Полный текст (4 238 стр.). Показаны 3221–3260 · переход к 3226.
стр. 3221
زيد وأبوه زيد بن أسلم: العقل في أمر الله. وقال ابن المقفع: ما شهد العقل بصحته. وقال بعضهم: التفكر في أمر الله والاتباع له. وقال عطاء: المغفرة. وقال أبو عثمان: نور يفرق [به] بين الوسواس والإلهام. وقال القاسم بن محمد: إن يحكم عليك خاطر الحق دون شهوتك. وقال بندار بن حسين: سرعة الجواب مع إصابة الحق. وقال الكتاني: ما تسكن إليه الأرواح. وقيل: إشارة بلا علة. وقيل: شهادة الحق على جميع الأحوال. وقيل: صلاح الدين وإصلاح الدنيا. وقيل: العلم
стр. 3222
اللدني، وقيل: تجريد السمع لورود الإلهام. وقيل: الحكمة كمال النفس البشرية بمعرفة ما عليه الوجود الحقي والخلقي.
وقال ابن عطية في «تفسيره»: والأقوال في معنى الحكمة بعضها قريب من بعض؛ لأن الحكمة مصدر من الإحكام والإتقان في عمل أو قول، وكتاب الله حكمة وسنة نبيه حكمة، وكل ما ذكر فهو جزء من الحكمة التي هي الجنس. انتهى.
وحكم القرآن كثيرة فلنورد من ذلك بعض ما تيسر. فمن ذلك قول الله تعالى: ﴿ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب﴾ [البقرة: ١٧٩].
وقال الله تبارك اسمه: ﴿قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولوا الألباب﴾ [الزمر: ٩].
وقول الله : ﴿وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون (٤٣)﴾ [العنكبوت: ٤٣].
وقوله ﷻ : ﴿يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا
стр. 3223
قومًا بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين (٦)﴾ [الحجرات: ٦].
وقال ﵎: ﴿وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بعت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين (٩)﴾ [الحجرات: ٩].
وقال عز من قائل: ﴿يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم﴾ [الحجرات: ١٣].
وقال -جل شأنه-: ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾ [الأنعام: ١٦٤، والإسراء: ١٥، وفاطر: ١٨، والزمر: ٧، والنجم: ٣٨].
وقال تعالى: ﴿وقال رجلٌ مؤمنٌ من آل فرعون يكتم إيمانه أتقتلون رجلًا أن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم وإن يك كاذبًا فعليه كذبه وإن يك صادقًا يصبكم بعض الذي يعدكم إن الله لا يهدي من هو مسرفٌ كذابٌ (٢٨)﴾ [غافر: ٢٨].
وقال -جل شأنه-: ﴿مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارًا بئس مثل القوم الذين كذبوا بآيات الله والله لا يهدي القوم الظالمين (٥)﴾ [الجمعة: ٥].
стр. 3224
وقال تعالى: ﴿وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئًا ولا يهتدون (١٧٠)﴾ [البقرة: ١٧٠].
وقال -جل شأنه-: ﴿كم من فئةٍ قليلةٍ غلبت فئةً كثيرةً بإذن الله والله مع الصابرين (٢٤٩)﴾ [البقرة: ٢٤٩].
والآيات في الحكم كثيرة، وفي هذا القدر كفاية، والله الموفق، انتهى.
стр. 3225
النوع الحادي والأربعون بعد المائة علم حقائق القرآن
стр. 3226
النوع الحادي والأربعون بعد المائة علم حقائق القرآن وهو نوع عظيم جليل من أشرف العلوم، ولم يذكره الحافظ السيوطي -رحمه الله تعالى- في «الإتقان».
اعلم أن القرآن العزيز بحر متموج زخار بالمعاني العظيمة الجليلة، وقد تقدم في أول الكتاب أن للقرآن ظاهرًا وباطنًا وحدًا ومطلعًا.
стр. 3227
وقد نكلم السادة الصوفية -رضي الله تعالى عنهم- على المعاني الباطنة، وغالب ما تكلموا فيه من إرجاع المعاني في الآيات إلى التوحيد الصرف والتعظيمات الإلهية والنعوت الربانية.
وقد صنف القشيري -رحمه الله تعالى- تفسيرًا في ذلك، وغيره من المتقدمين، وكذلك الشيخ نجم الدين البكري. وللشيخ محيي الدين بن عربي -رضي الله تعالى عنه- تفسير كبير، ذكر في بعض تأليفه أنه وصل فيه
стр. 3228
إلى قول الله تعالى: ﴿وعلمناه من لدنا علمًا﴾ [الكهف: ٦٥]، وكان في ستين سفرًا.
وله تفسير صغير جمع فيه بين المعاني الظاهرة والباطنة وهو تام، وللقاشاني تفسير لطيف، أوردنا منه في تفسير الفاتحة في هذا الكتاب ليكون أنموذجًا لطالب المعاني الباطنة في الحقائق الخفية.
قال -رحمه الله تعالى-: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾ اسم الشيء ما يعرف به، وأسماء الله تعالى هي الصور النوعية التي تدل بخصائصها، وهويتها على صفات الله وذاته، وبوجودها على وجهه، وبتعيينها على وحدته، إذ هي ظاهرة التي بها يعرف.
و﴿الله﴾ اسم للذات الإلهية من حيث هي على الإطلاق، لا باعتبار اتصافها.
و﴿الرحمن﴾ هو المفيض للوجود والكمال على الكل بحسب ما تقتضي الحكمة، وتحتمل القوابل على وجه الداية.
