الصحة بأنها استتباع الغاية، أي كون الشيء بحيث تتبعه غايته، ويترتب وجودها على وجوده. فإنه حكم بالصحة؛ فقد حكم بترتب آثاره عليه، لأنه هذا هو معنى الصحة، ولا يقال في الحكم بالموجب: إنه منصب على الآثار خاصة، وكيف تثبت الآثار بدون المؤثر لها؛ فالحكم بثبوت الآثار مرتب على الحكم بثبوت المؤثر بلا شك، فلولا صحة ذلك العق؛ لما حكم ذلك القاضي بترتيب آثاره؛ فالصواب يتضمن الحكم بالموجب الحكم بالصحة، وإلا لما ترتب الآثار بالصحة في الحكم الجامع لجميع الآثار، وحينئذ فظاهر، استوى الحكم بالصحة والحكم بالموجب؛ لأنه لا يحكم إلا بموجب ما صح، دون ما فسد، ولا يصح بالشيء وتختلف آثاره عنه، فإذا حكم بالصحة؛ فقد حكم بترتيب آثاره عليه.
والتحقيق أن الحكم بالموجب يتناول الآثار بالتنصيص عليها، للإتيان بلفظ عام يتناول جميع آثارها؛ فإن موجب الشيء هو مقتضاه، وهو مفرد مضاف؛ فيعم كل موجب، بخلاف لفظ الصحة؛ فإنه إنما يتناول الآثار بالتضمن، لا بالتنصيص عليها، ومقتضى ذلك أن يكون الحكم بالموجب هو أعلى، وهو بخلاف الاصطلاح، وكان الحكم بالصحة إنما علت مرتبته عندهم لاختصاصه بما يثبت به وجود الشرط، وانحطت مرتبة الحكم بالموجب عندهم لثبوت (١) الشروط فيه، لكن هذا راجع إلى الاصطلاح فيما أظن، ولا يظهر للفرق المذكور معنى من جهة اللغة، ولا من جهة الشرع؛ فلا ينبغي من حاكم يحكم إلا بحجة معتبرة، إما بينة، وإما علم، وإما قرار الخصم الذي هو صاحب اليد، وإما يمين المدعي المردودة بعد نكول الخصم، سواء كان ذلك بإقرار أو بينة، وإنما نازعت شيخنا في استنباط هذا من مسألة القسمة، لا في أصل الحكم؛ فإني أوافق عليه. فإذا قامت البينة فحكم بالصحة؛ فقد يترتب غايته عليه
стр. 667
من غير تنصيص عليها، لا لعموم ولا لخصوص. وإن حكم بالموجب؛ فقد أتى بصيغة شاملة لجميع أحكامه؛ فإن صيغة العموم في تناولها بكل فرد فرد كلية، فكأنه ينص (١) بذلك على جميع آثاره. فإن قلت: فهل شربت عليه بذلك جميع آثاره المتفق عليها والمختلف فيها.
قلت: أما المتفق عليها؛ فلا يحتاج فيها إلى الحكم. وأما المختلف فيها، فما كان منها قد جاء وقت الحكم فيه؛ نفذ، وما لم يجيء وقت الحكم فيه؛ لم ينفذ.
مثال الأول: أن يحكم حنفي بموجب التدبير، فمن موجبه منع بيع المدبر؛ فقد حكم الحنفي بذلك في وقته، لأنه منع سيد المدبر من بيع عبده المدبر، فليس له بمقتضى الحكم المذكور الإقدام على بيعه بمنع الحاكم له من ذلك، وليس للشافعي أن يأذن له بعد ذلك في بيعه لما فيه من نقض حكم الحنفي بمنع البيع، ولا أن يحكم بصحة بيعه، فإن ارتكب ببيعه محرماً قد منعه منه جائز الحكم؛ فصار المدبر في هذا الحكم كأم الولد.
الثاني: أن يعلق طلاق امرأة أجنبية منه على التزويج بها، فيحكم مالكي أو حنفي بموجبه، فإذا تزوج بها، فبادر شافعي، وحكم باستمرار العصمة وعدم وقوع الطلاق؛ نفذ حكمه، ولم يكن ذلك نقضاً لحكم الحاكم الأول بموجب التعليق، لأن حكم الأول لم يتناول وقوع الطلاق لو تزوج بها؛ فإنه أمر لم يقع إلى الآن، فكيف يحكم على ما لم يقع؟ والحكم إنما يكون في شخص، فما هذا منه إلا فتوى، وتسميته حكماً جهل أو تجوز مفت به أن هذا حكم الشرع عنده، لا أنه (٢) ثبت وألزم به، وكيف يلزم بما لم يقع؟ ومما يوضح ذلك انه لو لم يأت بصيغة عموم وهو الموجب، بل حكم هذه المجرد به خاصة، فقال: حكمت
стр. 668
بوقوع الطلاق إن تزوجها؛ لم يصادف ذلك محلاً، وعد سفهاً وجهلاً، وكيف يحكم الإنسان بالشيء قبل وقوعه، فيقول: حكمت بصحة بيع هذا العبد لو وقع بشروطه، وبصحة نكاح هذه المرأة لو وقع بشروطه، بخلاف قول الحنفي في المدبر بعد تدبيره: حكمت بمنع بيعه؛ فإنه حكم صحيح على مذهبه، وقع في محله ووقته؛ فنفذ ولم يجز نقضه، فأفهم ذلك فإنه حسن، وقع بسبب عدم تدبره خبط في الأحكام.
وقد ظهر أن توجيه الحنفي والمالكي حكمه إلى وقوع الطلاق على التي لم يتزوج بها بحال، وحكمه بمنع التزوج بها أفسد منه؛ فإن النكاح صحيح بلا توقف، وإنما الكلام في وقوع الطلاق بعد صدور النكاح، ولا يدري (١) هل يكون بينهما نكاح أم لا؟ فلا يمكن توجيه الحكم إلى منع الحاكم كما وجه الحنفي حكمه إلى منع بيع المدبر، ولا إلى وقوع الطلاق من عصمة من لا يدري هذه تقع في الوجود أم لا؟ فإن نفس الطلاق لم يقع قبل النكاح، وإنما وقع تعليقه خاصة، والتعليق غير موقع في الحال؛ فكيف يحكم على شيء لو وجد بشيء لم يقع؟ وهذا واضح لصاحب العملية الخالي من العصبية، وقس على هذين المثالين بقية الأمثلة؛ فقد عرفت الذي أوجب الفرق بينهما.
الفرق الثاني بين الحكم بالصحة والحكم بالموجب: إن الحكم بالصحة لا يختص بأحد، والحكم بالموجب يختص بالمحكوم عليه بذلك.
قلت: وفي هذا الفرق أيضاً نظر، فإذا وقف الإنسان شيئاً من أملاكه على نفسه، ومات قبل الحكم بصحته وبطلانه، فأراد بعض ورثته أن يبيعه، فمنعه حنفي، وحكم بموجب الوقف المذكور؛ لم يختص ذلك الحكم به في صحته. فلو أراد وارث آخر أن يبيع حصته منه؛ لم يصح، وكيف يصح ذلك بعد حكم الحنفي بموجبه؟ فلو بادر شافعي وحكم
стр. 669
عند إرادة أحد الورثة بيع حصته بموجب الوقف المذكور، وهو البطلان عنده؛ لم يكن لحاكم حنفي بعد ذلك الحكم بمنع بيع الووارث الآخر حصته مع حكم الشافعي ببطلان الوقف المذكور، هذا بعيد، والله أعلم.
الفرق الثالث: إن الحكم بالصحة يقتضي استيفاء الشروط، والحكم بالموجب لا يقتضي استيفاء الشروط، وإنما مقتضاه صدور ذلك الحكم على المصدر؛ لموجب ما صدر عنه.
قلت: وفيه نظر أيضاً؛ فقد قمت عن شيخنا المذكور أنه استنبط من مسألة اقتناع القاضي من القسمة، فيما إذا لم تقم بينة بأنه ملك طالبها؛ أن الحكم لا يقع بصحة ولا موجب إلا بعد استيفاء الشروط، وهذا الفرق هو الذي يعمل به الناس الآن، وفيه ما قدمته. ثم إن في تعبير الشيخ عن هذا الفرق نظر، وكان ينبغي: التعبير بالحكم بالصحة متوقف على ثبوت أن المتعاطي لذلك التصرف استوفى الشروط فيه. فإذا رفع إلى القاضي بيع لا يحكم بصحته من حيث شروط البيع، من كون المبيع ظاهراً، منتفعاً به، مقدوراً على تسليمه، مملوكاً للعاقد أو لمن له العقد، معلوماً، بخلاف الحكم بالموجب؛ فلا يتوقف على ثبوت استيفاء الشروط. وليت شعري كيف يكون حكم القاضي ينوب جميع الآثار ثابتاً، فيما إذا لم يثبت أن العاقد استوفى الشروط؟ ! هذا مما لا يعقل، والله أعلم.
الفرق الرابع: إنه إذا كان العقد الصادر صحيحاً باتفاق (١)، ووقع الخلاف في موجبه، فالحكم بالصحة لا يمنع الحكم بموجبه عند غير الحاكم بالصحة. ولو حكم فيه بالموجب؛ امتنع العمل بموجبه عند غير الحاكم بالموجب.
قلت: ولا بأس بهذا الفرق، لكن إطلاقه في الموجب أنه يمتنع العمل
стр. 670
بموجبه عن غير الحاكم بالموجب؛ لابد من تقييده بأن يكون قد جاء وقت الحكم بموجبه، فمتى لم يجيء وقته؛ فلغيره عند مجيء وقته الحكم بموجبه عنده، إن لم يكن موجبه عند الحاكم الأول، والله أعلم.
