Полный текст (4 238 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.
стр. 701
وعن القفال من الشافعية: إن القراءة بالفارسية لا تتصور، قيل له: فإذا لا يقدر أحد أن يفسر القرآن؟ قال: ليس كذلك؛ لأن هناك يجوز أن يأتي ببعض مراد تعالى ويعجز عن البعض، وأما إذا أراد أن يقرأه بالفارسية فلا يمكن أن يأتي بجميع مراد الله، لأن الترجمة إبدال لفظة بلفظة تقوم مقامها، وذلك غير ممكن بخلاف التفسير/.
وأما القراءة بالشاذ، فقال الإمام السيوطي رحمه الله تعالى- في (الإتقان):
لا تجوز القراءة بالشاذ، نقل ابن عبد البر الإجماع على ذلك، لكنت ذكر موهوب الجزري جوازها في غير الصلاة، قياسا على رواية الحديث بالمعنى.
стр. 702
وفي "المحيط البرهاني" قال- بعد إطالة-: والصحيح في الجواب في هذا، أنه قرأ بما في مصحف ابن مسعود أو غيره لا يعتد به من قراءة الصلاة، ولا تفسد صلاته؛ لأنه إن لم يثبت ذلك قرآنا ثبت قراءة شاذة، والمقروء في الصلاة إذا كان قراءة شاذة لا يوجب فساد الصلاة، وما روينا في أول هذا الفضل عن أبي يوسف ومحمد وعصام بن يوسف- رحمهم الله تعالى-: أن المصلي إذا قرأ بغير ما في المصحف فصلاته فاسدة. فتأويله: إذا قرأ هذا ولم يقرأ معها شيئا مما في مصحف العامة تفسد صلاته لتركه قراءة ما في المصحف العامة، لا لقراءته ما في المصحف ابن مسعود حتى لو قرأ مع ذلك شيئا مما في مصحف العامة مقدار ما يجوز به الصلاة يجوز صلاته.
ثم الأولى أن يقرأه على ترتيب المصحف في الصلاة وغيرها، إلا إذا كان وارداً عن النبي ﷺ فيفعل ذلك في النوافل؛ لأنه يتوسع بها نحو ما جاء في الصلاة لحفظ القرآن من أنه من يقرأ في الأولى بـ (ألم السجدة) وفي الثانية بـ (حم الدخان) وفي الثالثة بـ (ياسين) وفي الرابعة بـ (تبارك).
стр. 703
وأما بين الآيات، فقال في "المحيط": يجب أن تعلم بأن المتأخرين اختلفوا في هذا الفصل، منهم من قال: يجوز على كل حال؛ لأنه قارئ بالآيتين جميعا، والآية منفصلة عن الآية بخلاف الكلمة.
ومنهم من فصله تفصيلا، فقال: إن وقف على الآية وقفا تاماً، ثم ابتداء بآية أخرى لا تفسد صلاته، وإن تغير المعنى نحو أن يقرأ: ﴿والتين والزيتون (١) وطور سنين (٢) وهذا البلد الأمين (٣)﴾ [التين: ١ - ٣] ووقف تاما ثم قرأ: ﴿لقد خلقنا الإنسن فى كبد (٤)﴾ [البلد: ٤]، لأن هذا انتقال من سورة إلى سورة، والكل قرآن، وإما لم يقف ووصل الآية بالآية، إن كان لا يتغير به المعنى نحو أن يقرأ؟ : ﴿ووجوه يومئذ عليها غبرة (٤٠) ترهقها قترة (٤١)﴾ [عبس: ٤٠ -
стр. 704
٤١]، [ثم قراء بدون الوقف]: ﴿أولئك هم الكفرون حقا﴾ أو قرأ ﴿إن الذين﴾ [﴿امنوا وعملوا الصلحت لهم﴾] [لقمان: ٨ وفصلت: ٨ والبروج: ١١] ﴿جزاء الحسنى﴾ [الكهف: ٨٨] [فلا تفسد به صلاته.
أما] إذا تغير المعنى بأن [قرأ: ﴿وجوه يؤميذ﴾] (عليها غبرة) [﴿ترهقها قترة﴾ [عبس: ٤٠ - ٤١] ﴿أولئك﴾] [﴿هم المؤمنون حقا﴾ [الأنفال: ٧٤] قال عامة أصحابنا: يفسد صلاته لأن [هذا ليس بقرآن، لأنه إخبار بخلاف ما أخبر الله تعالى وليس بذكر، وبعض أصحابنا قالوا: لا تفسد صلاته لأنه] في هذا بلوى العامة فلا يحكم بالفساد، ويجعل كأنه وقف على الآية الأولى، ثم انتقل إلى الأخرى. انتهى.
وفي (الإتقان): الأولى أن يقرأ على ترتيب المصحف، قال في "شرح المهذب": لأن ترتيبه لحكمة، فلا يتركها إلا فيما ورد الشرع، كصلاة صبح الجمعة بـ (الم) و (هل أتى)، ونظائره، فلو فرق السور أو عكس جاز وترك الأفضل.
وأما قراءة السورة من آخرها إلى أولها فمتفق على منعه؛ لأنه يذهب بعض
стр. 705
نوع الاعجاز، ويزيل حكمة الترتيب.
قال الحافظ السيوطي- رحمه الله تعالى-: قلت: وفيه أثر، أخرج الطبراني بسند جيد عن ابن مسعود ﵁ أنه سئل عن رجل يقرأ القرآن منكوسا، قال: منكوس القلب.