و﴿الرحيم﴾ هو المفيض للكمال المعنوي المخصوص بالنوع الإنساني بحسب النهاية، ولهذا قيل: يا رحمن الدنيا والآخرة، ورحيم الآخرة. فمعناه بالصورة الإنسانية الكاملة الجامعة للرحمة العامة والخاصة، التي هي مظهر الذات الإلهي والحق الأعظم مع جميع الصفات أبدًا، وهي الاسم الأعظم،
стр. 3229
وإلى هذا المعنى أشار النبي ﷺ بقوله: «أوتيت جوامع الكلم»، «وبعثت لأتم مكارم الأخلاق»، إذ الكلمات حقائق الموجودات وأعيانها خصوصًا المجردة منها، كما سمي عيسى ﵇ كلمة الله.
ومكارم الأخلاق كمالاتها وخواصها التي هي مصادر أفعالها جميعها محصورة في الكون الجامع الإنساني، وها هنا لطيفة؛ وهي أن الأنبياء ﵈ وضعوا حروف التهجي بإزاء مراتب الموجودات، وقد وجدت في كلام عيسى ﵇، وأمير
стр. 3230
المؤمنين علي -كرم الله وجهه-، وبعض الصحابة -رضي الله تعالى عنهم- ما يشير إلى ذلك.
ولهذا قيل: أظهرت الموجودات من باء ﴿بسم الله﴾؛ إذ هي الحرف الذي يلي الألف، والموضوعة بإزاء ذات الله، وهي إشارة إلى العقل الأول الذي أول ما خلق الله تعالى المخاطب بقوله تعالى: «ما خلقت خلقًا أحب إلي ولا أكرم علي منك، بك أعط، وبك آخذ، وبك أثب، وبك أعاقب ... » الحديث.
والحروف الملفوظة لهذه الكلمة ثمانية عشر، والمكتوبة تسعة عشر، وإذا انفصلت الحروف إلى اثنين وعشرين، فالثمانية عشرة إشارة إلى العوالم المصير عنها بثمانية عشر ألف عالم، إذ الألف هو العدد التام المشتمل على باقي مراتب العداد، فهو أم المراتب الذي لا عدد فوقه؛ أي بحسب المرتبة فعبر بها عن أمهات العوالم التي هي عالم الجبروت، وعالم الملكوت، والعرش، والكرسي، والسماوات السبع، والعناصر الأربعة، والمواليد الثلاثة، التي ينفصل كل منها إلى الجزئيات.
والتسعة عشر إشارة إليها مع العالم الإنساني، فإنه وإن كان داخلًا في عالم
стр. 3231
الحيوان، إلا أنه باعتبار شرفه رجاء معينه للكل وحصره للوجود، عالم آخر له شأن، وجنس برأسه له برهان.
جبريل من بين الملائكة في قوله تعالى: ﴿وملائكته ورسله وجبريل﴾ [البقرة: ٩٨]، والألقاب الثلاثة المحتجبة التي هي تتمة الاثنين والعشرين عند الانفصال إشارة إلى العالم الإلهي الحقي باعتبار الذات والصفات والأفعال، فهي ثلاثة عوالم عند التفصيل، وعالم واحد عند التحقيق. والثلاثة المكتوبة إشارة إلى ظهور تلك العوالم على المظهر الأعظم الإنساني والاحتجاب العالم الإلهي حين سئل رسول الله ﷺ عن ألف ﴿الرحمن﴾ أين ذهبت؟ قال: سرقها الشيطان، وأمر بتطويل باء ﴿بسم الله﴾ تعويضًا عن ألفها، إشارة إلى احتجاب ألوهية الإلهية في صورة الرحمة وظهورها في الصورة الإنسانية حيث لا يعرفه إلا أهله، ولهذا ذكرت في الوضع.
وقد ورد في الحديث: «إن الله تعالى خلق آدم على صورته». فالذات
стр. 3232
محجوبة بالصفات، والصفات بالأفعال بالألوان والآثار، فمن تجلت عليه الأفعال بارتفاع حجب الأفعال، رضي وسلم. ومن تجلت عليه الذات بانكشاف حجب الصفات، حتى في الوحدة فصار موحدًا مطلقًا فاعلًا ما فعل، وقارئًا ما قرأ ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾. فتوحيد الأفعال مقدم مع توحيد الصفات وهو على توحيد الذات، وإلى الثلاثة أشار -صلوات الله وسلامه عليه- في سجوده: «أعوذ بعفوك من عقابك، وأعوذ برضاك من سخطك، وأعوذ بك منك».
﴿الحمد لله رب العالمين ... ﴾ إلى آخر السورة.
الحمد بالفعل ولسان الحال هو ظهور الكمالات، وحصول الغايات من الأشياء آتية فاتحة ومدح لمولاها بما يستحقه فالموجودات كلها بخصوصياتها، وخواصها وتوجهها إلى غايتها، وإخراج كمالاتها من حيز القوة إلى الفعل مسبحة جامدة كما قال تعالى: ﴿وإن من شيءٍ إلا يسبح بحمده﴾، فتسبيحها إياه تنزيه من الشرك، وصفات النقص والعجز باستنادها إليه وحده، ودلالتها على وحدانيته وقدرته، وتحميدها إظهار كمالاتها المترتبة، ومظهرتها لتلك الصفات الجلالية والجمالية. وهي بذاته بحسب مبدئيته للكل وحافظيته ومدبريته له التي هي الربوبية للعالمين؛ أي لكل ما هو علم الله تعالى وعلم به. فالخاتم لما يختم به، والغالب لما يغلب فيه، وجمع السلامة لاشتماله على العلم أو للتغليب، وبإزاء إفاضة الخير العام والخاص؛ أي النعمة الزاهرة كالصحة والرزق، والباطنة كالمعرفة والعلم باعتبار منتهائيته التي هي مالكية الأشياء في يوم الدين، إذ لا يجزي في الحقيقة إلا المعبود الذي ينتهي إليه الملك وقت الجزاء، بإنابة النعمة الباقية عن الغاية عند التجرد عنها بالزهد، وتجليات الأفعال عند انسلاخ العبد عن أفعاله، وتعويض صفاته عند المحو عن صفاته وإبقائه بذاته، وهبته له الوجود عند فنائه، فله تعالى مطلق الحمد، وماهيته أزلًا وأبدًا على حسب استحقاقه إياه بذاته باعتبار البداية والنهاية وما بينهما في مقام الجمع على ألسنة التفاضيل فهو الحامد
стр. 3233
والمحمود، والعابد والمعبود، مبدأ ومنتهى، ولما تجلى في كلامه لعباده بصفاته شاهدوه وبعظمته وبهائه وكمال قدرته وجلاله، فخاطبوه قولًا وفعلًا بتخصيص العبادة به وطلب المعونة منه إذ ما رأوا معبودًا غيره، ولا حو لولا قوة لأحد إلا به، فلو حصروا لكانت حركاتهم وسكناتهم كلها عبادة له، وبه، فكانوا على صلاتهم دائمين داعين بلسان المحبة لمشاهدتهم جماله من كل وجه على كل وجه ﴿اهدنا الصراط المستقيم﴾ [الفاتحة: ٦]؛ أي ثبتنا على الهداية ومكنا بالاستقامة في طريق الوحدة التي هي طريق المنعم بالنعمة الكامنة الرحيمية التي هي المعرفة والمحبة والهداية الحقائقية مع النبيين، والشهداء، والصديقين، والأولياء الذين شاهدوه أولًا، وآخرًا، وظاهرًا، وباطنًا، فغابوا في شهودهم طلعة وجهه الباقي عن وجود الظل الفاني.