الفرق الخامس: إن كل دعوى كان المطلوب فيها إلزام المدعى عليه بما أقر به، أو قامت به البينة؛ كان الحكم حينئذ بالإلزام، وهو الموجب، ولا يكون الحكم بالصحة، ولكن يتضمن الحكم بالموجب الحكم بالصحة، ومن ذلك له وجهان: صحة، وإبطال، لا يدخل فيه الحكم بالصحة؛ إنما يدخل فيه الحكم بالموجب.
قلت: لم يظهر لي هذا الفرق؛ فإن مقتضاه أنه إذا ادعى على إنسان بمائة درهم مثلاً، واعترف بذلك بمجلس الحكم، أو قامت عليه بينة بالاعتراف؛ لم يسغ للقاضي (١) الحكم بالصحة بالاعتراف المذكور، وإنما يسوغ له الحكم بالموجب، ولا يظهر له معنى؛ فليتأمل، وقد رجح الشيخ ما ذكرته أولاً من أن الحكم بالموجب يتضمن الحكم بالصحة.
الفرق السادس: إن تنفيذ الحكم المختلف فيه يكون بالصحة عند الموافق، وكذا عند المخالف الذي يجيز التنفيذ في المختلف فيه؛ فيكون الأمر فيه كما تقدم في الحكم بالصحة، فقول القاضي: حكمت بصحة حكم فلان؛ كقوله: حكمت بموجب حكم فلان، إذا أريد هذا المعنى، وهو الإلزام بحكم الحاكم، وإن أريد الإلزام بذلك الشيء المحكوم به؛ فيجوز ذلك من الموافق، ولا يجوز من المخالف؛ لأنه ابتداء حكم بذلك الشيء من غير تعرض للحكم الأول، وذلك لا يجوز عند المخالف.
قلت: لم يتحرر من هذا الكلام فرق بين الحكم بالصحة والحكم بالموجب؛ لأنه ذكر: إن أريد الإلزام بحكم المخالف في موضع الخلاف؛ استوى الحكم بالصحة والحكم بالموجب في الجواز، وإن أريد الإلزام
стр. 671
بذلك الشيء من غير توسط حكم المخالف؛ امتنع ذلك بالصحة بالموجب، فإن المخالف لا يراه، وليس هذا تنفيذ، بل ابتداء حكم بما لا يراه الحاكم به.
وذكر شيخنا الإمام البلقيني أنه يستوي الحكم بالصحة والحكم بالموجب في مسائل، منها:
حكم الحنفي بصحة النكاح بلا ولي، أو بموجبه؛ فليس للشافعي نقضه.
ومنها: حكمه بشفعة الحوار؛ لا ينقضه الشافعي، سواء حكم بصحة ذلك أو بموجبه.
ومنها: حكم الشافعي في إجارة الشيء من دار، أو عبد، أو نحوهما، ليس للحنفي إبطاله، سواء حكم فيه بالصحة أو بالموجب.
وذكر شيخنا المذكور افتراقهما في مسائل: يكون في بعضها الحكم بالصحة أقوى، وفي بعضها الحكم بالموجب أقوى.
فالقسم الأول: كما لو حكم الشافعي بموجب الوكالة بغير رضى. الخصم؛ فللحنفي الحكم بإبطالها، لأن موجبها المخاصمة صحت أو فسدت، لأجل الإذن، فلم يتعرض الشافعي للحكم بالصحة، وإنما تعرض للأثر؛ شاع للحنفي الحكم بإبطالها، لأنه يقول للشافعي: جرد حكمك اللازم، لو لم يتعرض لصحة الملزوم ولا عدمه، وأنا أقول بإبطالها؛ فلم يقع الحكم في محل الخلاف، هذا كلام شيخنا، وفيه نظر لما تقدم من أن الحكم بالآثار يتوقف على الحكم بالمؤثر، فلولا صحة الوكالة، لما حكم بترك آثارها، وقد تقدم من كلام الآخر أن بيان الحكم بالموجب يتضمن الحكم بالصحة، فإن قلت: الوكالة يترتب عليها أثرها، وهو صحة التصرف لعموم الإذن ولو كانت فاسدة.
стр. 672
قلت: من جملة موجبها ومقتضاها صحتها عند الشافعي. ولو لم يرض الخصم اللازم؛ فقد تناوله حكمه، ولا نسلم قول الحنفي: إن الشافعي جرد حكمه اللازم، ولم يتعرض لصحة الملزوم ولا بطلانه، بل قد تعرض لها ضمناً، كما اعترف به الشيخ، أو صريحاً، كما أعتقد؛ لأن الصحة من جملة الواجب، فقد دخل بالموجب، لأنه مفرد مضاف؛ فيعم جميع الواجب، ولو كان التوكيل عند الشافعي فاسداً كالوكالة المعلقة؛ لم يسغ له الحكم بموجب الوكالة اعتماداً على صحة التصرف؛ لعموم الإذن، لما ذكرناه من أن جملة الواجب الصحة، والوكالة المذكورة؛ فلم يثبت جميع موجبها، فإذا حكم؛ فليوجه حكمه إلى ما يترتب من الآثار، وهو صحة التصرف، ولا يأتي بصيغة تعم جميع الواجب؛ لفساد ذلك.
القسم الثاني: له أمثلة:
منها: لو حكم الحنفي بصحة التدبير؛ لم يمتنع على الشافعي الحكم بالبيع، لأنه عند الشافعي صحيح، ولكن يباع، فلو حكم بموجب التدبير؛ لم يكن للشافعي الحكم بالبيع، لأن موجب التدبير عنده عدم البيع.
ومنها: لو حكم الشافعي بصحة شراء الدار التي لها جار؛ فإنه يسوغ للحنفي أن يحكم بأخذ الدار بالشفعة، لأن البيع عنده صحيح مسلط لأخذ الجار، كما يقول الشافعي في بيع أحد الشركاء. ولو حكم الشافعي بموجب شراء الدار المذكورة؛ فليس للحنفي أن يحكم بأخذها، لأن موجبه عنده دوامه واستمراره.
ومنها: لو حكم شافعي بصحة إجارة، ثم مات المؤجر؛ كان للحنفي إبطالها بالموت (١). ولو حكم بموجب الإجارة؛ لم يكن للحنفي الحكم بإبطالها بالموت، لأن موجبها الدوام والاستمرار للورثة.
стр. 673
قلت: هذه الصورة الثالثة ممنوعة، والفرق بينها وبين الصورتين قبلها؛ أنه وقع الحكم فيها بالموجب بعد دخول وقته فيقدم، لأنه لما حكم فيها بموجب التدبير؛ فقد منعه من البيع الذي يسوغه الشافعي، ولما حكم بموجب شراء الدار التي لها جار؛ فقد منع الجار من الأخذ بالشفعة؛ فامتنع ذلك عليه، كما لو وجد الحكم إلى ذلك صريحاً، فإنه ينفذ ويعمل به، ولا فرق بين الحكم بالشيء بخصوصه، وبين الحكم بصيغة تمامه؛ فشمله.
وأما الصورة الثالثة: لما حكم الشافعي فيها بموجب الإجارة قبل موت المؤجر؛ لم يكن توجه حكمه إلى عدم الانفساخ؛ لأنه لم يجيء وقته، ولم يوجد سببه. ولو وجد الحكم إليه، فقال: حكمت بعدم انفساخ الإجارة، إذا مات المؤجر؛ لم يكن ذلك حكما، وكيف يحكم على ما لم يقع، ولا يدري هل يقع، أم لا؟
فتسمية هذا حكما، إما جهلا، وإما تجوزا، كما قدمناه في حكم المالكي والحنفي بموجب تعليق الطلاق في امرأة معينة على التزويج بها قبل التزويج بها؛ فإنه لا يدخل في موجبه وقوع الطلاق بعد التزويج، فإن التزوج إلى الآن لم يقع، وقد يوجد؛ فلا يمكن الحكم على معدوم، ولم يدخل في الوجود، فهذه الصورة وتلك من واد واحد، فإذا ظهر ما ذكرناه من الفرق؛ عرفت المسائل واتضحت، ولم يشكل منها شيء.
وذكر شيخنا أن ضابط ذلك أن المتنازع فيه، إن كان صحة ذلك الشيء، وكان لوازمه لا تترتب إلا بعد صحته؛ كان الحكم بالصحة رافعاً للخلاف، واستويا حينئذ، وإن كان المتنازع فيه الآثار واللوازم؛ كان الحكم بالصحة غير رافع للخلاف.
وكان الحكم بالموجب رافعاً، ويوجب الموجب حينئّذ، إن ترتب مع
стр. 674
فساده؛ قوى الحكم بالصحة على الحكم بالموجب.
قلت: قوله: فيما إذا كان النزاع في الآثار واللوازم أن الحكم بالموجب رافع للخلاف.
محله أن يكون ذلك بعد دخول وقته ووجود سببه، وتمكنه من الحكم بذلك الشيء بعينه، فأدرجناه في الحكم بموجبه الذي هو من صيغ العموم، لأنه من جملة أفراده، وقد جاء وقته، وقد قدمنا الأمثلة في ذلك بحيث اتضح الحال فيه، وقد عرفت الكلام معه فيما ذكر أن الحكم فيه بالصحة أقوى من الموجب؛ لترتب آثاره عليه مع فساده كالوكالة؛ فأغنى ذلك عن إعادته.
وقد ظهر بذلك أن حكم الحنفي بموجب التدبير؛ يمنع الشافعي من الحكم بجواز بيعه، وحكم الشافعي بموجب الدار التي لها جار؛ يمنع الحنفي من تجويز الأخذ بالشفعة، وحكم الشافعي بموجب الإجارة؛ لا يمنع الحنفي من الحكم بعد موت المؤجر بانفساخها، وحكم الحنفي والمالكي بموجب تعليق طلاق امرأة على التزوج بها؛ لا يمنع الشافعي من الحكم بدوام العصمة واستمرارها بعد وقوع التزويج بها.
والفرق بين المسائل ما قدمناه من أن الحكم في الصورتين الأوليين على الشيء بعد وقوعه، ولهذا صح توجيه الحكم إليه بعينه.
