← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 150960

الزيادة والإحسان في علوم القرآن

محمد عقيلة

Полный текст (4 238 стр.). Показаны 3536–3575 · переход к 3541.

стр. 3536

خلقنا أباكم، ثم صورنا أباكم، ومثله ﴿وكم من قرية أهلكنها فجاءها بأسنا﴾ [الأعراف: ٤]، أي: أردنا إهلاكها، ﴿ثم دنا فتدلى﴾ [النجم: ٨]، أي: أراد الدنو من ﷺ ، فتدلى: فتعلق في الهواء، وهذا أولى من قول من ادعى القلب في هاتين الآيتين، وأن التقدير: وكم من قرية جاءها بأسنا فأهلكناها، ثم تدلى فدنا، وقال: فارقنا من قبل أن نفارقه ... لما قضى من جماعنا وطرا أي: أراد فراقنا. وفي كلامهم عكس هذا، وهو التعبير بإرادة الفعل عن إيجاده، نحو: ﴿ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله﴾ [النساء: ١٥٠]، بدليل أنه قوبل بقوله ﷺ ﴿ولم يفرقوا بين أحد منهم﴾ [النساء: ١٥٢]. والرابع: القدرة عليه: نحو ﴿وعدا علينا إنا كنا فعلين﴾ [الأنبياء: ١٠٤]، أي: قادرين على الإعادة، وأصل ذلك أن الفعل يتسبب عن الإرادة والقدرة، وهم يقيمون السبب مقام المسبب، وبالعكس، فالأول نحو: ﴿ونبلوا أخباركم﴾ [محمد: ٣١]، لأن الابتلاء: الاختبار، / وبالاختبار يحصل العلم، وقوله تعالى: ﴿هل يستطيع ربك﴾ الآية [المائدة: ١١٢]، في قراءة غير الكسائي ﴿يستطيع﴾ بالغيبة، و ﴿ربك﴾ بالرفع. معناه: هل يفعل ربك؟ فعبر عن الفعل الاستطاعة، لأنها شرطه، أي: هل ينزل ربك مائدة إن دعوته؟ ومثله: ﴿فظن أن لن نقدر عليه﴾ [الأنبياء: ٨٧]، أي: لن نؤاخذه، فعبر عن المؤاخذة بشرطها، وهو القدرة عليها، وأما قراءة الكسائي، فتقديرها: هل تستطيع سؤال ربك؟ فحذف المضاف، أو هل تطلب طاعة ربك في إنزال المائدة؟ أي: استجابته. ومن الثاني: ﴿فاتقوا النار﴾ [البقرة: ٢٤]، أي: فاتقوا العناد الموجب للنار.

стр. 3537

قاعدة في الألفاظ التي يظن بها الترادف وليست منه: من ذلك: الخوف والخشية، لا يكاد اللغوي يفرق بينهما، ولا شك أن الخشية أعلى منه، وهي أشد الخوف، فإنها مأخوذة من قولهم: شجرة خشية، أي: يابسة، وهو فوات بالكلية، والخوف من: ناقة خوفاء، أي: بها داء، وهو نقص، وليس بفوات، ولذلك خصت الخشية بالله في قوله تعالى: ﴿ويخشون ربهم ويخافون سوء الحساب﴾ [الرعد: ٢١]، وفرق بينهما أيضاً بأن الخشية تكون من عظم المختشى، وإن كان الخاشي قوياً، والخوف يكون عن ضعف الخائف، وإن كان المخوف أمرا يسيراً، ويدل لذلك أن الخاء والشين والياء في تقاليبها تدل على العظمة، نحو [شيخ] للسيد الكبير، وخيش لما غلظ من اللباس، ولذا وردت الخشية غالباً في حق الله تعالى في نحو قوله تعالى: ﴿من خشية الله﴾ [البقرة: ٧٤]، ﴿إنما يخشى الله من عباده العلماء﴾ [فاطر: ٢٨]. وأما ﴿يخافون ربهم من فوقهم﴾ [النحل: ٥٠] فيه نكتة لطيفة، فإنه [في] وصف الملائكة، ولما ذكر [قوتهم] وشدة خلقهم، عبر عنهم بالخوف، لبيان أنهم كانوا غلاظاً شدادا، فهم بين يديه تعالى ضعفاء، ثم أردفه بالفوقية الدالة على العظمة، فجمع بين الأمرين، ولما كان ضعف البشر معلوماً لم يحتج إلى التنبيه عليه. ومن ذلك: الشح والبخل، والشح: أشد البخل، قال الراغب: الشح بخل مع حرص، وفرق العسكري بين البخل والضن: بأن الضن أصله أن يكون

стр. 3538

بالعواري والبخل بالهبات، ولهذا يقال: هو ضنين بعلمه، ولا يقال: بخيل، لأن العلم بالعارية أشبه منه بالهبة، لأن الواهب إذا وهب شيئاً خرج عن ملكه، بخلاف العارية، ولهذا قال تعالى: ﴿وما هو على الغيب بضنين﴾ [التكوير: ٢٤]، ولم يقل: ببخيل. ومن ذلك: السبيل والطريق، والأول أغلب وقوعاً في الخير، ولا يكاد اسم الطريق يراد به الخير إلا مقرونا بوصف أو إضافة تخلصه لذلك، كقوله تعالى: ﴿يهدى إلى الحق وإلى طريق مستقيم﴾ [الأحقاف: ٣٠]، [وقال الراغب: السبيل الطريق التي فيها سهولة، فهو أخص]. ومن ذلك: جاء وأتى، فالأول يقال في الجواهر والأعيان، والثاني في المعاني والأزمان، ولهذا ورد ﴿جاء﴾ في قوله تعالى: ﴿ولمن جاء به حمل بعير﴾ [يوسف: ٧٢]، ﴿وجاءوا على قميصه بدم كذب﴾ [يوسف: ١٨]، ﴿وجأئ يومئذ بجنهم﴾ [الفجر: ٢٣]، و ﴿أتى﴾ في: ﴿أتى أمر الله﴾ [النحل: ١]، و ﴿أتها أمرنا﴾ [يونس: ٢٤]. وأما ﴿وجاء ربك﴾ [الفجر: ٢٢] أي: أمره فإن المراد به أهوال القيامة المشاهدة، وكذا ﴿فإذا جاء أجلهم﴾ [الأعراف: ٣٤]، لأن الأجل كالمشاهدة، ولهذا عبر عنه بالحضور في قوله تعالى: ﴿حضر أحدهم الموت﴾ [النساء: ١٨]، ولهذا فرق بينهما في قوله تعالى: ﴿جئنك بما كانوا فيه يمترون وأتينك بالحق﴾ [الحجر: ٦٣، ٦٤]، لأن [الأول] العذاب، وهو مشاهد مرئي، بخلاف الحق. وقال الراغب: الإتيان مجيء بسهولة، فهو أخص من مطلق المجيء، قال: ومنه قيل للسائل المار على وجهه: أتى وأتاوى.

стр. 3539

ومن ذلك مد وأمد، قال الراغب: أكثر ما جاء الإمداد في المحبوب، قوله تعالى: ﴿وأمددنهم بفكهة﴾ [الطور: ٢٢]، والمد في المكروه، نحو قوله تعالى: ﴿ونمد له من العذاب مدا﴾ [مريم: ٧٩]. ومن ذلك: سقى وأسقى، فالأول لما لا كلفة فيه، ولهذا ذكر في شراب الجنة، نحو قوله تعالى: ﴿وسقهم ربهم شرابا طهورا﴾ [الإنسان: ٢١]، والثاني لما فيه كلفة، ولهذا فكر في ماء الدنيا، نحو قوله تعالى: ﴿لأسقينهم ماء غدقا﴾ [الجن: ١٦]، وقال الراغب: الإسقاء أبلغ من السقي، لأن الإسقاء أن يجعل له ماء يسقى منه ويشرب، والسقي أن يعطيه ما يشرب. ومن ذلك: عمل وفعل، فالأول لما كان من امتداد زمان، نحو قوله تعالى: ﴿يعملون له ما يشاء﴾ [سبأ: ١٣]، ﴿مما عملت أيدينا﴾ ﴿يس: ٧١﴾، لأن خلق الأنعام والثمار والزروع بامتداد، والثاني بخلافه، نحو قوله تعالى: ﴿كيف فعل ربك بأصحاب الفيل﴾ [الفيل: ١]، ﴿كيف فعل ربك بعاد﴾ [الفجر: ٦]، ﴿كيف فعلنا بهم﴾ [إبراهيم: ٤٥]، لأنها إهلاكات وقعت من غير بطء، ﴿ويفعلون ما يؤمرون﴾ [النحل: ٥٠]، أي: في طرفة عين، ولهذا عبر بالأول في قوله تعالى: ﴿وعملوا الصالحات﴾ [البقرة: ٢٥]، حيث كان المقصود المثابرة عليها لا الإتيان بها مرة أو بسرعة، وبالثاني في قوله تعالى: ﴿وافعلوا الخير﴾ [الحج: ٧٧]، حيث كان بمعنى سارعوا، كما قال تعالى: ﴿فاستبقوا الخيرات﴾ [البقرة: ١٤٨]، وقوله تعالى: ﴿والذين هم للزكاة فعلون﴾ [المؤمنون: ٤]، حيث كان القصد يأتون بها على سرعة من غير توان. ومن ذلك: القعود والجلوس، فالأول لما فيه لبث بخلاف الثاني، ولهذا يقال: قواعد البيت، ولا يقال: جوالسه، للزومها ولبثها، ويقال: جليس الملك، ولا يقال قعيده، لأن مجالس الملوك يستحب فيها التخفيف، ولهذا استعمل الأول في قوله تعالى: ﴿مقعد صدق﴾ [القمر: ٥٥]، للإشارة إلى أنه لا زوال له، بخلاف: ﴿تفسحوا في المجلس﴾ [المجادلة: ١١]، لأنه يجلس فيه زماناً يسيراً.

