Полный текст (4 238 стр.). Показаны 3291–3330 · переход к 3296.
стр. 3291
علي بن عمر الأنصاري المعروف بابن بنت العراقي في مختصره الذي اختصره من كتاب «المحصول» وعلى الشيخ علاء الدين علي بن محمد بن عبد الرحمن بن خطاب الباجي في مختصره الذي اختصره من كتاب «المحصول» وعلى الشيخ شمس الدين محمد بن محمود الأنصاري صاحب شرح المحصول بحثت عليه في كتاب القواعد من تأليفه -رحمه الله تعالى.
الوجه السادس: الكلام فيما يجوز على الله تعالى، وما يجب له، وما يستحيل عليه، والنظر في النبوة.
ويختص هذا الوجه بالآيات التي تضمنت النظر في الباري تعالى، وفي الأنبياء، وإعجاز القرآن. ويؤخذ هذا من علم الكلام، وقد صنف علماء الإسلام من سائر الطوائف في هذا كتبًا كثيرًا، وهو علم صعب إذ المزلة فيه -والعياذ بالله- مفضٍ إلى الخزانة في الدنيا والآخرة.
وقد سمعت [منه] مسائل [تبحث] على الشيخ شمس الدين الأصبهاني، وغيره.
الوجه السابع: اختلاف الألفاظ بزيادة أو نقصان أو تغيير حركة أو إتيان بلفظ بدل لفظ،
стр. 3292
وذلك بتواتر وآحاد. ويؤخذ هذا الوجه من علم القراءات. وقد صنف علماؤنا في ذلك كتبًا لا تكاد تحصى، وأحسن الموضوعات في القراءات السبع كتاب «الإقناع» لأبي جعفر بن الباذش، وفي القراءات العشر «المصباح» لأبي الكرم الشهرزوري. وقد قرأت القرآن بقراءة السبعة [بجزيرة الأندلس] على الخطيب [أبي جعفر أحمد بن علي بن محمد الرعيني عرف بابن الطباع بغرناطة]، وعلى الخطيب أبي محمد عبد الحق بن علي بن عبد الله الأنصاري، [وعلى غيرهما] بالأندلس. وقرأت القرآن بالقراءات الثمان بثغر الإسكندرية على الشيخ الصالح رشيد الدين أبي محمد عبد النصير بن علي بن يحيى الهمداني عرف بابن المريوطي.
(وقرأت) القرآن بقراءة السبعة بمصر -حرسها الله تعالى- على الشيخ المسند العدل فخر الدين أبي الطاهر إسماعيل بن [هبة الله] بن علي المليجي.
стр. 3293
وأنشأت في هذا العلم كتاب «عقد اللآلئ» قصيدًا في عروض قصيد الشاطبي [ورويه] تشتمل على ألف بيت وأربعة وأربعين بيتًا، صرحت فيه بأسامي القراء من غير [رمز] ولا لغز ولا [حوشي] لغة. وأنشأته من كتب تسعة كما قلت.
تنظم هذا العقد من در تسعة ... من الكتب فالتيسير عنوانه انجلا
بكاف لتجريدها لتبصره ... وإقناع تلخيصين أضحى مكملا
فهذه سبعة وجوه لا ينبغي على تفسير كتاب الله تعالى إلا من أحاط بجملة
غالبها من كل وجه منها.
وقال الجاح في كتاب «نظم القرآن»: فالفقيه وإن برز على الأقران في علم الفتاوى والأحكام، والمتكلم وإن بز أهل الدنيا في علم صناعة الكلام، وحافظ القصص والأخبار، وإن كان من ابن القرية أحفظ، والواعظ وإن كان من الحسن البصري أوعظ، والنحوي وإن كان أنحى من
стр. 3294
سيبويه، واللغوي وإن علك اللغات بقوة لحييه لا يتصدى منهم أحد لسلوك تلك الطرائق، ولا يغوص على شيء من تلك الحقائق إلا رجل قد برع في علمين مختصين بالقرآن، وهما علم المعاني والبيان، وتمهل في ارتيادهما آونة، وتعب في التنقير أزمنة، وبعثته على تتبع مظانهما همة في معرفة لطائف حجة الله، وحرص على استيضاح معجزة رسول الله بعد أن يكون آخذًا من سائر العلوم بحظ، جامعًا بين أمرين تحقيق وحفظ، كثير المطالعات طويل المراجعات قد راجع زمانًا ورجع إليه، ورد عليه فارسًا في علم الإعراب، مقدمًا في جملة الكتاب، وكان من ذلك مسترسل الطبيعة، منقادها مشتعل القريحة، وقادها يقظان النفس دراكًا للمحة، وإن لطف شأنها منتبهًا على الرمزة، وإن خفي مكانها لا كزًا جاسيًّا، ولا غليظًا جافيًّا، متصرفًا [ذا دراية] بأساليب النظم والنشر، مرتضاها غير ريض بتلقيح نبات الفكر، قد علم كيف يرتب الكلام ويؤلف، وكيف ينظم ويرصف، طالما دفع إلى مضايقة، ووقع في مداحضة ومزالقة.
قال الزركشي في البرهان: للناظر في القرآن [لطلب
стр. 3295
التفسير] مآخذ كثيرة، أمهاتها أربعة:
الأول: النقل عن النبي ﷺ وهذا هو الطراز المعلم، لكن يجب الحذر من الضعيف منه، والموضوع، فإنه كثير؛ ولهذا قال أحمد: ثلاثة لا أصل لها: المغازي، والملاحم، والتفسير. قال المحققون من أصحابه: مراده أن الغالب أنه ليس لها أسانيد صحاح متصلة، وإلا فقد صح من ذلك كثير، كتفسير «الظلم» بـ «الشرك» في آية الأنعام، و «الحساب اليسير» بالعرض، والقوة بالرمي في قوله تعالى: ﴿وأعدوا لهم ما استطعتم من قوةٍ﴾ [الأنفال: ٦٠].
قال الحافظ السيوطي: قلت: الذي صح من ذلك قليل جدًّا، بل أصل المرفوع منه في غاية القلة، وسأسردها كلها آخر الكتاب -إن شاء الله تعالى.
стр. 3296
الثاني: الأخذ بقول الصحابي؛ فإن تفسيره عندهم بمنزلة المرفوع إلى النبي ﷺ ، كما قاله الحاكم في «المستدرك».
وقال أبو الخطاب من الحنابلة: يحتمل أن لا يرجع إليه إذا قلنا: إن قوله ليس بحجة، والصواب الأول؛ لأنه من باب الرواية لا الرأي.