وأما خلط سورة بسورة، فعد الحليمي تركه من الآداب، لما أخرجه أبو عبيد عن سعيد بن المسيب- رحمه الله تعالى-: أن رسول الله ﷺ مر ببلال وهو يقرأ من هذه السورة ومن هذه السورة" قال: "أخلط الطيب بالطيب"، فقال: "اقرأ السورة على وجهها"، أو قال: "على نحوها". مرسل صحيح، وهو
стр. 706
عند أبي داود موصول عن أبي هريرة، بدون آخره.
وأخرجه أبو عبيد من وجه آخر عن عمر مولى غفرة: أن النبي ﷺ قال لبلال: / "إذا قرأت السورة فأنفذها".
وقال: أنبأنا معاذ عن ابن عون قال: سألت ابن سيرين عن الرجل يقرأ من السورة آيتين ثم يدعها ويأخذ في غيرها؟ قال: ليتق أحدكم أن يأثم إثما كبيرا وهو لا يشعر.
وأخرج عن ابن مسعود قال: إذا ابتدأت في سورة فأردت أن تتحول منها إلى غيرها فتحوا إلى ﴿قل هو الله أحد (١)﴾، فإذا ابتدأت فلا تتحول منها حتى تختمها.
وأخرج عن ابن أبى الهذيل قال: كانوا يكرهون أن يقرأوا بعض الآية ويدعوا بعضها.
قال أبو عبيد: الأمر عندنا على كراهة قراءة الآيات المختلفة كما أنكر رسول الله ﷺ على بلال، وكما كرهه ابن سيرين، وأما حديث عبد الله فوجهه عندي أن يبتدئ الرجل في السورة يريد إتمامها ثم يبدو له في أخرى، أما
стр. 707
من ابتدأ القراءة وهو يريد التنقل من آية إلى آية، وترك التأليف لآي القرآن؛ فإنما يفعله من لا علم له، لأن الله تعالى لو شاء أنزله على ذلك.
وقد نقل القاضي أبو بكر الإجماع على عدم جواز قراءة آية آية من كل سورة، قال البيهقي: وأحسن ما يحتج به أن يقال: إن هذا التأليف لكتابه الله تعالى مأخوذ من جهة النبي ﷺ ، وأخذه عن جبريل، فالأولى بالقارئ أن يقرأه على التأليف المنقول، وقد قال ابن سيرين/: تأليف الله خير من تأليفكم.
قال الحليمي: ويسن استيفاء كل حرف أثبته قارئ؛ ليكون قد أتى على جميع ما هو قرآن.
قال ابن الصلاح والنووي: إذا ابتدأ بقراءة أحد من القراء فينبغي أن لا يزال على تلك القراءة مادام الكلام مرتبطاً، فإذا انقضي ارتباطه فله أن يقرأ بقراءة أخرى، والأولى دوامة على الأول في هذا المجلس. وقال غيرهما بالمنع مطلقا.
قال ابن الجزري: والصواب أن يقال: إن كانت إحدى القراءتين مترتبة على الأخرى منع ذلك منع تحريم، كمن يقرأ: ﴿فتلقى ءادم من ربه كلمت﴾ [البقرة: ٣٧] برفعهما أو نصبها آخذا رفع (آدم) من قراءة غير ابن كثير، ورفع "كلمات" من قراءته ونحو ذلك ما لا يجوز في العربية واللغة، وما لم يكن
стр. 708
كذلك فرق فيه بين مقام الرواية وغيرها، فإن كان على سبيل الرواية حرم أيضا؛ لأنه كذب في الرواية وتخليط، وإن كان على سبيل التلاوة جاز.
وينبغي للقارئ أن يتحرى للقراءة أفضل الأوقات، قال النووي: الأوقات المختارة للقراءة أفضلها ما كان في الصلاة ثم الليل ثم نصفه الأخير وهي بين المغرب والعشاء محبوبة، وأفضل النهار بعد الصبح، ولا تكره في شيء من الأوقات لمعنى فيه، وأما ما رواه ابن أبي داود عن معاذ بن رفاعة عن مشايخه أنهم كرهوا القراءة بعد العصر، وقالوا: هو دراسة يهود؛ فغير مقبول، ولا أصل له.
ويختار من الأيام يوم عرفة، ثم يوم الجمعة، ثم الاثنين والخميس، ومن الأعشار العشر الأخيرة من رمضان، والأول من ذي الحجة، ومن الشهور رمضان، ويختار الابتداء به ليلة الجمعة.
ويختمه ليلة الخميس، فقد روى ابن أبي داود عن عثمان بن عفان ﵁ أنه كان يفعل ذلك. والأفضل الختم أول النهار وأول الليل؛ لما رواه الدرامي بسند حسن عن سعد ابن أبي وقاص، قال: إذا وافق ختم القرآن أول الليل صلت عليه الملائكة حتى يصبح، وإن وافق ختمه أخر الليل صلت عليه الملائكة حتى يمسي.
стр. 709
وتقدم عن "الإحياء": أن يكون الختم أول النهار في ركعتي الفجر، وأول الليل في ركعتي سنة المغرب.
وعن ابن المبارك يستحب الختم في الشتاء أول الليل، وفي الصيف أول النهار.
ويسن صوم يوم الختم، أخرجه ابن أبي داود/ عن جماعة من التابعين. وأن يحض ره أهله وأصدقاءه، أخرج الطبراني عن أنس ﵁ أنه كان إذا ختم القرآن جمع أهله ودعا.
وأخرج ابن أبي داود عن الحكم بن عتيبة قال: أرسل إلى مجاهد
стр. 710
وعبدة ابن أبي لبابة: وقالا: إنا أرسلنا إليك لأنا أردنا أن نختم القرآن والدعاء يستجاب عند ختم القرآن.
وأخرج عن مجاهد قال: كانوا يجتمعون عند ختم القرآن ويقولون: عنده تتنزل الرحمة.
ويستحب التكبير من (الضحى) إلى آخره القرآن، وهي قراءة المكيين.