стр. 3540

ومن ذلك التمام والكمال، وقد اجتمعا في قوله تعالى: ﴿أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي﴾ [المائدة: ٣]، فقيل: الإتمام لإزالة نقصان الأصل، و [الإكمال] لإزالة [نقصان العوارض] بعد تمام الأصل، ولهذا كان قوله تعالى: ﴿تلك عشرة كاملة﴾ [البقرة: ١٩٦]، احسن من «تامة»، فإن التمام من العدد قد علم، وإنما نفي احتمال نقص في صفاتها، وقيل: تم يشعر بحصول نقص قبله، وكمل لا يشعر بذلك، وقال العسكري: الكمال اسم لاجتماع أبعاض الموصوف به، والتمام اسم للجزء الذي يتم به الموصوف، ولهذا يقال: القافية/ تمام البيت، ولا يقال كماله، ويقولون: البيت بكماله، أي: باجتماعه. ومن ذلك: الإعطاء والإيتاء، قال [الخويي]: لا يكاد اللغويون يفرقون بينهما، وظهر لي بينهما فرق ينبئ عن بلاغة كتاب الله ، وهو أن الإيتاء أقوى من الإعطاء في إثبات مفعوله، لأن الإعطاء له مطاوع، تقول: أعطاني فعطوت، ولا يقال في الإيتاء: أتاني فأتيت، وإنما يقال: آتاني فأخذت، والفعل الذي له مطاوع أضعف في إثبات مفعوله من [الفعل] الذي لا مطاوع له، لأنك تقول: قطعته فانطقع، فيدل على أن فعل الفاعل كان موقوفاً على قبول في المحل، لولاءه ما ثبت المفعول، ولهذا يصح: قطعته [فما انقطع]، ولا يصح فيما لا مطاوع له ذلك، فلا يجوز ضربته فانضرب، أو فما انضرب، ولا قتلته فانقل، ولا فيما انتقل، لأن هذه أفعال إذا صدرت من الفاعل ثبت لها المفعول في المحل والفاعل مستقل بالأفعال التي لا مطاوع لها، فالإيتاء أقوى من الإعطاء، قال: وقد تفكرت في مواضع من القرآن فوجدت ذلك مراعى، قال تعالى: ﴿تؤتى الملك من تشاء﴾ [آل عمران: ٢٦]،

стр. 3541

لأن الملك شيء عظيم لا يعطاه إلا من لا قوة، وكذا قوله تعالى: ﴿يؤتى الحكمة من يشاء﴾ [البقرة: ٢٦٩]، ﴿ءاتينك سبعاً من المثاني﴾ [الحجر: ٨٧]، لعظم القرآن وشأنه، وقال: ﴿إنا أعطينك الكوثر﴾ [الكوثر: ١]، لأنه مورود في الموقف مرتحل عنه، قريب إلى منازل العز في الجنة، فعبر فيه بالإعطاء، لأنه يترك عن قرب، وينتقل إلى ما هو أعظم منه، وكذا قوله: ﴿يعطيك ربك فترضى﴾ [الضحى: ٥]، لما فيه من تكرير الإعطاء والزيادة إلى أن يرضى كل الرضا، وهو مفسر أيضاً بالشفاعة، وه نظير الكوثر في الانتقال بعد قضاء الحاجة منه، وكذا قوله تعالى: ﴿أعطى كل شيء خلقه﴾ [طه: ٥٠]، لتكرر حدوث ذلك باعتبار الموجودات، ﴿حتى يعطوا الجزية﴾ [التوبة: ٢٩]، لأنها موقوفه على قبول منا، وإنما يعطونها عن كره. فائدة: قال الراغب: خص دفع الصدقة في القرآن بالإيتاء ، نحو قوله تعالى: ﴿وأقاموا الصلاة وءاتوا الزكاة﴾ [البقرة: ٢٧٧]، ﴿وأقام الصلاة وءاتى الزكاة﴾ [البقرة: ١٧٧]، قال: وكل موضع ذكر في وصف الكتاب «آتينا» فهو أبلغ من كل موضع ذكر فيه «أوتوا»، لأن «أوتوا» قد يقال إذا أوتي من لم يكن منه قبول، و «آتيناهم» يقال فيمن كان منه قبول. ومن ذلك: السنة والعام، قال الراغب: [الغالب] استعمال السنة في الحول الذي فيه الشدة والجدب، ولهذا يعبر عن الجدب بالسنة، والعام: ما فيه الرخاء والخصب، وبهذا تظهر النكتة في قوله تعالى: ﴿ألف سنة إلا خمسين عاماً﴾ [العنكبوت: ١٤]، حيث عبر عن المستثنى بالعام، وعن المستثنى منه بالسنة.

стр. 3542

قاعدة في السؤال والجواب: الأصل في الجواب أن يكون مطابقاً للسؤال، إذا كان السؤال متوجهاً، وقد يعدل في الجواب عما يقتضيه السؤال، تنبيهاً على أنه كان من حق السؤال أن يكون كذلك، ويسميه السكاكي: الأسلوب الحكيم. وقد يجئ الجواب أعم من السؤال للحاجة إليه في السؤال، وقد يجئ أنقض لاقتضاء الحال ذلك. مثال ما عدل عنه قوله تعالى: ﴿يسئلونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج﴾ [البقرة: ١٨٩]، سألوا عن الهلال: لم يبدو دقيقاً مثل الخيط، ثم يتزايد قليلاً قليلاً، حتى يمتلئ، ثم لا يزال ينقص حتى يعود كما بدأ؟ فأجيبوا: ببيان حكمة ذلك، تنبيهاً على أن الأهم السؤال عن ذلك لا ما سألوا عنه، كذا قال السكاكي ومتابعون، واسترسل التفتازاني في الكلام إلى أن قال: [إنهم] [ليسوا] ممن يطلع على دقائق الهيئة بسهولة. وأقول: ليت شهري، من أين لهم أن السؤال وقع عن غير ما حصل

стр. 3543

الجواب به! وما المانع من أن يكون إنما وقع عن حكمة ذلك ليعلموها، فإن نظم الآية محتمل لذلك، كما أنه محتمل لما قالوه، والجواب ببيان الحكمة دليل على ترجيح الاحتمال الذي قلناه، وقرينة ترشد إلى ذلك، إذ الأصل في الجواب المطابقة للسؤال، والخروج عن الأصل يحتاج إلى دليل، ولم يرد بإسناد لا صحيح ولا غيره أن السؤال وقع عن ما ذكروه، بل ورد ما يؤيد ما قلناه، فأخرج ابن جرير، عن أبي العالية، قال: بلغنا أنهم قالوا: يا رسول الله، لم خلقت الأهلة؟ فأنزل الله: ﴿يسئلونك عن الأهلة﴾ [البقرة: ١٨٩]، فهذا صريح في أنه سألوا عن حكمة ذلك، لا عن كيفيته من جهة الهيئة، ولا يظن ذو دين بالصحابة الذين هم أدق فهماً، وأغزر علما، أنهم ليسوا ممن يطلع على دقائق الهيئة بسهولة، وقد اطلع عليها آحاد العجم الذين أطبق الناس على أنهم أبلد أذهاناً، من العرب بكثير، هذا لو كان للهيئة أصل معتبر، فكيف وأكثرها فاسد لا دليل عليه! وقد صنفت كتابا في نقض أكثر مسائلها بالأدلة الثابتة عن رسول الله ﷺ الذي صعد إلى السماء، ورآها عيانا، وعلم ما حوته من عجائب الملكوت بالمشاهدة، وأتاه بالوحي من خالقها، ولو كان السؤال وقع عما ذكروه لم يمتنع أن يجابوا عنه بلفظ يصل إلى أفهامهم، كما وقع ذلك لما سألوا عن المجرة وغيرها من الملكوتيات. نعم المثال الصحيح لهذا القسم جواب موسى لفرعون، حيث قال: ﴿وما رب العلمين قال رب السماوات والأرض وما بينهما﴾ [الشعراء: ٢٣، ٢٤]، لأن (ما) سؤال عن الماهية أو الجنس، ولما كان هذا السؤال في حق الباري ﷺ خطأ، لأنه لا جنس له فيذكر ولا تدرك ذاته، عدل إلى الجواب بالصواب ببيان الوصف المرشد إلى معرفته، ولهذا تعجب فرعون من عدم مطابقته للسؤال، فقال لمن حوله: ﴿ألا تستمعون﴾ [الشعراء: ٢٥]، أي: جوابه الذي لم يطابق السؤال، فأجاب موسى بقوله: ﴿ربكم ورب ءابائكم الأولين﴾ [الشعراء: ٢٦]، المتضمن إبطال ما يعتقدونه من ربوبية فرعون نصاً، وإن كان دخل في

