Полный текст (4 238 стр.). Показаны 3501–3540 · переход к 3506.
стр. 3501
حرفاً للتعجب، و «كأنه» حرف، ووصلا خطاً لكثرة الاستعمال، كما وصل «بينؤم».
١٢٤ - ويل:
قال الأصمعي: ويل: تقبيح، قال تعالى: ﴿ولكم الويل مما تصفون﴾ [الأنبياء: ١٨]، وقد يوضع موضع التحسر والتفجع، نحو قوله تعالى: ﴿يويلتنا﴾ [الكهف: ٤٩]، ﴿يا ويلتي أعجزت﴾ [المائدة: ٣١]، أخرج الحربي في فوائده، من طريق إسماعيل بن عياش، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: قال لي رسول الله ﷺ : «ويحك»، فجزعت منها، فقال: لي: «يا حميراء»، إن ويحك] أو ويك رحمة، فلا تجزعي منها؛ ولكن اجزعي من الويل».
١٢٧ - يا:
حرف لنداء البعيد/ حقيقة أو حكماً، وهي أكثر أحرفه استعمالاً، ولهذا لا يقدر عند الحذف سواها، نحو قوله تعالى: ﴿رب اغفر لي﴾ [نوح: ٢٨]، ﴿يوسف أعرض﴾ [يوسف: ٢٩]، /ولا ينادي اسم الله وأيها وأيتها إلا بها، قال الزمخشري: وتفيد التأكيد المؤذن بأن الخطاب الذي يتلوه معني به جداً.
стр. 3502
أو ترد للتنبيه فتدخل على الفعل والحرف نحو قوله تعالى: ﴿ألا يسجدوا﴾ [النمل: ٢٥] ﴿يا ليت قومي يعلمون﴾ [يس: ٢٦].
تنبيه:
ها قد أتيت على شرح معاني الأدوات الواقعة في القرآن على وجه موجز مفيد، محصل للمقصود منه، ولم أبسطه؛ لأن محل البسط والإطناب إنما هو تصانيفنا في فن العربية وكتبنا النحوية، والمقصود في جميع أنواع هذا الكتاب إنما هو ذكر القواعد والأصول، لا استيعاب الفروع والجزئيات.
стр. 3503
النوع الخامس والأربعون بعد المائة
علم في قواعد مهمة
يحتاج المفسر إلى معرفتها
стр. 3504
النوع الخامس والأربعون بعد المائة
[علم] في قواعد مهمة
يحتاج المفسر إلى معرفتها
[قاعدة: قد يشربون لفظاً معنى لفظ فيعطونه حكمه، ويسمى ذلك تضميناً.
وفائدته: أن تؤدي كلمة مؤد كلمتين ، قال الزمخشري: ألا ترى في رجع معنى ﴿ولا تعد عيناك عنهم﴾ [الكهف: ٢٨] إلى قولك: ولا تقتحم عيناك مجاوزتين إلى غيرهم، ﴿ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم﴾ [النساء: ٢]، أي: ولا تضموا إليها آكلين. انتهى كلامه.
قال ابن هشام في «المغني»: ومن مثل ذلك أيضاً: قوله تعالى: ﴿الرفث إلى نسائكم﴾ [البقرة: ١٨٧]، ضمن الرفث معنى الإفضاء، فعدي بإلى، مثل: ﴿وقد أفضى بعضكم إلى بعض﴾ [النساء: ٢١]، وإنما أصل الرفث أن يتعدى بالباء، يقال: أرفث فلان بامرأته، وقوله تعالى: ﴿وما يفعلوا من خير فلن يكفروه﴾ [آل عمران: ١١٥]، أي: فلن يحرموا ثوابه، ولهذا عدي إلى اثنين لا إلى واحد، وقوله تعالى: ﴿ولا تعزموا عقدة النكاح﴾ [البقرة: ٢٣٥]، أي: لا تنووا، ولهذا عدي بنفسه لا بعلى، وقوله تعالى: ﴿لا يسمعون إلى الملإ الأعلى﴾ [الصافات: ٨]، أي: لا يصغون، وقولهم: سمع الله لمن حمده أي: استجاب، فعدي يسمع في الأول بإلى، وفي الثاني باللام، وإنما أصله أن يتعدى بنفسه، مثل: ﴿يوم يسمعون الصيحة﴾ [ق: ٤٢]، وقوله تعالى: ﴿والله يعلم المفسد من المصلح﴾ [البقرة: ٢٢٠]، أي:
стр. 3505
يميز، ولهذا عدي بمن، لا بنفسه، وقوله تعالى: ﴿للذين يؤلون من نسائهم﴾ [البقرة: ٢٢٦]، أي: يمتنعون من وطء نسائهم بالكلف، فلهذا عدي بمن، ولما خفي التضمين على بعضهم في الآية، ورأى أنه لا يقال: (حلف من كذا) بل حلف عليه قال: من متعلقة بمعنى للذين، كما تقول: لي منك مبرة، قال: وأما قول الفقهاء: «آلى من امرأته» فغلط، أوقعهم فيه عدم فهم المتعلق بالآية.
وقال أبو كبير الهذلي:
حملت به في ليلة مزؤودة ... كرهاً وعقد نطاقها لم يحلل
وقال قبله:
ممن حملن به وهن عواقد ... حبك النطاق فشب غير مهبل
مزؤودة: أي مذعورة، ويروى بالجر، صفة لليلة، مثل: ﴿والليل إذا يسر﴾ [الفجر: ٤]، وبالنصب حالاً من المرأة، وليس بقوي مع أنه الحقيقة، لأن ذكر الليلة حينئذ لا كبير فائدة فيه، والشاهد فيهما أنه ضمن «حمل» معنى «علق»، ولولا ذلك لعدي بنفسه، مثل: ﴿حملته أمه كرهاً﴾ [الأحقاف: ١٥]، وقال الفرزدق:
كيف تراني قالباً مجني ... قد قتل الله زياداً عني
أي: صرفه عني بالقتل، وهو كثير، قال أبو الفتح في كتاب التمام: أحسب لو جمع ما جاء منه لجاء منه كتاب يكون مئين أوراقاً.
قاعدة في الضمائر:
[قال الحافظ السيوطي في «الإتقان»]: ألف ابن الأنباري في الضمائر
стр. 3506
الواقعة في القرآن مجلدين، وأصل وضع الضمير للاختصار، ولهذا قام قوله: ﴿أعد الله لهم مغفرة وأجراً عظيماً﴾ [الأحزاب: ٣٥] مقام خمس وعشرين كلمة، لو أتى بها مظهرة، وكذا قوله تعالى: ﴿قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم﴾ [النور: ٣١]، قال مكي: ليس في كتاب الله آية اشتملت على ضمائر أكثر منها، فإن فيها خمسة وعشرين ضميراً، ومن ثم لا يعدل إلى المنفصل [إلا بعد تعذر المتصل]، بأن يقع في الابتداء، نحو قوله تعالى: ﴿إياك نعبد﴾ [الفاتحة: ٥]، أو بعد ﴿إلآ﴾ نحو قوله تعالى: ﴿وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه﴾ [الإسراء: ٢٣].
مرجع الضمير:
لا بد له من مرجع يعود إليه.
ويكون: ملفوظاً [به] سابقاً مطابقاً، نحو قوله تعالى: ﴿ونادى نوح ابنه﴾ [هود: ٤٢]، ﴿وعصى ءادم ربه﴾ [طه: ١٢١]، ﴿إذا أخرج يده لم يكد يراها﴾ [النور: ٤٠].
أو متضمناً له، نحو قوله تعالى: ﴿اعدلوا هو أقرب للتقوى» [المائدة: ٨]، فإنه عائد على العدل المتضمن له ﴿اعدلوا﴾، ﴿وإذا حضر القسمة أولوا القربى واليتامى والمساكين فارزقوهم منه﴾ [النساء: ٨]، أي: القوم؛ لدلالة القسمة عليه.
أو دالاً عليه بالالتزام، نحو قوله تعالى: ﴿إنا أنزلناه﴾ [القدر: ١]، أي: القرآن؛ لأن الإنزال يدل عليه التزاماً، نحو قوله تعالى: ﴿فمن عفى له من أخيه شيء فاتباع المعروف وأداء إليه﴾ [البقرة: ١٧٨]، ف «عفى» يستلزم عافياً أعيد عليه الهاء من «إليه».
أو متأخراً لفظاً لا رتبة مطابقاً، نحو قوله تعالى: ﴿فأوجس في نفسه خيفه موسى﴾ [طه: ٦٧]، ﴿ولا يسئل عن ذنوبهم المجرمون﴾ [القصص: ٧٨]، ﴿فيومئذ لا يسئل عن ذنبه إنس ولا جان﴾ [الرحمن: ٣٩].
أو رتبة أيضاً في باب ضمير الشأن والقصة، ونعم، وبئس، والتنازع.
стр. 3507
أو متأخراً دالاً بالالتزام، نحو قوله تعالى: ﴿فلولا إذا بلغت الحلقوم﴾ [الواقعة: ٨٣]، ﴿كلا إذا بلغت التراقي﴾ [القيامة: ٢٦]، أضمر الروح أو النفس؛ لدلالة الحلقوم والتراقي عليها، نحو قوله تعالى: ﴿حتى توارت بالحجاب﴾ [ص: ٣٢]، أي: الشمس؛ لدلالة الحجاب عليها.
وقد يدل عليه السياق فيضمر ثقة بفهم السامع، نحو قوله تعالى: ﴿كل من عليها فان﴾ [الرحمن: ٢٦]، ﴿ما ترك على ظهرها﴾ [فاطر: ٤٥]، أي: الأرض أو الدنيا، ﴿ولأبويه﴾ [النساء: ١١]، أي: الميت، ولم يتقدم له ذكر.
