Полный текст (4 238 стр.). Показаны 3396–3435 · переход к 3401.
стр. 3396
٣٠ - إيا:
زعم الزجاج أنه اسم ظاهر، والجمهور: ضمير، [وما بعده اسم]، ثم اختلفوا فيه على أقوال:
أحدها: أنه كله ضمير [هو] وما اتصل به.
الثاني: أنه وحده ضمير، وما بعده اسم مضاف له، يفسر ما يراد به من تكلم وغيبة وخطاب، نحو قوله تعالى: ﴿فإياي فارهبون﴾ [النحل: ٥١]، ﴿بل إياه تدعون﴾ [الأنعام: ٤١]، ﴿إياك نعبد﴾ [الفاتحة: ٤].
الثالث: أنه وحده ضمير، [وما بعده] حروف تفسر المراد.
الرابع: أنه عماد وما بعده هو التمييز، وقد غلط من زعم أنه مشتق، وفيه سبع لغات قرئ بها: تشديد الياء، وتخفيفها مع الهمزة، وإبدالها هاء مكسورة ومفتوحة، هذه ثمانية، يسقط منها [فتح] الهاء مع التشديد.
٣١ - أيان:
اسم استفهام، وإنما يستفهم به عن الزمان المستقبل، كما جزم به ابن مالك وأبو حيان، ولم يذكرا فيه خلافاً، وذكر صاحب «إيضاح المعاني» مجيئها للماضي، قال السكاكي: لا تستعمل إلا في موضع التفخيم، نحو: ﴿أيان مرساها﴾ [الأعراف: ١٨٧]، ﴿أيان يوم الدين﴾ [الذاريات: ١٢]، والمشهور عند النحاة أنها كـ (متى)، تستعمل في التفخيم وغيره، وقال بالأول من النحاة علي بن عيسى، وتبعه
стр. 3397
صاحب البسيط، فقال: «إنما تستعمل في الاستفهام عن الشيء المعظم أمره.
وفي «الكشاف»: قيل: إنها مشتقة من «أي» فعلان منه؛ لأن معناه أي وقت؟ وأي فعل؟ من إويت إليه؛ لأن البعض أواه إلى الكل ومتساند له، وهو بعيد، وقيل: أصله: «أي آن»، وقيل: «أي أوان»، حذفت الهمزة من «أوان» والياء الثانية من «أي»، وقلبت الواو ياء، وأدغمت الياء الساكنة فيها، وقرئ بكسر همزتها.
٣٢ - أين:
اسم استفهام عن المكان، نحو قوله تعالى: ﴿فأين تذهبون﴾ [التكوير: ٢٦]، وترد شرطاً عاماً في الأمكنة، و «أينما» أعم منها، نحو قوله تعالى: ﴿أينما يوجهه لا يأتي بخير﴾ [النحل: ٧٦].
٣٣ - الباء المفردة:
حرف جر له معان:
أشهرها الإلصاق، ولم يذكر لها سيبويه غيره، وقيل: [إنه] لا يفارقها، قال في شرح اللب: وهو تعلق أحد المعنيين بالآخر، ثم قد يكون حقيقة،
стр. 3398
نحو قوله تعالى: ﴿وامسحوا برؤوسكم﴾ [المائدة: ٦]، أي: ألصقوا المسح برؤوسكم، ﴿فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه﴾ [المائدة ٦]، وقد يكون مجازاً، نحو قوله تعالى: ﴿وإذا مروا بهم﴾ [المطففين: ٣٠]، أي: بمكان يقربون منه.
الثاني: التعدية: كالهمزة، نحو قوله تعالى: ﴿ذهب الله بنورهم﴾ [البقرة: ١٧]، ﴿ولو شاء الله لذهب بسمعهم﴾ [البقرة: ٢٠]، أي: أذهبه، كما قال: ﴿ليذهب عنكم الرجس﴾ [الأحزاب: ٣٣]، وزعم المبرد والسهيلي أن بين تعدية الباء والهمزة فرقاً، وأنك إذا قلت: ذهبت بزيد، كنت مصاحباً له في الذهاب، ورد بالآية.
الثالث: الاستعانة: وهي الداخلة على آلة الفعل كالبسملة.
الرابع: السببية، وهي التي تدخل على سبب الفعل، نحو قوله تعالى: ﴿فكلا أخذنا بذنبه﴾ [العنكبوت: ٤٠]، ﴿إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل﴾ [البقرة: ٥٤]، ويعبر عنها بالتعليل.
الخامس: المصاحبة، كـ (مع)، نحو قوله تعالى: ﴿يا نوح اهبط بسلام منا﴾ [هود: ٤٨]، ﴿جاءكم الرسول بالحق﴾ [النساء: ١٧٠]، ﴿فسبح بحمد ربك﴾ [الحجر: ٩٨].
السادس: الظرفية، كـ (في)، زماناً ومكاناً، نحو قوله تعالى: ﴿نجيناهم بسحر﴾ [القمر: ٣٤]، ﴿نصركم الله ببدر﴾ [آل عمران: ١٢٣].
السابع: الاستعلاء، كـ (على)، نحو قوله تعالى: ﴿ومن أهل الكتب من إن
стр. 3399
تأمنه بقنطار﴾ [آل عمران: ٧٥]، أي: عليه، بدليل قوله تعالى: ﴿إلا كما أمنتكم على أخيه﴾ [يوسف: ٦٤].
الثامن: المجاوزة، [كـ (عن)]، نحو قوله تعالى: ﴿فسأل به خبيراً﴾ [الفرقان: ٥٩]، أي: عنه، بدليل: ﴿يسئلون عن أنباؤكم﴾ [الأحزاب: ٢٠]، ثم قيل: تختص بالسؤال، وقيل: لا، نحو قوله تعالى: ﴿يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم﴾ [التحريم: ٨]، أي: وعن أيمانهم، ﴿ويوم تشقق السماء بالغمام﴾ [الفرقان: ٢٥]، أي: عنه.
التاسع: التبعيض، كـ (من)، نحو قوله تعالى: ﴿عيناً يشرب بها عباد الله﴾ [الإنسان: ٦]، أي: منها.
العاشر: الغاية، كـ (إلى)، نحو قوله تعالى: ﴿وقد أحسن بي﴾ [يوسف: ١٠٠]، أي: إلي.
الحادي عشر: المقابلة، وهي الداخلة على الأعراض نحو قوله تعالى: ﴿ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون﴾ [النحل: ٣٢]، قال ابن هشام في المغني: وإنما لم نقدرها باء السببية كما قالت المعتزلة، [وكما قال الجميع في: لن يدخل أحدكم الجنة بعمله]، لأن المعطي بعوض قد يعطي مجاناً، وأما المسبب فلا يوجد بدون السبب، [وقد تبين أنه لا تعارض بين الحديث والآية؛ لاختلاف محملي الباءين جمعاً بين الأدلة، انتهي].
стр. 3400
الثاني عشر: التوكيد، وهي الزائدة:
وتزاد في الفاعل وجوباً، نحو قوله تعالى: ﴿أسمع بهم وأبصر﴾ [النساء: ٧٩]، وجوازاً غالباً، نحو قوله تعالى: ﴿كفى بالله شهيداً﴾ [الرعد: ٤٣]، فإن الاسم الكريم فاعل، وشهيداً: نصب على الحال أو التمييز، والباء زائدة، ودخلت لتأكيد الاتصال؛ لأن الاسم في قوله: ﴿كفى بالله﴾ متصل بالفعل اتصال الفاعل، قال ابن الشجري: وفعل ذلك إيذاناً بأن الكفاية من الله ليست كالكفاية من غيره في عظم المنزلة، فضوعف لفظها لتضاعف معناها، وقال الزجاج: دخلت لتضمين كفى معنى اكتفى، قال ابن هشام: وهو من الحسن بمكان، وقيل: الفاعل مقدر، والتقدير: كفى الاكتفاء بالله، فحذف المصدر وبقي معموله دالاً عليه، ولا تزاد في فاعل كفى بمعنى: وقى، نحو قوله تعالى: ﴿فسيكفيكهم الله﴾ [البقرة: ١٣٧]، ﴿وكفى الله المؤمنين القتال﴾ [الأحزاب: ٢٥].
وفي المفعول، نحو قوله تعالى: ﴿ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة﴾ [البقرة: ١٩٥]، ﴿وهزي إليك بجذع النخلة﴾ [مريم: ٢٥]، ﴿فليمدد بسبب إلى السماء﴾ [الحج: ١٥]، ﴿ومن يرد فيه بإلحاد﴾ [الحج: ٢٥].
وفي المبتدأ، نحو قوله تعالى: ﴿بأييكم المفتون﴾ [القلم: ٦]، أي: أيكم، وقيل: هي ظرفية، أي: في أي طائفة منكم.
