فأجاب أبو العباس: يجوز بيع تلك الأشجار، ويشري بها ما يكون مغله أكثر فإن الشجر كالبناء، وللناظر أن يغير صورة الوقف من صورة إلى صورة أصلح منها. كما غير الخلفاء الراشدون صورة المسجدين اللذين بالحرمين، وكما نقل عمر ﵁ مسجد الكوفة من موضع إلى آخر، وأمثال ذلك. ولا يقسم ثمن الشجر بين الموجودين لأن الشجر كالبناء لا يختص به الموجودون، وليس هو بمنزلة الثمر والزرع، والمنافع التي تختص أهل الوقف كل طبقة بما يوجد في زمنها. انتهى.
ومنه بعد كلام سبق: أو تعذر نفع الوقف بخراب، أو غصب، أو غيره، أو تعذر عوده إلى حالته الأولى، أو عود أكثره، أو خيف أن يتعطل نفعه، وقيل: أو أكثره. انتهى.
ومن "مغني ذوي الأفهام": واقع الوقف لازم ولو لم يحكم به حاكم. فإن لم يخرجه الواقف من يده لما هو موقوف عليه لا يلزمه. انتهى.
ومن "جمع الجوامع": وتغيير صورة البناء لمصلحة من غير عدوان، فينظر في ذلك إلى المصلحة، فإن كانت هذه أصلح للوقف وأهله، أقرت. وإن كانت إعادتها إلى ما كانت عليه أصلح أعيدت. وإن كان بناء ذلك على صورة ثالثة أصلح للوقف، بنيت، فيتبع في صورة البناء المصلحة للوقف، ويدار مع المصلحة حيثما دارت. وقد ثبت عن الخلفاء الراشدين كعمر وعثمان أنهما قد غيرا صورة الوقف للمصلحة، وتمامه فيه.
ومن "الانصاف": الفائدة الرابعة: اقتصر المصنف، والشارح، والزركشي، وجماعة على ظاهر كلام الخرقي: أنه لا يشترط أن يشترى به من جنس الوقف الذي بيع، بل أي شئ اشترى بثمنه مما يرد على
стр. 527
أهل الوقف جاز. والذي قدمه في "الفروع": أنه يصرف في مثله، أو بعض مثله. انتهى.
ومن "مغني ذوي الأفهام": وإذا خرب الوقف، وتعطلت منافعه، أو تعطلت من غير خراب كجلاء أهل محلته، ونحو ذلك، أو باستيلاء من لا يمكن رده، جاز بيعه، وصرف ثمنه في مثله، أو دونه، أو المناقلة به. وكذا الفرس الحبيس، والمسجد غير الثلاثة إذا لم ينتفع به في موضعه، باعه حتى الأرض وجاز الانتفاع بها في كل شئ، وبيع آلته ويشرى بثمنه مكان يبني مكانها، في مكان ينتفع به. وساغ بيع بعض آلته وصرفها في عمارته. انتهى.
ومن "حاشية ابن قندس": فإن لم يكن له ناظر خاص، فعل ذلك الإمام، أو نائبه، وقيل: يفعله الموقوف عليه. قال المؤلف: إن قلنا: يملكه، وإلا فلا. قال ابن أبي المجد: فيبيعه ناظره. واقتصر عليه، ولم يزد على ذلك.
وفي "الزركشي" فإن الناظر يبيعه، ولم يذكر سواه مع كثرة نقله.
وفي "التلخيص": ويكون البائع الإمام، أو نائبه. نص عليه.
وكذا الشراء بثمنه. وهذا إذا لم يكن للوقف ناظر، لكن قد يقال: ظاهر كلام "التلخيص" يشعر بما قدمه المصنف، لأنه قال: ويكون البائع الإمام، أو نائبه. نص عليه.
وظاهره أن المنصوص بيعه للإمام، أو نائبه. وأما قوله: هذا إن لم يكن له ناظر، فالظاهر أنه من عنده. ثم قال: واعلم أن كون الذي يبيعه هو الحاكم، دون الناظر، ظاهر من جهة النظر، لأن الناظر في عرف الواقفين هو الذي ينظر في تنمية الوقف، بل لفظهم غالبا ظاهره المنع من ذلك، لأنهم يعينون في شروطهم عدم البيع، ولأن في بيعه بيع على الغائبين،
стр. 528
وهو الذي يستحقونه بعد انقراض ذلك الناظر، وليس له كلام عليهم، فيكون الأمر في ذلك من له الكلام في الجملة على الحاضرين والغائبين، وهو الحاكم. إذا تقرر أن البيع ليس على الموجودين حالة البيع فقط، بل عليهم، وعلى غيرهم ممن يستحق الوقف، إلى من لا يتحقق حصره، علم بذلك أن الذين يباع عليهم هذا الوقف ليسوا معينين بأجمعهم. وإذا كان كذلك، كان حكمه حكم الوقف على غير معين في البيع. ولا شك أن الوقف على غير معين إنما يبيعه الحاكم، فكذلك هذا، وتمامه فيه.
ومن "جمع الجوامع": القاعدة الثالثة والثلاثون ك لو كان بمسجد أو جامع خلاوي للفقراء، فتعطلت منهم، ولم يوجد من يسكنها ممن شرطت له، فهل يسوغ أن تؤجر، وترد الأجرة على مصالح المسجد أو المدرسة؟
أما إذا لم يحتج إليها، فإنها تبذل لفقير محتاج مجانا. وإن احتاج إلى أجرة العمارة ونحوها، جاز أن تؤجر، وتصرف الأجرة في ذلك. انتهى.
قال في "الرعاية الكبرى": وما فضل من حصره وزيته عن حاجته، صرف إلى مسجد آخر محتاج، وجاز صرفه لمسلم فقير. وقيل: بقربه. وقيل: وفقير بعيد. انتهى.
والذي ظهر لنا: أن الصرف على المحتاج من مساجد البلد متعين، وكذا حكم القناطر، والمساقي، والمدارس، والباطات. قاله شيخنا.
ومن "التحفة" للشافعية: لو أكره مستحق على عدم مباشرة وظيفة، استحق المعلوم كما أفتى به التاج الفزاري. وقال الرملي: وفي معنى الإكراه لو عزل عن وظيفة بغير حق، وقرر فيها غيره، فيستحق المعلوم، إذ لا ينفذ عزله. نعم إن تمكن من مباشرتها، فينبغي توقف استحقاقه المعلوم عليها. انتهى.
стр. 529
والظاهر عندنا كذلك. قاله شيخنا.
ومن "جمع الجوامع": قال أبو الحسن ابن اللحام في "الاختيارات":
قال أبو العباس: والمكوس إذا أقطعها الإمام الجند، فهي حلال لهم إذا جهل مستحقها. وكذلك إذا رتبها للفقهاء وأهل العلم. انتهى.
فظهر من هذا: إذا جهل ملاك أرض، فأقطعها الإمام لأحد ممن ذكره أو لى عليها عدلا فباعها وصرف ثمنها للمساكين، أو لمن ذكر أو في مصالح عامة، صح ذلك. قاله شيخنا.
وذكر السبكي: أكثر ما يسأل عن إمام مسجد يستنيب، أفتى ابن عبد لسلام، والنووي، أنه لا يستحق معلوم إمامه، لا المستنيب ولا المباشر. أما المستنيب فلعدم مباشرته. والنائب فلعدم ولايته.
واستنبطه السبكي من استعانة المجعول له، بأن ذلك جائز. والمستنيب يستحق جميع المعلوم إذا قصد النائب إعانته وتمامه فيه.
وإذا كان وظيفة مسجد قليلة، فجميع الجماعة للإمام شيئا، جاز سواء كان في المسجد، أو يتناظرون فيه، وإنه مباح للإمام، ولم يزل يفعل ذلك من غير نكير. قاله شيخنا.
سئل ابن حجر عن التحشية على الكتب الموقوفة، فأجاب: القياس منع ذلك، إلا أنه إذا اقتضت المصلحة خلافه، فحينئذ لا يبعد حوازه إن اقتضتها المصلحة، لأن كان الخط حسناً، وعاد منها مصلحة على الكتاب المحشى عليه لتعلق الحواشي بما فيه، تصحيحاً، أو بياناً، أو إيضاح، أو نحو ذلك، مما يكون سببا لكثرة المطالعة فيه للناس، وانتفاعهم به، لأن الواقف لو اطلع على ذلك لأحبه لما فيه من تكثير الثواب له بتعميم النفع لوقفه. ومتى انتفى شرط ما ذكرت لم تجز التحشية وهذا كاه وإن لم أره منقولا، لكن كلامهم يدل عليه، وتمامه فيه.
ومن "جمع الجوامع": سئل أبو العباس عن إمام قرية يعمل فلاحوها،
стр. 530
ويؤم وتوفي في أثناء الحول، فكم يستحق ورثته؟
أجاب: يستحق ورثته أجرة عمله في الأرض، كما لو كان الفلاح غيره، ويستحقون أيضا من المغل المختص بالمسجد بقدر ما باشر الإمام من الإمامة. انتهى.
ما قولكم في وقف على صوام في مسجد معين وقت الوقف، وليس فيها غيره وقت الوقف، فحدث فتنة في البلد، وبنى بعضهم لهم مسجدا في ناحية، وجعل فيه إماما للعذر، فهل يستحق الصوام الذين يفطرون في الجديد شيئا من الوقف المذكور، يفطرون به في مسجدهم كما قيل بدليل أن الواقف وقفه، والبلد واحد، والجماعة واحدة، والمسجد واحد، ولعل قصده صوام البلد لا البقعة؟
فأجاب الشيخ عبد الرحمن بن عبد الله بن ناصر المفتي بالأحساء الشافعي: الوقف المذكور يختص به من يفطر من صوام رمضان بالمسجد المعين القديم، وليس لأهل المسجد الجديد مشاركتهم في ذلك لاختصاص الوقف بجهته التي عينها واقفه، ألا ترى أنه لو أراد أهل المسجد المعين أن يفطروا به خارجه، لا يجوز لهم ذلك، فأولى غيرهم. وليس ما ذكره القائل مستدلا به صالحاً اما ادعاه من أن قصده على صوام البلد، لا نفس البقعة، فلا التفات لذلك، ولا يصار إليه، إذ لاعتبار عليه، لعدم مساعدة مدلول اللفظ له، وعدم تعدد المساجد حين الوقف لا يصلح بمجرده أن يكون قرينة على أن مراد الواقف غير أهل البقعة، لا خصوص جماعة المسجد، خصوصا وللواقف غرض، أي غرض في تعيين المسجد، لا يخفى والله أعلم. ومن خطه نقلت.
