Полный текст (4 238 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
قلت: لا تنافي، لاحتمال أن جبريل ﵇ سمعه من الله كما تقدم بصفة التجلي، فعلمه جميعه، ثم أمره الله أن يأخذه من اللوح المحفوظ، فيضعه في بيت العزة، عند السفرة، ثم أمر الله السفرة أن تنجمه على جبريل في عشرين ليلة، لكل سنة ليلة، وإنما كان التنجيم من السفرة على جبريل، لما ذكره الحكيم الترمذي: (إن سر وضع القرآن في السماء الدنيا، ليدخل في حدها، فإنه رحمة لأهلها)، فأخذ جبريل عن السفرة، إشارة إلى أنه صار مخصوصاً بهم، فلا يؤخذ إلا عنهم، وكان مقتضى الأمر، أن ينزل جملة إلى الأرض، لكن لما كان في ذلك حكم ذكرها الله في قوله: (كذلك لنثبت به فؤادك ورتلناه ترتيلا. ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيرا) [الفرقان: ٣٢، ٣٣] وسيأتي تفصيله في العلم الثالث.
ويدل غلى سماع جبريل من الحق ما أخرجه الطبراني، من حديث
стр. 37
النواس بن سمعان مرفوعاً: (إذا تكلم الله بالوحي أخذت السماء رجفة شديدة من خوف الله، فإذا سمع بذلك أهل السماء صعقوا وخروا سجداً، فيكون أول من يرفع رأسه جبريل، فيكلمه الله من وحيه بما أراد، فينتهي إلى الملائكة، كلما مر بسماء سأله أهلها، ماذا قال ربنا؟ قال: الحق, فينتهي به حيث أمر)، انتهى.
فإن قلت: بعد إنزال القرآن إلى السماء الدنيا، وتنجيم السفرة له على جبريل، هل يحتاج في كل نزول إلى وحي إلهي؟ أو لا يحتاج، لكونه قد علم ما ينزل به في كل عام؟
قلت: الظاهر أنه لا يمكن أن ينزل في شيء إلا بوحي إلهي، لوجهين:
أحدهما: عدم علمه بوقت الواقعة الموجبة لنزول شيء يناسبه، فيوحى إليه: أن قد وقع ذلك، فانزل بكذا مما هو عندك.
الثاني: لو فرض أن الله أعلمه ذلك، فلا يمكن النزول - أي بالوحي -، لقوله تعالى على لسان الملائكة: (وما نتنزل إلا بأمر ربك) [مريم: ٦٤].
وأخرج البخاري في صحيحه، عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ لجبريل: (ألا تزورنا أكثر مما تزورنا؟ فنزلت: (وما نتنزل إلا بأمر ربك له
стр. 38
ما بين أيدينا وما خلفنا) الآية [مريم: ٦٤].
وقال الجويني: كلام الله المنزل على قسمين:
قسم: قال الله لجبريل: قل للذي أنت مرسل إليه، إن الله تعالى يقول:
افعل كذا وكذا، وأمر بكذا وكذا. ففهم جبريل ما قاله ربه، ثم نزل على ذلك النبي، وقال ما قاله له ربه. ولم تكن العبارة تلك العبارة، كما يقول الملك لمن يثق به: قل لفلان: يقول لك الملك: اجتهد في الخدمة، واجمع جندك للقتال، فإن قال لك الرسول: يقول لك الملك: لا تتهاون في الخدمة، ولا تترك الجند تتفرق، وحثهم على المقاتلة، لا ينسب إلى كذب، ولا تقصير في الرسالة.
وقسم آخر: قال الله لجبريل: اقرأ على النبي هذا الكتاب فنزل به جبريل من غير تغيير، كما أن يكتب الملك كتاباً ويسلمه إلى أمين، ويقول: اقرأ على فلان، فهو لا يغير منه كلمة ولا حرفاً.
قال الحافظ السيوطي - رحمه الله تعالى -: القسم الثاني هو القرآن، والأول هو السنة، كما ورد أن جبريل ينزل بالسنة كما ينزل القرآن.
стр. 39
والسر في عدم جواز التعبير بالمعنى في القرآن، أن المقصود منه التعبد بلفظه والإعجاز به، فلا يقدر أحد أن يأتي بلفظ يقوم مقامه. وإن تحت كل حرف منه معاني، لا يحاط به كثرة، بخلاف السنة، لحصول الحرج.
