل برسم " أيهم " متصلة.
الجهة التاسعة من الجهات التي يدخل على المعرب بسببها الخطأ: أن لا يتأمل عند ورود المشتبهات.
ولذلك أمثلة، منها:
" أحصى "، فإنها تقع في بعض المواضع أفعل التفضيل، مثل قولك:
стр. 329
" فلان أحصى الناس عدداً ". وتقع فعلاً ماضياً، والمنصوب مفعول مثل قوله تعالى: (وأحصى كل شيء عددا) [الجن: ٢٨]. وقد وهم من قال في قوله تعالى: (أحصى لما لبثوا أمداً) [الكهف: ١٢] إنه أفعل تفضيل. والحال أنه فعل ماض.
ومن ذلك: (اغترف غرفة) [البقرة: ٢٤٩]، إن فتحت الغين فمفعول مطلق، أو ضممتها فمفعول به، وقد قرئ بهما.
الجهة العاشرة من الجهات التي يدخل على المعرب بسببها الغلط في الإعراب: أن يخرج الكلام على خلاف الأصل، أو خلاف الظاهر، لغير مقتضى.
فمن ذلك قول مكي في قوله تعالى: (يا أيها الذين ءامنوا لاتبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى كالذي ينفق ماله رئاء الناس) [البقرة: ٢٦٤]: أن الكاف نعت لمصدر محذوف، أي إبطالاً كالذي.
قال ابن هشام في " المغني ": ويلزمه أن يقدر إبطالاً كإبطال إنفاق الذي ينفق، والوجه أن يكون " كالذي " حالاً من الواو، أي: لا تبطلوا صدقاتكم مشبهين الذي ينفق. فهذا الوجه لا حذف فيه. انتهى.
стр. 330
فهذه عشر جهات ينبغي أن يلاحظها المعرب، خصوصاً الناظر في كتاب الله تعالى، ذكرها ابن هشام في " المغني " لختصها هنا.
وينبغي أن يتجنب إطلاق لفظ الزائد في كتاب الله تعالى، فإن الزائد قد يفهم منه أنه لا معنى له، وكتاب الله منزه عن ذلك، ولذا فر بعضهم إلى التعبير بالتأكيد والصلة والمقحم.
قال ابن الخشاب: اختلفوا في جواز إطلاق الزائد في القرآن، والأكثرون على جوازه. نظراً إلى أنه نزل بلسان القوم وبتعارفهم؛ لأن الزائدة بإزاء الحذف هو الاختصار، وهذا للتوكيد والتوطئة.
ومنهم من أبى ذلك وقال: هذه الألفاظ المحمولة على الزيادة جاءت لفوائد ومعان تخصها، فلا يقضي عليها بالزيادة.
стр. 331
قال: والتحقيق أنه إذا أريد بالزيادة إثبات معنى لا حاجة إليه، فباطل؛ لأنه عبث، فتعين أن إليه الحاجة، لكن الحاجات إلى الأشياء تختلف بحسب المقاصد، فليست الحاجة إلى اللفظ الذي عد هؤلاء زيادته، كالحاجة إلى لفظ المزيد عليه. انتهى.
قال الحافظ السيوطي في " الإتقان ": وأقول: بل الحاجة إليه كالحاجة إليه، سواء بالنظر إلى مقتضى الفصاحة والبلاغة، وأنه لو ترك لكان الكلام دونه - مع إفادة أصل المعنى المقصود - أبتر خالياً من الرونق البليغ لا شبهة في ذلك، ومثل هذا يستشهد عليه بالإسناد البياني الذي خالط كلام الفصحاء، وعرف مواقع استعمالهم، وذاق حلاوة ألفاظهم، وأما النحوي الجافي، فعن ذلك بمنقطع الثرى. انتهى.
فائدة:
قال أبو عبيد في " فضائل القرآن ": حدثنا أبو معاوية عن هشام بن
стр. 332
عروة عن أبيه قال: سألت عائشة - رضي الله تعالى عنها - عن لحن القرآن، عن قوله تعالى: (إن هذان لساحران) [طه: ٦٣]، وعن قوله : (والمقيمين الصلاة والمؤتون الزكاة) [النساء: ١٦٢]، وعن قوله عز من قائل: (إن الذين ءامنوا والذين هادوا والصابئون) [المائدة: ٦٩] فقالت: يا ابن أخي هذا عمل الكتاب، أخطأوا في الكتاب.
هذا إسناد صحيح على شرط الشيخين.