وفي الصورتين الأخيرتين الحكم على الشيء قبل وجوده، ولهذا لم يصح توجيه الحكم فيها إلى ذلك الشيء بعينه كما قدمناه.
ولنذكر مثالاً آخر فيه الوقف، وهو فيما إذا أوقف إنسان، وجعل لنفسه التغيير فيه، والزيادة فيه، والنقص منه، وحكم حنفي بموجبه، ثم وقع منه التغيير، هل للشافعي المبادرة بعد التغيير إلى الحكم بإبطاله؟
يحتمل أن تكون كالمسألتين الأوليين؛ فيمتنع على الشافعي الحكم فيه بالبطلان، لأن حكم الحنفي بموجبه يتضمن الإذن للواقف في التغيير،
стр. 675
فقد فعل ما هو مأذون له فيه من حاكم شرعي، فليس لحاكم آخر منعه، ولا الحكم بإبطاله لو وقع.
ويحتمل أن يكون كالمسألتين الأخيرتين؛ لأن التغيير إلى الآن لم يقع، ولا يلزم من إذن الحنفي له بالتغيير وقوعه؛ فقد يغير وقد لا يغير، فلا يدخل ذلك بعد الحكم بالموجب؛ فإن الحنفي لو وجه حكمه الآن إليه بعينه، وقال: حكمت بموجب التغيير أو صحته؛ لم يصح، لأنه حكم على الشيء قبل وقوعه، وقد تحرر الفرق بين الحكم بالصحة والحكم بالموجب؛ أن الحكم بالصحة متوجه إلى نفس العقد صريحاً وإلى آثاره تضمناً، وإن الحكم بالموجب متوجه إلى آثاره صريحاً، وإلى نفس العقد تضمناً؛ فليس أحدهما أقوى من الآخر إلا على مالا بحثه من توجه الحكم بالموجب إلى صحة العقد وجميع آثاره صريحاً. فإن الصحة من موجبه؛ فيكون الحكم بالموجب حينئذ أقوى مطلقاً، لسعته وتناوله الصحة وآثارها، والله أعلم بالصواب، انتهى كلام الشيخ ولي الدين العراقي.
وكن عالماً أن القضاء فضيلة ... وأجر عظيم للمحق المؤيد
لأمر بمعروف وكشف ظلامه ... وإصلاح ذات البين مع زجر معتد
إذا بذل الجهد المحق وإن يصب ... يفز بأجرين والمخطي له واحد قد
ولابد من قاض لفصل خصومة ... مع الخطر البادي العظيم المشدد
ومع ذلك فالحكم فرض كفاية ... وعين إذا (ما) لم يجد غير مفرد
وفي كل إقليم على ذي إمامة ... إقامة قاض خير أهل التقلد
حوى لأصول الفقه ثم فروعه ... فمن نحوه فهماً أن الأكثر أشهد
له أنه أهل الفتاوى والقضا ... ومن نحوه في موضع فيه قلد
وقد يكتفي في وقتنا - ذا ضرورة- ... ببعض الذي قالوا لفقد المعدد
стр. 676
قويّ بلطف ليِّن غير عاجز ... عليهم يفوض بالتأني مرقد
طابق المحيا لا عبوس منفر ... ولكن مهيب لا يماذح بالرَّدي
فلا ييأس الضعفا من الحق عنده ... ولا يطمع العادي إليه فيعتدي
عفيف صدوق اللفظ والوعد ناقد ... لطبع بعيد الغوص في كل مشهد
أخو فطنة لا ينفق الزور عنده ... يشاور ذي الألباب عند التعقد
ولما يخف في الله لومة لائم ... يساوي اولي قرباه بالمتعبد
صحيح بصير بالأمور مجرب ... فليس بمخدوع يغرر بالرَّدي
ومن كتاب "الدرر الملتقطة" للإمام العارف عبد العزيز الديريني: المذاهب الأربعة على الحق، وكل مجتهد مصيب، ومن قلد إماماً منهم؛ فله تقليد الآخر، لاسيما عند الضرورة، وهذا هو الصحيح، ومن العلماء من منع ذلك، انتهى.
فائدة: قال الشريف السمهودي في فتاويه: لا يجوز تقليد أحد غير الأئمة الأربعة؛ لأن مذاهبهم انتشرت حتى ظهر تقييد مطلقها، وتخصيص عامها، بخلاف غيرهم، انتهى.
فائدة: سئل الإمام العلامة، عبد العزيز بن محمد الزمزمي، عن تقليد من لا نعرفه ولا نعرف اسمه من العلماء، هل هو صحيح، أم لا؟ فأجاب بما نصه: تقليد من لا نعرف من العلماء غير صحيح، أخذاً من قول جدي أحمد شهاب الدين بن حجر: يجوز العمل، بخلاف المذاهب الأربعة مما عملت نسبته لمن يجوز تقليده، وجميع شروطه عند المفهوم منه أن العلم بالمقلد شرط في صحة التقليد؛ إذا العلم بالنسبة يتوقف على معرفة المنسوب إليه ليعلم أنه ممن يجوز تقليده، أم لا؟ وقال أيضاً: حاصل المعتمد أنه يجوز تقليد كل من الأئمة الأربعة، وكذا من عداهم ممن حفظ مذهبه في تلك المسألة ودون حتى عرفت شروطه وسائر معتبراته،
стр. 677
فالإجماع الذي نقله غير واحد على منع تقليد الصحابة، يحمل على ما فقد فيه شرط من ذلك، ويشترط لصحة التقليد أيضاً أن لا يكون مما لا ينقض فيه قضاء القاضي، هذا بالنسبة لعمل نفسه، لا للإفتاء والقضاء؛ فيمتنع إجماعاً كما يعلم مما يأتي، لأنه محض تشبه وتغرير، ومن ثم قال السبكي: إذا قصد لمصلحة دينية؛ جاز مع تنبيه للمستفتي قائل ذلك، وعلى ما اختل فيه شرط مما ذكر يحمل قول السبكي: ما خالف النص؛ كمخالف الإجماع، ويشترط أيضاً اعتقاد أرجحية مقلده، أو مساواته لغيره. انتهى.
الحمد لله الذي جعل هذه الأمة خير أمة أخرجت للناس، ووضع عنا الآصار والأغلال، وطهرنا من رجس المخالفة والأدناس، وجعل العلماء المجتهدين بين الأنام أعلاماً، مهد بهم قواعد الشرع، وأوضح بآرائهم معضلات الأحكام إكراماً؛ لينال الفلاح من اتبع واحداً منهم إلى يوم الواقعة؛ إذ اتفاقهم حجة قاطعة، واختلافهم رحمة واسعة، تضيء القلوب بنور أفكارهم، وتسعد النفوس باتباع آثارهم؛ فله الشكر على فضله المزيد، وله الحمد على نعمه التي لا تحصى، وأعلاها كلمة التوحيد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، تفرد بالكمال، وتوحد بالإيجاد والإكمال، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله ذخيرتنا إذا انقطعت الأوصال، وتواصلت العلائق وعرضت الأعمال، ولم يبق إلا المجازات والاقتصاص والمن بفضل الملك المتعال، والصلاة والسلام على هذا النبي الكريم الرؤوف الرحيم القائل: "بعثت بالحنيفية السمحة السهلة".
وقال أيضاً: الدين يسر، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه، وعلى إله الكرام وصحبه المرتقين أشرف مقام إلى قيام الأنام.
وبعد: فيقول العبد الواثق بكرم ربه، الوافي أبو الإخلاص، حسن
стр. 678
الشرنبلاني الحنفي، قد ورد سؤال في رجل حنفي المذهب، يسيل منه دم أو نحوه، أراد تقليد الإمام مالك في عدم نقض الوضوء بذلك الخارج، وتقليده أيضاً في عدم النقض بالمس (١) الذي لا لذة معه، كما قال الإمام أبو حنيفة مطلقاً، فهل يجوز له التقليد؟ وما الحكم في ذلك؟ ابسطوا لنا الجواب، ولكم الثواب من الكريم الوهاب.
فأجبت: يجوز التقليد من غير تقييد بالعذر مجانباً للتلفيق، مصاحباً للتوفيق بالتحقيق، وسأذكر عن أئمتنا جواز ذلك بجملة من الفروع، كقول أهل الأصول، إن شاء الله تعالى، وجمعته بهذه الأوراق امتثالاً لأمر النبي ﷺ حيث أمر بجمع العلم والتقييد، وسميته "العقد الفريد لبيان الراجح من الخلاف في جواز التقليد"، راجياً من الله القبول؛ فهو خير مسئول وأكرم مأمول.
فقلت: نعم يصح تقليد الإمام مالك: في عدم نقض الوضوء بما يسيل، من دم، وقيح، سواءً كان من المخرج أو غيره، وسواء كان التقليد لمعذور أو سالم من العذر، وسواء كان التقليد بعد الإتيان بما يخالفه من مذهب أبي حنيفة، أو قبل العمل به.
ولكن على المقلد الإتيان بما هو مسنون أو مستحب عند الإمام أبي حنيفة، وهو شرط عند الإمام مالك، كأن يتوضأ ناوياً، مرتباً، موالياً غسله، مدلكاً جسده، فإن قلت: كيف هذا مع قول العلامة كمال الدين ابن الهمام في "تحريره"?
مسألة: لا يرجع فيما قلد فيه، أي عمل به اتفاقا. انتهى.