فائدة:
اختلف في سماع النبي ﷺ للوحي ، فقيل: إن النبي ﷺ انخلع من الصورة البشرية إلى الصورة الملكية، وأخذه عن جبريل.
والثاني: إن الملك انخلع إلى البشرية، حتى يأخذه الرسول عنه.
أقول: التحقيق في ذلك أنه ﵇ قد غلبت روحانيته على بشريته، حتى صار روحاً في صورة الأجسام، فقبل العروج بجسمه الشريف إلى السماء العلى، فضلاً عن التلقي عن الملك، فلا يحتاج أن ينخلع أو ينخلع له، لكونه على ما ذكر من لطف القابلية، وقد ورد: (أن الله أوحى إلى بعض أنبيائه: إنك عندي بوصف الملائكة، أقرب من وصف البشرية). وهو ﷺ أعظم صفاء، وأشد اصطفاء.
стр. 40
النوع الثالث
علم أنواع الوحي
стр. 41
النوع الثالث
علم أنواع الوحي
لم يفرده الحافظ السيوطي. أوصلها بعضهم إلى نيف وأربعين نوعاً، وهي ترجع إلى أربعة أنواع: وحي الرؤيا، ووحي الإلهام، ووحي المشافهة، ووحي الملك.
فأما وحي الرؤيا: فكان ستة أشهر قبل مبعثه ﵇، ليس وحي غيره، كما روت عائشة ﵁ عنها: أنه كان لا يرى رؤيا، إلا جاءت مثل فلق الصبح.
من وحي الرؤيا عند بعضهم: سورة: (إنا أعطيناك الكوثر) [الكوثر].
وأما وحي الإلهام: وهو الإلقاء الإلهي في السر، كما في حديث عائشة ﵄: ثم حبب إليه الخلاء، فكان يتحنث في غار حراء. فتحبيب
стр. 42
الخلاء إليه ﵇ بالإلهام الإلهي، وقد يكون الإلقاء في السر بصفة ملكية، كما في حديث: " إن روح القدس نفث من روعي "، أي ألقى في قلبي، وهو من وحي الإلهام.
وأما وحي الملك: فإما أن يأيته مثل صلصلة الجرس، وفي الصحيح أنه: " أشد الوحي عليه ".
والثاني: أن يأتيه على هيئة الملائكة فيخاطبه.
والثالث: أن يتمثل له الملك رجلاً، كما في الصحيح: (وأحياناً يتمثل لي الملك رجلاً فيكلمني فأعي عنه ما يقول).
وأما وحي المشافهة: كما في ليلة الإسراء، ومن هذا النوع، آخر سورة
стр. 43
(البقرة)، وبعض سورة (والضحى)، و (ألم نشرح)، فقد أخرج ابن أبي حاتم من حديث عدي بن ثابت، قال: قال رسول الله ﷺ : (سألت ربي عن مسألة، وددت أني لم أكن سألته، قلت: أي ربي اتخذت إبراهيم خليلاً. وكلمت موسى تكليماً! فقال: يا محمد، ألم أجدك يتيماً فآويت، وضالاً فهديت، وعائلاً فأغنيت، وشرحت لك صدرك، ورفعت لك ذكرك، فلا أذكر إلا ذكرت معي؟ ! ).
стр. 44
النوع الرابع
علم بدء الوحي وما ابتدئ به
رسول الله ﷺ من الوحي
стр. 45
النوع الرابع
علم بدء الوحي وما ابتدئ به
رسول الله ﷺ من الوحي
ولم يذكر هذا النوع الإمام الحافظ السيوطي - رحمه الله تعالى -.
أخرج البخاري عن عائشة أم المؤمنين ﵂ أنها قالت: أول مابدئ به رسول الله ﷺ من الوحي، الرؤيا الصالحة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح ... الحديث.
وأخرج البخاري عن أنس بن مالك، أن رسول الله ﷺ قال: " الرؤية الحسنة من الرجل الصالح جزء من ست وأربعين جزءاً من النبوة ". الرؤيا من الله تعالى. وأخرج أيضاً: حدثنا أحمد بن يونس، حدثنا زهير
стр. 46
حدثنا يحيى هو ابن سعيد، قال: سمعت أبا سلمة، قال: سمعت أبا قتادة، عن النبي ﷺ قال: (الرؤيا من الله، والحلم من الشيطان).
وأخرج أيضاً عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (لم يبق من النبوة إلا المبشرات) قالوا: ومالمبشرات؟ قال: " الرؤيا الصالحة ".
