Полный текст (4 238 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
فإن قلت: هل يجوز نسيان شيء من الوحي على الأنبياء ﵈ أو سهو عنه؟
قلت: الصحيح أنه لا يجوز قبل التبليغ والإيصال إلى الخلق، وأما بعد التبليغ فيجوز.
وقال بعضهم: لا يجوز النسيان على الأنبياء، لا قبل التبليغ ولا بعده. وقد ورد في الصحيح عن رسول الله ﷺ : " إنما أنا بشر أنسى كما تنسون، فإذا نسيت فذكروني ".
стр. 72
فإن قلت: هل بين النسيان والسهو فرق؟
قلت: قال بعضهم: ليس بيهما فرق. والصحيح أن النسيان أعم من السهو، فإن السهو أدون رتية من النسيان، فإن النسيان أشد غفلة عن الشيء، والسهو ما يتنبه الغافل له بأدنى تنبه، ويقع على السهو نسيان ولا يسمى النسيان سهواً. والله سبحانه أعلم.
стр. 73
النوع السابع
علم نزول القرآن من اللوح المحفوظ
إلى السماء الدنيا
стр. 74
النوع السابع
علم نزول القرآن من اللوح المحفوظ
إلى السماء الدنيا
ولم يفرد هذا النوع الإمام السيوطي أيضاً - رحمه الله تعالى - بل ذكره ضمناً في بعض الأنواع، وهو حقيق بالإفراد.
اختلف في كيفية إنزاله من اللوح المحفوظ على أربعة أقوال:
أحدهما: وهو الأصح والأشهر، أنه نزل إلى السماء الدنيا ليلة القدر جملة واحدة، ثم نزل بعد ذلك منجماً في عشرين سنة، أو ثلاث وعشرين، أو خمس وعشرين، على حسب الاختلاف في مدة إقامته ﷺ بمكة بعد البعثة.
الثاني: أنه نزل إلى السماء الدنيا في عشرين ليلة قدر، أو ثلاث وعشرين، أو خمس وعشرين، في كل ليلة ما يقدر الله تعالى إنزاله في كل
стр. 75
السنة، ثم ينزل بعد ذلك منجماً في جميع السنة. ونقل هذا عن مقاتل بن حيان، والحليمي، والماوردي.
القول الثالث: أن ابتداء إنزاله في ليلة القدرمن اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا، ثم نزل بعد ذلك منجماً في أوقات مختلفة من سائر الأوقات، وبه قال الشعبي.
القول الرابع: أنه نزل من اللوح المحفوظ جملة واحدة، وأن الحفظة نجمته على جبريل في عشرين ليلة، وأن جبريل ﵇ نجمه على النبي ﷺ في عشرين سنة.
стр. 76
والقول الأول هو الصحيح، لما أخرجه الحاكم والبيهقي والنسائي من طريق داود بن أبي هند عن عكرمة عن ابن عباس ﵄ قال: نزل القرآن جملة واحدة إلى السماء الدنيا ليلة القدر، ثم نزل بعد ذلك في عشرين سنة، ثم قرأ: (ولايأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيراً) [الفرقان: ٣٣]، (وقرءاناً فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ونزلناه
стр. 77
تنزيلاً) [الإسراء: ١٠٦]، ويمكن رجوع القول الثاني والرابع إلى الأول.
أما الثاني، وهو: قوله نزل في عشرين ليلة القدر إلى السماء الدنيا، يعني نزوله في السماء الدنيا بتلقي جبريل من الحفظة لا أنه لم ينزل جملة.
وأما القول الرابع: فهو يفيد أنه نزل إلى الحفظة جملة واحدة، وأن الحفظة نجمته على جبريل، وقد ثبت أن الحفظة في السماء الدنيا فيستفاد أنه نزل إلى السماء الدنيا، وأن الحفظة نجمته على جبريل في عشرين ليلة قدر من كل سنة.
ويدل لهذا الجمع ما أخرجه ابن أبي حاتم من طريق الضحاك عن ابن عباس ﵄ قال: نزل القرآن جملة من عند الله من اللوح المحفوظ إلى السفرة الكرام الكاتبين في السماء الدنيا، فنجمته السفرة على جبريل في عشرين ليلة، ونجمه جبريل على النبي ﷺ عشرين سنة.
تنبيه:
قال أبو شامة: الظاهر أن نزوله جملة إلى السماء الدنيا قبل نبوته ﷺ .
قال: ويحتمل أن يكون بعدها.
стр. 78
قال الحافظ السيوطي - رحمه الله تعالى -: والظاهر الثاني. انتهى.