وقد يعود على لفظ المذكور دون معناه، نحو قوله تعالى: ﴿وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره» [فاطر: ١١]، أي: عمر معمر آخر.
وقد يعود على بعض ما تقدم، نحو قوله تعالى: ﴿يوصيكم الله في أولادكم﴾ [إلى قوله: فإن كن نساء﴾ [النساء: ١١]، ﴿وبعولتهن أحق بردهن [البقرة: ٢٢٨]]، بعد قوله تعالى: ﴿والمطلقات﴾ [البقرة: ٢٢٨]، فإنه خاص بالرجعيات، والعائد عليه [عام] فيهن وفي غيرهن.
وقد يعود على المعنى كقوله تعالى في آية الكلالة: ﴿فإن كانتا اثنتين﴾ [النساء: ١٧٦]، ولم يتقدم لفظ مثنى يعود عليه، قال الأخفش: لأن الكلالة تقع على الواحد والاثنين والجمع، فثنى الضمير الراجع إليها حملاً على المعنى، كما يعود الضمير [جمعاً على] (من) [حملا] على معناها.
قد يعود على لفظ شيء، والمراد به الجنس من ذلك [الشيء]، قال الزمخشري: كقوله تعالى: ﴿إن يكن غنياً أو فقيراً فالله أولى بهما﴾ [النساء: ١٣٥]، أي: بجنسي الفقير والغني؛ لدلالة (غنياً أو فقيراً﴾) على الجنسين، لو رجع إلى المتكلم به لوحده.
стр. 3508
وقد يذكر شيئان، ويعاد الضمير إلى أحدهما، والغالب كونه الثاني، نحو قوله تعالى: ﴿واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة﴾ [البقرة: ٤٥]، فأعيد الضمير للصلاة، وقيل: للاستعانة المفهومة من «استعينوا»، ﴿جعل الشمس ضياء والقمر نورا وقدره منازل﴾ [يونس: ٥]، أي: القمر؛ لأنه الذي يعلم به الشهور، ﴿والله ورسوله أحق أن يرضوه﴾ [التوبة: ٦٢]، أراد أن يرضوهما، فأفرد؛ لأن الرسول هو داعي العباد، والمخاطب لهم شفاها، ويلزم من رضاه رضا ربه تعالى.
وقد يثنى الضمير ويعود على أحد المذكورين، نحو قوله تعالى: ﴿يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان﴾ [الرحمن: ٢٢]، وإنما يخرج من أحدهما.
وقد يجيء الضمير متصلاً بشيء وهو لغيره، نحو قوله تعالى: ﴿ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين﴾ يعني: آدم، ثم قال: ﴿ثم جعلناه نطفة﴾ [المؤمنون الآيتان: ١٢، ١٣]، فهذه لولده؛ لأن آدم لم يخلق من نطفة، [قلت]: هذا هو باب الاستخدام، ومنه: [لا تسئلوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم﴾، ثم قال: ﴿قد سألها﴾ [المائدة الآيتان: ١٠١، ١٠٢]، أي: أشياء أخرى مفهومة من لفظ «أشياء» السابقة.
وقد يعود الضمير على ملابس ما هو له، نحو قوله تعالى: ﴿إلا عشية أو ضحاها﴾ [النازعات: ٤٦]، أي: ضحي يومها، لا ضحى العشية نفسها؛ لأنه لا ضحى لها.
وقد يعود على غير مشاهد محسوس، والأصل خلافه، نحو قوله تعالى: ﴿وإذا قضي أمراً فإنما يقول له كن فيكون﴾ [البقرة: ١١٧]، فضمير «له» عائد على
стр. 3509
الأمر، وهو إذ ذاك غير موجود، لأنه لما كان سابقاً في علم الله كونه، كان بمنزلة المشاهد الموجود.
قاعدة:
الأصل عوده على أقرب مذكور ، ومن ثم أخر المفعول الأول في قوله تعالى: ﴿وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض﴾ [الأنعام: ١١٢]، ليعود الضمير عليه لقربه، إلا أن يكون مضافاً ومضافاً إليه، فالأصل عوده للمضاف، لأنه المتحدث عنه، نحو قوله تعالى: ﴿وإن تعدوا نعمت الله لا تحصوها﴾ [إبراهيم: ٣٤]، وقد يعود على المضاف إليه، نحو قوله تعالى: ﴿إلى إله موسى وإني لأظنه كذباً﴾ [غافر: ٣٧]، واختلف في ﴿أو لحم خنزير فإنه رجس﴾ [الأنعام: ١٤٥]، فمنهم من أعاده على المضاف، ومنهم من أعاده إلى المضاف إليه.
قاعدة:
الأصل توافق الضمائر في المرجع، حذراً من التشتيت ، ولهذا لما جوز بعضهم في قوله تعالى: ﴿أن اقذفيه في التابوت﴾ [طه: ٣٩]: أن الضمير في الثاني للتابوت، وفي الأول لموسى عابه الزمخشري، وجعله تنافراً مخرجاً للقرآن [عن] إعجازه، فقال: الضمائر كلها راجعة إلى موسى، ورجوع بعضها إليه وبعضها إلى التابوت فيه هجنة؛ لما يؤدي إليه من تنافر النظم الذي هو أم إعجاز القرآن، ومراعاته أهم ما يجب على المفسر، وقال في قوله تعالى: ﴿لتؤمنوا بالله ورسوله، وتعزروه وتوقروه﴾ [الفتح: ٩] الضمائر [لله تعالى]،
стр. 3510
والمراد بتعزيره تعزير دينه ورسوله، ومن فرق الضمائر فقد أبعد، وقيل: يخرج عن هذا الأصل كما في قوله تعالى: ﴿ولا تستفت فيهم منهم أحداً﴾ [الكهف: ٢٢]، فإن ضمير «فيهم» لأصحاب الكهف، و «منهم» لليهود، قاله ثعلب والمبرد. ومثله قوله تعالى: ﴿ولما جاءت رسلنا لوطا سيءَ بهم وضاق بهم ذرعاً﴾ [هود: ٧٧]، قال ابن عباس: ساء ظناً بقومه، وضاق ذرعا بأضيافه، وقوله تعالى: ﴿إلا تنصروه ... ﴾ الآية [التوبة: ٤٠]، فيها اثنا عشر ضميراً، كلها للنبي ﷺ إلا ضمير «عليه» فلصاحبه، كما نقله السهيلي عن الأكثرين؛ لأنه ﷺ لم تنزل عليه السكينة، وضمير (جعل) له تعالى، وقد يخالف بين الضمائر حذراً من التنافر، نحو قوله تعالى: ﴿منها أربعة حرم﴾ الضمير للاثني عشر، ثم قال تعالى: ﴿فلا تظلموا فيهن﴾ [التوبة: ٣٦]، أتى بصيغة الجمع مخالفاً لعوده على الأربعة.
ضمير الفصل:
ضمير بصيغة المرفوع، مطابق لما قبله، تكلماً وخطاباً و [غيبة] وإفراداً وغيره، وإنما يقع [بعد] مبتدأ أو ما أصله المبتدأ، وقبل خبر كذلك [اسماً]، نحو: و ﴿وأولائك هم المفلحون﴾ [البقرة: ٥]، ﴿وإنا لنحن الصافون﴾ ﴿[الصافات: ١٦٥]، ﴿كنت أنت الرقيب عليهم﴾ [المائدة: ١١٧]، ﴿تجدوه عند الله هو خيراً﴾ [المزمل: ٢٠]، ﴿إن ترن أنا أقل منك مالاً﴾ [الكهف: ٣٩]، [هؤلاء بناتي هن أطهر لكم﴾ [هود: ٧٨]، وجوز الأخفش وقوعه بين الحال وصاحبها،
стр. 3511
وخرج عليه قراءة قوله تعالى: ﴿هن أطهر﴾ [هود: ٧٨] بالنصب، وجوز الجرجاني وقوعه قبل مضارع، وجعل منه قوله تعالى: ﴿إنه هو يبدي ويعيد﴾ [البروج: ١٣]، وجعل منه أبو البقاء، نحو قوله تعالى: ﴿ومكر أولائك هو يبور﴾ [فاطر: ١٠].
ولا محل لضمير الفصل من الإعراب، وله ثلاث فوائد:
الإعلام بأن ما بعده خبر لا تابع، والتأكيد؛ ولهذا سماه الكوفيون دعامة، لأنه يدعم به الكلام، أي: يقوي ويؤكد، وبنى عليه بعضهم أنه لا يجمع بينه وبينه، فلا يقال: زيد نفسه هو الفاضل، والاختصاص، وذكر الزمخشري الثلاثة في: ﴿وأولائك هم المفلحون﴾ [البقرة: ٥] فقال: فائدته: الدلالة على أن ما بعده خبر لا صفة، والتوكيد، وإيجاب أن فائدة المسند ثابتة للمسند إليه دون غيره.
ضمير الشأن والقصة:
ويسمى ضمير المجهول، ويسمى ضمير المحل، قال في «المغني»: خالف القياس من خمسة أوجه:
أحدها: عوده على ما بعده لزوماً، إذ لا يجوز للجملة المفسرة له أن تتقدم عليه، ولا شيء منها.
والثاني: أن مفسره لا يكون إلا جملة.
والثالث: أنه لا يتبع بتابع فلا يؤكد ولا يعطف عليه، ولا يبدل منه.
والرابع: أنه لا يعمل فيه إلا الابتداء، أو ناسخ.
والخامس: أنه ملازم للإفراد.
ومن أمثلته نحو قوله تعالى: ﴿قل هو الله أحد﴾ [الإخلاص: ١]،
стр. 3512
﴿فإذا هي شاخصة أبصار الذين كفروا [الأنبياء: ٩٧]، ﴿فإنها لا تعمى الأبصار﴾ [الحج: ٤٦].