стр. 3401
وفي اسم ليس في قراءة بعضهم: ﴿ليس البر أن تولوا﴾ [البقرة: ١٧٧]، بنصب البر.
وفي الخبر المنفي، نحو قوله تعالى: ﴿وما الله بغافل﴾ [البقرة: ١٧٧]، قيل: والموجب، وخرج عليه قوله تعالى: ﴿وجزآؤه سيئة سيئة مثلها﴾ [يونس: ٢٧].
وفي التوكيد، وجعل منه: ﴿يتربصن بأنفسهن﴾ (البقرة: ٢٢٩]).
الثالث عشر: أن تكون بمعنى بدلهم، كقول الحماس:
فكيف لي بهم قوماً إذا ركبوا ... شنوا الإغارة فرساناً وركباناً
أي: بدلهم، وفي أكثر [نسخ] المعني: شدوا، وفي بعضها: شنوا، وهو المشهور في رواية هذا البيت.
الرابع عشر: أن تأتي للقسم، وهي أصل حروف القسم، نحو: أقسم بالله لتفعلن، وبالله العظيم، وقول الشاعر:
بربك هل ضممت إليك ليلى ... قبيل الصبح أو قبلت فاها
فائدة:
اختلف في الباء من قوله تعالى: ﴿وامسحوا برؤوسكم﴾ [المائدة: ٦]، فقيل:
стр. 3402
للإلصاق، وقيل: للتبعيض، وقيل: زائدة، وقيل: للاستعانة، وإن في الكلام حذفاً وقلباً، فإن «مسح» يتعدى إلى المزال عنه بنفسه، وإلى المزيل بالباء، فالأصل: امسحوا رؤوسكم بالماء.
٣٤ - بعد، هي و: قبل:
ظرفان، ولهما أربع حالات:
الأولى: أن يكونا مضافين فيعربا نصباً على الظرفية، وخفضاً بمن، قال الله تعالى: ﴿كذبت قبلهم قوم نوح﴾ [ق: ١٢]، ﴿فبأي حديث بعد الله وآياته يؤمنون﴾ [الجاثية: ٦]، وقال تعالى: ﴿ألم يأتهم نبأ الذين من قبلهم قوم نوح﴾ [التوبة: ٧٠]، وقال تعالى: ﴿من بعد ما أهلكنا القرون الأولى﴾ [القصص: ٤٣].
الحالة الثانية لبعد وقبل: أن يحذف المضاف وينوى ثبوت لفظه، فيعربا الإعراب السابق، ولا ينونان لنية الإضافة، كقراءة الجحدري والعقيلي: ﴿لله الأمر من قبل ومن بعد﴾ [الروم: ٤] بغير تنوين، أي: من قبل الغلب ومن بعده، فحذف المضاف وقدر وجوده.
الحالة الثالثة لبعد وقبل: أن يحذف المضاف ولا ينوى، فيعربا الإعراب السابق وينونا، كقراءة بعضهم: ﴿لله الأمر من قبل ومن بعده﴾.
الحالة الرابعة لبعد وقبل: أن يحذف المضاف ويراد لفظه دون معناه، فيبنيا على الضم كقراءة السبعة: ﴿لله الأمر من قبل ومن بعد﴾ بالضم.
стр. 3403
٣٥ - بل:
حرف إضراب إذا تلاها جملة، ثم تارة تكون بمعنى الإضراب للإبطال لما قبلها، نحو قوله تعالى: ﴿وقالوا اتخذ الرحمن ولداً سبحانه بل عباد مكرمون﴾ [الأنبياء: ٢٦]، أي: بل هم عباد، ﴿أم يقولون به جنة بل جاءهم بالحق﴾ [المؤمنون: ٧٠]، وتارة تكون بمعنى الانتقال من غرض لآخر، نحو قوله تعالى: ﴿ولدينا كتاب ينطق بالحق [وهم لا يظلمون] بل قلوبهم في غمرة من هذا﴾ [المؤمنون: ٦٢، ٦٣]، فما قبل «بل» فيه على حاله، وكذا قوله تعالى: ﴿قد أفلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى بل تؤثرون الحيوة الدنيا﴾ [الأعلى: ١٤ - ١٦]، وذكر ابن مالك في «شرح كافيته»: أنها لا تقع في القرآن إلا على هذا الوجه، ووهمه ابن هشام، قال السيوطي: وسبق ابن مالك إلى هذا صاحب «الوسيط»، ووافقه ابن الحاجب، فقال في شرح المفصل: إبطال الأول، وإثباته للثاني إن كان في الإثبات من باب الغلظ فلا يقع مثله في القرآن.
أما إذا تلاها مفرد فهي حرف عطف، ولم يقع في القرآن كذلك.
٣٦ - بلى:
حرف أصلي الألف، وقيل الأصل: (بل)، والألف زائدة، وقيل: هي للتأنيث بدليل إمالتها.
ولها موضعان:
أحدهما: أن تكون رداً لنفي يقع قبلها، نحو قوله تعالى: ﴿ما كنا نعمل
стр. 3404
من سوء بلى﴾ [النحل: ٢٨]، أي: عملتم، ﴿لا يبعث الله من يموت بلى﴾ [النحل: ٣٨]، أي: يبعثهم، ﴿زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا قل بلى وربي لتبعثن﴾ [التغابن: ٧]، ﴿ذلك بأنهم قالوا ليس علينا في الأمين سبيل﴾ [آل عمران: ٧٥]، ثم قال: «بلى»، أي: عليهم سبيل، ﴿وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً أو نصرى﴾ [البقرة: ١١١]، ثم قال: «بلى»، أي: يدخلها غيرهم، ﴿وقالوا لن تمسنا النار إلا أياماً ت معدودة﴾ [البقرة: ٨٠]، ثم قال: «بلى» أي: تمسهم ويخلدون فيها.
الثاني: أن تقع جواباً لاستفهام دخل على نفي، فتفيد إبطاله، سواء كان الاستفهام حقيقياً، نحو: أليس زيد قائماً؟ فتقول: بلى.
أو توبيخياً، نحو قوله تعالى: ﴿أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم بلى﴾ [الزخرف: ٨٠]، ﴿أيحسب الإنسان ألن نجمع عظامه بلى﴾ [القيامة: ٣، ٤].
أو تقريرياً، نحو: ﴿ألست بربكم قالوا بلى﴾ [الأعراف: ١٧٢]، قال ابن عباس - رضي الله تعالى عنه - وغيره: لو قالوا: نعم، كفروا، ووجهه: أن نعم تصديق للمخبر بنفي أو إيجاب، فكأنهم [قالوا]: لست ربنا، بخلاف بلى، فإنها لإبطال النفي، فالتقدير: أنت ربنا.
ونازع السهيلي وغيره: بأن الاستفهام التقريري خبر موجب، ولذلك امتنع سيبويه من جعل (أم) متصلة في قوله تعالى: ﴿أفلا تبصرون أم أنا خير من هذا الذي﴾ [الزخرف: ٥١، ٥٢]؛ لأنها لا تقع بعد الإيجاب، وإذا ثبت أنه إيجاب فنعم بعد الإيجاب تصديق له، انتهى. قال ابن هشام: ويشكل
стр. 3405
عليهم أن «بلي» لا يجاب بها [الإيجاب باتفاق لكن في كتب الحديث ما يقتضي أنه يجاب بها الاستفهام] المجرد من النفي، ففي صحيح البخاري في كتاب «الأيمان» [أنه] ﵇ قال [لأصحابه: أترضون] أن تكونوا ربع أهل الجنة؟ قالوا: (بلى)، وفي «صحيح مسلم» في كتاب الهبة: [أيسرك] أن يكونوا كل في البر / سواء؟ قال: بلى، قال: فلا إذن، وفيه أيضاً: أنه ﵊ قال: أنت الذي لقيتني بمكة؟ فقال له المجيب: بلى، وليس لهؤلاء الجماعة أن يحتجوا بذلك؛ لأنه قليل فلا يتخرج عليه التنزيل، انتهى كلام / ابن هشام [في «المغني»].
أقول: ما ذهب إليه السهيلي ومن تبعه في غاية الحسن؛ لأن من المعلوم المقرر أن الاستفهام التقريري والتوبيخي في معنى النفي، وليس من أدوات النفي، والنفي إذا دخل على النفي صار إثباتاً فينحل المعنى. [«ألست بربكم»]؟ قالوا: بلى، مجيبين [بالإثبات]، فكلام السهيلي متجه، [وما نقل] عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما -[لم يثبت]، والحاصل: أن [بلى إذا كانت للنفي الخالص] أفادت إبطاله، نحو: ﴿زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا قل بلى وربي﴾ [التغابن: ٧]، أي: يبعثون، [وقوله تعالى: ﴿ألم يأتيكم نذير قالوا بلى﴾ [الملك: ٨، ٩]، فهو مثل: ﴿ألست بربكم﴾ [الأعراف: ١٧٢]، وبلى
стр. 3406
تثبت المثبت، وتنفي المنفي، ونعم تثبت المثبت والمنفي، والله أعلم].