وسئل أيضا: إذا كان نخل وقف على الصوام في مسجد معين، وأتى رمضان وقد بدا صلاح الثمر لكن لم يرطب، ولم يأت أوان جذه، هل يجوز بيعه، ويشرى به ما يأكلون أو يستدان عليه ما يفطرون به
стр. 531
الآن أم لا لأنه يؤكل في رمضان المقبل، مع أنه بيعه يؤدي إلى الحاجة في المستقبل؟
وإذا انهدمت محلة فيها مسجد، وانتقل أهلها إلى غيرها من البلد، وأحدثوا فيها مسجداً، وصلى بهم فيه إمام المسجد الأول، فهل يستحق وظيفة المسجد الأول بلا صرف، وينتقل ما كان عليه بانتقال أهله وإمامه، أم لابد من صرفه؟ ومن يتولى ذلك؟
فأجاب: الذي يظهر أنه حيث كان النخل المذكور وقفا على من يفطر به في رمضان بالمسجد الذي عينه، وكان الحال كما ذكر، تعين حفظه للافطار به في رمضان الآتي بالمسجد المذكور، وهو الأقرب إلى غرض الواقف. ولم يجز لناظره بيعه، وشراء بثمنه شيئا للإفطار به هذه السنة، أو ليستدين عليه لذلك المعنى الذي أشار إليه السائل، زاده الله توفيقا. وما تقرر من تعيين حفظه لإفطار صوام رمضان به في العام المقبل بالمسجد المعين، محله ما لم يخش التلف قبله، وإلا فللناظر بيعه، ويشرى بثمنه مثله، ويحفظ إلى ذلك الوقت. فإن كان قرضه أصلح لهم، لم يبعد جوازه، كما أفتى بمثل هذا في نظير ذلك العلامة المحقق ابن حجر.
وأما الثانية: فالمتبادر إليه من لفظ السؤال فيها بإطلاق الانهدام شموله لمسجد المحلة، وحينئذ فالذي رجحه المتأخرون من علماء الشافعية في ريع وقف المسجد المتهدم: أنه إن توقع عوده، حفظ له، وإلا صرف لمسجد آخر، فإن تعذر صرف للفقراء، ووقع لبعضهم التعبير بأقرب المساجد إليه، ولعله على وجه الأولوية ليوافق الإطلاق السابق، إذا تقرر ذلك، علم أنه لابد في ريع وقف المسجد المذكور في السؤال من الصرف، وأنه لا يتعين صرفه إلى المسجد الذي أشار إليه السائل بكون الإمام إمام الأول، اللهم إلا إن خص بطائفة، خص بها المتهدم، فلا يبعد تعيينه، وإن بعد.
стр. 532
وقول السائل: ومن يتولى صرفه؟
فجوابه: يتولاه من له النظر في الوقف من خاص أو عام. والله أعلم. ومن خطه نقلت.
وذلك كله حاصل ما أجاب به شيخنا عبد الله بل الله ثراه في كل المسائل الثلاث، لكن شيخنا قال في الأولى: ومع التنزل للقائل بجوازه، مع البعد في ذلك، بأن قصد الواقف صوام البلد، لا نفس بقعة المسجد، فكل من لا عذر له من أهل البلد مع جميع الحادث من ضيف ونحوه، لا يستحقون شيئا إلا في المسجد الأول. فمن تركه سقط حقه بتركه الذي له عذر يخاف. ويقسط كل ليلة على قدر الاشخاص بكثرة من يفطر في المسجد وقلته، فإذا كان الذي يفطر فيه مثلا ألفاً ومائتين، والذين لهم العذر مائتين، أعطوا سبع تلك الليلة. فإذا كان الليلة الأخرى أنهم ألف فقط، وهؤلاء بحالهم، فلهم فيها سدس مع الثقل عليه في ذلك. قاله شيخنا.
قال في "مغني ذوي الأفهام": فإن وقف على قراءة أو صدقة ونحوها، وشرط كونه بمكان معلوم فإن كان القصد القراءة أو الصدقة فيه، حازت بكل مكان، ولما هو أكثر نفعا منه. وإن كان لقصدهما كمن عمر مسجدا، أو مدرسة، وجعل ذلك به، أو بمكان يكثر الانتفاع فيه، أو حاجة أهله إلى ذلك، لم يجز مخالفته. انتهى.
عقار وقف قسم، وبيع بشرطه، هل يشرى به عقار واحد، أم يشرى لكل أهل سهم عقار مفرز؟
الظاهر: يشرى كل شئ على حدة، ولأنه ربما في الاشاعة ضرر. قاله شيخنا.
إذا كان في عقار نخلة أو نخلات وقف واحتاج البئر إلى عمارة، فعليهن قسطهن، لأن فيه مصلحة للجميع. وأما الجدار إذا انهدم، هل يلزمهن منه شئ، أم لا؟ فيها ثقل. قاله شيخنا.
стр. 533
وسئل عنها الشيخ عبد الرحمن بن عبد الله المتقدم ذكره، وصورة السؤال: إذا انهدم حائط عقار، وفيه نخلات وقف لأرض لهن، فهل على مستحقهن من أجرة الحائط شئ، أم لا؟
فأجاب: ليس للشريك إجبار شريكه على العمارة، لنحو جدار أو بيت، وإن تعذر بهدمه، لقوله ﷺ : "لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب من نفسه" ولأن في ذلك إضرار له. ومن القواعد المقررة في الفقه أن الضرر لا يزال بالضر. ويجري ذلك في نهر وقف، وبئر مشتركة، واتخاذه سترة بين سطحيهما، ونحو ذلك.
ومنه: ما ذكر في السؤال، ويجري ذلك أيضا في زراعة أرض مشتركة، وسقي مقات، لكن ما ذكر كله مقيد بمطلق التصرف، فلو كان للمحجور عليه مصلحة في العمارة، وجب على وليه الموافقة، ومحله في غير الوقف.
أما هو فيجب على الشريك فيه العمارة. فلو قال أحد الموقوف عليهم:
لا أعمر، وقال الآخر: أنا عمر، أجبر الممتنع عليها، لما فيه من بقاء عين الوقف. وفي غير ذلك يجبر الممتنع على إجارة الأرض المشتركة، وبها يندفع الضرر. كذا قالوه.
ومن خلال ذلك يؤخذ الحكم عن صورة السؤال المسؤول عنه. إذا علمت هذا، فإن كان في إعادة الحائط عمارة للنخلات الوقف كما هو الغالب، وجب على الموقوف عليه موافقة شريكه على ذلك، لما تقرر. انتهى.
إذا غرس إمام مسجد أرضا وقفاً على الإمام، أو غارس غيره عليها، ومات الإمام، أو عزل، فهو محترم، والثاني أجرة الأرض على الأول. قاله شيخنا.
والشراء بثمن العقار الوقف المبيع بشرطه، يجوز في غير مدينته باتفاق مستحقيه. قاله في "شرح الاقناع". قال ابن رجب: ويجوز
стр. 534
في أظهر الروايتين عن أحمد أن يباع ذلك المسجد، ويعمر بثمنه مسجد آخر في قرية أخرى، إذا لم يحتج إليه في القرية الأولى. والوقف على قوم بعينهم أحق بجواز نقله إلى مدينتهم من المسجد. انتهى. قاله شيخنا.
وصرف الثمن والمناقلة به للمصلحة على الوجه المذكور لم يظهر فيه منع. أشار إليهما في "الفروع". الأولى في الحج، والثانية في الوقف. انتهى. قاله شيخنا.
يجوز شركة اثنين في إمامة مسجد بحسب اتفاقهما، وكل يصلي قدر حقه أياما أو صلوات. قاله شيخنا.
ومن "شرح الكنز" للحنفية: وإذا جعل شئ من الطريق مسجداً، صح. معناه إذا بنى قوم مسجدا، واحتاجوا إلى مكان ليتسع فأدخلوه من الطريق في المسجد، وكان ذلك لا يضر بأصحاب الطريق، جاز. وكذا إذا ضاق المسجد على الناس، وبجنبه أرض لرجل، يؤخذ بالقيمة كرها، لما روي أن الصحابة ﵃ لما ضاق المسجد الحرام أخذوا أرضين بكره من أصحابها وزادوها في المسجد الحرام.
كعكسه أي كما يجوز عكسه، وهي ما إذا جعل في المسجد ممر للناس، لتعارف أهل الأمصار في الجوامع، وجاز أن يمر فيه حتى الكافر، لا الجنب، والحائض، والنفساء، كما عرف في مواضعه. انتهى.
إذا قال: عقاره سبل على المسجد، يفعل به فلان ما رأى فقد جعل المصرف إلى فلان، فيفعل الأصلح من جعله على إمام أو مؤذن أو غيرهما.
وإن مات فلان قبل ذلك، فمشكل. والظاهر كون ذلك - أي الصرف - للورثة. قاله شيخنا.
ومن "جمع الجوامع": الثاني: ذكر جماعة على هذا، النزول عن
стр. 535
الوظائف وأخذ مال على النزول عن الوظائف، هل يجوز أم لا؟ على وجهين:
أحدهما: يجوز أخذ مال على النزول عن الوظائف، وأخذ المال على ذلك، وعليه عمل الناس، وهو قريب من أمر الشرع، بل هو يشبه ما نص عليه.
والثاني: لا يجوز أخذ مال عليه. انتهى.
قال ابن أبي المجد: التوجيه المذكور: إذا كان النزول متوقفا على الإمام بشرط واقف أو غيره، فإن النزول حينئذ لم ينبرم، ولم يتم، فهو شبيه بالمتحجر لايتم ملكه إلا بإحياء. والنزول لا يتم إلا بالإمضاء. فما بين المتحجر والاحياء كما بين النزول والامضاء. فكما أن المبادر إلى الاحياء فيما بين ذلك لا يملكه، ولا يبطل حق المتحجر في المحيا، بل حقه قائم على المذهب، فلذلك المبادر إلى التقرير في الوظيفة المنزول عنها، لا يستحقها، ولا يبطل حق المنزول له فيما نزل عنه، بل حقه قائم متوقف لزومه على الإمضاء. فإن وجد، انبرم، وتم للمنزول له، وإلا كان للمنزول عنه، ولم يحصل لغيره.
