← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 150960

الزيادة والإحسان في علوم القرآن

محمد عقيلة

Полный текст (4 238 стр.). Показаны 3256–3295 · переход к 3261.

стр. 3256

كتفسير «الصراط» بالطريق، و «الصيب» بالمطر. والتأويل تفسير باطن اللفظ مأخوذ من الأول وهو الرجوع لعاقبة الأمر. فالتأويل إخبار عن حقيقة المراد، والتفسير إخبار عن دليل المراد؛ لأن اللفظ يكشف عن المراد، والكاشف دليل. مثاله قوله تعالى: ﴿إن ربك لبالمرصاد (١٤)﴾ [الفجر: ١٤] تفسيره أنه من الرصد. يقال: رصدته رقبته، والمرصاد مفعال منه، وتأويله التحذير من التهاون بأمر الله، والغفلة عن الأهبة والاستعداد للعرض عليه، وقواطع الأدلة تقتضي بيان المراد منه على خلاف وضع اللفظ في اللغة. وقال الأصبهاني في «تفسيره»: اعلم أن التفسير في عرف العلماء كشف معاني القرآن، وبيان المراد أعم من أن يكون بحسب اللفظ المشكل وغيره، بحسيب المعنى الظاهر وغيره. والتأويل أكثره في الجمل. والتفسير إما أن يستعمل في غريب الألفاظ نحو: البحيرة، والسائبة، والوصيلة. أو في وجيز يتبين بشرح نحو: ﴿وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة﴾ [البقرة: ٤٣، ٨٣، ١١٠، والنساء: ٧٧، والحج: ٧٨، والنور: ٥٦، والمجادلة: ١٣، والمزمل: ٢٠]، وإما في كلام متضمن لقصة لا يمكن تصويره إلا بمعرفتها، كقوله تعالى: ﴿إنما النسئ زيادة في الكفر﴾ [التوبة: ٢٧]، وقوله تعالى: ﴿وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها﴾ [البقرة: ١٨٩]. وأما التأويل: فإنه يستعمل مرة عامًا ومرة خاصًا، نحو الكفر المستعمل تارة في الجحود المطلق، وتارة في جحود البارئ خاصة، والإيمان

стр. 3257

المستعمل في التصديق المطلق تارة، وفي تصديق الحق أخرى، وإما لفظ مشترك بين معان مختلفة، نحو لفظ «وجد» المستعمل في: الجدة، والوجد، والوجود. وقال غيره: التفسير يتعلق بالرواية، والتأويل يتعلق بالدراية. وقال أبو نصر القشيري: التفسير مقصور على الاتباع والسماع، والاستنباط فيما يتعلق بالتأويل. وقال قوم: ما وقع مبينًا في كتاب الله ومعينًا في صحيح السنة سمي تفسيرًا؛ لأن معناه قد ظهر ووضح، وليس لأحد أن يتعرض إليه باجتهاد ولا غيره، بل يحمله على المعنى الذي ورد ولا يتعداه. والتأويل: ما استنبطه العلماء العاملون لمعاني الخطاب الماهرون في آلات العلوم. وقال قوم منهم البغوي والكواشي: التأويل صرف الآية من معنى موافق لما قبلها وبعدها تحتمله الآية غير مخالف للكتاب والسنة من طريق الإسناد. وقال بعضهم: التفسير في الاصطلاح علم نزول الآيات وشؤونها،

стр. 3258

وأقاصيصها، والأسباب النازلة فيها، ثم ترتيب مكيها ومدنيها، ومحكمها ومتشابهها، وناسخها ومنسوخها، وخاصها وعامها، ومطلقها ومقيدها، ومجملها ومفسرها، وحلالها وحرامها، ووعدها ووعيدها، وأمرها ونهيها، وعبرها وأمثالها. وقال أبو حيان: التفسير: علم يبحث فيه عن كيفية النطق بألفاظ القرآن، ومدلولاتها، وأحكامها الإفرادية والتركيبية، ومعانيها التي تحمل عليها حالة التركيب وتتمات لذلك. فقال: فقولنا: علم هو جنس، [يشمل سائر العلوم]. وقولنا: يبحث فيه عن كيفية النطق بألفاظ القرآن هذا هو علم القراءة. وقولنا: ومدلولاتها؛ أي مدلولات تلك الألفاظ، وهذا هو علم اللغة الذي يحتاج إليه في هذا العلم. وقولنا: وأحكامها الإفرادية والتركيبية: هذا يشمل علم التصريف والإعراب والبيان والبديع. وقولنا: ومعانيها التي تحمل عليها حالة التركيب: يشمل ما دلالته بالحقيقة وما دلالته بالمجاز. فإن التركيب قد يقتضي بظاهره شيئًا، ويصد عن الحمل عليه صاد فيحمل على غيره وهو المجاز. وقولنا: تتمات لذلك هو يشمل معرفة النسخ، وسبب النزول، وقصة توضيح بعض ما أبهم في القرآن، ونحو ذلك. وقال الزركشي: علم يفهم به كتاب الله المنزل على نبيه محمد ﷺ ، وبيان معانيه، واستخراج أحكامه وحكمه، وامتداد ذلك، من علم اللغة، والنحو، والتصريف، وعلم البيان، وأصول الفقه، والقراءات، ويحتاج لمعرفة النزول، والناسخ والمنسوخ.

стр. 3259

أقول: والصحيح المعتبر: أن معنى التفسير كما قال الماتريدي في المعنى السابق، وكذلك القشيري وما نقل عن بعضهم أيضًا. فالتفسير هو ما ورد عن النبي ﷺ ، واتضح معنى الآية فيه وبان، فيجزم بذلك مثل قول الله تعالى: ﴿صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين﴾ [الفاتحة: ٧] فقد فسر المنعم عليهم في الآية الأخرى بقوله تعالى: ﴿أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء الصالحين﴾ [النساء: ٦٩]، فصار معنى الذين أنعمت عليهم هم النبيون، والصديقون، والشهداء، والصالحون، فهو تفسير للآية. وكذلك قوله تعالى: ﴿غير المغضوب عليهم﴾ [الفاتحة: ٧]؛ فإنه قد صح عن رسول الله ﷺ أنهم اليهود، ﴿الضالين﴾ هم النصارى. فالتفسير هو وضوح معنى الآية وظهورها وعدم احتمالها لشيء آخر. وأما التأويل: فهو بيان للآية بأوجه أو بوجه غير مناف للقواعد والأصول من غير أن يجزم بذلك المعنى ولا يقطع به، مثل قوله تعالى: ﴿ولسوف يعطيك ربك فترضى (٥)﴾ [الضحى: ٥] فقد قيل: إن الرضى عبارة عن