وفائدته: الدلالة على تعظيم المخبر عنه وتفخيمه، بأن يذكر أولاً مبهماً، ثم يفسر.
تنبيه:
قال ابن هشام: متى أمكن الحمل على غير ضمير الشأن ، فلا ينبغي [أن [[يحمل] عليه، ومن ثم ضعف قول الزمخشري في [قوله تعالى: ﴿إنه يراكم﴾ [الأعراف: ٢٧]]: إن اسم (إن): ضمير الشأن، والأولى كونه: ضمير الشيطان، ويؤيده قراءة: «وقبيله» [الأعراف: ٢٧] بالنصب، وضمير الشأن لا يعطف عليه.
قاعدة:
قال في «المغني»: إنهم يغلبون على الشيء ما لغيره؛ لتناسب بينهما، أو اختلاط ، فلهذا قالوا: «الأبوين» في الأب والأم، ومنه: ﴿ولأبويه لكل واحد منهما السدس﴾ [النساء: ١١]، وفي الأب والخالة، ومنه: ﴿ورفع أبويه﴾ [يوسف: ١٠٠]، و «المشرقين»، و «المغربين»، ومثله: «الخافقان» في المشرق والمغرب، وإنما الخافق المغرب، ثم إنما سمي خافقاً مجازاً، وإنما هو
стр. 3513
مخفوق فيه، «القمرين» في الشمس والقمر، قال المتنبي:
واستقبلت قمر السماء بوجهها ... فأرتني القمرين في وقت معاً
أي: الشمس وهو وجهها، وقمر السماء. وقال التبريزي: يجوز أنه أراد قمراً وقمراً؛ لأنه لا يجتمع قمران في ليلة، كما أنه لا تجتمع الشمس والقمر. اهـ وما ذكرناه أمدح، و «القمران» في العرب الشمس والقمر، وقيل: إن منه قول الفرزدق:
لنا قمراها والنجوم الطوالع
وقيل: إنما أراد محمداً والخليل -عليهما الصلاة والسلام-؛ لأن نسبه راجع إليهما بوجه، وأن المراد بالنجوم الصحابة.
وقالوا: «العمرين» [في] أبي بكر وعمر، وقيل: المراد عمر بن الخطاب وعمر بن عبد العزيز، فلا تغليب، ويرد بأنه قيل لعثمان ﵇: نسألك سيرة العمرين، [قال]: نعم. قال قتادة: أعتق العمران فمن بينهما من [الخلفاء] أمهات الأولاد، وهذا المراد به عمر، وعمر.
[وقالوا]: «العجاجين» في رؤبة والعجاج، و «المروتين» في الصفا والمروة.
стр. 3514
ولأجل الاختلاط أطلقت «من» على ما لا يعقل، في نحو: ﴿فمنهم من يمشي على بطنه ومنهم من يميني على رجلين ومنهم من يمشي على أربع﴾ [النور: ٤٥]، فإن الاختلاط حاصل في العموم السابق في قوله تعالى: ﴿كل دابة﴾ وفي ﴿من يمشي﴾ اختلاط آخر في عبارة التفصيل، فإنه يعم الإنسان والطائر.
واسم المخاطبين على الغائبين في قوله تعالى: ﴿اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون﴾ [البقرة: ٢١]، لأن «لعل» متعلقة بـ «خلقكم» لا بـ «اعبدوا»، والمذكرين على المؤنث، حتى عدت منهم في: ﴿وكانت من القانتين﴾ [التحريم: ١٢]، والملائكة على إبليس حتى استثني منهم في ﴿فسجدوا إلا إبليس﴾ [البقرة: ٣٤]، قال الزمخشري: والاستثناء متصل؛ لأنه واحد من بين أظهر الألوف من الملائكة، فغلبوا عليه في «فسجدوا» ثم استثني منهم استثناء أحدهم، ثم قال: ويجوز أن يكون منقطعاً.
ومن التغليب: ﴿أو لتعودن في ملتنا﴾ [الأعراف: ٨٨]، بعد: ﴿لنخرجنك يا شعيب والذين ءامنوا معك من قريتنا﴾ [الأعراف: ٨٨]، فإنه ل [م يكن ﵊]
стр. 3515
في ملتهم قط، بخلاف الذين آمنوا معه، ومثله: ﴿جعل لكم من أنفسكم أزواجاً ومن الأنعام أزواجاً يذرؤكم فيه﴾ [الشورى: ١١]، فإن الخطاب فيه شامل للعقلاء والأنعام، فغلب المخاطبون والعاقلون على الغائبين والأنعام، ومعنى: [يذرؤكم فيه﴾ يبثكم ويكثركم في هذا التدبير، وهو أن جعل للناس وللأنعام أزواجاً حتى حصل بينهم التوالد، فجعل هذا التدبير المنبع والمعدن للبث والتكثير، فلهذا جيء بـ (في) دون الباء، ونظيره: ﴿ولكم في القصاص حيوة﴾ [البقرة: ٢٤]، وزعم جماعة أن منه: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ [البقرة: ١٠٤]، [ونحو: ﴿بل أنتم قوم] تجهلون﴾ [النمل: ٥٥]، وإنما هذا من مراعاة المعنى، والأول من مراعاة اللفظ.
قاعدة:
جمع العاقلات لا يعود عليه الضمير غالباً إلا بصيغة الجمع، سواء كان للقلة أو للكثرة ، نحو قوله تعالى: ﴿الوالدات يرضعن﴾ [البقرة: ٢٣٣]، ﴿والمطلقات يتربصن﴾ [البقرة: ٢٢٨]، وورد الأفراد في قوله تعالى: ﴿أزواج مطهرة﴾ [البقرة: ٢٥]، ولم يقل: «مطهرات»، وأما غير العاقل فالغالب في جمع الكثرة الإفراد، وفي القلة الجمع، وقد اجتمعا في قوله تعالى: ﴿إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهراً﴾، إلى أن قال تعالى: ﴿منها أربعه حرم﴾، ثم قال تعالى: ﴿فلا تظلموا فيهن﴾ [التوبة: ٣٦]، فأعاد جمعاً على ﴿أربعة حرم﴾، وهي للقلة، وذكر الفراء لهذه القاعدة سراً لطيفاً، وهو: أن المميز [لمن] مع [جمع] الكثرة وهو ما زاد على العشرة لما كان واحداً وحد الضمير، ومع القلة وهو العشرة فما دونها، لما كان جمعاً جمع الضمير.
قاعدة:
إذا اجتمع في الضمائر مراعاة اللفظ والمعنى بدئ باللفظ، ثم بالمعنى، هذا
стр. 3516
هو الجادة في القرآن، قال تعالى: ﴿ومن الناس من يقول﴾، ثم قال تعالى: ﴿وما هم بمؤمنين﴾ [البقرة: ٨]، أفرد أولاً باعتبار اللفظ، ثم جمع باعتبار المعنى، وكذا قوله تعالى: ﴿ومنهم من يستمع إليك وجعلنا على قلوبهم﴾ [الأنعام: ٢٥]، ﴿ومنهم من يقول أئذن لي ولا تفتني إلا في الفتنة سقطوا﴾ [التوبة: ٤٩]، قال الشيخ علم الدين العراقي: لم يجئ في القرآن البداءة بالحمل على المعنى، إلا في موضع واحد، وهو قوله تعالى: ﴿وقالوا ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا﴾ [الأنعام: ١٣٩]، فأنث (خالصاً) حملاً على معنى (ما) ثم راعي اللفظ، فذكر قوله تعالى: ﴿محرم﴾. انتهى. قال ابن الحاجب في «أماليه»: إذا حمل على المعنى ضعف الحمل بعده على اللفظ؛ لأن المعنى أقوى، فلا يبعد الرجوع إليه بعد اعتبار اللفظ، ويضعف بعد اعتبار المعنى القوي الرجوع إلى الأضعف، وقال ابن جني في «المحتسب»: لا يجوز مراجعة اللفظ بعد انصرافه عنه إلى المعنى، وأورد عليه قوله تعالى: ﴿ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطاناً فهو له قرين وإنهم ليصدونهم عن السبيل ويحسبون أنهم مهتدون﴾ [الزخرف: ٣٦، ٣٧]، ثم قال: ﴿حتى إذا جاءنا﴾ [الزخرف: ٣٨]، فقد راجع اللفظ بعد الانصراف عنه إلى المعنى، وقال محمود بن حمزة في كتاب «العجائب»: ذهب بعض النحويين إلى أنه لا يجوز الحمل على اللفظ بعد الحمل على المعنى، وقد جاء في القرآن بخلاف ذلك، وهو قوله تعالى: ﴿خالدين فيها أبداً قد أحسن الله له رزقاً﴾ [الطلاق: ١١]، قال ابن خالويه في
стр. 3517
كتاب «ليس»: القاعدة في «من» ونحوه الرجوع من اللفظ إلى المعنى، ومن الواحد إلى المثنى، ومن الواحد إلى الجمع، ومن المذكر إلى المؤنث، نحو قوله تعالى: ﴿ومن يقنت منكن لله ورسوله وتعمل صالحاً﴾ [الأحزاب: ٣١]، ﴿من أسلم وجهه لله﴾، إلى قوله: ﴿ولا خوف عليهم﴾ [البقرة: ١١٢]، أجمع على هذا النحويون، قال: وليس في كلام العرب ولا في شيء من العربية الرجوع من المعنى إلى اللفظ، إلا في حرف واحد، استخرجه ابن مجاهد، وهو قوله تعالى: ﴿ومن يؤمن بالله وعمل صالحاً يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين ... ﴾، الآية [الطلاق: ١١]، وحد في ﴿يؤمن﴾، و ﴿يعمل﴾، و ﴿يدخله﴾، ثم جمع في قوله: ﴿خالدين﴾، ثم وحد في قوله تعالى: ﴿أحسن الله له رزقاً﴾، فرجع بعد الجمع إلى التوحيد.