أخرج البيهقي في "الشعب" وابن خزيمة من طريق ابن أبي بزة: سمعت عكرمة بن سليمان قال: قرأت على إسماعيل بن عبد الله المكي،
стр. 711
فلما بلغت (الضحى) قال لي: كبر حتى تختم، فإني قرأت على عبد الله بن كثير فأمرني بذلك وقال: قرأت على مجاهد فأمرني بذلك، وأخبرني مجاهد أنه قرأ على ابن عباس فأمره بذلك، وأخبر ابن عباس ﵄ أنه قرأ على أبي بن كعب فأمره بذلك. كذا أخرجاه موقوفا. ثم أخرج البيهقي من وجه آخر عن ابن أبي بزة مرفوعا، وأخرجه من هذا الوجه- يعني المرفوع- الحاكم في مستدركه وصححه، وله طرق كثيرة عن البزي. وعن موسى بن هارون قال: [قال لي البزي: قال: ] قال لي محمد بن إدريس الشافعي: إن تركت التكبير فقد تركت سنة من سنن نبيك.
قال الحافظ عماد الدين بن كثير: وهذا يقتضي تصحيحه للحديث.
стр. 712
روى أبو العلاء الهمذاني: عن البزي: أن الأصل في ذلك أن النبي ﷺ انقطع عنه الوحي فقال المشركون: قلى محمدا ربه. فنزلت سورة (الضحى)، فكبر النبي ﷺ .
قال ابن كثير: ولم يرد بذلك إسناد يحكم عليه بصحة ولا ضعف.
وسيأتي إن شاء الله تعالى في علوم القراءة ذكر التكبير مفردا بنوع نستقضي فيلك صفة التكبير، وسببه، إلى غير ذلك.
وقال الحليمي: نكتة التكبير التشبيه للقراءة بصوم رمضان إذا أكمل عدته يكبر، فكذا هنا يكبر إذا أكمل عدة السورة.
قال: وصفته أن تقف بعد كل سورة وقفة وتقول: الله أكبر.
стр. 713
وكذا قال سليم الرازي في تفسيره: يكبر بين كل سورتين تكبيرة، ولا يصل آخر السورة بالتكبير، بل يفصل بينهما بسكتة.
قال: ومن لا يكبر من القراء حجتهم في ذلك أن في ذلك ذريعة إلى الزيادة في القرآن بأن يداوم عبه فيتوهم أنه منه.
وفي "النشر": اختلف القراء في ابتدائه، وهل هو من أول (الضحى) أو من أخرها؟ .
وفي انتهائه: هل هو أول سورة (الناس) أو آخرها؟ وفي وصله بأولها أو وقطعه، والخلاف في الكل مبني على أصل وهو أنه: هل هو لأول السورة أو لآخرها.
وفي لفظه: فقيل: الله أكبر.
وقيل لا إله إلا الله والله أكبر.
وسواء في التكبير الصلاة وخارجها. صرح به السخاوي وأبو شامة.
ويسن الدعاء عقب الختم لحديث الطبراني وغيره عن العرباض بن
стр. 714
سارية- رضي الله تعالى عنه- مرفوعا: "من ختم القرآن فبه دعوة مستجابة".
وفي "الشعب" من حديث أنس- رضي الله تعالى عنه- مرفوعا: "من ختم القرآن فله دعوة مستجابة".
وفي "الشعب" من حديث- رضي الله تعالى عنه- مرفوعا: "مع كل ختمة دعوة مستجابة".
وفي "الشعب" من حديث أبي هريرة- رضي الله تعالى عنه- مرفوعا: "من قرأ القرآن وحمد الرب وصلى على النبي ﷺ واستغفر ربه فقد طلب الخير من مظانه". أي: مكانه.
ويسن إذا فرغ من الختمة أن يشرع في أخرى عقيب الختم/؛ لحديث الترمذي وغيره: أحب الأعمال إلى الله تعالى الحال المرتحل الذي يضرب من أول القرآن إلى أخره، كلما حل ارتحل/.
стр. 715
وأخرج الدرامي بسند حسن عن ابن عباس ﵄ عن أبي بن كعب- رضي الله تعالى عنه-: أن النبي ﷺ كان إذا قرأ: ﴿أعوذ برب الناس﴾ افتتح من ﴿الحمد﴾، ثم قرأ من (البقرة) إلى: ﴿أولئك هم المفلحون﴾ [٥]، ثم دعا بدعاء الختمة، ثم قام.
ومنع الإمام أحمد من تكرير سورة (الإخلاص) عند الختم، لكن عمل الناس على خلافه.
قال: بعضهم: والحكمة فيه ما ورد أنها تعدل ثلث القرآن فيحصل بذلك ختمة.
فإن قيل: ينبغي أن تقرأ أربعا ليحصل له ختمتان.
стр. 716
أجيب: إن المقصود أن يكون على يقين من حصول ختمة، إما التي قرأها وإما التي حصل ثوابها بتكرير السورة. انتهى.
قال الحافظ السيوطي- رحمه الله تعالى-: وحاصل ذلك يرجع إلى جبر ما لعله حصل في القراءة من خلل. وكما قاس الحليمي التكبير عند الختم على التكبير عند إكمال رمضان. فينبغي أن يقاس تكرار سورة الإخلاص على اتباع رمضان بست من شوال. انتهى.
ويكره اخاذ القرآن معيشة يكتسب بها.
أخرج الآجري من حديث عمران بن حصين- رضي الله تعالى عنه- مرفوعا: "من قرأ القرآن فليسأل الله به فإنه سيأتي قوم يقرأون القرآن يسألون الناس".
وروى البخاري في "تاريخه الكبير" بسند صالح حديث: "من قرأ القرآن عند ظالم ليرفع منه لعن بكل حرف عشر لعنات".