وقال: حدثنا حجاج عن هارون بن موسى، أخبرني الزبير بن الخريت، عن عكرمة قال: لما كتبت المصاحف، عرضت على عثمان
стр. 333
- رضي الله تعالى عنه - فوجد فيها حروفاً من اللحن، فقال: لا تغيروها.
فإن العرب ستغيرها - أو قال ستعربها - بألسنتها لو كان الكاتب من ثقيف والمملي من هذيل، لم توجد فيه هذه الحروف. أخرجه ابن الأنباري في " الرد على من خالف مصحف عثمان " وابن أشته في كتاب " المصاحف ".
ثم أخرج ابن الأنباري نحوه من طريق عبد الأعلى بن عبد الله بن عامر، وابن أشته نحوه من طريق يحيى بن يعمر.
وأخرج من طريق أبي بشر ...........................................................................
стр. 334
عن سعيد بن جبير: أنه كان يقرأ: " والمقيمين الصلاة " ويقول: هو لحن من الكاتب.
وهذه الآثار مشكلة جداً. وكيف يظن بالصحابة أولاً أنهم يلحنون في الكلام، فضلاً عن القرآن، وهم الفصحاء الللد؟ ! .
ثم كيف يظن بهم ثانياً في القرآن الذي تلقوه من النبي ﷺ كما أنزل، وحفظوه، وضبطوه، وأتقنوه! .
ثم كيف يظن بهم ثالثاً اجتماعهم كلهم على الخطأ وكتابته؟ ! .
ثم كيف يظن بهم رابعاً عدم تنبههم ورجوعهم عنه؟ ! .
ثم كيف يظن بعثمان أنه ينهى عن تغييره؟ ! .
ثم كيف يظن أن القراءة استمرت على مقتضى ذلك الخطأ، وهو مروي بالتواتر خلفاً عن سلف؟ ! .
هذا مما يستحيل عقلاً وشرعاً وعادةً.
وقد أجاب العلماء عن ذلك بثلاثة أجوبة:
стр. 335
أحدها: أن ذلك لا يصح عن عثمان - رضي الله تعالى عنه -، فإن إسناده ضعيف مضطرب منقطع، ولأن عثمان - رضي الله تعالى عنه -، جعل للناس إماماً يقتدون به، فكيف يرى فيه لحناً ويتركه لتقيمه الغرب بألسنتها.! ، فإذا كان الذين تولوا جمعه وكتابته لم يقيموا ذلك وهم الخيار؛ فكيف يقيمه غيرهم؟ ! وأيضاً لم يكتب مصحفاً واحداً، بل كتب عدة مصاحف.
فإن قيل: اللحن قد وقع في جميعها، فبعيد اتفاقها على ذلك، أو في بعضها. فهو اعتراف بصحة البعض، ولم يذكر أحد من الناس أن اللحن كان في مصحف دون مصحف، ولم تأت المصاحف قط مختلفة، إلا فيما هو من وجوه القراءة، وليس ذلك بلحن.
الوجه الثاني: على تقدير صحة الروايات، إن ذلك مؤول على الرمز والإشارة، ومواضع الحذف، ونحو: (الكتاب) و (الصابرين)، وما أشبه بذلك.
الثالث: أنه مؤول على أشياء خالف لفظها رسمها، كما كتبوا قوله تعالى: " ولا أوضعوا " [التوبة: ٤٧] و" لأذبحنه " [النمل: ٢١] بألف بعد " لا "،
стр. 336
و (جزآؤا الظالمين) [المائدة: ٢٩] بواو وألف. و (بأييد) [الذاريات: ٤٧] بيائين. فلو قرئ ذلك بظاهر الخط لكان لحناً. وبهذا الجواب وما قبله، جزم ابن أشته في كتابه " المصاحف ".
وقال ابن الأنباري في كتاب: " الرد على من خالف مصحف عثمان ": والأحاديث المروية عن عثمان في ذلك لا تقوم بها حجة؛ لأنها منقطعة غير متصلة، وما يشهد عقل بأن عثمان وهو إمام الأمة الذي هو إمام الناس في زمنه وقدوتهم، يجمعهم على المصحف الذي هو (الإمام)، فيتبين فيه خلل، ينزل ويشاهد في خطه زلل فلا يصلحه!
كلا والله، ما يتوهم عليه هذا ذو إنصاف وتمييز، ولا يعتقد أنه آخر الخطأ في الكتاب ليصلحه من بعده، وسبيل الجائين من بعده البناء على رسمه، والوقوف على حكمه.