﴿غير المغضوب عليهم﴾ [الفاتحة: ٧] الذين وقفوا مع الظواهر، واحتجبوا بالنعمة الرحمانية والنعيم الجسمي والذوق الحسي عن الحقائق الروحانية والنعيم القلبي والذوق العقلي كاليهود؛ إذ كانت دعوتهم إلى الظواهر، والجنان، والحور، والقصور، فغضب عليهم؛ لأن الغضب يستلزم الطرد أو
стр. 3234
البعد والوقوف مع الظواهر التي هي الحجب الظلمانية غاية البعد. وغفلوا عن ظاهرة الحق، وضلوا عن سواء السبيل، فحرموا شهود جمال المحبوب في الكل.
فالنصارى إذ كان دعوتهم إلى البواطن وأنوار عالم القدس. ودعوة المحمديين الموحدين إلى الكل، والجمع بين محبة جمال الذات وحسن الصفات كما ورد. ﴿وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة﴾ [آل عمران: ١٣٣]، ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته ويجعل لكم نورًا تمشون به﴾ [الحديد: ٢٨]، ﴿واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا﴾ [النساء: ٣٦]، فأجابوا الدعوات الثابتة كما جاء في حقهم: ﴿أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان محذورًا﴾ [الإسراء: ٥٧]، ﴿يقولون ربنا أتمم لنا
стр. 3235
نورنا﴾ [التحريم: ٨]، ﴿إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا﴾ [فصلت: ٣٠]، فأثيبوا بالجميع على ما أخبر الله تعالى: ﴿جزاؤهم عند ربهم جنات عدن﴾ [البينة: ٨]، ﴿لهم أجرهم ونورهم﴾ [الحديد: ١٩]، ﴿فأينما تولوا فثم وجه الله﴾ [البقرة: ١١٥]، ﴿للذين أحسنوا الحسنى وزيادة﴾ [يونس: ٢٦]. انتهى كلام القاشاني.
ولنا رسالة لطيفة في معنى قوله تعالى: ﴿سبحان الذي أسرى بعبده ليلًا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى﴾ [الإسراء: ١] نوردها في هذا المقام سميتها: «السر الأسرى في معنى «سبحان الذي أسرى»». تفسير قول الله : ﴿سبحان الذي أسرى بعبده ليلًا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير (١)﴾ [الإسراء: ١].
أتى افتتاح هذه السورة الشريفة وهي قوله تعالى: ﴿سبحان﴾ إشارة إلى نفي انحصار الحق في جهة أو اختصاصه بموضع دون موضع؛ لأنه لما كان الإسراء عبارة عن الصعود والرقي يل العالم العلوي، ربما توهم متوهم انحصار المطلوب في جهة، وليس الشأن كذلك، بل هو القريب في كل آن، وزمان، ومكان. قال الله : ﴿إنه بكل شيءٍ محيط﴾ [فصلت: ٥٤]. وإنما كان
стр. 3236
الإسراء التعريف بالآيات واتساع معرفته ﷺ في مشاهدة الملكوت، ومعنى ﴿سبحان﴾؛ أي إنزاه، والتسبيح هو: التنزيه والتقديس من سائر النقائص.
واعلم -أيدنا الله وإياك- أن التنزيه للحق -جل شأنه- عن النقائص موهوم نشأ من العوالم والقوابل الجسمانية، لكون الإنسان مشتملًا على عالم الظلمة، والنور، والخير، والشر، والقبض، والبسط، فلتعارض هذه الصفات يحدث في النفوس معن توصف الذات المقدسة بها ليست لائقة بالكمال الرباني ولا حقيقة بالمعنى الصمدي، أتى فعجب حينئذٍ تنزيه الذات المقدسة من تلك المعاني الغير لائقة على حد العقل والشرع، وإلا فالذات الكاملة ليس فيها نقص، فثبت أن التنزيه موهوم لا محقق بما تحقق. والتنزيه في هذا المقام لدفع الإيهام كما تقدم.
стр. 3237
و ﴿الذي﴾ اسم موصول واقع على الذات المقدسة.
﴿أسرى﴾ مأخوذ من الإسراء، وهو الذهاب ليلًا.
﴿بعبده﴾ العبد في أصل اللغة ضد الحر، وهو عند أهل العرفان، وفي مقامات الإيقان: أكمل النعوت، وأجل الصفات، والعبد الموصوف بالعبودية قد تجاوز سائر المقامات، وترقى إلى أجل الكمالات؛ فإن العبد عندهم الحقيقي: هو الذي ليس له مطلوب سوى مطلوب سيده، ولا مقصد غير مقصده، يحب ما يحبه مولاه، ويكره ما يكرهه، وإن خالف مراده وهواه.