قال الحافظ السيوطي: قلت: ما قاله الحاكم نازعه فيه ابن الصلاح وغيره من المتأخرين، بأن ذلك مخصوص بما فيه سبب النزول أو نحوه مما لا مدخل للرأي (فيه).
стр. 3297
ثم رأيت الحاكم نفسه صرح به في «علوم الحديث» فقال: ومن الموقوفات تفسير الصحابة. وأما من يقول: إن تفسير الصحابة مسند، فإنه إنما يقول فيما فيه سبب النزول. فقد خصص هذا، وعمم في «المستدرك» فاعتمد الأول، -والله أعلم.
ثم قال الزركشي: وفي الرجوع إلى قول التابعي روايتان عن أحمد، واختار ابن عقيل، المنع وحكوه عن شعبة لكن عمل المفسرين على خلافه، فقد حكوا في كتبهم أقوالهم، لأن غالبها تلقوها من الصحابة، وبما يحكى عنهم عبارات مختلفة الألفاظ، فيظن من لا فهم عنده أن ذلك اختلاف
стр. 3298
محقق [فيحكيه] أقوالًا، وليس كذلك، بل يكون كل واحد منهم ذكر معنى من الآيات؛ لكونه أظهر عنده أو أليق بحال السائل. وقد يكون بعضهم يخبر عن الشيء بلازمه ونظيره، والآخر بمقصوده وثمرته، والكل يؤول إلى معنى واحد غالبًا، فإن لم يمكن الجمع، فالمتأخر من القولين عن الشخص الواحد مقدم، إن استويا في الصحة عنه، وإلا فالصحيح المقدم.
الثالث: الأخذ بمطلق اللغة؛ فإن القرآن بلسان عربي. وهذا قد ذكره جماعة، ونص عليه أحمد في مواضع لكن نقل الفضل بن زياد عنه [أنه] سئل عن القرآن يمثل له الرجل ببيت من الشعر، فقال: ما يعجبني. فقيل: ظاهره المنع، ولهذا قال بعضهم في جواز تفسير القرآن بمقتضى اللغة: روايتان عن أحمد، وقيل: الكراهة تحمل على [من] صرف الآية عن ظاهرها إلى معان خارجة محتملة يدل عليها القليل من كلام العرب، ولا يوجد غالبًا إلا في الشعر ونحوه ويكون المتبادر خلافها.
وروى البيهقي في «الشعب» عن مالك قال: لا أوتى برجل غير عالم بلغة العرب يفسر كتاب الله إلا جعلته نكالًا.
الرابع: التفسير بالمقتضى (من) معنى الكلام، [والمقتضى] من قوة الشرع، وهذا هو الذي دعا به النبي ﷺ لابن عباس حيث قال: «اللهم فقهه في الدين، وعلمه التأويل». والذي عناه علي -كرم الله وجهه- بقوله: «إلا فهمًا يؤتاه الرجل في القرآن».
стр. 3299
ومن هنا اختلف الصحابة في معنى الآية، فأخذ كل برأيه على منتهى نظره. ولا يجوز تفسير القرآن بمجرد الرأي والاجتهاد من غير أصل، قال تعالى: ﴿ولا تقف ما ليس لك به علم﴾ [الإسراء: ٣٦]، وقال: ﴿وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون﴾ [البقرة: ١٦٩]، وقال: ﴿لتبين للناس ما نزل إليهم﴾ [النحل: ٤٤]. فأضاف البيان إليه. وقال ﷺ : «من تكلم في القرآن برأيه فأصاب فقد أخطأ» أخرجه أبو داود [والترمذي والنسائي]، وقال: «من قال في القرآن بغير علم فليتبوأ مقعده من النار» أخرجه أبو داود]).
وقال البيهقي في الحديث الأول: إن صح [فإنما أراد]-والله أعلم- الرأي الذي يغلب من غير دليل قام عليه، وأما الذي يسنده برهان فالقول به جائز. وقال في «المدخل»: في هذا الحديث نظر، وإن صح فإنما أراد به -والله أعلم- فقد [أخطأ] الطريق، فسبيله أن يرجع في تفسير ألفاظه إلى أهل اللغة، وفي معرفة ناسخه ومنسوخه، وسبب نزوله، وما يحتاج فيه إلى بيانه إلى أخبار الصحابة الذين شاهدوا تنزيله، وأدوا إلينا من السنن ما يكون بيانًا لكتاب الله، قال تعالى: ﴿وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون﴾ [النحل: ٤٤]. فما ورد بيانه عن صاحب الشرع، ففيه
стр. 3300
كفاية عن فكرة من بعده، وما لم يرد عنه بيانه، ففيه حينئذٍ فكرة أهل العلم بعده؛ ليستدلوا بما ورد بيانه على ما لم يرد. قال: وقد يكون المراد به: من قال فيه برأيه من غير معرفة منه بأصول العلم وفروعه، فيكون موافقته للصواب -إن وافقه من حيث لا يعرفه- غير محمودة.
وقال الماوردي: قد حمل بعض المتورعة هذا الحديث على ظاهره، وامتنع من أن يستنبط معاني القرآن باجتهاده، ولو صحبتها الشواهد [ولم يعارض شواهدها] نص صريح، وهذا عدول عما تعبدنا بمعرفته من النظر في القرآن واستنباط الأحكام [منه]، كما قال تعالى: ﴿لعلمه الذين يستنبطونه منهم﴾ [النساء: ٨٣]، ولو صح ما ذهب إليه لم يعلم شيء بالاستنباط، ولما فهم الأكثرون من كتاب الله شيئًا، وإن صح الحديث فتأويله: أن من تكلم في القرآن بمجرد رأيه ولم يعرج على سوى لفظه وأصاب الحق فقد أخطأ الطريق، وإصابته اتفاق؛ إذ الغرض أنه مجرد رأي لا شاهد له.
وفي الحديث: «القرآن ذلول ذو أوجه فاحملوه على أحسن وجوهه» أخرجه أبو نعيم وغيره من حديث ابن عباس، فقوله: «ذلول» يحتمل معنيين: أحدهما: أنه مطيع لحامله تنطق به ألسنتهم.
والثاني: أنه موضح لمعانيه حتى لا يقصر عنه أفهام المجتهدين.
وقوله: «ذو أوجه» يحتمل معنيين: أحدهما: أن من ألفاظه ما يحتمل وجوهًا من التأويل.
ثانيهما: أنه قد جمع وجوهًا من الأوامر، والنواهي، والترغيب، والترهيب، والتحليل، والتحريم.
وقوله: «فاحملوه على أحسن وجوهه»، [يحتمل] على معنيين:
стр. 3301
أحدهما: الحمل على أحسن معانيه.