ومن زعم أن عثمان أراد بقوله: " أرى فيه لحناً ": أرى في خطه لحناً، إذا أقمناه بألسنتنا، كان لحن الخط غير مفسد ولا محرف من جهة تحريف الألفاظ وإفساد الإعراب، فقد أخطأ ولم يصب؛ لأن الخط منبئ عن النطق،
стр. 337
فمن لحن في كتبه فهو لاحن في نطقه، ولم يكن عثمان ليؤخر فساداً في هجاء ألفاظ القرآن من جهة كتبٍ ولا نطقٍ، ومعلوم أنه كان مواصلاً لدرس القرآن، متقناً لألفاظه، موافقاً على ما رسم في المصاحف المنفذة إلى الأمصار والنواحي.
ثم أيد ذلك بما أخرجه أبو عبيد قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي عن عبد الله بن المبارك، أنبأنا أبو وائل - شيخ من أهل اليمن - عن هانئ البربري، مولى عثمان ﵁ قال: كنت عند عثمان وهم يعرضون المصاحف، فأرسلني بكتف شاة إلى أبي بن كعب فيها: " لم يتسن "، وفيها: " لا تبديل للخلق "، وفيها: " فأمهل الكافرين ".
قال: فدعى بالدواة فمحى أحد اللامين، فكتب (لخلق الله) [الروم: ٣٠] ومحى " فأمهل " وكتب " فمهمل " [الطارق: ١٧] وكتب (لك يتسنه) [البقرة: ٢٥٩] ألحق فيها الهاء.
стр. 338
قال ابن الأنباري: فكيف يدعى عليه أنه كتب فساداً فأمضاه وهو يوقف على ما كتب ويرفع الخلاف إليه الواقع من الناسخين، ليحكم بالحق، ويلزمهم إثبات الصواب وتخليده. انتهى.
قال الحافظ السيوطي - رحمه الله تعالى -: قلت: ويؤيد هذا أيضاً، ما أخرجه ابن أشته في " المصاحف "، قال: حدثنا الحسن بن عثمان، أنبأنا الربيع بن بدر، عن سوار بن شبيب، قال: سألت ابن الزبير عن المصاحف، فقال قام رجل إلى عمر - رضي الله تعالى عنه -، فقال: يا أمير المؤمنين، إن الناس قد اختلفوا في القرآن، فكان عمر قد هم أن يجمع
стр. 339
القرآن على قراءة واحدة، فطعن طعنته التي مات منها، فلما كان في خلافة عثمان قال ذلك الرجل فذكر له، فجمع عثمان المصاحف، ثم بعثني إلى عائشة فجئت بالصحف، فعرضناها عليه، حتى قومناها ثم أمر بسائرها فشققت.
فهذا يدل على أنهم ضبطوها وأتقنوها، ولم يتركوا فيها ما يحتاج إلى إصلاح ولا تقويم.
قال ابن أشته: أنبأنا محمد بن يعقوب، أنبأنا أبو داود سليمان بن الأشعث، أنبأنا حميد بن مسعدة، أنبأنا إسماعيل، أخبرني الحارث بن عبد الرحمن بن عبد الأعلى بن عبد الله بن عامر، قال: لما فرغ من المصحف، أتى به إلى عثمان - رضي الله تعالى عنه - فنظر فيه، فقال: أحسنتم وأجملتم! أرى شيئاً سنقيمه بألسنتنا.
فهذا الأثر لا إشكال فيه، وبه يتضح معنى ما تقدم، فكأنه عرض عليه
стр. 340
عقيب الفراغ من كتابته، فرأى فيه شيئاً كتب فيه على غير لسان قريش، كما وقع لهم في " التابوه " و" التابوت "، فوعد أنه سيقيمه على لسان قريش، ثم وفى بذلك عند العرض والتقويم، ولم يترك فيه شيئاً.
ولعل من روى تلك الآثار السابقة عنه حرفها ولم يتقن اللفظ الذي صدر من عثمان، فلزم منه ما لزم الإشكال. فهذا أقوى ما يجاب به عن ذلك، ولله الحمد.
وبعد: فهذه الأجوبة لا يصلح منها شيء عن حديث عائشة - رضي الله تعالى عنها -:
أما الجواب بالتضعيف؛ فلأن إسناده صحيح كما ترى.