стр. 47
فبما أخرجه البخاري من الحديث السابق عن عائشة ﵄ ظهر أن ابتداء الوحي كان الرؤيا الصادقة، ثم كان في اليقظة، وقد ثبت من طرق صحيحة. وسيأتي في باب أول ما نزل من القرآن: إن أول ما نزلت، سورة " اقرأ " مناماً، ثم نزلت يقظة، وقد ثبت في كثير من الأحاديث، أن مدة المنام التي كان يرى فيها الوحي ستة أشهر، وعليه خرج كثير من المحدثين قول النبي ﷺ : (الرؤيا الصالحة جزء من ست وأربعين جزءاً من النبوة)، فقالوا: إن النبي ﷺ أوحي إليه على رأس الأربعين ستة أشهر، وعاش ثلاثاً وعشرين سنة بعد الوحي، فمنهما اثنتان وعشرين ونصف، بخمس وأربعين جزءاً يقظة، وجزء مناماً، وهي الستة الأشهر. وقيل
стр. 48
غير ذلك.
أقول - والله أعلم -: إن الوحي، ونزوله، ووصوله إلى الأنبياء ﵈ على صفات وكيفيات مختلفة، منها النوم، ومنها غير ذلك كما تقدم في علم أنواع الوحي. وأصول أنواع الوحي [أربعة: وحي] الرؤيا، ووحي الإلهام، ووحي الملك، ووحي المشافهة، وهذه الأربعة تتنوع إلى أنواع كثيرة، وهل قوله ﷺ " ست وأربعين "، لا تزيد على ذلك أم هو جري على الغالب؟ الظاهر أنها تزيد.
فلنتكلم على بعض أنواع الوحي بحسب الإمكان والوقت، فنقول:
إن وحي الرؤيا إما: أن يرى الملك في المنام، فيخاطبه بالصورة البشرية،
стр. 49
فهذا نوع.
النوع الثاني: أن يراه ويخاطبه بالصورة الملكية، وهو في محله.
النوع الثالث: أن يرى أنه صعد إلى السماء فيخاطبه الملك فيها بما يوحى إليه بالصورة البشرية.
النوع الرابع: أن يرى أنه صعد إلى السماء فيخاطبه الملك بالصورة الملكية.
الخامس: أن يرى أنه صعد إلى سدرة المنتهى، فيخاطبه الملك في ذلك المقام، بالصورة البشرية.
السادس: أن يرى أنه صعد إلى سدرة المنتهى، فيخاطبه الملك بالصورة الملكية.
السابع: أن يرى أنه في الجنة، فيخاطبه الملك فيها بالصورة البشرية.
الثامن: أن يرى أنه دخل إلى الجنة، وأن الملك يخاطبه فيها بالصورة الملكية.
التاسع: أن يرى أنه رأى النار، وأن الملك يخاطبه عندها بالصورة البشرية.
العاشر: أن يرى أنه رأى النار، وأن الملك يخاطبه عندها بالصورة الملكية.
الحادي عشر: أن يرى الحق جل شأنه مناماً، وقد تجلى له وخاطبه وهو في الأرض.
الثاني عشر: أن يرى الحق مناماً، وقد تجلى له وخاطبه وهو في الأرض.
стр. 50
الثالث عشر: أن يرى الحق جل شأنه مناماً، وقد تجلى له وخاطبه وهو في سدرة المنتهى.
الرابع عشر: أن يرى الحق جل شأنه وقد تجلى له في المنام وخاطبه وهو عند قاب قوسين أو أدنى.
الخامس عشر: أن يرى الحق جل شأنه مناماً، وقد تجلى له وهو في الجنة، ويخاطبه فيها.
السادس عشر: أن يرى الحق جل شأنه مناماً عند مشاهدة النيران وقد تجلى له.
السابع عشر: أن يرى الحق جل شأنه وقد تجلى له في غير ما ذكر من المواطن، من العوالم التي أوجدها الله جل شأنه، ويخاطبه مناماً، وتحت هذه الصورة صور كثيرة.
الثامن عشر: وحي الإلهام، وهو على قسمين:
- إما أن يكون بواسطة سؤال أو أمر حدث فيلقى في سره جوابه، وتحقيق الحال فيه، وكشف الغطاء عن ذلك الأمر.
