← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 150961

الفواكه العديدة في المسائل المفيدة

أحمد المنقور

Полный текст (951 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

قوله: خاتم ونحوه. الظاهر أن المساك والمعاضد، إذا لم يمكن إخراجها إلا بالكسر، لم يلزم، لأنه إفساد مال وقد نهي عنه. وقوله: ككحلي. الظاهر أن الشقة السمراء التي ذهب نيلها، أنه يجوز للمعتدة لبسها، بخلاف المصبوغ، والأولى أن تكون غير جديدة مع عدم اشتراطه، قاله شيخنا. قوله: ما لم يضره في معيشة يحتاجها إلى آخره. الظاهر أن الكالف، والحشاش، والحطاب، والعامل، والرائس، والدايس، والذاري، والحصاد، والشمال، والصانع ونحوهم إذا كان الصيام يضعف أحدهم عن معيشة أو عن بعضها به جاز له التفكير بالإطعام. ولا يقيد الضرر بأن غداه فيه أو عشاه كما قيل، بل الضرر كل ما يخل بأمره عن حالته الأولى، وقد سأله رجل جلد، أو ادعى أن عليه ديناً، وأنه محترف قصاب، وإذا صام ضعف عن بعض ذلك، فأفتاه بالإطعام، وزاد أيضاً: أنه ربما لا يصبر عن النساء، مع أنه يغيب في الأسفار زمناً طويلاً، ولا يلحقه ضرر، من كلام شيخنا. إذا كان الواحد ابنان به لزمتهما نفقته بشرطه. فان كان أحدهما معسراً، لزم الجميع الآخر، بخلاف غير عمودي النسب، كما أشار إليه منصور في "شرح المنتهى"، وهو موافق للمفهوم، قاله شيخنا. ومن جواب لسليمان بن علي: القن المغصوب؛ عتقه صحيح بغير نزاع، مع كونه لا يجزئ عن الكفارة. انتهى. ومن خطة نقلت. سئل ابن عطوة: إذا لم تحض المرأة إلا واحدة أو اثنتين، ما حكمها؟ فأجاب: هذه مسألة مشكلة تحتاج إلى نظر وتحرير؛ فإن الأصحاب صرحوا: بأن انقطاع حيض المتوفى عنها زوجها ريبة، وأنها لا تزال في

стр. 632

عدة حتى تزول الريبة، وأطلقوا ذلك من غير قيد، وصرحوا أن عدة المتوفى عنها زوجها لا يعتبر فيها وجود حيض، وهذا يشبه التناقض حيث اعتبروا عدم انقطاعه في العدة، وعدم الانقطاع يلزم منه وجوده، ولم يعتبر في العدة وجوده، ومن ثم قلنا: إنه يشبه التناقض. والذي يظهر عدم التناقض، إذ عدم اعتبار وجود الحيض في عدة الوفاة من حيث كونه شرطاً، وهذا ليس بشرط فيها، وانقطاعه المعتبر عدمه فيها؛ من حيث كونه مانعاً، والمانع عكس الشرط، إذ الشرط هو الذي يلزم من عدمه العدم، ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم. والمانع هو الذي يلزم من وجوده عدم الحكم. وحيث ثبت أن وجود الحيض مانع من الحكم بانقضاء العدة بأربعة أشهر وعشر، فلعله من حيث كونه مظنة لوجود الحمل؛ فلا تتزوج مع الشك في انقضاء العدة، فيجب وجود الحيض لاستبراء الرحم؛ لأن انقطاع الحيض مظنة للحمل، أو محتمل له، ومع الاحتمال يتعين وجود الحيض، فأن ارتفاعه محتمل أن يكون لأجل الحمل، والعقم، والإياس، والرضاع، ومع الاحتمالات الشك حاصل، والشك في العدة مانع من تزويجها لحصول الريبة، والمرتابة هي التي تشك، هل في جوفها حمل، أم لا؟ ثم قال: وإذا وجد الحيض في العدة؛ فلا إشكال في ذلك لعدم الريبية المنتفية بوجود الحيض الدال على براءة الرحم. ولو كانت حيضة واحدة، وإنما تعتبر الثلاث إذا كانت العدة به، وهذه العدة بغيره، فكان وجوده كافياً كما لو أسلم على خمس نسوة، فإنه يمسك عن وطء واحدة منهن حتى تستبرئ المفارقة والمتوفي عنها، ثم ذهب آخر الكلام، ذكر شيخنا أنه وقف على عبارة حاصلها: إذا عدم القاضي والحاكم في البلد؛ ففي "الوسيط" أنها أي المرأة تستقل بالفسخ في صبيحة اليوم الرابع. انتهى. ومن "إغاثة اللهفان" لابن القيم: إذا ادعت المرأة أنه لم ينفق عليها،

стр. 633

ولم يكسها مدة مقامها معه، أو سنين عديدة، والحس والعرف يكذبها؛ لم يحل للحاكم أن يسمع دعواها، ولا تطالبه برد الجواب، فإن الدعوي إذا ردها الحس والعادة المعلومة، كانت كاذبة. ومن ها هنا قال أصحاب مالك: إذا كان رجل حائزاً داراً، متصرفاً فيها من سنين طويلة بالبناء، والهدم، والإجارة، والعبارة، وينسبها إلى نفسه، ويضيفها إلى ملكه، وإنسان حاضر يراه، ويشاهد أفعاله طول هذه المدة، وهو مع ذلك لا يعارضه فيها، ولا يذكر أن له حقاً، ولا مانع يمنعه من المطالبة من خوف سلطان أو نحو ذلك، ولا بينه وبين المتصرف في الدار قرابة، ولا شركة في ميراث، وما أشبه ذلك مما يتسامح به القرابات، وذوا الصهر بينهم في إضافة أحدهم أموال الشركة إلى نفسه، بل كان عرياً من ذلك كله، ثم جاء بعد هذه المدة يدعيها لنفسه، ويزعم أنها له، ويريد أن يقيم بينة بذلك، فدعواه غير مسموعة فضلاً عن بينة، وتقر الدار بيد حائزها قالوا: لأن كل دعوى تكذبها العادة، وينفيها العرف؛ فإنها مرفوضة غير مسموعة، وتمامه فيه. قوله: وإن أجابه إلى صورة ما حلف عليه دون معناه؛ فحسن. إلى آخره. مثله: من حلف على آخر: أن تدخل معنا بمعنى العزيمة على طعام؛ فأجابه للدخول، لا الأكل، قاله شيخنا. قوله: أو ظن المحلوف عليه خلاف نية الحالف إلى آخره. هذا على قول أبي العباس، والمذهب أنه يحنث، قاله شيخنا. من "شرح المؤلف" (١) حروف القسم: باء، وليها مظهر، نحو أقسم بالله لأفعلن، واسم مضمر: نحو، الله أقسم به لأفعلن. انتهى. ومن "الشرح الكبير" المستحيل نوعان: أحدهما: مستحيل عقلاً،

стр. 634

كقتل الميت، وإحيائه، وشرب ماء الكوز ولا ماء فيه. وإن حلف ليقتلن فلاناً وهو ميت؛ فهو كالمستحيل عادة، فإنه يتصور أن يحييه الله، ثم يقتله. وإحياء الميت وقتله في المستحيل عقلاً، وإحياء الميت متصور عقلاً، وإنما هو مستحيل عادة. وإن أراد قتله في حال موته؛ فهو من المستحيل عقلاً. انتهى. ومن كلام الشيخ حسين بن عثمان الشافعي: المرجع في الأيمان إلى العرف، وفي الطلاق إلى اللغة، ما لم تطرد قرينة تقوي العرف؛ فحينئذ يحمل عليه. انتهى. إذا استوى في الحضانة اثنان، صارت للأصلح للقاصر بقدر نفقة المثل، ولو طلب الآخر دونها؛ لم يلتفت إليه. وإذا كانت الأم ثقة مصلحة للبنت؛ فهي أولى بها من غير محرم، لأنه يجعلها عند ثقة، فالأم أولى، قاله شيخنا. (ومن جواب للشيخ سليمان بن علي: والوثيقة إذا علم أنها خط رجل من أهل العلم، وهي على عقد؛ صح ذلك وجب العمل بذلك إذا كملت الشروط، أو ذكر معنى ذلك، كقوله: عقد صحيح، أو بالشروط المعتبرة. انتهى. يقول كاتبه أحمد بن يحيى بن عطوة: أن كبار نجد المطاعين في قراهم، الحاكمين عليهم، إذا اتفق كل واحد منهم هو وعدول قريته ووجوههم على بيع تركة وقضاء دين على الوجه الشرعي؛ أن الصادر منهم في ذلك أصح وأولى وألزم وأثبت مما يصدر عن قضاتهم الذين عليهم، وعلى من تقليدهم دينهم وأموال المسلمين؛ ما يستحق خراب الشريعة، لا أكثر الله منهم، ولا من يمضي أقوالهم، أسأل الله أن يطفئ شرهم عن مذهبنا وعن المسلمين، نقلته من خطه، ثم وقفت على خطه فوجدته كذلك. قال بعض أئمة الشافعية: تصرفات الحاكم على أربعة أقسام:

стр. 635

منها ما هو حكم قطعاً، وذلك في الحكم بالصحة والموجب. ومنها ما ليس بحكم قطعاً، كسماع الدعوى والجواب وسماع الشهود ونحو ذلك. ومنها ما فيها تردد، والأرجح أنه ليس بحكم، كما إذا باع، أو زوج أولى. ومنها ما فيه تردد ويقرب أنه حكم، وذلك ما كان بين خصمين من فسخ بيع أو نكاح، بحيث يتعاطى الفسخ بنفسه. انتهى). ومن "مجموع بن رميح": إذا وجد الإيجاب والقبول في النكاح؛ انعقد ولو من هازل وملجأ، وهو الذي يزوج، ولا وجه مخافة غير الزوج. وإذا غاب الزوج وعلم خبره؛ فليس لزوجته فسخ، إلا أن تعذر الاتفاق عليها من ماله، قاله الموضح. إنما يجب التربص مع وجود نفقة وعدم تضرر بترك الوطء، قاله ابن عبدوس. انتهى. الكاهن: هو الذي له رئي من الجن يأتيه بالأخبار. وأما العراف فهو الذي يحدس ويتخرص، كالمنجم. انتهى. هذه منظومة لطيفة بديعة عجيبة ظريفة جامعة أحكام عقد الأنكحة، يحتاجها العاقد حسب المصلحة. يندب لمن تاق وكان قادر ... نكاح بكر ذات دين ظاهر تكن ولوداً غير ذات ريبة ... وتكره قرابة القريبة ولا التي بمالها منانة ... ولا على مفارق حنانة ولا لفتوت بل تكن ذات نسب ... وذات عقل وجمال وأدب قوله: لو حلف لا يبيع، فباع بيعاً فاسداً، لم يحنث إلى آخره. هل مثله من حلف لا يبيع كذا، فباعه بيعاً فاسداً؛ لأن عدم الفاسد