بقي احتمال أن يكون مقارناً لنبوته ﷺ وهو قريب، ويدل له قول الحكيم الترمذي - رحمه الله تعالى -: إنزال القرآن جملة واحدة إلى السماء الدنيا تسليماُ للأمة ما كان أبرز لهم من الحظ بمبعث محمد ﷺ ، وذلك أن بعثة محمداً ﷺ كانت رحمة، فلما خرجت الرحمة بفتح الباب جاءت بمحمد ﷺ وبالقرآن فوضع القرآن في بيت العزة في السماء الدنيا، ليدخل في حيز الدنيا، ووضعت النبوة في قلب محمد ﷺ ، وجاء جبريل بالرسالة ثم الوحي، كأنه أراد أن يسلم هذه الرحمة التي كانت حظ هذه الأمة نت الله تعالى إلى الأمة. انتهى.
فائدة:
قد تبين بقول الحكيم حكمة نزوله إلى السماء الدنيا .
فإن قلت: مالسر في نزوله منجماً؟ وهلا نزل كسائر المتب السماوية؟
قلت: قال أبو شامة: قد تولى الله جوابه فقال تعالى: (وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة) [الفرقان: ٣٢]، فأجابهم الله تعالى بقوله: (لنثبت به فؤادك) [الفرقان: ٣٢]، لنقوي به قلبك، فإن الوحي إذا كان يتجدد في كل حادثة كان أقوى للقلب، وأشد عناية بالمرسل إليه، ويستلزم من ذلك كثرة نزول الملائكة إليه، وتجدد العهد به وبما معه من الرسالة الواردة من ذلك الجناب العزيز، فيحدث له من السرور ما تقصر عنه العبارة، ولهذا كان أجود ما يكون في رمضان، لكثرة لقائه جبريل. انتهى.
стр. 79
وقيل: إنما لم ينزل جملة واحدة لأن منه الناسخ والمنسوخ، ومنه جواب سؤال، ومنه إنكار على قول قيل، أو فعل، أو إقرار، والحاصل: أن الآية تضمنت كلاً من هاتين الحكمتين. قوله: (لنثبت به فؤادك) للأول، وقوله: (ولا يأتونك بمثل) [الفرقان: ٣٣] للثاني.
ولنزوله مفرقاً حكمة أخرى، وهو: ما أخرجه البخاري عن عائشة ﵂ قالت: إنما نزل أول ما نزل منه سور من المفصل فيها ذكر الجنة والنار، حتى إذا ثاب الناس لإلى الإسلام نزل الحلال والحرام، ولو نزل أول شيء " لا تشربوا الخمر "، لقالوا: لا ندع الخمر أبداً، ولو نزل لا تزنوا، لقالوا: لا ندع الزنا أبداً.
أقول: ويمكن أن تستفاد هذه الحكمة من قوله تعالى: " ورتلناه ترتيلاً " [الفرقان: ٣٢]. ويدل لما ذكر ما وقع لبني إسرائيل، أخرج ابن أبي حاتم غن ثابت بن الحجاج قال: جاءتهم التوراة جملة واحدة فكبر عليهم، فأبوا أن يأخذوهم حتى ظلل الله عليهم الجبل، فأخذوه.
فائدة أخرى:
الذي يظهر من سياق الأحاديث، أن القرآن كان ينزل على حسب الوقائع
стр. 80
آية وآيتين وأكثر، وروى البيهقي في الشعب من طريق أي خلدة عن عمر ﵁ قال: تعلموا القرآن خمس آيات خمس آيات، فإن جبريل كان ينزل بالقرآن على النبي ﷺ خمساً خمساً، وفي الباب، عن علي وأبي سعيد.
قال السيوطي - رحمه الله تعالى -: الجواب إن صح معناه، أن إلقاءه إلى النبي ﷺ هذا القدر حتى يحفظه، ثم يلقي إليه الباقي، لا إنزاله بهذا القدر خاصة، ويوضح ذلك ما أخرجه البيهقي أيضاً عن خالد بن دينار، قال لنا أبو العالية: تعلموا القرآن خمس آيات، فإن رسول الله ﷺ كان يأخذه من جبريل خمساً.
стр. 81
النوع الثامن
علم معنى نزوله، وإنزاله، وتنزيله
стр. 82
النوع الثامن
علم معنى نزوله، وإنزاله، وتنزيله
قال القطب الرازي في حواشي " الكشاف ": الإنزال لغة: بمعنى: الإيواء، وبمعنى تحريك الشيء من العلو إلى الأسفل، وكلاهما لا يتحققان في الكلام، فهو يستعمل فيه في معنى مجازي.