- أو يلقى في سره من غير سؤال ولا أمر حدث، وهو:
التاسع عشر: ويسمى هذا بالنفث في الروع، وقد ورد عن النبي ﷺ :
стр. 51
" إن روح القدس نفث في روعي: أن لا تموت نفس إلا بأجلها ".
العشرون: وحي الملك، يظهر له بصورة جميلة بشرية كظهور الملك في صورة دحية الكلبي، وكان من أجمل أهل زمانه في عهد النبي ﷺ ويخاطبه، وهو في محله من الأرض.
الحادي والعشرون: أن يظهر له الملك في صورة بشرية غير موصوفة بجمال، كظهوره له في صورة أعرابي. كما في حديث: " أتاكم ليعلمكم ".
الثاني والعشرون: أن يظهر له الملك بالصورة الملكية، وهو في الأرض.
الثالث والعشرون: أن يظهر له بالصورة البشرية، وقد صعد إلى السماء.
الرابع والعشرون: أن يظهر له بالصورة الملكية يقظة وقد صعد إلى السماء.
الخامس والعشرون: أن يراه في الصورة البشرية يقظة عند سدرة المنتهى.
السادس والعشرون: أن يراه يقظة عند سدرة المنتهى بالصورة الملكية.
السابع والعشرون: أن يراه يقظة في جنة الخلد بصورة بشرية.
الثامن والعشرون: أن يراه يقظة في جنة الخلد بصورة ملكية.
التاسع والعشرون: أن يراه يقظة وهو مطلع على النار في صورة بشرية.
الثلاثون: أن يراه وهو مطلع على النار يقظة في صورة ملكية.
стр. 52
الحادي والثلاثون: وحي المشافهة والخطاب الإلهي بغير واسطة، وهو أن يتجلى الحق له بصفة الجمال ويخاطبه وهو في كمال الشعور، فيسمع الوحي الإلهي من غير جهة ولا صوت ولا حرف، وهو في موضعه من الأرض.
الثاني والثلاثون: أن يتجلى الحق - جل شأنه - عليه وهو في الأرض بصفة الجلال ويخاطبه خطاب الإنذار والتحذير وهو في كمال الشعور.
الثالث والثلاثون: أن يتجلى الحق عليه وهو في عروجه إلى السماء بصفة الجمال، فيخاطبه بخطاب الإلطاف والرحمة.
الرابع والثلاثون: أن يتجلى عليه وهو في السماء ويخاطبه خطاب الجلال، والقوة، والقهر.
الخامس والثلاثون: أن يتجلى له بصفة الجمال عند سدرة المنتهى، ويخاطبه.
السادس والثلاثون: أن يتجلى له بصفة الجلال عند سدرة المنتهى، ويخاطبه بخطاب الجلال.
السابع والثلاثون: أن يتجلى له بصفة الجمال عند قاب قوسين أو أدنى، ويخاطبه.
الثامن والثلاثون: أن يتجلى له بصفة الجلال عند قاب قوسين، ويخاطبه.
التاسع والثلاثون: أن يتجلى له بصفة الجمال عند مشاهدة الجنان، ويخاطبه.
الأربعون: أن يتجلى له بصفة الجلال عند مشاهدة النيران، ويخاطبه بخطاب الجلال.
الحادي والأربعون: أن يتجلى له بصفة الجمال عند مشاهدة العوالم التي لا يعلمها إلا هو، أو من أطلعه عليها من خواص عباده، وأنبيائه، فيخاطبه بخطاب الرحمة.
стр. 53
الثاني والأربعون: أن يتجلى عليه بصفة الجلال عند رؤية هذه العوالم، والدخول إليها، ويخاطبه بالقهر والقوة.
الثالث والأربعون: أن يتجلى له في أي مكان من الأماكن السابقة بصفة الوجود، ويخاطبه بخطاب الوجود، فيتلاشى وجوده في وجود مبدعه، ويرى وجوده سارياً في كل الموجودات، وهو في كمال الشعور.
الرابع والأربعون: أن يتجلى له بصفة الحياة، ويخاطبه بخطاب الحياة، فيرى حياة الموجودات بحياته جل شأنه.
الخامس والأربعون: أن يتجلى عليه بصفة العلم، ويخاطبه بخطاب العلم، فيرى إحاطته بسائر المعلومات، وهو في كمال شعوره.
السادس والأربعون: أن يتجلى عليه بصفة القدرة، ويخاطبه بخطاب القدرة فيرى كل الموجودات متأثرة بالقدرة الإلهية.