стр. 636

كوجوده، أم لا؟ الجواب: إن كان قصده البيع الشرعي؛ لم يحنث. وإن كان قصده صورة البيع؛ حنث، قاله شيخنا. حلف ليبيعن أم ولده، هل يحنث، أم يبيع صورة فقط؟ الظاهر حنثه، قاله شيخنا. قوله: يحرم على اللائط أم الملوط وأخته الخ. الظاهر: إذا كان ابن عشر سنين؛ فلا يشترط البلوغ للحوق النسب الابن عشرة، قاله شيخنا. أو من خط ابن عطوة: وممن حرم الدخان ونهى عنه من علماء مصر، شيخ الإسلام أحمد السنهوزي البهوتي الحنبلي، وشيخ المالكية، إبراهيم اللفاني، ومن علماء المغرب، أبو الغيث القشاش المالكي، ومن علماء دمشق، نجم الدين بن بدر الدين، ابن مفسر القرآن، العربي الغزي العامري الشافعي، ومن علماء اليمن، إبراهيم بن جمعان، وتلميذه أبو بكر الأهدل، ومن علماء الحرمين، المحقق عبد الملك العصامي (١). وتلميذه محمد بن علان (٢)، والسيد عمر البصري. وفي الديار الرومية الشيخ الأعظم، محمد الخواجه، وعيسى الشهاوي الحنفي، ومكي ابن فروخ المكي، والسيد سعد البلخي المدني، كل هؤلاء من علماء الأمة، وأكابر الأئمة، أفتوا بتحريمه، ونهوا عن تعاطيه. انتهى. وأجاب الشيخ خالد بن أحمد المالكي: لا تجوز إمامة من يشرب التنباك، ولا يجوز الاتجار به، ولا بما يسكر. انتهى. سئل الشيخ أبو سهل، محمد ابن الواعظ الحنفي، قال: وبدأت بمسألة الدخان الذي عمت به البلوى في هذه الأزمان، فالذي تفيده الأدلة قطعاً، كراهته، وحرمته؛ ظناً. وكراهته لا يتوقف فيها إلا مخذول.

стр. 637

مكابر لقاطع الحق، معاند؛ فكل منتن مكروه، كالبصل، وهذا الدخان الخبيث أولى، ومنع شاربه من دخول المسجد، ومن حضور الجامع أولى. ويترتب على شاربه من الضرر في بدنه، وعقله، وماله. وقد شوهد موت، وغشي، وأمراض عسرة، كالسعال المؤدي إلى مرض السل، وقد ذكر الأطباء أنه يحدث من الدخان، مع صفرة الوجه. والحاصل أن القول بتحريمه ثبت عن كثير من السلف والمعتمدين في الحجاز، واليمن، ومصر، والشام، وديار الروم، وألفوا في ذلك رسائل وتمامه فيه. سئل السيد عمر بن عبد الرحيم الحسيني: عن التنباك، هل هو حرام أو حلال؟ فأجاب: التوقف فيه عن القطع بأحد الطرفين أسلم للدين، وآمن من الخطر عند المحاسبة في يوم الدين. لكن الذي تقتضيه قواعد أئمتنا؛ تحريمه إن أدى إلى الإسكار. وإن أضر بالعقل البدن؛ حرم لإضراره، وكذا: لو اعترف شخص أنه لا يجد فيه نفعاً بوجه من الوجوه، فينبغي أن يحرم عليه، لا من حيث الاستعمال، بل من حيث إضاعة المال؛ إذ لا فرق في حرمة إضاعته بين إلقائه في البحر، أو إحراقه بالنار، أو غير ذلك من وجوه الإتلاف، وحله فيما عدا ذلك؛ لأن المعتمد: الأصل في الأعيان الحل، لا سيما من استعملها لتداو. وما أشار إليه السائل من اجتماع شيء كالهباء. فإن فرض اجتماع شيء له جرم في كل مرة؛ فيحتمل القول بتحريمه إلحاقاً له بالتراب والفحم حيث لا تداوي، ويظهر في عالم يقتدى به تناولها لنحو تداو؛ وأنه يجب عليه إخفاء التناول، واعتقاد الحل المطلق المؤدي إلى احتمال الوقوع في الحرام، ثم مما ينبغي التنبيه عليه، إذ لا فرق في حرمة المضر، سواء كان مما

стр. 638

نحن فيه أو غيره، بين كون ضرره دفعياً أو تدريجياً؛ فإن التدريجي هو الأكثر وقوعاً، وبالجملة فاللائق بذي المروءة والدين: اجتنابه حيث لا ضرورة تدعو إليه، لقوله ﷺ : "دع ما يريبك إلى ما لا يريبك". وما أظن عاقلاً يرتاب فيما ذكر. انتهى. ظاهر كلام مرعي إباحته، وكلام منصور في آداب النساء كراهته، والظاهر أن الكراهة لا شك فيها، والتحريم ففيه شك. لأن إسكاره من حيثية الدخان، بتضييق المسام، لا من شيء فيه، ومعلوم أن كل من شرب دخاناً كائناً ما كان؛ أسكره بمعنى أشرقه، وأذهب عقله بتضييق أنفاسه ومسامه عليه، لا سكر اللذة والطرب، قاله شيخنا. قال أبو العباس: إذا شككنا في المطعوم أو المشروب، هل يسكر أم لا؟ لم يحرم بمجرد الشك، ولم يقم الحد على شاربه. انتهى. ومن رسالة لبعضهم، وهو الشيخ العلامة قدوة الأنام، أبو الحسن المصري الحنفي: الآثار النقلية الصحيحة، والدلائل العقلية الصريحة؛ تعلن بتحريم الدخان، وكان حدوثه في حدود الألف، وأول خروجه بأرض اليهود، والنصارى، والمجوس، وأتى به رجل يهودي يزعم أنه حكيم إلى أرض المغرب، ودعا الناس إليه، وأول من جلبه إلى البر الرومي رجل اسمه الاتكلين من النصارى، وأول من أخرجه ببلاد السودان المجوس، ثم جلب إلى مصر، والحجاز، وسائر الأقطار، وقد نهى الله عن كل مسكر. وإن قيل: إنه لا يسكر؛ فهو يخدر ويفتر الأعضاء شاربه الباطنة والظاهرة. والمراد بالإسكار مطلق المغطي للعقل وإن لم يكن معه الشدة المطربة، ولا ريب أنها حاصلة لمن يتعاطاه أول مرة، وإن لم يسلم أنه يسكر؛ فهو يخدر ويفتر، وقد روى الإمام أحمد، وأبو داود، عن أم سلمة أن رسول الله ﷺ "نهى عن

стр. 639

كل مسكر ومفتر". قال العلماء: المفتر ما يورث الفتور والخدر في الأطراف، وحسبك بهذا الحديث دليلاً على تحريمه، وأنه يضر بالبدن، والروح، ويفسد القلب، ويضعف القوى، ويغير اللون بالصفرة. والأطباء مجمعون على أنه مضر، ويضر بالبدن، والمروءة، والعرض، والمال؛ لأن فيه التشبه بالفسقة، لأنه لا يشر به غالباً إلا الفساق، والأنذال. ورائحة فم شار به خبيثة، وممن حرمه من العلماء، أحمد السنهوزي البهوتي الحنبلي المصري، وإبراهيم اللقاني، وأبو الغيث القشاش، ونجم الدين ابن بدر الدين الغزي العامري الشافعي، وإبراهيم بن جمعان، وتلميذه أبو بكر الأهدل الشافعيان، وعبد الملك العصامي، وتلميذه محمد بن علان، والسيد عمر البصري، ومحمد الخواجه، وعيسى الشهاوي، ومحمد الخاصري اليمني الحنفي، ومكي بن فروخ، والسيد سعد البلخي المدني، ومحمد البرزنجي (١) المدني الشافعي، وقال: رأيت من يتعاطاه عند النزع يقولون له: قل لا إله إلا الله، فيقول: هذا تتن حار. انتهى. وتمامه فيه. ومن رسالة لعبد القادر بن محمد بن يحيى الحسيني الطبري المكي الشافعي، الخطيب والإمام ببلد الله الحرام، مسماها "رفع الاشتباك عن تناول التنباك": قال بعد كلام له سبق: قد ظهر في هذه الأزمنة القريبة نبات يسمى التنباك، وطابه، وتتن، وهو أنواع باختلاف البلدان التي ينبت فيها، ويختلف لونه، وطبعه، وطعمه بذلك، وكان أصل خروجه في الحرمين الشريفين من بلاد المغرب، والهند، وذلك أجود أنواعه، ثم أنبت في الحرمين ونواحيها، ثم عم في غالب الأقطار، واشتهر استعماله

стр. 640

وتناوله، واختلف فيه العلماء، وورد فيه أسئلة من البصرة والأحسا، محكي فيها ما وقع من المفتين بها من الجزم بالتحريم، مسؤول في غضونها بيان وجه الصواب، ثم وقع الآن ما حمل على تصنيف هذه الرسالة بما بلغني عن بعض أهل العلم أنه اعترض على تناوله، وتكلم فيه بالتحريم، واستدل على ذلك بآيات من القرآن، وسلك في تقريره مسلك المجتهدين؛ من الاستدلال بالقرآن، واستنباط الأحكام منه، على طريق أهل ذلك الشأن، واستدل على ذلك بقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً﴾ (١). وقوله: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ (٢) فقضيت منه العجب، وأخذتني سورة الغضب؛ إذ ليس هو من فرسان هذا الميدان الوعر، ولا ممن قدر على تفجير الماء من الصخر، فإن هذه المرتبة عقبة كؤود، وذروة منعت الناس من الصعود، ولله در القائل، وهو ابن الفارض حيث يقول: ورمت مراماً دونه كم تطاولت ... أعناقها قوم إليه فجذت أتيت بيوتاً لم تنل من ظهورها ... وأبوابها عن قرع مثلك سدت وأين السهى عن أكمه عن مراده ... سها عمها لكن أمانيك غرت فحداني على هذا الخبر الفظيع، والنبأ الشنيع؛ أن أكشف قناع المسألة ولثامها، وأميط عن مطية الشبه برقعها وزمامها؛ لئلا يقع اغترار بتلك المقالة ولا يستسهل مرتبة الاجتهاد من لم يتصف بهذه الحالة، والله ولي السرائر، المطلع على الباطن والظاهر ... إلى أن قال: فأجوده طعماً، وطبعاً، وريحاً، ونفعاً ما يجلب من الهند، وربما بيع رطله بعشرين دينار بمكة.