٣٧ - بئس:
فعل لإنشاء الذم لا يتصرف.
٣٨ - بين:
قال الراغب: موضع للخلل بين الشيئين ووسطهما، قال تعالى: ﴿وجعلنا بينهما زرعاً﴾ [الكهف: ٣٢]، وتارة تستعمل ظرفاً، وتارة اسماً، فمن الظرف قوله تعالى: ﴿لا تقدموا بين يدي الله ورسوله﴾ [الحجرات: ١]، ﴿فقدموا بين يدي نجواكم صدقة﴾ [المجادلة: ١٢]، ﴿فاحكم بيننا بالحق﴾ [ص: ٢٢]، ولا تستعمل إلا فيما له مسافة، نحو: بين البلدان، وله عدد، اثنان فصاعداً، وبين الرجلين وبين القوم، ولا يضاف إلى ما يقتضي معنى الوحدة إلا إذا كرر، نحو قوله تعالى: ﴿ومن بيننا وبينك حجاب﴾ [فصلت: ٥]، ﴿فاجعل بيننا وبينك موعداً﴾ (طه: ٥٨]، وقرئ قوله تعالى: ﴿لقد تقطع بينكم﴾ [الأنعام: ٩٤] بالنصب على أنه ظرف، وبالرفع على أنه اسم مصدر بمعنى الوصل، ويحتمل الأمرين قوله تعالى: ﴿ذات بينكم﴾ [الأنفال: ١]، وقوله تعالى: ﴿فلما بلغا مجمع بينهما﴾ [الكهف: ٦١]، أي: فراقهما.
٣٩ - التاء:
حرف جر، معناه القسم، يختص بالتعجب، وباسم الله تعالى، قال في الكشاف في قوله تعالى: ﴿وتالله لأكيدن أصنامكم﴾ [الأنبياء: ٥٧]: الباء أصل
стр. 3407
حرف القسم، والواو بدل منها، والتاء [بدل] من الواو، وفيها زيادة معنى التعجب، كأنه يعجب من تسهيل الكيد على يديه، وتأتيه مع عتو نمرود وقهره. انتهى.
وأما التاء المحركة في الاسم، نحو: أنت، فهي حرف خطاب، والمحركة في آخر الأفعال فهي اسم واقع على ضمير المتكلم والمخاطب، نحو: قمت، وقمت، [وقمت]، والتاء الساكنة في أواخر الفعل حرف وضع علامة التأنيث كقامت، وزعم الحلواني أنها اسم، وهو حرف؛ لإجماعهم، وربما وصلت هذه التاء برب وثم فيقال: ربت، وثمت، بسكونها، وربما حركت بالفتح، نحو: ربت، ثمت، وتلحق (لعل) وتكون ساكنة فقط نحو: لعلت.
٤٠ - تبارك:
فعل لا يستعمل إلا بلفظ الماضي ولا يستعمل إلا لله.
٤١ - تعال:
فعل أمر لا يتصرف، ومن ثم قيل: إنه اسم فعل.
٤٢ - ثم:
حرف يقتضي ثلاثة أمور:
стр. 3408
التشريك في الحكم، والترتيب، والمهلة، وفي كل خلاف.
أما التشريك، فزعم الكوفيون والأخفش أنه قد يتخلف بأن تقع زائدة، فلا تكون عاطفة البتة، وخرجوا على ذلك قوله تعالى: ﴿حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه ثم تاب عليهم﴾ [التوبة: ١١٨]، وأجيب بأن الجواب فيها مقدر.
وأما الترتيب والمهلة فخالف قوم في اقتضائها [إياهما تمسكاً] بقوله تعالى: ﴿خلقكم من نفس واحدة ثم جعل منها زوجها﴾ [الزمر: ٦]، ﴿وبدأ خلق الإنسان من طين ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين ثم سواه﴾ [السجدة: ٧ - ٩]، ﴿وإني لغفار لمن تاب وأمن عمل صالحاً ثم اهتدى﴾ [طه: ٨٢]، والاهتداء سابق على ذلك، ﴿ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون ثم أتينا موسى الكتب﴾ [الأنعام: ١٥٣، ١٥٤]، وأجيب عن الكل: بأن «ثم» فيها لترتيب الإخبار، لا لترتيب الحكم، قال ابن هشام، وغير هذا الجواب أنفع منه؛ لأنه يصحح الترتيب فقط لا المهلة، إذ لا تراخي بين الإخبارين، والجواب المصحح لهما ما قيل في الأولى: أنه العطف على مقدر، أي: من نفس واحدة أنشأها ثم جعل منها زوجها، وفي الثانية: أن: سواه عطف على الجملة الأولى لا الثانية، وفي الثالثة: أن المراد ثم دام على الهداية.
فائدة:
أجرى الكوفيون «ثم» مجرى (الفاء والواو) في جواز نصب المضارع المقرون بها بعد فعل الشرط، وخرج عليه قراءة / الحسن: ﴿ومن يخرج من بيته
стр. 3409
مهاجراً إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت﴾ [النساء: ١٠٠] بنصب يدركه.
٤٣ - ثم:
بالفتح، إشارة إلى المكان البعيد، نحو قوله تعالى: ﴿وأزلفنا ثم الآخرين﴾ [الشعراء: ٦٤]، وهو ظرف لا يتصرف، فلذلك غلط من أعربه مفعولاً لرأيت في قوله تعالى: ﴿وإذا رأيت ثم رأيت﴾ [الإنسان: ٢٠]، وقرئ: ﴿فإلينا مرجعهم ثم الله﴾ [يونس: ٤٦]، أي: هنالك الله شهيد، بدليل: ﴿هنالك الولاية لله الحق﴾ [الكهف: ٤٤]، وقال الطبري في قوله تعالى: ﴿أثم إذا ما وقع أمنتم به﴾ [يونس: ٥١]، معناه: هنالك، وليست ثم العاطفة، وهذا وهم اشتبه عليه المضمومة بالمفتوحة، كذا قاله ابن هشام في «المغني»، وتابعه الحافظ السيوطي في «الإتقان»، وليس ما قالاه بصواب، قال أبو حيان في تفسيره: قرأ طلحة بن مصرف «أثم» بفتح الثاء، وهذا يناسب تفسير الطبري: [أهنالك، انتهى، فلذا تبين أنه] قد قرئ بها في هذه الآية، فلا وهم، فقد تكون هذه القراءة هي المختارة عند ابن جرير، فإنه أحد الأئمة المجتهدين، وهو أبو جعفر محمد بن جرير بن يزيد، الإمام المجتهد، لم يقلد أحداً، وكان من أفراد / الدنيا، وله «التفسير الكبير»، الذي ما ألف مثله، و «التاريخ» الكبير، وغير ذلك، والطبري نسبة إلى طبرستان، وهو إقليم
стр. 3410
متسع، وقاعدة [مدائنه] آمل، وهو غير أبي جعفر الطبري المصري المحدث، فذاك إمام عالم بالحديث، والله أعلم.
[وفي «الترشيح» لخطاب: «ثم» ظرف، فيه معنى الإشارة إلى «حيث»؛ لأنه هو في المعنى].
٤٤ - جعل:
قال الراغب: لفظ عام في الأفعال كلها، وهو أعم من فعل وضع وسائر أخواته، ويتصرف على خمسة أوجه:
أحدها: يجري مجرى صار وطفق، نحو: جعل زيد يقول كذا.
الثاني: مجرى أوجد، فيتعدى لمفعول واحد، نحو قوله تعالى: ﴿وجعل الظلمات والنور﴾ [الأنعام: ١].
الثالث: في إيجاد شيء من شيء، وتكوينه منه، نحو قوله تعالى: ﴿والله جعل لكم من أنفسكم أزوجاً﴾ [النحل: ٧٢]، ﴿وجعل لكم من الجبال أكناناً﴾ [النحل: ٨١].
стр. 3411
الرابع: في تصيير الشيء على حالة دون حالة، نحو قوله تعالى: ﴿الذي جعل لكم الأرض فراشاً﴾ [البقرة: ٢٢]، ﴿وجعل القمر فيهن نوراً﴾ [نوح: ١٦].
الخامس: الحكم بالشيء على الشيء، حقا ًكان، نحو قوله تعالى: ﴿وجاعلوه من المرسلين﴾ [القصص: ٧]، أو باطلاً، نحو قوله تعالى: ﴿ويجعلون لله البنات سبحانه﴾ [النحل: ٥٧]، ﴿الذين جعلوا القرآن عضين﴾ [الحجر: ٩١].