قاعدة في التذكير والتأنيث:
التأنيث ضربان: حقيقي وغيره .
فالحقيقي لا تحذف تاء التأنيث من فعله غالباً؛ إلا أن وقع فصل، وكلما كثر الفصل حسن الحذف، والإثبات مع التحقيق أولى، ما لم يكن جمعاً.
وأما غير الحقيقي فالحذف فيه مع الفصل أحسن، نحو قوله تعالى: ﴿فمن جاءه موعظة من ربه﴾ [البقرة: ٢٧٥]، ﴿قد كان لكم ءاية﴾ [آل عمران: ١٣]، فإن كثر الفصل ازداد حسناً، نحو قوله: ﴿وأخذ الذين ظلموا الصيحة﴾ [هود: ٩٤]، والإثبات أيضاً حسن، نحو: ﴿وأخذت الذين ظلموا الصيحة﴾ [هود: ٩٤]، فجمع بينهما في سورة هود.
وأشار بعضهم إلى ترجيح الحذف، واستدل [عليه] بأن الله قدمه على الإثبات حين جمع بينهما.
ويجوز الحذف [أيضاً] مع عدم الفصل، حيث الإسناد إلى ظاهر، فإن كان إلى ضميره امتنع.
стр. 3518
وحيث وقع ضمير أو إشارة بين مبتدأ وخبر، أحدهما مذكر والآخر مؤنث جاز في الضمير والإشارة: التذكير والتأنيث، كقوله تعالى: ﴿قال هذا رحمة من ربي﴾ [الكهف: ٩٨]، فذكر، والخبر مؤنث؛ لتقدم السد، وهو مذكر، وقوله تعالى: ﴿فذانك برهان من ربك﴾ [القصص: ٣٢]، ذكر والمشار إليه اليد والعصا، وهما مؤنثان لتذكير الخبر، وهو ﴿برهانان﴾.
وكل أسماء الأجناس [يجوز فيها] التذكير حملاً على الأجناس والتأنيث حملاً على الجماعة، كقوله تعالى: ﴿أعجاز نخل خاوية﴾ [الحاقة: ٧]، ﴿أعجاز نخل منقعر﴾ [القمر: ٢٠]، ﴿إن البقر تشابه علينا﴾ [البقرة: ٧٠]، وقرئ: «تشابهت»، ﴿السماء منفطر به﴾ [المزمل: ١٨]، ﴿إذا السماء انفطرت﴾ [الانفطار: ١]، وجعل منه بعضهم قوله تعالى: ﴿جاءتها ريح عاصف﴾ [يونس: ٢٢]، ﴿ولسليمان الريح عاصفة﴾ [الأنبياء: ٨١].
وقد سئل: ما الفرق بين قوله تعالى: ﴿فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت علي الضلالة﴾ [النحل: ٣٦]، وقوله تعالى: ﴿فريقاً هدى وفريقاً حق عليهم الضلالة﴾ [الأعراف: ٣٠]؟
وأجيب بأن ذلك لوجهين:
لفظي، وهو كثرة حروف الفاصل في الثاني، والحذف مع كثرة الحواجز أكثر.
ومعنوي، وهو: أن «من» في قوله تعالى: ﴿من حقت﴾ راجعة إلى الجماعة، وهي مؤنثة لفظاً بدليل: ﴿ولقد بعثنا في كل أمة رسولاً﴾، ثم قوله تعالى: ﴿ومنهم من حقت عليه الضلالة﴾ [النحل: ٣٦]، أي: من تلك الأمم، ولو قال: «ضلت» لتعينت التاء، والكلامان واحد، وإذا كان معناهما واحداً كان إثبات التاء أحسن من تركها؛ لأنها ثابتة فيما هو معناه، وأما قوله تعالى: ﴿فريقاً هدى ... ﴾، الآية فالفريق يذكر، ولو قال: «فريق ضلوا» لكان بغير
стр. 3519
تاء، وقوله: ﴿حق عليهم الضلالة﴾ [الأعراف: ٣٠] في معناه، فجاء بغير تاء، وهذا أسلوب لطيف من أساليب العرب أن يدعو حكم اللفظ الواجب في قياس لغتهم إذا كان في مرتبة كلمة لا يجب لها ذلك الحكم.
قاعدة في التعريف والتنكير:
اعلم أن [لكل] منهما مقاماً لا يليق بالآخر .
أما التنكير فله أسباب: أحدها إرادة الوحدة، نحو قوله تعالى: ﴿وجاء رجل من أقصا المدينة يسعى﴾ [يس: ٢٠]، أي: رجل واحد، و ﴿وضرب الله مثلاً رجلاً فيه شركاء متشاكسون ورجلاً سلماً لرجل﴾ [الزمر: ٢٩].
الثاني: إرادة النوع، نحو: ﴿هذا ذكر﴾ [ص: ٤٩]، أي: نوع من الذكر، ﴿وعلى أبصارهم غشاوة] [البقرة: ٧]، أي: نوع غريب من الغشاوة لا يتعارفه الناس، بحيث غطى ما لا يغطيه شيء من الغشاوات، ﴿ولتجدنهم أحرص الناس على حياة﴾ [البقرة: ٩٦]، أي: نوع منها، وهو الازدياد في المستقبل؛ لأن الحرص لا يكون على الماضي ولا على الحاضر.
ويحتمل الوحدة والنوعية معاً قوله: ﴿والله خلق كل دابة من ماء﴾ [النور: ٤٥]، أي: كل نوع من أنواع الدواب من نوع من أنواع الماء، وكل فرد من أفراد الدواب من فرد من أفراد النطف.
الثالث: التعظيم، بمعنى أنه أعظم من أن يعين ويعرف، نحو قوله تعالى: ﴿فأذنوا بحرب﴾ [البقرة: ٢٧٩]، أي: بحرب من الله، ﴿ولهم عذاب أليم﴾ [البقرة: ١٠]، ﴿وسلام عليه يوم يولد﴾ [مريم: ١٥]، ﴿سلام على إبراهيم﴾ [الصافات: ١٠٩]، ﴿أن لهم جنات﴾ [البقرة: ٢٥].
الرابع: التكثير، نحو قوله تعالى: ﴿أئن لنا لأجرا﴾ [الشعراء: ٤١]، أي: وافراً جزيلاً، ويحتمل التعظيم والتكثير معاً، نحو قوله تعالى: ﴿وإن يكذبوك فقد كذبت رسل﴾ [فاطر: ٤]، أي: رسل عظام ذوو عدد كثير.
الخامس: التحقير، بمعنى انحطاط شأنه إلى حد لا يمكن أن يعرف، نحو قوله تعالى: ﴿إن نظن إلا ظناً﴾ [الجاثية: ٣٢]، أي: ظناً حقيراً لا يعبأ به، وإلا
стр. 3520
لا تبعوه؛ لأن ذلك ديدنهم، بدليل ﴿إن يتبعون إلا الظن﴾ [الأنعام: ١١٦]، ﴿من أي شيء خلقه﴾ [عبس: ١٨]، أي: من شيء حقير مهين، ثم بينه تعالى: ﴿من نطفة خلقه﴾ [عبس: ١٩].
السادس: التقليل، نحو قوله تعالى: ﴿ورضوان من الله أكبر﴾ [التوبة: ٧٢]، أي: رضوان قليل منه أكبر من الجنات؛ لأنه رأس كل سعادة.
قليل منك يكفيني ولكن ... قليلك لا يقال له قليل
وجعل منه الزمخشري في قوله تعالى: ﴿سبحن الذي أسرى بعبده ليلاً﴾ [الإسراء: ١]، أي: ليلاً قليلاً، أي: بعض ليل، وأورد عليه أن التقليل رد الجنس إلى فرد من أفراده، لا تنقيص فرد إلى جزء من أجزائه، وأجاب بن في عروس الأفراح بأنا لا نسلم أن الليل حقيقة في جميع الليلة، بل كل جزء من أجزائها يسمى ليلاً، وعد السكاكي من الأسباب: ألا يعرف من حقيقته إلا ذلك، وجعل منه أن تقصد التجاهل، وأنك لا تعرف شخصه، كقولك: هل لك في حيوان على صورة إنسان يقول كذا! وعليه من تجاهل الكفار: ﴿هل ندلكم على رجل ينبئكم﴾ [سبأ: ٧]، كأنهم لا يعرفونه.
وعد غيره منها: قصد العموم، بأن كانت [في] سياق النفي، نحو قوله تعالى: ﴿لا ريب فيه﴾ [البقرة: ٢]، ﴿لا رفث﴾ الآية [البقرة: ١٩٧]، أو الشرط، نحو قوله تعالى: ﴿وإن أحد المشركين استجارك﴾ [التوبة: ٦]، أو: الامتنان، نحو قوله تعالى: ﴿وأنزلنا من السماء ماءً طهوراً﴾ [الفرقان: ٤٨].
وأما التعريف فله أسباب:
فبالإضمار لأن المقام مقام التكلم، أو الخطاب، أو الغيبة.
стр. 3521
و [بالعلمية] لإحضاره بعينه في ذهن السامع ابتداء باسم مختص به، نحو قوله تعالى: ﴿قل هو الله أحد﴾ [الإخلاص: ١]، ﴿محمد رسول الله] [الفتح: ٢٩].
أو لتعظيم أو إهانة حيث علمه يقتضي ذلك.
فمن التعظيم ذكر يعقوب بلقبه إسرائيل، لما فيه من المدح والتعظيم بكونه صفوة الله، أو سري الله، [على] ما [تقدم معناه] في «الألقاب».
ومن الإهانة قوله تعالى: ﴿تبت يدا أبي لهب﴾ [المسد: ١]، وفيه أيضاً نكتة أخرى، وهي الكناية عن كونه جهنمياً.