стр. 641

ومنه: المغربي الكنكي، والنسبة في ذلك إلى أماكنه، ثم ذكر القدرة وصنعتها. وأما ما ظهر من منافعه؛ فكثير، من ذلك تسكين صنوف الرياح، ونفخ المعدة، كما شهدت به التجربة، وقد شاهدت نفعه في رياح كانت تتعهدني في كل عام في وقت مخصوص، فقطعها بإذن الله. ومن ذلك إذهاب الربو (١) إلى أن قال: وقال بعضهم: الأصل: الحظر في الأشياء إلا ما أباحه الشرع، أي دل على إباحته. فان لم يوجد؛ استمسك بالأصل وهو الحظر، وقال بعض بضده، وهو أن الحكم الإباحة، إلا ما حظره الشرع، أي دل على أنه محظور، أي حرام. والصحيح والتفصيل، وهو أن المضار، وهي مؤلمات القلب من ضرب وشتم، أو القلب والجسد؛ على التحريم، والمنافع على الإباحة، بمعنى أن الأصل فيها ذلك، قال الله في معرض الامتنان: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً﴾ (٢). ولا يمتن إلا بالجائز، هذا ملخص كلام الأصوليين. وأما الفقهاء وهم العمدة في هذا الشأن؛ فقد ذكروا ضوابط لما يحل تناوله، وما لا يحل، بعد أن ذكروا حكم ما يحل وما لا يحل أكله من الحيوانات. وأجود عبارة في ذلك مذهبة للريب، عبارة الإمام النووي في "روضته" كل ما ضر أكله، كالزجاج، والحجر، والسم؛ يحرم أكله. وكل

стр. 642

طاهر لا ضرر في أكله؛ يحل أكله، إلا المستقذرات الطاهرات كالمني والمخاطب؛ فإنها حرام على الصحيح ... إلى أن قال: ويجوز شرب دواء فيه قليل سم، إذا كان الغالب السلامة، واحتيج إليه. قال الإمام: ولو تصور شخص لا يضره أكل السموم الظاهرة، لم تحرم عليه. قال الروياني: النبات الذي يسكر وليس فيه شدة مطربة؛ يحرم أكله، وان كان ينتفع به في دواء أو غيره؛ حل التداوي به. انتهى. وقال المحقق أحمد بن حجر في "شرح المنهاج": ولا يحرم من الطاهر إلا نحو حجر، وتراب. ومنه مدر، طفل (١) لمن يضره، وعليه يحمل إطلاق جمع متقدمين حرمته، بخلاف من لا يضره، كما قاله جمع تقدمون، واعتمده السبكي وغيره. وسم وإن قل إلا لمن لا يضره، ونبت ولبن جوز إنه سم. أو من غير مأكول ومسكر، ككثير أفيون، وحشيش، وجوزة، وعنب، وزعفران، وجلد دبغ، ومستقذر أصالة؛ بالنسبة لغالب ذوي الطباع السليمة، كمخاط، ومني، وبصاق، وعرق إلا لعارض، كغسالة يد، ولحم - مثلاً- أتنن. انتهى. ومن ذلك يعلم إباحة هذا النبات؛ إذ هو في حد ذاته طاهر غير مسكر، ولا مضر، ولا مستقذر، ثم تجري فيه الأحكام، كغيره. فمن لم يحصل له ضرر باستعماله في بدنه أو عقله؛ فهو جائز له، ومن ضره؛ حرم عليه استعماله، كمن يضر به استعمال العسل، نحو الصفراوي، ومن نفعه في دفع مضر، كمرض؛ وجب عليه استعماله. وثبوت هذه الأحكام بموجب العارض، ويكون في حد ذاته مباحاً، كما لا يخفى، جرياً على قواعد الشرع وعموماته التي يندرج تحتها، حيث كان حادثاً غير موجود زمن الشارع، ولم يوجد فيه نص بخصوصه، وقد وقع

стр. 643

الاختلاف في نظيره من الكفتة والقات لما حدثاً، وظهر بقطر اليمن، واختلف في حكم ذلك؛ فأفتى بعضهم بالحرمة، وبعضهم بالإباحة، وألفوا في ذلك رسائل، ورفعوها إلى عالم مكة في وقته شيخ مشايخنا، أحمد بن حجر، وطلبوا منه التقريظ عليها مع تباينها؛ فبذل جهده في تحرير المسألة، وصنف فيها رسالة وافية، ملخصاً هو ما أشرنا إليه في حكم هذا النبات المسمى بالتنباك، من جواز استعمالهما (١) لمن لا يضران ببدنه، وعقله، وحرمته لمن يضران ببدنه وعقله. وأما اختلاف المفتين بالحل والتحريم، وجمع بإطلاق الحل على ما ثبت عند قائله من نحوهما، غير مسكرين ولا مضرين، وإلا فلو ثبت عنده إسكارهما أو أضرارهما؛ القال بالحرمة جزماً، وحمل إطلاق التحريم على ما ثبت عند قائله من كونهما مسكرين أو مضرين، وإلا فلو ثبت عنده عدم ذلك؛ لقال بالحل جزماً، إلا أنه استحسن عدم استعمالهما، مع القول بجوازه إذا اتنفى عنهما الإسكار والإضرار، واستحسانه هذا محمول على غير الحالة التي قد يقال بالوجوب فيها، كما إذا أخبره طبيبان عارفان: أن استعمالهما ينفع في بعض الأمراض التي يجدها، وكذا إذا عرف المستعمل ذلك من نفسه، كما هو ظاهر، ونظير هذا الاختلاف ما وقع في القرن التاسع لما ظهرت القهوة، وحدثت بعد أن لم تعرف قبل ذلك، من اختلاف العلماء في حلها وحرمتها، بناء على اختلاف الأسئلة المرفوعة إليهم فيها؛ فانه ذكر في بعضها أنها مسكرة مغيرة للعقل، وفي بعضها حذف ذلك، فلما شهدت التجربة، وقضى العيان بعدم إسكارها وتغييرها؛ رجع جمع ممن أفتى بالتحريم إلى القول بالحل، وأصر بعضهم، كشيخ الإسلام، أحمد بن عبد الحق السنباطي، وأكثر الشعراء في ذلك الزمن من مدحها وذمها، وتطرق بعض الذم إليه، فمن ذلك قول بعض المكيين ..

стр. 644

أهل مصر قد تعدوا ... والبلا منهم تأتى حرموا القهوة ظلماً ... زادهم ظلماً ومقتاً إن طلبت النص قالوا ... ابن عبد الحق أفتى وبرزت الأوامر السلطانية بإبطالها من الأقطار، وطال الاختلاف في شأنها مدة طويلة ثم استقر الأمر على ظهورها وشربها من غير إنكار ... إلى أن قال: اعلم أن إطلاق التحريم في محل التقييد خطأ، كما هو مقرر عند المحصلين. إن أراد التحريم على من يضره استعمال ذلك. وإن أراد الإطلاق على الإطلاق؛ فهو الخطأ الصراح، والورطة التي لا تباح؛ لما قررناه سابقاً من أحكام الشريعة، وأقوال علمائها، فإن ادعى أن فيه إسكاراً أو إضراراً في طبيعته يقتضي التحريم؛ فيقال: إن كنت استعملته ووجدت منه ذلك؛ فيحتمل أنه ليس مزاجك، لأنه مضر بذوي اليبوسة هذا بالنسبة إلى الضرر. وأما بالنسبة إلى الإسكار؛ فتغييره لك بخصوصك لا يقضي على الجم الغفير الذين لم يجدوا منه إسكاراً، والمشاهدة والحس شاهدان بذلك، أو تقول: إنه مستقذر؛ فيطلب منك الدليل على دعواك. وإن لم تكن استعملته؛ فمن أين لك إسكاره أو إضراره. فإن قال: معتمده السماع؛ قيل له: هل بلغ ما سمعته حد التواتر، مع أن عدم إسكاره وإضراره من المعلوم؛ لنقلهما عن الجم الغفير، والعدد الكثير الذي تحيل العادة تواطؤهم على الكذب، من المستعملين لهذا النبات في جل الأمصار. ومن نازع فيه؛ فهو مكابر لا محالة. فإن أراد دخان هذا النبات هو الدخان المذكور في صدر الرسالة؛ فهو ضرب من الهذيان، ونوع من البرسام الذي يعتري الإنسان ... إلى أن قال: فكيف يقاس عليه، هيهات دون ذلك خرط القتاد، أو سف الرماد، ثم قال: إلا إن كان ذلك من قبيل قياس؛ فطيش، حيث قاس البحر على التيس؛ فقيل له: ما وجه القياس، فقال:

стр. 645

البعبعة، بل هذا أقرب، ثم قال: وإن ادعى الضرر؛ قلنا: فالتحريم للضرر، لا لكونه دخاناً، أو الإسكار؛ فكذلك، وقد برهنا فيما تقدم على عدم الإسكار، وعدم الضرر، ومن ادعاهما، فعليه البيان. وملخص ما تقدم أن تناوله لمن لا يضره جائز، ولمن يضره حرام، ووجه الجواز أن الأصل فيه الإباحة حيث لا ضرر فيه؛ فيعمل بالأصل. وأما إطلاق تحريمه، فخطأ واضح وهجم فاضح، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ﴾ (١) ولولا خوف الإطالة وخشية الملالة؛ لأرهقنا قواضب اليراع، وأرعفنا معاطسها لقطع النزاع، إلا أن فيما أوردنا كفاية لمريد الصواب، وبلاغاً لأولي الألباب. انتهى. وتمامه فيه. والذي تحرر لنا فيه أنه إلى التحريم أقرب، والكراهة فلا شك فيها، والله أعلم. من كتاب الصيد الذبح لدفع أذى الجن، وسمى (٢)؛ أبيحت. وإن قصدهم بدمها؛

стр. 646

حرم الفعل أي الذبح؛ لأنه إعانة على محرم. قال ابن عطوة: قوله: أبينت حشوته إلى آخره. أي بأن تفارقه كلها لا بعضها، ولا خرقها. وإذا ذبح ناقة فندت، ثم وقعت، فإن أدرك فيها حياة مستقرة فذبحها به فلا كلام. وإن ماتت قبله، فإن كان قد قطع الحلقوم والمريء فكذلك تباح، وإلا حرمت، وإن أصابها وقت ضربها بشيء في شيء منها؛ صح. ومن ترك التسمية؛ حرمت الذبيحة، وضمن الذابح إن كانت للغير، سواء كان عديمة أو مليئاً، فاسقاً أو عدلاً، من تقرير شيخنا. قال في "الإنصاف": قال الشيخ: إذا ذبح فخرج منه الدم الأحمر الذي يخرج من المذبوح في العادة؛ حل أكله. ومنه: قال أبو العباس: فعل القرية اللازم بالنذر؛ لا ثواب فيه، إذ سببه مكروه أو محرم، وهو النذر. انتهى. من جواب له أيضاً: وقد سئل عمن ذبح شاة فقطع الحلقوم، والودجين، لكن فوق الجوزة. فأجاب: ظاهر كلام الأصحاب الإباحة بقطع ذلك من غير تفصيل. انتهى من "التحفة للشافعية": ومن ذبح تقرباً إلى الله تعالى، لدفع شر الجن (١) عنه لم يحرم، ولقصدهم حرم، وكذلك للكعبة. انتهى.