والثاني: أحسن ما فيه من العزائم دون الرخص والعفو دون الانتقام. وفيه دلالة ظاهرة على جواز الاستنباط والاجتهاد في كتاب الله تعالى. انتهى.
وقال أبو الليت: النهي إنما انصرف إلى المتشابه منه، لا إلى جميعه كما قال تعالى: ﴿فأما الذين في قلوبهم زيغٌ فيتبعون ما تشابه منه﴾؛ لأن القرآن إنما نزل حجة على الخلق؛ فلو لم يجز التفسير لم تكن الحجة بالغة. فإذا كان كذلك جاز لمن عرف لغات العرب وأسباب النزول، أن يفسره. وأما من لم يعرف وجوه اللغة، فلا يجوز أن يفسره إلا بمقدار ما سمع؛ فيكون ذلك على وجه الحكاية لا على وجه التفسير. ولو انه يعلم التفسير وأراد أن يستخرج من الآية حكمًا ودليلًا فلا بأس به. ولو قال: المراد [من الآية] كذا من غير أن يسمع فيه شيئًا فلا يحل، وهو الذي نهي عنه.
وقال ابن الأنباري في الحديث الأول: حمل بعض أهل العلم على أن
стр. 3302
الرأي يعني به الهوى، فمن قال في القرآن قولًا يوافق هواه ولم يأخذه عن أئمة السلف وأصاب فقد أخطأ؛ لحكم على القرآن بما لا يعرف أصله، ولا قف على مذاهب أهل الأثر والنقل فيه. وقال في الحديث الثاني: له معنيان: أحدهما: من قال في مشكل القرآن بما لا يعرف من مذاهب الأوائل من الصحابة والتابعين فهو متعرض لسخط الله.
والثاني: وهو الأصح. من قال في القرآن قولًا يعلم أن الحق غيره، فليتبوأ مقعده من النار.
وقال البغوي والكواشي وغيرهما: التأويل صرف الآية إلى معنى موافق لما قبلها وبعدها تحتمله الآية غير مخالف للكتاب والسنة من طريق الاستنباط وغير محظور على العلماء بالتفسير، كقوله تعالى: ﴿انفروا خفافًا وثقالًا﴾ [التوبة: ٤١] قيل: شبابًا وشيوخًا. وقيل: أغنياء وفقراء. وقيل: عزابًا ومتأهلين. وقيل: نشاطًا وغير نشاط. وقيل أصحاء ومرضى، وكل ذلك سائغ والآية تحتمله.
وأما التأويل المخالف للآية والشرع فمحظور؛ لأنه تأويل الجاهلين، مثل تأويل الروافض قوله تعالى: ﴿مرج البحرين يلتقيان (١٩)﴾ [الرحمن: ١٩] أنهما علي وفاطمة، ﴿يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان (٢٢)﴾ [الرحمن: ٢٢]؛ يعني الحسن والحسين.
وقال بعضهم: اختلف الناس في تفسير القرآن، هل يجوز لكل أحد الخوض فيه؟
стр. 3303
فقال قوم: لا يجوز لأحد أن يتعاطى [في] تفسير شيء من القرآن، إن كان عالمًا أديبًا متسعًا في معرفة الأدلة، والفقه، والنحو، والأخبار، والآثار، وليس له إلا أن ينتهي إلى ما روي عن النبي ﷺ في ذلك.
ومنهم من قال: يجوز تفسيره لمن كان جامعًا للعلوم التي يحتاج المفسر إليها وهي خمسة عشر علمًا.
أحدها: اللغة؛ لأن ها يعرف (شرح) مفردات الألفاظ ومدلولاتها بحسب الوضع.
قال مجاهد: لا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يتكلم في كتاب الله إذا لم يكن عالمًا بلغات العرب. وتقدم قول مالك في ذلك. ولا يكفي في حقه معرفة اليسير منها، فيكون اللفظ مشتركًا، وهو يعلم أحد المعنيين والمراد الآخر.
الثاني: النحو؛ لأن المعنى يتغير ويختلف باختلاف الإعراب [لا بد من اعتباره].
وأخرج أبو عبيد عن الحسن، أنه سئل عهن الرجل يتعلم العربية يلتمس بها حسن المنطق ويقيم بها قراءته. فقال الحسن: فتعلمها؛ فإن الرجل يقرأ الآية فيعيا بوجهها فيهلك [فيها].
الثالث: التصريف؛ لأن به يعرف الأبنية والصيغ. قال ابن فارس ومن
стр. 3304
فاته علمه، فاته [المعظم]؛ لأن «وجد» مثلًا كلمة مبهمة، فإذا صرفناها اتضحت بمصادرها.
وقال الزمخشري: من بدع التفاسير قول من قال: إن الإمام في قوله تعالى: ﴿يوم ندعو كل أناس بإمامهم﴾ [الإسراء: ٧١] جمع «أم»، وأن الناس يدعون يوم القيامة بأمهاتهم دون آبائهم، قال: وهذا غلط أوجبه جهله بالتصريف؛ فإن «أما» لا تجمع على «إمام».
الرابع: الاشتقاق؛ لأن الاسم إذا كان اشتقاقه من مادتين مختلفتين اختلف المعنى باختلافهما، كالمسيح هل هو من السياحة أو من المسح.
الخامس، والسادس، والسابع: المعاني والبيان والبديع؛ لأنه يعرف بالأول خواص تراكيب الكلام من جهة إفادة المعنى، وبالثاني خواصها من حيث اختلافها بحسب وضوح الدلالة وخفائها، وبالثالث وجوه تحسين الكلام، وهذه العلوم الثلاثة في علوم البلاغة؛ وهي من أعظم أركان المفسر؛ لأنه لا يد من مراعاة ما يقتضيه الإعجاز، وإنما يدرك بهذه [العلوم].
قال السكاكي: اعلم أن شأن الإعجاز عجيب، يدرك ولا يمكن وصفه، كاستقامة الوزن تدرك ولا يمكن وصفها، وكالملاحة، ولا طريق إلى تحصيله لغير ذوي الفطر السليمة إلا التمرن في علمي المعاني والبيان.