العبودية نعت الكاملين، العبودية نعت الواصلين، العبودية شرف المحبين.
قال الشاعر:
لا تدعني إلا بيا عبدها ... فإنه أشرف أسمائي
العبد الكامل يسمى محب الذات؛ لأن غرضه محبة للذات فقط من غير شائبة لسائر المتعلقات.
العبد راضٍ في سائر أحواله بما يقيمه فيه سيده غير متعرض عليه، ولا منتقد، ملازم للعبودية في كل حال، غير تارك لها في حال من الأحوال كوصف لبعض المبتدئين عن حال بعض شيوخه من العارفين، فرآه في ديوان الأشقياء، ففزع واضطرب من ذلك، فجاء إليه وأخبره، فقال له: يا أخي لي
стр. 3238
أربعون عامًا أرى ما ترى ولم يتغير مني شعرة، وهل أنا إلا عبد الله من عباد الله يفعل بي ما أراد راضٍ بما أقامني فيه.
وفي كلام بعض العارفين: لو أقمت الجنة والنار، وقيل لي: اختر في أيهما تكون؟ لم أختر إلا ما يختاره لي. فالله شرف نبيه ﷺ بإضافته إليه بالعبودية، وأعزه بهذه الصفة الجليلة والسمة الجميلة.
قوله تعالى: ﴿ليلًا﴾ الليل ضد النهار. ﴿من المسجد الحرام﴾ وهو البيت العتيق الذي هو أول بيت وضع للناس، سمي حرامًا؛ لأن الله حرمه بالتعظيم والتجليل، والنهي عن قطع أشجاره، وصيد حيواناته.
﴿إلى المسجد الأقصى﴾ وهو بيت المقدس.
﴿الذي باركنا حوله﴾ وهي قرى بيت المقدس، والشام. ومباركة الله في ذلك بكثرة من بعثه فيها من أنبيائه ﵈ ومن أوجد من أصفيائه وأوليائه، وما أخصب فيها من العيش، وما أكثر فيها من النعم.
стр. 3239
﴿لنريه من آياتنا﴾؛ يعني النبي ﷺ ؛ أي يريه الله من آياته. والآية: هي العلامة والدليل ليزداد بذلك يقينًا وعرفانًا واطمئنانًا.
﴿إنه﴾؛ أي الله .
﴿هو السميع﴾ لأقوال عباده ﴿البصير﴾ بأحوال خلقه.
واعلم -أيدنا الله وإياك- أن الإسراء الذي هو عبارة عن العروج على ثلاثة أقسام:
القسم الأول- عروج روحاني
وهو عبارة عن تجرد الروح من الهيكل الجسماني وبلوغها إلى ما بعد من الأرض البعيدة، أو صعودها إلى العالم العلوي، وخرقها الحجب، واتصالها إلى ما شاء الله تعالى من العالم العلوي بحسب قوة استعدادها، فما الأرواح ما لها قوة الصعود إلى سمائين وثلاثة، ومنهم إلى ما لا نهاية في العلو وخرق حجب العوالم العلوية، وتتنعم بالمخاض المقدسية وتستمد الفيض من واهب الفيض من العالم العلوي.
وصاحب الإسراء الروحاني يرى جسده حاضرًا ولا يشاهد جليسه ولا ترقيه، فقد يكون مع المخاطبة والاشتغال.
وقد روى بعض المشايخ أنه حضر مجلس بعض الأكابر فقال ذلك الكبير:
стр. 3240
أيهما أفضل العقل أم الروح. قال ذلك الشخص: فرأيت الشيخ قد صعدت روحه إلى العالم العلوي، فتبعته بروحي فلم يزل يصعد، وأتبعه إلى انتهيت إلى السماء الرابعة، فاشتغلت برؤية من فيها، وصعدت روح الشيخ ثم عدت إلى المجلس والشيخ مستغرق، فلما أفاق أجاب السائل: بأن العقل أفضل من الروح؛ لأن النبي ﷺ لما صعد هو وجبريل إلى العالم العلوي انتهى جبريل إلى حده ووقف، وكان روحًا، وارتفع محمد ﷺ إلى المقامات العلية وكان عقلًا.
واعلم أن مقصود القائل في هذه الحكاية، أنه عقل ليس مقصوده بالعقل الذي هو عبارة: عن الإدراك الموضوع في الدماغ؛ بل المقصود أن الروح الإنسانية إذا تكلمت بالمعارف وخرجت إلى العالم العلوي صار لها قوة تلك المعاني وبسببها يقوى عروجها وصعودها، بخلاف أرواح الملائكة، فإنه ليس لها هذا التعقل، فلهذا ارتفع النبي ﷺ وترقى، ووقف جبريل ﵇ عند حده، وما تعطيه روحانيته.
وقد تقدم أن صاحب العروج الروحاني لا يشعر بعروجه جليسه. وبعض أهل العروج الروحاني تفارق روحه جسده ويبقى جسده كالفخار بلا إحساس له ولا حركة، ثم تعود الروح إلى الجسد. وقد نقل ذلك عن الشيخ يحيى السهرودي.
وإذا صار للجسد والنفس مناسبة بالروح الآمري صار لها استيلاء على الجسد، وصار الجسد تحت سيطرتها وتدبيرها، فإذا صعدت روح من هذه صفته، رأى في تعلقه أن الصعود حاصل للروح والجسد، وإن كان في ظاهر الرؤية الجسد باق في مركزه، والروح كذلك.
وصاحب غلبة الروح على الجسد، يرى روحه ممتدة من موضعها إلى العالم العلوي، من غير مفارقة للجسد، وإلى ما فوق ذلك من السماوات
стр. 3241
العلى وأزيد على حسب قوته، إلى أن تبلغ إلى الكرسي وإلى العرش.