стр. 647

قال في "شرح المنتهى": ويكره الصيد حال كونه لهواً، وفي كلام ابن عقيل: ما يدل على أنه يحرم. انتهى. قال في "الإنصاف": قوله: فإن خشي موته ولم يجد ما يذكيه؛ أرسل الصائد له عليه حتى يقتله في أحد الروايتين، واختاره الخرقي، و "الهداية" و "المذهب"? ? ? إلى أن قال: فان أشلى (١) الجارح عليه، فقتله؛ حل أكله في أصح الروايتين. وتمامه فيه. قوله: ولو نذر الصدقة بقدر من المال، فأبرأ غريمه إلى آخره، أي لا يصح الإبراء، ولا يجزئه عن نذره، قاله شيخنا. قوله في الأيمان: وإن أشار إليه؛ حنث إلى آخره. الظاهر أن المقدم كلام أبي الخطاب؛ لتقديمه في الطلاق، ولأنه العرف. وقوله: حقباً إلى آخره. أقل زمان هذا، بخلاف ما إذا عرفه بالألف واللام. وقوله: ولا يدخل هذه الدار من بابها. فدخلها من غيره؛ لم يحنث. وقوله في "الشرح": ويحتمل إلى آخره. الظاهر أن العمل على كلامه في "الشرح"، لأن سبب اليمين مقدم، من تقرير شيخنا. قوله: وباقلاء وحمص أخضرين، ونحوهما. الظاهر أن نحو ذلك، كبطيخ، وباذنجان، والبصل فيحتمل الجواز، ويحتمل المنع، لأنه مكروه، والعادة خلاف ذلك، فيحتمل المنع مطلقاً، إلا أن يقال: العبرة بالغالب، قاله شيخنا. قوله: القرى لا الأبصار.

стр. 648

كل نجد قرى، قاله شيخنا. ومن "المغني"، فصل: قال أحمد: الضيافة على كل من المسلمين، كل من نزل به ضيف؛ كان عليه أن يضيفه، لما روي عقبة بن عامر، متفق عليه (١)، وعن احسد رواية أخرى: أن الضيافة على أهل القرى دون الأمصار انتهى. قوله في الذكاة: أو طغي على الماء. أي طفح. وقوله: أو طرفه بعينه، أو مصع بذنبه، هل ذلك بجميعه أو بعضه. يكفي؟ الظاهر أن البعض يكفي. وقوله آخر الصيد: أو دبق. وهو الدبس. وقوله في الضبع: إن عرفه بأكل الميتة، فكجلالة. أي فبحبس، ويطعم الطاهر ثلاثاً. وقوله في المضطر: أكل عادته من الحرام، لا ماله عنه غني كحلوى، وله الشبع منه؛ لأنه العادة، بخلاف المينة؛ فلا يشبع، من تقرير شيخنا. قال في "الإنصاف": اختلفوا في الثمار، والزروع، والبقول. إذا كان سقيها بالماء النجس، وعلفها بالنجاسات، فقال أبو حنيفة، والشافعي: هي مباحة، وقال أحمد: يحرم أكلها، ويحكم بنجاستها. انتهى. ومن "الروض وشرحه": ولا يحنث ناس، وجاهل، بأن ما أتى به هو المحلوف عليه، ومكره في يمين بالله، وطلاق، وعنق، ولا تنحل اليمين بالإتيان بالمحلوف عليه ناسياً أو جاهلاً، أو مكرهاً؛ لأنا إذا لم نحنثه؛ لم نجعل يمينه متناولة لما وجد، إذ لو تناولته؛ لحنث. انتهى.

стр. 649

من "الشرح الكبير": ولي المرأة، مثل ابن العم، والحاكم، هل له أن يلي طرفيه بنفسه ... إلى أن قال: وهل يفتقر إلى ذكر الإيجاب والقبول، أم يكتفي بجرد الإيجاب فيه، وجهان: أحدهما: يحتاج أن يقول: زوجت نفسي فلانة، وقبلت النكاح؛ لأن ما افتقر إلى الإيجاب؛ افتقر إلى القبول، كسائر العقود. انتهى. وفي القاعدة الثانية والستين: ما يفيد اشتراطه؛ فليعاود. ومن أثناء جواب لأبي العباس: مثل الأعراب الذين يعتصمون برؤوس الجبال والمغارات، ويقطعون الطريق، وكالأخلاف الذين يخالفون لقطع الطريق بين الشام والعراق، ويسمون ذلك النهيضة، فإنهم يقاتلون كما ذكرنا، لكن ليس قتالهم بمنزلة قتال الكفار، إذا لم يكونوا كفاراً؛ فلا تؤخذ أموالهم، إلا أن يكونوا أخذوا أموال المسلمين بغير حق؛ فإن عليهم ضمانها، فيؤخذ منهم بقدر ما أخذوا وإن لم يعلم عين الأخذ، وكذلك لو علم؛ فالردء والمباشر سواء كما قلناه، لكن إذا عرف عينه؛ كان قرار الضمان عليه، ويرد ما يؤخذ منهم على أرباب الأموال فان تعذر الرد عليهم؛ كان للمصالح، من رزق طائفة المقاتلة، لهم وغيرهم. انتهى. وقال مالك لما سئل عن الوالي: إذا قام عليه قائم يطلب عليه ما ييده هل يجب علينا أن ندفع عنه؟ قال: أما مثل عمر بن عبد العزيز: فنعم، وأما غيره، فلا، ودعه ينتقم الله من ظالم بظالم، ثم ينتقم الله من كليهما، وقال أيضاً: يقتل ثلث العامة لمصلحة إصلاح الثلثين، وما قاله أبو المعالي عن مالك؛ فصحيح. انتهى. وإذا قتل إنسان ولم يعلم قاتله، وأقر آخر أنه سطا فيه سطوة، ولم يعلم هل هي مما يمكن موته منها، أم لا؟ رجع في تفسيرها إليه، لكن إن كان مع جماعة متظاهرين على الظلم؛

стр. 650

فلو ليه القصاص منهم جميعاً، أو من أحدهم على انفراده، أو أخذ الدية؛ لقولهم ردء وطليع؛ كمباشر، كتبه أحمد بن محمد، ومن خطه قلت. ومن كتاب القضاء: قال ابن قندس في "حاشية المحرر": فائدة: قال أبو العباس في "السياسة الشرعية في حكم الراعي والرعية": ويجب أن يعرف أن ولاية الناس من أعظم واجبات الدين، بل لا قيام للدين والدنيا إلا بها، فان بني آدم لا تتم مصلحتهم إلا بالاجتماع لحاجة بعضهم إلى بعض، ولابد لهم عند الاجتماع من رئيس، حتى قال ﷺ : "إذا خرج ثلاثة في سفر فليؤمروا أحدهم" رواه أبو داود، من حديث أبي سعيد، وأبي هريرة. وروى الإمام أحمد في "المسند" عن عبد الله بن عمر، أن النبي ﷺ قال: "لا يحل لثلاثة أن يكونوا بفلاة من الأرض إلا أمروا عليهم أحدهم" فأوجب ﷺ تأمير الواحد في الاجتماع القليل العارض في السفر تنبيها بذلك على سائر أنواع الاجتماع، ولأن الله أوجب الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، ولا يتم ذلك إلا بقوة وإمارة، وكذلك سائر ما أوجبه من الجهاد، والعدل، وإقامة الحج، والجمع، والأعياد، ونصرة المظلوم، وإقامة الحدود، ولا يتم إلا بالقوة والإمارة، ولهذا روي: إن السلطان ظل الله في الأرض يأوي إليه كل مظلوم، ويقال: إن سنة من إمام جائر؛ أصلح من ليلة واحدة بلا سلطان، والتجربة تبين هذا؛ ولهذا كان السلف كالفضيل، وأحمد، وغيرهما يقولون: لو كانت لنا دعوة مجابة لدعونا بها للسلطان. وقال ﷺ : "إن الله يرضى لكم ثلاثاً: أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً، وأن تعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا، وأن تناصحوا من ولاه الله أمرك". رواه مسلم. وقال ﷺ : "ثلاث لا يغل عليهن قلب مسلم: إخلاص

стр. 651

العمل لله، ومناصحة ولاة الأمور، ولزوم جماعة (١) المسلمين، فإن دعوتهم تحيط من ورائهم". رواه أهل السنن، وهذان الحديثان حسنان. وفي الصحيح عنه ﷺ : "أن الدين النصيحة ثلاثاً، قالوا: لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم". فالواجب اتخاذ الإمارة ديناً، وقربة يتقرب بها إلى الله ورسوله؛ فإن التقرب إلى الله بها بطاعته وطاعة رسوله من أفضل القربات. وإنما يفسد فيها حال الأكثر من الناس ابتغاء الرئاسة والمال بها، وقد روى كعب عنه ﷺ أنه قال: "ما ذئبان جائعان أرسلا في غنم؛ بأفسد لها من حرص المرء عني المال والشرف لدينه". قال الترمذي: حديث حسن صحيح، فأخبر أن حرص المرء على المال والرئاسة يفسد دينه مثل أو أكثر من فساد الذئبين الجائعين لزريبة الغنم. فإن الناس أربعة أقسام: قوم يريدون العلو على الناس والفساد في الأرض، وهو معصية الله، وهم الملوك والرؤساء المفسدون، كفرعون وحزبه، وهؤلاء شر الخلق، قال الله تعالى: "إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعاً يستضعف طائفة منهم يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم إنه كان من المفسدين" (٢).وعنه ﷺ : "لا يدخل الجنة من في قلبه مثقال ذرة من كبر، ولا يدخل النار من في قلبه مثقال ذرة من إيمان، فقال رجل: يا رسول الله إني أحب أن يكون ثوبي حسناً ونعلي حسناً أفمن الكبر ذلك؟ قال: لا، الكبر: بطر الحق وغمط الناس" فبطر الحق: جحده ودفعه. وغمط الناس: احتقارهم وازدراؤهم. وهذه حالة من يريد العلو والفساد.