فمن قال: القرآن معنى قائم بذات الله تعالى، فإنزاله بإيجاد الكلمات والحروف الدالة على المعنى وإثباتها في اللوح المحفوظ.
ومن قال: القرآن هو الألفاظ، فإنزاله مجرد إثباته في اللوح المحفوظ، وهذا المعنى مناسب لكونه منقول عن المعنيين اللغويين، ويمكن أن يكون المراد بإنزاله، إثباته في السماء الدنيا بعد إثباته في اللوح المحفوظ، وهذا مناسب للمعنى الثاني.
стр. 83
والمراد بإنزال الكتب على الرسل أن يتلقفها الملك من الله تعالى تلقفاً روحانياً أو يحفظها من اللوح المحفوظ وينزل بها فيلقيها عليهم. انتهى.
تنبيه:
إنزال القرآن على ثلاثة أقسام:
إنزال الله سبحانه بتلقي الملك، وإنزاله من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا، وإنزاله من السماء الدنيا، وإنزاله من السماء الدنيا على النبي ﷺ .
ومعنى الإنزال في كل من هذه المعاني متحقق في الآخرين على الحقيقة، فإن موضع اللوح أعلى من السماء الدنيا، فصدق عليه النزول، والسماء الدنيا أعلى من الأرض، فصدق عليه النزول بالمعنى اللغوي. بقي المعنى الأول، وهو أن الجهة مستحيلة في حقه .
وأقول: الجواب عن ذلك: أن معنى إنزاله محمول على المعنى المجازي، وهو أن الموجودات لما كانت من حيث هي قسمان: واجب وهو الله ، وممكن وهو ما سواه، ورتبة الواجب أعلى، فنزول القرآن من الإيجاب إلى ظهور الإمكان نزول رتبي، فإنه بعد أن كان ظهوره عند الحق سبحانه ليس ظاهراً في الإمكان، ثم نزل من عالم الوجوب وظهر في عالم الإمكان، فصدق عليه النزول.
стр. 84
واختلفوا في المنزل على محمد ﷺ على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه اللفظ والمعنى، وأن جبريل حفظه من اللوح ونزل به.
الثاني: أن جبريل إنما نزل بالمعاني خاصة، وأنه ﷺ علم تلك المعاني، وعبر عنها بلغة العرب.
والثالث: أن جبريل ألقى عليه المعنى وعبر عنه بهذه الألفاظ بلغة العرب، وأن أهل السماء يقرأونه بالعربية. انتهى.
أقول: قد تقدم في علم وحي القرآن أن نزول جبريل كان باللفظ والمعنى جميعاً، وهو الحق. وبما تقدم ينكشف هذا المعنى.
والفرق بين إنزال القرآن وتنزيله:
أن التنزيل يختص بالموضع الذي يشار به إلى إنزاله متفرقاً مرة بعد أخرى، والإنزال أعم من ذلك. قاله الراغب.
والتنزيل والنزول مخصوص بالملك، قال تعالى: (تنزل الملائكة والروح فيها)
стр. 85
[القدر: ٤]، وقال: (نزل به الروح الأمين) [الشعراء: ١٩٣]، ولايقال في المفتري والكذاب وما كان من الشياطين إلا التنزيل، قال تعالى: (وماتنزلت به الشياطين) [الشعراء: ٢١٠]. قاله الراغب.
стр. 86
النوع التاسع
علم أول ما نزل
стр. 87
النوع التاسع
علم أول ما نزل
اختلف في أول ما نزل من القرآن. فالمشهور أنه سورة (اقرأ)، وقيل: (المدثر)، وقيل: (الفاتحة)، وقيل: (البسملة)، ولكل من هذه الأقوال مستند.
فأما الأول: فلما روى البخاري بسنده عن عائشة أم المؤمنين ﵂ أنها قالت: (أول ما بدئ به رسول الله ﷺ من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حبب إليه الخلاء فكان يختلي بغار حراء فيتحنث فيه - وهو التعبد- الليالي ذوات العدد، قبل أن ينزع إلى أهله ويتزود لذلك،
ثم يرجع إلى خديجة ﵂ فيتزود لمثلها، حتى جاء الحق وهو في غار حراء، فجاءه الملك، فقال: اقرأ، فقال: ما أنا بقارئ، قال: فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني، فقال:
стр. 88
اقرأ، فقلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني فقال: اقرأ، فقلت: ما أنا بقارئ، فأخذني وغطني الثالثة، ثم أرسلني فقال: (اقرأ باسم ربك الذي خلق. خلق الإنسان من علق. اقرأ وربك الأكرم) [العلق: ١ - ٣]، فرجع بها رسول الله ﷺ يرجف فؤاده. الحديث.