ومن هذا المعنى قول بعض العارفين: عنقي متعلقة بقوائم الكرسي أو قوائم العرش.
وقد يشاهد صاحب غلبة الروح اتساع روحه بجسده حتى تكون مالئة للوجود علوية وسفلية.
ومن هذا المعنى قول بعض العارفين: طيران مثلي، وحملي كل الوجود، وحيزي لا يترك.
ومن غلبة الروحانية على الجسمانية يكون الطيران، والمشي على الماء والهواء، والدخول في التنانير وهي تضرم نارًا، والضرب بالسلاح ولا يؤثر.
وهذا صفة المعراج الروحي، وهو للأنبياء ﵈ وللأولياء -عليهم الرضوان-.
القسم الثاني- وهو المعراج الجسماني
فقد روي صفة النبي ﷺ وملخصه: أنه كان نائمًا، فأتله الملك، فأيقظه
стр. 3242
وقدم له دابة، وهي البراق روحانية من العالم الأقدس، فصار به حتى وصل إلى بيت المقدس، وصلى النبي ﷺ ، وجمعت له الأنبياء، والروحانيون فصلى بهم، ثم وضع له ﷺ من بيت المقدس معراج وهو السلم من نورن فصعد هو وجبريل من [بيت المقدس] إلى السماء، فاجتمع بأرواح الأنبياء في طبقات
стр. 3243
السماوات، إلى أن وصل إلى سدرة المنتهى، فوقف جبريل، وتقدم ﷺ ذاهبًا إلى الحضرة العلية والمقامات الصمدية إلى أن انتهى إلى قاب قوسين؛ أي مقار قوسين أو أقرب من ذلك، فشافهه بالخطاب، وأوحي إليه بالمكالمة، وشرف بالإسراء، وأي بالأنوار، وأري الجنة والنار، وفرضت عليه الصلوات، وكانت خمسين، فعاد بها، فصادف موسى ﵇ في هبوطه، فقال له: إن أمتك لا تطيق، فعد واسأل التخفيف من الله ، فلم يزل يعود ويخفف عنه، ويعود إلى موسى، فيأمره بالتخفيف حتى انتهت إلى خمس صلوات، فعاد النبي ﷺ وأخبر الناس بعروجه إلى السماء العلى، فآمن بذلك من أشرقت عليه أنوار السعادة الأزلية، وكذبه من غلبت عليه الشقاوة البهيمية، كما قال تعالى: ﴿وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنةً للناس﴾ [الإسراء: ٦٠] وأمر النبي ﷺ كفار قريش أن يصف لهم البيت المقدس امتحانًا، فشرع يصف لهم فعمي عليه شيء منه، فمثل له بيتًا نظر إليه ويخبرهم عنه، ولم يبلغنا صعود أحد بجسمه إلا ما ثبت في الصحيح من صعود رسول الله ﷺ ، ورفع إدريس ﵇ وعيسى ﵇، وقد
стр. 3244
نقل أن إلياس أيضًا رفع بجسده لكن الهبوط والنزول؛ أي وقت أراد وشاء بإذن الله .
وأما القسم الثالث- وهو المعراج السري
فهو عبارة عن التدرج في المقامات والترقي في الصفات والمعاملات، فيترقى السالك من مقام إلى مقام، ومن طور إلى طور، فيعرج بسره إلى حضرة المعارف الربانية، والحقائق الصمدانية، وينتقل من الصفات الحيوانية إلى الصفات الملكية، ويتخلق بالأخلاق الربانية، فيعرج من عالم الناسوت إلى حضائر الجبروت، ثم إلى مشاهد اللاهوت. وكذلك ينتقل من المجاهدات والسلوك إلى الفناء. وفيه شهود حضرة الأفعال، ثم يرتقي منه إلى شهود حضرة الأسماء والصفات، ومنه إلى مشاهده اللذات، فهذا هو العروج السري، وهو أجل المعارج، وأرقاها وأعلاها.
الكلام في معنى قول الله : ﴿سبحان الذي أسرى بعبده ليلًا من المسجد
стр. 3245
الحرام إلى المسجد الأقصا الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير﴾ [الإسراء: ١] على طريق أهل الإشارة والعارفين بما فتح الله به من وراء الغيب.
﴿سبحان الذي ... ﴾ أتى بالتسبيح في افتتاح هذه السورة إشارة إلى التعجب والتعظيم مما وهبه الله لعبده ونبيه من الإسراء، وبما فتح عليه من المعارف والأنوار؛ فإن كلمة ﴿سبحان﴾ يؤتى بها على وجه التعظيم للشيء والتفخيم لشأنه.
﴿أسرى بعبده﴾؛ أي جذبه إلى حضرتهن واختصه بمحبته، وأفاض عليه أسرار معارفه، ونشر عليه عوارفه ولطائفه.
والجذبة عبارة عن الأخذة وهي جذبة القلب بواسطة الروح، وإدخالهما في حضرة الملكوت، ووجههما في حضرة اللاهوت، وهذه الجذبة شأنها عظيم، ومآلها فخيم. وقد قال في تعريفها النبي ﷺ : جذبة من جذبات الحق توازي عمل الثقلين، صاحب الجذبة تطور له المقامات، صاحب الجذبة تقرب له المسافات، صاحب الجذبة ذرة منه توازي أعمال كثير من الخلائق، صاحب الجذبة يقول في سائر الطرائق: نقابس الحقائق، صاحب الجذبة محبوب، صاحب الجذبة مطلوب، صاحب الجذبة مشافه للعوالم العلوية، محادث للأرواح العلية، غارق في بحار الأحدية، مطموس في معاني الصمدية.
والعبد هو المتصف بأعلى المكملات النازع في سائر المقامات.