قلت: لا يمنع ذلك ما قلته من صحة التقليد، لحمل المنع على خصوص العين لا خصوص الجنس، وهذه المسألة ذكرها الآمدي، وابن الحاجب أبو عمر عثمان في الأصول، وتبعه في جميع ذلك غيره، ونصه
стр. 679
كما في "شرح أصول بن الحاجب": العامي هو غير المجتهد، إذا عمل بقول المجتهد في حكم مسألة؛ فليس له الرجوع إلى غيره اتفاقاً، لأنه التزم ذلك القول بالعمل به. وأما قبل العمل؛ فله الرجوع إلى غيره اتفاقاً، لأنه التزم ذلك القول بالعمل به. وأما قبل العمل؛ فله الرجوع إلى غيره من المجتهدين. انتهى. ونظر فيه بما في كلام غير ابن الحاجب، والآمدي وموافقيهما بما يشعر بإثبات الخلاف بعد العمل؛ فله التقليد بعد العمل بقول من قلده، كما في "حاشية العلامة ابن أبي شريف" وغيرها، وسنذكر عن أمير حاج "شارح التحرير"، وتبعه في "شرحه" السيد بادشاه ما نصه:
قال الزركشي: ليس كما قالا، يعني الآمدي وابن الحاجب، ففي كلام غيرهما ما يقتضي جريان الخلاف بعد العمل أيضا. انتهى.
أي قلنا: إتباع القائل بجواز التقليد بعد العمل بقول غير من قلده وعمل به، وأيضاً القائل بالمنع ليس كلامه على إطلاقه؛ لأن القول بالمنع من صحة التقليد بعد العمل محمول على ما إذا بقي من آثار الفعل السابق أثر يؤدي إلى تلفيق العمل بشيء مركب من مذهبين، لقول العلامة المحقق ابن حجر في "شرح المنهاج": يتعين حمله، أي حمل ما قاله ابن الحاجب، والآمدي، على ما إذا بقي من آثار العمل الأول ما يلزم عليه مع الثاني ترك حقيقة لا يقول بها كل من الإمامين، كتقليد الإمام الشافعي في مسح بعض الرأس، والإمام مالك في طهارة الكلب في صلاة واحدة، كما لو أفتى ببينونة زوجته في نحو تعليق، فنكح أختها، ثم أفتى بأنه لا بينونة، فأراد أن يرجع للأولى ويعرض عن الثانية من غير إباتنها، وكان أخذ بشفعة الجوار تقليداً للإمام أبي حنيفة، ثم استحقت عليه فأراد تقليد الإمام الشافعي في تركها؛ فيمتنع، لأن كلاً من الإمامين
стр. 680
لا يقول به حينئذ، فاعلم ذلك فانه مهم، ولا تغتر بظاهر ما مر. انتهى. يعني كلام ابن الحاجب، وموافقته. انتهى.
وقد تبع ذلك العلامة ابن القاسم في "حاشيته" لكنها انتقد التصوير، فقال: قوله: كأن أفتي الخ.
في "شرح الرملي": كأن أفتي شخص ببينونة زوجته بطلاقها مكرها، ثم نكح بعد انقضاء عدتها أختها، مقلداً أبا حنيفة بطلاق المكره، ثم أفتاه شافعي بعدم الحنث؛ فيمتنع عليه أن يطأ الأولى مقلداً للشافعي، وأن يطأ الثانية مقلداً لأبي حنيفة، لأن كلاً من الإمامين لا يقول به حينئذ، كما أوضح ذلك الرملي في "فتاويه" رداً على من زعم خلافه مغتراً بما مر. انتهى. يعني كلام ابن الحاجب ومرافقيه. انتهى.
قوله: ثم أفتى الخ. في هذا المثال نظر سيظهر.
قوله: ثم استحقت عليه.
أي كان باع ما أخذ بشفعة الجوار ثم استحقت.
قوله: لأن كلاً من الإمامين الخ.
فيه نظر في الأولى؛ إذ قضيته قول الثاني: أن الزوجة الأولى باقية في عصمته، وإن الثانية لم تدخل في عصمته، فالرجوع للأولى والإعراض عن الثانية بغير إبانة موافق لقوله؛ فليتأمل. انتهى عبارة العلامة ابن قاسم في "حاشيته".
وكذلك نبه على كلام ابن الحاجب وموافقيه العلامة ختام المحققين، شمس الدين محمد الرملي في "شرحه"، كما قال العلامة ابن حجر، ولا ينافي ذلك، أي جواز التقليد بعد العمل قول ابن الحاجب، كالآمدي: من عمل في مسألة بقول إمام، لا يجوز له العمل فيها بقول غيره اتفاقا، لتعين حمله على ما إذا بقي من آثار العمل الأول ما يلزم عليه مع الثاني تركب حقيقة لا يقول بها كل من الإمامين، كتقليد الشافعي في مسح
стр. 681
بعض الرأس، والإمام مالك في طهارة الكلب، في صلاة واحدة.
وقد ذكر السبكي في "فتاويه" نحو ذلك مع زيادة إيضاح، وتبعه جمع عليه، حيث قالوا: إنما يمتنع تقليد الغير في تلك الحادثة بعينها، الا مثالها، خلافا للشارح المحلي. انتهى.
وسنذكر عن ابن الهمام ما يفيد هذا. انتهى.
قال الرملي: كما لو أفتي شخص في إبانة زوجته في نحو تعليق، فنكح أختها، ثم أفتي بعدم البينونة، ثم أراد رجوعه للأولى وإعراضه عن الثانية من غير إباتتها، فهو ممتنع، لأن كلاً من الإمامين لا يقول به حينئذ، كما أوضح ذلك الوالد رحمه الله تعالى في "فتاويه" راداً على من زعم خلافه مغتراً بما مر. انتهى
يعني ما مر من كلام ابن الحاجب بعينه.
وسأذكر إن شاء الله تعالى عن "شرح التحرير" كالتلميذ ابن الهمام ما يوافق قول العلامة ابن حجر، والمحقق الرملي، وإنما قدمت كلامهما؛ لما فيه من زيادة الإيضاح والبيان، المراد بالمنع في خصوص العين، أو بقاء أثر من الفعل السابق، مؤد إلى ما لا يقول به كل من الإمامين، وهو المعبر عنه بالتلفيق، ولما فيه من رد ما يتوهم من ظاهر عبارة ابن الحاجب، ومن رد ما صرح به في "جمع الجوامع" للشيخ خالد الأزهري، مستنداً لذلك الإيهام حيث قال: وإذا عمل العامي بقول في حادثة؛ فليس له الرجوع عنه إلى فتوى غيره في مثل تلك الواقعة إجماعاً، كما نقله ابن الحاجب وغيره. انتهى عبارة الشيخ خالد، وأنت ترى ليس في كلام متن "جمع الجوامع"، ولا كلام ابن الحاجب التصريح بالمنع عن مثل ما قلد فيه، بل احتمال له، ولنا أن نمنع ذلك الاحتمال، ونقول: ليس في كلام ابن الحاجب و "جمع الجوامع" إلا المنع عن الرجوع عن غير ما قلد فيه وعمل به ولأن عبارة ابن الحاجب: التقليد هو العمل
стр. 682
بقول الغير من غير حجة، ثم قال: ولا يرجع عنه بعد تقليده اتفاقاً، وفي حكم آخر: المختار جوازه لنا، للقطع بوقوعه، ولم ينكر. انتهى لأن قوله: وفي حكم آخر، يراد به حادثة أخرى أعم من أن تماثل ما فعله أو تخالفه، وان أريد به ما يخالفه فقط. فلنا المنع، وكذا الكلام على عبارة "جمع الجوامع"، وسنذكر ما يحقق هذا إن شاء الله تعالى؛ فهذا قد علمت به جواز التقليد بعد العمل في جنس ما عمل به بخلافه، ثم رأيت موافقة هذا في مؤلف للسيد الشريف علي السمهودي سماه "العقد الفريد في أحكام التقليد": المختار أن كل مسألة اتصل عمله بها فلا مانع من إتباع غير مذهبه الأول، وبه يعلم ما في إطلاق حكاية الاتفاق على المنع، ولعل المراد: اتفاق الأصوليين.
ثم إن كان المراد منع الرجوع حيث عمل في واقعة عين تلك الواقعة المقتضية لما يحدث بعدها من جنسها؛ فهو ظاهر، كحنفي سلم شفعة بالجوار عملا بعقيدته، ثم عن له تقليد الشافعي حين ينزع العقار ممن سلم له، فليس له ذلك، كما أنه لا يخاطب بعد تقليده للشافعي بإعادة ما مضى من عباداته التي يقول الشافعي ببطلانها؛ لمضيها على الصحة في اعتقاده فيما مضى، فلو اشترى هذا الحنفي بعد ذلك عقاراً من آخر، وقلد الشافعي في عدم القول بشفعة الجوار؛ فلا يمنعه ما سبق منه أن يقلده في ذلك، فله أن يمتنع من تسليم العقار الثاني، فان قال الآمدي، وابن الحاجب، ومن تبعهما بالمنع في مثل هذا، وعمموا في جميع صور ما وقع العمل به أولا، فهو مسلم، ودعوى الاتفاق عليه ممنوع.
ففي الخادمي: إن الإمام الطرطوسي حكي أنه أقيمت صلاة الجمعة، وهم القاضي أبو الطيب الطبري بالتكبير، فإذا طائر يزرق عليه، فقال: أنا حنبلي، ودخل في الصلاة وانتهى. ومعلوم أن من كان شافعياً يتجنب
стр. 683
الصلاة بزرق طائر، فلم يمنعه عمله السابق بمذهبه في ذلك من تقليد المخالف عند الحاجة إليه.