وليس للناظر التقرير في مثل هذه الوظيفة، إنما يقرر فيما هو خال عن يد مستحق، أو في يد من يملك انتزاعه منه لمقتضى شرعي، فحينئذ يكون تقريره تاما، ويكون من أطلق القول: بأن الناظر يقرر من شاء، محمولا على من رغب عنه رغبة مطلقة، أو لم يكن المنزول له أهلا، ففي هذا يتجه القول به. وأما إذا لم يكن النزول مشروطا بالامضاء، وكان المنزول له أهلا، فلا ريب أنه ينتقل إليه عاجلا بقبوله، ولا يتوقف على تقرير ناظر، ولا مراجعته، إذ هو حق له نقله إلى غيره، وهو مطلق التصرف في حقوقه ليس محجورا عليه في شئ منها، أشبه سائر حقوقه، إذ لا فرق. وله شواهد من كلامهم. انتهى.
стр. 536
قال في "جمع الجوامع": قال أبن أبي المجد في نسخته "الفروع" عقب توجيهه وذكره كلام أبي العباس: قال كاتبه، يعني نفسه: ليس لتخريج المؤلف هنا وجه أصلا، فإن هذا النازل عن الوظيفة لا يخلو:
إما أن يكون نزوله لغيره بعوض، أو تبرعا، وعلى كل تقدير، فإنه لم يحصل منه رغبة مطلقة عن وظيفته، وإنما نزل عنها لمعين بشرط حصولها له، فإذا تقرر فيها المنزول له بكونه أهلا لها، أو بتقرير متول شرعي عند بعضهم، وإن كان ليس شرطا في صحة الولاية، كما يدل عليه كلام شيخنا وغيره، وإلا، فهو باق على وظيفته، فبأي طريق يقرر فيها غيره بمجرد نزوله لمعين؟ ! هذا لا وجه له من العلم أصلا. قال: وإنما تمسكه بما ذكره عن شيخنا، فليس الحجة تعضد تخريجه بوجه له أصلا، فإن كلام شيخنا قضية في عين، يحتمل أن يكون هذا المنزول له ليس أهلا لذلك، ويحتمل أن يكون أهلا لها. والاحتمال الأول موافق لقواعده، دون الثاني بلا ريب، فإن قواعده تحض على حسم مواد المكر والخداع، والحيل، ومنعه وسده بكل طريق ممكن شرعي. وهذا الباب متى فتح، خصوصا من جهة مذهب من لا يراه، انفتح على الناس ضرر وفساد لا يطاق حمله، وفي الإشارة ما يغني عن العبارة. وهذا هذا، والله أعلم.
سئل ابن حجر الهيثمي: إذا شغرت وظيفة نحو تدريس مدة، فهل يستحق معلوما من قرر في الوظيفة؟ أو ما يفعل به؟
فأجاب: بحث اليمانيين على أنه يصرف إلى من تصدى بعد، أخذا من قولهم في الحاصل من ريع المسجد: إنه إذا خرب، يصرف لعمارة مسجد آخر، وفيه حكما وأخذ النظر. والقياس صرفه لمصالح المسجد الذي فيه تلك الوظيفة، فإن كان في غير مسجد، فمحل نظر. وقياس مسألة المسجد الذي خرب: أنه يعطيه مدرسي البلد، وإلا فمدرس أقرب البلاد إليهم. انتهى.
стр. 537
ومن "جمع الجوامع": الرابع: من طرق الناس في زمننا أن يدفع الأرض الموقوفة إلى رجل يغرسها بالنصف، أو الثلث، وحينئذ يكون النصف، أو الثلث الذي جعل له ملكا له، والجزء الآخر وقفا لأهل الوقف. لكن هنا أمر ينبغي التنبه له، وهو أن الجزء الذي غرس هل يلزمه فيه أجرة مدة مقامه في الأرض الوقف، أم لا؟ أما إذا شرط عليه أجرة فيه فيكون ذلك بإجارة، فهي إجارة، وتلزم الأجرة مدة مقامه فيها.
وأما إذا لم يشترط عليه أجرة، لم يلزمه أجرة، ويكون في مقابلة بقاء غرسه في أرض الوقف عمله وقيامه بنصف الغرس الذي لأرض الوقف.
وأما إذا أطلق ذلك، فهل تلزمه الأجرة؟ يتوجه احتمالان: أحدهما:
يلزمه الأجرة. والثاني: لا، وهو المختار. انتهى.
ومنه: الحادي عشر: لا يحتاج بيع الوقف إلى حاكم يحكم بجواز البيع قبل وقوعه كما يفعله الناس اليوم، سواء وقع البيع من الحاكم، أو الناظر، أو الموقوف عليه. لكن إذا صدر البيع، يحتاج إلى حكم بصحة البيع، أو بموجبه. فإذا حكم حاكم بذلك، لم يسغ لأحد نقضه، وإبطاله، إذا كان مذهب الحاكم ذلك. فأما إن حكم الحاكم بغير الصحيح، كأن باع وحكم بصحة البيع مع وجود النفع، وعدم تعطله فإنه يسوغ نقض حكمه، والغاؤه، وعلى كل أحد إنكار ذلك، إلا أن يكون الحاكم مجتهدا، ويرى ذلك. انتهى.
ومنه بعد كلام سبق: ولذلك يسوغ كثير من أصحاب مالك وبعض الحنفية أن يؤخذ من الطريق للمسجد، ومنه لها، إذا احتيج إلى ذلك.
وقال أصحاب مالك: وإن كانت الدور المحبسة حول المسجد، فاحتاج إلى سعة، فلا بأس أن تشترى دور الحبس ليوسع بها المسجد والطريق، لأنه نفع عام أعم من نفع الدار المحبسة. قال ابن حبيب عن مالك: ثم اختلف أصحاب مالك، هل ذلك مختص بالجوامع الكبار، أو عام في
стр. 538
كل مسجد؟ على قولين لهم: فقصره ابن الماجشون، ومطرف، وابن عبد الحكم، وأصبغ على المساجد الكبار. وقال الباقي: أما على تجويز مالك في الطرق، فيصح ذلك في مساجد القبائل. قال ابن رزقون، عن مالك في النوادر: إن ذلك في كل مسجد. وفي "كتاب ابن حبيب":
وقد أدخل في مسجد رسول الله ﷺ دور محبة كانت حوله.
واختلف المتأخرون من المالكية: إذا أبوا من بيعها للمسجد، هل تؤخذ منهم بالقيمة قهرا؟ على قولين مشهورين عنهم ... إلى أن قال:
قال ابن قاضي الجبل من أصحابنا: الثاني في كلام الإمام أحمد في استبدال الوقف، وبيعه، ونقل المساجد، وما اقتضاه، وقوله: وقيس على نصوصه، ويدل على مذهبه ما نذكره من نصوصه، وإيماؤه من مذهبه في الوقف تغييره وتبديله، وتحويله، وإزالته عن هيئته ووضعه منوطا بالمصلحة الراجحة للوقف وأهله من وجوه:
أحدها: أنه نص على نقل المسجد عند رجحان المصالح. قال صالح: سألت أبي عن رجل بنى مسجدا، ثم أراد تحويله إلى موضع آخر؟ قال:
إن كان الذي بنى المسجد يريد أن يحوله خوفا من اللصوص، أو يكون موضعه قذرا، فلا بأس أن يحول.
وشرط القاضي في قوله: قذرا، أن يكون قذارة تمنع من إتيان المسجد. وليس هذا الشرط في كلام الامام. قال عبد الله: سألت أبي عن مسجد يخرب، ترى أن تباع أرضه وينفق على مسجد آخر أحدثوه؟
قال: إذا لم يكن له جيران، ولم يمكن أحد أن يعمره فلا ارى بأسا أن يباع، وينفق على الآخر. وقال صالح: قلت لأبي: المسجد يخرب، ويذهب أهله أتراه يحول إلى مكان آخر؟ قال: نعم. قلت: المسجد يحول عن مكان إلى مكان؟ قال: إذا كان يريد منفعة الناس، فنعم،
стр. 539
وإلا فلا، ابن مسعود قد حول الجامع إلى المسجد من التمارين. فإن كان على المنفعة فلا بأس. قال: وإذا كان هذا نصه على نقل المساجد عند رجحان المصالح، بحيث يشرع ذلك تارة لعلة قذارة طريقه، وتارة لضيق المسجد بأهله مع إمكان أن يبنى إلى جنبه مسجد آخر، . وفي حالة خوف من اللصوص، فقد جوز ذلك لهذه المصالح المقتضية من التحويل، مع كونها أوقافا معتبرة، كان هذا قطعا من نصه لا محالة، وحيث اعتمد في نصه على ما رواه عن عمر من أمره بنقل المسجد، وصار موضعه سوقا للتمارين. وهذا من أعظم المناقلات.
ولا يقال: نقل المسجد لا يدل على خروج الأول عن كونه مسجدا، لأنه يقال: هذا اعتراض ضعيف، لأنه زال عن الأول مسمى المسجد.
فحيث أمر ابن مسعود بنقل المسجد، ونقله، وحيث نص أحمد على نقل المسجد فقد تضمن ذلك زوال كون المنقول مسجدا، وانتقال عرصته إلى حكم آخر يحققه وجهان:
أحدهما: أن المسجد الذي نقله ابن مسعود صار موضعه سوقا للتمارين، وهذا يحيل بقاء عرصة الأول على حكم المسجد، لتنافي اجتماع الأسواق مع المساجد كما هو معروف.
الثاني: إن أصحاب أحمد سوغوا بيع المسجد لعلة ضيقة كما سنذكره من أقوالهم. ومحال أن يبقى حقيقة المسجد وقفا بعد بيعه.
الوجه الثاني: إن الإمام أحمد لا خلاف عنه في مذهبه أنه يجوز بيع الأوقاف غير المساجد عند تعطل منافعها.
الثالث: إن هذا سبب ممنوع لم يذكر على ذلك نص عن صاحب المذهب، ولا حجة يجب المصير إليها، بل قد دلت أقوال الصحابة ونصوص الامام على أن ذلك متبع به رجحان المصالح، نقلا وتحويلا، ومبادلة، ونحو ذلك كما ذكرناه عن الإمام. ومن أساغ نقله لعلة ضيقة بأهله،
стр. 540
وضيقه، لم يعطل، ونفعه باق كما كان، ولكن المصلين زادوا، وقد أمكن أن يبني لهم مسجداً آخر، وأن يوسع الذي ضاق. وليس من شرط المسجد سعته جميع الناس، ولا الجيران، ومع هذا جوز تحويله إلى موضع آخر ... إلى أن قال: التاسع: وقوله: أرأيت إن كانت دارا، أو ضيعة، وقد ضعفوا أن يقوموا عليها؟ قال: لا بأس أن يبيعوها، ويجعلوها في مثلها. وهذا نص من الإمام على جواز بيع الرباع، وضيعة الوقف لمجرد المصلحة، فإنه جوز ذلك لضعف أهل الوقف عن القيام لمصلحته أرجح وأدل، فيسوغه لذلك. وهذا من أظهر نصوصه في المسألة. انتهى.