وهذا هو المشهور الصحيح، أن أول ما نزل سورة (اقرأ) بغار حراء يقظة.
وروى الكلاعي وابن سيد الناس في سيرتيهما عن عبيد بن عمير: كان رسول الله صلى الله غليه وسلم يجاور في حراء من كل سنة شهراً، وكان ذلك مما تحنث به قريش في الجاهلية - والتحنث: التبرز - وكان يجاور ذلك
стр. 89
الشهر من كل سنة يطعم من جاءه من المساكين، فإذا قضى جواره من شهره كان أول ما يبدأ به إذا انصرف قبل أن يدخل بيته الكعبة، فيطوف بها سبعاً أو ما شاء الله، ثم يرجع إلى بيته، حتى إذا كان الشهر الذي أراد الله تعالى فيه ما أراد من كرامته، - وذلك الشهر رمضان - خرج رسول الله ﷺ إلى حراء - كما كان يخرج - لجواره ومعه أهله، حتى إذا كانت الليلة التي أكرمه الله فيها برسالتة، ورحم العباد بها، جاءه جبريل بأمر الله تعالى.
قال رسول الله ﷺ : فجاءني وأنا نائم بنمط من ديباج فيه كتاب، فقال: اقرأ، فقلت: ما أقرأ؟ فغتني به حتى ظننت أنه الموت، ثم أرسلني، فقلت: اقرأ، فقلت: ما أقرأ؟ فغتني به حتى ظننت أنه الموت، ثم أرسلني، فقلت: اقرأ، فقلت: ما أقرأ؟ ما أقول ذلك إلا افتداء منه أن يعود لي بمثل ما صنع، فقال: (اقرأ باسم ربك الذي خلق. خلق الإنسان من علق. اقرأ وربك الأكرم. الذي علم بالقلم. علم الإنسان ما لم يعلم)، فقرأتها ثم انتهى.
فانصرف عني، ووهبت من نومي فكأنما كتب في قلبي كتاباً،
стр. 90
فخرجت حتى إذا كنت في وسط من الجبل، سمعت صوتاً من السماء يقول: يا محمد أنت رسول الله حقاً وأنا جبريل، فرفعت رأسي إلى السماء أنظر، فإذا جبريل في صورة رجل صاف قدميه في أفق السماء يقول: يا محمد، أنت رسول الله وأنا جبريل، فوقفت أنظر إليه فيما أتقدم ولا أتأخر، وجعلت أصرف وجهي عنه في آفاق السماء، فلا أنظر في ناحية منها إلا رأيته كذلك، فما زلت واقفاً ما أتقدم أمامي وما أرجع ورائي، حتى بعثت خديجة رسلها في طلبي، فبلغوا مكة ورجعوا إليها وأنا واقف في مكاني، ثم انصرف عني وانصرفت عنه راجعاً إلى أهلي حتى أتيت خديجة، فجلست إلى فخذيها مضيقاً إليها، فقالت: يا أبا القاسم، أين كنت؟ فوالله لقد بعثت رسلي في طلبك فبلغوا مكة ورجعوا إلي. ثم حدثتها بالذي رأيت، فقالت: أبشر يا ابن عمي واثبت، فوالذي نفسي بيده إني لأرجو أن تكون نبي هذه الأمة. ثم قامت فجمعت عليها ثيابها، ثم انطلقت إلى ورقة بن نوفل وهو ابن عمها، وكان قد تنصر وقرأ الكتب وسمع من أهل التوراة والإنجيل، فأخبرته بما أخبرها به رسول الله ﷺ أنه رأى وسمع، فقال ورقة: قدوس، والذي نفسي بيده، لئن كنت صدقتيني يا خديجة لقد جاءه الناموس الأكبر
стр. 91
الذي كان يأتي موسى، وإنه لنبي هذه الأمة، فقولي لي: فليثبت. فرجعت خديجة إلى رسول الله ﷺ فأخبرته بقول ورقة.
قال ابن سيد الناس في آخر الباب: فهذه حالة، وحديث عائشة وغيرها أنه كان في اليقظة حالة ثانية، ولا تعارض لجواز الجمع بينهما بوقوعهما معاً، ويكون الإتيان في النوم توطئة للإتيان في اليقظة. انتهى.