стр. 3260

الشفاعة. والثاني: الجزم المعنى وأنه هو المراد. فقد ورد عن رسول الله ﷺ «من قال في القرآن برأيه، أو بما لم يعلم فليتبوأ مقعده من النار» رواه أبو داود والترمذي وحسنه. وقيل: عبارة عن الوسيلة. وقيل: أن لا يرضى ان أحدًا من أمته يعذب، فهذه معان من التأويل لا يجزم بواحد منها. والممنوع من التفسير قسمان: المخالف للقواعد والأصول. فإذا قال القائل: هذا المعنى الذي أراده الله فقد أساء، أو فسر بما لا يوافق الأصول والقواعد. فكذلك أيضًا حرام ممنوع. وقال أبو حيان: ومع ذلك فاعلم أنه لا يرتقي من علم التفسير ذروته ولا يتمطى منه صهوته، إلا من كان متبحرًا في علم اللسان، مترقيًّا منه إلى رتبة الإحسان، ق جبل طبعه على إنشاء النثر والنظم دون اكتساب، وإبداء ما اخترعته فكرته السليمة في أبدع صورة وأجمل جلباب، واستفرغ في ذلك زمانه النفيس، وهجر الأهل والولد والأنيس، ذلك الذي له في رياضه أصفى مرتع، وفي حياضه أصفى مكرع، ويتنسم عرف أزاهر طال ما حجبتها الكمام، ويترشق كأس رحيق له مسك ختام، ويستوضح أنوار بدور سترتها كثائف الغمام، ويستفتح أبواب مواهب الملك العلام، يدرك إعجاز القرآن بالوجدان

стр. 3261

لا بالتقليد، وينفتح له ما استغلق إذ بيده الإقليد. وأما من اقتصر على غير هذا من العلوم، أو قصر في إنشاء المنثور والمنظوم، فإنه بمعزل عن فهم غواميض الكتاب، وعن إدراك لطائف ما تضمنه من العجب العجاب، وحظه من علم التفسير إنما هو نقل أسطار، وتكرار محفوظ على مر أعصار، ولتباين أهل الإسلام في إدراك فصاحة الكلام، وما به تكون الزجاجة في النظام، اختلفوا فيما به إعجاز القرآن، فمن توغل في أساليب الفصاحة وأفانينها، وتقول في معارف الآداب وقوانينها، أدرك بالوجدان أن القرآن أتى في غاية من الفصاحة لا يوصل إليها، ونهاية من البلاغة لا يمكن أن يحام عليها، فمعارضته عنده غير ممكنة للبشر، ولا داخلة تحت القدر، ومن لم يدرك هذا المدرك، ولا سلك هذا المسلك، رأى [أنه] من نمط كلام العرب، وأن مثله مقدور لمنشئ الخطب. فإعجازه عنده إنما هو بصرف الله تعالى إياهم عن معارضته ومناظرته، وإن كانوا قادرين على مماثلته. والقائلون بأن الإعجاز وقع بالصرف هو من نقصان الفطرة الإنسانية، في رتبة بعض النساء حين رأت زوجها يطأ جارية فعاتبته، فأخبر أنه ما وطأها،

стр. 3262

فقالت له: إن كنت صادقًا فاقرأ شيئًا من القرآن، فأنشدها بيت شعر، قاله ذكر الله فيه ورسوله وكتابه فصدقته، فلم ترزق من الرزق ما تفرق به بين كلام الخلق وكلام الحق. وحكى لنا أستاذنا العلامة أبو جعفر -رحمه الله تعالى- عن بعض من كان له معرفة بالعلوم القديمة، ومعرفة كثير من العلوم الإسلامية، أنه كان يقول: يا أبا جعفر لا أدرك فرقًا بين القرآن وبين غيره من الكلام، فهذا الرجل وأمثاله من علماء المسلمين يكون من الطائفة الذين يقولون بأن الإعجاز وقع بالصرفة. وكان بعض شيوخنا ممن له تحقق بالمعقول، وتصرف في كثير من المنقول، إذا أراد أن يكتب فقرأ فصيحة، أتى لبعض تلامذته وكلفه أن ينشئها له. وكان بعض شيوخنا ممن له التبحر في علم لغة العرب إذا أسقط من بيت الشعر كلمة أو ربع البيت، وكان المعنى يتم بدون ما أسقط لا يدرك ما أسقط من ذلك، وأين هذا في الإدراك من آخر، إذا حركت له مسكنًا أو سمنت له محركًا أدرك ذلك بالطبع، وقال: إن هذا البيت مكسور ويدرك ذلك في أشعار العرب الفصحاء، إذا كان فيه زحاف ما، وإن كان جائزًا كثيرًا في كلام العرب، لكن يجد مثل هذا طبعه ينبو عنه، ويقلق لسماعه. هذا، وإن

стр. 3263

كان لا يفهم معنى البيت لكونه حوشي اللغات أو منطويًّا على حوشي فهذه كلها من مواهب الله تعالى، لا تؤخذ باكتساب لكن الاكتساب يقويها، وليس العرب متساوين في الفصاحة، ولا في إدراك المعاني، ولا في نظم الشعر بل فيهم من يكسر الوزن، ومن لا ينظم ولا بيتًا واحدًا، ومن هو [مقل] من النظم، وطباعهم كطباع سائر الأمم في ذلك حتى فحول شعرائهم يتفاوتون في الفصاحة، وينقح الشاعر منهم القصيدة حولًا، حتى تسمى [قصائده] الحوليات، فهم مختلفون في ذلك. ولذلك كان بعض الكفار حين سمع القرآن أدرك إعجازه للوقت، فوقف وأسلم، وآخر أدرك إعجازه فكفر ولج في عناده بغيًّا أن ينزل الله من فضله على من يشاء من عباده، فنسبه تارة إلى الشعر، وتارة إلى الكهانة والسحر، وآخر لم يدرك إعجازه كتلك المرأة العربية التي قدمنا ذكرها. وكحال أكثر الناس، فإنهم لا يدركون إعجاز القرآن من جهة الفصاحة، فمن أدرك إعجازه فوقف وأسلم بأول سماع. سمعه أبو ذر -رضي الله تعالى عنه- قرأ عليه رسول الله ﷺ من أوائل فصلت، فأسلم للوقت، وخبره في إسلامه مشهور. ومن أدرك إعجازه وكفر عنادًا عتبة، وكان من عقلاء الكفار، حتى كان يتوهم أمية بن أبي الصلت أنه هو يعني عتبة يكون النبي المبعوث في قريش، فلما بعث محمد ﷺ حسده عتبة وأضرابه مع علمهم بصدقه وأن ما جاء به معجز، وكذلك الوليد بن المغيرة.