وأما الجواب بالرمز وما بعده؛ فلأن سؤال عروة عن الأحرف المذكورة لا يطابق، فقد أجاب عنه ابن أشته وتبعه ابن جبارة في " شرح الرائية ": بأن نفس قولها: " أخطئوا "، أي في اختيار الأولى من الأحرف السبعة لجمع الناس عليه؛ لا أن الذين كتبوه من ذلك خطأ لا يجوز.
قال: والدليل على ذلك أن ما لا يجوز مردود بإجماع من كل شيء وإن طالت مدة وقوعه.
وأما قول سعيد بن جبير: " لحن من الكاتب "، فيعني باللحن القراءة واللغة، يعني أنها لغة الذي كتبها وقراءته، وفيها قراءة أخرى.
стр. 341
ثم أخرج عن إبراهيم النخعي أنه قال: " إن هذان لساحران " و" إن هذين لساحران " سواء، لعلهم كتبوا الألف مكان الياء، والواو في قوله تعالى: (والصابئون) و (الراسخون) مكان الياء.
قال ابن أشته: يعني أنه من إبدال حرف في الكتاب بحرف، مثل " الصلاة " و" الزكاة " و" الحياة ".
قال الحافظ السيوطي - رحمه الله تعالى - فأقول: هذا الجواب إنما يحسن لو كانت القراءة بالياء فيها، والكتابة بخلافها، وأما القراءة على مقتضى الرسم فلا.
وقد تكلم أهل العربية على هذه الأحرف ووجهوها على أحسن توجيه.
وأما قوله تعالى: " إن هذان لساحران " [طه: ٦٣] ففيه أوجه:
أحدها: أنه جار على لغة من يجري المثنى بالألف في أحواله الثلاث،
стр. 342
وهي لغة مشهورة لكنانة، وقيل: لبني الحارث.
الثاني: أن اسم " إن " ضمير الشأن محذوف، والجملة مبتدأ وخبر، خبر إن.
الثالث: كذلك، إلا أن " ساحران " خبر مبتدأ محذوف، والتقدير: لهما ساحران.
الرابع: أن " إن " هنا بمعنى نعم.
الخامس: أن " ها " ضمير القصة اسم إن، و" ذان لساحران " مبتدأ وخبر، وتقدم رد هذا الوجه بانفصال " إن " واتصال الهاء في الرسم.
قال الحافظ السيوطي - رحمه الله تعالى -: قلت: وظهر لي وجه آخر، وهو
стр. 343
الإتيان بالألف لمناسبة " ساحران يريدان " كما نون " سلاسلا " لمناسبة " أغلالا "، ومن " سبأ " لمناسبة " بنبأ ".
وأما قوله تعالى: (والمقيمين الصلاة) [النساء: ١٦٢] ففيه أيضاً أوجه:
أحدها: أنه مقطوع إلى المدح بتقدير " أمدح "؛ لأنه أبلغ.
الثاني: أنه معطوف على المجرور في قوله تعالى: (يؤمنون بما أنزل إليك)، أي: ويؤمنون بالمقيمين الصلاة، وهم الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم. وقيل: الملائكة ﵈.
وقيل التقدير: يؤمنون بدين المقيمين؛ فيكون المراد بهم: المسلمين.
وقيل: بما جاء به المقيمين.
الثالث: أنه معطوف على قبل، أي: ومن قبل المقيمين، فحذف " قبل " وأقيم المضاف إليه مقامه.
الرابع: أنه معطوف على الكاف في " قبلك ".
стр. 344
الخامس: أنه معطوف على الكاف في " إليك ".
السادس: أنه معطوف على الضمير في " منهم ".
حكى هذه الأوجه أبو البقاء.
وأما قوله تعالى: (والصابئون) [المائدة: ٦٩]: ففيه أوجه:
أحدها: أنه مبتدأ حذف خبره، أي: والصابئون كذلك.
الثاني: أنه معطوف على محل " إن " مع اسمها، فإن محلهما رفع بالابتداء.
الثالث: أنه معطوف على الفاعل في " هادوا ".
الرابع: أن " إن " بمعنى " نعم " و (الذين ءامنوا) وما بعده في موضع رفع (والصابئون) عطف عليه.
الخامس: أنه معطوف على إجراء صيغة الجمع مجرى المفرد، والنون حرف الإعراب. حكى هذه الأوجه أبو البقاء.