فهذه ستة وأربعون نوعاً من أنواع الوحي. ولو أردنا الاستقصاء وتتبع الصور لربما بلغت مائة أو ما يزيد على ذلك. وهذه الصور مما من الله تعالى بها علي، ولم أقف على تفصيل ولا بيان، والله الموفق.
стр. 54
وقد دل القرآن الشريف، على إثبات الوحي بالرؤيا، قال الله تعالى في قصة نبيه إبراهيم ﵇: (يبني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى قال يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين) [الصافات: ١٠٢]. وقال الله تعالى في خطاب يوسف ﵇ لأبيه: (هذا تأويل رؤياى من قبل قد جعلها ربي حقا) [يوسف: ١٠٠].
стр. 55
النوع الخامس
علم صفة حال النبي ﷺ
حين ينزل عليه الوحي
стр. 56
النوع الخامس
علم صفة حال النبي ﷺ
حين ينزل عليه الوحي
وهذا النوع أيضاً لم يذكره الإمام السيوطي - رحمه الله تعالى -.
أخرج البخاري عن عائشة أم المؤمنين ﵂ أن الحارث بن هشام، سأل رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، كيف يأتيك الوحي؟ فقال رسول الله ﷺ : (أحياناً يأتيني مثل صلصلة الجرس، وهو أشد علي فيفصم عني وقد وعيت عنه ما قال، وأحياناً يتمثل لي الملك رجلاً فيكلمني فأعي ما يقول).
قال عائشة ﵂: ولقد رأيته ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد،
стр. 57
فيفصم عنه، وإن جبينه ليتفصد عرقاً. انتهى. يتفصد: أي يرشح بالعرق.
وأخرج البخاري في صحيحه، حدثنا أبو نعيم، حدثنا همام، حدثنا عطاء، وقال مسدد: حدثنا يحيى، عن ابن جريج، قال: أخبرني عطاء، قال: أخبرني صفوان بن يعلى بن أمية، ......................
стр. 58
أن يعلى كان يقول: ليتني أرى رسول الله ﷺ حين ينزل عليه الوحي، فلما كان النبي ﷺ بالجعرانة، وعليه ثوب قد أظل عليه، ومعه ناس من أصحابه، إذ جاءه رجل متضمخ بطيب، فقال: يا رسول الله، كيف ترى في رجل أحرم في جبة بعدما تضمخ بطيب؟
فنظر النبي ﷺ ساعة، فجاءه الوحي، فأشار إلى يعلى أن تعال، فجاء يعلى فأدخل رأسه فإذا هو محمر الوجه يغط كذلك ساعة، ثم سري عنه، فقال: أين الذي يسألني عن العمرة آنفاً؟ فالتمس الرجل، فجيء به إلى النبي ﷺ فقال: " أما الطيب الذي بك فاغسله ثلاث مرات، وأما الجبة فانزعها عنك، ثم اصنع في عمرتك كما تصنع في حجك ".
стр. 59
وأخرج مسلم بن عبادة بن الصامت، قال: كان نبي الله ﷺ إذا أنزل عليه الوحي كرب لذلك، وتربد له وجهه. وفي رواية: كان إذا نزل عليه الوحي، عرفنا ذلك في فيه، وغمض عينه، وتربد وجهه. انتهى.
قوله: " كرب ": أي حصل له كرب شديد. وقوله: " تربد وجهه ": أي تجمع وتغبر. وهذه الأحاديث تدل على أن يكون في حالة الوحي، في شدة وكرب. وقال الله تعالى: " إنا سنلقي عليك قولاً ثقيلاً " [المزمل: ٥]. قال ابن مسعود ﵄: شديداً.
وقيل: "ثقيلاً "يعني كلاماً عظيماً جليلاً، ذا خطر وعظم، لأنه
стр. 60
كلام رب العالمين. وكل شيء له خطر ومقدار، فهو ثقيل، والمعنى: فصبر نفسك مستعدة لقبول هذا القول العظيم الثقيل الشاق.
وقيل: في الوحي، لأن النبي ﷺ كان إذا نزل عليه الوحي يجد له مشقة.
وقيل: إنما سمي ثقيلاً لما فيه من الأوامر والنواهي، فإن فيها مشقة وكلفة غلى النفس.
وقيل: لما فيه من الوعد، والوعيد، والحلال والحرام، والحدود، والأحكام، والفرائض.