وأقول: ما ذكره من جواز الجمع بينهما على الوجه المذكور قد تحقق، فقد روي في أول المبعث عن أبي بشر الدولابي إلى محمد بن عمرو ابن حزم قال: كان من بدء أمر رسول الله ﷺ أنه رأى في المنام رؤيا، فشق ذلك عليه، فذكر ذلك لصاحبته خديجة ﵂ فقالت: أبشر، فإن الله لا يصنع بك إلا خيراً. فذكر لها أنه رأى أن بطنه هزج، فطهر وغسل، ثم
стр. 92
أعيد كما كان، فقالت: هذا خير فأبشر. ثم استعلن له جبريل .... وفي الحديث - ثم أنزلت: (اقرأ)، فلما انصرف النبي ﷺ إلى خديجة. قال: أرأيتك الذي كنت حدثتك ورأيته في المنام، فإنه جبريل استعلن. وكذا روي عن ابن عباس من طريق الدولابي كما تقدم.
فعلى هذا يكون كما في حديث عبيد بن عمير من وحي (اقرأ) في المنام توطئة لوحي اليقظة المروي في حديث عائشة ﵂، والله أعلم.
وفي سيرة الكازروني - وهو من أئمة الحديث - ولم أرها في غيرها: أنه أول ما تراءى له جبريل أتاه من خلفه فضربه برجله فاستوى قائماً جالساً، ونظر يميناً وشمالاً فلم ير أحداً. ثم أتاه فضربه برجله ثم قال: قم يا محمد.
فإذا هو بشخص رجل يسير يبن يديه والنبي ﷺ يتبعه، ثم خرج من باب الصفاء، فلما كان بين الصفا والمروة أنشب رجله في الأرض، ومد رأسه إلى السماء، ونشر جناحيه فملأ بهما ما بين المشرق والمغرب، فإذا رجلاه مغموستان في صفرة، وإذا جناحاه مغموستان في الخضرة، وعليه
стр. 93
وشاحان من ياقوت أحمر، أجلى الجبين، واضح الجبهة، براق الثنايا، شعره كالمرجان الرابية شعره حبك، مكتوب بين عينيه لا إله إلا الله محمد رسول الله، فلما نظر إلى النبي ﷺ رعب من عظم خلقه ...
وفي الحديث: اقرأ يا محمد، قال: وما أقرأ، ولم أقرأ قط، فأخرج جبريل من تحت جناحه درنوكاً من درانيك الجنة منسوج بالدر والياقوت، فوضعه على وجه النبي ﷺ ثم غمه به حتى كاد يغشى عليه، ثم خلى عنه،
فقال: اقرأ، فأجابه بما أجابه به أولاً، ففعل به كالأول، فلما أفاق قال: اقرأ، قال: فخفت أن أقول لا، فيعود علي، قال: (اقرأ باسم ربك الذي خلق) إلى آخره [العلق: ١ - ٥]، ثم همز الأرض بعقبه فنبعت عين ماء، فتوضأ وتوضأ النبي ﷺ وصلى، فصلى النبي ﷺ معه يقتدي بصنيعه، ثم غاب عنه. وذكر حديثاً طويلاً، وهذا الذي نقلته بعضه بمعناه.
لكن هذا يعارض الرواية الصحيحة: أن نزول (اقرأ) إنما كان بحراء لا بين الصفا والمروة، ولا بهذه الكيفية. فإن صح هذا الحديث فيحتاج إلى الجمع بينهما.
стр. 94
ويمكن الجمع: بأنه أول ما أتاه جبريل وهو بغار حراء، وجاءه على صورة رجل وأنزلت اقرأ فيه على ما ساقه البخاري، ثم عقب ذلك أتاه جبريل بصورته المذكورة وفعل به ما فعل، وأعاد عليه القراءة، ليطيب بذلك قلبه، ويتيقن أن ذلك حق لا مرية فيه، وأن الآتي بالوحي يتشكل بأشكال مختلفة، في الأولى أتاه في صورة رجل، وفي هذه المرة أتاه في هذه الصورة. وقوله ﷺ : (ما أقرأ وما قرأت قط)، ظن أنه يريد ليقرأه غير ما تقدم في حراء. وقوله: (قط) مبالغة في عدم المعرفة.
وأيضاً فكان نزول (اقرأ) في هذه القصة ليس مقصوداً، بل المقصود تعليمه الوضوء والصلاة - كما تقدم في آخر الحديث - ويكون معنى أولية رؤية جبريل أولية مخصوصة، وهو رؤيته له على هذه الصفة. وتكرر نزول السورة ليس ممنوعاً، ويدل لهذا الحمل ما روي أن جبريل ﵇ أتاه في يوم الثلاثاء ثاني مبعثه فوافاه بأعلى مكة، فهمز جبريل بعقبة إلى ناحية الوادي، فنبعت عين ماء، فتوضأ جبريل وأرى النبي ﷺ الوضوء، ثم قام فصلى به ركعتين.