وقال ابن أبي الحديد: اعلم أن معرفة الفصيح والأفصح والرشيق
стр. 3305
[والأرشق] من الكلام أمر لا يدرك إلا بالذوق، ولا يمكن إقامة الدليل عليه، وهو بمنزلة جاريتين [إحداهما] بيضاء مشربة بحمرة، دقيقة الشفتين، نقية الثغر، كحلاء العينين، أسيلة الخد، دقيقة الأنف، معتدلة القامة. والأخرى دونها في هذه الصفات والمحاسن، لكنها أحلى في العيون والقلوب منها، ولا يدري سبب ذلك، ولكنه يعرف بالذوق والمشاهدة، ولا يمكن تعليله وهكذا الكلام. نعم يبقى الفرق بين الوصفين، أن حسن الوجوه وملاحتها وتفضيل بعضها على بعض يدرك كل من له عين صحيحة، وأما الكلام فلا يدرك إلا بالذوق، وليس كل من اشتغل بالنحو، واللغة، والفقه يكون من أهل الذوق، وممن يصلح لانتقاد الكلام، وإنما أهل الذوق [هم] الذين اشتغلوا بعلم البيان، وراضوا أنفهم بالرسائل، والخطب، والكتابة، والشعر، وصارت لهم بذلك دربة وملكة تامة؛ فإلى أولئك ينبغي أن يرجع في معرفة الكلام وفضل بعضه على بعض.
وقال الزمخشري: [من] حق مفسر كتاب الله الباهر وكلامه المعجز أن يتعاهد بقاء النظم على حسنه، والبلاغة على كمالها، وما وقع به التحدي [سليمًا] من القادح.
وقال غيره: معرفه هذه الصناعة بأوضاعها، هي عمدة التفسير المطلع على عجائب كلام الله، وهي قاعدة الفصاحة، وواسطة عقد البلاغة.
الثامن: علم القراءات؛ لأن به تعرف كيفية النطق بالقرآن. وبالقراءات ترجيح بعض الوجوه المحتملة على بعض.
стр. 3306
التاسع: أصول الدين؛ لما في القرآن من الآيات الدالة بظاهرها على ما لا يجوز على الله.
فالأصولي يؤول [ذلك] ويستدل على ما يستحيل وما يجب وما يجوز.
العاشر: أصول الفقه؛ إذ به يعرف وجه [الاستدلال] على الأحكام والاستنباط.
الحادي عشر: أسباب النزول والقصص، إذ بسبب النزول [يعرف به معنى الآية] المنزلة فيه بحسب ما أنزل فيه.
الثاني عشر: الناسخ والمنسوخ لعليم المحكم من غيره.
الثالث عشر: الفقه.
الرابع عشر: الأحاديث المبينة لتفسير المجمل والمبهم.
الخامس عشر: علم الموهبة: وهو علم يورثه الله تعالى لمن عمل بما علم، وإليه الإشارة بحديث: «من عمل بما علم أورثه الله علم ما لم يعلم».
قال ابن أبي الدنيا: وعلوم القرآن، وما يستنبط منه [بحر لا ساحل له]، قال فهذه العلوم -التي كالآلة للمفسر- لا يكون مفسرًا إلا بتحصيلها، فمن فسر بدونها كان مفسرًا بالرأي المنهي عنه، وإذا فسر مع حصولها لم يكن مفسرًا بالرأي المنهي عنه.
قال: والصحابة والتابعون كان عندهم علوم العربية بالطبع [لا] بالاكتساب، واستفادوا العلوم الأخرى من النبي ﷺ .
стр. 3307
قلت: ولعلك تستشكل علم الموهبة، وتقول: هذا [شيء] ليس في قدرة الإنسان [تحصيله] [وليس كما ظننت من الإشكال، والطريق في تحصيله] ارتكاب الأسباب الموجبة له من العمل والزهد.
[وقال في البرهان: اعلم] أنه لا يحصل للناظر فهم معاني الوحي، ولا يظهر له أسراره، وفي قلبه بدعة، أو كبر، أو هوى، أو حب الدنيا، أو هو مصر على ذنب، أو غير متحقق بالإيمان، أو ضعيف [التحقيق]، أو يعتمد على قول مفسر ليس عنده علم، أو راجع إلى معقوله، وهذه كلها [حجب وموانع] بعضها آكد من بعض.
قال الإمام السيوطي: قلت: وفي هذا المعنى قوله تعالى: ﴿سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق﴾ [الأعراف: ١٤٦].
قال سفيان بن عيينة يقول: أنزع عنهم فهم القرآن أخرجه ابن أبي حاتم.
وقد أخرج ابن جرير وغيره من طرق عن ابن عباس -رضي الله تعالى عنهما- قال: التفسير أربعة أوجه: وجه تعرفه العرب من كلامها، وتفسير لا يعذر أحد بجهالته، وتفير يعلمه العلماء، وتفسير لا يعلمه إلا الله. ثم رواه مرفوعًا بسند ضعيف بلفظ: «أنزل القرآن على أربعة أحرف: حلال
стр. 3308
وحرام، لا يعذر أحد بجهالته، [وتفسير تفسره العرب]، وتفسير يفسره العلماء، ومتشابه لا يعلمه إلا الله، ومن ادعى علمه سوى الله فهو كاذب».
قال الزركشي في «البرهان» في قول ابن عباس -رضي الله تعالى عنهما-: هذا تقسيم صحيح؛ فأما الذي تعرفه العرب، فهو الذي يرجع فيه إلى لسانهم، وذلك اللغة والإعراب. فأما اللغة فعلى المفسر معرفة معانيها ومسميات أسمائها، ولا يلزم ذلك القارئ. ثم إن كان ما تتضمنه ألفاظها يوجب العمل دون العلم، كفى به خبر الواحد. والاثنين، والاستشهاد بالبيت والبيتين، وإن كان يوجب العلم لم يكف ذلك، بل لا بد أن يستفيض ذلك اللفظ، وتكثر شواهده من الشعر.
وأما الإعراب فما كان اختلافه محيلًا للمعنى وجب على المفسر والقارئ تعلمه؛ لوصول المفسر إلى معرفة الحكم، ويسلم القارئ اللحن، وإن لم يكن محيلًا للمعنى وجب تعلمه على القارئ ليسلم من اللحن، ولا يجب على المفسر لوصوله إلى المقصود بدونه.
وأما ما لا يعذر أحد بجهله، فهو ما تتبادر الأفهام إلى معرفة معناه من
стр. 3309
النصوص المتضمنة شرائع الأحكام، ودلائل التوحيد. وكل لفظ أفاد معنى واحدًا جليًّا يعلم أنه مراد الله، فهذا القسم [لا يلتبس] تأويله؛ إذ كل أحد يدرك معنى التوحيد من قوله تعالى: ﴿فاعلم أنه لا إله إلا الله﴾ [محمد: ١٩] وأنه لا شريك له في الإلهية، وإن لم يعلم أن «لا» موضوعة في اللغة للنفي و «إلا» للإثبات، وأن مقتضى هذه الكلمة الحصر، ويعلم كل أحد بالضرورة أن مقتضى قوله تعالى: ﴿أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة﴾ [البقرة: ٤٣] ونحوها من الأوامر، طلب إيجاد المأمور به في الوجود وإن لم يعلم أن صيغة «افعل» للوجوب، فما كان من هذا القسم لا يعذر أحد [يدعي] الجهل بمعاني ألفاظه؛ لأنها معلومة لكل أحد بالضرورة.