وقيل: ثقيلاً على المنافقين، لأنه يظهر عيوبهم ونفاقهم.
وقيل: هو خفيف على اللسان، ثقيل في الميزان.
وقيل: ثقيلاً بالمعاني ليس بسفاسف لأنه كلام رب العالمين.
стр. 61
وقيل: معناه أنه قول مبين في صحته وبيان نفعه، كما تقول: هذا كلام رصين، وهذا قول له وزن. إذا استجدته، وعلمت أنه صادق الحكمة. والبيان الرصين - بالصاد المهملة -: المحكم الثبوت.
وقيل: سماه ثقيلاً لما فيه من المحكم والمتشابه، والناسخ والمنسوخ.
وقال بعضهم: إنما سمي ثقيلاً - يعني القرآن -, فإنه لما فيه من التكاليف الشاقة، ثقيل على المكلفين، سيما على رسول الله ﷺ إذا كان ﵇ يتحملها ويحملها أمته، ومما يدل على شدة الوحي وثقله على النبي ﷺ قول الله تعالى: (يا أيها المزمل) [المزمل: ١]، وهو خطاب للنبي ﷺ : أي المتزمل في ثيابه. وهو التلفف فيها.
قال المفسرون: كان النبي ﷺ يتزمل في ثيابه أول ما جاءه جبريل فرقاً منه، فكان يقول: زملوني، زملوني. حتى أنس به. انتهى. وذلك لشدة الوحي وعظم الخطاب.
стр. 62
ومما يدل على شدة الوحي، قوله تعالى: (يا أيها المدثر) [المدثر: ١]، وهو الذي يدثر في ثيابه ليستدفئ بها، وإنما سمي النبي ﷺ المدثر، لقوله: " دثروني"، : أي: لحفوني، واجعلوا علي غطاء.
أخرج البخاري في كتاب التفسير، عن جابر ﵁ من رواية الزهري عن أبي سلمة، عنه، قال: سمعت النبي ﷺ وهو يحدث عن فترة الوحي، فقال في حديثه: " فبينما أنا أمشي إذ سمعت صوتاً من السماء، فرفعت رأسي، فإذا الملك الذي جاءني بحراء جالس على كرسي بين السماء
стр. 63
والأرض، فجئثت منه رعباً، فرجعت، فقلت: زملوني، زملوني، فدثروني، فأنزل الله : (يأيها المدثر) إلى (والرجز فاهجر) [المدثر: ١ - ٥] قبل أن تفرض الصلاة ". وهي الأوثان. وفي رواية: " فجئت منه حتى هويت إلى الأرض، فجئت إلى أهلي ....... " وذكره، وفيه، قال أبو سلمة: والرجز: الأوثان، قال: " ثم حمي الوحي وتتابع ".
ومما يدل على شدة الوحي، ما روي أن النبي ﷺ كان في سفر فأنزل عليه الوحي وهو في ناقته، فبركت، وألقت جرانها على الأرض. كذلك ما
стр. 64
روي عن بعض أصحابه ﵃: أن النبي ﷺ كان متكئاً في حجره، فأنزل عليه القرآن، فثقل على ذلك الرجل، حتى كاد يرضه من شدة الثقل.
والحاصل: إن حال النبي ﷺ في حالة نزول الوحي، حال استغراق وثقل حتى يسري عنه الوحي.
فإن قلت: هل يحصل له من تلك الشدة والثقل ألم؟ أم لا؟
قلت: الظاهر أن التعب والشدة الحاصلة بنزول الوحي، إنما هي على الجسم، وأما الروح، فهي في نعيم ولذة بمباشرة الوحي، وسماع الخطاب، فليس عليها مشقة ولا كرب. والله أعلم.
стр. 65
النوع السادس
علم كيفية استعجال النبي ﷺ
بحفظ الوحي قبل أن يتممه جبريل،
ونهي الله تعالى له عن ذلك
стр. 66
النوع السادس
علم كيفية استعجال النبي ﷺ
بحفظ الوحي قبل أن يتممه جبريل،
ونهي الله تعالى له عن ذلك
ولم يذكر هذا النوع أيضاً الحافظ السيوطي - رحمه الله تعالى -.
قال الله تعالى: (لا تحرك به لسانك لتعجل به. أن علينا جمعه وقرآنه. فإذا قرأناه فاتبع قرآنه. ثم إن علينا بيانه) [القيامة: ١٦ - ١٩].