﴿ليلًا﴾؛ أي ليل عالم الستر وظلمة الخفاء؛ فإن الليل خفاء، وكتم، وستر. والجذبة من أسرار الله لا يطلع عليه إلا الله، أو من أطلعه الحق ، جذب سر عبده سرًّا، وقربه إلى حضرته.
﴿من المسجد الحرام﴾ [الإسراء: ١]؛ أي حضرة قلبه؛ فإنه محرم بربه؛ فإن
стр. 3246
القلب بيت الحق الحقيقي، ومسكنه الحقيقي يسع الحق -جل شأنه-، وما تسعه أرض، ولا سماء، ولا عرش، ولا كرسي، محرم عن وجود ما سواه فيه، أو حضور ما عداه به.
﴿إلى المسجد الأقصى﴾ [الإسراء: ١] مجمع الأرواح، وحقيقة الحقائق، وأصل الفيض، وممتد الإيجاد؛ وإنما سمي «أقصى» لكونه أبعد الموجودات، وأعلاها، وأرقاها.
﴿لنريه من آياتنا﴾ [الإسراء: ١] إذا فني في الروح الكلي رأى ﴿سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق﴾ [فصلت: ٥٣] فإذا دخل عالم السر وحان، ورفض عالم الناسوت، شهد الأشياء على ما كانت عليه قبل أن تكون، منفردًا ليس معه شيء، وكان الله ولا شيء معه، وهو الآن على ما كان.
﴿إنه هو السميع البصير﴾؛ أي محمد لما فني فناء صار هو السميع البصير، «لا يزال العبد يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها ... » إلى آخر الحديث.
стр. 3247
مناسبة لما سبق في تفسير قول الله بما فتح الله به من وراء القلب: ﴿والنجم إذا هوى (١) ما ضل صاحبكم وما غوى (٢)﴾ [النجم: ١، ٢] أقسم الحق -جل شأنه- بالنجم، وقد اختلفوا في مثل هذه المقسمات بها: فقال بعضهم: المقسم به محذوف، تقديره: ورب النجم، ورب الليل، ورب الشمس، وأمثالها. وقال بعضهم: المقسم به هو عين هذه الأشياء؛ وإنما كانت عظيمة لكونه مظهرًا من مظاهره، وأثرًا من آثاره، وقد حقق العلم ماهيته، وخصصت الإرادة ذاتها، وأبرزت القدرة وجودها، فكيف لا تكون عظيمة، وهي أثر لعظيم. قال الشاعر: إذا رأيت الله في فاعلًا ... رأيت جميع الكائنات شهودا حمد بعض العارفين شيئًا مما يستقدم، هل حمدته على وجه التواضع؟ فقال: لا ليس هو حقيرًا حتى أقص بذلك التواضع، وكيف يكون حقيرًا وقد أوجده الله وأبرزه.
فالإقسام بالمظاهر له وجه ظاهر. والنجم هو كواكب السماء النيرة المشرقة.
﴿أفتمارونه على ما يرى (١٢)﴾ [النجم: ١٢]؛ أي مال للهوى.
﴿ما ضل صاحبكم وما غوى (٢)﴾ [النجم: ٢]؛ أي ما عدل عن طريق
стр. 3248
الصواب.
﴿وما ينطق عن الهوى﴾ [النجم: ٣]؛ أي ما يقول عن نفسه ولا يتكلم عن حدسه.
وتميل إليه على وجه حظها وشهوتها لا على وجه إيثار الحق.
﴿إن هو﴾ [النجم: ٤]؛ أي ما يقوله وما يخبر به.
﴿إلا وحي يوحى (٤)﴾ [النجم: ٤] والوحي هو: الإعلام خفاء، وهو أي الوحي عبارة عن التجلي الإلهي على قلب خواصته بواسطة الملك، بغير واسطته، فيسمعون الخطاب ويشاهدون المعاني المقدس.
﴿علمه شدي القوى (٥)﴾ [النجم: ٥] هو الله -جل شأنه-.
﴿ذو مرة﴾ [النجم: ٦]؛ أي أصاب ما يريد وما يختاره.
﴿فاستوى﴾ [النجم: ٦]؛ أي الحق -جل شأنه-.
стр. 3249
﴿هو﴾ [النجم: ٧]؛ أي محمد ﷺ .
﴿بالأفق الأعلى (٧) ثم دنا﴾ [النجم: ٧] محمد. ﴿فتدلى﴾ [النجم: ٨] الحق له بالتجلي اللاهوتي، والمظهر الجبروتي، فكان قربه من حضرة ربه مقدر بقاب قوسين أو أدنى.
стр. 3250
﴿فأوحى﴾؛ أي الله .
﴿إلى عبده﴾ [النجم: ١٠] محمد ﷺ .
﴿ما أوحى﴾ [النجم: ١٠]؛ أي الذي أوحى.
﴿ما كذب الفؤاد﴾ [النجم: ١١]؛ أي فؤاد محمد ﷺ .
﴿ما رأى﴾ [النجم: ١١]؛ أي الذي رآه.
﴿أفتمارونه﴾ [النجم: ١٢]؛ أي تحاجونه.
﴿على ما يرى﴾ [النجم: ١٢]؛ أي الذي يراه ويتحقق به ويكشف الله عنه.
﴿ولقد رآه﴾ [النجم: ١٣]؛ أي رأى ربه بعين بصيرته المحيطة ببصره وبذات وجوده.
стр. 3251
﴿نزلة أخرى﴾ [النجم: ١٣]؛ أي مرة أخرى، والأولى هي التي تقدمت عند قوله: ﴿فاستوى﴾.
﴿عن سدرة المنتهى (١٤)﴾ [النجم: ١٤]، وهي حضرة الأرواح ومنتهى العوالم وهي مبدا الموجودات، وهي الحقيقة المحمدية والروح الكلي.
﴿عندها جنة المأوى (١٥)﴾ [النجم: ١٥]؛ أي جنة مأوى العارفين، ونعيم الواصلين.