وأما ما لا يعلمه إلا الله، فهو ما يجري مجرى الغيوب، نحو الآي المتضمنة لقيام الساعة، وتفسير الروح، والحروف المقطعة، وكل متشابه في القرآن عند أهل الحق، فلا مساغ للاجتهاد في تفسيره، ولا طريق إلى ذلك إلا بالتوقيف بنص من القرآن أو الحديث أو إجماع الأمة على تأويله.
وأما ما يعلمه العلماء، ويرجع إلى اجتهادهم، فهو الذي يغلب عليه إطلاق التأويل، وذلك استنباط الأحكام، وبيان المجمل، وتخصيص العموم، وكل لفظ احتمل معنيين فصاعدًا، فهو الذي لا يجوز لغير العلماء الاجتهاد فيه، وعليهم اعتماد الشواهد والدلائل دون مجرد الرأي، فإن كان أحد المعنيين
стр. 3310
أظهر وجب الحمل عليه، إلا أن يقوم دليل على أن المراد هو الخفي. وإن استويا -والاستعمال فيها حقيقة؛ لكن في أحدهما حقيقة لغوية أو عرفية، وفي الآخر شرعية- فالحمل على الشرعية أولى، إلا أن يدل دليل على إرادة اللغوية كما في قوله تعالى: ﴿وصل عليهم إن صلواتك سكنٌ لهم﴾ [التوبة: ١٠٣]، [ولو كان في أحدهما عرفية والآخر لغوية فالحمل على العرفية أولى وإن اتفقا في ذلك أيضًا]، وإن تنافى اجتماعهما ولم يمكن إرادتهما باللفظ الواحد كالقرء للحيض والطهر، اجتهد في المراد منهما بالأمارات الدالة عليه، فما ظنه فهو كراد الله تعالى حقه، وإن لم يظهر له شيء فهل يخبر في الحمل على أيهما شاء، أو يأخذ بالأغلظ حكمًا أو بالأخف أقوالًا. وإن لم يتنافيا وجب الحمل عليهما عند المحققين، ويكون ذلك أبلغ في الإعجاز والفصاحة، إلا أن يدل دليل على إرادة أحدهما إذا عرف ذلك فينزل حديث: «من تكلم في القرآن برأيه» على قسمين من هذه الأربعة.
стр. 3311
أحدهما: تفسير اللفظ لاحتياج المفسر له إلى التبحر في معرفة لسان العرب.
والثاني: حمل اللفظ المحتمل على أحد معنييه لاحتياج ذلك إلى معرفة أنواع (من العلوم، والتبحر) في العربية واللغة، ومن علم الأصول ما يدرك به حدود الأشياء، وصيغ الأمر والنهي والخبر، والمجمل والمبين، والعموم والخصوص، والمطلق والمقيد، والمحكم والمتشابه، والظاهر والمؤول، والحقيقة والمجاز، والصريح والكناية.
ومن الفروع ما يدرك به الاستنباط، و [الاستدلال] على هذا أقل ما يحتاج إليه، ومع ذلك فهو على خطر، فعليه أن يقول يحتمل كذا، ولا يجزم إلا في حكم اضطر إلى الفتوى به، فأدى اجتهاده إليه، [فيجزم مع تجويز خلافه]. انتهى.
وقال ابن النقيب جملة ما تحصل في معنى حديث التفسير بالرأي خمسة أقوال: أحدها: التفسير من غير حصول [العلوم] التي يجوز معها التفسير.
[الثاني: تفسير] المتشابه الذي لا يعلمه إلا الله.
الثالث: التفسير المقرر للمذهب الفاسد، بأن يجعل المذهب أصلًا، والتفسير تابعًا [له]، فيرد إليه بأي طريق أمكن، وإن كان ضعيفًا.
الرابع: التفسير بأن مراد الله كذا على القطع من غير دليل.
الخامس: التفسير بالاستحسان والهوى.
стр. 3312
ثم قال: واعلم أن علوم القرآن ثلاثة أقسام: الأول: علم لم يطلع الله عليه أحدًا من خلقه، وهو ما استأثر به من علوم أسرار كتابه من معرفة كنه ذاته، (ومعرفة حقائق أسمائه وصفاته، وتفاصيل علوم) غيوبه التي لا يعلمها إلا هو، وهذا لا يجوز لأحد الكلام فيه بوجه من الوجوه إجماعًا.
الثاني: ما أطلع الله عليه نبيه من أسرار الكتاب واختصه به، وهذا لا يجوز فيه إلا له ﷺ أو لمن أذن له.
قال: وأوائل السور من هذا القسم. وقيل: من القسم الأول.
الثالث: علوم علمها الله -جل شأنه- نبيه بما أودع كتابه من المعاني الجليلة والخفية وأمره بتعليمها، وهذا ينقسم إلى قسمين.
منه ما لا يجوز الكلام فيه إلا بطريق السمع، وهو أسباب النزول، والناسخ والمنسوخ، والقراءات واللغات، وقصص الأمم الماضية، وأخبار ما هو كائن من الحوادث، وأمور الحشر والمعاد.
ومنه ما يؤخذ بطريق النظر والاستدلال والاستنباط والاستخراج من ألفاظ، وهو قسمان: قسم: اختلفوا في جوازه وهو تأويل الآيات المتشابهات في الصفات.
وقسم: اتفقوا عليه وهو استنباط الأحكام الأصلية، والفرعية، والإعرابية؛ لأن معناها على الأقيسة، وكذلك فنون البلاغة، وضروب المواعظ، والحكم والإشارات لا يمتنع استنباطها منه، واستخراجها [لمن له أهلية ذلك] انتهى ملخصًا.
وقال أبو حيان: ذهب بعض من عاصرناه إلى أن علم التفسير مضطر إلى النقل في فهم معاني تركيبه بالإسناد إلى مجاهد، وطاوس، وعكرمة،
стр. 3313
وأضرابهم، وأن فهم الآيات متوقف على ذلك، قال: وليس كذلك.
وقال الزركشي بعد حكاية ذلك: الحق أن علم التفسير، منه ما يتوقف على النقل، كسبب النزول، والنسخ، [وتعيين المبهم]، وتبيين المجمل.
ومنه ما لا يتوقف، ويكفي في تحصيله التفقه على الوجه المعتبر. قال: وكأن السبب في اصطلاح كثير على التفرقة بين التفسير والتأويل، التمييز بين المنقول والمستنبط، ليحمل على الاعتماد في المنقول، وعلى النظر في المستنبط.