وفي الخادمي أيضاً: إن القاضي أبا عاصم العامري الحنفي كان يفتي على باب مسجد القفال والمؤذن يؤذن المغرب، فنزل ودخل المسجد، فلما رأى المؤذن القفال أمر المؤذن أن يثني الإقامة، وقدم القاضي، فتقدم وجهر بالبسملة مع القراءة، وأتى بشعار الشافعية في صلاته. انتهى. ومعلوم أن القاضي أبا عاصم، إنما يصلي قبل بشعار مذهبه، فلم يمنعه سبق عمله بمذهبه في ذلك أيضاً، ثم قال السيد السمهودي: ثم رأيت في "فتاوى التقي السبكي": أنه سئل عن ذلك في ضمن مسائل ... إلى أن قال السبكي: ودعوى الاتفاق فيها نظر، وفي كلام غيرهما ما يشعر بالخلاف بعد العمل أيضاً، وكيف يمتنع إذا اعتقد صحته؟ ! ولكن وجه ما قالا إنه بالتزامه مذهب إمام مكلف به، ما لم يظهر له غيره، والعامي لا يظهر له الغير، بخلاف المجتهد، حيث ينتقل من إمارة إلى إمارة، هذا وجه ما قاله الآمدي، وابن الحاجب، ولا بأس به. لكنني أري تنزيله على خصوص العين؛ فلا يبطل ما فعله، ولا فعل جنسه خلافه. انتهى عبارة السيد ملخصاً.
واعلم أنه يجوز العمل بجملة مسائل، كل منها على مذهب إمام مستقل لما علمته، ولقول العلامة بن الهمام: وهل يقلد غيره، أي غير من قلده أولاً في شيء غيره، أي غير ذلك الشيء، كان يعمل أولاً بمسألة في مذهب أبي حنيفة، وثانياً في أخرى بقول مجتهد آخر؛ المختار كما ذكره الآمدي، وابن الحاجب: نعم للقطع بالاستقراء التام، بأنهم، أي المستفتين في كل عصر من زمن الصحابة وهلم جرا كانوا يستفتون مرة واحداً، ومرة غيره، غير ملتزمين مفتياً واحداً، وشاع وتكرر ولم ينكره انتهى، كذا في "شرح ابن أمير حاج".
стр. 684
قلت: في هذا بيان أن المراد بالمنع منع التقليد في جنس ما عمل به؛ فيتناقض ما مضى، إلا أن يحمل ما في هذا على غير المختار، ولا يمنع منه دعوى الإجماع لما تقدم من عدم تسليمه، وحمل المنع على بقاء أثر يؤدي إلى الجمع بين ما لا يقول به كل من الأمامين المقلدين؛ فلينتبه له، إذ السؤال وعدم التزام مذهب شامل؛ للعمل ثانياً، بخلاف ما عمل أولاً، وقد أفاد العلامة ابن الهمام جواز تتبع رخص المذهب كما سنذكره، وهذا كما قاله العلامة المحقق، شمس الدين الرملي، نقل القرافي الإجماع على تغيير المقلد بين قولي إمامه على جهة البدل لا الجمع، إذا لم يظهر له ترجيح أحدهما، ولعله أراد إجماع أئمة مذهبه، وإلا فمقتضي مذهبنا معاشر الشافعية -كما قاله السبكي -منع ذلك في القضاء والإفتاء، دون العمل لنفسه. انتهى.
قلت: ومذهب الحنفية المنع عن المرجوح حتى لنفسه؛ لكون المرجوح كان منسوخاً، ثم قال: وبه يجمع بين قول الماوردي: يجوز عندنا? وانتصر له الغزالي -كما يجوز لمن أداه اجتهاده إلى جهتين أن يصلي إلى أيهما شاء إجماعا، وقول الإمام أبي محمد إمام الحرمين: يمتنع إن كانا في حكمين متضادين، كإيجاب وتحريم، بخلاف نحو خصال الكفارة، وأجرى السبكي ذلك، وتبعوه في العمل، بخلاف المذاهب الأربعة، أي مما علمت نسبته لمن يجوز، وجميع شروطه عنده، وحمل على ذلك قول ابن الصلاح: لا يجوز تقليد غير الأئمة، أي في قضاء أو إفتاء، ومحل ذلك وغيره من سائر صور التقليد، ما لم يتتبع الرخص، بحيث تنحل ربقة التكليف من عنقه، وإلا أثم به، بل قيل: يفسق، وهو وجيه، قيل: ومحل ضعفه أن يتتبعها من المذاهب المدونة، وإلا فسق قطعاً.
стр. 685
وقال العلامة ابن قاسم في "حاشيته": دون العمل لنفسه، أي مما يحفظ قوله مما علمته الخ.
قد يشكل مع فرض علم النسبة وجميع الشروط الفرق بين المذاهب الأربعة وغيرها في تقييد غيرها بغير القضاء والفتيا، كما هو قضية هذا الكلام.
قوله: بل قيل يفسق الخ.
الأوجه خلافه. انتهى. عبارة ابن قاسم، وسنذكر إن شاء الله وجه ذلك وتقييده -برخص تخالف الكتاب أو السنة المشهورة عن القرافي، ثم عدنا إلى ما وعدنا به أولاً من كلام العلامة ابن أمير حاج، شارح تحرير أستاذه المحقق كمال الدين ابن الهمام، وقد اختصره الشارح الثاني، وهو السيد بادشاه، فقال:
مسألة: لا يرجع المقلد فيما قلد فيه من الأحكام أحداً من المجتهدين أي عمل -تفسير لقلد -والضمير المجرور راجع الى الموصول اتفاقاً، نقل الآمدي، وابن الحاجب الإجماع على عدم رجوع المقلد فيما قلد فيه، وقال الزركشي: ليس كما قالا: ففي كلام غيرهما ما يقتضي جريان الخلاف بعد العمل أيضاً، وهل يقلد غيره، أي غير من قلده أولاً في حكم غيره، أي غير الحكم الذي عمل به أو لا؟
المختار في الجواب: نعم، يقلد غيره، وفي غير تقدير الكلام: المختار جواز التقليد في كل عصر من الصحابة الى الآن، كانوا يقلدون لغيره في غيره للقطع بالاستقراء، بأنهم، أي المستفتين مرة واحداً من المجتهدين، ومرة غيره، أي غير المجتهد الأول، حال كونهم غير ملتزمين مفتياً واحداً، وشاع ذلك من غير نكير، وهذا إذا لم يلتزم مذهبة معينة، كأبي حنيفة، والشافعي، فهل يلزم الاستمرار عليه فلا يقلد غيره في مسألة من المسائل، أم لا؟
стр. 686
فقيل: يلزم كما يلزم الاستمرار في حكم حادثة معينة قلد فيه، ولأنه اعتقد أن مذهبه حق؛ فيجب عليه العمل بموجب اعتقاده. وقيل: لا يلزم، وهو الأصح؛ لأن التزامه غير ملزم، إذ لا واجب إلا ما أوجب الله ورسوله، ولم يوجب على أحد أن يتمذهب بمذهب أي رجل من الأئمة فيقلده في كل ما يأتي ويذر دون غيره والتزامه ليس بنذر حتى يجب الوفاء به. قلت: ولو نذره لا يلزمه، كما لا يلزمه البحث عن الأعلم، وأسد المذاهب على المعتمد، قاله السيد السمهودي.
وقال ابن حزم: إنه لا يحل لحاكم، ولا لمفت تقليد رجل فلا يحكم ولا يفتي إلا بقوله، وقول ابن حزم: يؤخذ به، وهو كما حكي من دعواه الإجماع على أن متتبع الرخص فاسق، وهو مردود بما أفتى به الشيخ المتفق على علمه وصلاحه، العلامة عز الدين بن عبد السلام في "فتاويه": لا يتعين على العامي إذا قلد إماماً في مسألة أن يقلد غيره (١) في سائر مسائل الخلاف؛ لأن الناس من لدن الصحابة إلى أن ظهرت المذاهب يتساءلون فيما يسنح لهم العلماء المحققين من غير نكير، وسواء اتبع في ذلك الرخص أو العزائم؛ لأن من جعل المصيب واحداً وهو الصحيح؛ لم يعينه، ومن جعل كل مجتهد مصيباً؛ فلا إنكار على من قلد في الصواب، وقال: وأما ما حكاه ابن حزم من حكاية الإجماع على منع تتبع الرخص من المذاهب، فلعله محمول على من تتبعها من غير تقليد لمن قال بها، أو على الرخص المركبة (٢) في الفعل الواحد، كذا في "العقد الفريد" للسيد علي السمهودي الشافعي، بل قيل: لا يصح للعامي مذهب بها لأن المذاهب لا تكون إلا لمن له نوع نظر وبصيرة بالمذاهب، أو لمن قرأ كتابا في فروع مذهب، وعرف فتاوى إمامه، وأقواله، وأما
стр. 687
من لم يتأهل لذلك، بل قال: أنا حنفي، أنا شافعي؛ لم يصر من أهل ذلك المذهب بمجرد هذا؛ كما لو قال: أنا فقيه، أو نحوي؛ لم يصر فقيهاً أو نحوياً. وقال الإمام صلاح الدين العلائي: الذي صرح به الفقهاء في مشهور كتبهم؛ جواز الانتقال في أحاديث المسائل والعمل فيها بخلاف مذهبه، إذا لم يكن على وجه التتبع للرخص. انتهى.
قلت: والمراد بخلاف مذهبه؛ المسائل التي عمل بها، لا التي اعتقدها بدون عمل؛ لقول الكمال: ثم حقيقة الانتقال، أي عن المذاهب؛ إنما يتحقق في حكم مسألة خاصة قلد فيها أو عمل بها، وإلا فقوله: قلدت أبا حنيفة فيما أفتى به من المسائل مثلاً، والتزمت العمل على الإجمال وهو لا يعرف صورها، ليس حقيقة التقليد، بل هذا حقيقة تعليق التقليد، أو وعد به، كأنه التزم أن يعمل بقول أبي حنيفة فيما أفتى به من المسائل التي تتعين في الوقائع، فأرادوا، يعني المشايخ القائلين من الحنفية بأن المنتقل من مذهب إلى مذهب، آثم يستوجب التعزير، إن أرادوا هذا الالتزام؛ فلا دليل على وجوب إتباع المجتهد المعين بإلزام نفسه ذلك قولا أو نية شرعاً.