стр. 3264

وروي أنه قال لبني مخزوم: والله لقد سمعت من محمد آنفًا كلامًا، ما هو من كلام الإنس، ولا من كلام الجن، إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر، وإن أسفله لمغدق، وإنه يعلو ولا يعلى. ومع هذا الاعتراف، غلب عليه الحسد والأشر، حتى قال ما حكى الله تعالى عنه: ﴿إن هذا إلا سحرٌ يؤثر (٢٤) إن هذا إلا قول البشر (٢٥)﴾ [المدثر: ٢٤، ٢٥]. وممن لم يدرك إعجازه أو أدرك وعاند وعارض مسيلمة الكذاب، أتى بكلمات زعم أنها أوحيت إليه انتهت في الفهاهة والعي والغثاثة، بحيث صارت هزأة للسامع. وكذلك أبو الطيب المتنبي، وقد ذكر القاضي أبو بكر محمد بن الخطيب الباقلاني في كتاب الانتصار في إعجاز القرآن شيئًا من كلام أبي الطيب مما هو كفر. وقد ذكر لنا قاضي القضاة أبو الفتح محمد بن علي بن وهب القشيري، أن أبا الطيب ادعى النبوة وتبعه ناس من عبس وكلب، وأنه اختلق شيئًا ادعى أنه أوحي إليه سورًا سماها العبر، وإن شعره لا يناسبها لجوده وأكثره ورداءتها كلها -أو كلامًا هذا معناه.

стр. 3265

وإنما أثبتنا بهذه الجملة من الكلام ليعلم أن أذهان الناس مختلفة في الإدراك على ما شاء الله تعالى، وأعطى كل واحد ما شاء، ولنبين بأن علم التفسير ليس متوقفًا على علم النحو فقط كما يظنه بعض الناس، بل أكثر أئمة العربية، هم بمعزل عن التصرف في الفصاحة والتفنن في البلاغة. ولذلك قلت تصانيفهم في علم التفسير، وقل أن ترى نحويًّا بارعًا من النظم والنثر، كما قل أن ترى بارعًا في الفصاحة يتوغل في علم النحو. وقد رأينا من ينسب للإمامة في علم النحو، وهو لا يحسن أن ينطق بأبيات من أشعار العرب، فضلًا عن أن يعرف مدلولها، أو يتكلم على ما انطوت عليه من علم البلاغة والبيان، فأنى لمثل هذا أن يتعاطى علم التفسير. انتهى. وأما وجه الحاجة إليه، فقال بعضهم: اعلم أن من العلوم أن الله تعالى إنما خاطب خلقه بما يفهمونه، ولذلك أرسل كل رسول بلسان قومه، وأنزل على كتابه على لغتهم، وإنما احتيج إلى التفسير لما سيذكر بعد تقرير قاعدة، وهي أن كل من وضع من البشر كتابًا؛ فإنما وضعه ليفهم بذاته من غير شرح، وإنما احتيج إلى الشرح لأمور ثلاثة: أحدها: كمال فضيلة المصنف، فإنه لقوته العلمية يجمع المعاني الدقيقة في اللفظ الوجيز، فربما عسر فهم مراده، فقصد [حينئذٍ] بالشرح ظهر تلك المعاني الخفية، ومن هنا كان شرح بعض الأئمة تصنيفه أدل على المراد من شرح غيره له. والثاني: إغفاله بعض تتمات المسألة أو شروط لها، اعتمادًا على وضوحها، أو لأنها من علم آخر فيحتاج الشارح لبيان المحذوف ومراتبه. والثالث: احتمال اللفظ لمعان كما في المجاز والاشتراك ودلالة

стр. 3266

الالتزام، فيحتاج الشارح إلى بيان غرض المصنف وترجيحه، وقد يقع في التصانيف ما لا يخلو عنه للتنبيه على ذلك. إذا تقرر هذا، فنقول: إن القرآن إنما نزل بلسان عربي في زمن أفصح العرب، وكانوا يعلمون ظواهره وأحكامه، أما دقائق باطنه، فإنما كان يظهر لهم بعهد البحث والنظر، [مع سؤالهم النبي ﷺ في الأكثر]، [كسؤالهم لما نزل قوله تعالى]: ﴿الذين لآمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلمٍ أولئك لهم الأمن وهم مهتدون (٨٢)﴾ [الأنعام: ٨٢]. فقالو: وأينا يا رسول الله لم يلبس إيمانه بظلم، لقد هلكنا يا رسول الله أو كما قالوا، فأجابهم النبي ﷺ أن الأمر ليس كما فهمتم، بل المقصود من هذه الآية الشرك؛ لقول الله تعالى في الآية الأخرى: ﴿إن الشرك لظلمٌ عظيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]. وكسؤال عائشة عن الحساب العسير، فقال: «ذلك العرض». وكقصة عدي بن حاتم في الخيط الأبيض والأسود، وغير ذلك؛ مما

стр. 3267

سألوا عن آحا منه، ونحن محتاجون إلى ما كانوا يحتاجون إليه وزيادة على ذلك مما لم يحتاجوا إليه من احكام الظواهر لقصورنا عن مدارك أحكام اللغة بغير علم، فنحن أشد الناس احتياجًا إلى التفسير، ومعلوم أن التفسير بعضه يكون من قبيل بسط الألفاظ الوجيزة، وكشف معانيها، وبعضه من ترجيح بعض الاحتمالات على بعض. انتهى. وقال الخويي: علم التفسير عسير يسير، أما عسره فظاهر من وجوه: أظهرها: أنه كلام متكلم لم يصل الناس إلى مراده بالسماع منه، ولا إمكان الوصول إليه، بخلاف الأمثال والشعار ونحوها، فإن الإنسان يمكن علمه منه، إذا تكلم بأن يسمع منه أوز من سمع منه. وأما القرآن فتفسيره على وجه القطع لا يعلم إلا بأن يسمع من الرسول ﷺ ، وذلك متعذر إلا في آيات قلائل. فالعلم بالمراد يستنبط بأمارات ودلائل، والحكمة فيه، أن الله -جل شأنه- أراد أن يتفكر عباده في كتابه، فلم يأمر نبيه بالتنصيص على المراد في جميع آياته. وأما شرفه: فلا يخفى، قال تعالى: ﴿يؤتي الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرًا كثيرًا﴾ [البقرة: ٢٦٩]. أخرج لابن أبي حاتم وغيره من طريق أبي طلحة عن ابن عباس -رضي الله تعالى عنهما- في قوله تعالى: ﴿يؤتي الحكمة من يشاء﴾ قال: المعرفة بالقرآن ناسخه ومنسوخه، ومحكمه ومتشابهه، ومقدمه ومؤخره، وحلاله وحرامه.