стр. 652

والقسم الثاني: الذين يريدون الفساد بلا علو، كالسراق والمجرمين من سفلة الناس ونحوهم. والثالث: الذين يريدون العلو بلا فساد، كالذين عندهم دين يريدون أن يعلو به على الناس. الرابع: فهم أهل الجنة، الذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فساداً، مع أنهم قد يكونون أعلى من غيرهم، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (١). فكم ممن يريد العلو في الأرض ولا يزيده ذلك إلا سفلاً، وكم ممن جعل من الأعلين، وهو لا يريد العلو ولا الفساد؛ وذلك لأن إرادة العلو على الخلق ظلم، لأن الناس من جنس واحد، فإرادة الإنسان أن يكون هو الأعلى ونظيره تحته ظلم له، ثم مع انه ظلم؛ فالناس يبغضون من هو كذلك، ويعادونه؛ لأن العادل منهم يحب أن يكون مقهوراً لنظيره، وغير العادل منهم يؤثر أن يكون هو القاهر، ثم انه مع هذا لا بد لهم في العقل والدين من أن يكون بعضهم فوق بعض، كما قدمناه. كما أن الجسد لا يصلح إلا برأس، قال تعالى: ﴿وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آَتَاكُمْ﴾ (٢)، فجاءت الشريعة بصرف السلطان والمال في سبيل الله. فإذا كان المقصود بالسلطان والمال هو التقرب إلى الله وإقامة دينه وإنفاق ذلك في سبيله؛ كان ذلك صلاح الدين والدنيا. وان انفرد السلطان عن الدين، أو الدنيا عن السلطان؛ فسدت أحوال الناس. وإنما يتميز أهل طاعته عن أهل معصيته؛ بالنية والعمل الصالح، كما في الحديث الصحيح: "إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أموالكم؛ وإنما ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم". انتهى ملخصاً (من كلام الشيخ ابن تيمية في السياسة الشرعية في حكم الراعي والرعية" رحمه الله تعالى).

стр. 653

ومن "الإنصاف" وبعد كلام سبق: اعلم أن الوارد عن الأصحاب، إما وجه، وإما احتمال، وإما تخريج. زاد في "الفروع": والتوجيه. فأما الوجه: فهو قول بعض الأصحاب، وتخاريجه ما كان مأخوذاً من قواعد الإمام أحمد أو إيمائه، أو دليله، أو تعليله، أو سياق كلامه وقوته. وإن كان مأخوذاً من نصوص الإمام أحمد ومخرجاً منها؛ فهي روايات مخرجة له، ومنقولة من نصوصه إلى ما يشبهها من المسائل، أن قلنا: ما قيس على كلامه مذهب له على ما تقدم، وان قلنا: لا، فهي أوجه لمن خرجها وقاسها ... إلى أن قال: وأما القولان هنا؛ فقد يكون الإمام أحمد نص عليهما كما ذكره أبو بكر الشافعي، أو على أحدهما وأومأ إلى الآخر، وقد يكون مع أحدهما وجه أو تخريج أو احتمال بخلافه. وأما الاحتمال الذي للأصحاب؛ فقد يكون الدليل مرجوح بالنسبة إلى ما خالفه، أو دليل مساو، وقد يختار هذا الاحتمال بعض الأصحاب؛ فيبقى وجهاً. وأما التخريج؛ فهو نقل حكم مسألة إلى ما يشبهها، والتسوية بينهما فيه. وصاحب هذه الأوجه والاحتمالات والتخاريج؛ لا يكون إلا مجتهداً. انتهى. من كتاب القضاء ومن "شرح المنتهى" لمؤلفه: قال ابن نصر الله: كثيراً ما يقع في سجلات القضاة الحكم بالموجب تارة، والحكم بالصحة أخرى. وقد اختلف كلام المتأخرين من الفقهاء في الفرق بينهما وعدمه، ولم أجد لأصحابنا كلاما منقولاً في ذلك، والذي تقوله بعد الاعتصام بالله ورسوله وسؤاله التوفيق: إن الحكم بالصحة، لا شك أنه يستلزم ثبوت الملك والحيازة قطعاً، فإذا ادعى رجل أنه ابتاع من آخر عيناً، واعترف

стр. 654

المدعى عليه بذلك؛ لم يجز للحاكم الحكم بالصحة، أي بصحة البيع (١) بمجرد ذلك حتى يدعي المدعي أنه باعه العين المذكورة وهو مالك لها، ويقيم البينة بذلك. فأما لو اعترف له البائع بذلك؛ لم يكف في جواز الحكم بالصحة، لأن اعترافه يقتضي ادعاء ملكه العين المبيعة وقت البيع، ولا يثبت ذلك بمجرد دعواه؛ فلابد من بينة تشهد بملكه وحيازته حالة البيع، حتى يسوغ للحاكم الحكم بالصحة. وأما الحكم بالموجَب - بفتح الجيم من الموجب - فمعناه الحكم بموجب الدعوى الثابتة بالبينة أو غيرها، هذا هو المعنى، ولا معنى للموجب غير ذلك، فإذا قيل في السجل: وحكم بموجب ذلك؛ فإنه يقال ذلك بعد أن ذكر أنه ثبت عنده الأمر الفلاني بدعوى مدع، وقيام البينة على دعواه، أو بدعواه الثابتة بطريق من طرق الثبوت، كعلم القاضي وغير ذلك، وحينئذ تكون الإشارة بذلك في قوله: حكم بموجب ذلك إلى الأمر المدعي الثابت، وحينئذ ينظر في الدعوى، فإن كانت مشتملة على ما يقتضي صحة العقد المدعى به، وإلا لم يكن الحكم بموجبها حكماً بالصحة، ونبين ذلك بمثالين: أحدهما: أن يدعي أنه باعه العين هذه وهي في ملكه وحيازته، ولا مانع له من بيعها، وتشهد البينة بذلك كله، فإذا حكم الحاكم بذلك بموجبه؛ كان ذلك حكماً بصحة البيع، لأن موجب الدعوى في هذه الصورة؛ صحة انتقال الملك إليه، لاستيفاء شروطه وصحة العقد، وقد حكم به؛ فيكون حكماً بالصحة، وهذا ظاهر على أن موجب الدعوى هو الأمر الذي أوجبته، وهو موجب لها؛ فهي موجبة له. والذي أوجبته في هذه الصورة؛ صحة العقد كما ذكرنا، فإن قيل: الصحة لم يقع لها دعوى، فكيف يصح الحكم بها؟

стр. 655

قيل: إن لم تقع في الدعوى صريحاً؛ فهي واقعة فيها ضمناً، لكون مقصود المشتري من الحكم مبين ذلك. المثال الثاني: أن يدعي أنه باعه هذه العين، ولا يدعي أنها ملكه، فيعترف لع البائع أو ينكر، وتقوم البينة فيحكم الحاكم بموجب ذلك؛ فموجب الدعوى في هذه الصورة هو حصول صورة بيع بينهما، ولم تشتمل الدعوى على ما يقتضي صحة ذلك البيع؛ لأنه لم يذكر في دعواه أن العين كانت ملكاً للبائع، ولم تقم بذلك بينة، وصحة العقد متوقفة على ذلك؛ فلا يكون الحكم بالموجب هنا حكماً بالصحة أصلاً، بخلاف التي قبلها. وقد تبين مما ذكرنا أن الحكم بالموجب؛ تارة يكون كالحكم بالصحة، وتارة يكون كذلك، وهنا أشكال، وهو أن يقال: أي فائدة تبقى للحكم بالموجب إذا لم نجعله حكماً بالصحة؟ إن قلتم: فائدته ثبوت ذلك؛ قيل: الثبوت قد يستفاد مما قد يكون سبق من الألفاظ، أيضاً: الثبوت لا يقال فيه: حكم به، وإن قلتم: فائدته الإلزام بتسليم العين قبل ذلك؛ لم تقع فيه الدعوى، فكيف يحكم بما لم يدع به؟ وجوابه: إن فائدته الحكم بالموجب أنه حكم على العاقد بمقتضى ما ثبت عليه من العقد؛ لا حكم بالعقد، وفائدته: أنه لو أراد العاقد رفع هذا العقد إلى من لا يرى صحته ليبطله؛ لو يجز له ذلك، ولا للحاكم حتى يتبين موجب بعدم صحة العقد. فلو وقف على نفسه، ورفعه إلى حنبلي فحكم بموجبه؛ لم يكن لحاكم شافعي بعد ذلك أن يسمع دعوى الواقف في إبطال الوقف بمقتضى كونه وقفاً على النفس، وخاصله أنه حكم على العاقد بمقتضى عقده لا حكم بالعقد، ولا يخفى ما بينهما من التفاوت. انتهى.

стр. 656

من "إعلام الموقعين": الهدية تفقأ عين الحكم، قال ابن عقيل: معناه أن المحبة الحاصلة للمهدي إليه، وفرحته بالظفر بها، وميله إلى المهدي؛ يمنعه من تحديق النظر إلى معرفة باطل المهدي، وأفعاله الدالة على أنه مبطل؛ فلا ينظر في أفعاله بعين ينظر بها إلى من لا يهدى إليه. قلت: وشاهده الحديث المرفوع "حبك الشيء يعمي ويصم". فالهدية إذا أوجبت له محبة المهدي؛ فقأت عين الحق، وأصمت أذانه. فائدة: قال ابن عقيل: الأموال التي يأخذها القضاة أربعة أقسام: رشوة، وهدية، وأجرة، ورزق. فالرشوة حرام، وهي ضربان: رشوة ليميل إلى أحدهما بغير حق؛ فهذا حرام عن فعل حرام، على الآخذ والمعطي، وهما آثمان. ورشوة يعطاها ليحكم بالحق واستيفاء حق المعطي من دين ونحوه، فهي حرام على الحاكم دون المعطي، لأنها استنقاذ؛ فهي كجعل الآبق، وأجرة الوكالة في الخصومة. وأما الهدية فضربان: هدية كانت قبل الولاية؛ فلا يحرم استدامتها، وهدية لم تكن إلا بعد الولاية؛ فهي ضربان: مكروهة وهي الهدية إليه ممن لا حكومة له، وهدية ممن قد اتجهت له حكومة؛ فهي حرام على الحاكم. والأجرة: إن كان له رزق من بيت المال؛ حرم عليه أخذ الأجرة قولاً واحداً، لأنه أجري له الرزق لأجل الاشتغال بالحكم؛ فلا وجه لأخذ الأجرة من جهة الخصومة. وإن كان الحاكم لا رزق له؛ فعلى وجهين، أحدهما الإباحة لأنه عمل مباح؛ فهو كما لو حكماه، ولأنه مع عدم الرزق لا يتعين عليه الحكم؛ فلا يمنع من أخذ الأجرة، كالوصي، وأمين الحاكم يأكلان من مال اليتيم بقدر الحاجة. وأما الرزق من بيت المال؛ فإن كان غنياً لا حاجة له إليه احتمل أن