ومن جواب للشيخ عبد الوهاب بن عبد الله: لا يصح بيع ثمرة النخل الموقوف على صوام رمضان، بل ما وافق الشهر منها، أكل. وإن كان رطبا، أفطر به الصوام، وما بقي يرصد إلى رمضان ثان. وما استدل به على بيع الثمرة من كلامهم، وللناظر الاستدانة إلى آخره، فغير مطابق، لأن الاستدانة شئ آخر، والمراد بها أنه متى احتاج الوقف إلى عمارة، أو كلف سلطانية، أو أجرة بناء يحتاج إليه لحفظ الوقف، أو غير ذلك، قبل حصول الثمرة جاز للناظر الاستدانة على الوقف بلا إذن حاكم، وكذا كلام الشيخ لا يستدل به. ولو عطل مغل مسجد سنة إلى آخره، فإن ذلك غير تلك المسألة. وكتبه وقاله عبد الوهاب بن عبد الله. ومن خطه نقلت.
وله أيضا بعد السؤال: فيمن قال: مقدم في غلة هذه الأرض آصع بر معلوم تؤكل في المسجد برمضان، هل يجوز بيعها بدراهم ويشرى بثمنها تمر أم لا؟
الثانية: محل موقوف على مسجد معين للصوام فيه، في رمضان،
стр. 541
وأتى رمضان وهو لم تحصل ثمرته، هل يجوز بيعه بدراهم، ويشرى بها تمر يؤكل في المسجد أم لا؟
فأجاب: لا يصح بيع الآصع المذكورة لتعينها. والثانية: لا يصح بيع ثمرة النخل ويشرى بثمنها تمر، بل ما وافق الشهر أكل فيه ولو رطبا. والله أعلم. وكتبه عبدالوهاب بن عبد الله. ومن خطه نقلت.
الحمد لله، مقتضى قولهم: ومن وقف على ثغر فاختل، صرف في مثله، وقياسه مسجد ورباط، ونحوهما. لابد من صرف ذلك الوقف المتعطل على مثله ممن له ولاية صرف ذلك، يفعل فيه الاصلح والأرضى لله تعالى. ولا يجوز ذلك بلا صرف ممن له الولاية، وولاية صرفه للحاكم أو نائبه، إن لم يكن له ناظر خاص. وكل متصرف بولاية من إمام، وحاكم، ووصي، ووكيل، يلزمه فعل الأصلح. وكل أمين أمكنه فعل الأصلح ولم يفعل، كان متعديا. والله أعلم. وكتبه عبد الله ابن ذهلان، ومن خطه نقلت.
الصريح من كلامهم: لابد من صرف وقف المسجد الأول لما ذكر من إمام، أي والي البلد، أو نائبه القاضي. فإن عدما، فأمين يعرف المصلحة في الصرف. وكتبه عبد الله بن أحمد ابن شويهين، ونقلته من خطه.
قولهم: يشترط في الناظر كفاية في التصرف وخبرة به. وقالوا في عامل الزكاة: يشترط علمه بأحكام الزكاة. وقولهم: إن نزلوا على حكم حاكم عدل من أهل الاجتهاد في الجهاد، ويعتبر له من الفقه ما يتعلق بهذا الحكم، فتحرر ذلك أن الذي يلي الصرف هو الحاكم، أي القاضي أو العدل العارف بأحكام الصرف إذا عدم الحاكم. قاله شيخنا.
قال في "الحاوي": إذا وقف وقفا على عمارة مسجد، واكتفى المسجد ببعض غلته، ففي الفاضل وجهان:
стр. 542
أحدهما: وهو قول أبي علي بن أبي هريرة: إنه يكون محفوظا للمسجد لجواز أن يحتاج إليه في ثاني الحال.
والثاني: وهو قول أبي الحسن بن القطان: إنه يشرى به عقارا للمسجد، لأنه أحفظ وأعلى. انتهى. أظنه حاوي للشافعية.
ومن "أعلام الساحل": إذا تعطل المسجد بتفرق الناس عن البلد بخرابها، أو بخراب المسجد، فلا يعود مملوكا، خلافا لمحمد بن الحسن، ولا يجوز بيعه بحال ... إلى أن قال: والحاصل من ريع وقف عمارة هذا المسجد، يصرف إلى عمارة مسجد آخر، وكذا يفعل الحاكم بما في المسجد الخراب من حصر، وقناديل، ونحوها، ينقلها إلى غيره عند الخوف عليها. وقال في "الحاوي": ريع المسجد الذي خربت محلته يصرف إلى المساكين لأنه مصرف لا ينقطع لعامتهم على الأبد. انتهى.
ومن جواب للشيخ سليمان بن علي: ونوى التمر المنبوذ رغبة، مباح ولو كان له قيمة، يملكه أول من يأخذه. انتهى. ومن خطه نقلت.
إذا كان وقفا على الصوام من أشخاص شتى، فكل وقف وقف بمفرده لا يعمر من الآخر. قاله شيخنا.
ومن "جمع الجوامع": وقع لي عدة مرار: أشترى كتباً موقوفة بكتابة عليها لم تثبت وقفيتها، ثم أعيدها إلى ما هي عليه من الوقفية. انتهى.
الظاهر أن المؤذن الذي لا يدعو إلى جماعة، كمن يؤذن في مسجد متعطل لا إمام به، لا يستحق وظيفة المؤذن، فهو إذاً كالمتعطل يصح صرف ما على مؤذنه على مؤذن مسجد آخر له إمام، وفيه جماعة، ولو مع قيام هذا المؤذن، لأن قيامه كعدمه. قاله شيخنا.
стр. 543
لا يصح بيع الوقف على مذهب ولو مصلحة إلا عند تعطل مصالحه، إلا على قول الشيخ ومن تبعه. قاله شيخنا.
إذا كان مؤذن متقرر في وظيفة الأذان، وقال: من أذن بعد دخول الوقت فقد أذنت له، صح ذلك، والوظيفة له. وإن ترك الأذان، لم يستحق ما عليه. والمدرس لو درس بالمسجد، استحق الوظيفة كالمدرسة، لاسيما إن كان في بعض الأحوال. قاله شيخنا.
قال ابن قندس ك والحكورة المشهورة، يريد بذلك أن كثيرا من الأوقاف كان بساتين فأحكروها، وجعلت بيوتا وحوانيت، ولم يذكر ذلك العلماء الأعيان، ومن ذلك وقف المسمارية بالشام، كان بساتين فأحكروها بيوتا وحوانيت، ولم ينكره علما، ذلك الزمان. انتهى.
قال في "البزازية": إذا خرب المسجد، ولا يحتاج إليه، للقيم أن يصرف أوقافه إلى مسجد آخر. وفي "الظهيرية": مسجد عتيق لا يعرف بانية، لأهل المحلة بيعه وصرف ثمنه إلى مسجد آخر. وقال في "البحر": الباني للمسجد أحق بالإمامة والأذان. وولده من بعده، وعشيرته أولى بذلك من غيرهم. وفي "المجرد" عن أبي حنيفة: إن الباني أولى بجميع المصالح للمسجد، ونصب الامام والمؤذن إذا تأهل للإمامة. وفي "الأشباه والنظائر" لابن نجيم: الاستدانة على الوقف لا تجوز، إلا إذا احتيج إليها لمصلحة الوقف كتعميره، فتجوز بشرطين: الأول: إذن القاضي. الثاني: أن لا يكون له أجرة يحصل الصرف من أجرته. وليس من الضرورة الصرف على المستحقين، والاستدانة والقرض، أو الشراء بالنية.
وشرط الواقف يجب اتباعه إلا في مسائل منها: شرط أن يتصدق على من يسأل في مسجد كذا كل يوم يراعي شرطه. وللقيم التصدق على
стр. 544
سائل غير ذلك المسجد، أو خارج المسجد. انتهى.
سئل ابن حجر: هل تجوز الاستنابة لعذر؟ وإذا عطله أياما يحسب عليه من جامكيته؟ وهل يعمل بالعادة في البطالة؟
أجاب: تجوز الاستدانة لعذر. ومن عطل ما ذكر، قطع من جامكيته بنسبته كما أفهمه كلام النووي في "فتاويه"، وصرح به ابن الصلاح، وما نقل عن ابن عبد السلام بخلافه، ضعيف. وترك التدريس في الأشهر الثلاثة، يعمل فيه بالعادة المطردة في زمن الواقف. فإن جهلت، لم تجز. انتهى.
ومن "مجموع" اسماعيل بن رميح: ما فضل عن فطر الصوام، صرف على فطر صوام الست بعده. انتهى.
ومن "جمع الجوامع": الخامس: إذا صار الوقف إلى حال يجوز بيعه، تجوز المناقلة به وإبداله بغيره بما ينتفع به. لكن هل البيع والشراء أولى، أو المناقلة؟ يتوجه أوجه:
أحدها: البيع والشراء أولى، لما يظهر في البيع من الثمن ثم يشترى به، فإن الشراء بالأثمان يقع فيه الرخص والحض أكثر من ذلك.
والثاني: المناقلة أولى، لأنه لا يقع فيه بيع الوقف بدراهم.
والثالث: ما كان من ذلك أصلح وأنفع، فهو أولى. وهو المختار.
وفي رسالة أبي محمد: الربع الخرب الحبس لا بأس أن يعاوض به. انتهى.
إذا مات مستحق الوقف، وهو على بطون، أو مات إمام مسجد أو عزل وصار وقف أيلا، وقد أدرك قطعه عادة كالجوز إذا أتى أوان قطعه، فهو للميت والمعزول، ويرجع في ذلك إلى قول أهل الخبرة.
فإن ترك قطعه بعد الموت فزاد، فالأقرب إلى الفهم مع الإشكال أنه يقوم
стр. 545
وقت الموت ووقت القطع، والزيادة نصفان، كما لو أخر المشتري قطعه. قاله شيخنا.
قوله: وأفتى عبادة الخ. يعني إن كان مستحق الوقف مالك ريع ملكا مطلقا، لأنه ملكه. أما إن كان ناظراً، لزمه فعل الأصلح، ويفهمه كلام السبكي في "جمع الجوامع". قاله شيخنا.