стр. 3268

وأخرج ابن مردويه من طريق جويبر عن الضحاك عن ابن عباس -رضي الله تعالى عنهما- مرفوعًا: ﴿يؤتي الحكمة﴾ قال: «القرآن»، قال ابن عباس: يعني: تفسيره، فإنه قد قرأ البر والفاجر. وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي الدرداء -رضي الله تعالى عنه- ﴿يؤتي الحكمة﴾ قال: «قراءة القرآن والفكرة فيه». وأخرج ابن جرير مثله عن مجاهد وقتادة. وقال تعالى: ﴿وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون (٤٣)﴾ [العنكبوت: ٤٣]. وأخرج ابن أبي حاتم عن عمرو بن مرة قال: ما مررت بآية في كتاب الله لا أعرفها إلا أحزنتني، لأني سمعت الله يقول: ﴿وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون (٤٣)﴾. وأخرج أبو عبيد عن الحسن قال: ما أنزل الله آية إلا وهو يحب أن يعلم فيما نزلت وما أراد بها.

стр. 3269

وأخرج أبو ذر الهروي في فضائل القرآن من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس -رضي الله تعالى عنهما- قال: الذي يقرأ القرآن ولا يحسن تفسيره كالأعرابي يهذ شعرًا هذًّا». وأخرج البيهقي وغيره من حديث أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه-[مرفوعًا] قال: لأن أعرب آية في القرآن أحب إلي من أن أحفظ آية ليس عن الرسول. وأخرج أيضًا عن عبد الله بن بريدة عن رجل منت أصحاب النبي ﷺ قال: لو أني أعلم إذا سافرت أربعين ليلة أعربت آية من كتاب الله لفعلت. وأخرج أيضًا من طريق الشعبي قال: قال عمر -رضي الله تعالى عنه-: من قرأ القرآن فأعرب كان له عند الله أجر شهيد. قال الحافظ السيوطي -رحمه الله تعالى-: قلت: معنى هذه الآثار عندي إرادة البيان والتفسير؛ لأن إطلاق الإعراب على الحكم النحوي اصطلاح حادث، ولأنه كان في سليقتهم لا يحتاجون إلى تعلمه، ثم رأيت ابن النقيب جنح إلى ما ذكرته. وقال: يجوز أن يكون المراد الإعراب الصناعي، وفيه عد، وقد يستدل له بما أخرجه السلفي في الطيوريات من حديث ابن عمر -رضي الله تعالى عنهما- مرفوعًا: «اعربوا القرآن يدلكم على تأويله».

стр. 3270

أقول الإعراب بمعنى البيان وهو الأفصح والأصح في معنى الآثار السابقة، أو يكون معنى الإعراب أعم من البيان. والإعراب الاصطلاحي فيكون المعنى: النطق بالقرآن على السليقة العربية، وفهمه بالمعنى العربي. انتهى. وقد أجمع العلماء أن التفسير من فروض الكفايات وأجل العلوم الثلاثة الشرعية. قال الأصبهاني: أشرف صناعة يتعاطاها الإنسان تفسير القرآن، بيان ذلك: ان أشرف الصناعة، إما بشرف موضوعها مثل الصياغة؛ فإنها أشرف من الدباغة؛ لأن موضوع الصياغة الذهب والفضة وهما أشرف من موضوع الدباغة الذي هو جلد الميتة. وإما بشرف عرضها مثل صناعة الطب؛ فإنها أشرف من صناعة الكناسة؛ لأنم غرض الطب إفادة الصحة، وغرض الكناسة تنظيف المستراح. وإما بشدة الحاجة إليها كالفقه؛ فإن الحاجة إليه أشد من الحاجة إلى الطب؛ إذ ما من واقعة في الكون في أحد من الخلق إلا وهي مفتقرة إلى الفقه؛ [لأن به] انتظام صلاح أحوال الدنيا والدين، بخلاف الطب فإنه يحتاج إليه بعض النا في بعض الأوقات. إذا عرف ذلك فصناعة التفسير قد حازت الشرف من الجهات الثلاث. أما من جهة الموضوع؛ فلأن موضوعه كلام الله تعالى الذي هو ينبوع كل حكمة، ومعدن كل فضيلة، [فيه نبأ ما بعدكم، وخبر ما قبلكم، وحكم ما بينكم، لا يخلق على كثرة الر ولا تنقضي عجائبه]. وأما من جهة الغرض منه؛ فلأن الغرض منه هو الاعتصام بالعروة الوثقى، والوصول إلى السعادة الحقيقة التي لا تفنى.

стр. 3271

وأما من جهة شدة الحاجة؛ فلأن كل كمال ديني أو دنيوي عاجلي أو آجلي مفتقر إلى العلوم الشرعية والمعارف الدينية، وهي متوقفة على العلم بكتاب الله.

стр. 3272

النوع الثالث والأربعون بعد المائة علم معرفة شروط المفسر وآدابه

стр. 3273

النوع الثالث والأربعون بعد المائة علم معرفة شروط المفسر وآدابه قال العلماء: من أراد تفسير الكتاب العزيز، طلبه أولًا من القرآن، فما أُجمل منه في مكان، فقد فسر في موضع آخر، وما اختصر في مكان فقد بسط في موضع آخر [منه]. وقد ألف ابن الجوزي كتابًا فيما أجمل في القرآن في موضع وفسر في موضع آخر [منه]، وأشرت إلى أمثله منه في نوع المجمل. فإن أعياه ذلك طلبه من السنة؛ فإنها شارحة للقرآن وموضحة له. وقد قال الشافعي -رحمه الله تعالى-: كل ما حكم به رسول الله ﷺ ، فهو مما قهمه من القرآن قال تعالى: ﴿إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله﴾ [النساء: ١٠٥] في آيات أخرى. وقال ﷺ : «ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه»؛ يعني السنة. فإن لم يجد في السنة رجع إلى قول الصحابة؛ فإنهم أدرى بذلك، لما شاهدوه من القرائن والأحوال عند نزوله، ولما اختصوا به من الفهم التام والعلم الصحيح والعمل الصالح.