قال: واعلم أن القرآن قسمان: قسم ورد تفسيره بالنقل، وقسم لم يرد، والأول إما أن يرد عن النبي ﷺ ، والصحابة، أو رؤوس التابعين، فالأول يبحث فيه عن صحة السند، والثاني ينظر في تفسير الصحابي، فإن فسره من حيث اللغة فهم أهل اللسان -فلا شك [في اعتمادهم]-[أو بما شاهدوه] من الأسباب والقرائن فلا شك فيه، وحينئذٍ إن تعارضت أقوال جماعة من الصحابة، فإن أمكن الجمع فلذلك، وإن تعذر قدم ابن عباس؛ لأن النبي ﷺ بشره بذلك حيث قال: «اللهم علمه التأويل».
وقد رجح الشافعي -رحمه الله تعالى- قول زيد في الفرائض لحديث:
стр. 3314
«أفرضكم زيد»، [وأما ما ورد عن التابعين فحيث جاز الاعتماد فيما سبق فكذلك هنا، وإلا وجب الاجتهاد]، وأما ما لم يرد فيه نقل فهو قليل، وطريق التواصل إلى فهمه النظر إلى مفردات الألفاظ من لغة العرب ومدلولاتها واستعمالها بحسب السياق، وهذا يعتني به الراغب كثيرًا في كتاب «المفردات».
فيذكر قيدًا زائدًا على أهل اللغة في تفسير مدلول اللفظ؛ لأنه اقتضاء السياق. انتهى.
وقال الإمام الحافظ السيوطي -رحمه الله تعالى-: وقد جمعت كتابًا مسندًا فيه تفاسير النبي ﷺ والصحابة، فيه بضعة عشر ألف حديث ما بين مرفوع وموقوف. وقد تم -ولله الحمد- في أربع مجلدات، وسميته «ترجمان القرآن»، ورأيت أنا في أثناء تصنيفه النبي ﷺ في المنام، في قصة طويلة تحتوي على بشارة حسنة.
تنبيه: من المهم معرفة التفاسير الواردة عن الصحابة بحسب قراءة مخصوصة؛ وذلك أنه قد يرد عنهم تفسيران في الآية الواحدة مختلفان، فيظن اختلافًا، وليس باختلاف، وإنما كل تفسير على قراءة، وقد تعرض السلف لذلك.
فأخرج ابن جرير في قوله تعالى: ﴿لقالوا إنما سكرت أبصارنا﴾ [الحجر: ١٥] من طريق ابن عباس --رضي الله تعالى عنهما- وغيره. أن «سكرت»
стр. 3315
بمعنى «سدت» ومن طريق أنها بمعنى «أخذت».
ثم أخرج عن قتادة قال: من قرأ «سكرت» بشدة فإنما يعني «سدت»، ومن قرأ «سكرت» مخففة فإنه يعني «سحرت»، وهذا الجمع من قتادة نفيس بديع.
ومثله قوله تعالى: ﴿سرابيلهم من قطران﴾ [إبراهيم: ٥٠] أخرج ابن جرير عن الحسن: أنه الذي تهنأ به الإبل.
وأخرج من طريق عنه وعن غيره: أنه النحاس المذاب، وليس بقولين؛ وإنما الثاني تفسير لقراءة من «قطرٍ آنٍ» بتنوين «قطر»، وهو النحاس و «آن» شديد الحر، كما أخرجه ابن أبي حاتم هكذا عن سعيد بن جبير. وأمثلة هذا النوع كثيرة، والكافل ببيانها كتابنا «أسرار التنزيل».
وقد خرجت على هذا قديمًا الاختلاف الوارد عن ابن عباس وغيره في تفسير آية «أو لامستم» هل هو الجماع، أو المس باليد، فالأول تفسير لقراءة «لامستم» والثاني لقراءة «لمستم» ولا اختلاف.
стр. 3316
فائدة: قال الشافعي -رضي الله تعالى عنه- في مختصر البويطي: لا يحل تفسير المتشابه إلا بسنة عن رسول الله ﷺ ، أو عن أحد من الصحابة أو إجماع العلماء، «هذا نصه».
فصل وأما كلام الصوفية -رضي الله تعالى عنهم- في القرآن فليس بتفسير.
قال ابن الصلاح في فتاويه: وجدت عن الإمام أبي الحسن الواحدي المفسر أنه قال: صنف أبو عبد الرحمن السلمي «حقائق التفسير» فإن كان قد اعتقد أن ذلك فقد كفر.
قال ابن الصلاح: وأنا أقول: الظن بمن يوثق به منهم، إذ قال شيئًا من ذلك أنه لم يذكره تفسيرًا، ولا ذهب به مذهب الشرح للكلمة، فإنه لو كان كذلك كانوا قد سلكوا مسلك الباطنية، وإنما ذلك منهم لنظير ما ورد به القرآن؛ فإن النظير يذكر بالنظير؛ ومع ذلك، فيا ليتهم لم يتساهلوا بمثل ذلك لما فيه من الإبهام والإلباس.
стр. 3317
وقال النسفي في عقائده: النصوص على ظاهرها والعدول عنها إلى معان [يدعيها أهل الباطن إلحاد. قال التفتازاني في شرحه: سميت الملاحدة لادعائهم أن النصوص ليست على ظاهرها، بل لها] معان باطنية لا يعرفها إلا المعلم، وقصدهم بذلك نفس الشريعة بالكلية.
قال: وأما ما يذهب إليه بعض المحققين من أن النصوص [محمولة] على ظواهرها، ومع ذلك فيها إشارات خفية إلى دقائق تنكشف على أرباب السلوك يمكن التطبيق بينها وبين الظواهر المرادة فهو من كمال الإيمان ومحض العرفان.
قلت: والقسم الأول: هم الباطنية من الإسماعيلية القائلين بأن معاني القرآن
стр. 3318
كلها مراد بها غير ظاهرها وأنه لا يفهمها إلا المعلم، وهو (الإمام) عندهم الذي يعتقدون فيه الحلول، وهم قوم أهل ضلالة وعماية.
والقسم الثاني: هم الصوفية (-قدس الله سرهم-) وسئل شيخ الإسلام سراج الدين البلقيني عن رجل قال: في قوله تعالى: ﴿من ذا الذي يشفع عنده﴾ [البقرة: ٢٥٥] أن معناه: من ذل؛ أي من الذل، «ذي» إشارة إلى النفس. «يشف» من الشفاء جواب «من». «ع» أمر من الوعي، فأفتى بأنه ملحد. وقد قال تعالى: ﴿إن الذين يلحدون في آياتنا لا يخفون علينا﴾ [فصلت: ٤٠]، قال ابن عباس [-رضي الله تعالى عنهما-] هو أن يوضع الكلام على غير موضعه أخرجه ابن أبي حاتم. فإن قلت: فقد أخرج الفريابي: [حدثنا] سفيان، عن يونس بن عبيد، عن الحسن قال: قال رسول الله ﷺ : «لكل آية ظهر وبطن، [ولكل حرف حد، ولكل حد مطلع]». وأخرج
стр. 3319
الطبراني وأبو يعلى والبزار وغيرهم عن ابن مسعود موقوفًا: «إن هذا القرآن ليس منه إلا له حد ولكل حد مطلع».