وبالإشارة: لتمييزه [أكمل تمييز بإحضاره في ذهن السامع حساً، نحو قوله تعالى: ﴿هذا خلق الله فأروني ماذا خلق الذين من دونه﴾ [لقمان: ١١]، وللتعريض بغباوة السامع حتى إنه لا يتميز له] الشيء إلا بإشارة الحس، وهذه الآية تصلح لذلك.
ولبيان حاله في القرب والبعد، فيؤتي في الأول بنحو هذا، وفي الثاني بنحو: ذلك، وأولئك.
ولقصد تحقيره بالقرب، كقول الكفار: ﴿أهذا الذي يذكر ءالهتكم﴾ [الأنبياء: ٣٦]، ﴿أهذا الذي بعث الله رسولا﴾ [الفرقان: ٤١]، ﴿ماذا أراد الله بهذا مثلا﴾ [البقرة: ٢٦]، وكقوله تعالى: ﴿وما هذه الحيوة الدنيا إلا لهو ولعب﴾ [العنكبوت: ٦٤].
ولقصد تعظيمه بالبعد، نحو قوله تعالى: ﴿ذلك الكتاب لا ريب فيه﴾ [البقرة: ٢]، ذهاباً إلى بعد [درجته].
وللتنبيه بعد ذكر المشار إليه بأوصاف قبله على أنه جدير بما يرد بعده من أجلها، نحو قوله تعالى: ﴿أولائك على هدى من ربهم وأولائك هم المفلحون﴾ [البقرة: ٥].
стр. 3522
وبالموصولية: لكراهة ذكره بخاص اسمه: إما ستراً عليه، أو إهانة، أو الغير ذلك، فيؤتى بالذي ونحوها موصولة بما صدر منه من فعل أو قول، نحو قوله تعالى: ﴿والذي قال لوالديه أف لكما﴾ [الأحقاف: ١٧]، ﴿وراودته التي هو في بيتها﴾ [يوسف: ٢٣]، وقد يكون لإرادة العموم، نحو قوله تعالى: ﴿إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا ... ﴾ الآية [فصلت: ٣٢]، ﴿الذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا﴾ [العنكبوت: ٦٩]، ﴿إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم﴾ [غافر: ٦٠]، وللاختصار، نحو: ﴿لا تكونوا كالذين ءاذوا موسى فبرأه الله مما قالوا﴾ [الأحزاب: ٦٩]، أي: قولهم: إنه آدر، إذ لو عد أسماء القائلين لطال؛ وليس للعموم؛ لأن بني إسرائيل كلهم لم يقولوا في حقه ذلك.
وبالألف واللام:
للإشارة إلى معهود خارجي أو ذهني أو حضوري.
وللاستغراق حقيقة أو مجازاً، أو لتعريف الماهية، وقد مرت أمثلتها في نوع الأدوات.
وبالإضافة؛ لكونها أخصر طريق، ولتعظيم المضاف، نحو قوله تعالى: ﴿إن عبادي ليس لك عليهم سلطان﴾ [الإسراء: ٦٥]، ﴿ولا يرضى لعباده الكفر﴾ [الزمر: ٧]، أي: الأصفياء في الآيتين، كما قاله ابن عباس وغيره.
ولقصد العموم، نحو قوله تعالى: ﴿فليحذر الذين يخالفون عن أمره﴾ [النور: ٦٣]، أي: كل أمر الله، وقد تقدم كثير من الحالات في نوع «المسند والمسند إليه».
فائدة:
سئل عن الحكمة في تنكير «أحد» وتعريف «الصمد» من قوله تعالى: ﴿قل هو الله أحد الله الصمد﴾ [الإخلاص: ١، ٢]، [قال الحافظ
стр. 3523
السيوطي]: وألفت في جوابه تأليفاً مودعاً في الفتاوى، وحاصله أن ذلك أجوبة:
أحدها: أنه نكر للتعظيم، والإشارة إلى أن مدلوله، وهو الذات المقدسة [غير] ممكن تعريفها والإحاطة بها.
الثاني: أنه لا يجوز إدخال «أل» عليه كغير، وكل، وبعض، وهو فاسد، فقد قرئ شاذاً: ﴿قل هو الله الأحد الله الصمد﴾ [الإخلاص: ١، ٢]، حكى هذه القراءة أبو حاتم في كتاب الزينة عن جعفر بن محمد.
الثالث: وهو مما خطر لي أن (هو) مبتدأ، والله خبر، وكلاهما معرفة، فاقتضى الحصر، فعرف الجزءان [في] ﴿الله الصمد﴾، لإفادة الحصر ليطابق الجملة الأولى، واستغني عن تعريف «أحد» فيها لإفادة الحصر دونه، فأتى به على أصله من التنكير، على أنه خبر ثان، [وإن] جعل الاسم الكريم مبتدأ، و «أحد» خبره، ففيه من ضمير الشأن ما فيه من التفخيم والتعظيم، فأتي بالجملة الثانية على نحو الأولى، بتعريف الجزأين للحصر تفخيماً وتعظيماً.
قاعدة أخرى تتعلق بالتعريف والتنكير:
إذا ذكر الاسم مرتين، فله أربعة أحوال: لأنه إما أن يكونا معرفتين،
стр. 3524
أو نكرتين، أو الأول نكرة، والثاني معرفة، أو بالعكس.
فإن كانا معرفتين، فالثاني هو الأول غالباً، دلالة على المعهود الذي هو [في] الأصل في اللام أو الإضافة، نحو قوله تعالى: ﴿اهدنا السراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم﴾ [الفاتحة: ٦، ٧]، ﴿فاعبد الله مخلصاً له الدين ألا لله الدين الخالص﴾ [الزمر: ٢، ٣]، ﴿وجعلوا بينه وبين الجنة نسباً ولقد علمت الجنة﴾ [الصافات: ١٥٨]، ﴿وقهم السيئات ومن تق السيئات﴾ [غافر: ٩]، ﴿لعلى أبلغ الأسباب أسباب السماوات﴾ [غافر: ٣٦، ٣٧].
وإن كانتا نكرتين فالثاني غير الأول غالباً، وإلا لكان المناسب هو التعريف، بناء على كونه معهوداً سابقاً، نحو قوله تعالى: ﴿الله الذي خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف ثم جعل من بعد قوة ضعفاً وشيبة﴾ [الروم: ٥٤]، فإن المراد بالضعف الأول: النطفة، وبالثاني: الطفولية، وبالثالث: الشيخوخة.
وقال ابن الحاجب في قوله تعالى: ﴿غدوها شهر وروحها شهر﴾ [سبأ: ١٢]: الفائدة في إعادة لفظ الشهر الإعلام بمقدار زمن الغدر، وزمن الرواح، والألفاظ التي تأتي مبينة للمقادير لا يحسن فيها الإضمار، ولو أضمر فالضمير إنما يكون لما تقدم باعتبار خصوصيته، فإذا لم يكن له، وجب العدول عن الضمير إلى الظاهر.
وقد اجتمع القسمان في قوله تعالى: ﴿فإن مع اليسر يسراً إن مع العسر يسراً﴾ [الشرح: ٤، ٥]، فالعسر الثاني هو الأول، واليسر الثاني غير الأول؛ ولهذا قال ﷺ في الآية: «لن يغلب عسر يسرين».
وإن كان الأول نكرة والثاني معرفة، فالثاني هو الأول، حملاً على العهد، نحو قوله تعالى: ﴿وأرسلنا إلى فرعون رسولا فعصى فرعون الرسول﴾ [المزمل: ١٥، ١٦]،
стр. 3525
﴿فيها مصباح المصباح في زجاجة الزجاجة﴾ [النور: ٣٥]، ﴿إلى صراط مستقيم صراط الله﴾ [الشورى: ٥٢، ٥٣]، ﴿ما عليهم من سبيل إنما السبيل﴾ [الشورى: ٤١، ٤٢].
وإن كان [الأول معرفة]، والثاني نكرة، فلا يطلق القول، بل يتوقف على القرائن، فتارة تقوم قرينة على التغاير، نحو قوله تعالى: ﴿ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة﴾ [الروم: ٥٥]، ﴿يسئلك أهل الكتب أن تنزل عليهم كتابا﴾ [النساء: ١٥٣]، ﴿ولقد ءاتينا موسى الهدى وأورثنا بني إسرائيل الكتاب هدى﴾ [غافر: ٥٣، ٥٤]، قال الزمخشري: المراد [بالهدى]: جميع ما آتاه من الدين والمعجزات والشرائع، وهدى: إرشاداً.
وتارة تقوم قرينة على الاتحاد، نحو قوله تعالى: ﴿ولقد ضربنا للناس في هذا القرءان من كل مثل لعلهم يتذكرون قرءاناً عربياً﴾ [الزمر: ٢٧، ٢٨].