قلت: وكذلك لا يلزم على الصحة كما تقدم. انتهى، بل الدليل اقتضى العمل بقول المجتهد فيما إذا احتاج إليه لقوله تعالى "فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون" (١) والسؤال إنما يتحقق عند طلب حكم الحادثة المعينة حينئذ وإذا ثبت عنده قول المجتهد؛ وجب عمله به. انتهى. كما نقله السيد السمهودي، ثم قال، أي السيد السمهودي: وإذا أفتاه مفتيان فاختلفا؛ تخير على الأظهر. انتهى. (وقيل: الملتزم؛ كمن لم يلتزم، بمعنى أنه إن عمل بحكم تقليد المجتهد؛ لا يرجع عنه،
стр. 688
أي عن ذلك الحكم، وفي غيره، أي وفي غير ذلك الحكم؛ إن تقليد غيره من المجتهدين، وهذا القول في الحقيقة تفصيل لقوله.
وقيل: لا. قال المصنف، يعني ابن الهمام: وهو يعني هذا القول الغالب على الظن؛ كناية عن كمال قوله: بحيث جعل الظن متعلقاً بنفسه؛ فلا يتعلق بما لا يخالفه، ثم بين وجه علته بقوله: بعدم ما يجيبه، أي لزوم اتباع من التزم تقليده شرعاً، أي إيجاباً شرعياً، إذ لا يجب على المقلد إلا اتباع أهل العلم؛ لقوله: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إن كُنتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ (١). وليس التزامه من الموجبات شرعاً).
ويتخرج أي يستنبط منه أيضاً جواز اتباع غير مقلده الأول، وعدم التضييق عليه؛ جواز اتباع رخص المذاهب، أي أخذه من المذاهب ما هو الأهون عليه فيما يقع من المسائل، ولا يمنع منه مانع شرعي؛ إذ للإنسان أن يسلك المسلك الذي هو أخف عليه، إذا كان له، أي للإنسان إليه، أي إلى ذلك المسلك سبيلاً، ثم بين السبيل بقوله: بأن لم يكن عمل بآخر، أي بقول آخر مخالفاً لذلك الأخف فيه، أي في ذلك المحل المختلف فيه. انتهى عبارة السيد بادشاه، وكان ﷺ يحب ما خفف عليهم؛ إذ لا يناسبه التقييد بعدم العمل بما قلد، لأنه ليس فيه حينئذ تخفيف؛ لأن التخفيف في العمل بما ينافي العمل السابق من جنسه مقلداً لإمام آخر، خصوصاً مع العذر، وليس فيه تعلق بما مضى، كما بيناه. انتهى.
ثم قال الشارح: كان ﷺ يحب ما خفف عليهم؛ ففي "صحيح البخاري"، عن عائشة ﵂، بلفظ "عنهم". وفي رواية بلفظ "ما يخفف عنهم"، أي أمته، وذكروا أحاديث صحيحة دالة على هذا المعنى.
стр. 689
قلت: وذلك كقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ اليُسْرَ ولا يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ﴾ (١).
وروى الشيخان وغيرهما: "إنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين". ولأحمد حديث بسند صحيح: "دينكم أيسره". وروى الشيخ نصر المقدسي في كتاب "الحجة" مرفوعاً: "اختلاف أمتي رحمة"، ونقله ابن الأثير في مقدمة "جامعه" من قول مالك، وفي "المدخل" للبيهقي، عن القاسم (٢) بن محمد أنه قال: "اختلاف أمة محمد رحمة". ويترجح على هذا القول ما قاله بعضهم من "اختلاف أصحابي لكم رحمة"، لأن في "المدخل" للبيهقي، عن عمر بن عبد العزيز قال: ما يسرني أن أصحاب محمد ﷺ لم يختلفوا، لأنهم لو لم يختلفوا؛ لم يكن رخصة، وأخرج البيهقي أيضاً من حديث ابن عباس ﵄: "إن أصحابي بمنزلة النجوم فبما أخذتم اهتديتم، واختلاف أصحابي لكم رحمة". قلت: واختلاف الصحابة هو منشأ اختلاف الأمة.
ولما أراد هارون الرشيد حمل الناس على موطأ مالك، كما حمل الناس عثمان على القرآن، قال له مالك: ليس إلى ذلك سبيل؛ لأن أصحاب رسول الله ﷺ افترقوا بعده في الأمصار، فحدثوا، وعند أهل كل مصر علم، وقد قال ﷺ : "اختلاف أمتي رحمة". وهذا كالصريح في أن المراد الاختلاف في الأحكام.
وقال السيد علي السمهودي، وقال الكمال في "فتح القدير" من باب الاعتكاف: إن الله يحب الأناة والرفق في كل شيء، حتى طلبه في المشي إلى الصلاة وإن كان ذلك يفوت بعضها مع الإمام، وكره الإسراع
стр. 690
وإن كان متحصلاً كلها بالجماعة تحصيلاً لفضيلة الخشوع؛ إذ هو يذهب بالسرعة. انتهى.
قلت: وهو معنى حديث "الجامع الصغير" للسيوطي، عن عمر مرفوعاً: "أفضل أمتي الذين يعملون بالرخص". انتهى. ثم قال السيد بادشاه شارع "التحرير": وما نقل عن ابن عبد البر: من أنه لا يجوز للعامي تتبع الرخص إجماعاً؛ فلا نسلم صحته عنه، ولو سلم؛ فلا نسلم صحة دعوى الإجماع، كيف وفي المتتبع للرخص روايتان عن أحمد؟ وحمل القاضي أبو يعلى الرواية المفسقة على غير متأول ولا مقلد، وقيده -أي جواز تقليد غير مقلده- متأخر، وهو العلامة القرافي: بأن لا يترتب عليه، أي على تقليد الغير ما يمنعه بإيقاع الفعل على وجه يحكم ببطلانه المجتهدان معاً؛ لمخالفته الأول فيما قلد فيه غيره، والثاني في شيء مما يتوقف عليه صحة ذلك العمل عنده؛ فالموصول عبارة عن إيقاع الفعل على الوجه المذكور، والضمير المفعول للموصول، ثم أشار إلى تصوير هذا التلفيق بقوله: فمن قلد الشافعي في عدم فرضية الدلك للأعضاء المغسولة في الوضوء، والغسل، وقلد مالكاً في عدم نقض اللمس بلا شهوة وصلى، إن كان الوضوء بذلك؛ صحت صلاته عند مالك، وإلا، أي وإن لم يكن كذلك؛ بطلت عندهما، أي عند مالك، والشافعي، ولا يخفى أنه كان مقتضى السياق أن يذكر بطلت عندهما، من غير ذكر الشرط والجزاء؛ لأنه قد علم من التقليدين أن المقلد المذكور، ترك الدلك، ولمس بلا شهوة ولم يعد الوضوء، لكنه أراد أن يشير إلى أن مقلد الشافعي في عدم فرضية الدلك، لو وقع منه الدلك، مع عدم اعتقاد فرضيته؛ تصح صلاته عند مالك، فإن قلت: على هذا كان ينبغي أن يذكر شرطاً آخر في تقليد مالك.
قلت: اكتفى بذلك؛ لأنه يعلم بالمقايسة، واعترض عليه بأن بطلان
стр. 691
الصورة المذكورة عندهما غير مسلم؛ فإن مالكاً مثلا لم يقل من قلد الشافعي في عدم الصداق أن نكاحه باطل، ولم يقل الشافعي: إن من قلد مالكاً في عدم الشهود أن نكاحه باطل، ورد عليه أن عدم قولهما بالبطلان؛ في حق من قلد أحدهما، وراعى مذهبه في جميع ما يتوقف عليه صحة العمل، وما نحن فيه: من قلدهما وخالف كلاً منهما في شيء، وعدم البطلان في ذلك؛ لا يستلزم عدم القول به، هذا وقد يجاب عنه: بأن الفارق بينهما ليس إلا أن كل واحد من المجتهدين لا يجد في صورة التلفيق جميع ما يجد شرطاً في صحتها، بل يجد بعضها دون بعض، وهذا الفارق لا يسلم أن يكون موجباً للحكم بالبطلان، وكيف يسلم والمخالفة في بعض الشروط أهون من المخالفة في الجميع؟ ! فيلزم الحكم بالصحة في الأهون بالطريق الأولى، ومن يدعي وجود فارق آخر، أو وجود دليل آخر على بطلان صورة التلفيق على خلاف الصورة الأولى؛ فعليه البرهان، فإنا لا نسلم كون المخالفة في البعض أهون من المخالفة في الكل؛ لأن في المخالفة في الكل تبع مجتهدا واحدا في جميع ما يتوقف عليه صحة العمل، وههنا لم يتبع واحداً.
قلت: هذا إنما يتم لك إذا كان معك دليل، من نص أو إجماع، أو قياس قوي يدل على أن العمل إذا كان له شروط يجب على المقلد أن يتبع مجتهداً واحداً في جميع ما يتوقف عليه ذلك؛ فأت به إن كنت من الصادقين، والله أعلم. انتهى كلام السيد، ﵀.
وأقول: لا يخفى أن السيد رحمه الله تعالى يدعي صحة التقليد، وغيره ينفيه، والنافي لا يحتاج لدليل؛ لأنه يهدم دليل المدعي حتى يقيم البرهان، ولا بد من وجوده؛ فالمطلوب إثبات الجواز للتلفيق، ولم نجده في كلام السيد، ووجدنا في كلام ابن الهمام أنه يتخرج من جواز اتباع المقلد غير من قلده أولاً، ومن عدم التضييق عليه؛ هو أن اتباعه
стр. 692
رخص المذاهب من غير مانع شرعي. انتهى.
فنقول: إن تلك الرخص جهات المسائل، لا أجزاؤها، كالمزارعة، والمساقاة.