стр. 3274

وقد قال الحاكم في «المستدرك»: إن تفسير الصحابي الذي شهد الوحي والتنزيل له حكم المرفوع. وقال الإمام أبو طالب الطبري في أوائل تفسيره: [القول في أدوات المفسر]: اعلم أن من [شرطه صحة الاعتقاد أولًا، ولزوم سنة الدين]، فإن كان مغموصًا عليه في دينه لا يؤتمن على الدنيا، فكيف على الدين! ثم لم يؤتمن من الدين على [الأخبار عن عالم، فكيف يؤتمن في] الأخبار عن أسرار الله تعالى، [ولأنه] لا يؤمن إن كان متهمًا بالإلحاد أن يبغي الفتنة، ويغوي الناس بليه وخداعه، كدأب الباطنية، وغلاة الرافضة، وإن كان متهمًا بهوى لم يؤمن أآن يحمله هواه على ما يوافق بدعته، كدأب القدرية،

стр. 3275

فإن أحدهم يصنف الكتاب في التفسير، ومقصوده منه الإيضاع خلال المساكين ليصدهم عن اتباع السلف ولزوم طريق الهدى. ويجب أن يكون اعتماده على النقل عن النبي ﷺ وعن أصحابه ومن عاصرهم، ويتجنب المحدثات، وإذا تعارضت أقوالهم وأمكن الجمع بينها فعل، نحو أن يتكلم على ﴿الصراط المستقيم﴾ [الفاتحة: ٦﴾ وأقوالهم فيه، ترجع إلى شيء واحد، فيؤخذ منها [ما يدخل فيه الجميع]، فلا تنافي بين القرآن، وطريق الأنبياء وطريق السنة، وطريق النبي ﷺ ، وطريق أبي بكر وعمر، فأي هذه الأقوال أفرده كان محسنًا. وإن تعارضت رد الأمر إلى ما ثبت فيه السمع، وإن لم يجد سمعًا، وكان للاستدلال طريق إلى تقوية أحدهما رجح ما قوي الاستدلال فيه، كاختلافهم قف معنى حروف الهجاء، يرجح قول من قال: إنها قسم.

стр. 3276

وإنما تعارضت الأدلة في المراد علم أنه قد اشتبه عليه، فيؤمن بمراد الله تعالى منها، ولا يتهجم على تعيينه وينزله منزلة المجمل قبل تفصيله، والمتشابه قبل تبينه. [ومن شرطه: صحة المقصد] فيما يقول ليلقى التسديد، فقد قال تعالى: ﴿والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا﴾ [العنكبوت: ٦٩]. وإنما يخلص له القصد إذا زهد في الدنيا؛ لأنه إذا رغب فيها لم يؤمن أن يتوسل به إلى غرض يصده عن صواب قصده، ويفسد عليه صحة عمله. وتمام هذه الشرائط أن يكون ممتلئًا من عدة الإعراب، لا يلتبس عليه اختلاف وجوه الكلام، فإنه إذا خرج بالبيان عن وضع اللسان، إما حقيقة أو مجازًا، فتأويله تعطيله. وقد رأيت بعضهم يفسر قوله تعالى: ﴿قل الله ثم ذرهم﴾ [الأنعام: ٩١] أنه ملازمة قول الله، ولم يدر الغبي أن هذه الجملة حذف منها الخبر، والتقدير ﴿الله أنزله﴾. انتهى كلام أبي طالب. وقال ابن تيمية في كتاب ألفه في هذا النوع: يجب أن يعلم أن النبي ﷺ بين لأصحابه معاني القرآن، كما بين لهم ألفاظه؛ فقوله تعالى: ﴿لتبين للناس ما نزل إليهم﴾ [النحل: ٤٤] يتناول هذا وهذا. وقد قال أبو عبد الرحمن السلمي: حدثنا الذين كانوا يقرؤون القرآن كعثمان بن عفان، وعبد الله بن مسعود، وغيرهما، أنهم كانوا إذا تعلموا من النبي ﷺ عشر آيات، لم يتجاوزوها حتى يتعلموا ما فيها من العلم

стр. 3277

والعمل، قالوا: فتعلمنا القرآن والعلم والعمل جميعًا. ولهذا كانوا يبقون مدة في حفظ السورة، وقال أنس -رضي الله تعالى عنه-: كان الرجل إذا قرأ البقرة، وآل عمران، جد في أعيننا. رواه أحمد في مسنده. وأقام ابن عمر -رضي الله تعالى عنهما- على حفظ البقرة ثمان سنين، أخرجه في الموطأ. وذلك أن الله تعالى قال: ﴿كتابٌ أنزلناه إليك مباركٌ ليدبروا آياته﴾ [ص: ٢٩]، وقال: ﴿أفلا يتدبرون القرآن﴾ [النساء: ٨٢]، وتدبر الكلام بدون فهم معانيه لا يمكن، وأيضًا في العادة تمنع أن يقرأ قوم كتابًا في فن من العلم كالطب، والحساب، ولا يستشرحونه، فكيف بكتاب الله الذي هو عصمتهم، وبه نجاتهم، وسعادتهم، وقيام دينهم ودنياهم! ولهذا كان النوع بين الصحابة -رضي الله تعالى عنهم- في تفسير القرآن قليلًا جدَّا. وهو وإن كان بين التابعين أكثر منه بين الصحابة؛ فهو قليل بالنسبة إلى ما بعدهم. ومن التابعين من تلقى التفسير عن الصحابة، وربما تكلموا في بعض ذلك بالاستنباط والاستدلال، والخلاف بين السلف في التفسير قليل، وغالبًا ما يصح عنهم من الخلاف يرجع إلى اختلاف تضاد، وذلك صنفان: أحدهما: أن يعبر واحد منهم عن المراد بعبارة غير عبارة صاحبه، تدل على معنى في المسمى غير المعنى الآخر مع اتحاد المسمى، كتفسيرهم ﴿الصراط المستقيم﴾ [الفاتحة: ٦] بعضٌ: بالقرآن؛ أي اتباعه، وبعضٌ: بالإسلام، فالقولان متفقان؛ لأن دين الإسلام هو اتباع القرآن، ولكن كل منهم نبه على وصف (غير الوصف) الآخر، كما أن لفظ ﴿صراط﴾ يشعر بوصف ثالث.

стр. 3278

وكذلك قول من قال: هو السنة والجماعة، [وقول من قال: هو طريق العبودية]، وقول من قال: هو طاعة الله ورسوله. وأمثال ذلك؛ فهؤلاء كلهم أشاروا إلى ذات واحدة، لكن وصفها كل منهم من صفاتها. ثانيهما: أن يذكر كل منهم من الاسم العام بعض أنواعه على سبيل التمثيل، وتنبيه المستمع على النوع، لا على سبيل الحد المطابق للمحدود في عمومه وخصوصه. مثاله: ما نقل في قوله تعالى: ﴿ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا ... ﴾ الآية [فاطر: ٣٢]، فمعلوم أن الظالم لنفسه يتناول المضيع للواجبات، والمنتهك للمحرمات. والمقتصد: يتناول فاعل الواجبات وتارك المحرمات. والسابق: يدخل فيه من سبق، فتقرب بالحسنات مع الواجبات. والمقتصدون: أصحاب اليمين، والسابقون السابقون أولئك المقربون. ثم إن كلا منهم [يذكر هذا في نوع] من أنواع الطاعات. كقول القائل: السابق الذي يصلي في أول الوقت، والمقتصد الذي يصلي قف أثنائه، والظالم لنفسه الذي يؤخر العصر إلى الاصفرار. ويقول: السابق: المحسن بالصدقة مع الزكاة، والمقتصد الذي يؤدي الزكاة المفروضة [فقط]، والظالم مانع الزكاة. قال: [وهذان الصنفان اللذان ذكرناهما في] تنوع التفسير تارة لتنوع الأسماء والصفات، وتارة لذكر