﴿إذ يغشى السدرة ما يغشى (١٦)﴾ [النجم: ١٧] من الأرواح وتعلقها بها من كل جانب ورجوعها إليه من كل موضع.
﴿ما زاغ البصر﴾ [النجم: ١٧] بصر محمد ﷺ فيما رآه من غشيان هذه الأرواح لهذه الحقيقة وكثرتها ولمعان أنوارها واستمداها من ماهيتها.
стр. 3252
﴿وما طغى﴾ [النجم: ١٧]؛ أي لم يتجاوز رؤية هذه العجائب عن شهود التجلي الإلهي فيها، والمعنى الصمداني لديها.
﴿لقد رأى﴾ [النجم: ١٨]؛ أي أبصر وشاهد؛ أي عجائب من عروجه إلى العالم الأعلى، وشهوده السماوات، وقطعه عوالم الكون ودخوله إلى حضرة الروح الكلي، وانغماسه في اللاهوت الأكبر، فهذه ﴿من آيات ربه الكبرى﴾ [النجم: ١٨]؛ أي العظمى والعليا. وصلى الله على سيدنا محمد ولي المؤمنين، وعلى آله وأصحابه أجمعين. والحمد لله رب العالمين.
стр. 3253
النوع الثاني والأربعون بعد المائة علم معرفة تفسيره وتأويله وبيان شرفه والحاجة إليه
стр. 3254
النوع الثاني والأربعون بعد المائة علم معرفة تفسيره وتأويله وبيان شرفه والحاجة إليه قال الراغب: الفسر: إظهار المعنى المعقول. ومنه قيل: لما ينبئ عنه البول تفسرة، وسمي بها قارورة الماء. والتفسير في المبالغة كالفسر.
وقيل: التفسير تفعيل من الفسر وهو البيان والكشف، ويقال: هذا مقلوب السفر. تقول: أسفر الصبح إذا أضاء.
وقيل: هو مأخوذ من التفسرة، وهي اسم لما يعرف به الطبيب المرض.
والتأويل: أصله من الأول، وهو الرجوع، فكأنه صرف الآية إلى ما تحتمله من المعاني.
وقيلك من الإيالة وهي السياسة، كأن المؤول للكلام ساس الكلام، ووضع المعنى فيه موضعه.
واختلف في التفسير والتأويل، فقال أبو عبيد ........
стр. 3255
وجماعة: هما بمعنى واحد، وقد أنكر ذلك قوم، حتى بالغ ابن حبيب النيسابوري، فقال: قد نبغ في زماننا مفسرون، لو سئلوا عن الفرق بين التفسير والتأويل ما اهتدوا إليه.
وقال الراغب: التفسير أعم من التأويل، وأكثر استعماله في الألفاظ ومفرداتها، وأكثر استعمال التأويل في المعاني والجمل، [وأكثر ما يستعمل في الكتب الإلهية، والتفسير] يستعمل فيها وفي غيرها.
وقال غيره: التفسير بيان لفظ لا يحتمل إلا وجهًا واحدًا، والتأويل: توجيه لفظ متوجه إلى معان مختلفة إلى واحد منها بما ظهر من الأدلة.
وقال الماتريدي: التفسير القطع على أن المراد من اللفظ هذا، والشهادة على الله أنه عني باللفظ هذا؛ فإن قام دليل مقطوع به فصحيح، وإلا فتفسير بالرأي وهو المنهي عنه، والتأويل: ترجيح أحد المحتملات بدون القطع والشهادة على الله.
وقال أبو طالب التغلبي: التفسير بيان وضع اللفظ إما حقيقة أو مجازًا،
стр. 3256
كتفسير «الصراط» بالطريق، و «الصيب» بالمطر. والتأويل تفسير باطن اللفظ مأخوذ من الأول وهو الرجوع لعاقبة الأمر. فالتأويل إخبار عن حقيقة المراد، والتفسير إخبار عن دليل المراد؛ لأن اللفظ يكشف عن المراد، والكاشف دليل. مثاله قوله تعالى: ﴿إن ربك لبالمرصاد (١٤)﴾ [الفجر: ١٤] تفسيره أنه من الرصد. يقال: رصدته رقبته، والمرصاد مفعال منه، وتأويله التحذير من التهاون بأمر الله، والغفلة عن الأهبة والاستعداد للعرض عليه، وقواطع الأدلة تقتضي بيان المراد منه على خلاف وضع اللفظ في اللغة.
وقال الأصبهاني في «تفسيره»: اعلم أن التفسير في عرف العلماء كشف معاني القرآن، وبيان المراد أعم من أن يكون بحسب اللفظ المشكل وغيره، بحسيب المعنى الظاهر وغيره. والتأويل أكثره في الجمل.
والتفسير إما أن يستعمل في غريب الألفاظ نحو: البحيرة، والسائبة، والوصيلة. أو في وجيز يتبين بشرح نحو: ﴿وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة﴾ [البقرة: ٤٣، ٨٣، ١١٠، والنساء: ٧٧، والحج: ٧٨، والنور: ٥٦، والمجادلة: ١٣، والمزمل: ٢٠]، وإما في كلام متضمن لقصة لا يمكن تصويره إلا بمعرفتها، كقوله تعالى: ﴿إنما النسئ زيادة في الكفر﴾ [التوبة: ٢٧]، وقوله تعالى: ﴿وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها﴾ [البقرة: ١٨٩].
وأما التأويل: فإنه يستعمل مرة عامًا ومرة خاصًا، نحو الكفر المستعمل تارة في الجحود المطلق، وتارة في جحود البارئ خاصة، والإيمان
стр. 3257
المستعمل في التصديق المطلق تارة، وفي تصديق الحق أخرى، وإما لفظ مشترك بين معان مختلفة، نحو لفظ «وجد» المستعمل في: الجدة، والوجد، والوجود.
وقال غيره: التفسير يتعلق بالرواية، والتأويل يتعلق بالدراية.