стр. 3544

الأول ضمناً إغلاظاً، فزاد فرعون في الاستهزاء، فلما رآهم موسى لم يتفطنوا، أغلظ في الثالث بقوله: ﴿إن كنتم تعقلون﴾ [الشعراء: ٢٨]. ومثال الزيادة في الجواب: قوله تعالى: ﴿الله ينجيكم منها ومن كل كرب﴾ [الأنعام: ٦٤]، في جواب: ﴿من ينجيكم من ظلمت البر والبحر﴾ [الأنعام: ٦٣]. وقول موسى: ﴿هي عصاي أتوكؤا عليها وأهش بها على غنمي﴾ [طه: ١٨]، في جواب: ﴿وما تلك بيمينك يا موسى﴾ [طه: ١٧]، زاد في الجواب استلذاذاً بخطاب الله تعالى. وقول قوم إبراهيم: ﴿نعبد أصناما فنظل لها عاكفين﴾ [الشعراء: ٧١] في جواب: ﴿ما تعبدون﴾ [الشعراء: ٧٠]، زادوا في الجواب إظهارا للابتهاج بعبادتها، والاستمرار على مواظبتها، ليزداد غيظ السائل. ومثال النقص منه: قوله تعالى: ﴿قل ما يكون لي أن أبدله﴾ [يونس: ١٥] في جواب: ﴿ائت بقرءان غير هذا أو بدله﴾ [يونس: ١٥]، أجاب عن التبديل دون الاختراع، قال الزمخشيري: لأن التبديل في إمكان البشر دون الاختراع، فطوى ذكره للتنبيه على أنه سؤال محال، وقال غيره: التبديل أسهل من الاختراع، وقد نفى إمكانه، فالاختراع أولى. تنبيه: قد يعدل عن الجواب أصلاً، إذا كان السائل قصده التعنت ، نحو قوله تعالى: ﴿ويسئلونك عن الروح قل الروح من أمر ربي﴾ [الإسراء: ٨٥]، وقال صاحب الإفصاح: إنما سأل اليهود تعجيزا وتغليظا، إذ كان الروح يقال بالاشتراك على روح الإنسان، والقرآن وعيسى وجبريل وملك آخر وصنف من الملائكة، فقصد اليهود أن يسألوه، فبأي مسمى أجابهم قالوا: ليس هو، فجاءهم الجواب مجملاً، وكان هذا الإجمال كيداً يرد به كيدهم.

стр. 3545

قاعدة: قيل: أصل الجواب أن يعاد فيه نفس السؤال، ليكون وفقه ، نحو قوله تعالى: ﴿أءنك لأنت يوسف قال أنا يوسف﴾ [يوسف: ٩٠]، فـ «أنا» في جوابه، «هو أنت»، في سؤالهم، وكذا ﴿ءأقررتم وأخذتم على ذلكم إصرى قالوا أقررنا﴾ [آل عمران: ٨١]، فهذا أصله، ثم إنهم أتوا عوض ذلك بحروف الجواب اختصاراً وتركا للتكرار. وقد يحذف السؤال ثقة بفهم السامع وتقديره، نحو قوله تعالى: ﴿قل هل من شركائكم من يبدؤا الخلق ثم يعيده قل الله يبدؤا الخلق ثم يعيده﴾ [يونس: ٣٤]، فإنه لا يستقيم أن يكون السؤال والجواب من واحد، فتعين أن يكون ﴿قل الله﴾ [يونس: ٣٤] جواب سؤال، كأنهم سألوا لما سمعوا ذلك، فمن يبدأ الخلق ثم يعيده؟ قاعدة: الأصل في الجواب أن يكون مشاكلاً للسؤال، فإن كان جملة اسمية فينبغي أن يكون الجواب كذلك ، ويجئ كذلك في الجواب المقدر، إلا أن ابن مالك قال في قولك: زيد، في جواب من قرأ؟ إنه من باب حذف الفعل، على جعل الجواب جملة فعلية. قال: وإنما قدرته كذلك لا مبتدأ مع احتماله، جرياً على عادتهم في الأجوبة إذا قصدوا تمامها، قال تعالى: ﴿من يحي العظم وهي رميم قل يحييها الذي أنشأها﴾ [يس: ٧٨، ٧٩]، ﴿ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن خلقهن العزيز العليم﴾ [الزخرف: ٩]، ﴿يسئلونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيب﴾ [المائدة: ٤]، فلما أتى بالفعلية مع فوات مشاكلة السؤال علم أن تقدير الفعل أولاً أولى. انتهى.

стр. 3546

وقال ابن الزملكاني في «البرهان»: أطلق النحويون القول بأن زيداً في جواب من قام؟ فاعل، على تقدير: قام زيد، والذي توجبه صناعة علم البيان، أنه مبتدأ لوجهين: أحدهما: أن يطابق الجملة المسؤول بها في الإسمية، كما وقع التطابق في قوله تعالى: ﴿وقيل للذين اتقوا ماذا أنزل ربكم قالوا خيرا﴾ [النحل: ٣٠] في الفعلية، وإنما لم يطابق في قوله تعالى: ﴿ماذا أنزل ربكم قالوا أساطير الأولين﴾ [النحل: ٢٤]، لأنهم لو طابقوا لكانوا مقرين بالإنزال، وهم من الإذعان به على مفاوز. الثاني: أن اللبس لم يقع عند السائل إلا فيمن فعل الفعل، فوجب أن يتقدم الفاعل في المعنى، لأنه متعلق غرض السائل، وأما الفعل فمعلوم عنده، ولا حاجة به إلى السؤال عنه، فحري أن يقع في الأواخر التي هل محل التكاملات والفضلات. وأشكل على هذا نحو قوله تعالى: ﴿بل فعله كبيرهم﴾ [الأنبياء: ٦٣] في جواب: ﴿ءأنت فعلت هذا﴾ [الأنبياء: ٦٢]، فإن السؤال وقع عن الفاعل لا عن الفعل، فإنهم لم يستفهموا عن الكسر، بل عن الكاسر، ومع ذلك صدر الجواب بالفعل، وأجيب بأن الجواب مقدر، دل عليه السياق، إذ «بل» لا تصلح أن يصدر بها الكلام، والتقدير: «ما فعلته، بل فعله» ... قال الشيخ عبد القاهر: حيث كان السؤال ملفوظاً به فالأكثر ترك الفعل في الجواب والاقتصار على الاسم وحده، وحيث كان مضمراً فالأكثر التصريح به، لضعف الدلالة عليه، ومن غير الأكثر نحو قوله تعالى: ﴿يسبح له فيها بالغدو والأصال رجال﴾ [النور: ٣٦، ٣٧] في

стр. 3547

قراءة البناء للمفعول. فائدة: أخرج البزار عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - قال: ما رأيت قوماً خيراً من أصحاب محمد، ما سألوه إلا عن اثنتي عشرة مسألة كلها في القرآن . وأورده الإمام الرازي بلفظ: أربعة عشر حرفاً. وقال: منها ثمانية في (البقرة) ﴿وإذا سألك عبادي عني﴾ [١٨٦]، ﴿يسئلونك عن الأهلة﴾ [١٨٩]، ﴿يسئلونك ماذا ينفقون قل ما أنفقتم﴾ [٢١٥]، ﴿يسئلونك عن الشهر الحرام﴾ [٢١٧]، ﴿يسئلونك عن الخمر والميسر﴾ [٢١٩]، ﴿ويسألونك عن اليتامى﴾ [٢٢٠]، ﴿ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو﴾ [٢١٩]، ﴿ويسألونك عن المحيض﴾ [٢٢٢]، والتاسع: ﴿يسئلونك ماذا أحل لهم﴾ [٤] في المائدة، والعاشر: ﴿يسئلونك عن الأنفال﴾ [الأنفال: ١]، والحادي عشر: ﴿يسئلونك عن الساعة أيان مرسها﴾ [النازعات: ٤٢]، والثاني عشر: ﴿وويسألونك عن الجبال﴾ [طه: ١٠٥]، والثالث عشر: ﴿ويسألونك عن الروح﴾ [الإسراء: ٨٥]، والرابع عشر: ﴿ويسألونك عن ذي القرنين﴾ [الكهف: ٨٣]، [قلت: السائل عن الروح وعن ذي