[أقول: كذا نقل الحافظ السيوطي في «الإتقان» عن الراغب، وفيه اعتراضات من أوجه:
الأول: قوله: تجري مجرى صار وطفق، نحو: جعل زيد يقول كذا، فإن «جعل» إذا كانت بمعنى صار كان معناها وحكمها غير التي بمعنى طفق، فإنها إذا كانت بمعنى طفق فهي من أفعال الشروع، تقول: جعلت أتكلم، أي: أخذت وشرعت، وهي ترفع المبتدأ على أنه اسم لها، وتنصب الخبر على أنه خبرها، مثل أفعال المقاربة.
الثاني: - من الاعتراضات - في قوله: الثالث: في إيجاد شيء من شيء، نحو: ﴿والله جعل لكم من أنفسكم أزواجاً﴾ [النحل: ٧٢]، فهذه بمعنى أوجد وخلق معنى وحكماً التي ذكرها قبل، وقال: القسم الثاني: يكون بمعنى أوجد.
الثالث: من الاعتراضات في قوله: الرابع: في تصيير الشيء على حالة دون حالة، نحو: ﴿الذي جعل لكم الأرض فراشاً﴾ [البقرة: ٢٢]، ﴿وجعل القمر فيهن نوراً﴾ (نوح: ١٦]، فهذه بمعنى صار، كما تقدم، ولهذا نصبت مفعولين.
الرابع: من الاعتراضات على قوله والخامس، في الحكم بالشيء على الشيء، حقاً كان، نحو قوله تعالى: ﴿وجاعلوه من المرسلين﴾ [القصص: ٧]،
стр. 3412
فهذه أيضاً بمعنى صيره من المرسلين، قال: أو باطلاً، نحو قوله تعالى: ﴿ويجعلون لله البنات سبحانه﴾ [النحل: ٥٧]، ﴿والذين جعلوا القرآن عضين﴾ [الحجر: ٩١]، أقوال: جعل في الآية الأولى بمعنى اعتقد، وإذا كانت بمعنى اعتقد نصبت مفعولين مثلها إذا كانت بمعنى صار، ويجعلون: أي: يعتقدون، وأما الآية الثانية تحتمل أن تكون بمعنى صار، فيكون المعنى الذين صيروا القرآن عضين، ويحتمل/ بمعنى اعتقد، أي: الذين اعتقدوا القرآن عضين، والله أعلم.
والحاصل أن يجعل لها أربع حالات:
الحالة الأولى: بمعنى صار، وحكمها أن تنصب مفعولين.
الثانية: أن تكون بمعنى اعتقد، وحكمها أيضاً أن تنصب مفعولين.
الثالثة: بمعنى أوجد، تنصب مفعولاً واحداً، أو تكون فعلاً ماضياً تاماً.
الرابعة: أن تكون بمعنى طفق وشرع، فهذه تعمل عمل كان، ترفع الاسم وتنصب الخبر، ومعناها الشروع في الأمر، نحو: جعلت أخطب، والله الموفق].
٤٥ - حاشى:
اسم بمعنى التبرئة في قوله تعالى: ﴿حاش لله ما علمنا عليه من سوء﴾ [يوسف: ٥١]، ﴿حاش لله ما هذا بشراً﴾ [يوسف: ٣١]، لا فعل ولا حرف، بدليل قراءة بعضهم «حاشاً لله» بالتنوين، كما يقال: «براءة لله»، وقراءة ابن مسعود: «حاشا لله» بالإضافة، كمعاذ الله، وسبحان الله، ودخولها على اللام في قراءة السبعة، والجار لا يدخل على الجار، وإنما ترك التنوين في قراءتهم؛ لشبهها بحاشي الحرفية لفظاً ومعنى، وزعم [قوم] أنها اسم فعل، معناه: أتبرأ أو تبرأت؛ لبنائها ورد بإعرابها في بعض اللغات، وزعم المبرد وابن جني
стр. 3413
أنها فعل، وأن المعنى في الآية: جانب يوسف المعصية؛ لأجل الله، وهذا التأويل لا يتأتي في الآية الأخرى، قال الفارسي: حاش فاعل من الحشا، وهو الناحية، أي: صار في ناحية، أي: بعد مما [رمي] به، وتنحى عنه، فلم يغشه، ولم يلابسه.
وتقع حاشى فعلاً متعدياً متصرفاً كما قال الشاعر:
ولا أحاشي من الأقوام من أحد
أي: استثنيته.
وتقع للاستثناء، ومذهب سيبويه والجمهور أنها حرف بمنزلة (إلا) إلا أنها تجر المستثنى منه، وذهب الجرمي والمازني والمبرد وغيرهم من النحاة [إلى] أنها [تكون كثيراً] حرفاً، فيجر بها المستثنى.
وتأتي قليلاً فعلاً جامداً متعدياً، وقالوا: سمع في كلام العرب: اللهم اغفر لي ولمن سمع، حاشا الشيطان وأبا الأصبع ولم تقع في القرآن حاشا الاستثنائية.
стр. 3414
٤٦ - حتى:
حرف لانتهاء الغاية كإلى، [لكن] يفترقان في أمور فتنفرد حتى بأنها لا تجر إلا الظاهر، والآخر المسبوق بذي أجزاء، والملاقي له، نحو قوله تعالى: ﴿وسلام هي حتى مطلع الفجر﴾ [القدر: ٥]، وأنها لإفادة تقضي الفعل قبلها شيئاً فشيئاً، وأنها [لا] يقال بها ابتداء الغاية، وأنها يقع بعدها المضارع المنصوب بأن المقدرة، ويكونان في تأويل مصدر مخفوض.
ثم لها حينئذ - أي إذا دخلت على المضارع المنصوب - ثلاثة معان:
مرادفة إلى، نحو قوله تعالى: ﴿لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع إلينا موسى﴾ [طه: ٩٢]؛ أي: إلى رجوعه.
ومرادفة كي التعليلية نحو قوله تعالى: ﴿ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم﴾ [البقرة: ٢١٧]، و ﴿لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا﴾ [المنافقون: ٧]، [و] مثلها: ﴿فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله﴾ [الحجرات: ٩].
ومرادفة (إلا) في الاستثناء، وجعل منه ابن مالك وغيره قوله تعالى: ﴿وما يعلمان من أحد حتى يقولا﴾ [البقرة: ١٠٢]، قال ابن هشام في المغني: والظاهر في [هذه] الآية خلافه، وأن المراد معنى الغاية.
مسألة:
متى دل دليل على دخول الغاية التي بعد «إلى» و «حتى» في حكم ما قبلها أو على عدم دخوله، فواضح أنه يعمل به:
فالأول: نحو قوله تعالى: ﴿وأيديكم إلى المرافق﴾ [المادة: ٦]، ﴿وأرجلكم
стр. 3415
إلى الكعبين﴾ [المائدة: ٦]، دلت السنة على دخول المرافق والكعبين في الغسل.
والثاني: نحو قوله تعالى: ﴿ثم أتموا الصيام إلى الليل﴾ [البقرة: ١٨٧]، دل النهي عن الوصال على عدم دخول الليل في الصيام، ﴿فنظرة إلى ميسرة﴾ [البقرة: ٢٨٠]، فإن الغاية لو دخلت هنا لوجب الإنظار حال اليسار أيضاً، وذلك يؤدي إلى عدم المطالبة وتفويت حق الدائن.
وإن لم يدل دليل على واحد منها ففيه ثلاثة أقوال:
أحدها: - وهو الأصح - تدخل مع «حتى» دون «إلى» حملاً على الغالب في البابين؛ لأن الأكثر مع القرينة عدم الدخول مع «إلى»، والدخول [مع] «حتى» فوجب الحمل عليه عند التردد.
والثاني: تدخل فيهما.
والثالث: لا فيهما، واستدل للقولين في استوائهما بقوله تعالى: ﴿فمتعناهم إلى حين﴾ [يونس: ٩٨]، وقرأ ابن مسعود - رضي الله تعالى عنه -: «حتى حين».
تنبيه:
ترد حتى ابتدائية، أي: حرف تبتدأ بعده الجمل، أي: تستأنف فتدخل على الاسمية والفعلية المضارعة والماضية، نحو قوله تعالى: ﴿حتى يقول الرسول﴾ [البقرة: ٢١٤] بالرفع، ﴿حتى عفوا وقالوا﴾ [آل عمران: ٩٥]، ﴿حتى إذا فشلتم وتنازعتم﴾ [آل عمران: ١٥٢]، وادعى أبن مالك أنها في الآيات جارة لـ «إذا»، ولـ «أن» مضمرة، كما في الآيتين الأوليين، والأكثرون على خلافه.
стр. 3416
وترد عاطفة، ولا أعلمه في القرآن؛ لأن العطف [بها] قليل جداً، ومن ثم أنكره الكوفيون البتة.