стр. 717
ويكره أن يقول: نسيت آية كذا، بل أنسيتها؛ لحديث الصحيحين في النهي عن ذلك.
стр. 718
النوع الثالث والأربعون
علم إهداء ثواب
القرآن للأنبياء وغيرهم
стр. 719
النوع الثالث والأربعون
علم إهداء ثواب القرآن للأنبياء وغيرهم
ولم يذكر هذا النوع الحافظ السيوطي- رحمه الله تعالى-. ولنا فيه رسالة يحسن إيرادها، وهي هذه:
وبعد، فقد سئلت أرشدنا الله وإياك للحير عن جواز إهداء ثواب العبادات والأعمال، من الصدقة والحج وقراءة القرآن للنبي ﷺ وغيره، وهل يصح ذلك أم لا؟ وأن بعض أهل العلم أنكر صحته وقال: إنه لا ينبغي ولا يجوز.
فنقول في الجواب بعون الملك الوهاب: إن ذلك صحيح ثابت، قال العيني- رحمه الله تعالى- في شرحه على "الكنز" عند قول المؤلف في باب الحج عن الغير، - بعد أن نقل عبارة المؤلف-: وهذا مبني على أن للإنسان أن يجعل ثواب عمله لغير صلاة كان أو صوما أو حجا أو صدقة أو قراءة قرآن، أو ذكر، إلى غير ذلك من جميع أنواع البر، وكل ذلك يصل إلى قراءة قرآن، أو ذكر، إلى غير ذلك من جميع أنواع البر، وكل ذلك يصل إلى الميت ويتفعه عند أهل السنة والجماعة.
وقالت "المعتزلة": ليس له ذلك، ولا يصل إليه؛ لقوله تعالى: ﴿وأن ليس للإنسن إلا ما سعى (٣٩)﴾ [النجم: ٣٩].
стр. 720
وقال مالك والشافعي- رحمهما الله تعالى-: يجوز ذلك في الصدقة والعبادة المالية وفي الحج، ولا يجوز في غيره من الطاعات كالصلاة والصوم وقراءة القرآن وغيره.
ولنا ما روي: أن رجلا سأل النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، كان لي أبوان
стр. 721
أبرهما في حياتهم، فكيف لي ببرهما بعد موتهما؟ . فقال له النبي ﷺ : "أن من البر بعد البر أن تصلي لهما مع صلاتك، وأن تصوم لهما مع صيامك" رواه الدارقطني.
وما رواه معقل بن يسار ﵁ أنه قال: قال رسول ﷺ : "اقرءوا على موتاكم سورة (يس) ". رواه أبو داود.
وروي أنه- ﵊ ضحى بكبشين أملحين أحدهما عن نفسه والأخرى عن أمته. متفق عليه. أي جعل ثوابه لأمته، وهذا تعليم منه ﵇ أن الإنسان ينفعه عمل غيره.
والآية منسوخة بقوله تعالى: ﴿والذين ءامنوا واتبعتهم ذريتهم﴾ الآية [الطور: ٢١]، قاله ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما-.
стр. 722
وقيل: هي خاصة/ بقوم إبراهيم وموسي ﵈؛ لأنه وقع حكاية عن ما في صحفهما بقوله تعالى: ﴿أم لم ينبأ بما في صحف موسي (٣٦) وإبراهيم الذى وفى﴾ [النجم: ٣٦ - ٣٧].
وقيل: أريد بالإنسان الكافر، وأما المؤمن فله ما سعى أخوه.
وقيل: ليس له من طريق العدل، وله من طريق الفضل.
وقبل: اللام بمعني "على" كما في قوله تعالى: ﴿ولهم اللعنة﴾ [غافر: ٥٢] أي وعليهم انتهى.
وقال العلامة ابن نجيم في شرحه المسمى بـ "البحر" شرح الكنز ، في باب الحج عن الغير: لما كان الحج عن الغير كالتبع أخره، والأصل فيه أن الإنسان له أن يجعل ثواب عمله لغيره، صلاة، أو صوما، أو صدقة، أو قراءة قرآن، أوم ذكرا، أو طوافا، أو حجا، أو عمرة، أو غير ذلك عند أصحابنا؛ للكتاب والسنة:
أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا﴾ [الأسراء: ٢٤]، وإخباره تعالى عن ملائكة بقوله ﴿ويستغفرون للذين ءامنوا﴾ [غافر: ٧].
стр. 723
وساق عبارتهم بقوله: ﴿ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك﴾ إلى قوله: ﴿وقهم السيئات﴾ [غافر: ٩].
وأما السنة: فأحاديث كثيرة، منها ما في الصحيحين: ضحى بالكبشين فجعل أحدهما عن أمته. وهو مشهور تجوز الزيادة بع على الكتاب، ومنها ما رواه أبو داود: اقرأوا على موتاكم سورة (يس). وحينئذ فتعين أن يكون قوله تعالى: ﴿وأن ليس للإنسن إلا ما سعى (٣٩)﴾ [النجم: ٣٩] على ظاهره، وفيه تأويلات أقربها ما اختاره المحقق ابن الهمام: أنها مقيدة بما يهبه العامل، يعني ليس للإنسان في سعي غيره نصيب إلا ما وهبه له، فحينئذ يكون له.
وأما قوله- ﵊: "لا يصوم أحد عن أحد، ولا يصلي أحد عن أحد" ........
стр. 724
فهو في حق الخروج عن العهدة لا في حق الثواب، فأما من صلى وتصدق وجعل ثوابه لغيره من الأموات والأحياء، جاز ويصل ثوابها إليهم عند أهل السنة والجماعة وكذا في "البديع".