стр. 657

يكره، ويحتمل أنه يباح؛ لأنه بذل نفسه لذلك، كالعامل في الزكاة والخراج ... إلى أن قال: وأما الحاكم؛ فإنه منتصب لإلزام الناس بشرائع الرب سبحانه وأحكامه، وتبليغها إليهم؛ فهو مبلغ عن الله بفتياه، ويتميز المفتي بالإلزام لولاية الله وقدرته، والمبلغ عن الله الملزم للأمة بدينه لا يستحق عليهم شيئاً، فالحاكم مفتي في خبره عن حكم الله ورسوله، وشاهد فيما ثبت عنده، ملزم بمن توجه عليه الحق، فيشترط له شروط المفتي والشاهد، ويتميز بالقدرة على التنفيذ، فهو في منصب خلافة من قال: "لا أسألكم عليه أجرً" (١) فهؤلاء هم الحكام المقدر وجودهم في الأذهان، المفقودون في الأعيان، الذين جعلهم الله ظلاً يأوي إليه اللهفان، ومناهل يردها الظمآن. فائدة: الحاكم يحتاج إلى ثلاثة أشياء لا يصح له الحكم إلا بها: معرفة الأدلة، والأسباب، والبينات. فالأدلة: معرفة الحكم الشرعي الكلي. والأسباب: معرفة ثبوته في هذا المحل المعتبر وانتفاؤه عنه. والبينات: معرفة طريق الحكم عند التنازع، ومتى أخطأ في واحدة من هذه الثلاث؛ أخطأ في الحكم، وجميع خطأ الحكام مداره الخطأ فيها أو في بعضها. مثال ذلك: إذا تنازع اثنان عنده في رد سلعة مشتراه بعيب؛ فحكمه موقوف على العلم بالدليل الشرعي الذي سلط المشتري على الرد، وهو إجماع الأمة المستند إلى حديث المصرَّاة، وعزاه عن أهل العلم بالسبب المثبت لحكم الشارع في هذا المبيع المعين، ويقولون: هذا الوصف عيب يسلط على الرد، أم ليس بعيب؟ وهذا لا يتوقف العلم به على الشرع، بل على الحس، والعادة،

стр. 658

والعرف، والخبرة ونحو ذلك، وعلى البينة التي هي طريق الحكم بين المتنازعين، وهو كل ما يبين له صدق أحدهما، أو ظناً من إقرار، أو شهادة أربعة عدول، أو ثلاثة، أو شاهدين، أو رجل وامرأتين، أو شاهد ويمين، أو شهادة رجل واحد، وهو الذي يسميه بعضهم الأخبار، ويفرق بينه وبين الشهادة بمجرد اللفظ، أو شهادة امرأة واحدة كالقابلة، والمرضعة، وشهادة النساء منفردات حيث لا رجل معهن، كالحمامات، والأعراس على الصحيح الذي لا يجوز القول بغيره، أو شهادة الصبيان على الجراح إذا لم يتفرقوا، وشهادة الأربع من النسوة، أو المرأتين أو القرائن الظاهرة عند الجمهور، كمالك، وأحمد، وأبي حنيفة؛ كتنازع الرجل وامرأته في ثيابهما، وكتب العلم ونحو ذلك، أو رائحة المسك، أو وجود المسروق عند من ادعى عليه سرقته على أصح القولين، وقد أمر النبي ﷺ بتعذيب أحد بني الحقيق اليهودي ليدله على كنز حيي بن أحظب، وقد ادعى ذهابه، فقال: هو أكثر (١) من ذلك، والعهد قريب؛ فاستدل بهذه القرينة الظاهرة على كذبه في دعواه؛ فأمر الزبير أن يعذبه حتى يقر به، فإذا عذب الوالي المتهم إذا ظهر كذبه ليقر بالسرقة؛ لم يخرج عن الشريعة، بل ضربه في هذه الحال من الشرع، وقد حبس النبي ﷺ في تهمة، وقد عزم علي والزبير على تجريد المرأة التي معها الكتاب وتفتيشها لما تيقنا أن الكتاب معها، فإذا غلب على ظن الحاكم أن المال المسروق أو غيره في بيت المدعى عليه أو معه، فأمر بتفتيشه حتى يظهر المال؛ لم يكن بذلك خارجاً عن الشرع، والأمة مجمعة على جواز وطء الزوج للمرأة التي يهديها إليه النساء ليلة العرس، ومجمعة على جواز أكل الهدية وإن كانت مع فاسق، أو كافر، أو صبي، ومجمعة على شراء ما بيد الرجل اعتماداً على قرينة كونه في

стр. 659

يده وإن جاز أن يكون مغصوباً. انتهى. ومن "مسودة" ابن تيمية، المجد، وابنه، وابن ابنه، وهو الشيخ أبو العباس، وذكر الكاتب أنه نقله من خطهم بأيديهم، والكاتب سليمان المرداوي في سنة نيف عن ثمانمائة من الهجرة، قال: ومن أفتى بحكم، أو سمعه من مفت؛ فله العمل به، لا فتوى غيره؛ لأنه حاك فتوى غيره، وإنما سئل عما عنده. مسألة: هل يلزم العامي أن يختص بمذهب يجب عليه الأخذ به بعزائمه ورخصه؟ فيه للشافعية وجهان. وكذلك يخرج لنا، قال شيخنا: وكذلك قال أبو الحسن القدوري: المقلد إذا غلب على ظنه أن بعض المسائل على مذهب فقيه أقوى؛ فعليه أن يقلد فيها ذلك الفقيه، وإذا أفتى بها حاكياً لمذهب من قلده، جاز. فصل: ومن اجتهد في مذهب إمامه فلم يقلده في حكمه ودليله؛ ففتياه به عن نفسه، لا عن إمامه؛ فهو موافق له فيه لا تابع، فإن قوي عنده مذهب غيره؛ أفتى به وأعلم السائل، فإن قلد إمامه في حكمه، وفي دليله، أو دون دليله؛ ففتياه إن قدر على التحرير، والتقرير، والتصوير، والتعليل، والتفريع، والتخريج، والجمع، والفرق؛ كالذي لم يقلد فيهما. فإن عجز عن ذلك أو بعضه؛ ففتياه عن إمامه لا عن نفسه، وقيل: من عرف المذهب دون دليله؛ جاز تقليده فيه. فصل: لا يلزم السائل العمل بالفتوى، إلا أن يلتزم بها إن جاز تقليده، وإلا فعن نفسه، ويظنها حقاً، وقيل: وشرع في العمل بها. فإن لم يجد مفتياً آخر يخالفه؛ لزمه العمل بها مطلقاً، كما لو حكم عليه بها حاكم. وإذا بان للمفتي أنه خالف ما يجب العمل به، من إجماع، أو كتاب، او سنة؛ نقض فتياه، وأعلم المستفتي بذلك ليرجع. قال الوزير

стр. 660

أبي هريرة: الصحيح في هذه المسألة أن قول من قال: لا يجوز تولية قاض حتى يكون من أهل الاجتهاد؛ فإنه إنما عنى به ما كانت الحال عليه قبل استقرار ما استقر من هذه المذاهب التي أجمعت الأمة على أن كلاً منها يجوز العمل به؛ لأنه مستند إلى أمر رسول الله ﷺ ، فالقاضي في هذا الوقت، وإن لم يكن سعى في طلب الحديث ونقله، وعرف من لغة الناطق بالشريعة ما لا يعوده معه معرفة ما يحتاج إليه، وغير ذلك من شروط الاجتهاد؛ فإن ذلك مما فرغ له منه غيره، ودأب فيه سواه، وانتهى الأمر من هؤلاء الأئمة المجتهدين إلى ما أراحوا به من بعدهم، وانحصر الحق في أقاويلهم، وتدونت العلوم وانتهت إلى ما اتضح فيه الحق، فإذا عمل القاضي في أقضيته بما يأخذه عنهم، أو عن الواحد منهم؛ فإنه في معنى من كان اجتهاده إلى قول قاله، فإنه إذا خرج من خلافهم متوخياً مواطن الاتفاق ما أمكنه، كان آخذاً بالحزم، عاملاً بالأولى، وكذلك إذا قصد مواطن الخلاف توخيه ما عليه الأكثر منهم، والعمل بما قاله الجمهور دون الواحد؛ فإنه قد أخذ بالحزم والأحوط والأولى، مع جواز أن يعمل بقول الواحد، إلا أنني أكره له أن يكون ذلك من حيث أنه قد قرأ مذهب واحد منهم، أو نشأ في بلدة لم يعرف فيها إلا مذهب إمام واحد منهم أو كان شيخه ومعلمه على مذهب فقيه من الفقهاء خاصة، يقصر نفسه على اتباع ذلك المذهب، حتى إذا حضر عنده خصمان، وكان مما تشاجرا فيه مما نقل عن الفقهاء الثلاثة فيه بحكم، نحو التوكيل بغير رضى الخصم، وكان الحاكم حنفياً، وقد علم أن مالكاً، والشافعي، وأحمد اتفقوا على جواز ذلك، وأن أبا حنيفة لم يجز ذلك، فعدل عما أجمع عليه هؤلاء الثلاثة إلى ما ذهب إليه أبو حنيفة، فإني أخاف على هذا أن يكون متبوعاً من الله، بأن اتبع في ذلك هواه، وأنه لا يكون ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ... إلى أن قال: وبمقتضى

стр. 661

هذا؛ فإن ولاية الحكام في وقتنا هذا ولايات صحيحة، وإنهم قد سدوا من ثغر الإسلام ثغراً سده فرض كفاية، ولو قد أهملنا هذا القول ولم نذكره، ومشينا على طريقة التغافل التي يمشي فيها من يمشي من الفقهاء الذين يذكر كل منهم في كتاب صنفه، أو كلام قاله؛ أنه لا يصح أن يكون أحد قاضياً حتى يكون من أهل الاجتهاد، ثم يذكر في شروط الاجتهاد أشياء لست موجودة في الحكام؛ فإن هذه كالإحالة، وكالتناقض، وكان تعطيلاً للأحكام، وسداً لباب الحكم، وإنه لا ينفذ حق، ولا يكاتب فيه، ولا يقان بينة إلى غير ذلك من هذه القواعد الشرعية؛ فكان هذا غير صحيح، وبأن الصحيح أن الحكام اليوم حكوماتهم صحيحة نافذة، وولاياتهم جائزة شرعاً، فقد تضمن هذا الكلام أن تولية المقلد يجوز إذا تعذر تولية المجتهد، وأنه انعقد الإجماع على تقليد كل واحد من المذاهب الأربعة، وأن إجماع الفقهاء الأربعة حجة لا يخرج الحق عنهم. وقال أيضاً: فإن خرج من الخلاف فإخذ بالأحوط، كتحريه مسح جميع رأسه، وأخذه فيما لا يمكنه الخروج من الخلاف فيه، كمسألة البسملة بقول الأكثر؛ كان الأولى ... إلى أن قال: ومن لم يكن فتياه حكاية من غيره؛ لم يكن له بد من استصحاب الدليل فيها. وإذا سئل المجتهد عن الحكم؛ لم يجز له أن يفتي بمذهب غيره، لأنه إنما سئل عما عنده، فإن سئل عن مذهب غيره؛ جاز له أن يحكيه، لأن العامي يجوز له حكاية قول غيره، ولا يجوز له أن يفتي بما يجده في كتب الفقهاء، وإنما يفتيه به فقيه، هذا قول أبي الخطاب. وقال الحليمي، والروياني: لا يجوز. وقال أبو عمر: وقول من قال: لا يجوز. معناه أنه لا يذكر في صورة ما يقوله من عند نفسه، بل يضيفه إلى إمامه الذي يحكيه عنه، فعلى هذا: من عددناه في إضافة المفتين من المقلدين؛ ليسوا على الحقيقة من المفتين، ولكنهم قاموا مقامهم