فائدة:
إبدال حائها عيناً لغة هذيل، وبها قرأ ابن مسعود - رضي الله تعال عنه -.
٤٧ - حسب:
وهي من أفعال القلوب، مثل: ظن، وعلم، وبابه، تتعدى إلى مفعولين، وحسب معناه رجحان أحد الطرفين، من الحسبان، قال الراغب في مفردات القرآن: وقوله تعالى: ﴿أم حسبتم أن تدخلوا الجنة﴾ [البقرة: ٢١٤] مصدره الحسبان، وهو أن يحكم أحد النقيضين من غير أن يخطر الآخر بباله، فيجيبه ويعقد عليه الأصابع، ويكون بغرض أن يعتريه فيه شك ويقارب ذلك الظن، لكن الظن أن يخطر النقيض بباله فيغلب [أحدهما] على الآخر. انتهى.
قال تعالى: ﴿أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم﴾ [الزخرف: ٨٠]، ﴿أيحسب الإنسان ألن نجمع عظامه﴾ [القيامة: ٣]، وقد ترد حسب بمعنى اليقين، كقوله:
حسبت التقى والجود خير تجارة ... رباحاً إذا ما المرء أصبح ثاقلاً
стр. 3417
٤٨ - حيث:
ظرف مكان، قال الأخفش: وترد للزمان.
مبنية على الضم تشبيهاً بالغابات، فإن الإضافة إلى الجملة كلا إضافة، ولهذا قال الزجاج في قوله تعالى: ﴿من حيث لا ترونهم﴾ [الأعراف: ٢٧]: ما بعد حيث صلة لها، وليست بمضافة إليه، يعني أنها غير مضافة للجملة بعدها فصارت كالصلة لها، أي: كالزيادة وليست جزءاً منها. وفهم الفارسي أنه أراد أنها موصولة، فرد عليه.
ومن العرب من يعربها، ومنهم من يبنيها على الكسر لالتقاء الساكنين، وعلى الفتح، ويحتملها قراءة من قرأ: ﴿من «حيث» لا يعلون﴾ [الأعراف: ١٨٢، القلم: ٤٤] بالكسر، ﴿الله أعلم «حيث» يجعل رسالته﴾ [الأنعام: ١٢٤] بالفتح.
والمشهور أنها لا تتصرف، وجوز قوم في الآية الأخيرة كونها مفعولاً به على السعة، قالوا: ولا تكون ظرفاً؛ لأنه تعالى لا يكون في مكان أعلم منه في مكان، ولأن المعنى أنه يعلم نفس المكان المستحق لوضع الرسالة؛ لأشياء في المكان، وعلى هذا فالناصب لها «يعلم» محذوفاً مدلولاً عليه بأعلم لا به؛ لأن أفعل التفضيل لا ينصب المفعول به إلا إن أولت بعالم.
وقال أبو حيان: الظاهر إقرارها على الظرفية المجازية، وتضمين أعلم معنى ما يتعدى إلى الظرف، والتقدير: الله أنفذ علماً [حيث] يجعل، أي: هو [نافذ العلم] في هذا الموضع. قال في المغني: وطيء تقول: [حوث] والغالب
стр. 3418
كونها في محل نصب على الظرفية، أو خفض بمن، وقد تخفض بغيرها، كقوله:
لدي حيث ألقت رحلها أم قشعم
وندر إضافتها إلى المفرد، قال أبو الفتح في كتاب التمام: ومن أضاف حيث إلى المفرد أعربها، قال ابن هشام في المغني: ورأيت بخط الضابطين.
أما ترى حيث سهيل طالعا
بفتح ثا (حيث)، وخفض سهيل، وحيث بالضم، وسهيل بالرفع، أي: موجود، فحذف الخبر.
وإذا اتصلت بها ما الكافة ضمنت معنى الشرط، وجزمت الفعلين كقولهم:
حيثما تستقم يقدر لك الله نجاحاً في غابر الأزمان
وهذا البيت دليل عندي على مجيئها للزمان، انتهى.
٤٩ - حين:
ظرف زمان، قال في الصحاح /: الحين: الوقت، يقال: حينئذ، قال خويلد:
كأبي الرماد عظيم القدر جفنته ... حين الشتاء كحوض المنهل اللقف
стр. 3419
وربما أدخلوا عليه التاء، قال أبو وجزة:
العاطفون تحين ما من عاطف ... والمطعمون زمان أين المطعم
والحين أيضاً: المدة، ومنه قوله تعالى: ﴿هل أتى على الإنسان حين من الدهر﴾ [الإنسان: ١]، وحان له أن يفعل كذا تحين حيناً، أي: آن، وحان حينه، أي: قرب، أوانه ووقته وعاملته متحاينة مثل مسارعه، وأحينت بالمكان إذا أقمت به حيناً، وحينت الناقة إذا جعلت لها في كل يوم وليلة وقتاً تحلبها فيه، قال المخبل:
إذا أفنت أرو عيالك أفنها ... وإن حينت أربى على الوطب حينها
وفلان يأكل الحينة والحينة، أي: المرة الواحدة في اليوم والليلة، وفلان يفعل ذلك أحياناً، وفي الأحايين، وتحين الوارش إذا انتظر وقت الأكل ليدخل، والحين - بالفتح - الهلاك، يقال: حان الرجل، أي هلك، وأحانه الله تعالى، انتهت عبارة «الصحاح»، وفي «القاموس»: الحين بالكسر: الدهر، أو: وقت مبهم يصلح لجميع الأزمان طال أو قصر، يكون سنة أو أكثر، أو يختص بأربعين سنة، أو سبع سنين أو سنتين أو ستة أشهر أو شهرين، أو لك غدوة، ويوم القيامة، وقوله تعالى: ﴿فتول عنهم حتى حين﴾ [الصافات: ١٧٤]، أي: حين تنقضي المدة التي أمهلوها، ج: أحيان، [ويجمع على]
стр. 3420
أحايين، وإذا باعدوا بين الوقتين باعدوا بإذ، فقالوا: حينئذ. انتهى.
٥٠ - دون:
ترد ظرفاً نقيض فوق، فلا تنصرف على المشهور، وقيل: تنصرف بالوجهين، قرئ: ﴿ومنا دون ذلك﴾ [الجن: ١١]، بالرفع والنصب.
وترد اسماً بمعنى غير نحو: ﴿أم اتخذوا من دونه ءالهة﴾ [الأنبياء: ٢٤]، أي: غيره، قال الزمخشري: معناه أدني مكان من الشيء، وتستعمل للتفاوت في الحال، نحو: زيد دون عمرو، أي: في الشرف والعلم، واتسع فيه فاستعمل في تجاوز حد إلى حد، نحو قوله تعالى: ﴿أولياء من دون المؤمنين﴾ [النساء: ١٤٤]، أي: لا تجاوزوا ولاية المؤمنين إلى ولاية الكافرين.
٥١ - ذو:
اسم بمعنى صاحب، وضع للتوصل إلى وصف الذوات بأسماء الأجناس، كما أن (الذي) وضعت صلة إلى وصف المعارف بالجمل، ولا يستعمل إلا مضافاً، ولا يضاف إلى ضمير، ولا مشتق، وجوزه بعضهم، وخرج عليه قراءة ابن مسعود - رضي الله تعالى عنه -: ﴿وفوق كل ذي «عالم» عليم﴾ [يوسف: ٧٦]، وأجاب الأكثرون عنها: بأن العالم هنا مصدر كالباطل، أو بأن ذي زائدة. قال السهيلي: والوصف بـ «ذو» أبلغ من الوصف بصاحب،
стр. 3421
والإضافة بها أشرف، فإن ذو [يضاف] للتابع، وصاحب يضاف إلى المتبوع، تقول: أبو هريرة صاحب النبي، ولا تقول النبي صاحب أبي هريرة، وأما ذو فإنك تقول: ذو المال، وذو العرش، فتجد الاسم الأول متبوعاً غير تابع، وبني على هذا الفرق أنه تعالى قال في سورة (الأنبياء): ﴿وذا النون إذ ذهب﴾ ا [لأنبياء: ٨٧]، فأضافه إلى النون، وهو الحوت، وقال في سورة (ن): ﴿ولا تكن كصاحب الحوت﴾ [القلم: ٤٨]، قال: والمعنى واحد، لكن بين اللفظين تفاوتاً كثيراً في حسن الإشارة إلى الحالين، فإنه حين ذكره في معرض الثناء عليه أتى بذي؛ لأن الإضافة بها أشرف، وبالنون؛ لأن لفظه أشرف من لفظ الحوت؛ لوجوده في أوائل السور، وليس في لفظ الحوت ما يشرفه كذلك، فأتي به وبصاحب حين ذكره في معرض النهي عن اتباعه.