وقال أبو نصر القشيري: التفسير مقصور على الاتباع والسماع، والاستنباط فيما يتعلق بالتأويل.
وقال قوم: ما وقع مبينًا في كتاب الله ومعينًا في صحيح السنة سمي تفسيرًا؛ لأن معناه قد ظهر ووضح، وليس لأحد أن يتعرض إليه باجتهاد ولا غيره، بل يحمله على المعنى الذي ورد ولا يتعداه. والتأويل: ما استنبطه العلماء العاملون لمعاني الخطاب الماهرون في آلات العلوم.
وقال قوم منهم البغوي والكواشي: التأويل صرف الآية من معنى موافق لما قبلها وبعدها تحتمله الآية غير مخالف للكتاب والسنة من طريق الإسناد.
وقال بعضهم: التفسير في الاصطلاح علم نزول الآيات وشؤونها،
стр. 3258
وأقاصيصها، والأسباب النازلة فيها، ثم ترتيب مكيها ومدنيها، ومحكمها ومتشابهها، وناسخها ومنسوخها، وخاصها وعامها، ومطلقها ومقيدها، ومجملها ومفسرها، وحلالها وحرامها، ووعدها ووعيدها، وأمرها ونهيها، وعبرها وأمثالها.
وقال أبو حيان: التفسير: علم يبحث فيه عن كيفية النطق بألفاظ القرآن، ومدلولاتها، وأحكامها الإفرادية والتركيبية، ومعانيها التي تحمل عليها حالة التركيب وتتمات لذلك.
فقال: فقولنا: علم هو جنس، [يشمل سائر العلوم]. وقولنا: يبحث فيه عن كيفية النطق بألفاظ القرآن هذا هو علم القراءة.
وقولنا: ومدلولاتها؛ أي مدلولات تلك الألفاظ، وهذا هو علم اللغة الذي يحتاج إليه في هذا العلم. وقولنا: وأحكامها الإفرادية والتركيبية: هذا يشمل علم التصريف والإعراب والبيان والبديع.
وقولنا: ومعانيها التي تحمل عليها حالة التركيب: يشمل ما دلالته بالحقيقة وما دلالته بالمجاز.
فإن التركيب قد يقتضي بظاهره شيئًا، ويصد عن الحمل عليه صاد فيحمل على غيره وهو المجاز.
وقولنا: تتمات لذلك هو يشمل معرفة النسخ، وسبب النزول، وقصة توضيح بعض ما أبهم في القرآن، ونحو ذلك.
وقال الزركشي: علم يفهم به كتاب الله المنزل على نبيه محمد ﷺ ، وبيان معانيه، واستخراج أحكامه وحكمه، وامتداد ذلك، من علم اللغة، والنحو، والتصريف، وعلم البيان، وأصول الفقه، والقراءات، ويحتاج لمعرفة النزول، والناسخ والمنسوخ.
стр. 3259
أقول: والصحيح المعتبر: أن معنى التفسير كما قال الماتريدي في المعنى السابق، وكذلك القشيري وما نقل عن بعضهم أيضًا.
فالتفسير هو ما ورد عن النبي ﷺ ، واتضح معنى الآية فيه وبان، فيجزم بذلك مثل قول الله تعالى: ﴿صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين﴾ [الفاتحة: ٧] فقد فسر المنعم عليهم في الآية الأخرى بقوله تعالى: ﴿أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء الصالحين﴾ [النساء: ٦٩]، فصار معنى الذين أنعمت عليهم هم النبيون، والصديقون، والشهداء، والصالحون، فهو تفسير للآية.
وكذلك قوله تعالى: ﴿غير المغضوب عليهم﴾ [الفاتحة: ٧]؛ فإنه قد صح عن رسول الله ﷺ أنهم اليهود، ﴿الضالين﴾ هم النصارى.
فالتفسير هو وضوح معنى الآية وظهورها وعدم احتمالها لشيء آخر.
وأما التأويل: فهو بيان للآية بأوجه أو بوجه غير مناف للقواعد والأصول من غير أن يجزم بذلك المعنى ولا يقطع به، مثل قوله تعالى: ﴿ولسوف يعطيك ربك فترضى (٥)﴾ [الضحى: ٥] فقد قيل: إن الرضى عبارة عن
стр. 3260
الشفاعة.
والثاني: الجزم المعنى وأنه هو المراد.
فقد ورد عن رسول الله ﷺ «من قال في القرآن برأيه، أو بما لم يعلم فليتبوأ مقعده من النار» رواه أبو داود والترمذي وحسنه.
وقيل: عبارة عن الوسيلة. وقيل: أن لا يرضى ان أحدًا من أمته يعذب، فهذه معان من التأويل لا يجزم بواحد منها.
والممنوع من التفسير قسمان: المخالف للقواعد والأصول.
فإذا قال القائل: هذا المعنى الذي أراده الله فقد أساء، أو فسر بما لا يوافق الأصول والقواعد. فكذلك أيضًا حرام ممنوع.
وقال أبو حيان: ومع ذلك فاعلم أنه لا يرتقي من علم التفسير ذروته ولا يتمطى منه صهوته، إلا من كان متبحرًا في علم اللسان، مترقيًّا منه إلى رتبة الإحسان، ق جبل طبعه على إنشاء النثر والنظم دون اكتساب، وإبداء ما اخترعته فكرته السليمة في أبدع صورة وأجمل جلباب، واستفرغ في ذلك زمانه النفيس، وهجر الأهل والولد والأنيس، ذلك الذي له في رياضه أصفى مرتع، وفي حياضه أصفى مكرع، ويتنسم عرف أزاهر طال ما حجبتها الكمام، ويترشق كأس رحيق له مسك ختام، ويستوضح أنوار بدور سترتها كثائف الغمام، ويستفتح أبواب مواهب الملك العلام، يدرك إعجاز القرآن بالوجدان
следующие страницы →