стр. 345
تتميم:
يقرب مما تقدم عن عائشة - رضي الله تعالى عنها - ما أخرجه الإمام أحمد في مسنده وابن أشته في المصاحف، من طريق إسماعيل المكي، عن أبي خلف مولى بني جمح، أنه دخل مع عبيد بن عمير على عائشة فقال: جئت أسألك عن آية في كتاب الله تعالى كيف كان رسول الله ﷺ يقرؤها؟ فقالت: أيةُ آيةٍ؟ قال: (والذين يؤتون مآ ءاتوا) [المؤمنون: ٦٠] أو (والذين يأتون مآ ءاتوا)، فقالت: أيهما أحب إليك؟ قلت: والذي نفسي بيده لإحداهما أحب إلي من الدنيا جميعاً، فقالت: أيتهما؟ قلت: (والذين يؤتون مآ ءاتوا) فقالت: أشهد أن رسول الله ﷺ كذلك يقرؤها، وكذلك أنزلت، ولكن الهجاء حرف.
وما أخرجه ابن جرير وسعيد بن منصور في سننه من طريق سعيد بن جبير، عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما -، في قوله تعالى: (حتى تستأنسوا
стр. 346
وتسلموا) [النور: ٢٧] قال: إنما هي خطأ من الكتاب " حتى تستأذنوا وتسلموا ". أخرجه ابن أبي حاتم بلفظ: هو فيما أحسب مما أخطأت به الكتاب.
وما أخرجه ابن الأنباري من طريق عكرمة عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - أنه قرأ: أفلم يتبين الذين آمنوا أن لو يشاء الله لهدى الناس جميعاً.
فقيل له: إنها في المصحف: (أفلم يايئس الذين ءامنوا) [الرعد: ٣١] فقال: أظن الكاتب كتبها وهو ناعس.
стр. 347
وما أخرجه سعيد بن منصور من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما -: أنه كان يقول في قوله تعالى: (وقضى ربك) [الإسراء: ٢٣]: أنما هي " ووصى ربك " التزقت الواو بالصاد.
وأخرجه عن طريق الضحاك عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - أنه كان يقرأ: " ووصى ربك " ويقول: أمر ربك، إنهما واوان التصقت إحدهما بالصاد.
стр. 348
وأخرجه من طريق آخر عن الضحاك أنه قال: كيف تقرأ هذا الحرف؟ قال: (وقضى ربك). قال: ليس كذلك نقرؤها نحن ولا ابن عباس، إنما هي " ووصى ربك ". وكذلك كانت تقرأ وتكتب، فاستمد كاتبكم فاحتمل القلم مداداً كثيراً، فالتزقت الواو بالصاد؛ ثم قرأ (ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن اتقوا الله) [النساء: ١٣١]، ولو كانت قضاء من الرب لم يستطع أحد رد قضاء الرب، ولكنه وصية أوصى بها العباد.
وأما ما أخرجه سعيد بن منصور وغيره من طريق عمرو بن دينار عن عكرمة عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما -: أنه كان يقرأ: (ولقد ءاتينا موسى وهارون الفرقان وضيآء) [الأنبياء: ٤٨] ويقول خذوا هذه الواو واجعلوها هنا: (الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم) [آل عمران: ١٧٣] الآية.
وأخرج ابن أبي حاتم من طريق الزبير بن خريت عن عكرمة عن ابن
стр. 349
عباس - رضي الله تعالى عنهما - قال: انزعوا هذه الواو فاجعلوها في (الذين يحملون العرش ومن حوله) [غافر: ٧].
وما أخرجه ابن أشته، وابن أبي حاتم من طريق عطاء عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - في قوله تعالى: (مثل نوره) [النور: ٣٥] قال: هي خطأ من الكاتب؛ هو أعظم من أن يكون نوره مثل نور المشكاة، إنما هي " مثل نور المؤمن كالمشكاة ".
وقد أجاب ابن أشته عن هذه الآثار كلها، بيأن المراد أخطئوا في الاختيار، وما هو الأولى لجمع الناس عليه من الأحرف السبعة، لا أن الذي كتب خطأ خارج عن القرآن.
قال: فمعنى قول عائشة - رضي الله تعالى عنها -: (حرف الهجاء) ألقي إلى الكاتب هجاء غير ما كان الأولى أن يلقى إليه من الأحرف السبعة.
قال: وكذا معنى قول ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما -: كتبها وهو ناعس، يعني فلم يتدبر الوجه الذي هو أولى من الآخر. وكذا سائرها.