قوله: وإلا يكن على سبيل الخيرات، بل على شخص معين، أو من يؤم، أو يؤذن إلى آخره. هذا يفيد أن الإمام كالمؤذن معين تجب عليه الزكاة، فيما حصل له من غلة الوقف إن كان أنصابا، ولملكه الثمن بالظهور، وجواز الحلف مع الشاهد بالوقف مع التردد في بعض الأحيان. قاله شيخنا.
قوله: يصرف إلى مثله، فيصرفه الحاكم كما يفهمه، كلام الخرقي كغيره بقوله: ويشتري بثمن الوقف ما يجعل وقفا. قال في "شرحه":
ظاهر كلام الخرقي لابد من توقيفه، لقوله يجعل وقفا. قاله شيخنا.
إذا حصل من ريع الوقف شئ في مدة تعطل جهته، جاز صرفه إلى مثله، وشراء ما يوقف على مثل الجهة لكونه مصلحة. قاله شيخنا.
إذا كان أرض وقف على جهة كمسجد، وأراد شخص غرسها ليوقفه على تلك الجهة، فالأولى وقفه قبل الغرس، ثم يغرسه لأنه يكون إذا في جهته. ولو غرسه أولا، ثم وقفه عليها، جاز. لكن نفس الوضع أولا فيه شئ. ولا يجوز وقفه في غير الجهة. قاله شيخنا.
من "جمع الجوامع": إذا بنى مسجداً في الطريق، فإن كان واسعا ولم يضر بالمارة، وقال أكثر الأصحاب: وأذن فيه الإمام جاز.
وإلا فروايتان. إلى أن قال: وقال اسماعيل الشالنجي: سألت أحمد عن طريق واسع للمسلمين عنه غنى وبهم إلى هناك حاجة المسجد، هل يجوز أن يبنى هناك مسجد؟ قال: لا بأس بذلك إذا لم يضر بالطريق. ونقل
стр. 546
عبد الله: أكره الصلاة فيه إلا أن يكون بإذن الإمام. انتهى.
ومن "الفروع": وإن حفر بئرا في سابلة للمسلمين لنفعهم، ولا ضرر، لم يضمن. وعلله أحمد بأنه ينتفع به للمسلمين، وكموات. وعنه:
بإذن حاكم. وعنه: بلا. وكذا حكم البناء في مساجد وغيرها لنفع المسلمين. ونقل المروذي: حكم هذه المساجد التي بنيت في الطريق أن تهدم. ونقل اسماعيل الشالنجي: لا بأس به. ونقل عبد الله: أكره الصلاة فيه إلا بإذن إمام. انتهى.
ومن "الانصاف": الثانية: حكم ما لو بنى فيها مسجداً وغيره كالخان لنفع المسلمين، نقل اسماعيل بن سعيد، لا بأس به إذا لم يضر بالطريق. انتهى.
ومن "القواعد": ومنها: إذا بنى مسجدا في طريق واسع، ولم يضر بالمارة، وقال الأكثرون من أصحاب أحمد: إن كان بإذن الإمام، جاز. وإلا فروايتان. وقال أحمد في رواية ابن الحكم: أكره الصلاة في المسجد الذي يؤخذ من الطريق، إلا أن يكون بإذن الإمام. ومنهم من أطلق الروايتين. وكلام أحمد أكثره غير مقيد. قال في رواية المروذي:
المساجد التي في الطرقات حكمها أن تهدم. وقال اسماعيل: سألت أحمد عن طريق واسع للمسلمين عنه غنى وبهم إلى هناك حاجة مسجد؟ قال:
لا بأس بذلك، إذا لم يضر بالطريق. قال: وسألت أحمد: هل يبنى على خندق مدينة المسلمين مسجد للمسلمين عامة؟ قال: لا بأس بذلك، إذا لم يضر بالطريق. انتهى.
ومن كلام أبي العباس: الوقف على من يعمل أعمالا مثل أن يوقف على من يؤذن، أو يؤم في المسجد الفلاني، أو من يعلم العلم، أو يتعلم، أو يرابط، أو يجاهد في المكان الفلاني ... إلى أن قال: فلو وقف على إمام، أو مؤذن كل يوم، أو مقرئ، أو متعلم كل يوم، فإذا ترك
стр. 547
العمل بعض الأيام لعذر، فلا ريب أنه يستحق بقسط ما عمل لا يستراب فيه. وإذا كان الرزق على من يؤم في هذا المسجد أو يؤذن، فعرض له مانع فاستخلف فمن المستحق للرزق؟ هل هو الخلفة أو المستخلف؟ قيل هو للمباشر، وقياسه بالأجارة، والجعالة، يقتضي أنه للمستخلف، لأن عمل هذا النائب يقع عنه ... إلى أن قال: قلت: فإذا كان الوقف على طبقات معينة، فالذي ينبغي أن لا يجوز أخذ فائدته قبل وقت استحقاقها، مثل قبض الأجرة قبل استيفاء المنفعة، وقطع الثمرة قبل بدو صلاحها، لأن الموقوف عليه لم يستحق بعد، ولا نعلم هل هو المستحق أو غيره للمستقبل، أو البطن الثاني، أو الثالث، بخلاف ما إذا كانت على جهة كالفقراء، فإن الاستسلاف لهم يشبه استسلاف الزكاة لأهل السهمان. إذا كان على جهة يراد عملها كالإمام والمتعلمين، فالأشبه لا يجوز الاستسلاف إلا لضرورة ابقاء العمل، بحيث لا يوجد متبرع ... إلى أن قال: فلو وقف رجل أماكن على جهة واحدة، صرف من فوائد بعضها في عمارة البعض. ولو وقفها على جهات، لم يجز ذلك، لأن المستحق متعدد. ولو وقف رجال أملاكا على جهة، مثل أن يوقف على مسجد، فهل يجوز، أو يجب أن يعمر بعضها من فائدة بعض؟
الذي ينبغي جوازه بل وجوبه لأن المستحق واحد، وإذا اتحد فلا اعتبار بتعدد المتصدق. وقد يقال: هذا يستلزم أن يعمر بوقف الإنسان وقف غيره، ومثل ذلك إنشاء عمارة للجهة من وقفه، فهل يجوز ن يبتدأ من فائدة الوقف عماره؟ فإن لم يجز ذلك، فعمارة وقف الإنسان بالنسبة إلى وقفه ابتداء اعماره، لأن هذا المال قد وجب صرفه في الجهة، فصرفه في العمارة صرف له في غير وجهه، ولأن بعض الناس قد يقف أصولا ضعيفة فيجب صرف فائدة غيره إلى أصول وقفه، وقد يقال: على
стр. 548
هذا، يجوز صرف العمارة من أحد الوقفين على الآخر، ولا يجب بل يكون بحسب المصلحة. انتهى.
ومن كلامه أيضاً: فأما المبادلة بالوقف من غير بيع له فلا نزاع أن من يجوز البيع يجوزها عند ظهور رجحان المصلحة. والمبادلة كالبيع بل أولى منه. وإن لم يكن متعطل المصلحة. فإن كانت المبادلة مرجوحة فلا مساغ في الجواز عند أحد، وإن كانت لمصحلة في ذلك فقد جوزها الإمام أبو ثور، وذكرها بعض الحنفية مجوزاً لها. انتهى.
ومن جواب لشيخنا: وصل السؤال في شأن وقف باعه مستحقه وقبض ثمنه، ثم أراد فساد البيع الصادر منه، وأنه أكل الثمن أو بعضه، وتتاركت عن تصريح الجواب خوف انتشار فساد عندكم في مثل هذا الزمن الفاسد، ثم جاء هذا، ومورد السؤالين واحد، وحاصل ما تتكلم به: أنه إذا باع إنسان عقارا لا يعلم مشتريه كونه وقفا، ثم ادعى بائعه وقفيته، أن دعواه لا تسمع، ولا بينة، إلا أن تشهد له البينة بنحو ذهول، أو نسيان لذلك على ما في (الغاية). وإن كان ثابت الوقفية، وإنما بيع لتعطل منافعه المقصودة بخراب أو غيره؛ وصحيح المذهب الذي صرح به في (الإنصاف) وقطع به في (الإقناع): أن الذي يلي بيعه ناظره الخاص، أي المشروط له النظر. فإن عدم؛ فالحاكم، أي حاكم الشرع، وبيع الموقوف عليه مع وجود الناظر الخاص أو الحاكم؛ فعله مرجوح يعرفه من طالع (الإنصاف)، و (شرح المنتهى). ثم الذي الآن نعمل به مع عدم الناظر وحاكم الشرع أنه إذا وكل والي البلد عدلا مع توكيل للوقف المستحق له في بيعه، وكان المستحق عدلا وتولى البيع بتوكيل شريكه إن كان مع توكيل الوالي له؛ فهذا هو المستطاع، وهو صحيح. وإن تعذر ذلك، فانتصب لبيعه مستحقه مع عدالته الظاهرة؛ فنافذ أيضا. أو انتصب لبيعه عدل بإذن المستحق
стр. 549
الرشيد، أو باعه العدل والمستحق نحو صغير بشرط. وإن تعذر ذلك كله، ولم يوجد إلا المستحق غير العدل، وتصرف في الوقف؛ لم نجزه، لإمكان المشي على أحد الوجوه المذكورة حسب الإمكان. وقد علمتم الخلاف المشار إليه في تولي غير الموقوف عليه لبيعه، وقد حكم به بعض القضاة فيما تقدم، ولا نتعرضه لاتصال الحكم به. ولو أن المسؤول عنه اتصل به حكم، فأقل ما يفعل املتورع عدم التعرض له. انتهى. ومن جوابه نقلت. وله أيضا: لقد جاءنا منكم رسالة في آخر رمضان من سنة ثلاث وثمانين، وذكرنا لكم الذي نعمل به في مثل ذلك، حتى جاءني رسالة في صفر هذه السنة الرابعة أظنها من مدعي الفساد، وكتبت لهم بالحوالة على اكلتاب الذي جاءكم وأشرنا لكم فيه على الخلاف في المسألة من غير ذكره مفصلا. وحاصل الأمر ما قلنا لكم فيه، وذلك بعد تحرير أولا وآخرا بحمد الله. ثم ذكر كلام (الإنصاف) في آخر الوقف في بيع الوقف وطرقه، ثم قال في أحد الطرق: وهذا حاصل متن عبارة (الإقناع) و (شرحه) وهو ملخص المذهب على ما في (الإنصاف)، وحيث قالوا: الناظر الخاص، فهو المشروط له النظر. وقولهم: ووظيفة الناظر إلى آخره. وقولهم: فإن لم يشترط ناظرا؛ فالنظر للموقوف عليه إلى آخره؛ لا يفيد في ذلك شيء من بيعه عند تعطله لمن تأمل.