قال الحافظ السيوطي في «الإتقان»: قلت: أما الظهر والبطن ففي معناه أوجه: أحدها: أنك إذا بحثت عن باطنها، وقسته على ظاهرها وقفت على معناها.
والثاني: أن ما من آية إلا عمل بها قوم، ولها قوم سيعملون بها، كما قال ابن مسعود فيما أخرجه ابن أبي حاتم.
الثالث: أن ظاهرها لفظها وباطنه تأويلها.
الرابع: قال أبو عبيد -وهو أشبهها بالصواب-: أن القصص التي قصها الله عن الأمم الماضية، وما عقبهم به ظاهرها الإخبار بهلاك الأولين، وإنما هو حديث (حدث) به (عن قوم)، وباطنها وعظ الآخرين وتحذير أن يفعلوا كفعلهم فيحل بهم مثل ما حل بهم.
وحكى ابن النقيب قولًا خامسًا: أن ظهرها ما ظهر من معانيها لأهل العلم
стр. 3320
بالظاهر، وبطنها ما تضمنته من الأسرار التي أطلع الله عليها أرباب الحقائق. ومعنى قوله: «ولكل حرف حد»؛ أي منتهى فيما أراد الله [من معناه، وقيل]: لكل حكم مقدار من الثواب والعقاب.
ومعنى قوله: «ولكل حد مطلع» لكل غامض من المعاني والأحكام مطلع يتوصل به إلى معرفته، ويوقف على المراد به.
وقيل: كل ما يستحقه من الثواب والعقاب يطلع عليه في الآخرة عند المجازاة.
وقال بعضهم: الظاهر التلاوة، والباطن الفهم، والحد أحكام الحلال والحرام، والمطلع الإشراف على الوعد والوعيد.
قال السيوطي: قلت: يؤيد هذا ما أخرجه ابن أبي حاتم من طريق الضحاك عن ابن عباس قال: إن القرآن ذو شجون، وفنون، وظهور، وبطون، لا تنقضي عجائبه÷ ولا تبلغ غايته، فمن أوغل فيه برفق نجا، ومن أوغل فيه بعنف هوى، أخبار وأمثال، وحلال وحرام، وناسخ ومنسوخ، ومحكم ومتشابه، وظهر وبطن، فظهره التلاوة وبطنه التأويل، فجالسوا به العلماء، وجانبوا به السفهاء.
قلت: وقد سبق الكلام في معنى ظاهر القرآن وباطنه، وحده ومطلعه، في نوع مخصوص أول الكتاب.
стр. 3321
وقال ابن سبع في «شفاء الصدور»: ورد عن أبي الدرداء أنه قال: لا يفقه الرجل كل الفقه حتى يجعل للقرآن وجوهًا.
وقال ابن مسعود: من أراد علم الأولين والآخرين فليثور القرآن. قال: وهذا الذي قالاه لا يحصل بمجرد تفسير الظاهر. وقد قال بعض العلماء: لكل آية ستون ألف فهم؛ فهذا [يدل] على أن في فهم معاني القرآن [مجالًا] رحبًا ومتسعًا بالغًا، وأن المنقول من ظاهر التفسير ليس منتهى الإدراك فيه بالنقل والسماع لا بد منه في ظاهر التفسير ليتقي به مواضع الغلط، ثم بعد ذلك يتسع الفهم والاستنباط، ولا يجوز التهاون في حفظ التفسير الظاهر بل لا بد منه أولا إذ لا يطمع في الوصول إلى الباطن قبل إحكام الظاهر، ومن ادعى بلوغ فهم أسرار القرآن، ولم يحكم التفسير الظاهر فهو كمن ادعى البلوغ إلى صدر البيت قبل أن يجاوز الباب. انتهى.
وقال الشيخ تاج الدين بن عطاء الله في كتابه: «لطائف المنن»: اعلم أن تفسير هذه الطائفة لكلام الله وكلام رسوله بالمعاني العربية ليس إحالة للظاهر عن ظاهره، ولكن ظاهر الآية مفهوم منه ما جلبت الآية له، ودلت عليه في عرف اللسان، وثم أفهام باطنه تفهم عند الآية والحديث لمن فتح الله قلبه.
стр. 3322
وقد جاء في الحديث: «لكل آية ظهر وبطن» فلا يصدنك عن تلقي هذه المعاني منهم أن يقول ذو جدل ومعارضة: وهذه إحالة لكلام الله وكلام رسوله. فليس ذلك [بإحالة]، وإنما كان يكون إحالة لو قالوا: لا معنى للآية إلا هذا، وهم لم يقولوا ذلك؛ بل يقرؤون الظواهر على ظاهرها [مراد بها موضوعاتها]، ويفهمون عن [الله] ما أفهمهم.
فصل قال العلماء يجب على المفسر [ أن يتحرى في التفسير] مطابقة المفسر، وأن يتحرز في ذلك من نقص عما يحتاج إليه في إيضاح المعنى أو زيادة لا تليق بالغرض، ومن كون المفسر فيه من زيغ عن المعنى وعدول عن طريقه، وعليه [بمراعاة] المعنى الحقيق والمجازي، ومراعاة التأليف، والغرض الذي سبق له الكلام، وأن يؤاخي بين المفردات، ويجب عليه البداءة بالعلوم اللفظية، وأول ما تجب البداءة به منها تحقيق الألفاظ المفردة، فيتكلم عليها من جهة اللغة، ثم التصريف، ثم الاشتقاق، ثم يتكلم عليها بحسب التركيب، فيبدأ بالإعراب، ثم ما يتعلق بالمعاني، ثم البيان، ثم البديع، ثم تبين المعنى المراد، ثم الاستنباط، ثم الإشارات.