فلعل الحديث المتقدم كان في هذا اليوم وهذا من تمامه، فحينئذ يصح الجمع.
стр. 95
ويمكن الجمع بالعكس وهو: أنه أول إتيان جبريل للنبي ﷺ كان بين الصفا والمروة على الكيفية المذكورة، ثم لما كانت تلك الكيفية مزعجة بعيدة عن المألوف، ولهذا وقع له ﷺ في آخر الحديث أنه هم يصعد إلى قلة جبل فيرمي نفسه، لما خشي أن يكون مجنوناً فأتاه جبريل الثانية في غار حراء بصورة معهودة لا تنكر, فتحقق أنه الحق واتضح له.
ويدل على هذا الجمع قوله في هذا الحديث: (ما أقرأ وما قرأت قط). وإن أمكن أن يحمل على المبالغة لكنه خلاف الظاهر.
وأما من قال: إن أول ما أنزل (المدثر)، فلما رواه الشيخان عن أبي سلمة بن عبدالرحمن قال: سألت جبريل بن عبدالله: أي القرآن أنزل أول؟ فقال: (يا أيها المدثر) فقلت: أنبئت أنه (اقرأ باسم ربك الذي خلق)، فقال: لا أخبرك إلا بما قال رسول الله ﷺ : (إني جاورت بحراء، فلما قضيت جواري هبطت فاستنبطت الوادي، فنوديت، فنظرت أمامي وخلفي وعن يميني وعن شمالي، ثم نظرت إلى السماء فإذا هو جالس على عرش بين السماء والأرض - يعني جبريل - فأخذتني رجفة، فأتيت خديجة فقلت: دثروني دثروني، وصبوا علي ماءاً بارداً، فأنزل علي: (يا أيها المدثر. قم
стр. 96
فأنذر. وربك فكبر. وثيابك فطهر). انتهى.
وأجيب على ذلك بأجوبة أحسنها أن السائل كان عن أول سورة كاملة أنزلت من القرآن، فأجاب جبريل ﵁ بأن سورة نزلت بكاملها قبل نزول تمام سورة (اقرأ). ويدل على أن جابراً أراد ذلك، ما أخرجه البخاري في باب " بدء الوحي " قال ابن شهاب: وأخبرني أبو سلمة بن عبدالرحمن أن جابر بن عبدالله الأنصاري ﵁ قال - وهو يحدث عن فترة الوحي - فقال في حديثه: (بينا أنا أمشي إذ سمعت صوتاً من السماء، فرفعت بصري فإذا الملك الذي جاءني بحراء جالس على كرسي بين السماء والأرض، فرعبت منه، فرجعت فقال: زملوني، زملوني، فأنزل الله تعالى: (يا أيها المدثر. قم فأنذر) إلى قوله: (والرجز فاهجر)، فحمي الوحي وتتابع ".
فهذا صريح في أن جبريل ﵁ لا يعني أن سورة (المدثر) نزلت قبل (اقرأ)، وإنما مراده أنها أول سورة من القرآن نزلت وتكملت قبل أن يتكمل غيرها.
стр. 97
وأما من قال أول ما نزلت (الفاتحة) فلما روى الواحدي بسنده عن أبي ميسرة عمرو بن شرحبيل أن رسول الله ﷺ قال لخديجة: (إني إذا خلوت وحدي سمعت نداء، فقد والله خشيت أن يكون هذا أمراً)، فقالت: معاذ الله، ما كان الله ليفعل بك، فوالله إنك لتؤدي الأمانة، وتصل الرحم، وتصدق الحديث. فلما دخل أبو بكر ذكرت خديجة حديثه له وقالت: اذهب مع محمد إلى ورقة، فانطلقا فقص عليه فقال: (إذا خلوت وحدي سمعت نداء خلفي: يا محمد يا محمد، فأنطلق هارباً في الأرض). فقال: لا تفعل، إذا أتاك فاثبت حتى تسمع مايقال، ثم ائتني فأخبرني، فلما خلا ناداه: يا محمد قل: (بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين) حتى بلغ: (ولا الضالين) [الفاتحة: ١ - ٧].
وأخرجه البخاري في التفسير عن أبي ميسرة، لكن زاد فنودي فقال: لبيك، فقال: قل أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فقالها، فقيل: قل: (بسم الله الرحمن الرحيم) إلى آخر السورة.
وهذا الحديث مرسل، قال البيهقي: إن كان محفوظاً فيحتمل أن يكون
стр. 98
بعدما أنزل عليه (اقرأ) و (المدثر).