وبهذا علم أنه لا فرق بين أن ينوي بع عند الفعل للغير أو يفعله لنفسه، ثم بعد ذلك يجعل ثوابه لغيره، لإطلاق كلامهم، ولم أر حكم من أخذ شيئا من الدنيا ليجعل شيئا من عبادته للمعطى، وينبغي أن لا يصح ذلك.
وظاهر إطلاقهم أنه لا فرق بين الفرض والنفل، فإذا صلى فريضة وجعل ثوابها لغيره فإنه يصح ولكن لا يعود الفرض فير ذمته؛ لأن عدم/ الثواب لا يستلزم عدم السقوط عن ذمته، ولم أره منقولا. انتهى كلام صاحب "البحر".
وقال في "الهداية" في باب الحج عن الغير: له أن يجعل عمله لغيره صلاة وصوما أو غيرها عند أهل السنة والجماعة.
стр. 725
قال في"فتح القدير": لا يراد به أن الخلاف بيننا وبينهم في أنه له ذلك أو ليس له ذلك كما هو ظاهره، بل في أن ينجعا بالجعل أولا، بل يلغو.
قوله: "أو غيرها" كتلاوة القرآن والأذكار عند أهل السنة والجماعة، ليس المراد أن المخالف لما ذكره خارج عن أهل السنة والجماعة؛ فإن مالكاً والشافعي- رحمهما الله تعالى- لا يقولان بوصول العبادات البدانية المحضة كالصلاة والتلاوة، بل غيرهما كالصدقة والحج، بل المراد أن أصحابنا لهم كمال الاتباع والتمسك ما ليس لغيرهم، فعبر عنهم بأهل السنة والجماعة، فكأنه قال: عند أصحابنا. غير أن لهم وصفا عبر عنهم به.
وخالف في كل العبادات "المعتزلة" لقوله تعالى: ﴿وأن ليس للإنسن إلا ما سعى (٣٩)﴾ [النجم: ٣٩] وسعي غيره ليس من سعيه، وهي وإن كانت مسوقة قصا لما في صحف إبراهيم وموسي ﵈؛ فحيث لم يتعقبه بإنكار كان شريعة لنا على ما عرف.
والجواب إنها وإن كانت ظاهرة على ما قالوه، لكن يحتمل أنها نسخت أو مقيدة، وقد ثبت ما يوجب المصير إلى ذلك، وهو ما رواه المصنف/ وهو في الصحيحين: أنه ﵇ ضحى بكبشين أملحين، أحدهما عن نفسه والآخر عن أمته. والملحة بياض يشوبه شعرات سود.
وفي سنن ابن ماجه بسنده عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- وأبي
стр. 726
هريرة ﵁: أنه ﵇ إذا أراد أن يضحي، يشتري كبشين عظيمين سمينين أقرنين أملحين موجوءين، فذبح أحدهما عن أمته ممن شهد لله بالتوحيد وشهد له بالبلاغ، وذبح الآخر عن محمد وآل محمد. ورواه أحمد والحاكم والطبراني في "الأوسط" عن أبي هريرة.
وأخرج أبو نعيم في ترجمة ابن المبارك عنه عن يحيي بن عبد الله عن أبيه: سمعت أبا هريرة ﵁ يقول: ضحى رسول الله ﷺ بكبشين أملحين أقرنين موجوءين، فلما وجههما قال: " (إنى وجهت وجهى) الآية [الأنعام: ٧٩]، اللهم لك ومنك عن محمد وأمته، بسم الله والله أكبر". ثم ذبح. ورواه الحاكم وقال: صحيح على شرط مسلم، بنقص في المتن.
ورواه ابن شيبة عن جابر: أنه ﵇ أتى بكبشين أملحين عظيمين أقرنين موجوءين، فأضجع أحدهما فقال: "بسم الله والله أكبر اللهم عن محمد وآل محمد"، ثم أضجع الآخر وقال: "بسم الله والله أكبر، اللهم عن محمد وأمته
стр. 727
ممن شهد لك بالتوحيد، وشهد لي بالبلاغ". وكذا رواه إسحاق وأبو يعلى في مسنديهما.
وروي هذا المعني من حديث أبي رافع، رواه أحمد وإسحاق والطبراني والبزار والحاكم.
ومن حديث حذيفة بن أسيد الغفاري، أخرجه الحاكم في الفضائل.
ومن حديث أبي طلحة الأنصاري، رواه ابن شيبة، وعن طريق رواه أبو يعلى والطبراني.
ومن حديث أنس بن مالك، رواه ابن أبي شيبة والدارقطني. فقد روى
стр. 728
هذا عن عدة من الصحابة، وانتشرت فخرجوه، فلا يبعد أن يكون هذا القدر المشترك- وهو أنه ضحى عن أمته- مشهورا بجواز تقيد الكتاب به بما لم يجعله صاحبه.
أو تنظر إلى ما رواه الطبراني: أن رجلا سأل ﵇ فقال: كان لي أبوان أبوان أبرهما حال حياتهما، فكيف لي ببرهما بعد موتهما؟ فقال ﵇ "إن البر بعد الموت، أن تصلي لهما مع صلاتك، وأن تصوم لهما مع صيامك".
وإلى ما رواه أيضا عن علي عنه ﵇ قال: "من مر على المقابر وقرأ ﴿قل هو الله أحد﴾ [الإخلاص] أحد عشر مرة، ثم وهب أجرها للأموات، أعطي من الأجر بعدد الأموات".
وإلى ما روي عن أنس أنه سأله ﵇ فقال: يا رسول الله، إنا نتصدق على موتانا ونحج عنهم وندعو لهم، فهل يصل ذلك إليهم؟ قال: "نعم، 'نه ليصل إليهم وإنهم ليفرحون به كما يفرح أحدكم بالطبق إذا أهدي إليه". رواه أبو حفص العكبري.