قال الإمام الأعظم بعدم جوازها، وقال صاحباه بالجواز، وفرع الإمام الأعظم صورة الصحة بشروطها على قول صاحبيه، وبين الصور التي لا تصح لفقد شرطها، وذلك لعلم احتياج الناس إلى الأخذ بقولهما، فلو جاز التلفيق؛ لشرط لصحته شروطاً، ولما حكم ببطلان الصور التي فقد فيها الشرط، ولذا نص أئمتنا على أن من شرط صحة الاقتداء بالمخالف أن لا تشاهد منه ما يمنع صحة الاقتداء به عندنا كما لو سال منه دم بعد الوضوء، أو كان عليه مني كثير ولم يتوضأ بعد ذلك ولم يغسل المني، فلو جاز التلفيق؛ لما اشترطوا ذلك، فالرخص التي تنبع من المذاهب، كصحة البيع بالتعاطي، والنكاح بلا ولي، والنكاح بشهادة امرأتين، ورجل فاسق، وصحة الصلاة مع من لمس المرأة والذكر، مع وجود ما يتبين عليه ذلك، وكتقليد الشافعي في الكنايات رواجع، وفي صحة التوضئ بما فيه نجس وقد بلغ قلتين ولم يظهر منه أثر، وصحة الصلاة بعد خروج دم وقيء، وفي ثوب فيه كثير مني، وكتقليد الإمام مالك في الماء. وإن قل لا ينجس إلا بالتغير، وفي طهارة الأرواث، والكلاب، وباقي المسائل المجتهد فيها.
فإذا كان نكاح الحنفي صحيحاً على ما يراه الشافعي؛ لا يقول بجواز مراجعته لمن أبانها بكناية لفقد النكاح من أصله على أصله، ولهذا قال: قال أئمة الحنفية: إن هذا الزوج لو طلقها ثلاثا؛ له أن يستحكم الشافعي في إبطاله ذلك النكاح، وإلغاء الطلاق الحاصل فيه، وإنما احتيج إلى الحكم؛ لأن المقلد في شيء لا يملك إبطاله بعينه، لأن إمضاء الاجتهاد لا ينقض باجتهاد آخر، بخلاف حكم الحاكم؛ فإن المقتضي عليه بخلاف
стр. 693
ما كان يراه؛ له الأخذ بالحكم وترك رأيه، كما سنذكره.
فالجزئيات مشروطة بشروطها عند القائل بها، تنتفي بانتفائها، وتوجد بوجودها، فلا نجد حالة التلفيق، وكذا قال العلامة المحقق الشيخ قاسم في ديباجة تصحيح القدوري ما نصه: لا يصح التقليد في شيء مركب باجتهادين مختلفين بالإجماع، كما إذا توضأ ومسح بعض الرأس، ثم صلى بنجاسة الكلب، قال في "توقيف الحكام على غوامض الأحكام": بطلت بالإجماع، وقال فيه أيضاً: والحكم الملفق باطل بإجماع المسلمين، فلو أثبت بخط مالكي، فحكم به الشافعي؛ لم ينفذ، وذكر مثالاً آخر قال: وكثير من جملة القضاة يفعلون الملفق. انتهى ما قاله العلامة قاسم، تلميذ خاتمة المحققين رحمهما الله.
وحيث علمت الإجماع بأنه لا يجوز التلفيق، لا في التقليد في العمل ولا الحكم؛ فلا تلتفت إلى ما فهم صاحب "أنفع الوسائل" الطرطوسي في نسبة التلفيق لحاكم صدر منه صحة وقف مشتمل على حصة صدر من عجوز، فحكم بصحته، وهو قاضي القضاة، حسام الدين الرازي، في سنة إحدى وثمانين وستمائة، ونفذه حنبلي حيث قال الطرطوسي: إن الحكم المذكور في التحقيق حكم مركب من مذهبين، أي مذهب أبي حنيفة، لأنه لا يرى الحجر بالسفه، ومذهب أبي يوسف؛ فإن الوقف صحيح عنده، والحكم بنفاذ تصرف المحجور غير صحيح. وعند أبي حنيفة عكسه. ثم قال:
قلت: هذا مشكل لكني رأيت في مسألة المفتي مثل هذه الواقعة المركبة من مذهبين، وقد نص فيها على الجواز، وصورة ما ذكره، قال: لو قضى القاضي بشهادة الفساق على غائب، أو بشهادة رجل، أو رجل وامرأتين في النكاح على غائب؛ فإنه ينفذ وإن كان ممن يجوز القضاء على الغائب، يقول: ليس للفاسق شهادة، ولا للنساء في باب النكاح
стр. 694
شهادة، هذه عبارة "المنية"؛ فقد جعل الحكم وإن كان مركباً من مذهبين جائزاً، فقد نقول في هذه المسألة؛ لأنه حكم بصحة الوقف وإن كان محجوراً عليه لسفه، ومن قال: إن تصرف المحجور نافذ؛ لا يقول بصحة الوقف، ومن يقول: إن الوقف صحيح، يقول: إن تصرف المحجور عليه بعد الحجر غير نافذ، فصارت هذه المسألة كمسألة "المنية"، فاندفع الإشكال. انتهت عبارة الطرطوسي.
ووجه رد ما فهمه: أن الحاكم ينص على أن لفق حكمه، وليس في "المنية" ذلك، ولم يتمحض التلفيق طريقاً للحكم ليحمل عليه؛ فإن معنى قول "المنية": وإن كان ممن يجوز القضاء على الغائب الحر.
أي من غير خلاف فيه عنده، وعندنا فيه اختلاف، ونقول: يجوز بمعنى يحل؛ فإنه لا يلزم من النفاذ الحل، فإن الحكم على الغائب نافذ عند شمس الأئمة وغيره، كما ذكره العمادي.
وشهادة الفاسق، يصح الحكم وإن لم يحل، والقاضي الرازي لا يقدم حكم الأول، فيه نوع اجتهاد، إذ لا يخلو ذلك العصر عن مثله. انتهى.
(فنقول: إنه عمل بها إما بمذهب الغير إن لم يتبع شمس الأئمة، وهو نافذ من المعتمد، وإن كانت الفتوى الآن على عدمه؛ لحمله الآن على غير الصلاح، ولا يحتاج إلى هذه، فإن الإمام لا ينفي صحة الوقف وجوازه، بل لزومه، إلا بإحدى ثلاث معلومة في محلها، فقد حكم الرازي بمذهبه، فلا تلفيق، بل يجوز نسبة التلفيق للحاكم المذكور؛ لأنه أخرق للإجماع؛ وحاشا أن يأخذ مثل هذا القاضي ذلك ولفقه منه رومة، والله أعلم.
وإن أورد وقف المشاع فيها؛ فقول أبي يوسف قد يكون رواية عن الإمام بجوازه. وإن انتفى كونه رواية عنه، فقد حكم بمذهب أبي يوسف في المشاع، ولم يمنعه الحجر؛ لعدم توفر شروطه المانعة، فلا تلفيق وبالله التوفيق، ولنرجع الكلام مع السيد بادشاه؛ فنقول: إنه مع التلفيق
стр. 695
لا نجد شيئاً حالة التلفيق لنحكم عليه بالصحة أو الفساد. وادعاء أهونية التقليد في البعض من الكل؛ يستلزم وجود موصوف ليقال بوصفه في الأهونية، ولا وجود لشيء حالة التلفيق؛ فانتهى ادعاء الأهونية؛ فلا تحتاج لإقامة دليل من نص، ولا إجماع ولا قياس، فلزم حصول شروط من قلده، كما قال به العلامة القرافي ﵀، والله أعلم. انتهى). ثم قال السيد: ورجح الإمام العلائي القول بانتقال، يعني من غير ما فعله؛ فينقضه في صورتين:
إحداهما: إذا كان مذهب غير إمامه أحوط، كما إذا حلف بالطلاق الثلاث على فعل شيء، ثم فعله ناسياً أو جاهلاً، وكان مذهب إمامه عدم الحنث، فأقام مع زوجته عاملاً به، ثم تحرج منه، يقول: من يرى فيه وقوع الحنث. فإنه يستحب له الأخذ بالأحوط، والتزام الحنث.
والثانية: إذا رأى لقول المخالف لمذهب إمامه دليلاً قوياً راجحاً، إذ المكلف مأمور باتباع نبيه ﷺ ، وهذا موافق لما روي عن الإمام أحمد، والقدوري، وعليه مشى طائفة من العلماء، منهم ابن الصلاح، وابن حمدان، والأوزاعي. انتهت عبارة السيد بادشاه مختصراً وعبارة ابن أمير حاج.
وقال ابن أمير حاج ما نصه: وقال الروياني: يجوز تقليد المذاهب والانتقال إليها بثلاثة شروط: أنه لا يجمع بينهما على صورة تخالف الإجماع، كمن تزوج بغير صداق، ولا ولي، ولا شهود، فإن هذه الصورة لم يقل بها أحد. انتهى.
قلت: وهذا مؤيد بل نصر لما ذكرناه من دفع جواز التلفيق؛ لأن الشيء ينتفي بانتفاء ركنه، أو فقد شرطه. انتهى.
ثم قال الروياني: وأن يعتقد فيمن قلده الفضل بوصول أخباره إليه، ولا يقلد رمياً في عماية، ولا يتتبع رخص المذاهب، وتعقب القرافي هذا:
стр. 696
بأنه أراد بالرخص ما ينقض فيه قضاء القاضي وهو أربعة: ما خالف الإجماع، والقواعد، والنص، والقياس الجلي؛ فهو حسن متعين،
(فإن ما لا نقره مع تأكده بحكم الحاكم؛ فأولى أن لا نقره قبل ذلك، وإن أراد بالرخص ما فيه سهولة كيفما كانت؛ يلزم أن يكون من قلد الإمام مالكاً في المياه والأرواث، وترك الألفاظ في العقود، مخالفاً لتقوى الله، وليس كذلك، وتعقب الأول بأن الجمع المذكور ليس بضائر؛ فإن مالكاً مثلاً لم يقل: من قلد الشافعي في عدم الصداق إن نكاحه باطل، وإلا لزم أن تكون أنكحة الشافعية هذه باطلة. ولم يقل الشافعي: إن من قلد الإمام مالكاً في عدم الشهود إن نكاحه باطل، وإلا لزم أن تكون أنكحة المالكية عنده باطلة.