وله أيضا من جواب له في المسألة: آخر ما أقول كأوله. إن كان بائع الوقف ظاهر العدالة؛ فالبيع صحيح، وقبض الثمن فرع لذلك صحيح أيضا، وضمانع عليه، أي على متلفه، ولا تبعة على المشتري. وإن كان غير ذلك؛ فأنتم أشرفتم على ما فيه من الخلاف المفصل. واعلم أن من تعرض للعقد بفساد؛ فالقبض غير صحيح. ولا يمكن أن يقال بتمام العقد، وقبض الثمن غير صحيح؛ إلا أن يكون قابضه حين قبضه له ليس أهلا لقبضه. وأما التوسع بالمداخل في أشياء ليست عندنا، ولا حولنا، فهذا يفضي إلى كثرة القيل والقال بما لا يجدي. ثم اعلم أن بكل
стр. 550
حال لا أتعرض حكم الحاكم فيه بنقض له، من حيث إن الشيخ سليمان بن علي أمر به، وأجهد. ثم عند العقد بكل ممكن كما ذكرتم. قاله وكتبه الفقير إلى عفو ربه عبد الله بن محمد بن ذهلان. ومن خطه نقلت.
وقف بيع، وهو بين اثنين نصفين؛ لم تجز قسمة الثمن بينهما، إذا كان كل منهما يريد الشراء بحقه في بلد آخر. وكذا لا يجوز بيع أحدهما حقه مشاعا. لكن إن باعاه جميعا، وأراد كل منهما الشراء في بلد؛ فالحكم أن يشتريا العقارين بينهما، ثم يقتسماها، لكل واحد ما في بلده. وإن قسماه أولا، ثم باع أحدهما ما بيده بعد القسمة: صح ولو لم يبع شريكه، هذا مع جواز بيع الوقف. قاله شيخنا.
ومن (روضة) ابن عطوة: سألت شيخنا عن مسجد الحوضية: إذا خافوا أن يرقى عليه إلى منزلهم؟ فأجاب: بأن المسجد يقصر، فإذا لم يزل الضرر بقصره؛ هدم. والحال أن الضرر مظنون، أو متوهم، أو مشكوك؛ فقد أجاز هدمه، فغيره أولى بالهدم. قلت: وليس للضرر ضابط ينتهي إليه، بل وجوده مطلقا كاف. انتهى.
جزم في (الفروع): إن بيع الوقف إلى الحاكم مطلقا، وكذا شراء بدله، وقواه ابن قندس. قاله شيخنا.
قال السامري في (فروقه): إذا وقفت جارية، فحملت وولدت، فولدها وقف معها، حكمه حكمها. ولو وقف نخلا، أو شجرا فأثمرت لم تكن الثمرة وقفا، بل يملكها الموقوف عليه، والفرق بينهما أن ولد الجارية يصح وقفه ابتداء؛ فدخل في وقف أمه، لأنه جزء منها يصح وقفه، فدخل في الوقف كسائر أجزائها، ولأن كل حكم ثبت للأم يتبعها الولد فيه، كحرمة الاستيلاد في أم الولد، وكولد الهدي، والأضحية والمكاتبة والمدبرة، وليس كذلك ثمرة النخل والأشجار؛ فإنها لا
стр. 551
يصح وقفها ابتداء، فلذلك لم يدخل في الوقف كغيرها من المأكولات والمشروبات، ونحوها. وهكذا الحكم فيما إذا وقف غنما، أو غيرها من بهيمة الأنعام؛ فأولادها وقف معها. ولبنها وصوفها وشعرها ووبرها؛ لا يكون وقفا معها. والفرق بينهما ما بيناه. انتهى.
ومن حاشية ابن قندس على المحرر: الذي يظهر أنه متى وقع الشراء لجهة الوقف على الوجه الشرعي ولزم العقد أنه يصير وقفا؛ لأنه كالوكيل في الشراء. والوكيل يقع شراؤه للموكل، فكذلك هذا يقع شراؤه للجهة المشترى لها الوقف. لكن هنا سؤال وهو: هل أنه يصير وقفا قبل انقضاء مدة الخيار، خيار المجلس، أو خيار الشرط، أم لا؟ وتمامه فيه.
ومن القاعدة الرابعة والأربعين: إبدال الهدي، والأضاحي بخير منها جائز. نص عليه. وكذلك إبدال الوقف إذا خرب، والمسجد إذا باد أهله. وفي إبدال الوقف مع عمارته روايتان. ولو أبدل جلود الأضاحي بما ينتفع به في البيت من الآفة جاز. نص عليه، لأن ذلك يقوم مقامه الانتفاع بالجلد نفسه في متاع البيت. انتهى.
لو ادعى دارا بيد آخر أنها وقف عليه، وأنكر صاحب اليد، ولم تقم بينة، ثم صالحه بعوض عن دعواه وعن يمينه؛ لم يجز له أن يدعي عليه ثانيا، ولو أقام بينة لإكذابه نفسه بدخول في الصلح. قاله شيخنا. وهذا فيما إذا كذب نفسه بالوقف، وإلا فلا. والله أعلم.
ومن جواب للشيخ سليمان: إذا وقف نخلة من عقاره وشرط أن الساقي والبركة لا يحول عن مكانه؛ فشرط صحيح لازم لا يجوز تغييره للمالك الحادث بعده بإرث أو شراء. انتهى.
وله أيضا: والمرصد من غلة المدرسة وقت تعطلها، ثم حدث مدرس في بعض العام، ودرس وأخذ الثمرة المتشققة ولم يطلب المرصد، ولم
стр. 552
يدفع له، ثم حدث آخر؛ فإنه يدفع إليه لأنه مستحقه، ويلزم من بيده دفعه إليه. انتهى.
هل يجوز دفع جلد الأضحية لمن يدبغه بصوفه أو جزء منه؟ الظاهر جوازه، كما يجوز إصلاح بعض الوقف ببعضه. قاله شيخنا.
عمل مصلى عند لزي له، يصلي فيه ومن حضره، لكن لم يشرعه تشريع عام؛ فالظاهر لا يقف. والعقار الذي لا يقوم نماؤه بعمارته، فبيع بعضه وجوعل به على سقي مدة صحيحة؛ صح ذلك. وإن رأى الحاكم أو الناظر أو ولي القاصر بيع جميعه أصلح؛ فعل وشرى بثمنه ما ينمى. فلو فعل ثم وقع النزاع في المصلحة فلا بد من بينة على مدعي الفساد أن الأصلح وقت العقد كذا. وينقض العقد إن خالف تصرف الولي. قاله شيخنا.
ومن وقف آنية أو وصى بها لإعارة نفع المسلمين، جاز نقلها إلى بلد آخر إذا لم يعين بلدا. قاله شيخنا.
أرض وقف، أو أرض مال يتيم، وفي قلع ترابها مصلحة، فالظاهر جوازه مع إذن المتكلم على ذلك من ناظر أو ولي. والأحوط أن يجاعل على قلع ذلك بجعل معلوم. فإذا قلع باعه عليه بذلك. قاله شيخنا.
دفع إلى أهل بيت شيء، وقيل: هذا لكم، وليس لهم أولا؛ فالظاهر أنه يصير لهم، لأن هذا إباحة، وبابها أوسع من الهبة. قاله شيخنا.
ومن جواب للشيخ عبد الوهاب بن عبد الله: الثانية: حكم الإمام للمسجد، حكم الموقوف على معين يثبت بشاهد ويمين المدعي. الثالثة: تقبل شهادة المرأة بعارية ووديعة، في حمام، وعرس، مما لا يحضر فيه رجال، مقبولة مع اليمين. ومن خطه نقلت. انتهى.
ومن جواب شيخنا: ووقف الإنسان على ابنه إلى آخره. فهذه
стр. 553
المسألة فيها اضطراب من زمن طويل. وشيخنا محمد حريص على نص يجده فيها إلى أن مات. ثم ج اءنا فيها جواب للبلباني: فيمن وقف وسكت وله ابن وبنتان، ثم مات الابن؛ أن نصيبه يصرف مصرف المنقطع. انتهى.
ونقل الشيخ منصور ما صفته: وإذا صرف إليهم يعني ورثته، فماتوا، فهل ينتقل إلى ورثتهم، أم لا؟ وفي (شرح الخرقي): وحيث قلنا: يصرف إلى الأقارب، فانقرضوا ولم يوجد قريب، فإنه يصرف إلى كذا، انتهى. قال منصور: فيؤخذ منه أنه إذا مات ورثته ينتقل إلى ورثتهم من أقاربه، وهكذا حتى ينقضي أقاربه، هذا ملخص الكلام.
وأفتى الشيخ ناصر بن محمد، ووافقه أهل زمنه في وقف لرجل اسمه غانم، وقف ولم يعرف له مآل: إنه في كل زمان يراعى فيه ورثة غانم، كلما مات طبقة من ورثته، صار للطبقة الأخرى على قدر ميراثهم من غانم المذكور. وتحالاه الشيخ محمد لما ذكرناه له. والله أعلم. ومن خطه نقلت.
بئر انهدمت وعليها دلو، وتعطلت الدلو؛ صرف وقف الدلو لأخرى محتاجة، ولو في غير البلد. ومع تعذر الدلو المحتاجة، فلا إشكال في جوازه. وإذا غلب على الظن أنه إذا صرف على دلو محلها في قرية أخرى أكله الظلمة، جاز صرفه إلى جهة فيها نفع للمسلمين ولو غير دلو. قاله شيخنا.
وما ذكر ثم في وقف على مؤذن في مسجد، ثم تعطل بحيث لا تقام فيه الجماعة ولا يقصد لصلاة؛ ساغ صرف ريع ذلك الوقف إلى مؤذن آخر في مسجد تقام فيه الجماعة، ويقصده الناس إذا سمعوا النداء. وقد صرح بجواز صرف ريع ذلك إذا اختلفت الجهة إلى مثلها غير واحد
стр. 554
من العلماء؛ فجوازه مما لا شك فيه. وكتبه عبد الوهاب بن عبد الله. ومن خطه نقلت.