стр. 3548

القرنين] مشركو مكة أو اليهود، كما في أسباب النزول لا الصحابة، فالخاص اثنا عشر، كما صحت به الرواية. قاعدة في الخطاب بالاسم والخطاب [بالفعل: الاسم يدل على الثبوت والاستمرار، والفعل يدل على التجدد] والحدوث، ولا يحسن وضع أحدهما موضع الآخر، فمن ذلك قوله تعالى: ﴿وكلبهم بسط ذراعيه﴾ [الكهف: ١٨]، لو قيل: «يبسط» م يؤد الغرض، لأنه يؤذن بمزاولة الكلب البسط، وأنه يتجدد له شيء بعد شيء، فباسط أشعر بثبوت الصفة. وقوله تعالى: ﴿هل من خلق غير الله يرزقكم﴾ [فاطر: ٣]، [لو قيل]: «رازقكم» لفات ما أفاده الفعل من تجدد الرزق شيئاً بعد شيء، ولهذا جاءت الحال في صورة المضارع، مع أن العامل الذي يقيده ماض، نحو قوله تعالى: ﴿وجاءوا أباهم عشاء يبكون﴾ [يوسف: ١٦]، إذا المراد أن يفيد صورة ما هم عليه وقت المجيئ، وأنهم آخذون في البكاء يجددونه شيئاً بعد شيء، وهو المسمى: «حكاية الحال الماضية»، وهذا هو سر الإعراض عن اسم الفاعل والمفعول، ولهذا أيضاً عبر بـ «الذين ينفقون»، ولم يقل: «المنفقون»، كما قيل: المؤمنون والمتقون، لأن النفقة أمر فعلي، شأنه الانقطاع والتجدد، بخلاف الإيمان، فإن له حقيقة تقوم بالقلب، يدوم مقتضاها، وكذلك التقوى والإسلام والصبر والشكر والهدى والعمى والضلالة والبصر، كلها لها مسبقات حقيقية أو مجازية تستمر وآثار تتجدد وتنقطع، فجاءت بالاستعمالين.

стр. 3549

وقال تعالى في سورة (الأنعام): ﴿يخرج الحي من الميت ومخرج الميت من الحي﴾ [٩٥]، قال الإمام فخر الدين: لما كان الاعتناء بشأن إخراج الحي من الميت أشد، أتى فيه بالمضارع، ليدل على التجدد، كما في قوله تعالى: ﴿الله يستهزئ بهم﴾ [البقرة: ١٥]. تنبيهات: الأول: المراد بالتجدد في الماضي الحصول، وفي المضارع أن من شأنه أن يتكرر ويقع مرة بعد أخرى، صرح بذلك جماعة، منهم الزمخشري في قوله تعالى: ﴿الله يستهزئ بهم﴾ [البقرة: ١٥]. قال الشيخ بهاء الدين السبكي: وبهذا يتضح الجواب عما يورد، نحو «علم الله كذا»، فإن علم الله لا يتجدد، وكذا سائر الصفات الدائمة التي يستعمل فيها الفعل، وجوابه أن معنى (علم الله كذا) وقع علمه في الزمن الماضي، ولا يلزم أنه لم يكن قبل كذلك، فإن العلم في زمن ماضٍ أعم من المستمر على الدوام قبل ذلك الزمن وبعده وغيره، ولهذا قال تعالى حكاية عن إبراهيم: «الذي خلقني فهو يهدين ... » الآيات [الشعراء: ٧٨ - ٨٠]، فأتى بالماضي في الخلق، لأنه مفروغ منه، وبالمضارع في الهداية والإطعام والإسقاء والشفاء، لأنها متكررة متجددة تقع مرة بعد مرة أخرى. الثاني: مضمر الفعل فيما ذكر كمظهره، ولهذا قالوا: إن سلام الخليل أبلغ من سلام الملائكة، حيث «قالوا سلما قال سلم» [هود: ٦٩]، فإن نصب «سلاماً» إنما يكون على إرادة الفعل، أي: سلمنا سلاماً، وهذه العبارة [مؤذنة] بحدوث التسليم منهم، إذ الفعل متأخر عن وجود الفاعل، بخلاف سلام إبراهيم، فإنه مرتفع بالابتداء، فاقتضى الثبوت على الإطلاق، وهو أولى

стр. 3550

مما يعرض له الثبوت، فكأنه قصد أن يحييهم بأحسن مما حيوة به. الثالث: ما ذكرناه من دلالة الاسم على الثبوت، والفعل على التجدد والحدوث، هو المشهور عند أهل البيان، وقد أنكره أو المطرف بن عميرة في كتاب [«البرهان»] على «التبيان» لابن الزملكاني، وقال: إنه غريب لا مستند له، فإن الاسم إنما يدل على معناه فقط، أما كونه يثبت المعنى للشيء فلا، ثم أورد قوله تعالى: ﴿ثم إنكم بعد ذلك لميتون ثم إنكم يوم القيمة تبعثون﴾ [المؤمنون: ١٥، ١٦]، وقوله: ﴿إن الذين هم من خشية ربهم مشفقون والذين هم بآيات ربهم يؤمنون﴾ [المؤمنون: ٥٧، ٥٨]. وقال ابن المنير: الطريقة العربية تلوين الكلام، ومجيئ الفعلية تارة والاسمية أخرى من غير تكلف لما ذكروه، وقد رأينا الجملة الفعلية تصدر من الأقوياء الخلص اعتماداً على أن المقصود حاصل بدون التأكيد، نحو قوله تعالى: ﴿ربنا ءامنا﴾ [آل عمران: ٥٣]، ولا شيء بعد ﴿إنما نحن مصلحون﴾ [البقرة: ١١]. قاعدة في المصدر: قال ابن عطية: سبيل الواجبات الإتيان بالمصدر مرفوعاً ، كقوله تعالى: ﴿فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان﴾ [البقرة: ٢٢٩]، ﴿فاتباع بالمعروف وأداء إليه

стр. 3551

بإحسان﴾ [البقرة: ١٧٨]، وسبيل المندوبات الإتيان به منصوباً، كقوله تعالى: ﴿فضرب الرقاب﴾ [محمد: ٤]، ولهذا اختلفوا: هل الوصية للزوجات واجبة؟ لاختلاف القراء في قوله: ﴿وصية لأزوجهم﴾ [البقرة: ٢٤٠]، بالرفع والنصب. قال أبو حيان: والأصل في هذه التفرقة في قوله تعالى: ﴿فقالوا سلما قال سلم﴾ [الذاريات: ٢٥]، فإن الأول مندوب، والثاني: واجب، والنكتة في ذلك: أن الجملة الاسمية أثبت وأكد من الفعلية. قاعدة في العطف: هو ثلاثة أقسام: عطف على اللفظ، وهو الأصل، وشرطه: إمكان توجه العامل إلى المعطوف. وعطف المحل، وله ثلاث شروط: أحدها: إمكان ظهور ذلك المحل في الفصيح، فلا يجوز: مررت بزيد وعمروا، لأنه لا يجوز: مررت زيداً. الثاني: أن يكون الموضع بحق الأصالة، فلا يجوز: هذا الضارب زيداً وأخيه، لأن الوصف المستوفي لشروط العمل الأصل إعماله لا إضافته. الثالث: وجود المحرز، أي: الطالب لذلك المحل، فلا يجوز إن زيداً وعمر قاعدان، لأن الطالب لرفع عمرو هو الابتداء، وهو قد زال بدخول «إن». وخالف في هذا الشرط الكسائي مستدلاً بقوله تعالى: ﴿إم الذين ءامنوا والذين هادوا والصابئون ... ﴾ الآية [المائدة: ٦٩]، وأجيب: بأن خبر (إن) فيها محذوف، أي: مأجورون، أو آمنون، ولا تختص مراعاة الموضع بأن يكون العامل في اللفظ زائداً.