ويمكن الجمع بوجه آخر وهو: إن هذا الحديث ليس فيه ظهور الملك، فيمكن أن يكون هذا قبل وحي (اقرأ)، ووحي (اقرأ) كان بظهور الملك، وبه حصل العلم واليقين للنبي ﷺ بأنه رسول الله، فوحي (اقرأ) هو الأول بالنسبة إلى حصول المشافهة واليقين، وهذا أول بالنسبة إلى أنه أول وحي سمعه في اليقظة.
وأما من ذهب إلى أن أول ما نزل البسملة، فلما روى الواحدي بسنده عن عكرمة والحسن قال: أول ما نزل من القرآن: (بسم الله الرحمن الرحيم) وأول سورة: (اقرأ باسم ربك).
قال السيوطي - رحمه الله تعالى - في الإتقان: وعندي أن هذا لا يعد قولاً برأسه، فإنه من ضرورة نزول السورة نزول البسملة معها، فهي أول آية على الإطلاق.
стр. 99
النوع العاشر
علم آخر ما نزل من القرآن
стр. 100
النوع العاشر
علم آخر ما نزل من القرآن
اختلف فيه، فروى الشيخان عن البراء بن عازب قال: آخر آية نزلت: (يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة) [النساء: ١٧٦]، وآخر سورة نزلت (براءة).
وأخرج البخاري عن ابن عباس ﵄ قال: آخر آية نزلت (آية الربا)، يعني قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا) [البقرة: ٢٧٨].
وأخرج النسائي من طريق عكرمة عن ابن عباس ﵄ قال: آخر شيء نزل من القرآن (واتقوا يوماً ترجعون فيه إلى الله) الآية [البقرة: ٢٨١].
стр. 101
قال الحافظ السيوطي - رحمه الله تعالى -: ولا منافاة بين هذه الرواية وما سبق عن ابن عباس أن آخر ما نزل (آية الربا)، لأن الظاهر أنها نزلت دفعة واحدة كترتيبها في المصحف، ولأنها في قصة واحدة، فأخبر كل عن بعض ما نزل بأنه آخر، وذلك صحيح. انتهى.
وأخرج أبو عبيد في الفضائل عن ابن شهاب قال: آخر القرآن عهداً بالعرش آية الربا وآية الدين. وأيضاً لا منافاة في هذه الرواية، لكون آية الدين من تمام آية الربا، وقوله تعالى: (واتقوا) فالجواب عنه كالأول. وأما قول البراء: آخر ما نزل (يستفتونك) [النساء: ١٧٦]، فلعله في شأن الفرائض.
وأخرج ابن مردويه عن أبي بن كعب ﵁ قال: آخر القرآن بالله عهداً هاتان
стр. 102
الآياتان: (لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه) [براءة: ١٢٨، ١٢٩].
وأخرج مسلم عن ابن عباس ﵄ قال: آخر سورة نزلت: (إذا جاء نصر الله والفتح).
وأخرج الترمذي عن عائشة ﵂ قالت: آخر سورة نزلت (المائدة) فما وجدتم فيها من حلال فأحلوه، الحديث. قال البيهقي: ويجمع بين هذه الاختلافات إن صحت بأن كل واحد أجاب بما عنده. انتهى.
واعلم أن كثيراً ما يذكر في الحديث: وهذه الآية آخر ما نزلت، ويراد به لم ينسخها شيء، لا أنه لم ينزل بعدها شيء من القرآن.
стр. 103
النوع الحادي عشر
علم أول من نزل بالقرآن
стр. 104
النوع الحادي عشر
علم أول من نزل بالقرآن
وهذا النوع لم يذكره الحافظ السيوطي - رحمه الله تعالى -.
المشهور في الأحاديث الصحيحة، أنه أول ما أتى إليه جبريل بحراء على الصفة المذكورة، وروى الإمام أحمد في تاريخه بسند صحيح عن عامر الشعبي قال: إن رسول الله ﷺ نزلت عليه النبوة وهو ابن أربعين سنة، فقرن بنبوته إسرافيل فكان يعلمه الكلمة والشيء، ولم ينزل القرآن على لسانه، فلما مضت ثلاث سنين قرن بنبوته جبريل فنزل القرآن على لسانه عشرين سنة. انتهى.