وأما ابن الأنباري، فإنه جنح إلى تضعيف الروايات ومعارضتها بروايات
стр. 350
أخرى عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - وغيره بثبوت هذه الأحرف في القراءة والجواب الأول أولى وأعقد.
ثم قال ابن أشته: حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، أنبأنا أبو داود، أنبأنا ابن أبي الأسود، أنبأنا يحيى بن آدم، عن عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه، عن خارجة بن زيد، قال: قالوا لزيد: يا أبا سعيد أوهمت، إنما هي ثمانية أزواج، من الضأن اثنين اثنين، ومن المعز اثنين اثنين، ومن الإبل اثنين اثنين، ومن البقر اثنين اثنين. قال: لأن الله جل
стр. 351
شأنه يقول: (فجعل منه الزوجين الذكر والأنثى) [القيامة: ٣٩]، زوجان كل واحد منهما زوج، الذكر زوج والأنثى زوج.
قال ابن أشته: فهذا الخبر يدل على أن القوم كانوا يتخيرون أجمع الأحرف للمعاني وأسلسها على الألسنة، وأقربها في المأخذ، وأشهرها عند العرب للكتاب في المصاحف، وأن الأخرى كانت قراءة مشهورة معروفة عند كلهم، وكذا ما أشبه ذلك. انتهى.
فائدة:
في ما قرئ بثلاثة أوجه: الإعراب أو البناء أو الحذف .
قال الحافظ السيوطي - رحمه الله تعالى - وقد رأيت تأليفاً لطيفاً لأحمد بن يوسف بن مالك الرعيني سماه: " تحفة الأقران في ما قرئ بالتثليث من حروف القرآن ".
(الحمد لله) [الفاتحة: ١]، قرئ بالرفع على الابتداء، والنصب على المصدر، والكسر على اتباع الدال اللام ................................................................................
стр. 352
في حركتها.
(رب العالمين) [الفاتحة: ٢]، قرئ بالجر على أنه نعت، وبالرفع على القطع بإضمار مبتدأ، وبالنصب عليه بإضمار فعل، أو على النداء.
(الرحمن الرحيم) [الفاتحة: ٣]، قرئ بالثلاثة.
(اثنتا عشرة عيناً) [البقرة: ٦٠]، قرئ بسكون الشين وهي لغة تميم،
стр. 353
وكسرها وهي لغة الحجاز، وفتحها وهي لغة.
(بين المرء) [البقرة: ١٠٢، الأنفال: ٢٤]، قرئ بتثليث الميم، فيه لغات.
(فبهت الذي كفر) [البقرة: ٢٥٨]، قرئ بالبناء للمفعول وبالبناء للفاعل بوزن " ضرب، وعلم، وحسن ".
(ذرية بعضها من بعض) [آل عمران: ٣٤]، قرئ بتثليث الذال.
(واتقوا الله الذي تسآءلون به والأرحام) [النساء: ١]، قرئ بالنصب عطفاً على الجلالة، وبالجر عطفاً على ضمير " به "، وبالرفع على الابتداء،
стр. 354
والخبر بالحذف، أي: والأرحام مما يجب أن تتقوه، وأن تحتاطوا لأنفسكم فيه.
(لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر) [النساء: ٩٥]، قرئ بالرفع صفة " القاعدون "، وبالجر صفة " المؤمنين "، وبالنصب على الاستثناء.
(وامسحوا برؤسكم وأرجلكم) [المائدة: ٦]، قرئ بالنصب عطفاً على " الأيدي "، وبالجر على الجوار أو غيره، وبالرفع على الابتداء، والخبر محذوف دل عليه ما قبله.
(فجزآء مثل ما قتل من النعم) [المائدة: ٩٥]، قرئ بجر " مثل " بإضافة
стр. 355
جزاء إليه، وبرفعه وتنوين " مثل " صفة له، وبنصبه مفعول بجزاء.
(والله ربنا) [الأنعام: ٢٣]، قرئ بجر " ربنا " نعتاً أو بدلاً، وبنصبه على النداء، أو بإضمار أمدح، وبرفعه رفع الجلالة، مبتدأ وخبر.
(ويذرك وءالهتك) [الأعراف: ١٢٧]، قرئ برفع " يذرك " ونصبه، وجزمه للخفة.
(فأجمعوا أمركم وشركآءكم) [يونس: ٧١]، قرئ بالنصب " شركاءكم " مفعولاً معه، أو معطوفاً، أو بتقدير وادعوا، وبرفعه عطفاً على ضمير " فأجمعوا "، أو
следующие страницы →