تنبيه:
قال الشيخ بهاء الدين في عروس الأفراح وغيره: [ إن] الظاهر أن هذه القاعدة غير محرورة، فإنها منتقضة بآيات كثيرة، منها في القسم الأول: ﴿هل جزاء الإحسان إلا الإحسان﴾ [الرحمن: ٦٠]، فإنهما معرفتان، والثاني في الأول، [فإن الأول: العمل، والثاني: الثواب، ﴿أن النفس بالنفس﴾ [المائدة: ٤٥]، أي: القاتلة والمقتولة، وكذا سائر الآية]: ﴿الحر بالحر﴾ [البقرة: ١٧٨]، ﴿هل أتى على الإنسان حين من الدهر﴾ [الإنسان: ١]، ثم قال: ﴿إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج﴾ [الإنسان: ٢]، فإن الأول آدم والثاني ولده، نحو قوله تعالى: ﴿وكذلك أنزلنا إليك الكتاب فالذين ءاتيناهم الكتاب يؤمنون به﴾ [العنكبوت: ٤٧]، فإن الأول القرآن، والثاني التوراة والإنجيل، ومنها في القسم الثاني: نحو قوله تعالى: ﴿وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله﴾ [الزخرف: ٨٤]، ﴿يسئلونك عن
стр. 3526
الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير﴾ [البقرة: ٢١٧]، فإن الثاني فيهما هو الأول، وهما نكرتان، ومنها في القسم الثالث: نحو قوله تعالى: ﴿أن يصلحا بينهما صلحاً والصلح خير﴾ [النساء: ١٢٨]، ﴿ويؤت كل ذي فضل فضله﴾ [هود: ٣]، ﴿ويزدكم قوة إلى قوتكم﴾ [هود: ٥٢]، ﴿ليزدادوا إيماناً مع إيمانهم﴾ [الفتح: ٤]، ﴿زدنهم عذاباً فوق العذاب﴾ [النحل: ٨٨]، ﴿وما يتبع أكثرهم إلا ظناً إن الظن﴾ [يونس: ٣٦]، فإن الثاني [فيهما] غير الأول. [قال الإمام السيوطي]: وأقول: لا انتفاض بيء من ذلك عند التأمل، فإن اللام [في] الإحسان [للجنس] فيما يظهر، وحينئذ يكون في المعنى كالنكرة، وكذا آية النفس [والحر]، بخلاف آية العسر، فإن «أل» فيها إما للعهد، أو للاستغراق، كما يفيده الحديث، وكذا آية الظن، لا نسلم [فيها] أن الثاني فيها غير الأول، بل هو عينه قطعاً، إذ ليس كل ظن مذموماً، كيف وأحكام الشريعة ظنية! وكذا آية الصلح، [لا مانع من أن يكون المراد منها الصلح] المذكور، وهو الذي بين الزوجين، واستحباب الصلح في سائر الأمور [مأخوذ] من السنة، [ومن] الآية بطريق القياس، بل لا يجوز القول بعموم الآية، وأن كل صلح خير، لأن ما أحل حراماً من الصلح، أو حرم حلالاً فهو ممنوع، وكذا آية القتال ليس الثاني فيها عين الأول بلا شك، لأن المراد بالأول المسؤول عنه القتال الذي وقع في سرية ابن الحضرمي سنة اثنتين من الهجرة، لأنه سبب نزول
стр. 3527
الآية، والمراد بالثاني جنس القتال لا ذاك بعينه، وأما آية ﴿وهو الذي في السماء إله﴾ [الزخرف: ٨٤]، فقد أجاب عنها [الطيبي] أنها من باب التكرير، لإفادة أمر زائد، بدليل تكرير ذكر الرب فيما قبله / من قوله تعالى: ﴿سبحن رب السماوات والأرض رب العرش﴾ [الزخرف: ٨٢]، ووجه الإطناب في تنزيهه تعالى عن نسبة الولد إليه، وشرط القاعدة ألا يقصد التكرير، وقد ذكر الشيخ بهاء الدين في آخر كلامه: أن المراد بذكر الاسم مرتين كونه مذكوراً في كلام واحد [أو] كلامين بينهما تواصل، بأن يكون أحدهما معطوفاً على الآخر أو له به تعلق ظاهر وتناسب واضح، وأن يكونا من متكلم واحد، ودفع بذلك إيراد آية القتال، لأن الأول فيها محكي عن قول السائل، والثاني محكي من كلام النبي ﷺ .
قاعدة في الإفراد والجمع:
من ذلك السماء والأرض، حيث وقع في القرآن ذكر الأرض فإنها مفردة، ولم تجمع ، بخلاف السموات، لثقل جمعها وهو أرضون، ولهذا لما أريد ذكر جمع الأرض قال: ﴿ومن الأرض مثلهن﴾ [الطلاق: ١٢]، وأما السماء فذكرت تارة بصيغة الجمع، وتارة بصيغة الإفراد لنكت تليق بذلك المحل، لما [أوضحته في أسرار التنزيل]، والحاصل أنه حيث أريد العدد أتى
стр. 3528
بصيغة الجمع الدالة على سعة العظمة والكثرة، نحو قوله تعالى: ﴿سبح لله ما في السماوات﴾ [الصف: ١]، أي: جميع سكانها على كثرتهم، ﴿يسبح لله ما في السماوات﴾ [الجمعة: ١]، أي: كل واحدة على اختلاف عددها، نحو: ﴿قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله﴾ [النمل: ٦٥]، إذ المراد نفي الغيب عن كل من هو في واحدة من السموات]، وحيث أريد الجهة أتى بصيغة الإفراد، نحو قوله تعالى: ﴿وفي السماء رزقكم﴾ [الذاريات: ٢٢]، ﴿ءأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض﴾ [الملك: ١٦]، أي: من فوقكم.
ومن ذلك الريح، ذكرت مجموعة ومفردة، فحيث ذكرت في سياق الرحمة جمعت، أو في سياق العذاب أفردت.
أخرج ابن أبي حاتم وغيره، عن أبي بن كعب، قال: كل شيء في القرآن من الرياح فهو رحمة، وكل شيء فيه من الريح فهو عذاب، ولهذا ورد في الحديث: [اللهم] اجعلها رياحاً ولا تجعلها ريحاً، وذكر في حكمة ذلك أن رياح الرحمة مختلفة الصفات والمهبات والمنافع، وإذا هاجت منها ريح أثير لها من مقابلها ما يكسر سورتها، فينشأ من بينهما ريح لطيفة تنفع الحيوان والنبات، فكانت في الرحمة رياحا، وأما من العذاب فإنها تأتي من وجه واحد ولا معارض لها، ولا دافع، وقد خرج عن هذه القاعدة قوله تعالى في سورة (يونس): ﴿وجرين بهم بريح طيبة﴾ [يونس: ٢٢]، وذلك لوجهين: لفظي، وهو المقابلة في قوله تعالى: ﴿جاءتها ريح عاصف﴾ [يونس: ٢٢]، ورب شيء يجوز في المقابلة ولا يجوز استقلالاً، نحو قوله تعالى: ﴿ومكروا ومكر الله﴾ [آل عمران: ٥٤]، ومعنوي، وهو أن تمام الرحمة هناك إنما
стр. 3529
تحصل بوحدة الريح لا باختلافها، فإن السفينة لا تسير إلا بريح واحدة من وجه واحد، فإذا اختلف عليها الريح كان سبب الهلاك، والمطلوب هنا ريح واحدة، ولهذا أكد هذا المعنى بوصفها بالطيب، وعلى ذلك أيضاً جرى قوله تعالى: ﴿إن يشأ يسكن الريح فيظللن رواكد﴾ [الشورى: ٣٣].
وقال ابن المنير: إنه على القاعدة، لأن سكون الريح عذاب وشدة على أصحاب السفن.
ومن ذلك إفراد النور وجمع الظلمات، وإفراد سبيل الحق وجمع سبل الباطل، في قوله تعالى: ﴿ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله﴾ [الأنعام: ٥٣]، لأن طريق الحق واحدة، وطريق الباطل متشعبة متعددة، والظلمات بمنزلة طرق الباطل، والنور بمنزلة طريق الحق، بل هما واحد، ولهذا وحد «ولي المؤمنين»، وجمع «أولياء الكفار»، لتعددهم في قوله تعالى: ﴿الله ولي الذين ءامنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات﴾ [البقرة: ٢٥٧].
ومن ذلك إفراد النار، حيث وقعت، والجنة وقعت مجموعة ومفردة، لأن الجنان مختلفة الأنواع، فحسن جمعها، والنار مادة واحدة، ولأن الجنة رحمة والنار عذاب، فناسب جمع الأولى، وإفراد الثانية، على حد الرياح والريح.
ومن ذلك إفراد السمع، وجمع البصر، لأن السمع غلب عليه المصدرية، فأفرد، بخلاف البصر، فإنه اشتهر في الجارحة، ولأن متعلق السمع: الأصوات، وهي حقيقة واحدة، ومتعلق البصر الألوان، والأكوان، وهي حقائق مختلفة، فأشار في كل منهما إلى متعلقه.
ومن ذلك إفراد الصديق، وجمع الشافعين، في قوله تعالى: ﴿فما لنا من شفعين ولا صديق حميم﴾ [الشعراء: ١٠٠، ١٠١]، وحكمته كثرة الشفعاء
стр. 3530
في العادة، وقلة الصديق، قال الزمخشري: ألا ترى أن الرجل إذا امتحن بإرهاق ظالم، نهضت جماعة وافرة من أهل بلده لشفاعته رحمة، وإن لم يسبق لهم بأكثرهم معرفة، وأما الصديق فأعز من بيض الأنوق.
ومن ذلك: ﴿الألباب﴾ لم يقع إلا مجموعاً، لأن مفرده ثقيل لفظاً.
ومن ذلك مجيء المشرق والمغرب بالإفراد والتثنية والجمع، فحيث أفرادا فاعتبارا للجهة، وحيث ثنيا فاعتبارا لمشرق الصيف والشتاء ومغربهما، وحيث جمعا فاعتبارا لتعدد المطالع في كل فصل من فصول السنة.
وأما وجه اختصاص كل موضوع بما وقع فيه، ففي سورة (الرحمن) وقع بالتثنية، لأن سياق السورة سياق المزودجين، فإنه ﷺ ذكر أولاً نوعي الإيجاد، وهما الخلق والتعليم، ثم ذكر سراجي العالم الشمس والقمر، ثم نوعي النبات ما كان على ساق وما لا ساق له، وهما النجم والشجر، ثم نوعي السماء والأرض، ثم نوعي العدل والظلم، ثم نوعي الخارج من الأرض، وهما الحبوب والرياحين، ثم نوعي المكلفين، وهم الإنس والجان، ثم نوعي المشرق والمغرب، ثم نوعي البحر الملح والعذب، فلهذا حسن تثنية المشرق والمغرب في هذه السورة، وجمعاً في قوله تعالى: ﴿فلا أقسم برب المشرق والمغرب إنا لقادرون﴾ [المعارج: ٤٠]، وفي سورة (الصافات)، للدلالة على سعة القدرة والعظمة.