стр. 3552

وقد أجاز الفارسي في قوله تعالى: ﴿وأتبعوا في هذه الدنيا لعنة ويوم القيمة﴾ [هود: ٦٠] أن يكون يوم القيامة عطفاً على محل هذه. وعطف التوهم: نحو: ليس زيد قائماً ولا قاعد بالخفض، على توهم دخول الباء في الخبر، وشرط جوازه صحة دخول ذلك العامل المتوهم، وشرط حسنة كثرة دخوله هناك، وقد وقع هذا العطف في المجرور، في قول [زهير: بدالي] أني لست مدرك ما مضى ... ولا سابق شيئاً إذا كان جائياً وفي المجزوم في قراءة غير أبي عمرو، نحو قوله تعالى: ﴿لولا أخرتني إلى أجل قريب فأصدق وأكن﴾ [المنافقون: ١٠]، خرجه الخليل وسيبويه على أنه عطف على التوهم، لأن معنى «لولا أخرتني فأصدق» ومعنى «أخرني أصدق» واحد، وقراءة قنبل قوله تعالى: ﴿إنه من يتق ويصبر﴾ [يوسف: ٩٠]، خرجه الفارسي عليه، لأن (من) الموصولة فيها معنى الشرط. وفي المنصوب في قراءة حمزة وابن عامر: ﴿ومن وراء إسحق يعقوب﴾ [هود: ٧١]، بفتح الباء، لأنه على معنى: ووهبنا له إسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب. وقال بعضهم في قوله تعالى: ﴿وحفظاً من كل شيطن﴾ [الصافات: ٧]: إنه عطف على معنى قوله تعالى: ﴿إنا زينا السماء الدنيا﴾ [الصافات: ٧]، وهو: إنا

стр. 3553

خلقنا الكواكب في السماء الدنيا زينة للسماء. وقال بعضهم في قراءة قوله تعالى: ﴿ودوا لو تدهن فيدهنوا﴾ [القلم: ٩]، إنه على معنى: أن تدهن. وقيل في قراءة حفص في قوله تعالى: ﴿لعلى أبلغ الأسباب أسبب السموات فأطلع﴾ [غافر: ٣٦، ٣٧] بالنصب: إنه عطف على معنى «لعلي أن أبلغ»، لأن خبر «لعل» يقترن بأن كثيراً. وقيل في قوله تعالى: ﴿ومن آياته أن يرسل الرياح مبشرات وليذيقكم﴾ [الروم: ٤٦]، إنه على تقدير: «ليبشركم ويذيقكم». تنبيه: ظن ابن مالك أن المراد بالتوهم الغلط، وليس كذلك ، كما نبه عليه أبو حيان وابن هشام، بل هو مقصد صواب، والمراد أنه عطف على المعنى، أي: جوز العربي في ذهنه ملاحظة ذلك المعنى في المعطوف عليه، فعطف ملاحظاً له، لا أنه غلط في ذلك، ولهذا كان الأدب أن يقال في مثل ذلك في القرآن: إنه عطف على المعنى.

стр. 3554

مسألة: اختلف في جواز عطف الخبر على الإنشاء وعكسه، فمنعه البيانيون ، وابن مالك، وابن عصفور، ونقلوه عن الأكثرين، وأجازه الصفار وجماعه، مستدلين بقوله تعالى: ﴿وبشر الذين ءامنوا﴾ [٢٥] في سورة (البقرة)، نحو قوله تعالى: ﴿وبشر المؤمنين﴾ [١٣] في سورة الصف. وقال الزمخشري في الأولى: [ليس المعتمد] بالعطف الأمر حتى يطلب له مشاكل، بل المراد عطف جملة ثواب المؤمنين على جملة ثواب الكافرين. وفي الثانية: إن العطف على ﴿تؤمنون﴾ [الصف: ١١]، لأنه بمعنى (آمنوا). ورد بأن الخطاب به للمؤمنين، و «بشر» للنبي ﷺ ، وبأن الظاهر في «تؤمنون» أنه تفسير للتجارة لا طلب. وقال السكاكي: الأمران معطوفان على «قل» مقدرة، قبل (يا أيها)، وحذف القول كثير.

стр. 3555

مسألة: اختلف في جواز عطف الاسمية على الفعلية وعكسه، فالجمهور على الجواز ، وبعضهم على المنع، وقد لهج به الرازي في تفسيره كثيراً، ورد به على الحنفية القائلين بتحريم أكل متروك التسمية، أخذاً من قوله تعالى: ﴿ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق﴾ [الأنعام: ١٢١]، قال: هي حجة للجواز لا التحريم، وذلك أن الواو ليست عاطفة، لتخالف الجملتين بالاسمية والفعلية، ولا للاستئناف، لأن أصل الواو أن تربط ما بعدها ما قبلها، فبقي أن تكون للحال، فتكون جملة [الحال] فيها مقيدة للنهي، والمعنى: لا تأكلوا منه في حال كونه فسقاً/ ومفهومه جواز الأكل إذا لم يكن فسقا، [والفسق قد] فسره الله تعالى بقوله: ﴿أو فسقا أهل لغير الله به﴾ [الأنعام: ١٤٥]، فالمعنى: لا تأكلوا منه إذا سمي عليه غير الله، [ومفهومه: فكلوا منه إذا لم يسم غير الله تعالى]. انتهى. [قال ابن هشام: ولو أبطل العطف لتخالف الجملتين بالإنشاء والخبر لكان صواباً]. مسألة: اختلف في جواز العطف على معمولي عاملين، فالمشهور عن سيبويه المنع ، وربه قال المبرد وابن السراج، وهشام، وجوزه الأخفش والكسائي

стр. 3556

والفراء والزجاج، وخرج عليه قوله تعالى: ﴿إن في السموات والأرض لآيات للمؤمنين وفي خلقكم وما يبث من دابة آيات لقوم يوقنون واختلف اليل والنهار وما أنزل الله من السماء من رزق فأحيا به الأرض بعد موتها وتصريف الريح آيات لقوم يعقلون﴾ [الجاثية: ٣ - ٥]، فيمن نصب «آيات» الأخيرة. مسألة: اختلف في جواز العطف على الضمير المجرور من غير إعادة الجار، فجمهور البصريين على المنع، وبعضهم والكوفيون على الجواز ، وخرج عليه قراءة حمزة قوله تعالى: ﴿واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام﴾ [النساء: ١]. وقال أبو حيان في قوله تعالى: ﴿وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام﴾ [البقرة: ٢١٧]: [إن المسجد] معطوف على ضمير «به»، وإن [لم] يعد الجار، قال: والذي نختاره جواز ذلك، لوروده في كلام العرب كثيراً نظماً ونثراً، وقال: ولسنا متعبدين باتباع جمهور البصريين بل نتبع

стр. 3557

الدليل. قاعدة: قال في «المغني»: قد يعطي الشيء حكم ما أشبهه: في معناه: أو في لفظه، أو فيهما. فأما الأول فله صور كثيرة: إحداها: دخول الباء في خبر أن، في قوله تعالى: ﴿أولم يروا أن الله الذي خلق السموات والأرض ولم يعي بخلقهن بقدر﴾ [الأحقاف: ٣٣]، لأنه في معنى: «أوليس الله بقادر»، والذي سهل ذلك التقدير تباعد ما بينهما، ولهذا ما تدخل في ﴿أولم يروا أن الله الذي خلق السموات والأرض قادر على أن يخلق مثلهم﴾ [الإسراء: ٩٩]. ومثله إدخال الباء في ﴿كفى بالله شهيدا﴾ [الرعد: ٤٣]، لما دخله من معنى: اكتف بالله شهيداً، بخلاف قوله: منك يكفيني. وفي قوله: سود المحاجر لا يقرأن بالسور لما دخله من معنى: لا يتقربن بقراءة السور، ولهذا قال السهيلي، لا يجوز أن تقول: وصل إلى كتابك فقرأت به، على حد قوله: لا يقرأن بالسور، لأنه عار عن معنى التقرب. والثانية: جواز حذف خبر المبتدأ في: إن زيداً قائم وعمرو، اكتفاء بخبر

стр. 3558

إن، لما كان زيداً قائم في معنى زيد قائم، ولهذا لم يجز: ليت زيداً قائم وعمرو. والثالثة: جواز أن زيداً غير ضارب لما كان في معنى أن زيداً لا أضرب، ولولا ذلك لم يجز، إذ لا يتقدم المضاف إليه على المضاف، فكذا لا يتقدم معموله، لا تقول: أن زيد أول ضارب، أو [مثل] ضارب. ودليل المسألة: قوله تعالى: ﴿وهو في الخصام غير مبين﴾ [الزخرف: ١٨]، وقول الشاعر: فتى هو حقاً غير ملغ توله ... ولا تتخذ يوماً سواه خليلاً وقوله: إن امرأ خصني يوماً مودته ... على الثنائي لعندي [غير مكفور] ويحتمل أن يكون منه: ﴿فذلك يومئذ يوم عسير على الكفرين غير يسير﴾ [المدثر]. ويحتمل تعلق [«على»] بعسير، أو بمحذوف هو نعت له، أو حال من ضميره، ولو قلت: جاءني غير ضارب زيداً لم يجز التقديم، لأن النافي [هنا] لا يحل مكان «غير». [والرابعة]: جواز غير قائم الزيدان لما كان في معنى ما [قائم] الزيدان، ولولا ذلك لم يجز، لأن المبتدأ إما أن يكون ذا خبر أو ذا مرفوع يغني عن الخبر، ودليل المسألة قوله: غير لاه عداك فاطرح اللهـ ... ـو ولا تعتر بعارض سلم وهو أحسن ما قيل في بيت أبي نواس:

стр. 3559

غير مأسوف على زمن ... ينقضي بالهم والحزن والخامسة: إعطاؤهم ضارب زيد الآن أو غداً، حكم ضارب زيداً في التنكير، لأنه في معناه، ولهذا وصفوا به [النكرة، ونصبوه] على الحال، [وخفضوه] برب، وأدخلوا عليه «أل». وأجاز بعضهم تقديم حال مجروره عليه، نحو: هذا [ملتوتاً] شارب السويق، كما يتقدم عليه حال منصوبه، ولا يجوز شيء من ذلك إذا أريد المضي، لأنه حينئذ ليس في معنى الناصب. والسادسة: وقوع الاستثناء المفرغ في الإيجاب، في نحو: ﴿وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين﴾ [البقرة: ٤٥]، ﴿ويأبى الله إلا أن يتم نوره﴾ [التوبة: ٣٢]، لما كان المعنى: وإنها لا تسهل إلا على الخاشعين، ولا يريد الله إلا أن يتم نوره. السابعة: العطف بـ «ولا» بعد الإيجاب، في نحو: أبى الله أن أسمو بأم [ولا أب لما كان معناه: قال الله لي: لا تسم بأم ولا أب]. الثامنة: زيادة لا في قوله تعالى: ﴿ما منعك ألا تسجد﴾ [الأعراف: ١٢]، قال ابن السيد: المانع من الشيء آمر للممنوع ألا يفعل، [فكأنه قيل: ما الذي] قال لك لا تسجد؟ والأقرب عندي أن يقدر في الأول لم يرد الله

стр. 3560

لي، وفي الثاني: ما الذي أمرك، يوضحه في هذا أن الناهية لا تصاحب الناصبة بخلاف النافية. التاسعة: تعدي رضي [بـ «على»] في قوله: إذا رضيت علي بنو قشير لما كان «رضي عنه» بمعنى أقبل عليه بوجه وده، وقال الكسائي: إنما جاز هذا حملاً على نقيضه، وهو سخط. العاشرة: رفع المستثنى على إبداله من الموجب في قراءة بعضهم: ﴿فشربوا منه إلا قليل منهم﴾ [البقرة: ٢٤٩]، لما كان معناه: فلم يكونوا منه، بدليل: ﴿فمن شرب منه فليس مني﴾ [البقرة: ٢٤٩]. وقيل: إلا وما بعدها صفة، فقيل: إن الضمير يوصف في هذا الباب، وقيل: مرادهم بالصفة عطف البيان، وهذا لا يخلص من الاعتراض إن كان لازماً، لأن عطف البيان كالنعت فلا يتبع الضمير، وقيل: قليل مبتدأ حذف خبره، أي: لم يشربوا. الحادية عشرة: [تذكير] الإشارة في قوله تعالى: ﴿فذانك برهانان﴾ [القصص: ٣٢]، مع أن المشار إليه اليد والعصا، وهما مؤنثان، ولكن المبتدأ عين الخبر في المعنى، والبرهان مذكر، ومثله: ﴿ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا﴾ [الأنعام: ٢٣] فيمن نصب الفتنة، وأنت الفعل.

стр. 3561

الثانية عشرة: قولهم: علمت زيد من هو برفع «زيد» جوازا، لأنه نفس «من» في المعنى. الثالثة عشرة: قولهم: إن أحداً لا يقول ذلك، فأوقع أحداً في الإثبات، لأنه نفس الضمير المستتر في «يقول»، والضمير في سياق النفي، فكأن «أحداً» كذلك، وقال: في ليلة لا نرى بها أحداً ... يحكي علينا إلا كواكبها فرفع كواكبها بدلاً من ضمير يحكي، لأنه راجع إلى «أحداً»، وهو واقع في سياق غير الإيجاب، فكان الضمير كذلك. وهذا الباب واسع، ولقد حكى أبو عمرو بن العلاء أنه سمع شخصاً من أهل اليمن يقول: فلان لغوب أتته كتابي فاحتقرها، فقال له: كيف قلت: أتته كتابي؟ فقال: أليس الكتاب في معنى الصحيفة؟ وقال أبو عبيدة لرؤبة بن العجاج لما أنشد: فيها خطوط من سواد وبلق ... كأنه في الجلد توليع البهق إن أردت الخطوط فقل: كأنها، أو السواد والبلق فقل: كأنهما، فقال: أردت «ذلك» ويلك. وقالوا: مررت برجل أبي عشرة نفسه، وبقوم عرب كلهم، وبقاع عرفج كله، برفع التوكيد فيهن، فرفعوا الفاعل بالأسماء الجامدة، وأكدوه لما لحظوا فيها المعنى، إذ كان العرب بمعنى الفصحاء، والعرفج بمعنى الخشن، والأب بمعنى الوالد.

стр. 3562

تنبيهان: الأول: أنه وقع في كلامهم أبلغ مما ذكرنا، من تنزيلهم لفظاً موجوداً منزلة لفظ آخر، لكونه بمعناه، وهو تنزيلهم اللفظ المعدوم الصالح للوجود [بمنزلة الموجود]، كما في قوله: بدا لي أني لست مدرك ما مضى ... ولا سابق [شيئاً] إذا كان جزائيا [وقد مضى ذلك] والثاني: أنه ليس بلازم أنه يعطي الشيء حكم ما هو في معناه، ألا ترى أن المصدر قد لا يعطى حكم أن أو أن وصلتهما، وبالعكس، دليل الأول: أنهم لم يعطوه حكمها في جواز حذف الجار، ولا في سدهما مسد جزأي الإسناد، ثم إنهم شركوا بين أن وأن في هذه المسألة في باب ظن، وخصوا أن الخفيفة وصلتها بسدها مسدهما في باب عسى، وخصوا الشديدة بذلك في باب لو. ودليل الثاني: أنهما لا يعطيان حكمه في النيابة عن ظرف الزمان، تقول: عجبت من قيامك، وعجبت أن تقوم، وأنك قائم، ولا يجوز: عجبت قيامك، وشذ قوله: فإياك المراء فإنه ... إلى الشر دعاء وللشر جالب فأجري المصدر مجرى أن تفعل في حذف الجار، وتقول: حسب أنه قائم، أو أن قام، ولا نقول: حسبت قيامك حتى تذكر الخبر، وتقول: عسى أن تقوم، ويمتنع: عسى أنك قائم، ومثلها في ذلك لعل، وتقول: لو أنك تقوم، ولا تقول: لو أن تقوم، وتقول: جئتك صلاة العصر، ولا يجوز: جئتك أن تصلي العصر، خلافاً لابن جني والزمخشري.

стр. 3563

والثاني: وهو ما أعطي حكم الشيء المشبه له في لفظه دون معناه، له صور كثيرة أيضاً. إحداها: زيادة «إن» بعد «ما» المصدرية الظرفية، وبعد «ما» التي بمعنى الذي، لأنهما بلفظ «ما» النافية، كقوله: ورج الفتى للخير ما إن رأيته ... على [السن] [خيراً] لا يزال يزيد وقوله: يرجى المرء ما إن لا يراه ... وتعرض دون أدناه الخطوب فهذان محمولات على نحو قوله: ما إن رأيت ولا سمعت بمثله الثانية: دخول لام الابتداء على «ما» النافية، حملاً لها في اللفظ على «ما» الموصولة الواقعة مبتدأ، كقوله: لما أغفلت شكرك فاصطنعني ... فكيف ومن عطائك جل مالي؟ فهذا محمول في اللفظ على نحو قولك: لما تصنعه حسن. الثالثة: توكيد المضارع بالنون بعد لا النافية حملاً لها في اللفظ على لا الناهية، نحو: ﴿ادخلوا مسكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده﴾ [النمل: ١٨]، ونحو: ﴿واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة [الأنفال: ٢٥]﴾، فهذا محمول في اللفظ، على نحو ﴿ولا تحسبن الله غفلاً﴾ [إبراهيم: ٤٢]، ومن أولها على النهي لم يحتج إلى هذا. الرابعة: حذف الفاعل في نحو قوله تعالى: ﴿أسمع بهم وأبصر﴾ [مريم: ٣٨]،

стр. 3564

لما كان أحسن يزيد مشبهاً في اللفظ لقولك: أمر بزيد. الخامسة: دخول لام الابتداء بعد إن التي بمعنى نعم، لشبهها في اللفظ بأن المؤكدة، قاله بعضهم في قراءة من قرأ: ﴿إن هاذان لسحران﴾ [طه: ٦٣]، وقد مضى البحث فيها. السادسة: قولهم: اللهم اغفر لنا أيتها العصابة، بضم أية ورفع صفتها، كما يقال: يا أيتها العصابة، وإنما كان حقهما وجوب النصب، [كقولهم: نحن العرب أقرى الناس للضيف]، ولكنها لما كانت في اللفظ بمنزلة المستعملة في النداء أعطيت حكمها، وإن انتفى موجب البناء، وأما نحن العرب في المثال فإنه لا يكون منادى، لكونه بأل، فأعطى الحكم الذي يستحقه في نفسه، وأما نحو: نحن معاشر الأنبياء لا نورث، فواجب النصب، سواء اعتبر حاله أو حال ما هو شبيه له، وهو المنادى. السابعة: بناء باب حذام في لغة الحجاز على الكسر، تشبيهاً لها بدارك، ونزال، وذلك مشهور في المعارف، وربما جاء في غيرها، وعليه وجه قوله: يا ليت حظي من جداك الصافي ... والفضل أن تتركني كفاف فالأصل كفافا، فهو حال، أو ترك كفاف، فمصدر، ومنه عند أبي حاتم قوله: جاءت لتصرعني فقلت لها: اقصري ... إني أمرؤ [صرعي] عليك حرام وليس كذلك، إذ ليس لفعله فاعل أو فاعلة، فالأولى قول الفارسي: إن أصله «حرامي» كقوله: والدهر بالإنسان دواري ثم خففت، ولو أقوى لكان أولى، وأما قوله:

стр. 3565

طلبوا صلحنا ولات أوان ... فأجبنا أن ليس حين بقاء فعله بنائه: قطعه عن الإضافة، ولكن علة كسره وكونه لم يسلك به في الضم مسلك قبل وبعد: شبهه بنزال. الثامنة: بناء حاشا في ﴿وقلن حشن لله﴾ [يوسف: ٣١]، لشبهها في اللفظ بحاش الحرفية، والدليل على أسميتها قراءة بعضهم «حاشاً» بالتنوين على إعرابها، كما تقول: تنزيهاً لله، وإنما قلنا: إنها ليست حرفاً، لدخولها على الحرف، ولا فعلاً، إذ ليس بعدها اسم منصوب بها، وزعم بعضهم أنها فعل حذف مفعوله، أي: جانب يوسف المعصية لأجل الله، وهذا التأويل لا يتأتى في كل موضع، يقال لك: أتفعل كذا؟ أو [أفعلت] كذا؟ فتقول: حاشا لله، فإنما هذه بمعنى تبرعات لله براءة من هذا الفعل، ومن نونها أعربها على إلغاء هذا الشبه، كما أن بني تميم أعربوا باب حذام لذلك. التاسعة: قول بعض الصحابة - رضي الله تعالى عنهم - قصرنا الصلاة مع رسول الله ﷺ أكثر ما كنا قط وآمنه، فأوقع قط بعد «ما» المصدرية، كما تقع بعد «ما» النافية. العاشرة: إعطاء الحرف حكم مقاربه في المخرج حتى أدغم فيه، نحو ﴿وخلق كل شيء﴾ [الأنعام: ١٠١]، و ﴿لك قصورا﴾ [الفرقان: ١٠]، وحتى اجتمعا روبين كقوله: بني إن البر شيء هين ... المنطق الطيب والطعيم وقول أبي جهل: ما تنقم الحرب العوان مني ... بازل عامين حديث سني

стр. 3566

لمثل هذا ولدتني [أمي] وقول أخر: إذا ركبت فاجعلوني وسطا ... إني كبير لا أطيق العناد ويسمى ذلك إكفاء. والثالث: وهو ما أعطى حكم الشيء لمشابهته له لفظاً ومعنى، نحو اسم التفضيل، وأفعل في التعجب، فإنهم منعوا أفعل التفضيل أن يرفع الظاهر لشبهه بـ «أفعل» في التعجب وزناً وأصلاً وإفادة للمبالغة، وأجازوا [تصغير] أفعل في التعجب لشبهه بأفعل التفضيل فيما ذكرنا، قال: يا ما أمليح عزلانا شدن لنا ولم يسمع ذلك إلا في أحسن وأملح، ذكره الجوهري، ولكن النحويين مع هذا قاسوه، ولم يحك ابن مالك اقتياسه إلا عن ابن كيسان، وليس كذلك، قال أبو بكر ابن الأنباري: ولا يقال إلا لمن صغر سنه.

стр. 3567

النوع السادس والأربعون بعد المائة علم تفسير القرآن بالأحاديث الصحيحة الواردة عن النبي ﷺ -

стр. 3568

النوع السادس والأربعون بعد المائة علم تفسير القرآن بالأحاديث الصحيحة [الواردة عن النبي ﷺ ] [سورة الفاتحة] ١ - أخرج الترمذي عن عدم بن حاتم ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «المغضوب عليهم: اليهود، والضالين: النصارى». هذا لفظ الترمذي، وهو طرف من حديث طويل يتضمن إسلام عدي بن حاتم، [وهو] مذكور في كتاب الفضائل. سورة البقرة ٢ - أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «قيل لبني إسرائيل: ﴿وادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة نغفر لكم [خطيكم]﴾ [البقرة: ٥٨] فبدلوا، فدخلوا الباب يزحفون على أستاهم، [وقالوا: حبة في شعرة». وفي رواية للترمذي في قول الله تعالى]: : ﴿ادخلوا الباب سجدا﴾،

стр. 3569

قال: «دخلوا مزحفين على أوراكهم، أي: منحرفين». قال: وبهذا الإسناد عن النبي ﷺ : ﴿فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم﴾ [البقرة: ٥٩]، قال: قالوا: حبة في شعيرة. ٣ - وأخرج الترمذي، عن عامر بن ربيعة ﵁ قال: كنا مع رسول الله ﷺ في سفر، في ليلة مظلمة، فلم ندر أين القبلة؟ فصلى كل رجل منا على حياله، فلما أصبحنا ذكرنا ذلك لرسول الله ﷺ فنزلت قوله تعالى: ﴿فأينما تولوا فيم وجه الله﴾ [البقرة: ١١٥]. ٤ - وأخرج البخاري ومسلم عن أنس ﵁ أن عمر بن الخطاب ﵁ قال: يا رسول الله: لو صلينا خلف المقام؟ فنزلت قوله تعالى: ﴿واتخذوا من مقام إبراهم مصلى﴾ [البقرة: ١٢٥]، هذا طرف من حديث أخرجه البخاري ومسلم. وأول حديثهما: قال عمر: وافقت ربي في ثلاث، هذا أحدها، [والحديث مذكور في فضائل عمر في كتاب «الفضائل»]، والذي أخرجه الترمذي هو هذا القدر مفرداً، فيكون متفقاً بينهم، وفي رواية أخرى للترمذي قال: قال عمر: قلت: يا رسول الله، لو اتخذت من مقام إبراهيم مصلى؟ فنزلت. ٥ - أخرج البخاري ومسلم عن البراء ﵁ أن رسول الله ﷺ كان أول ما قدم المدينة نزل على أجداده - أو قال: أخواله - من الأنصار، وأنه ﷺ صلى

стр. 3570

قبل بيت المقدس ستة عشر شهراً، أو سبعة عشر شهراً، وكان يعجبه أن تكون قبلته قبل البيت، وأنه صلى أول صلاة صلاها صلاة العصر، وصلى معه قوم، فخرج رجل ممن صلى معه، فمر على أهل مسجد وهم راكعون، فقال: أشهد بالله لقد صليت مع رسول الله ﷺ قبل الكعبة، فداروا، كما هم قبل البيت، وكانت اليهود قد أعجبهم إذ كان يصلي قبل بيت المقدس، وأهل الكتاب، فلما [ولى] وجهه قبل البيت أنكروا ذلك. قال: وفي رواية: أنه مات على القبلة - قبل أن تحول - رجال، وقتلوا فلم ندر ما نقول فيهم؟ فأنزل الله : ﴿وما كان الله ليضيع إيمانكم﴾ [البقرة: ١٤٣]. وفي أخرى: وكان رسول الله ﷺ يحب أن يوجه إلى الكعبة، فأنزل الله : ﴿قد نرى تقلب وجهك في السماء﴾ [البقرة: ١٤٤]، فتوجه نحو الكعبة، فقال السفهاء - وهم اليهود -: ﴿ما ولهم عن قبلتهم التي كانوا عليها قل لله المشرق والمغرب يهدى من يشاء إلى صرط مستقيم﴾ [البقرة: ١٤٢]، هذه رواية البخاري ومسلم. وأخرجه الترمذي، قال: لما قدم رسول الله ﷺ المدينة صلى نحو بيت المقدس ستة، [أبو سبعة] عشر شهراً، وكان رسول الله ﷺ يحب أن يوجه إلى الكعبة، فأنزل الله ﵎: ﴿قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضها فول وجهك شطر المسجد الحرام﴾ [البقرة: ١٤٤]، فوجه نحو الكعبة، وكان يحب ذلك، فصلى رجل معه العصر، قال: ثم مر على قوم من الأنصار وهم ركوع في صلاة العصر نحو بيت المقدس، فقال: هو يشهد أنه صلى مع رسول الله ﷺ ، وأنه قد وجه إلى الكعبة، فانحرفوا وهم ركوع. وأرجه النسائي قال: قدم رسول الله ﷺ [المدينة]، فصلى نحو بيت المقدس ستة عشر شهراً، ثم إنه وجه إلى الكعبة، فمر رجل قد كان صلى مع النبي ﷺ على قوم من الأنصار، فقال: أشهد أن رسول الله ﷺ قد وجه إلى الكعبة فانحرفوا إلى الكعبة.