ومن جواب له أيضا: وإذا كان ثم أرض موقوفة يصرف من ريعها على دلو يقوم بها لنفع المسلمين، والبقية لورثة الواقف، ويمضي سنين لا تزرع، وإن زرعت فبجزء قليل، وحصل من يستأجرها يبني فيها دورا بأجرة للجهة المذكورة على الدوام؛ صح ذلك، وهو أصلح من تركها على صفتها ولو ظاهرا، والمؤجر لها عدل المذكور حين عقد الإجارة، ولو طرأ على المستأجر عسرة بعد العقد، فلا تبعة على العدل الذي آجر. ومن خطه نقلت.
ومن (فتاوى النووي): إذا أعار كتابا، ثم طلبه من المستعير فمنعه، هل يحل مطالعته له بعد طلب ربه؟ وهل يفسق بمنعه؟
الجواب: لا تحل مطالعته له بعد طلبه، ويفسق بذلك إذا منعه بلا عذر. انتهى.
من (المغني): لو خلف ثلاثة بنين وأبوين، فادعى الأبناء أن أباهم وقف داره عليهم في صحته، وأقاموا بذلك شاهدا واحدا، وحلفوا معه، صارت وقفا عليهم. وإن لم يحلفوا معه وحلف الأبوان على نفي علمه، صار نصيبهما طلقا، ونصيب الأبناء وقفا عليهم بإقرارهم. وإن حلف أحدهما، كان له ثلث الدار وقفا عليه. فإن امتنع البطن الأول من اليمين، فقد ذكرنا نصيبهم، يكون وقفا عليهم بإقرارهم. فإذا انقرضوا صار وقفا على من بعدهم على مقتضى إقرارهم، أي الأبناء المذكورين. فإن كان الإقرار أنها وقف عليهم، ثم على أولادهم، فقال أولادهم: نحلف مع الشاهد ليكون جميع الدار وقف لنا، فلهم ذلك؛ لأنهم يتلقون الوقف من الواقف، فلهم إثباته على البطن الأول، فإن حلف واحد ونكل الآخرون، ثم مات الحالف، نظرت، فإن مات في حياة أخويه، ففيه ثلاثة أوجه:
стр. 555
أحدهما: يصرف إلى أخويه؛ لأنه لا يثبت للبطن الثاني إن بقي من البطن الأول أحد.
والثاني: ينتقل إلى أولاده، لأن أخويه أسقطا حقهما، فصارا كالمعدومين.
والثالث: يصرف إلى أقرب عصبة الواقف؛ لأنه لا يمكن صرفه إلى الأخوين، ولا إلى البطن الثاني كما ذكرنا، فيصرف إلى أقرب عصبة الواقف، إلا أن يموت الأخوان ثم يعود إلى البطن الثاني.
والأول أصح؛ لأن الأخوين لم يسقطا حقوقهما، وإنما امتنعا من إقامة الحجة عليه.
وكذلك لو اعترف لهما الأبوان، ثبت الوقف من غير يمين. وهاهنا قد حصل الاعتراف من البطن الثاني، فوجب أن يصرف إليهما لحصول الاتفاق من الجميع على استحقاقهما. انتهى. من المغني لابن قدامة رحمه الله تعالى.
إذا وقف نخلة على الحرم الشريف، فالعرف إرسال نمائها إليه، فيؤجر عليه بسهم منه. وإن قال: يباع ثم يقسم ثمنه، صح ذلك. قاله شيخنا.
الحمد لله. مقتضى كلامهم: أن حيث ذكروا غير المعين كالفقراء والمساكين، لا يثبت الوقف عليهم إلا بشاهدين. إن ما وقف على إمام مسجد، أو مدرس، أو مؤذن، يثبت بشاهد ويمين، لكون كل منهم يملك ما وقف على تلك الجهة، وتجب عليه زكاة ما حصل له من ثمرة ذلك الوقف إذا كمل النصاب مع عدم المانع. وذكر في (شرح المنتهى) في آخر الوقف ما يفيد: بأن الوقف على الإمام حكم المعين، وتبعه الشيخ منصور في (شرحه).
وإذا مرض الإمام، وكان وقت ظهور الثمرة غير قائم بالوظيفة،
стр. 556
لا بنفسه ولا نائبه، لم يستحق الثمرة، لعدم قيامه بالوظيفة. والأحسن أن غلة الوقف تقسم بينه وبين الإمام الثاني على حسب الزمان، كما ذكره أبو العباس: أنها تقسم مع عدم الموت، لا يختص بها من ظهرت الثمرة وهو متصف بالإمامة ثم ترك الإمامة باختياره.
وإذا كان سبل على ملء بكرة مشرعا للمسلمين، والفعل غير سائغ بر، فلا يصح على مباح: وإذا تعطل مثلا لدلو أو غيرها، وليس في البلد مثلها محتاج لذلك، وإن صرف إلى مثلها في غير البلد آل إلى أكل الظلمة له، جاز صرفه في غير مثله من المصالح، كإمام ونحوه. وكتبه عبد الوهاب بن عبد الله.
ما قولكم: وثيقة وجد فيها وقف محمد بن أحمد عقاره الفلاني على الأضعف من آل أحمد، ثم الأضعف من آل فلان، انتهى. فهل يكون الأضعف من آل أحمد بالنسبة إلى حالهم وإن لم يسمى فقيرا لكونهم ورثة الواقف، أم لا بد من كونه فقيرا؟ وإن لم يكن فقيرا في الكل، فهل يكون كوقف منقطع؟
الجواب: الوقف يكون لأضعف آل أحمد بمعنى الأحوج، وهو من يستحق أخذ الزكاة لحاجة، اللهم إلا أن يكون عرف مطرد في بلد الواقف بخلافه، رجع إليه. فإن لم يكن فيهم فقير فهو لورثة الواقف نسبا. وكتبه عبد الوهاب بن عبد الله. ومن خطه نقلت.
ومن جواب له في (المغني): ولا مدخل للأغنياء في ذلك، اللهم إلا أن يكون قصد الواقف الأضعف فالأضعف من آل أحمد، فلا يستحق الأضعف من آل عبد الله شيئا إلا بانقراض جميع آل أحمد؛ لأن
стр. 557
الغني يصدق عليه الضعف إلى من أغنى منه. ومن خطه نقلت.
أوصت امرأة بكذا ثلثا على إمام المسجد الفلاني، وثلثا على الصوام فيه، وثلثا على معين غيرهما. والحال أن الإمام من البينة، وأنه سألها بعض من حضر: هل وقف ثلث الثلث على الإمام الفلاني؟ فقالت: نعم وسألها عن وقف الصوام؟ فقالت: نعم، فهل تقبل شهادة الإمام والحالة هذه، أم لا؟
الجواب: يقبل الشاهدان بما عين للصوام، وتقبل شهادة الإمام بما أوصت به لمعين مع يمينه؛ لأن هذه وصايا متعددة الجهات. ولا يمنع ذلك قولهم: ومن شهد بحق مشترك بين الشاهد وغيره؛ لم تقبل شهادته، لأن الشهادة لا تتبعض، وما ذكر من الوصية لآخر، غير تلك. كتبه عبد الوهاب بن عبد الله.
أرض في غلتها آصع بر معلومة، تؤكل في مسجد معين، هل يجوز بيعه مع قول الواقف: تؤكل ويشتري بثمنها تمرا، أم لا؟
الثانية: نخل موقوف على مسجد معين، يؤكل ثمره فيه فيه رمضان وأتى رمضان وهو لم يحصل الثمرة، هل يجوز بيعها ويشري بذلك تمرا يفطر به، أم لا؟
الثالثة: أرض موقوفة على مسجد معين، هل إذا حصل منها عيش يجوز بيعه ويشرى به تمر يفطر به لأن هذه التمرة متعينة بالعام الآتي، أم لا؟
الرابعة: وجدت أرض في قرية، إذا حصل منها عيش سواه بعضهم وجعله في المسجد، وأكل فيه، ولا يعلم ترتيبه ولا سببه، ولا شرطه، هل يجوز بيعه ويشتري به تمرا، أم لا؟
الخامسة: شخص قال: في هذه الأرض عشرون صاعا تصرف في
стр. 558
جهة بر، ولم يقل تمرا ولا برا، وهل إن ذكر الجنس كفى عن النوع، أم لا؟
السابعة: وقف نخلة على ثلاثة قدور، ولم يبين وزن كل قدر، وأي شخص، فشرى ثلاثة وفضل من الغلة شيء، فهل يشتري به قدور، أم يدفع إلى ورثة الواقف، أم يتصدق به على الفقراء؟
الثامنة: رجل في يده أرض ونخل، وقال: هذه النخلات وقف على قدور، فهل يصح ذلك، أم لا بد من كونها معلومات؟
الجواب: الأولى: لا يصح بيع الآصع المذكورة وشراء بثمنها تمرا، لتعينها.
الثانية: لا يصح بيع ثمرة النخل وشراء بثمنها تمرا، بل كل ثمرة تصرف فيما وافقها.
الثالثة: ما حصل من العيش في الحالة الثالثة والرابعة، يجوز بيعه وشراء بثمنه تمرا لعدم تعين العيش، لكون الأرضين المذكورين أو أجِّرتا إجارة فاسدة، أو زرعهما إنسان غصبا، تعين عليه أجرة المثل من النقدين، ثم للناظر أن يشتري به تمرا.
الخامسة: إن كانت الأرض المقدم فيها ما ذكر وقفا، لم يثبت ما ذكر لجهالته. وإن كانت طلقا، صح ذلك لصحة الوصية بالمجهول، وكان التعيين إلى الوارث.
والسابعة، والثامنة: لم يظهر لي الآن فيهما شيء، وكتبه عبد الوهاب بن عبد الله، ومن خطه نقلت.
стр. 559
الفواكه العديدة
في
المسائل المفيدة
تأليف
الشيخ العلامة أحمد بن محمد المنقور التميمي النجدي
- (الجزء الثاني) -
طبع على نفقة
عبد العزيز عبد العزيز المنقور
١٤٠٧ هـ - ١٩٨٧ م
стр. 560
الطبعة الخامسة
١٤٠٧ هـ - ١٩٨٧ م
شركة الطباعة العربية السعودية
стр. 561
كتاب الوصايا
والهبة والفرائض
من شهد بوصية صغير بوقف؛ فلابد في شهادته أنه يعقلها، قاله شيخنا.
ومن "جمع الجوامع" بعد كلام له: وأما القراءة لها بعد موتها؛ فصحيح. وأما على قبرها؛ فالقراءة على القبر اختلف فيها. فإن قلنا: لا تكره؛ فهو شرط صحيح. فإذا لم يعلم لها قبر؛ قرئ في أي موضع كان. وإن قلنا: تكره؛ صح الوقف ولغا الشرط، فيقرأ في أي موضع كان.