فائدة:
ألف أبو الحسن الأخفش كتاباً في الإفراد والجمع [في القرآن] ، ذكر فيه جمع ما وقع في القرآن مفرداً، ومفرد ما وقع [فيه] جمعاً، وأكثره من
стр. 3531
الواضحات، وهذه أمثلة [من خفي ذلك].
[المن]: [جمع] لا واحد له. السلوى: لم يسمع له بواحد. [النصارى]: قيل: جمع نصراني، وقيل: [جمع] نصير، كنديم [وقبيل]. العوان: جمعه عون. الهدي: لا واحد له. الإعصار: جمعه أعاصير. الأنصار: واحده نصير، كشريف وأشراف. الأزلام: واحدها زلم، ويقال: زلم، بالضم.
مدراراً: جمعه: مدارير. أساطير: واحده أسطورة. وقيل: أسطار، جمع سطر، الصور: [قيل]: جمع صورة، وقيل: واحد الأصوار. فرادى: جمع أفراد، جمع فرد.
قنوان: جمع قنون. وصنوان: جمع صنو. ولي في اللغة جمع ومثنى بصيغة واحدة إلا هذان، ولفظ ثالث لم يقع شيء في القرآن، قاله ابن خالويه في كتاب «ليس».
стр. 3532
الحوايا: جمع حاوية، وقيل: حاوياء. نشراً: جمع نشور. عضين، وعزين: جمع عضة وعزة. المثاني: جمع مثنى. تارة: جمعها: تارات وتير.
أيقاظاً: جمع يقظ، الأرائك: جمع أريكة، سري: جمعه سريان، كخصي وخصيان. آناء الليل: /جمع إني، بالقصر كمعي، وقيل: إني كقرد، وقيل: إنوة كفرقة.
الصياصي: جمع صيصية. منسأة: جمعها مناس. الحرور: جمع حرور بالضم. غرابيب: جمع غربيب.
أتراب: جمع ترب، [الألاء]: جمع [إلى] كمعى، وقيل: [ألى]
стр. 3533
[كقفى]، وقيل: إلي، [كقرد، وقيل: ألو]
التراقي: جمع ترقوة، بفتح أوله. الأمشاج: جمع مشج، ألفافاً، جمع لف، بالكسر. العشار: جمع عشر.
الخنس: جمع خانسة، وكذا الكنس. الزبانية: جمع زبنية، وقيل زابن. وقيل: زباني، أشتاتاً: جمع شت وشتيت، أبابيل: لا واحد له، وقيل: واحده: إبول، مثل: عجول، وقيل إبيل، مثل إكليل.
فائدة:
ليس في القرآن من الألفاظ المعدولة إلا ألفاظ العدد ، «مثنى وثلاث ورباع»، ومن غيرها: «طوى»، فيما ذكره الأخفش في الكتاب المذكور، ومن الصفات «أخر» في قوله تعالى: ﴿وأخر متشبهات﴾ [آل عمران: ٧]، قال الراغب وغيره: هي معدولة عن تقدير ما فيه الألف واللام، وليس له نظير في كلامهم، فإن «أفعل» إما أن يذكر معه «من» لفظاً أو تقديراً، فلا يثنى ولا يجمع ولا يؤنث، وتحذف منه «من» فتدخل عليه الألف واللام،
стр. 3534
ويثنى ويجمع، وهذه [اللفظة] من بين أخواتها جوز فيها ذلك من غير الألف واللام.
وقال الكرماني في الآية المذكورة: لا يمتنع كونها معدولة عن الألف واللام مع كونها وصفاص لنكرة، لأن ذلك مقدر من وجه غير مقدر من وجه.
قاعدة:
مقابلة الجمع بالجمع:
تارة تقتضي مقابلة كل فرد عن هذا بكل فرد من هذا، كقوله تعالى: ﴿واستغشوا ثيابهم﴾ [نوح: ٧]، أي: استغشى كل منهم ثوبه، ﴿حرمت عليكم أمهاتكم﴾ [النساء: ٢٣]. أي: على كل من المخاطبين أمه، ﴿يوصيكم الله في أولدكم﴾ [النساء: ١١] أي: كل في أولاده، ﴿والوالدات يرضعن أولادهن﴾ [البقرة: ٢٣٣]، أي: كل واحدة ترضع ولدها.
وتارة يقتضي ثبوت الجمع لكل فرد من أفراد المحكوم عليه، نحو قوله تعالى: ﴿فاجلدوهم ثمنين جلدة﴾ [النور: ٤]، وجعل منه الشيخ عز الدين في قوله تعالى: ﴿وبشر الذين ءامنوا وعملوا الصالحات أن لهم جنت﴾ [البقرة: ٢٥].
وتارة يحتمل الأمرين، فيحتاج إلى دليل يعين أحدهما.
وأما مقابلة الجمع بالمفرد:
فالغالب ألا يقتضي تعميم المفرد، وقد يقتضيه كما في قوله تعالى: ﴿وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين﴾ [البقرة: ١٨٤]، والمعنى: على كل واحد لكل يوم طعام مسكين، ﴿والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمنين جلدة﴾ [النور: ٤]، لأن على كل واحد منهم ذلك.
[قاعدة:
إنهم يعبرون بالفعل عن أمور:
стр. 3535
أحدها: وقوعه، وهو الأصل.
الثاني: مشارفته: نحو ﴿وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فأمسكوهن﴾ [البقرة: ٢٣١]، أي: فشارفن انقضاء العدة، ﴿والذين يتوفون منكم ويذرون أزوجاً وصية لأزوجهم﴾ [البقرة: ٢٤٠] أي: والذين يشارفون الموت وترك الأزواج يوصون وصية، ﴿وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية﴾ [النساء: ٩] أي: لو شارفوا أن يتركوا، وقد مضت في فصل لو، ونظائر لها، ومما لم يتقدم ذكره قوله:
إلى ملك كاد الجبال لفقده تزول وزوال الراسيات من الصخر
الثالث: إرادته، وأكثر ما يكون ذلك بعد أداة الشرط، نحو ﴿فإذا قرأت القرءان فاستعذ﴾ [النحل: ٩٨]، ﴿إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا﴾ [المائدة: ٦]، ﴿إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن﴾ [آل عمران: ٤٧]، ﴿وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط﴾ [المائدة: ٤٢]، ﴿وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به﴾ [النحل: ١٢٦]، ﴿إذا تنجيتم فلا تنتجوا بالإثم والعدوان﴾ [المجادلة: ٩]، ﴿إذا نجيتم الرسول فقدموا﴾ الآية ﴿المجادلة: ١٢﴾، ﴿إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن﴾ [الطلاق: ١]، وفي «الصحيح»: إذا أتى أحدكم الجمعة فليغتسل.
ومنه في غيره: ﴿فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين فما وجدنا فيها غير بيت من [المسلمين﴾ [الذاريات: ٣٥، ٣٦]، أي: فأردنا] الإخراج، ﴿ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة [اسجدوا لآدم﴾ [الأعراف: ١١]، لأن ثم للترتيب، ولا يمكن هذا مع الحمل على الظاهر، فإذا حمل: خلقنا وصورنا على إرادة الخلق والتصوير لم يشكل، وقيل: هما على حذف مضافين، أي:
стр. 3536
خلقنا أباكم، ثم صورنا أباكم، ومثله ﴿وكم من قرية أهلكنها فجاءها بأسنا﴾ [الأعراف: ٤]، أي: أردنا إهلاكها، ﴿ثم دنا فتدلى﴾ [النجم: ٨]، أي: أراد الدنو من ﷺ ، فتدلى: فتعلق في الهواء، وهذا أولى من قول من ادعى القلب في هاتين الآيتين، وأن التقدير: وكم من قرية جاءها بأسنا فأهلكناها، ثم تدلى فدنا، وقال:
فارقنا من قبل أن نفارقه ... لما قضى من جماعنا وطرا
أي: أراد فراقنا.
وفي كلامهم عكس هذا، وهو التعبير بإرادة الفعل عن إيجاده، نحو: ﴿ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله﴾ [النساء: ١٥٠]، بدليل أنه قوبل بقوله ﷺ ﴿ولم يفرقوا بين أحد منهم﴾ [النساء: ١٥٢].
والرابع: القدرة عليه: نحو ﴿وعدا علينا إنا كنا فعلين﴾ [الأنبياء: ١٠٤]، أي: قادرين على الإعادة، وأصل ذلك أن الفعل يتسبب عن الإرادة والقدرة، وهم يقيمون السبب مقام المسبب، وبالعكس، فالأول نحو: ﴿ونبلوا أخباركم﴾ [محمد: ٣١]، لأن الابتلاء: الاختبار، / وبالاختبار يحصل العلم، وقوله تعالى: ﴿هل يستطيع ربك﴾ الآية [المائدة: ١١٢]، في قراءة غير الكسائي ﴿يستطيع﴾ بالغيبة، و ﴿ربك﴾ بالرفع. معناه: هل يفعل ربك؟ فعبر عن الفعل الاستطاعة، لأنها شرطه، أي: هل ينزل ربك مائدة إن دعوته؟ ومثله: ﴿فظن أن لن نقدر عليه﴾ [الأنبياء: ٨٧]، أي: لن نؤاخذه، فعبر عن المؤاخذة بشرطها، وهو القدرة عليها، وأما قراءة الكسائي، فتقديرها: هل تستطيع سؤال ربك؟ فحذف المضاف، أو هل تطلب طاعة ربك في إنزال المائدة؟ أي: استجابته.