стр. 662

فعدوا معهم، وسبيلهم أن يقولوا مثلاً: مذهب فلان كذا، ومقتضى مذهبهم كذا، ومن ترك منهم إضافة إلى إمامه؛ اكتفى بدلالة الحال. انتهى. قال الزركشي، بعد كلام سبق: نعم إذا حلف بعضهم؛ ثبت له من الحق بقدر إرثه، ولا يشاركه فيه صاحبه، انتهى. قوله: وقسمة الدين في ذمم الغرماء. قال في "الإنصاف" في الشركة: محل الخلاف إن كان في ذمتين فأكثر، قال الأصحاب، أما إن كان في ذمة واحدة؛ فلا تصح المقاسمة قولاً واحداً، قال في "الشرح" و "الفروع" وغيرهم، وقال الشيخ: يجوز. ذكره في "الاختيارات" وذكره ابن القيم في "أعلام الموقعين". انتهى. ومن جواب للشيخ سليمان بن علي: وأما إذا عرف خط الشاهد بعد موته بشهادته؛ فإن ذلك جائز، لكن على مرجوح، وقواه بعضهم. انتهى. وقد سئل، هل يجوز الحكم بشهادة الشاهد الميت بخطه، أم لا؟ فأجاب بما ذكرنا. ومن جواب له أيضاً: إذا ادعى شركة في الجدار الذي بين ملكيهما ليبني معه، وليس معه بينة، فانكر؛ فيمينه، وإذا غرس أحد الشريكين بغير حق، ولزم القلع، وطلب القسمة؛ وجبت قبل القلع، فإذا وقع لغير الغارس تبعة؛ قلع ما فيها. والظاهر أن الشريك في بئر يعطي حقه من جميع فروجها كلها، لا من فرج واحد. انتهى. وفيه بعض تأمل. ذكر شيخنا في وثيقة وجدت بخط زامل بن سلطان، تلميذ الشيخين، ابن النجار والحجاوي: شهد عندي فلان شهادة شرعية صحيحة مقبولة،

стр. 663

أن لزيد مشرباً من القليب الفلاني. انتهى. وكذا رأينا مثل ذلك بخط غيره من الفقهاء وحكموا به، مثل ناصر بن محمد، وسليمان بن محمد ابن شمس، والعادة توافقه، لاسيما إن كان العقار لورثة، وهذا المدعي أحدهم، أو هو منتقل إليه من بعضهم، بإرث أو شراء لتصديق الحس له؛ فإذا شهد الشاهدان له يوماً مثلاً من ثلاث مثلاً؛ سمعت. وإن ادعى أن له يوماً من ثلاث؛ فدعوى مقبولة لديتها اليمين على المنكر، لاسيما مع أمارات الصدق، كنحو ساقي خارج منها إلى أرضه، أو سقيه منها، ويدعي المنكر أنه على سبيل الإعارة؛ كلف اليمين بذلك، من تقرير شيخنا. إذا ادعى على آخر أنه أخذ ثمرته، فشهدت له البينة كانت بقدر معلوم من الثمرة؛ صح. وإن قالت: الثمرة كثيرة، واليقين الذي تقطع عليه كذا؛ صح ذلك، كتبه سليمان بن علي، ومن خطه نقلت. ومن جواب له أيضاً: ادعى محمد بن راشد الأسطار الشمالية التي توالي الروية (١) التي شرى ناصر من أبيه راشد، أن ذلك وقف وقفة راشد عليه، وأن شاهده على ذلك حسن عمه، وهو شريك في النخل؛ فلم تجز شهادته، ووجب على ناصر اليمين على نفي العلم أنه لا يعلم أن راشداً وقفه عليه، ومن خطه نقلت. انتهى. وقال أبو المعالي: ومن هو ببلد وماله فيه وأهله، ثم انتقل لقضاء حاجة، ثم مات وانتقل الولد بعده وهو غير رشيد؛ فالحج عليه في بلده الذي هو معروف فيه على أولاده الصغار إن لم يكن بينه انتقال عنه. انتهى. قال ابن القيم في "الهدي": يجوز كذب الإنسان على نفسه وعلى غيره إذا لم يتضمن ضرراً على الغير، إذا كان يتوصل بالكذب إلى حاجته،

стр. 664

كما كذب الحجاج بن علاط على المشركين حتى أخذ ماله، ونظير ذلك الإمام والحاكم يوهم الخصم خلاف الحق، كما أوهم سليمان بن داود المرأتين بشق الولد، انتهى. إذا أجمع وجوه أهل قرية وعدولهم على بيع تركة وقضاء دين؛ صح ما صدر منهم، ولأن ما لزم الركب؛ يلزم فيه التساوي، ولأن هذا الذي تقدم قد فعل فيه مصلحة، أو دفع مضرة، أو دفع شر، وقد يعمل بأدنى المفسدتين لترك أعلاهما، قاله شيخنا. وذكره ابن عطوة، قال في "شرح المنتهى" لمؤلفه: وقد صنف الشيخ ولي الدين أبو زرعه العراقي الشافعي وريقات في الفرق بين الحكم بالصحة والحكم بالموجب، فأجبت إيرادها كلها لعموم نفعها، وهي أما بعد حمد الله ولي النعم، والصلاة والسلام على سيدنا محمد سيد العرب والعجم، وعلى آله وصحبه خير الأمم، فقد عهدنا الحكام على طريقة في الحكم بالصحة، والحكم بالموجب، وهي أنهم إن قامت عندهم البينة العادلة باستيفاء العاقد شروط ذلك العقد الذي يراد الحكم به؛ حكم بصحته. وإن لم تتم البينة باستيفاء شروطه؛ حكم بموجبه، فالحكم بالموجب عندهم أحط رتبة من الحكم بالصحة، ويرد على ذلك شيئان. أحدهما: أن المرجح فيما لو طلب جماعة في أيديهم أرض من القاضي قسمتها بينهم من غير إقامة بينة على أنها ملكهم؛ لا يجيبهم القاضي إلى ذلك. وقال شيخنا الإمام البلقيني في "حواشي الروضة": يخرج من هذا أن القاضي لا يحكم بالموجب بمجرد اعتراف المتعاقدين بالبيع، ولا بمجرد قيام البينة عليهما بما صدر منهما؛ لأن المعنى الذي قيل هنا يأتي هناك. قلت: وفي هذا نظر؛ فإن القسمة تتضمن إفراز نصيب كل واحد، وصيرورته معيناً بعد أن كان مشاعاً، وقد لا يكون الواقفون له مالكين

стр. 665

لذلك؛ فيكون متصرفاً في ملك غيره بغير إذنه. وأما الحكم بالصحة والموجب؛ فإنما هو في تصرف صدر من غير الحاكم (١) ورفع إليه؛ فقد يحكم بصحته، وقد يحكم بموجبه. والاصطلاح أن الأول يكون عند قيام البينة، يوقعه على خلاف الشروط المعتبرة؛ فإنه لا يحكم فيه بصحة ولا موجب، وعلى كل تقدير؛ فلم يتصرف الحاكم في ملك غيره، بل الغير هو المتصرف والصادر من الحاكم حكم على ذلك التصرف؛ فلا يلزم من امتناع الحاكم من القسمة هنا امتناعه من الحكم بالموجب وإن لم تقم البينة باستيفاء الشروط، قم إن قول الأصحاب: لا يجيبهم، هل أرادوا به لا تجب إجابتهم، أو لا تجوز إجابتهم؟ لم أر تصريحاً بذلك. والظاهر الأول، وهو انتفاء الوجوب، لا الجواز. الشيء الثاني: إن ما نقله من عمل الحكام؛ يدل على أن الحكم بالموجب لا يزيد على الثبوت المجرد شيئاً، لكن مازالوا يرون للحكم بالموجب تمييزاً على مجرد الثبوت، والله أعلم. ووجدت لشيخنا الإمام البلقيني فروقاً أبداها في الفرق بين الحكم بالصحة والحكم بالموجب، وكنت سمعتها منه أو بعضها، وفي كلها أو بعضها نظر سأذكره. فالفرق الأول أن الحكم بالصحة ينصب على إنقاذه ذلك الصادر، من بيع وقف ونحوهما، والحكم بالموجب منصب على أثر ذلك الصادر. قلت: وفيما ذكره نظر؛ فإنه إذا كان الحكم بالصحة منصباً إلى نفاذ ذلك الصادر، وترتب عليه إنفاذ آثاره، وكيف ينفذ ذلك الأمر ولا ينفذ أثره المقصود منه، ولاسيما قد عرف غير واحد من أهل الأصول