أخرج البخاري في صحيحه في باب بدء الوحي: عن سعيد بن جبير، عن ابن عبا س ﵄ في قوله تعالى: " لا تحرك به لسانك لتعجل به " [القيامة: ١٦]، قال: كان رسول الله ﷺ يعالج من التنزيل شدة، وكان مما يحرك شفتيه. قال ابن عباس: فأنا أحركهما لكم كما كان رسول الله ﷺ يحركهما.
وقال سعيد: أنا أحركهما كما رأيت ابن عباس يحركهما، فحرك شفتيه، فأنزل الله تعالى: (لا تحرك به لسانك لتعجل به. إن علينا جمعه وقرآنه) [القيامة: ١٦, ١٧]. قال: جمعه لك في صدرك وتقرأه.
(فإذا قرأناه فاتبع قرآنه)، قال: فاستمع له وأنصت. (ثم إن علينا
بيانه)، ثم إن علينا أن تقرأه. فكان رسول الله ﷺ بعد ذلك إذا أتاه جبريل استمع، فإذا انطلق جبريل قرأه النبي ﷺ كما قرأ. انتهى.
стр. 67
والمعنى: " لا تحرك " يا محمد به - أي القرآن - لسانك قبل أن يتم وحيه. (لتعجل): لتأخذه على عجلة مخافة أن ينفلت. (إن علينا جمعه) في صدرك (وقرءآنه) وإثبات قراءته في لسانك، (فإذا قرأناه) بلسان جبريل عليك، (فاتبع قرءانه) قراءته وتكرر فيه حتى يرسخ في ذهنك. (إن علينا بيانه): ببيان ما أشكل عليك من معانيه.
فإن قلت: كيف عاد ضمير (لتعجل به) على القرآن، وليس القرآن مذكوراً فيما تقدم، والضمير لا يعود إلا على مذكور سابق؟
قلت: إنما جاز ذلك لدلالة آخر الكلام، وهو قوله: (إن علينا جمعه وقرءآنه)، ودلالة السياق كدلالة السباق. فكأنه من فحوى الكلام ومشاهد الحال، ظهر أن الضمير يعود على القرآن لا على غيره، فلم يكن اشتباه.
فإن قلت: كيف قيل: (فإذا قرأناه) وإنما القارئ جبريل؟ قلت: لما كان
стр. 68
بأمر الله تعالى، نسب إليه، كما يقال: قتل الأمير فلاناً، إذا أمر بقتله.
وقيل في معنى الآية: (لا تحرك به لسانك): خطاب للإنسان المذكور في قوله تعالى: (بل الإنسان على نفسه بصيرة. ولو ألقى معاذيره. لا تحرك به لسانك لتعجل به) [القيامة: ٤ - ١٦].
والمعنى: أنه يؤتى كتابه فيتلجلج لسانه من سرعة قراءته خوفاً، فيقال: لا تحرك به لسانك لتعجل به، فإن علينا بمقتضى الوعد جمع ما فيه من أعمالك وقرءاته، (فإذا قرأناه فاتبع قرءانه) بالإقرار والتأمل فيه، ثم إن علينا بيان أمره بالجزاء عليه.
وقيل في قوله تعالى: (فاتبع قرءانه): أي اعمل به، واتبع حلاله وحرامه.
стр. 69
والحاصل: أن النبي ﷺ لشدة رغبته في حفظ القرآن وحرصه على أن لا يضيع شيء منه، كان إذا نزل عليه جبريل بالقرآن، يكرر ويردد ما يلقيه إليه قبل تمامه وكماله، خشية نسيان شيء منه، فأمره الله تعالى بأن يستمع لما يلقيه، وينصت له ولا يشتغل بالحفظ والتكرار، ويكفل له بأن لا يضيع ولا يذهب شيء منه، وأنه إذا فرغ جبريل من الإلقاء يجمع له في صدره، وينطق به لسانه على أحسن وجه وأتمه، ولا ينسيه منه شيئاً إلا ما شاء أن ينسيه إياه.
قال تعالى: (سنقرئك فلا تنسى. إلا ما شاء الله إنه يعلم الجهر وما يخفى) [الأعلى: ٧، ٦] (سنقرئك): أي نعلمك القراءة على لسان جبريل، أو بطريق من طرق الوحي المشهورة، فلا تنسى ما تقرؤه. وذلك أن النبي ﷺ كان إذا نزل جبريل بالوحي لم يفرغ من آخر الآية حتى يتكلم رسول الله ﷺ بأولها مخافة أن ينساها، فأنزل الله تعالى: (سنقرئك فلا تنسى) فلم ينس شيئاً بعد ذلك، إلا ما شاء الله أن ينساه، وهو مانسخ تلاوته من القرآن ورفع.