المريض الملازم للفراش إذا طلق زوجته، أو أعطى بعض ورثته، فمات ولم يعلم أن مرضه مما ذكره أهل العلم، لكن يقال: بين اليأس والرجاء، فقالت الزوجة: إنه مخوف، وأنكر الورثة. أحمد القصير أفناهم أن على الورثة اليمين على نفي العلم أنه مخوف. وأجاب شيخنا: المريض المذكور يعرف مرضه المخوف بذلك، وكونه لا يحضر جماعة، وقد لا يأكل ولا يشرب إلا النزر، وربما لا ينام، ويقال: بين اليأس والرجاء. ولم يظهر لي الآن استحلاف الوارث في ذلك، يؤيده ما ذكر في "شرح الإقناع وحاشيته" عند ذكر المخوف عن "الاختيارات" فليراجع. وللحكيم المشهور بمسيح، كلام في تعداد الأمر المخوفة، يكاد يحكم بالخوف على من ظاهره الصحة فليراجع، ومن خطه نقلت بعد المفوضة، وجزمه أنه مخوف والحالة هذه.
قال المجد في "شرح الهداية"، وكذا ابن أبي موسى: إذا قال الورثة في المرض، وقال المعطى: بل في الصحة؛ فقولهم إن لم يكن له بينة.
وقال الحارثي: إذا اختلف الورثة والمعطى، هل المرض مخوف، أم لا؟ فالقول قول المعطى إذ الأصل عدم الخوف إن لم يقم به الوارث بينة. انتهى.
стр. 562
٤ - الوصية عند اختلاط العقل - الوصية بأضحية - أعطية المريض
ومن أوصى بوصية؛ فلابد من ثبوت عقله. لكن إن قال الورثة: أوصى وهو غير ثابت العقل؛ فعليهم البينة بذلك، لدعواهم الفساد حينئذ. وإن أنكروا الوصية؛ فلابد في شهادة البينة من ذلك. ويعرف ثبوته بفهمه الخطاب، ورده الجواب، ولا يشتبه عليه الكلام، قاله شيخنا.
ومن أوصى بأضحية؛ فالظاهر أنها متوسطة إذا كان الموصي من أهل المروءة؛ لأنه عرفه، بخلاف ما إذا لم يعلم ذلك؛ فأدون يجزئ، قاله شيخنا.
ومن جواب للشيخ سليمان بن علي: وأما عطية المريض؛ فظاهرها الصحة، لأن تصرف المكلف نافذ في الصحة والمرض، إلا المريض مرضاً مخوفاً. فمع التنازع، إن قامت بينة من أهل الطب أنه مخوف؛ لم ينفذ إلا الثلث لأجنبي، ولا ينفذ للوارث شيء إلا بإجازة الورثة. ومع عدم البينة؛ القول قول مدعي الصحة بيمينه على نفي العلم. وإذا كان المرض من الأمراض المذكورة المخوفة، فشهد به عدلان ولو من غير أهل الطب؛ قبل ذلك. واشتراط أهل الطب خاصة في العلة التي لم ينص عليها، ومن خطة نقلت.
إذا قال: افعل بثلث مالي كيف شئت، أو هو بحكمك، أو افعل به ما ترى، أو ما أراك الله، أو أنت أبصر به، ونحو ذلك؛ صح، فيتصدق به على من رأى أنه وجه بر أفضل. وإن كان عقاراً، فرأى الصدقة بنمائه كل عام؛ جاز، ولا يجوز أن يشتري به عقاراً يوقفه على أحد، أو يوقف ثلث نخل الموصي؛ لأنه لم ينص له على وقف، ولأن الوقف عقد لا تناله الوصية إلا بإذن، قاله شيخنا.
قولهم في الموصي إليه: ومن وصى زيداً على أولاده، ثم وصى عمروا؛ اشتركا.
الظاهر: إذا كانت القرينة اجتماعهما بكونه في موضع واحد، أو
стр. 563
مرض واحد؛ لدلالة الحال عليه. فلو أوصى زيداً، ثم بعد زمان أوصى عمروا؛ فالظاهر أن التصرف للثاني فقط، قاله شيخنا؛ لأنه في العادة عزل الأول. قوله: ولا يتصرف أحدهما إلا بإذن الآخر بأن يتشاورا على الأمر.
فلا يشترط أن يعقد العقد كلاهما، وكذلك نظار الوقف. وإن كانا وكيلين؛ ففيه تردد.
وقوله: فإن مات أحدهما؛ أقيم مقامه.
الظاهر: وإن ماتا؛ كفى واحد فقط، والأحوط الاثنان.
وقوله: أخرج وصي مما بيده.
أي فيقوم التركة، ويخرج مما بيده قدر الثلث، من تقرير شيخنا.
وإذا مات شخص ببلد لا حاكم فيه، فتولى على ما له مسلم- ظاهره- ولو فاسقاً للحاجة، وتصرف فيه؛ صح، سواء وجد العدل فامتنع، أو لم يوجد.
وإذا قال: أعطوا فلاناً ما ادعاه، أو فهو صادق؛ صح. والظاهر تحليفه، قاله شيخنا.
ومن جواب للشيخ سليمان بن علي: بيع العقار الموصى فيه بآصع معلومة في وجه بر؛ صحيح. وإن نقلت الوصية إلى غيره؛ صح. لكن لو تعطل الثاني (فلم يفه بها)؛ رجعت إلى الأول، ومن خطه نقلت. وظاهر كيل شيخنا: يتعين كونها منه؛ لاحتمال غرض للموصي من حل ونحوه.
قال في "الشرح الكبير": فإن مات رجل ولا وصي له، ولا حاكم في بلده؛ فظاهر كلام أحمد: يجوز لرجل من المسلمين أن يتولى أمره ويبيع ما دعت الحاجة إلى بيعه، وتمامه فيه.
ومن "فتاوى ابن الصلاح": إذا كان عند رجل يتيم وليس له
стр. 564
وصي شرعي، ولا ولي، وخاف إن سلم ماله إلى ولي الأمر أن يضيع؛ فإنه يجوز له في هذه الحال النظر في أمره، والتصرف في ماله، وتجوز مخالطته في الأكل وغيره مما هو أصلح له، ويجوز استخدامه بما فيه تدريبه قاصداً مصلحته، ويجوز من غير ذلك مما لا يعد لمثله أجرة، وما سوى ذلك لا يجوز إلا بأجرة مثله. انتهى.
أوصى بنخلة في ضحية كل عام. فالعام هو الثمرة، متى حصلت؛ اشترى بها وقت الأضحية، فإن لم تحصل أرصدت إلى قابل. والذي عين أضحية؛ يلزمه ذبحها متى قدر ولو في غير وقت الأضحية لوجوبها بالتعيين، قاله شيخنا.
ومن جواب للشيخ سليمان بن علي: سئل عمن أوصى بحجة، وأطلق، وبم تكن واجبة عليه لعدم الشروط المعتبرة من الأمن وغير ذلك، هل تكون من الميقات، أم لا؟
فأجاب: الحجة المذكورة لا تكون إلا من الميقات؛ لأن كلامهم في ذلك صريح، وكذلك الأضحية المطلقة لا يلزم فيها إلا قدر المجزئ، سيما إن كان في الورثة قاصر؛ فلا يجوز وإن كانت العادة بخلاف ذلك. انتهى.
وإن قال: أربعة بكذا؛ جاز التفاضل بينهم إلى آخره.
الظاهر فيمن أوصى بثلاث أضاحي تشرى مثلاً بأربعين؛ جاز التفاضل في أثمانها. ولو كان قد عين كل واحدة لشخص؛ تبرع منه، قاله شيخنا.
قوله: ولا تصح لبهيمة مع قولهم: تصح لفرس زيد إلى آخره.
هل يكون في الفرس زيادة عن غيرها، أم لا؟ فيما ثقل. قال في "الإنصاف": وإن وصى لفرس حبيس، صح إذا لم يقصد تمليكه. انتهى.
الأعمى لا يصح قبضه الدراهم ولو كانت هبة أو صدقة؛ لعدم
стр. 565
الرؤية. وإن كان على طريق الإباحة؛ جاز ذلك، قاله شيخنا.
قال في "الفروع": ومن وصى إلى واحد ثم إلى آخر؛ اشتركا، نص على ذلك. وفي "الأحكام السلطانية" في العامل: فإن كان فيه ناظر قبله، وكان مما لا يصح فيه الاشتراك؛ فإن لم يجر به عرف؛ كان عزلاً للأول، وإلا فلا. انتهى. هذا مفيد لما تقدم في قوله، قاله شيخنا.
ومن "الفروع": وغن وصى لزيد بعبد قيمته مائة، ولعمرو بثلث ماله، وماله غير العبد مائتان؛ فلزيد ثلاثة أرباع العبد، ولعمرو ربعه وثلث المائتين، ومع الرد لزيد نصفه، ولعمرو سدسه وسدس المائتان.
وطريقه: أن يعطى كل واحد منهما مما وصى بقدر نسبة الثلث إلى مجموعهما. وقيل: يقسم الثلث بينهما على مالهما في الإجازة، اختاره الشيخ: لزيد ربع ربع العبد (١) وخمسه، ولعمرو عشرة ونصف عشره وخمس المائتين. وطريقه: أن تنسب الثلث إلى الحاصل لهما مع الإجازة؛ فيعطى كل واحد بقدر النسبة. انتهى.
إذا أوصى بمال يقسم في حرمي مكي أو المدينة؛ قسم على أهلها والمجتاز بها من حاج وغيره، لا إلى وكيل من ليس فيها إلا بنص من الموصي، قاله شيخنا.
يجوز نقل آنية وقف على نفع المسلمين إلى بلد آخر إن لم يعين الموصي أو الواقف بلداً معيناً، قاله شيخنا.
سئل أحمد بن عطوة: إذا وجد على بنت صغيرة حلي وثياب فاخرة (تساوي قيمة الحلي أو أكثر أو اقل) فما حكم ذلك؟ وهل تسمع دعوى الأم أن ذلك لها. وإنما ألبستها إياه تجملاً؟ أو دعوى الورثة أنه لمورثهم وإنما جملها به؟ وهل بين الصغيرة والكبيرة فرق في ذلك، أم لا؟ وهل ذلك عام الأب والأم؟ وهل بين اللقيط وغيره فرق، أم لا لأن الأصحاب (٢)