٥٢ - رويد:
اسم لا يتكلم به إلا مصغراً مأموراً به، وهو تصغير (رود) وهو المهل.
٥٣ - رب:
حرف في معناه ثمانية أقوال:
أحدها: للتقليل دائماً، وعليه الأكثرون.
الثاني: للتكثير دائماً، كقوله تعالى: ﴿ربما يود الذين كفوا لو كانوا مسلمين﴾ [الحجر: ٢]، فإنه يكثر منهم تمني ذلك، وقال الأولون: هم مشتغلون بغمرات الأهوال فلا يفيقون بحيث يتمنون ذلك إلا قليلاً.
الثالث: أنها لهما على / السواء.
الرابع: للتقليل غالباً، وللتكثير نادراً، قال في «الإتقان»: وهو اختياري.
الخامس: عكسه.
стр. 3422
السابع: للتكثير في موضع المباهاة والافتخار، وللتقليل فيما عداه.
الثامن: لمبهم العدد، تكون تقليلاً وتكثيراً.
وتدخل عليها (ما) فتكفها عن عمل الجر، وتدخلها على الجمل، والغالب حينئذ دخولها على الفعلية الماضي فعلها لفظاً ومعنى، ومن دخولها على المستقبل: الآية السابقة، وقيل: إنه على حد ﴿ونفخ في الصور﴾ [الكهف: ٩٩].
٥٤ - زعم:
من أخوات (ظن) تنصب المبتدأ والخبر، ويسميان مفعوليهما، والزعم حكاية قول يكون مظنة الكذب، تقول: زعم زيد أن عمراً صادقاً، فقولك: «زعم» إشارة إلى خبر عن غير الواقع، وهو الكذب.
والزعم في الاعتقاد كالظن، وهو ترجيح أحد الطرفين من غير جزم، قال تعالى: ﴿زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا قل بلى وربي﴾ [التغابن: ٧]، وقوله: ﴿سلهم أيهم بذلك زعيم﴾ [القلم: ٤٠] من الزعامة وهو الكفالة، والزعيم: الكفيل، وفي الحديث: الزعيم غارم، والزعامة: السيادة، وزعيم القوم سيدهم ورئيسهم، والمتكلم عنهم، وقد زعم -بالكسر- زعم كفرح يفرح: طمع، قال عنترة:
علقتها عرضاً [وأقتل قومها] ... زعماً لعمر أبيك ليس بمزعم
стр. 3423
أي: ليس بمطمع، وقال في «القاموس»: الرغم مثلثة: [القول]) الحق والباطل والكذب، [ضد، وأكثر ما يقال] فيما يشك فيه. انتهى.
وقال غيره: زعم مظنة الكذب، ولهذا جاءت في القرآن في كل موضع ذم الله القائلين به، كقوله تعالى: ﴿ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم أمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك﴾ [النساء: ٦٠].
وقد يأتي الزعم في كلام العرب بمعنى التحقيق واليقين، قال الجعدي في حق نوح ﵇:
نودي قم وار [كبن] بأهلك ... إن [الله] موفي للناس ما زعما
وهو بمعنى التحقيق، وفي الحديث المرفوع: زعم جبريل كذا، وفي «الصحيح» من حديث ضمام بن ثعلبة زعم رسولك أن علينا خمس صلوات في كل يوم وليلة، وزعم كذا وكذا، وهي في هذا المقام بمعنى التحقيق، وقد أكثر سيبوبه في كتابه بقوله فيما يعتمده: زعم الخليل كذا، وزعم أبو الخطاب
стр. 3424
كذا، وتبعه ابن هشام في «المغني» فيأتي بالزعم بمعنى التحقيق، والله أعلم.
٥٥ - السين:
حرف يختص بالمضارع، ويخلصه للاستقبال، ويتنزل منه منزلة الجزاء، فلذا لم يعمل فيه، وذهب البصريون إلى أن مدة الاستقبال معه أضيق منها مع (سوف)، وعبارة المعربين فيها حرف تنفيس، ومعناه حرف توسع؛ لأنها نقلت المضارع من الزمان الضيق وهو الحال إلى الزمن الواسع وهو الاستقبال، وذكر بعضهم أنها قد تأتي للاستمرار لا للاستقبال، كقوله تعالى: ﴿ستجدون آخرين﴾ الآية [النساء: ٩١]، ﴿سيقول السفهاء﴾ الآية [البقرة: ١٤٢]؛ لأن ذلك إنما نزل بعد قولهم: «ما ولاهم» فجاءت السين إعلاماً بالاستمرار، لا بالاستقبال، قال ابن هشام: وهذا لا يعرفه النحويون، بل الاستمرار إنما يكون في المستقبل، قال: وزعم الزمخشري أنها إذا دخلت على فعل محبوب أو مكروه أفادت أنه واقع لا محالة، ولم أر من فهم وجه ذلك، ووجهه أنها تفيد [الوعد] بحصول الفعل فدخولها على ما يفيد الوعد أو الوعيد مقتض لتوكيده، وتثبيت معناه، وقد أومي إلى ذلك في سورة (البقرة)، فقال: ﴿فسيكفيكهم الله﴾ [البقرة: ١٣٧]، معنى السين أن ذلك كائن لا محالة، وإن تأخر إلى حين، وصرح به في سورة براءة، فقال في قوله تعالى: ﴿أولئك سيرحمهم الله﴾ [التوبة: ١٨٤]: السين مفيدة وجود الرحمة لا محالة، فهي تؤكد الوعد كما تؤكد الوعيد في قولك: سأنتقم منك.
стр. 3425
٥٦ - سوف:
كالسين وأوسع زماناً منها عند البصريين؛ لأن كثرة الحروف تدل على كثرة المعنى، ومرادفة لها عند غيرهم، وتنفرد عن السين بدخول اللام عليها، نحو قوله تعالى: ﴿ولسوف يعطيك ربك﴾ [الضحى: ٥]، قال أبو حيان: وإنما امتنع إدخال اللام على السين كراهة توالي الحركات في: لـ «سيدحرج»، ثم طرد الباقي، قال ابن بابشاذ: الغالب على سوف استعمالها في الوعيد والتهديد، وعلى السين استعمالها في الوعد، وقد تستعمل سوف في الوعد، والسين في الوعيد. انتهى.
٥٧ - سواء:
تكون بمعنى مستوي، فتقصر مع الكسر، نحو قوله تعالى: ﴿مكانا سوي﴾ [طه: ٥٨]، وتمد مع الفتح، نحو: ﴿سواء عليهن أنذرتهم أم لم تنذرهم﴾ [البقرة: ٦]، وبمعنى الوسط فتمد مع الفتح، نحو قوله تعالى: ﴿في سواء الجحيم﴾ [الصافات: ٥٥]، وبمعنى التمام فكذلك نحو قوله تعالى: ﴿في أربعة أيام سواء﴾ [فصلت: ١٠]، أي: تماماً، ويجوز أن يكون منه قوله تعالى: ﴿واهدنا إلى سواء الصراط﴾ [ص: ٢٢]، ولم ترد في القرآن بمعنى غير، وقيل: وردت، وجعل منه في البرهان قوله تعالى: ﴿فقد ضل سواء السبيل﴾ [المائدة: ١٢]، وهو وهم،
стр. 3426
وأحسن منه قول الكلبي في قوله تعالى: ﴿نحن ولا أنت مكاناً سوى﴾ [طه: ٥٨] أنها استثنائية، والمستثنى محذوف، أي: مكان سوى هذا المكان، حكاه الكرماني في «عجائبه»، وقال فيه بعد السياق: لأنها لا تستعمل غير مضافة.
٥٨ - ساء:
فعل لازم لا يتصرف.
٥٩ - سبحان:
مصدر بمعنى التسبيح، لازم للنصب والإضافة إلى مفرد ظاهر، نحو: ﴿سبحان الله﴾ [يوسف: ١٠٨]، ﴿سبحان الذي أسرى بعبده﴾ [الإسراء: ١]، أو مضمر، نحو قوله تعالى: ﴿سبحانه أن يكون له ولد﴾ [النساء: ١٧١]، ﴿سبحانك لا علم لنا﴾ [البقرة: ٣٢]، وهو مما أميت فعله، وفي العجائب للكرماني: من الغريب ما ذكره المفضل: أنه مصدر شبح إذا رفع صوته بالدعاء والذكر، وأنشد:
قبح الله وجوه تغلب كلما ... شبح الحجيج وكبروا إجلالاً
стр. 3427
أخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - في قوله: (سبحان الله)، قال: تنزيه الله نفسه عن السوء.