وعنه ﵇: "اقرأوا على موتاكم (يس) ". رواه أبو داود.
فهذه الآثار وما قبلها وما في السنة أيضا من نحوها عن كثير، تركناه لحال
стр. 729
الطول، يبلغ القدر المشترك بين الكل- وهو أن من جعل شيئا من الصالحات لغيره نفعه الله به- مبلغ التواتر.
وكذا ما في كتاب الله تعالى من الأمر بالدعاء للوالدين في قوله تعالى:
﴿وقل رب ارحمهما كما بياني صغيرا﴾ [الإسراء: ٢٤]، ومن الأخبار باستغفار الملائكة للمؤمنين، قال تعالى: ﴿والملئكة يسبحون بحمد ربهم ويستغفرون لمن في الأرض﴾ [الشورى: ٥]، قال تعالى في آية أخرى: ﴿الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون ربهم ويؤمنون به ويستغفرون للذين ءامنوا ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك) إلى قوله: ﴿وقهم السيئات﴾ [غافر: ٧ - ٩]: قطعي في حصول/ الانتفاع بعمل الغير، فيخالف ظاهرة الآية التي استدلوا بها، إذ ظاهرها أن لا ينفع استغفار أحد لأحد بوجه من الوجوه؛ لأنه ليس من سعيه، فلا يكون له منه شيء، فقطعنا بانتفاء إرادة ظاهرها على صرافته، فتقيد بما يهبه العامل وهو أولى من النسخ، أما أولا: فلأنه أسهل، إذ لم يبطل بعد الإرادة، وأما ثانيا: فلأنها من قبيا الإخبارات ولا يجري النسخ في الخبر.
وما يتوهم جوابا من أنه تعالى أخبر- في شريعة موسي وإبراهيم- أنه لا يجعل الثواب لغير العامل، ثم جعل لمن بعدهم من هل شريعتنا، حقيقة مرجعة إلى تقييد الأخبار لا إلى النسخ، إذ حقيقته أن يراد المعنى ثم ترفع إرادته، وهذا تخصيص بالإرادة بالنسبة إلى أهل تلك الشرائع، ولم يقع نسخ لهم، ولم ترد الأخبار أيضا في حقنا ثم نسخ.
وأما جعل اللام في ﴿للإنسن﴾ بمعنى "على" فبعيد من ظاهرها، ومن سياق الآية، فإنها وعظ للذي تولى وأعطى قليلا وأكدى.
وقد ثبت في ضمن إبطالنا/ لقول المعتزلة انتفاء قول الشافعي ومالك- رحمهما الله تعالى- في العبادات البدنية بما في الآثار، والله سبحانه هو
стр. 730
الموفق. انتهى.
أقول: وتأويل المحقق ابن الهمام عبارة الهداية- وهي قوله: عند أهل السنة والجماعة: أن المقصود بهم الحنفية- ليس بشيء، بل مقصده أن أهل السنة والجماعة قائلون بوصول ثواب العبادات إجمالا، وإن منع بعضهم وصول بعض العبادات كما روي ذلك عن مالك والشافعي، فام يمنع وصولها مطلقا، بخلاف المعتزلة، فإنهم يمنعون وصول شيء ما من العبادات للغير، فصار الخلاف معهم. فتكون عبارة صاحب "الهداية" وغيره في قوله: عند أهل السنة والجماعة. ردا على المعتزلة، فكأنه قال: إن أهل السنة والجماعة يقولون إن للإنسان أن يجعل ثواب أعماله للغير، والمعتزلة لا يقولون مطلقا، والخلاف في مجموع العبادات، انتهى.
وقد تقدم في كلام العيني، وفي كلام صاحب "فتح القدير"، أن العبادات البدنية كالصلاة والتلاوة لا تصل إلى الغير في مذهب الشافعي ومالك.
وقد جرى الخلاف في مذهب الشافعي، فذهب جماعة إلى الثواب يصل إلى من أهدى إليه، قال في "المواهب اللدنية": وقد اختلف العلماء في ثواب
стр. 731
القراءة، هل يصل إلى الميت؟ فذهب الأكثرون إلى المنع، وهو المشهور من مذهب الشافعي ومالك. وقال كثير من الحنفية والشافعية: يصل. وبه قال أحمد بن حنبل بعد أن قال: القراءة على القبر بدعه. بل نقل عن الإمام أنه قال: يصل إلى الميت كل شيء من صدقة وصلاة وحج واعتكاف وقراءة وذكر، وغير ذلك.
وذكر الشيخ شمس الدين بن القطان العسقلاني: إن وصول ثواب القراءة إلى الميت من قريب أو أجنبي هو الصحيح، كما تنفعه الصدقة والدعاء والاستغفار بالإجماع.
وقد أفتى القاضي حسين: بأن الاستئجار لقراءة القرآن على القبر جائز كالاستئجار للأذان وتعليم القرآن ............................
стр. 732
انتهى كلام صاحب المواهب.
فبما تقرر، ظهر أن في مذهب الشافعي قولان في المسألة:
أحدهما: الجواز، وقد صححه المتأخرون.
والآخر: المنع.
ومذهب الإمام أحمد موافق لمذهب الحنفية في الجواز.
وبما تقرر، من النقول، علم جواز إهداء ثواب سائر الأعمال للغير من الأحياء والأموات.
وبقيت أحاديث صريحة في جواز ذلك أحببنا إيرادها: منها: ما أخرجه البخاري عن ابن عباس ﵄: أن امرأة/ من جهينة جاءت إلى النبي ﷺ فقالت: إن أمي نذرت أن تحج، ولم تحج حتى ماتت افأحج عنها؟ قال: "حجي عنها، أرأيت لو كان على أمك دين أكنت قاضيته؟ اقضوا الله فهو أحق بالوفاء".