стр. 666

الصحة بأنها استتباع الغاية، أي كون الشيء بحيث تتبعه غايته، ويترتب وجودها على وجوده. فإنه حكم بالصحة؛ فقد حكم بترتب آثاره عليه، لأنه هذا هو معنى الصحة، ولا يقال في الحكم بالموجب: إنه منصب على الآثار خاصة، وكيف تثبت الآثار بدون المؤثر لها؛ فالحكم بثبوت الآثار مرتب على الحكم بثبوت المؤثر بلا شك، فلولا صحة ذلك العق؛ لما حكم ذلك القاضي بترتيب آثاره؛ فالصواب يتضمن الحكم بالموجب الحكم بالصحة، وإلا لما ترتب الآثار بالصحة في الحكم الجامع لجميع الآثار، وحينئذ فظاهر، استوى الحكم بالصحة والحكم بالموجب؛ لأنه لا يحكم إلا بموجب ما صح، دون ما فسد، ولا يصح بالشيء وتختلف آثاره عنه، فإذا حكم بالصحة؛ فقد حكم بترتيب آثاره عليه. والتحقيق أن الحكم بالموجب يتناول الآثار بالتنصيص عليها، للإتيان بلفظ عام يتناول جميع آثارها؛ فإن موجب الشيء هو مقتضاه، وهو مفرد مضاف؛ فيعم كل موجب، بخلاف لفظ الصحة؛ فإنه إنما يتناول الآثار بالتضمن، لا بالتنصيص عليها، ومقتضى ذلك أن يكون الحكم بالموجب هو أعلى، وهو بخلاف الاصطلاح، وكان الحكم بالصحة إنما علت مرتبته عندهم لاختصاصه بما يثبت به وجود الشرط، وانحطت مرتبة الحكم بالموجب عندهم لثبوت (١) الشروط فيه، لكن هذا راجع إلى الاصطلاح فيما أظن، ولا يظهر للفرق المذكور معنى من جهة اللغة، ولا من جهة الشرع؛ فلا ينبغي من حاكم يحكم إلا بحجة معتبرة، إما بينة، وإما علم، وإما قرار الخصم الذي هو صاحب اليد، وإما يمين المدعي المردودة بعد نكول الخصم، سواء كان ذلك بإقرار أو بينة، وإنما نازعت شيخنا في استنباط هذا من مسألة القسمة، لا في أصل الحكم؛ فإني أوافق عليه. فإذا قامت البينة فحكم بالصحة؛ فقد يترتب غايته عليه

стр. 667

من غير تنصيص عليها، لا لعموم ولا لخصوص. وإن حكم بالموجب؛ فقد أتى بصيغة شاملة لجميع أحكامه؛ فإن صيغة العموم في تناولها بكل فرد فرد كلية، فكأنه ينص (١) بذلك على جميع آثاره. فإن قلت: فهل شربت عليه بذلك جميع آثاره المتفق عليها والمختلف فيها. قلت: أما المتفق عليها؛ فلا يحتاج فيها إلى الحكم. وأما المختلف فيها، فما كان منها قد جاء وقت الحكم فيه؛ نفذ، وما لم يجيء وقت الحكم فيه؛ لم ينفذ. مثال الأول: أن يحكم حنفي بموجب التدبير، فمن موجبه منع بيع المدبر؛ فقد حكم الحنفي بذلك في وقته، لأنه منع سيد المدبر من بيع عبده المدبر، فليس له بمقتضى الحكم المذكور الإقدام على بيعه بمنع الحاكم له من ذلك، وليس للشافعي أن يأذن له بعد ذلك في بيعه لما فيه من نقض حكم الحنفي بمنع البيع، ولا أن يحكم بصحة بيعه، فإن ارتكب ببيعه محرماً قد منعه منه جائز الحكم؛ فصار المدبر في هذا الحكم كأم الولد. الثاني: أن يعلق طلاق امرأة أجنبية منه على التزويج بها، فيحكم مالكي أو حنفي بموجبه، فإذا تزوج بها، فبادر شافعي، وحكم باستمرار العصمة وعدم وقوع الطلاق؛ نفذ حكمه، ولم يكن ذلك نقضاً لحكم الحاكم الأول بموجب التعليق، لأن حكم الأول لم يتناول وقوع الطلاق لو تزوج بها؛ فإنه أمر لم يقع إلى الآن، فكيف يحكم على ما لم يقع؟ والحكم إنما يكون في شخص، فما هذا منه إلا فتوى، وتسميته حكماً جهل أو تجوز مفت به أن هذا حكم الشرع عنده، لا أنه (٢) ثبت وألزم به، وكيف يلزم بما لم يقع؟ ومما يوضح ذلك انه لو لم يأت بصيغة عموم وهو الموجب، بل حكم هذه المجرد به خاصة، فقال: حكمت

стр. 668

بوقوع الطلاق إن تزوجها؛ لم يصادف ذلك محلاً، وعد سفهاً وجهلاً، وكيف يحكم الإنسان بالشيء قبل وقوعه، فيقول: حكمت بصحة بيع هذا العبد لو وقع بشروطه، وبصحة نكاح هذه المرأة لو وقع بشروطه، بخلاف قول الحنفي في المدبر بعد تدبيره: حكمت بمنع بيعه؛ فإنه حكم صحيح على مذهبه، وقع في محله ووقته؛ فنفذ ولم يجز نقضه، فأفهم ذلك فإنه حسن، وقع بسبب عدم تدبره خبط في الأحكام. وقد ظهر أن توجيه الحنفي والمالكي حكمه إلى وقوع الطلاق على التي لم يتزوج بها بحال، وحكمه بمنع التزوج بها أفسد منه؛ فإن النكاح صحيح بلا توقف، وإنما الكلام في وقوع الطلاق بعد صدور النكاح، ولا يدري (١) هل يكون بينهما نكاح أم لا؟ فلا يمكن توجيه الحكم إلى منع الحاكم كما وجه الحنفي حكمه إلى منع بيع المدبر، ولا إلى وقوع الطلاق من عصمة من لا يدري هذه تقع في الوجود أم لا؟ فإن نفس الطلاق لم يقع قبل النكاح، وإنما وقع تعليقه خاصة، والتعليق غير موقع في الحال؛ فكيف يحكم على شيء لو وجد بشيء لم يقع؟ وهذا واضح لصاحب العملية الخالي من العصبية، وقس على هذين المثالين بقية الأمثلة؛ فقد عرفت الذي أوجب الفرق بينهما. الفرق الثاني بين الحكم بالصحة والحكم بالموجب: إن الحكم بالصحة لا يختص بأحد، والحكم بالموجب يختص بالمحكوم عليه بذلك. قلت: وفي هذا الفرق أيضاً نظر، فإذا وقف الإنسان شيئاً من أملاكه على نفسه، ومات قبل الحكم بصحته وبطلانه، فأراد بعض ورثته أن يبيعه، فمنعه حنفي، وحكم بموجب الوقف المذكور؛ لم يختص ذلك الحكم به في صحته. فلو أراد وارث آخر أن يبيع حصته منه؛ لم يصح، وكيف يصح ذلك بعد حكم الحنفي بموجبه؟ فلو بادر شافعي وحكم

стр. 669

عند إرادة أحد الورثة بيع حصته بموجب الوقف المذكور، وهو البطلان عنده؛ لم يكن لحاكم حنفي بعد ذلك الحكم بمنع بيع الووارث الآخر حصته مع حكم الشافعي ببطلان الوقف المذكور، هذا بعيد، والله أعلم. الفرق الثالث: إن الحكم بالصحة يقتضي استيفاء الشروط، والحكم بالموجب لا يقتضي استيفاء الشروط، وإنما مقتضاه صدور ذلك الحكم على المصدر؛ لموجب ما صدر عنه. قلت: وفيه نظر أيضاً؛ فقد قمت عن شيخنا المذكور أنه استنبط من مسألة اقتناع القاضي من القسمة، فيما إذا لم تقم بينة بأنه ملك طالبها؛ أن الحكم لا يقع بصحة ولا موجب إلا بعد استيفاء الشروط، وهذا الفرق هو الذي يعمل به الناس الآن، وفيه ما قدمته. ثم إن في تعبير الشيخ عن هذا الفرق نظر، وكان ينبغي: التعبير بالحكم بالصحة متوقف على ثبوت أن المتعاطي لذلك التصرف استوفى الشروط فيه. فإذا رفع إلى القاضي بيع لا يحكم بصحته من حيث شروط البيع، من كون المبيع ظاهراً، منتفعاً به، مقدوراً على تسليمه، مملوكاً للعاقد أو لمن له العقد، معلوماً، بخلاف الحكم بالموجب؛ فلا يتوقف على ثبوت استيفاء الشروط. وليت شعري كيف يكون حكم القاضي ينوب جميع الآثار ثابتاً، فيما إذا لم يثبت أن العاقد استوفى الشروط؟ ! هذا مما لا يعقل، والله أعلم. الفرق الرابع: إنه إذا كان العقد الصادر صحيحاً باتفاق (١)، ووقع الخلاف في موجبه، فالحكم بالصحة لا يمنع الحكم بموجبه عند غير الحاكم بالصحة. ولو حكم فيه بالموجب؛ امتنع العمل بموجبه عند غير الحاكم بالموجب. قلت: ولا بأس بهذا الفرق، لكن إطلاقه في الموجب أنه يمتنع العمل

стр. 670

بموجبه عن غير الحاكم بالموجب؛ لابد من تقييده بأن يكون قد جاء وقت الحكم بموجبه، فمتى لم يجيء وقته؛ فلغيره عند مجيء وقته الحكم بموجبه عنده، إن لم يكن موجبه عند الحاكم الأول، والله أعلم. الفرق الخامس: إن كل دعوى كان المطلوب فيها إلزام المدعى عليه بما أقر به، أو قامت به البينة؛ كان الحكم حينئذ بالإلزام، وهو الموجب، ولا يكون الحكم بالصحة، ولكن يتضمن الحكم بالموجب الحكم بالصحة، ومن ذلك له وجهان: صحة، وإبطال، لا يدخل فيه الحكم بالصحة؛ إنما يدخل فيه الحكم بالموجب. قلت: لم يظهر لي هذا الفرق؛ فإن مقتضاه أنه إذا ادعى على إنسان بمائة درهم مثلاً، واعترف بذلك بمجلس الحكم، أو قامت عليه بينة بالاعتراف؛ لم يسغ للقاضي (١) الحكم بالصحة بالاعتراف المذكور، وإنما يسوغ له الحكم بالموجب، ولا يظهر له معنى؛ فليتأمل، وقد رجح الشيخ ما ذكرته أولاً من أن الحكم بالموجب يتضمن الحكم بالصحة. الفرق السادس: إن تنفيذ الحكم المختلف فيه يكون بالصحة عند الموافق، وكذا عند المخالف الذي يجيز التنفيذ في المختلف فيه؛ فيكون الأمر فيه كما تقدم في الحكم بالصحة، فقول القاضي: حكمت بصحة حكم فلان؛ كقوله: حكمت بموجب حكم فلان، إذا أريد هذا المعنى، وهو الإلزام بحكم الحاكم، وإن أريد الإلزام بذلك الشيء المحكوم به؛ فيجوز ذلك من الموافق، ولا يجوز من المخالف؛ لأنه ابتداء حكم بذلك الشيء من غير تعرض للحكم الأول، وذلك لا يجوز عند المخالف. قلت: لم يتحرر من هذا الكلام فرق بين الحكم بالصحة والحكم بالموجب؛ لأنه ذكر: إن أريد الإلزام بحكم المخالف في موضع الخلاف؛ استوى الحكم بالصحة والحكم بالموجب في الجواز، وإن أريد الإلزام
следующие страницы →