٦٠ - صار:
من أخوات كان، ترفع الاسم وتنصب الخبر، قال الزمخشري في «المفصل»: ومعنى صار الانتقال، وهو في ذلك على استعمالين: أحدهما قولك: صار الفقير غنياً، [والطين خزفاً]، والثاني: صار زيد أبي عمرو، ومنه: كل أحي] ٣) صائر إلى الزوال، انتهى. وقال في الصحاح: صار الشيء كذا يصير صيراً [وصيرورة]، وصرت إلى فلان مصيراً، كقوله تعالى: ﴿وإلى الله المصير﴾ [فاطر: ١٨]، وهو شاذ مصار، مثل معاش، وصيرته كذا، أي: جعلته، [انتهى].
٦١ - طفق:
تعمل عمل كان، ترفع الاسم وتنصب الخبر، ويقال لها ولما دل على الإنشاء والشروع أفعال الإنشاء والشروع، تقول: طفق يفعل كذا، أي: شرع وابتدأ وأنشأ الفعل، قال الراغب / في «مفردات القرآن»: وتستعمل في الإيجاب دون النفي، فلا يقال: [ما] طفق، قال تعالى: ﴿وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة﴾ [الأعراف: ٢٢]، وقال في «الصحاح»: طفق يفعل كذا يطفق طفقاً، أي: جعل يفعل، ومنه قوله تعالى: ﴿يخصفان عليهما﴾، قال
стр. 3428
الأخفش: وبعضهم يقول: طفق بالفتح يطفق طفوقاً. [انتهى].
٦٢ - ظن:
أصله الاعتقاد الراجح، كقوله تعالى: ﴿إن ظنا أن يقيما حدود الله﴾ [البقرة: ٢٣٠]، وقد تستعمل بمعنى اليقين كقوله تعالى: ﴿الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم﴾ [البقرة: ٤٦]، أخرج ابن أبي حاتم وغيره عن مجاهد قال: كل ظن في القرآن يقين، وهذا يشكل بكثير من الآيات لم يستعمل فيها بمعنى اليقين، كالآية الأولى، وقال الزركشي في البرهان: الفرق بينهما في القرآن ضابطان:
أحدهما: أنه حيث وجد الظن محموداً مثاباً عليه فهو اليقين، وحيث وجد مذموماً متوعداً عليه بالعذاب فهو الشك.
الثاني: كل ظن يتصل بعده أن الخفيفة / فهو شك، نجو قوله تعالى: ﴿بل ظننتم أن لن ينقلب الرسول﴾ [الفتح: ١٢]، وكل ظن يتصل به أن المشددة فهو يقين كقوله تعالى: ﴿إني ظننت أني ملاق حسابية﴾ [الحاقة: ٢٠]، ﴿وظن أنه الفراق﴾ [القيامة: ٢٨]، وقرئ: «وأيقن أنه الفراق»، والمعنى في ذلك أن المشددة للتأكيد، فدخلت على اليقين، والخفيفة بخلافها، فدخلت على الشك، ولهذا دخلت الأولى في العلم، نحو قوله تعالى: ﴿فاعلم أنه لا إله إلا الله﴾ [محمد: ١٦]، ﴿وعلم أن فيكم ضعفاً﴾ [الأنفال: ٦٦]، والثانية من الحسبان، نحو قوله تعالى: ﴿وحسبوا ألا تكون فتنة﴾ [المائدة: ٧١]، ذكر ذلك الراغب في «تفسيره»، وأورد على هذا الضابط قوله تعالى: ﴿وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه﴾ [التوبة: ١١٨]، وأجيب: بأنها هنا اتصلت بالاسم، وفي الأمثلة السابقة اتصلت بالفعل، ذكره في «البرهان»، قال: فتمسك بهذا الضابط، فهو من أسرار القرآن، وقال ابن الأنباري: قال ثعلب: العرب
стр. 3429
تجعل الظن علماً وشكاً وكذباً، فإن قامت براهين العلم فكانت أكبر من براهين الشك، فالظن يقين، وإن اعتدلت براهين اليقين وبراهين الشك فالظن: شك، فإن زادت براهين الشك على براهين اليقين فالظن كذب، قال الله جل وعلا: ﴿إن هم إلا يظنون﴾ [الجاثية: ٢٤]، أراد يكذبون، انتهى.
٦٣ - ظل:
من أخوات كان، ترفع الاسم وتنصب الخبر، تقول: ظل زيد قائماً، قال الراغب في مفردات القرآن: وظللت وظلت بحذف أحد اللامين يعبر بهما بفعل بالنهار، ويجري مجرى صار، قال تعالى: ﴿ظلت عليه عاكفاً﴾ [طه: ٩٧]. انتهى. يعني: صرت عليه عاكفاً، ومثله قوله تعالى: ﴿ظل وجهه مسوداً وهو كظيم﴾ (النحل: ٥٨]، بمعني صار، وفي الصحاح: «وظل أظل» كذا - بالكسر - ظلولاً، إذا عملته بالنهار دون الليل، ومنه قوله تعالى: ﴿فظلتم تفكهون﴾ [الواقعة: ٦٥]، انتهى.
٦٤ - على:
حرف جر، له معان، أشهرها: الاستعلاء حساً أو معنى، نحو قوله تعالى: ﴿وعليها وعلى الفلك تحملون﴾ [المؤمنون: ٢٢]، ﴿كل من عليها فان﴾ [الرحمن: ٢٦]، ﴿فضلنا بعضهم على بعض﴾ [البقرة: ٢٥٣]، ﴿ولهم على ذنب﴾ [الشعراء: ١٤].
ثانيها: للمصاحبة، كـ (مع)، نحو قوله تعالى: ﴿وأتى المال على حبه﴾ [البقرة: ١٧٧]، أي: مع حبه، ﴿وإن ربك لذو مغفرة الناس على ظلمهم﴾ [الرعد: ٦].
ثالثها: للابتداء كـ «من» نحو: ﴿الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون﴾ [المطففين: ٢]، أي: من الناس، ﴿والذين هم لفروجهم حافظون﴾ [المؤمنون: ٥]، أي: منها، بدليل: «احفظ عورتك إلا من زوجتك».
стр. 3430
رابعها: التعليل كاللام، نحو قوله تعالى: ﴿ولتكبروا الله على ما هداكم﴾ [البقرة: ١٨٥]، أي: لهدايته إياكم.
خامسها: الظرفية كـ (في)، نحو قوله تعالى: ﴿ودخل المدينة على حين غفلة من أهلها﴾ [القصص: ١٥]، أي: في حين، ﴿واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان﴾ [البقرة: ١٠٢]، أي: في زمن ملك.
سادسها: معنى الباء، نحو قوله تعالى: ﴿حقيق على أن لا أقول﴾ [الأعراف: ١٠٥]، أي: بأن، كما قرأ أبي.
فائدة:
هي في نحو قوله تعالى: ﴿وتوكل على الحي الذي لا يموت﴾ [ الفرقان: ٥٨]، بمعنى الإضافة والإسناد، أي: أضف توكلك وأسنده إليه، كذا قيل، قال الحافظ السيوطي - رحمه الله تعالى -: وعندي أنها فيه بمعنى [باء] الاستعانة، وفي نحو قوله تعالى: ﴿كتب على نفسه الرحمة﴾ [الأنعام: ١٢] لتأكيد التفضيل لا الإيجاب والاستحقاق، وكذا في نحو قوله تعالى: ﴿إن علينا حسابهم﴾ [الغاشية: ٢٦] لتأكيد المجازاة، قال بعضهم: وإذا ذكرت النعمة في الغالب مع الحمد لم تقترن بعلى، وإذا أريد النعمة أتي بها، ولهذا كان ﷺ إذا رأى ما يعجبه قال: الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وإذا رأى ما يكره قال: الحمد لله على كل حال.
стр. 3431
تنبيه:
ترد «على» اسماً، فيما ذكره الأخفش، إذا كان مجروراً وفاعل معلقها ضميرين لمسمى واحد ، نحو قوله تعالى: ﴿أمسك عليك زوجك﴾ [الأحزاب: ٣٧]، لما تقدمت الإشارة إليه في إلى، قال ابن هشام في المغني: وفيه نظر؛ لأنها لو كانت اسماً في هذه المواضع [لصح] حلول (فوق) محلها، ولأنها لو لزمت اسميتها لما ذكر لزم الحكم باسمية «إلى» في نحو: ﴿فصرهن إليك﴾ [البقرة: ٢٦٠]، ﴿واضمم إليك﴾ [القصص: ٣٢]، ﴿وهزي إليك﴾ [مريم: ٢٥]، وهذا كله يتخرج إما أنها على التعلق بمحذوف كما قيل في: «سقيا لك»، وإما على حذف مضاف، أي: هون عليك نفسك، واضمم إلى نفسك.
وترد فعلاً من العلو، ومنه قوله تعالى: ﴿إن فرعون علا في الأرض﴾ [القصص: ٤].