وأخرج البخاري في كتاب "النذر والإيمان" فقال: أتى رجل إلى النبي ﷺ فقال: إن أختي نذرت أن تحج، ولم تحج حتى ماتت، أفأحج عنها؟ فذكر مثل الحديث الأول.
وأخرج النسائي فقال: أن امرأة سألت النبي ﷺ أن أباها مات ولم يحج.
стр. 733
قال: "حجي عن أبيك".
وأخرج الترمذي عن أبي رزين العقيلي أنه أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله إن أبي كبير لا يستطيع الحج ولا العمرة ولا الظعن. فقال: "حج عن أبيك واعتمر". قال الترمذي: حديث حسن صحيح.
وأخرج النسائي عن الفصل بن عباس ﵄: أنه كان رديف رسول الله ﷺ ، فجاءه رجل فقال: يا رسول الله، إن أمي عجوز كبيرة وإن حملتها لم تستمسك، وإن ربطتها خشيت أن أقتلها؟ فقال رسول الله ﷺ : "أرأيت لو كان على أمك دين أكنت قاضيه؟ " قال: نعم. قال: "حج عن أمك".
стр. 734
وأخرج البخاري ومسلم عن ابن عباس ﵄ قال: كان الفضل ابن عباس ﵄ رديف رسول الله ﷺ ، فجاءته امرأة من (خثعم) تستفتيه، فجعل الفضل ينظر إليها وتنظر إليه، وجعل رسول الله ﷺ يصرف وجه الفضل إلى الشق الآخر، قالت: يا رسول الله إن فريضة الله على عباده في الحج أدركت أبي شيخا كبيرا لا يستطيع أن يثبت على الراحلة، أفأحج عنه؟ قال: "نعم".
وذلك في حجة الوداع.
وأخرج الدارقطني عن ابن عباس ﵄ قالب: قال رسول الله ﷺ : "من حج عن أبويه أو قضى عنهما مغرما بعثه الله يوم القيامة مع الأبرار".
وأخرج أيضا عن زيد بن أرقم قال: قال رسول ﷺ : "إذا حج الرجل عن والديه تقبل منه ومنهما، واستبشرت أرواحهما، وكتب عند الله بارا".
وأخرج البخاري ومسلم عن عائشة- رضي الله تعالى عنهما-: أن رجلا جاء
стр. 735
إلى النبي صبى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إن أمي افتلت نفسها ولم توص، وأظن لو تكلمت تصدقت، أفلها أجر إن تصدقت عنها؟ قال: "نعم".
فهذه الأحاديث صريحة في وصول ثواب الأعمال للغير.
وإذا كان الإنسان يثاب على إهداء ثواب عمله، من حج أو صدقة لوالديه، ويصل ثوابه إليه، ويثاب هو لكونهما سبب حياته الظاهرة، فالنبي ﷺ أولى وأحرى؛ فإنه سبب حياته الباطنة ﷺ ، وجزاه الله أفضل ما جاز نبيا عن أمته، ورسولا عن قومه.
فإن قلت: قد ذكر في "المواهب اللدنية" قال: وأما إهداء القراءة إلى رسول الله ﷺ فلا يعرف فيه خبر ولا أثر. وقد أنكره جماعة منهم الشيخ برهان الدين ابن الفركاح، لأن الصحابة لم يفعله أحد منهم.
وحكى صاحب "الروح": أن من الفقهاء المتأخرين من استحبه، ومنهم من رآه بدعة، قالوا: والنبي ﷺ غني/ عن ذلك، فإن له أجر كل من عمل خيرا
стр. 736
من أمته، من غير أن ينقص من أجر العامل شيء.
قال الإمام الشافعي- رحمة الله تعالى-: ما من خير يعلمه أحد من أمة النبي ﷺ إلا والنبي صلى الله عليه وسام أصل فيه. انتهى كلامه.
قلت: هذا الكلام مردود، وأما كونه لا يعرف فيه خبر، فيكفي دليل كتاب الله تعالى، وهو/: أمر الله جل شأنه المؤمنين بالصلاة على نبيهم، والأحاديث بالدعاء في طلب الوسيلة له ﷺ ، فيقاس عليها سائر الأعمال، إذ لا فارق.
وأما كون الصحابة لم يفعله أحد منهم فهو محل نزاع، إذ يحتمل أن يكون فعلوه ولم ينقل إلينا، ويكفي ما ورد عنهم في الضحية عن رسول الله ﷺ ، فيقاس عليه غيره.
وأما كونه ﷺ غنيا، فهذا كلام واه، إذا الكامل يقبل الكمال، وكماله بحسب رتبته ﷺ ، قال الله تعالى: ﴿إن الله وملئكته يصلون على النبي يأيها الذين ءامنوا صلوا عليه وسلموا تسليما (٥٦)﴾ [الأحزاب: ٥٦] فأمر الله المؤمنين بالصلاة على نبيهم، وأن يطلبوا من الله تعالى الرحمة والرفعة والعلو في مقامات الكمال والقرب، وهو ﷺ قد قربه الله تعالى واصطفاه، وقرب ورفع مقامه، وأمر الله تعالى للمؤمنين ليس لحاجة النبي ﷺ إلى ذلك، إنما هو لتعود المنفعة والبركة عليهم، وليزيده الله تعالى من فضله كمالا إلى كماله، فإن الكامل يقبل الزيادة، فإذا كان الله قد أمر المؤمنين ليطلبوا له الزيادة، فكذلك إذا أهدوا له ثواب أعمالهم، إنما ذلك لتعود المنفعة والبركة عليهم، وليزيد الله نبيه من مراتب الكمالات.