стр. 3571

٦ - وأخرج مسلم، عن أنس - رضي الله تعالى عنه - أن رسول الله ﷺ كان يصلي نحو بيت المقدس، فنزلت: ﴿قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضها فول وجهك شطر المسجد الحرام﴾ [البقرة: ١٤٤]، فمر رجل من بني سلمة، وهم ركوع في صلاة الفجر، قد صلوا ركعة، فنادى: ألا إن القبلة [قد] حولت، فمالوا كما هم نحو القبلة. وأخرجه أبو داود، وقال فيه: فنزلت الآية، فمر رجل من بني سلمة وهم ركوع في صلاة الفجر، نحو بيت المقدس، فقال: ألا إن القبلة قد حولت إلى الكعبة - مرتين = قال: فمالوا كما هم ركوعا إلى الكعبة. ٧ - وأخرج الترمذي وأبو داود، عن ابن عباس ﵄ قال: لما وجه النبي ﷺ إلى الكعبة، قالوا: يا رسول الله، كيف بإخواننا الذين ماتوا وهم يصلون إلى بيت المقدس؟ فأنزل الله ﵎: ﴿وما كان الله ليضيع إيمانكم ... ﴾ الآية [البقرة: ١٤٣]. ٨ - أخرج البخاري والترمذي عن أبي سعيد [الخدري] ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «يجئ نوح وأمته، فيقول الله: هل بلغت؟ فيقول: نعم، أي رب، فيقول لأمته: هل بلغكم؟ فيقولون: لا، ما جاءنا من نبي، فيقول لنوح: من يشهد لك؟ فيقول: محمد وأمته، فنشهد أنه قد بلغ، وهو قوله تعالى: ﴿وكذلك جعلنكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس﴾ [البقرة: ١٤٣]، أخرجه البخاري والترمذي، إلا أن في رواية الترمذي: فيقولون: ما أتانا من نذير، وما أتانا من أحد - وذكر الآية إلى آخرها - ثم قال: والوسط: العدل. واختضره الترمذي أيضاً عن النبي ﷺ في قوله تعالى: ﴿وكذلك جعلنكم أمة

стр. 3572

وسطا﴾ قال: عدلا. ٩ - [وأخرج الجماعة إلا أبا داود] عن ابن عمر ﵄ قال: بينما الناس بقباء في صلاة الصبح، إذ جاءهم آت، فقال: إن النبي ﷺ قد أنزل عليه الليلة قرآن، وقد أمر أن يستقبل القبلة، فاستقبلوها، وكانت وجههم إلى الشام، فاستداروا إلى الكعبة. ١٠ - وأخرج [في] الموطأ، عن ابن المسيب ﵁ قال: صلى رسول الله ﷺ بعد أن قدم المدينة ستة عشر شهراً نحو بيت المقدس، ثم حولت القبلة قبل بدر بشهرين. ١١ - أخرج البخاري ومسلم عن عروة بن الزبير قال: سألت عائشة ﵂ فقلت لها: أرأيت قول الله تعالى: ﴿إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما﴾ [البقرة: ١٥٨]، فو الله ما على أحد جناح أن لا يطوف بالصفا والمروة، قالت: بئسما قلت يا ابن أختي، إن هذه لو كانت على ما أولتها كانت: لا جناح عليه أن لا يطوف بهما، ولكنها أنزلت في الأنصار، كانوا قبل أن يسلموا يهلون لمناة الطاغية، التي كانوا يعبدونها عمد المشل، وكان من أهل لها يتحرج أن يطوف بالصفا والمروة،

стр. 3573

فلما أسلموا سألوا النبي ﷺ عن ذلك: يا رسول الله، إنا كنا نتحرج أن نطوف بين الصفا والمروة؟ فأنزل الله : ﴿إن الصفا والمروة من شعائر الله﴾ [الآية]، قالت عائشة ﵂: وقد سن رسول الله ﷺ الطواف بينهما، فليس لأحد أن يترك الطواف بينهما. قال الزهري: فأخبرت أبا بكر بن عبد الرحمن، فقال: إن هذا العلم ما كنت سمعته، ولقد سمعت رجالاً من أهل العلم يذكرون أن الناس - إلا من ذكرت عائشة ممن كان يهل لمناة - كانوا يطوفون كلهم بالصفا والمروة، فلما ذكر الله جل شأنه الطواف بالبيت، ولم يذكر الصفا والمروة في القرآن، قالوا: يا رسول الله، كنا نطوف بالصفا والمروة، وإن الله أنزل الطواف بالبيت، ولم يذكر الصفا، فهل علينا من حرج أن نطوف بالصفا والمروة؟ فأنزل الله تعالى: ﴿إن الصفا والمروة من شعائر الله﴾ الآية [البقرة: ١٥٨] ... قال أبو بكر: فأسمع هذه الآية نزلت في الفريقين كليهما، الذين / كانوا يتحرجون [أن يطوفوا] في الجاهلية بين الصفا والمروة، والذين كانوا يطوفون ثم تحرجوا أن يطوفوا بهما في الإسلام، من أجل أن الله تعالى أمر بالطواف بالبيت، ولم يذكر الصفا حتى ذكر ذلك بعد ما ذكر الطواف بالبيت. وفي رواية: أن الأنصار كانوا قبل أن يسلموا - هم وغسان يهلون لمناة، فتحرجوا ان يطوفوا بين الصفا والمروة، وكان ذلك سنة في آبائهم، من أحرم لمناة لم يطف [بين الصفا] والمروة، وإنهم سألوا النبي ﷺ عن ذلك حين أسلموا، فأنزل الله تعالى في ذلك: ﴿إن الصفا والمروة﴾، وذكر إلى آخر الآية، هذه رواية البخاري ومسلم، ولهم روايات أخر لهذا الحديث. وأخرجه الترمذي والنسائي بنحو من الرواية الأولى، وهذه أتم.

стр. 3574

وأخرجه الموطأ وأبو داود نحوها، وفيه: وكانت مناة حذو قديد، وكانوا يتحركون أن يطوفوا بين الصفا والمروة ... الحديث، وهذه الرواية قد أخرجها البخاري ومسلم. ١٢ - وأخرج البخاري ومسلم الترمذي عن عاصم بن سليمان الأحول ﵀ قال: قلت لأنس: أكنتم تكرهون السعي بين الصفا والمروة؟ فقال: نعم، لأنها كانت من شعائر الجاهلية، حتى أنزل الله تعالى: ﴿إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما﴾. وفي رواية: كنا نرى ذلك من أمر الجاهلية، فلما جاء الإسلام أمسكنا عنهما، فأنزل الله ، وذكر الآية. وفي رواية قال: كانت الأنصار يكرهون أن يطوفوا بين الصفا والمروة حتى نزلت: ﴿إن الصفا والمروة من شعائر الله﴾ [البقرة: ١٥٨]. ١٣ - وأخرج البخاري والنسائل عن مجاهد ﵀ قال: سمعت ابن عباس رصي الله عنه يقول: كان في بني إسرائيل القصاص، ولم تكن فيهم الدية، فقال الله لهذه الأمة: ﴿كتب عليكم القصاص في القتل الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى فمن عفى

стр. 3575

له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان﴾ [البقرة: ١٧٨] أن يطلب هذا بمعروف، ويؤدي هذا بإحسان ﴿ذلك تخفيف من ربكم ورحمة﴾ [البقرة: ١٧٨]، مما كتب على من كان قبلكم ﴿فمن اعتدى بعد ذلك﴾ قتل بعد قبول الدية. ١٤ - وأخرج البخاري عن عطاء، أنه سمع ابن عباس - رضي الله تعالى عنه - يقرأ: ﴿وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين﴾ [البقرة: ١٨٤]، قال ابن عباس: ليست بمنسوخة، هي للشيخ الكبير، والمرأة الكبيرة، لا يستطيعان أن يصوما، فيطعمان مكان كل يوم مسكيناً، هذه رواية البخاري. وفي رواية أبي داود، قال: ﴿وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين﴾ [البقرة: ١٨٤]، فكان من شاء منهم أن يفتدي بطعام مسكين افتدى، وتم له صومه، فقال الله ﵎: ﴿فمن تطوع خيراً فهو خير له وأن تصوموا خير لكم﴾، ثم قال تعالى: ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان مريضاً أو على سفر فعدة من أيام أخر﴾ [البقرة: ١٨٥]. وفي أخرى له قال: أثبتت للحبلى والمرضع، يعني الفدية والإفطار، وفي أخرى له قال تعالى: ﴿وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين﴾ قال: كانت رخصة للشيخ الكبير والمرأة الكبيرة - وهما يطيقان الصيام - أن يفطرا، ويطعما مكان كل يوم مسكيناً، والحبلى والمرضع: إذا خافتا يعني على أولادهما - أفطرتا وأطعمتا. وأخرجه النسائي قال في قول الله : ﴿وعلى الذين يطيقونه فديةٌ طعام مسكين﴾ [البقرة: ١٨٤]، قال: يطيقونه، يكلفونه فدية طعام مسكين واحد، فمن تطوع، فزاد على مسكين آخر، ليست بمنسوخة، فهو خير له، ﴿وأن تصوموا خير لكم﴾ لا يرخص في هذا إلا للذي لا يطيق الصيام أو مريض لا يشفى.
следующие страницы →