٦٥ - عن:
حرف جر، له معان:
أشهرها: المجاوزة، نحو قوله تعالى: ﴿فليحذر الذين يخالفون عن أمره﴾ [النور: ٦٣]، أي: يجاوزونه ويبتعدون عنه.
ثانيها: البدل، نحو قوله تعالى: ﴿لا تجزي نفس عن نفس شيئاً﴾ [البقرة: ٤٨].
ثالثها: التعليل، نحو قوله تعالى: ﴿وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة﴾ [التوبة: ١١٤]، أي: لأجل موعدة، ﴿وما نحن بتاركي ءالهتنا عن قولك﴾ [هود: ٥٣].
رابعها: بمعنى على، نحو قوله: ﴿فإنما يبخل عن نفسه﴾ [محمد: ٣٨]، أي: عليها.
خامسها: بمعنى «من»، نحو قوله تعالى: ﴿وهو الذي يقبل التوبة عن عباده﴾
стр. 3432
[التوبة: ١٠٤]، أي: منهم، بدليل: ﴿فتقبل من أحدهما﴾ [المائدة: ٢٧].
سادسها: بمعنى «بعد» نحو قوله تعالى: ﴿يحرفون الكلم عن مواضعه﴾ [المائدة: ٤١]، ﴿لتركبن طبقاً عن طبق﴾ [الانشقاق: ١٩]، أي: حالة بعد حالة.
تنبيه:
ترد اسماً إذا دخل عليها «من»، [وجعل منه] ابن هشام: [﴿ثم لأتيناهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم﴾ [ الأعراف: ١٧]، قال: فتقدر معطوفة على مجرور «من» لا على «من» ومجرورها].
٦٦ - عسى:
فعل جامد لا يتصرف، ومن ثم ادعى قوم أنها حرف، ومعناه: الترجي في المحبوب، والإشفاق في المكروه، وقد اجتمعا في قوله تعالى: ﴿وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئاً وهو شر لكم﴾ [البقرة: ٢١٦]. قال ابن فارس: وتأتي للقرب والدنو، نحو قوله تعالى: ﴿قل عسى أن يكون ردف لكم﴾ [النمل: ٧٢]، وقال الكسائي: كل ما في القرآن من عسى على
стр. 3433
وجه الخبر فهو موحد، كالآية السابقة، ووجه على معنى: عسى الأمر أن يكون كذا، وما كان على الاستفهام فإنه يجمع نحو قوله تعالى: ﴿فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا﴾ [محمد: ٢٢]، قال أبو عبيدة: معناه هل عدوتم ذلك؟ هل جزتموه، وأخرج ابن أبي حاتم والبيهقي وغيرهما عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - قال: كل عسى في القرآن فهي واجبة، وقال ابن الأنباري: عسى في القرآن واجبة إلا موضعين: أحدهما: ﴿عسى ربكم أن يرحمكم﴾ [الإسراء: ٨]، يعني بني النضير، فما - رحمهم الله تعالى -، بل قاتلهم رسول الله ﷺ وأوقع عليهم العقوبة. الثاني: ﴿عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزوجاً﴾ (التحريم: ٥] فلم يقع التبديل، وأبطل بعضهم الاستثناء، وعمم القاعدة؛ لأن الرحمة كانت مشروطة بأن لا يعودوا، كما قال عمن قاتل: ﴿وإن عدتم عدنا﴾ [الإسراء: ٨]، وقد عادوا، فوجب عليهم العذاب، والتبديل مشروط بأن يطلق، [ولم يطلق]، فلا يجب. وفي «الكشاف» في سورة (التحريم): عسى اطماع من الله لعباده، وفيه وجهان: أحدهما: أن يكون على ما جرت عادة الجبابرة من الإجابة بلعل وعسى، ووقوع ذلك منهم موقع القطع والبت، والثاني: أن يكون جيء به تعليماً للعباد أن يكونوا بين الخوف والرجاء، وفي البرهان: عسى، ولعل من الله واجبتان، وإن كانتا رجاء وطمعاً في كلام المخلوقين؛ لأن الخلق هم الذين تعرض لهم الشكوك والظنون، والباري منزه عن ذلك، والوجه في استعمال هذه الألفاظ أن الأمور الممكنة لما كان الخلق يشكون فيها، ولا يقطعون على الكائن منها على الصحة، صارت لها نسبتان: نسبة إلى الله، تسمى نسبة قطع ويقين، ونسبة إلى المخلوق تسمى نسبة شك وظن، فصارت هذه الألفاظ لذلك ترد تارة بلفظ
стр. 3434
القطع، بحسب ما هي عليه عند الله جل شأنه، نحو قوله تعالى: ﴿فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه﴾ [المائدة: ٥٤]، وتارة بلفظ الشك بحسب ما هي عليه عند الخلق، نحو قوله تعالى: ﴿فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده﴾ [المائدة: ٥٢]، ﴿فقولا كثر قولاً ليناً لعله يتذكر أو يخشى﴾ [طه: ٤٤]، وقد علم الله - جل شأنه - حال إرسالهما ما يفضي إليه حال فرعون؛ لكن ورد اللفظ بصورة ما يختلج في نفس موسى وهارون من الرجاء والطمع، ولما نزل القرآن بلغة العرب جاء على مذاهبهم في ذلك، والعرب قد تخرج الكلام المتيقن في صورة المشكوك لأغراض، وقال ابن الدهان: عسى فعل ماض اللفظ والمعنى؛ لأنه طمع قد حصل في شيء مستقبل، وقال قوم: ماضي اللفظ، مستقبل المعنى؛ لأنه إخبار عن طمع يريد أن يقع.
تنبيه:
وردت في القرآن على وجهين:
أحدهما: رافعة لاسم صريح بعده فعل مضارع مقرون بأن، والأشهر في إعرابها حينئذ: أنها فعل ناقص عامل عمل «كان»، فالمرفوع اسمها، وما بعده الخبر، وقيل: متعد، بمنزلة قارب معنى وعملاً، أو قاصراً بمنزلة قرب، وأن يفعل بدل اشتمال من فاعلها.
الثاني: [أن يقع بعدها «أن» والفعل]، فالمفهوم في كلامهم أنها حينئذ تامة، وقال ابن مالك: عندي أنها ناقصة أبداً، وإن وصلتها سدت مسد الجزأتين، كما في قوله تعالى: ﴿أحسب الناس أن يتركوا﴾ [العنكبوت: ٢].
стр. 3435
٦٧ - علم:
تنصب مفعولين كظن وأخواتها، وعلم فعل ماض، ومعناه اليقين، قال تعالى: ﴿فإن علمتموهن مؤمنات لا ترجعوهن إلى الكفار﴾ [الممتحنة: ١٠]، فإن لم تكن علم بمعنى تيقن عديت إلى مفعول واحد، وهي التي تكون بمعنى عرف، قال بعض شراح المفصل: لأن المعرفة في الأصل تقتصر على الذات بخلاف العلم فإنه يعم الذات والصفات، ومن ثم قيل: عرفت الله، ولم يقل: علمت الله.
وإذا أدخلت الهمزة أو التضعيف على (علم) التي بمعنى تيقن، تعدت إلى ثلاثة مفاعيل، تقول: أعلمت زيداً عمراً منطلقاً، فإن كان بمعنى عرف، عديت إلى مفعولين، كقوله تعالى: ﴿وعلم آدم الأسماء كلها﴾ [البقرة: ٣١]، وقوله تعالى: ﴿وعلمناه من لدنا علماً﴾ [الكهف: ٦٥].
٦٨ - عند:
ظرف مكان، يستعمل في الحضور والقرب، سواء كانا حسيين، نحو قوله تعالى: ﴿فلما رءاه مستقراً عنده﴾ [النمل: ٤٠]، ﴿عند سدرة المنتهى عندها جنة المأوى﴾ [النجم: ١٤، ١٥]، أو معنويين، نحو قوله تعالى: ﴿قال الذي عنده علم من الكتاب﴾ [النمل: ٤٠]، ﴿وإنهم عندنا لين المصطفين﴾ [ص: ٤٧]، ﴿في مقعد صدق عند مليك﴾ [القمر: ٥٥]، ﴿أحياء عند ربهم﴾ [آل عمران: ١٦٩]، ﴿رب ابن لي عندك بيتاً في الجنة﴾ [التحريم: ١١]، فالمراد في هذه الآيات قرب التشريف، ورفعة المنزلة.
ولا تستعمل إلا ظرفاً أو مجرورة بمن خاصة، نحو: ﴿فمن عندك﴾ [القصص: ٢٧]، ﴿ولما جاءهم رسول من عند الله﴾ [البقرة: ١٠١].
وتعاقبها «لدى»، و «لدن»، نحو قوله تعالى: ﴿لدى الحناجر﴾ [غافر: ١٨]، ﴿لدا الباب﴾ [يوسف: ٢٥]، ﴿وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل
следующие страницы →