وكذلك مما يرد هذا السؤال قوله ﷺ مخاطبا لأمته: "إذا سألتم الله فاسألوه
стр. 737
لي الوسيلة، فإنها درجة لا يبلغها إلا رجل واحد، وأرجو أن أكو هو"، فقد أمر رسول الله ﷺ المؤمنين بطلب الوسيلة له وحثهم على ذلك، وذلك لتزداد رفعته وتكثر مودته في قلوب أمته، فمن أهدى له شيئا من ثواب أعماله، فقد تسبب للمودة والتقرب إلى نبيه ﷺ .
ومما يرد السؤال أيضا، ما أخرجه البيهقي في " الشعب" من طريق ابن شهاب عن محمد بن يحيى بن حبان: أن رجلا قال: يا رسول الله إني أريد أن أجعل صلاتي كلها لك. قال: "إذا يكفيك الله أمر دنياك وآخرتك". قال: وهو مرسب جيد.
فيحتمل قوله: صلاتي. يعني أهدي لك ثواب صلاتي كلها، أو دعائي.
وعلى كل حال هو دليل على جواز إهداء ثواب الأعمال، إما صريحا أو قياسا.
وقد أخرج الترمذي في الزهد من جامعه- وقال: حسن- عن أبي بن كعب ﵁ قال: كان رسول ﷺ إذا وهب ثلثا الليل قام فقال: "يا أيها الناس اذكروا الله، جاءت الرجفة تتبعها الرادفة، جاء الموت بما فيه. جاء الموت بما فيه". قال أبي بن كعب: فقلت: يا رسول الله إني أكثر الصلاة عليك، فكم أجعل لك من صلاتي؟ قال: "ما شئت". قلت: الربع؟ قال: "ما
стр. 738
شئت، وإن زدت فهو خير لك". قلت: النصف؟ قال: "ما شئت، وإن زدت فهو خير لك". قلت فالثلثين؟ قال: "ما شئت، وإن زدت فهو خير لك". قلت فالثلثين؟ قال: "ما شئت، وإن زدت فهو خير لك"، قلت: أجعل لك صلاتي كلها. قال: "إذا تكفى همك، ويغفر لك ذنبك".
وقد روى عن علي- كرم الله وجهه ورضي عنه- وغيره من الصحابة ﵃، أنهم كانوا يضحون عن النبي ﷺ بعد موته.
وعن أبي العباس محمد بن إسحاق السراج قال: ضحيت عن النبي ﷺ سبعين أضحية.
وبما ذكر من الأدلة، يعلم أن إهداء ثواب القراءة وأمثالها لا يدل على حاجة النبي ﷺ ، بل ذلك لتعود المنفعة على المؤمنين، ويزيد الله نبيه من فيض فضله وجوده.
ومن هذه الشبهة قال بعض المشايخ: لا يقال/ ارحم محمدا. لأن فيه نوع
стр. 739
ظن بالتقصير، قال في "العناية" شرح "الهداية": وحكى عن محمد بن عبد الله بن عمرو أنه كان يقول: نحن أمرنا بتعظيم الأنبياء وتوقيرهم، وفي قوله: وارحم محمدا، نوع ظن بالتقصير. وإليه ذهب شيخ الإسلام، فيترك ذلك.
وقال شمس الأئمة السرخسي: لا بأس به لأن الأثر ورد به، ولا عتب على من اتبع الأثر، ولأن أحدا لا يستغني عن رحمة الله تعالى.
ومقال في "نية المصلي": وروي عن بعض المشايخ أنه قال: لا يقال ارحم محمدا، وأكثر المشايخ على أنه يقال للتوارث. انتهى.
فمن قال أنه لا يقال، جنح إلى أن في ذلك تقصيرا، والحق أنه ليس كذلك؛ لأن الكامل يقبل الكمال كما تقدم، وكيف وقد ورد في ذلك عدة أحاديث، وقد جنح إلى المنع ابن عربي وابن عبد البر من المالكية، لكن الأحاديث حجة عليهم.
فقد ورد في صريح الأحاديث الترحم على النبي ﷺ ، وعن السلف الصالح أيضا.
стр. 740
والحاصل: أن من جنح إلى منع إهداء ثواب القراءة والترحم إنما خاف من إيهام الحاجة والنقص في جانب النبي ﷺ ، وليس الحال كذلك.
وقد رفع سؤال إلى الشيخ العلامة ابن حجر المكي- رحمه الله تعالى- ذكره في فتاويه، سئل- نفع الله بعلومه- في رجل قال: الفاتحة زيادة في شرف النبي ﷺ . فقال له رجل من أهل العلم: لا تعد إلى هذا الذي صدر منك تكفر. فهل الأمر كذلك؟ وهل يجوز الإنكار والحكم على القائل بالكفر؟ وما يلزم هذا المنكر؟
فأجاب- نفع الله تعالى به- بقوله: لم يصب هذا المنكر في إنكاره ذلك، وهو دال على قلة علمه لسوء فهمه، بل هو دال على قبيح مجازفته في دين الله تعالى، وتهوره بما قد يؤول إلى الكفر والعياذ بالله، إذ من كفر مسلما بغير موجب لذلك: كفر، على تفصيل ذكره الأئمة، فإنكاره هذا إما حرام أو كفر، فالتحريم محقق، والكفر مشكوك فيه/، فعلى حاكم الشريعة المطهرة أن يبالغ في زجر هذا المنكر، بتعزيزه بما يليق به في عظيم جرأته على الشريعة الغراء، وكذبه والسنة دالان على أن طلب الزيادة له ﷺ أمر مطلوب محمود.
قال الله تعالى: ﴿وقل رب زدني علما﴾ [طه: ١١٤].
وروى مسلم: أنه ﷺ كان يقول في دعائه: "واجعل الحياة زيادة لنا في
следующие страницы →