وقال الزركشي في أوائل «البرهان»: قد جرت عادة المفسرين أن يبدؤوا بذكر أسباب النزول، ووقع البحث في أنه: [أيما أولى البداءة به بتقديم
стр. 3323
السبب] على المسبب، أو بالمناسبة لأنها المصححة لنظم الكلام، وهي سابقة على النزول. قال: والتحقيق التفصيل بين أن يكون وجه المناسبة [متوقفًا على سبب النزول، كآية ﴿إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها﴾ [النساء: ٥٨]، فهذا ينبغي فيه تقديم ذكر السبب؛ لأنه حينئذٍ من باب تقديم الوسائل على المقاصد، وإن لم يتوقف على ذلك فالأولى تقديم وجه المناسبة]، وقال في موضع آخر: جرت عادة المفسرين ممن ذكر فضائل القرآن أن يذكرها في أول كل سورة؛ لما فيها من الترغيب والحث على حفظها إلا الزمخشري، فإنه يذكرها في آخرها.
قال مجد الأئمة عبد الرحيم بن عمر الكرماني: سألت الزمخشري عن العلة في ذلك؟ فقال: إنها صفات لها، والصفة تستدعي تقديم الموصوف. وكثيرًا ما يقع في كتب التفسير «حكى الله كذا» وينبغي تجنبه.
قال الإمام أبو نصر القسيري في «المرشد»: (قال معظم أئمتنا: لا يقال: «كلام الله محكي» ولا يقال: «حكى الله»)؛ لأن الحكاية الإتيان بمثل الشيء، وليس لكلامه مثل، وتساهل قوم فأطلقوا لفظ الحكاية بمعنى الإخبار، وكثيرًا ما يقع في كلامهم إطلاق الزائد على بعض الحروف، وقد مر في نوع الإعراب.
стр. 3324
وعلى المفسر أن [يتجنب] ادعاء التكرار ما أمكنه. قال بعضهم: مما يدفع وهم التكرار في عطف المترادفين نحو: ﴿لا تبقي ولا تذر (٢٨)﴾ [المدثر: ٢٨]، ﴿صلواتٌ من ربهم ورحمةٌ﴾ [البقرة: ١٥٧]، وأشباه ذلك. [وأن يعتقد] أن مجموع المترادفين يحصل معنى لا يوجد عند انفراد أحدهما، فإن التركيب يحدث معنى زائدًا. وإذا كانت كثرة الحروف يفيد زيادة المعنى، فكذلك زيادة الألفاظ. انتهى.
وقال الزركشي في «البرهان»: ليكن محط نظر المفسر مراعاة نظم الكلام الذي سيق له، وإن خالف أصل الوضع اللغوي لثبوت التجوز.
وقال في موضع آخر: على المفسر مراعاة مجازي الاستعمالات في الألفاظ التي يظن بها الترادف، والقطع بعدم الترادف ما أمكن؛ فإن للتركيب معنى غير معنى الإفراد، ولهذا منع كثير من الأصوليين وقوع أحد المترادفين موقع الآخر في التركيب، وإن اتفقوا [على] جوازه في الإفراد. انتهى.
وقال أبو حيان: كثيرًا ما يشحن المفسرون تفاسيرهم عند ذكر الإعراب بعلل النحو، ودلائل مسائل أصول الفقه، [ودلائل مسائل الفقه]، ودلائل أصول الدين، وكل ذلك مقرر في تأليف هذه العلوم.
стр. 3325
وإنما يؤخذ ذلك مسلمًا في علم التفسير دون استدلال عليه، وكذلك أيضًا ذكروا ما لا يصح من أسباب النزول، وأحاديث في الفضائل، وحكايات لا تناسب، وتواريخ إسرائيلية، ولا ينبغي ذكر هذا في علم التفسير.
فائدة: قال ابن أبي حمزة: عن علي ﵁ أنه قال: لو شئت أن أوقر سبعين [بعيرًا] من تفسير أم القرآن لفعلت. وبيان ذلك أنه إذا قال: ﴿الحمد لله رب العالمين﴾ يحتاج إلى تبيين [معنى] الحمد، وما يتعلق به الاسم الجليل الذي هو الله، وما يليق به من التنزيه، ثم يحتاج إلى بيان العالم وكيفيته على جميع أنواعه وأعداده وهي ألف عالم، أربعمائة في البر، وستمائة في البحر، فيحتاج إلى بيان ذلك كله.
فإذا قال: ﴿الرحمن الرحيم﴾ يحتاج إلى بيان الاسمين الجليلي وما يليق بهما من الجلال وما معناهما، ثم يحتاج إلى [بيان جميع الأسماء والصفات]، [ثم يحتاج إلى بيان الحكمة في اختصاص هذا الموضع بهذين الاسمين دون غيرهما].
فإذا قال: ﴿مالك يوم الدين﴾ يحتاج إلى بيان ذلك اليوم وما فيه من المواطن والأهوال وكيفية مستقره.
فإذا قال: ﴿إياك نعبد وإياك نستعين﴾ يحتاج إلى بيان المعبود من جلالته، والعبادة وكيفيتها وصفتها، وأدائها على جميع أنواعها، والعابد في صفته،
стр. 3326
والاستعانة وآدابها، وكيفيتها.
فإذا قال: ﴿اهدنا الصراط المستقيم﴾ إلى آخر السورة يحتاج إلى بيان الهداية ما هي؟ والصراط المستقيم وأضداده، وتبيين المغضوب عليهم ولا الضالين، ....
стр. 3327
وصفاتهم، وما يتعلق [بهم] بهذا النوع، وتبيين المرضي عنهم، وصفاتهم وطريقتهم، فعلى هذه الوجوه يكون ما قاله علي من هذا القبيل.
стр. 3328
- (الجزء الثامن) -
стр. 3329
النوع الرابع والأربعون بعد المائة
علم معاني الأدوات
التي يحتاج إليها المفسر
стр. 3330
النوع الرابع والأربعون بعد المائة
علم معاني الأدوات التي يحتاج إليها المفسر
قال الحافظ السيوطي - رحمه الله تعالى - في «الإتقان»: وأعني بالأدوات الحروف وما شاكلها من الأسماء والأفعال والظروف.
ثم قال: واعلم أن معرفة ذلك من المهمات المطلوبة لاختلاف مواقعها، ولهذا يختلف الكلام والاستنباط بحسبها، كما في قوله تعالى: ﴿وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين﴾ [سبأ: ٢٤]، فاستعملت (على) في جانب الحق، وفي جانب الضلال: (في)؛ لأن صاحب الحق كأنه مستعل يصرف نظره كيف شاء، وصاحب الباطل كأنه منغمس في ظلام منخفض لا يدري أين يتوجه.
وقوله تعالى: ﴿فابعثوا أحدكم بورقكم هذه إلى المدينة فلينظر أيها أزكى طعاماً فليأتكم برزق منه وليتلطف﴾ [الكهف: ١٩]، عطف الجملة الأولى بالفاء، والأخيرة بالواو لما انقطع نظام الترتيب؛ لأن التلطف غير مرتب على
следующие страницы →