стр. 3279

بعض أنواع المسمى، هو الغالب في تفسير سلف الأمة الذي يظن أنه مختلف. [ومن التنازع الموجود عنهم ما يكون اللفظ محتملًا للأمرين، وإما لكونه مشتركًا في اللغة]، كلفظ ﴿قسورة﴾ [المدثر: ٥١] الذي يراد به الرامي، ويراد به الأسد. ولفظ ﴿عسعس﴾ [التكوير: ١٧] الذي يراد به إقبال الليل وإدباره. وإما لكونه متواطئًا في الأصل، لكن المراد به أحد النوعين أو أحد الشيئين، كالضمائر في قوله تعالى: ﴿ثم دنا فتدلى (٨)﴾ الآية: [النجم: ٨]. وكلفظ ﴿الفجر﴾، ﴿الشفع﴾، ﴿وليال عشر (٢)﴾ [الفجر: ١ - ٣] [وأمثال ذلك]. فمثل هذا قد يجوز أن يراد كل المعاني التي قالها السلف، وقد لا يجوز ذلك.

стр. 3280

فالأول: إما لكونه الآية نزلت مرتين: فأريد بها هذا تارة، وهذا تارة. وإما لكون اللفظ المشترك يجوز أن يراد به معنياه. وإما لكون اللفظ متواطئًا، فيكون عامًا إذا لم يكن لمخصصه موجب. فهذا النوع إذا صح فيه القولان كاتن من الصنف الثاني. ومن الأقوال الموجودة عنهم ويجعلها بعض الناس اختلافًا، أن يعبروا عن المعاني بألفاظ متقاربة، كما إذا فسر بعضهم قوله تعالى: ﴿أن تبسل﴾ [الأنعام: ٧٠] بـ (تحبس) وبعضهم بـ (ترتهن)؛ لأن كلا منهما قريب من الآخر. ثم قال ﴿فصل﴾ والاختلاف في التفسير على نوعين، منه ما مستنده النقل فقط، ومنه ما يعلم بغير ذلك. والمنقول إما عن المعصوم أو غيره، ومنه ما يمكن معرفة الصحيح منه من غيره، ومنه ما لا يمكن ذلك. وهذا القسم الذي لا يمكن معرفة صحيحه من ضعيفه عامته مما لا فائدة فيه، ولا حاجة بنا إلى معرفته؛ وذلك كاختلافهم في لون كلب أصحاب الكهف واسمه، وفي البعض الذي ضرب به القتيل من البقرة، وفي قدر سفينة نوح وخشبها، وفي

стр. 3281

اسم الغلام الذي قتله الخضر، ونحو ذلك. فهذه الأمور من طريق العلم بها النقل، فما كان منه منقولًا نقلًا صحيحًا عن النبي ﷺ [قبل]، وما لا -بأن نقل عن أهل الكتاب كعب، ووهب- وقف عن تصديقه وتكذيبه؛ لقوله ﷺ : «إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم». وكذا ما نقل عن بعض التابعين وإن لم يذكر أنه أخذه عن أهل الكتاب، فمتى اختلف التابعون لم يكن بعض أقوالهم حجة على بعض، وما نقل في ذلك عن الصحابة نقلًا صحيحًا، فالنفس إليه أسكن مما نقل عن التابعين؛ لاحتمال أن يكون سمعه عن النبي ﷺ ، أو من بعض من سمعه منه أقوى؛ ولأن نقل الصحابة عن أهل الكتاب [أقل من نقل التابعين. ومع جزم الصحابي بما يقوله كيف يقال: إنه أخذه من أهل الكتاب]، وقد نهوا عن تصديقهم! وأما القسم الذي يمكن معرفة الصحيح منه، فهذا موجود كثيرًا ولله الحمد. وإن قال الإمام أحمد: ثلاثة ليس لها أصل: التفسير، والملاحم، والمغازي، وذلك لأن الغالب عليها المراسل.

стр. 3282

وأما ما يعلم بالاستدلال، لا بالنقل، فهذا أكثر ما فيه الخطأ من جهتين حدثتا بعد تفسير الصحابة والتابعين وتابعيهم بإحسان، فإن التفاسير التي يذكر فيها كلام هؤلاء صرفًا لا يكاد يوجد فيها شيء من هاتين الجهتين مثل: تفسير عبد الرزاق، والفريابي، ووكيع، وعبد بن حميد، وإسحاق، وأمثالهم. أحدهما: قوم اعتقدوا معاني، ثم أرادوا حمل ألفاظ القرآن عليها. والثاني: قوم فسروا القرآن بمجرد ما يسوغ أن يريده من كان عن الناطقين بلغة العرب، من غير نظر إلى المتكلم بالقرآن، والمنزل عليه والمخاطب به. فالأولون راعوا المعنى الذي رأوه من غير نظر إلى ما تستحقه ألفاظ القرآن من الدلالة والبيان. والآخرون راعوا مجرد اللفظ، وما يجوز أن يريد به العربي من غير نظر إلى ما يصلح للمتكلم وسياق الكلام، ثم هؤلاء كثيرًا ما يغلطون في احتمال اللفظ لذلك المعنى في اللغة كما يغلط في ذلك الذين قبلهم، كما أن الأولين

стр. 3283

كثيرًا ما يغلطون في صحة المعنى [الذي] فسروا به القرآن، كما يغلط في ذلك الآخرون، وإن كان نظر الأولين إلى المعنى أسبق، ونظر الآخرين إلى اللفظ أسبق. والأولون صنفان، تارة [يسلبون] لفظ ما دل عليه وأريد به، وتارة يحملونه على ما لم يدل عليه ولم يرد به، وكلا الأمرين قد يكون ما قصدوا نفيه أو إثباته من المعنى باطلًا، [فيكون خطؤهم في الدليل والمدلول، وقد يكون حقًّا] فيكون خطؤهم في الدليل لا في المدلول، فالذين أخطأوا فيهما مثل طوائف من أهل البدع اعتقدوا [مذاهب] باطلة وعمدوا إلى القرآن، فتأولوه على رأيهم، ولس لهم سلف من الصحابة والتابعين، لا في رأيهم ولا في تفسيرهم. وقد صنفوا تفاسير على أصول مذاهبهم مثل تفسير عبد الرحمن بن كيسان الأصم، والجبائي، وعبد الجبار، والرماني، والزمخشري، وأمثالهم. ومن هؤلاء من يكون حسن العبارة يدس البدع في كلامه، وأكثر الناس لا يعلمون كصاحب الكشاف [ونحوه، حتى إنه يروج على خلق كثير من أهل