وما ذكره الشعبي مشكل، فإن ظاهر نفرته ﵇ حين نزل عليه جبريل بسورة (اقرأ)، وقوله: (ما أنا بقارئ)، وقوله في آخر الحديث: (لقد خشيث على نفسي)، كل ذلك مشعر بأن الأمر فجأة، ولم يعهد قبله ولا يألفه. فلو أن إسرافيل كان يأتيه قبل ذلك بثلاث سنين لما نفر، ولحصل له كمال الاستعداد والمناسبة. ولهذا - والله أعلم - أنكر الواقدي قول الشعبي،
стр. 105
وقال: لم يقترن به من الملائكة إلا جبريل.
ويدل لما ذكره الواقدي، ما رواه مسلم عن ابن عباس ﵄ قال: بينما النبي ﷺ جالس وعنده جبريل، إذ سمع نقيضاً من السماء - أي حركة من السماء - فرفع جبريل بصره إلى السماء وقال: يا محمد هذا ملك قد نزل، لم ينزل إلى الأرض قط، فأتى النبي ﷺ وقال: أبشر بنورين أوتيتهما لم يؤتهما نبي قبلك: فاتحة الكتاب وخواتيم سورة البقرة, [لن تقرأ بحرف منهما إلا أعطيته]. انتهى.
وذكر الشامي في سيرته من رواية الطبراني والبيهقي وابن حبان بسند
стр. 106
حسن ما يقوي ما ذكره الواقدي، ثم قال عقب ذلك: وظهر أن المعتمد ما مشى عليه الواقدي. انتهى.
اللهم إلا أن يحمل كلام الشعبي على أن ذلك كان بعد وحي (اقرأ) في زمان فترة الوحي، ويكون قوله: ثلاث سنين ميلاً إلى القول بأن الفترة كانت كذلك.
وكأن الحافظ ابن حجر فهم هذا الفهم من كلام الشعبي فقال في بعض نسخ الفتح، وتبعه الحافظ الفسطلاني: أن الإمام أحمد روى في تاريخه عن الشعبي أن فترة الوحي كانت ثلاث سنين، والموجود في التاريخ،
стр. 107
و " الطبقات " لابن سعد، و" الدلائل " للبيهقي هو ما تقدم. ذكر ذلك الشامي في سيرته، وذكر أنه تتبع التاريخ فلم يجد غير ما تقدم.
فكأن الحافظ حمل كلام الشعبي على ما سبق لما رأى تعارض الأحاديث.
وقد سبقه إلى هذا القول الحافظ ابن كثير، وسيأتي في مدة الفترة كلامه.
فإن قلت: وعلى ما ذكرت من الحمل فكيف تعمل بحديث مسلم، فإنه يفيد أن إسرافيل لم ينزل الأرض قط إلا ذلك الوقت؟
قلت: ليس فيما رواه الشعبي أن إسرافيل كان ينزل لما قرن بنبوة النبي ﷺ ، فلم يبعد أنه كان يعلمه الكلمة والشيء بنوع من التلقي وهو في محله، فإن التلقي الروحاني والأخذ القلبي لا يلزم منه النزول والصعود، بل يكون مع كمال البعد وهو معروف عند أهله، فمن لا يعرف ذلك فليؤمن به، والله الموفق.
وقلوب المخلصين تسع الإيمان بأن من الممكنات أنه كان يدنو هذا الدنو وهو في مستقرة من السماء يقول: " يا محمد أنت رسول الله، وأنا جبريل، فجعلت لا أصرف بصري إلى ناحية إلا رأيته كذلك ".
وإنما يأتي الغلط هنا من قياس الغائب على الشاهد، فيعتقد أن الروح من جنس ما يعهد من الأجسام. انتهى.
стр. 108
فائدة:
هذا الذي كان يعلمه إسرافيل للنبي ﷺ ما هو ؟
ظاهر كلام بعض العلماء العارفين أن ذلك كان القرآن، وأنه أنزل عليه نزولاً علمياً قبل نزول جبريل عليه، وهذا لايقال من قبل الرأي، فلعلهم اطلعوا على حديث في ذلك، والله أعلم.
стр. 109
النوع الثاني عشر
علم اليوم الذي أنزل فيه القرآن وسن النبي ﷺ في ذلك الوقت
стр. 110
النوع الثاني عشر
علم اليوم الذي أنزل فيه القرآن وسن النبي ﷺ في ذلك الوقت
ولم يذكر هذا النوع أيضاً الحافظ السيوطي - رحمه الله تعالى -.
أول يوم أنزل فيه القرآن: يوم الاثنين، لحديث مسلم: " وفيه بعثت "، أو قال: " أنزل علي فيه الوحي ".
واختلفوا في الشهر، فقيل: رمضان، وهو الراجح.
وقيل: سابع عشر رجب.
وقيل: في أول أيام ربيع الأول.
وقيل: في ثامنه.
следующие страницы →