وقيل: إلا ما شاء الله أن تنساه لحكمة، ثم تذكره.
وقد صح أن رسول الله ﷺ سمع رجلاً يقرأ في الليل سورة، فقال:
стр. 70
" يرحمه الله، لقد أذكرني كذا وكذا آية كنت أنسيتها من سورة كذا " وفي رواية: " أسقطتهن من سورة كذا " أخرجاه في الصحيحين بمعناه.
وقيل: هذا الاستثناء لم يقع، ولم ينسه الله شيئاً.
(إنه يعلم الجهر وما يخفى) [الأعلى: ٧]، أي: جهرك بالقراءة مع جبريل، وما دعاك إليه مخافة النسيان، فيعلم ما فيه صلاحك من إبقاء وإنساء.
(ونيسرك لليسرى) [الأعلى: ٩]، أي: نهون عليك الوحي حتى تحفظه ولا تنساه.
(فذكر)، أي: فعظ بالقرآن.
(إن نفعت الذكرى) [الأعلى: ٩]، أي: إن نفعت الموعظة والتذكير.
وفي الكلام حذف يدل عليه ما بعد ذلك من السياق، والمحذوف: (فذكر إن نفعت الذكرى) أو لم تنفع، فما عليك إلا البلاغ، فأما من خشي الله، فإنه يذكر وأما الأشقى فيتجنب الذكرى ولايتعظ ولا يقبل ولا يصغى.
стр. 71
فإن قلت: هل يجوز نسيان شيء من الوحي على الأنبياء ﵈ أو سهو عنه؟
قلت: الصحيح أنه لا يجوز قبل التبليغ والإيصال إلى الخلق، وأما بعد التبليغ فيجوز.
وقال بعضهم: لا يجوز النسيان على الأنبياء، لا قبل التبليغ ولا بعده. وقد ورد في الصحيح عن رسول الله ﷺ : " إنما أنا بشر أنسى كما تنسون، فإذا نسيت فذكروني ".
стр. 72
فإن قلت: هل بين النسيان والسهو فرق؟
قلت: قال بعضهم: ليس بيهما فرق. والصحيح أن النسيان أعم من السهو، فإن السهو أدون رتية من النسيان، فإن النسيان أشد غفلة عن الشيء، والسهو ما يتنبه الغافل له بأدنى تنبه، ويقع على السهو نسيان ولا يسمى النسيان سهواً. والله سبحانه أعلم.
стр. 73
النوع السابع
علم نزول القرآن من اللوح المحفوظ
إلى السماء الدنيا
стр. 74
النوع السابع
علم نزول القرآن من اللوح المحفوظ
إلى السماء الدنيا
ولم يفرد هذا النوع الإمام السيوطي أيضاً - رحمه الله تعالى - بل ذكره ضمناً في بعض الأنواع، وهو حقيق بالإفراد.
اختلف في كيفية إنزاله من اللوح المحفوظ على أربعة أقوال:
أحدهما: وهو الأصح والأشهر، أنه نزل إلى السماء الدنيا ليلة القدر جملة واحدة، ثم نزل بعد ذلك منجماً في عشرين سنة، أو ثلاث وعشرين، أو خمس وعشرين، على حسب الاختلاف في مدة إقامته ﷺ بمكة بعد البعثة.
الثاني: أنه نزل إلى السماء الدنيا في عشرين ليلة قدر، أو ثلاث وعشرين، أو خمس وعشرين، في كل ليلة ما يقدر الله تعالى إنزاله في كل
стр. 75
السنة، ثم ينزل بعد ذلك منجماً في جميع السنة. ونقل هذا عن مقاتل بن حيان، والحليمي، والماوردي.
القول الثالث: أن ابتداء إنزاله في ليلة القدرمن اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا، ثم نزل بعد ذلك منجماً في أوقات مختلفة من سائر الأوقات، وبه قال الشعبي.
القول الرابع: أنه نزل من اللوح المحفوظ جملة واحدة، وأن الحفظة نجمته على جبريل في عشرين ليلة، وأن جبريل ﵇ نجمه على النبي ﷺ في عشرين سنة.
следующие страницы →