стр. 3284

السنة كثير من تفاسيرهم الباطلة]. وتفسير ابن عطية وأمثاله أتبع للسنة وأسلم من البدعة، ولو ذكر كلام السلف المأثور عنهم على وجهه لكان أحسن؛ فإنه كثيرًا ما ينقل [من] تفسير ابن جرير الطبري، وهو من أجل التفاسير وأعظمها قدرًا. ثم إنه يدع ما نقله ابن جرير عن السلف ويذكر ما يزعم أنه قول المحققين، وإنما يعني بهم طائفة من أهل الكلام الذين قرروا أصولهم بطريق من جنس ما قررت به المعتزلة، وإن كانوا أقرب إلى السنة من المعتزلة. لكن ينبغي أن يعطي كل ذي حق حقه؛ فإن الصحابة والتابعين والأئمة إذا كانوا لهم في الآية تفسير، وجاء قوم فسروا الآية يقول آخر لأجل مذهب اعتقدوه، وذلك المذهب ليس من مذاهب الصحابة والتابعين صار مشاركًا للمعتزلة وغيرهم من أهل البدع في مثل هذا. وفي الجملة: من عدل عن مذاهب الصحابة والتابعين وتفسيرهم إلى ما يخالف ذلك كان مخطئًا في ذلك، بل مبتدعًا؛ لأنهم كانوا أعلم بتفسيره ومعانيه، كما أنهم أعلم بالحق الذي بعث الله به رسوله. وأما الذين أخطأوا في الدليل لا في المدلول، فمثل كثير من الصوفية، والوعاظ، والفقهاء يفسرون القرآن بمعان صحيحة في نفسها، لكن لا يدل عليها، مثل كثير مما ذكره السلمي في الحقائق، فإن كان فيما ذكروه

стр. 3285

معان باطلة دخل في القسم الأول. انتهى كلام ابن تيمية ملخصًا وهو [نفيس] جدًّا. وقال أبو حيان: النظر في تفسير كتاب الله يكون من وجوه: الوجه الأول: علم اللغة اسمًا وفعلًا وحرفًا، فالحروف لقلتها تكلم على معانيها النحاة فيؤخذ ذلك من كتبهم. وأمات الأسماء والأفعال فيؤخذ ذلك من كتب اللغة، وأكبر الموضوعات في علم اللغة كتاب ابن أسيد، فإن الحافظ أبا محمد علي بن أحمد الفارسي ذكر أنه في مائة سفر بدأ فيه بالفلك، وختم بالذرة. وفي الكتب المطولة فيه: كتاب الأزهري، و «الموعب» لابن التياني، و «المحكم» ...

стр. 3286

لابن سيده، و «كتاب الجامع» لأبي عبد الله محمد بن جعفر التميمي القيرواني المعروف بالقزاز، و «الصحاح» للجوهري، و «البارع» لأبي علي القالي، و «مجمع البحرين» للصاغاني. وقد حفظت في صغري في علم اللغة كتاب «الفصيح» لأبي العباس أحمد بن يحيى الشيباني، واللغات المحتوى عليها دواوين مشاهر العرب الستة: امرؤ القيس، والنابغة، وعلقمة، ...

стр. 3287

وزهير، وطرفة، وعنترة، وديوان الأفوه الأودي لحفظي عن ظهر قلب لهذه الدواوين. وفظت كثيرًا من اللغات المحتوى عليها نحو الثلث من كتاب «الحماسة» واللغات التي تضمنها قصائد مختارة من شعر حبيب بن أوس لحفظي لذلك. وفي الموضوعات في اللغة: كتاب ابن القوطية، وكتاب ابن

стр. 3288

طريف، وكتاب السرقسطي المنبوز بالحمار، ومن أجمعها كتاب ابن القطاع. الوجه الثاني: معرفة الأحكام التي للكلم الغريبة من جهة إفرادها، ومن جهة تركيبها. ويؤخذ ذلك من علم النحو. وأحسن موضع فيه وأجله كتاب أبي بشر عمرو بن عثمان بن (قنبز) سيبويه. وأحسن ما وضعه المتأخرون من المختصرات وأجمعه لأحكام كتاب «تسهيل الفوائد» لأبي عبد الله محمد بن مالك الجياني الطائي مقيم دمشق.

стр. 3289

وأحسن ما وضع في التصريف كتاب «الممتع» لأبي الحسن علي بن مؤمن بن عصفور الحضرمي الإشبيلي. وقد أخذت هذا الفن عن أستاذنا [الأوحد] العلامة أبي جعفر أحمد بن إبراهيم بن الزبير الثقفي في كتاب سيبويه، [وغيره]. الوجه الثالث: كون اللفظ والتركيب أحسن وأجمع، ويؤخذ ذلك من علم البيان والبدع، وقد صنف الناس في ذلك تصانيف كثيرة، وأجمعها ما جمعها شيخنا الأديب الصالح أبو عبد الله محمد بن سليمان النقيب، وذلك في مجلدين قدمهما أمام كتابه في التفسير. وما وضعه شيخنا الإمام الأديب الحافظ المتبحر أبو الحسن حازم [بن محمد بن حازم] الأنصاري، الأندلسي مقيم تونس المسمى «منهاج البلغاء وسراج الأدباء». وقد أخذت جملة من هذا الفن عن أستاذنا أبي جعفر بن الزبير -رحمه الله تعالى. الوجه الرابع: تعيين مبهم، وتبيين مجمل، وسبب نزول، ونسخ. ويؤخذ ذلك من النقل الصحيح عن رسول الله ﷺ ، وذلك من علم الحديث. وقد تضمنت الكتب والأمهات التي سمعناها ورويناها ذلك، كالصحيحين،

стр. 3290

والجامع، للترمذي، وسنن أبي داود، وسنن النسائي، وسنن ابن ماجه، وسنن الشافعي، ومسند عبد، ومسند الدارمي، [ومسند الطيالسي]، ومسند الشافعي، ومسند أحمد، وسنن الدارقطني، ومعجم الطبراني الكبير، والمعجم الصغير له، ومستخرج أبي نعيم على مسلم، وغير ذلك. الوجه الخامس: معرفة الإجمال، والتبيين، والعموم، والخصوص، والإطلاق، والتقييد، ودلالة الأمر، والنهي، وما أشبه هذا. ويختص أكثر هذا الوجه بجزء الأحكام من القرآن، ويؤخذ هذا من أصول الفقه، ومعظمه هو في الحقيقة راجع لعلم اللغة، إذ هو شيء يتكلم فيه على أوضاع العرب، ولكن تكلم فيه غير اللغويين، والنحويين، ومزجوه بأشياء من حجج العقول. ومن أجمع ما في هذا الفن كتاب «المحصول» لأبي عبد الله محمد بن عمر الرازي، وقد بحثت في هذا الفن في كتاب «الإشارة» لأبي الوليد الباجي عن الشيخ الأصولي الأديب أبي الحسن فضل بن إبراهيم المعافري الإمام بجامع غرناطة والخطيب به، وعلى أستاذنا العلامة أبي جعفر بن الزبير في كتاب «الإشارة»، وفي شرحها له، وذلك بالأندلس، وبحثت أيضًا في هذا الفن على الشيخ علم الدين عبد الكريم بن