ومن الثاني: ﴿فاتقوا النار﴾ [البقرة: ٢٤]، أي: فاتقوا العناد الموجب للنار.
стр. 3537
قاعدة في الألفاظ التي يظن بها الترادف وليست منه:
من ذلك: الخوف والخشية، لا يكاد اللغوي يفرق بينهما، ولا شك أن الخشية أعلى منه، وهي أشد الخوف، فإنها مأخوذة من قولهم: شجرة خشية، أي: يابسة، وهو فوات بالكلية، والخوف من: ناقة خوفاء، أي: بها داء، وهو نقص، وليس بفوات، ولذلك خصت الخشية بالله في قوله تعالى: ﴿ويخشون ربهم ويخافون سوء الحساب﴾ [الرعد: ٢١]، وفرق بينهما أيضاً بأن الخشية تكون من عظم المختشى، وإن كان الخاشي قوياً، والخوف يكون عن ضعف الخائف، وإن كان المخوف أمرا يسيراً، ويدل لذلك أن الخاء والشين والياء في تقاليبها تدل على العظمة، نحو [شيخ] للسيد الكبير، وخيش لما غلظ من اللباس، ولذا وردت الخشية غالباً في حق الله تعالى في نحو قوله تعالى: ﴿من خشية الله﴾ [البقرة: ٧٤]، ﴿إنما يخشى الله من عباده العلماء﴾ [فاطر: ٢٨].
وأما ﴿يخافون ربهم من فوقهم﴾ [النحل: ٥٠] فيه نكتة لطيفة، فإنه [في] وصف الملائكة، ولما ذكر [قوتهم] وشدة خلقهم، عبر عنهم بالخوف، لبيان أنهم كانوا غلاظاً شدادا، فهم بين يديه تعالى ضعفاء، ثم أردفه بالفوقية الدالة على العظمة، فجمع بين الأمرين، ولما كان ضعف البشر معلوماً لم يحتج إلى التنبيه عليه.
ومن ذلك: الشح والبخل، والشح: أشد البخل، قال الراغب: الشح بخل مع حرص، وفرق العسكري بين البخل والضن: بأن الضن أصله أن يكون
стр. 3538
بالعواري والبخل بالهبات، ولهذا يقال: هو ضنين بعلمه، ولا يقال: بخيل، لأن العلم بالعارية أشبه منه بالهبة، لأن الواهب إذا وهب شيئاً خرج عن ملكه، بخلاف العارية، ولهذا قال تعالى: ﴿وما هو على الغيب بضنين﴾ [التكوير: ٢٤]، ولم يقل: ببخيل.
ومن ذلك: السبيل والطريق، والأول أغلب وقوعاً في الخير، ولا يكاد اسم الطريق يراد به الخير إلا مقرونا بوصف أو إضافة تخلصه لذلك، كقوله تعالى: ﴿يهدى إلى الحق وإلى طريق مستقيم﴾ [الأحقاف: ٣٠]، [وقال الراغب: السبيل الطريق التي فيها سهولة، فهو أخص].
ومن ذلك: جاء وأتى، فالأول يقال في الجواهر والأعيان، والثاني في المعاني والأزمان، ولهذا ورد ﴿جاء﴾ في قوله تعالى: ﴿ولمن جاء به حمل بعير﴾ [يوسف: ٧٢]، ﴿وجاءوا على قميصه بدم كذب﴾ [يوسف: ١٨]، ﴿وجأئ يومئذ بجنهم﴾ [الفجر: ٢٣]، و ﴿أتى﴾ في: ﴿أتى أمر الله﴾ [النحل: ١]، و ﴿أتها أمرنا﴾ [يونس: ٢٤].
وأما ﴿وجاء ربك﴾ [الفجر: ٢٢] أي: أمره فإن المراد به أهوال القيامة المشاهدة، وكذا ﴿فإذا جاء أجلهم﴾ [الأعراف: ٣٤]، لأن الأجل كالمشاهدة، ولهذا عبر عنه بالحضور في قوله تعالى: ﴿حضر أحدهم الموت﴾ [النساء: ١٨]، ولهذا فرق بينهما في قوله تعالى: ﴿جئنك بما كانوا فيه يمترون وأتينك بالحق﴾ [الحجر: ٦٣، ٦٤]، لأن [الأول] العذاب، وهو مشاهد مرئي، بخلاف الحق.
وقال الراغب: الإتيان مجيء بسهولة، فهو أخص من مطلق المجيء، قال: ومنه قيل للسائل المار على وجهه: أتى وأتاوى.
стр. 3539
ومن ذلك مد وأمد، قال الراغب: أكثر ما جاء الإمداد في المحبوب، قوله تعالى: ﴿وأمددنهم بفكهة﴾ [الطور: ٢٢]، والمد في المكروه، نحو قوله تعالى: ﴿ونمد له من العذاب مدا﴾ [مريم: ٧٩].
ومن ذلك: سقى وأسقى، فالأول لما لا كلفة فيه، ولهذا ذكر في شراب الجنة، نحو قوله تعالى: ﴿وسقهم ربهم شرابا طهورا﴾ [الإنسان: ٢١]، والثاني لما فيه كلفة، ولهذا فكر في ماء الدنيا، نحو قوله تعالى: ﴿لأسقينهم ماء غدقا﴾ [الجن: ١٦]، وقال الراغب: الإسقاء أبلغ من السقي، لأن الإسقاء أن يجعل له ماء يسقى منه ويشرب، والسقي أن يعطيه ما يشرب.
ومن ذلك: عمل وفعل، فالأول لما كان من امتداد زمان، نحو قوله تعالى: ﴿يعملون له ما يشاء﴾ [سبأ: ١٣]، ﴿مما عملت أيدينا﴾ ﴿يس: ٧١﴾، لأن خلق الأنعام والثمار والزروع بامتداد، والثاني بخلافه، نحو قوله تعالى: ﴿كيف فعل ربك بأصحاب الفيل﴾ [الفيل: ١]، ﴿كيف فعل ربك بعاد﴾ [الفجر: ٦]، ﴿كيف فعلنا بهم﴾ [إبراهيم: ٤٥]، لأنها إهلاكات وقعت من غير بطء، ﴿ويفعلون ما يؤمرون﴾ [النحل: ٥٠]، أي: في طرفة عين، ولهذا عبر بالأول في قوله تعالى: ﴿وعملوا الصالحات﴾ [البقرة: ٢٥]، حيث كان المقصود المثابرة عليها لا الإتيان بها مرة أو بسرعة، وبالثاني في قوله تعالى: ﴿وافعلوا الخير﴾ [الحج: ٧٧]، حيث كان بمعنى سارعوا، كما قال تعالى: ﴿فاستبقوا الخيرات﴾ [البقرة: ١٤٨]، وقوله تعالى: ﴿والذين هم للزكاة فعلون﴾ [المؤمنون: ٤]، حيث كان القصد يأتون بها على سرعة من غير توان.
ومن ذلك: القعود والجلوس، فالأول لما فيه لبث بخلاف الثاني، ولهذا يقال: قواعد البيت، ولا يقال: جوالسه، للزومها ولبثها، ويقال: جليس الملك، ولا يقال قعيده، لأن مجالس الملوك يستحب فيها التخفيف، ولهذا استعمل الأول في قوله تعالى: ﴿مقعد صدق﴾ [القمر: ٥٥]، للإشارة إلى أنه لا زوال له، بخلاف: ﴿تفسحوا في المجلس﴾ [المجادلة: ١١]، لأنه يجلس فيه زماناً يسيراً.
стр. 3540
ومن ذلك التمام والكمال، وقد اجتمعا في قوله تعالى: ﴿أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي﴾ [المائدة: ٣]، فقيل: الإتمام لإزالة نقصان الأصل، و [الإكمال] لإزالة [نقصان العوارض] بعد تمام الأصل، ولهذا كان قوله تعالى: ﴿تلك عشرة كاملة﴾ [البقرة: ١٩٦]، احسن من «تامة»، فإن التمام من العدد قد علم، وإنما نفي احتمال نقص في صفاتها، وقيل: تم يشعر بحصول نقص قبله، وكمل لا يشعر بذلك، وقال العسكري: الكمال اسم لاجتماع أبعاض الموصوف به، والتمام اسم للجزء الذي يتم به الموصوف، ولهذا يقال: القافية/ تمام البيت، ولا يقال كماله، ويقولون: البيت بكماله، أي: باجتماعه.
ومن ذلك: الإعطاء والإيتاء، قال [الخويي]: لا يكاد اللغويون يفرقون بينهما، وظهر لي بينهما فرق ينبئ عن بلاغة كتاب الله ، وهو أن الإيتاء أقوى من الإعطاء في إثبات مفعوله، لأن الإعطاء له مطاوع، تقول: أعطاني فعطوت، ولا يقال في الإيتاء: أتاني فأتيت، وإنما يقال: آتاني فأخذت، والفعل الذي له مطاوع أضعف في إثبات مفعوله من [الفعل] الذي لا مطاوع له، لأنك تقول: قطعته فانطقع، فيدل على أن فعل الفاعل كان موقوفاً على قبول في المحل، لولاءه ما ثبت المفعول، ولهذا يصح: قطعته [فما انقطع]، ولا يصح فيما لا مطاوع له ذلك، فلا يجوز ضربته فانضرب، أو فما انضرب، ولا قتلته فانقل، ولا فيما انتقل، لأن هذه أفعال إذا صدرت من الفاعل ثبت لها المفعول في المحل والفاعل مستقل بالأفعال التي لا مطاوع لها، فالإيتاء أقوى من الإعطاء، قال: وقد تفكرت في مواضع من القرآن فوجدت ذلك مراعى، قال تعالى: ﴿تؤتى الملك من تشاء﴾ [آل عمران: ٢٦]،
следующие страницы →