стр. 3291

علي بن عمر الأنصاري المعروف بابن بنت العراقي في مختصره الذي اختصره من كتاب «المحصول» وعلى الشيخ علاء الدين علي بن محمد بن عبد الرحمن بن خطاب الباجي في مختصره الذي اختصره من كتاب «المحصول» وعلى الشيخ شمس الدين محمد بن محمود الأنصاري صاحب شرح المحصول بحثت عليه في كتاب القواعد من تأليفه -رحمه الله تعالى. الوجه السادس: الكلام فيما يجوز على الله تعالى، وما يجب له، وما يستحيل عليه، والنظر في النبوة. ويختص هذا الوجه بالآيات التي تضمنت النظر في الباري تعالى، وفي الأنبياء، وإعجاز القرآن. ويؤخذ هذا من علم الكلام، وقد صنف علماء الإسلام من سائر الطوائف في هذا كتبًا كثيرًا، وهو علم صعب إذ المزلة فيه -والعياذ بالله- مفضٍ إلى الخزانة في الدنيا والآخرة. وقد سمعت [منه] مسائل [تبحث] على الشيخ شمس الدين الأصبهاني، وغيره. الوجه السابع: اختلاف الألفاظ بزيادة أو نقصان أو تغيير حركة أو إتيان بلفظ بدل لفظ،

стр. 3292

وذلك بتواتر وآحاد. ويؤخذ هذا الوجه من علم القراءات. وقد صنف علماؤنا في ذلك كتبًا لا تكاد تحصى، وأحسن الموضوعات في القراءات السبع كتاب «الإقناع» لأبي جعفر بن الباذش، وفي القراءات العشر «المصباح» لأبي الكرم الشهرزوري. وقد قرأت القرآن بقراءة السبعة [بجزيرة الأندلس] على الخطيب [أبي جعفر أحمد بن علي بن محمد الرعيني عرف بابن الطباع بغرناطة]، وعلى الخطيب أبي محمد عبد الحق بن علي بن عبد الله الأنصاري، [وعلى غيرهما] بالأندلس. وقرأت القرآن بالقراءات الثمان بثغر الإسكندرية على الشيخ الصالح رشيد الدين أبي محمد عبد النصير بن علي بن يحيى الهمداني عرف بابن المريوطي. (وقرأت) القرآن بقراءة السبعة بمصر -حرسها الله تعالى- على الشيخ المسند العدل فخر الدين أبي الطاهر إسماعيل بن [هبة الله] بن علي المليجي.

стр. 3293

وأنشأت في هذا العلم كتاب «عقد اللآلئ» قصيدًا في عروض قصيد الشاطبي [ورويه] تشتمل على ألف بيت وأربعة وأربعين بيتًا، صرحت فيه بأسامي القراء من غير [رمز] ولا لغز ولا [حوشي] لغة. وأنشأته من كتب تسعة كما قلت. تنظم هذا العقد من در تسعة ... من الكتب فالتيسير عنوانه انجلا بكاف لتجريدها لتبصره ... وإقناع تلخيصين أضحى مكملا فهذه سبعة وجوه لا ينبغي على تفسير كتاب الله تعالى إلا من أحاط بجملة غالبها من كل وجه منها. وقال الجاح في كتاب «نظم القرآن»: فالفقيه وإن برز على الأقران في علم الفتاوى والأحكام، والمتكلم وإن بز أهل الدنيا في علم صناعة الكلام، وحافظ القصص والأخبار، وإن كان من ابن القرية أحفظ، والواعظ وإن كان من الحسن البصري أوعظ، والنحوي وإن كان أنحى من

стр. 3294

سيبويه، واللغوي وإن علك اللغات بقوة لحييه لا يتصدى منهم أحد لسلوك تلك الطرائق، ولا يغوص على شيء من تلك الحقائق إلا رجل قد برع في علمين مختصين بالقرآن، وهما علم المعاني والبيان، وتمهل في ارتيادهما آونة، وتعب في التنقير أزمنة، وبعثته على تتبع مظانهما همة في معرفة لطائف حجة الله، وحرص على استيضاح معجزة رسول الله بعد أن يكون آخذًا من سائر العلوم بحظ، جامعًا بين أمرين تحقيق وحفظ، كثير المطالعات طويل المراجعات قد راجع زمانًا ورجع إليه، ورد عليه فارسًا في علم الإعراب، مقدمًا في جملة الكتاب، وكان من ذلك مسترسل الطبيعة، منقادها مشتعل القريحة، وقادها يقظان النفس دراكًا للمحة، وإن لطف شأنها منتبهًا على الرمزة، وإن خفي مكانها لا كزًا جاسيًّا، ولا غليظًا جافيًّا، متصرفًا [ذا دراية] بأساليب النظم والنشر، مرتضاها غير ريض بتلقيح نبات الفكر، قد علم كيف يرتب الكلام ويؤلف، وكيف ينظم ويرصف، طالما دفع إلى مضايقة، ووقع في مداحضة ومزالقة. قال الزركشي في البرهان: للناظر في القرآن [لطلب

стр. 3295

التفسير] مآخذ كثيرة، أمهاتها أربعة: الأول: النقل عن النبي ﷺ وهذا هو الطراز المعلم، لكن يجب الحذر من الضعيف منه، والموضوع، فإنه كثير؛ ولهذا قال أحمد: ثلاثة لا أصل لها: المغازي، والملاحم، والتفسير. قال المحققون من أصحابه: مراده أن الغالب أنه ليس لها أسانيد صحاح متصلة، وإلا فقد صح من ذلك كثير، كتفسير «الظلم» بـ «الشرك» في آية الأنعام، و «الحساب اليسير» بالعرض، والقوة بالرمي في قوله تعالى: ﴿وأعدوا لهم ما استطعتم من قوةٍ﴾ [الأنفال: ٦٠]. قال الحافظ السيوطي: قلت: الذي صح من ذلك قليل جدًّا، بل أصل المرفوع منه في غاية القلة، وسأسردها كلها آخر الكتاب -إن شاء الله تعالى.
следующие страницы →