قلت: لكن في هذا التوجيه نظر غير خاف، ومن المعلوم أنها لا تكون أنكحة عند القائل بها إلا مع شروطها، وإلا فليست أنكحة؛ فانتفى جواز التلفيق. انتهى.
ووافق ابن دقيق العيد الروياني على اشتراط أن لا يجتمع في صورة يقع الإجماع على بطلانها، وأبطل الشرط بأن لا يكون ما تلتزمه مما ينقض فيه الحكم لو وقع).
واقتصر الشيخ عز الدين بن عبد السلام على اشتراط هذا، وقال: المأخذان متقاربان، والشرط الثاني: انشراح الصدر للتقليد المذكور، وعدم اعتقاده؛ لكونه متلاعباً بالدين، متساهلاً فيه، ودليل اشتراط هذا قوله ﷺ : "والإثم ما حاك في الصدر". ثم قال: يعني أن ما حاك في صدر الإنسان؛ فهو إثم وإن أفتاه غيره أنه ليس بإثم، وهذا إنما يكون إذا كان صاحبه ممن شرح صدره للإيمان، وكان المفتي له يفتي بمجرد ظن أو ميل إلى هوى من غير دليل شرعي، فأما إذا كان مع المفتى به دليل شرعي؛ فالواجب على المستفتي الرجوع إليه وإن لم
стр. 697
ينشرح له صدره، وهذا كالرخص الشرعية، مثل الفطر في السفر والمرض، وكان ﷺ أحياناً يأمر أصحابه بما لا ينشرح به صدر بعضهم، كأمره بنحر هديهم، والتحلل بعمرة الحديبية، ومقاضاته لقريش أن يرجع من عامه، وعلى أن من أتاه منهم يرده إليهم. وبالجملة فما ورد به نص؛ ليس للمؤمن إلا طاعته وتلقيه بانشراح الصدر، وأما ما ليس فيه نص من الله ورسوله، ولا عمن يقتدى بقوله من الصحابة وسلف الأمة، فإذا وقع في نفس المؤمن المطمئن قلبه بالإيمان المنشرح صدره بنور المعرفة واليقين منه في شيء، وحاك في صدره الشبهة الموجودة، ولم يجد من يفتي فيه بالرخصة، يحر (١) عن رأيه، وإن وجد من لا يوثق بعلمه ولا دينه، بل معروف باتباع الهوى؛ فهنا يرجع المؤمن إلى ما حاك في صدره وإن أفتاه هؤلاء المفتون، وقد نص الإمام أحمد على مثل هذا (بقي، هل مجرد وقوع جواب المفتي وحقيقته في نفس المستفتي يلزمه العمل به، فذهب ابن السمعاني إلى أن الأولى والأوجه أنه يلزمه، وتعقبه ابن الصلاح بأنه لم يجده لغيره.
قلت: وما ذكره ابن السمعاني يوافق ما في "شرح ابن الزاهدي على مختصر القدروي". وعن أحمد العياضي: العبرة بما يعتقده المستفتي، فكل ما اعتقده من مذهب؛ حل له الأخذ به ديانة، ولم يحل له خلافه. انتهى.
وما في "رعاية الحنابلة": ولا يكفيه ما لم تسكن نفسه إليه، وفي "أصول ابن مفلح": الأشهر يلزمه بالتزام، وقيل: وبظنه حقاً، وقيل: ويعمل به، وقيل: يلزمه إن ظنه حقاً. وإن لم يجد مفتياً آخر؛ لزمه، كما لو حكم به. انتهى. ولا يتوقف ذلك على التزامه، ولا سكون نفسه إلى صحته، كما صرح به ابن الصلاح، وذكر أنه الذي تقتضيه القواعد. (وشيخنا المصنف -يعني ابن الهمام- على أنه لا يشترط
стр. 698
ذلك، إلا فيما إذا وجد غيره لا فيما إذا لم يجد. ثم في كتاب من الكتب المذهبية، أي الحنفية، المعتبر أن المستفتي إن أمضى قول المفتي لزمه، وإلا، فلا، حتى قالوا: إذا لم يكن الرجل فقيهاً فاستفتى فقيهاً، فأفتى بحلال، ولم يعزم على ذلك، يعني يعمل به، حتى أفتاه فقيه آخر بخلافه، فأخذ بقوله، أو أمضاه؛ لم يجز له أن يترك ما أمضاه، ويرجع إلى ما أفتاه به الأول، لأنه لا يجوز له نقض ما أمضاه مجتهداً كان أو مقلداً، لأن المقلد متعبد بالتقليد، كما أن المجتهد متعبد بالاجتهاد، ثم كما لم يجز للمجتهد نقض ما أمضى. انتهت عبارة الأمير ابن أمير حاج بنوع اختيار.
قلت: ومن ذلك ما قاله محمد ﵀ في إملائه: لو أن فقيهاً قال لامرأته: أنت طالق البت، وهو ممن يراها ثلاثاً، ثم قضى عليه قاض أنه رجعة؛ وسعه المقام معها.
وكذا كل قضاء مما يختلف فيه الفقهاء، من تحريم، أو تحليل، أو اعتقاد، أو أخذ مال، أو غيره؛ ينبغي للمتفقه المقضي عليه الأخذ بقضاء القاضي، ويدع رأيه، ويلزم نفسه ما ألزمه القاضي، ويأخذ ما أعطاه.
قال محمد: وكذلك رجل لا علم له، ابتلي ببلية، فسأل عنها الفقهاء فأفتوه عنها بحلال أو بحرام، وقضى عليه قاضي المسلمين بخلاف ذلك، وهو مما يختلف فيه الفقهاء؛ فينبغي له أن يأخذ القضاء ويدع عنه ما أفتاه الفقهاء.
وإن قضى له قاض بحلال أو بحرام، ثم رجع إلى قاض آخر، فقضى له في ذلك في شيء بعينه يخالف قضاء الأول، وهو مما يختلف فيه الفقهاء؛ أخذ بقضاء الأول، وأبطل قضاء الثاني، إلا أن يكون الأول لا يسوغ فيه الاجتهاد، فلا يعتد به.
قال محمد: ولو أن فقيهاً عالماً قال لامرأته: أنت طالق البتة، وهو
стр. 699
يرى أنها ثلاث، وأمضى رأيه فيها، فيما بينه وبينها، وعزم على أنها حرمت عليه، ثم رأى رأي عمر بن الخطاب ﵁ في ذلك، وهو الصواب في ذلك، وأنها تطليقة واحدة، يملك الرجعة؛ أمضى رأيه الذي كان عزم عليه من امرأته، ولا يردها زوجة برأي حدث منه، ولا يشبه هذا قضاء القاضي بخلاف رأيه الأول؛ لأن قضاء القاضي يهدم الرأي، والرأي لا يهدم القضاء، والرأي لا يهدم الرأي. وإن كان يرى البتة رجعية، فهزم على أنها امرأته، وأخذه بملك الرجعة، فعزم على امرأته على حالها، وهذا على ما قدمناه: أنه إذا عزم حتى تنكح زوجاً غيره؛ لم تحرم، وكانت امرأته على حالها، وعلى ما قدمناه؛ أنه إذا عزم على إمضاء الاجتهاد ولم ينفسخ؛ فاجتهاد آخر. انتهى. كذا في شرح الكرخي على القدوري، ﵀.
ففيه مذهب عليه، فمنع من قلد الإمام الأعظم في نقض وضوء به بخروج الدم مثلاً، في صلاة وطهارتها، من تقليده الإمام مالكاً، في عدم النقض به في صلاة أخرى وطهارتها، بما يتوهم مما علمت من العبادات التي فعلت بها، وبما قاله في "جامع الفصولين" ولم يجز للحنفي أن يأخذ بقول مالك والشافعي فيما خالف مذهبه. انتهى؛ لأن المنع من تقليد الإمام مالك، وغيره من الأئمة الثلاثة فيمن التزم مذهباً معيناً؛ أنه يلزمه، فلا يقلد غيره في مسألة من المسائل، والأصح أنه لا يلزمه، كما قدمناه عن، شارحي "التحرير" وهو ما إذا بقي من آثار العمل السابق ما يمنع اللاحق، كما قدمناه. وليس العمل بما يخالف ما علمه إبطالاً لعلمه السابق؛ لأن المقلد متعبد بالتقليد، كالاجتهاد. واللاحق لا يبطل السابق، كما في أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁: في المسألة المشركة، المسماة باليمنية والحمارية، تشريك الإخوة الأشقاء مع الإخوة لأم، وقد كان قضى بسقوط الأشقاء بحادثة، ثم شرك بينهم في هذه،
стр. 700
فقال: ذلك على ما قضيناه، وهذا على ما نقضي.
وقد قلنا: إن قول العلامة ابن الهمام في "التحرير" الذي قدمته لا يرجع فيما قلد فيه اتفاقاً؛ معناه الرجوع في خصوص العين، لا خصوص الجنس بنقض ما فعله مقلداً في فعله إماماً آخر، كصلاة ظهر بمسح ربع الرأس؛ ليس له إبطالها باعتقاد بعد تمام لزوم مسح كل الرأس، كما قد علمته، لا الرجوع بمعنى منع الشخص من تقليده غير إمامه في شيء يفعله مخالف لما صدر منه، كصلاة يوم على مذهب أبي حنيفة، وصلاة يوم على مذهب غيره: وإن كان المراد بالرجوع لعمل في نظره ما مضى، بخلاف معتقد من قلده كما يتراءى من ظاهر من "التحرير وشرحيه" ففي كلامهما خلافه، ومع ذلك فقد علمت تقيده بأن يبقى أثر يمنع من الفعل، لا مطلقاً، وعلى كل من الأمرين يثبت المدعى؛ وهو جواز تقليده الإمام مالك وغيره فيما يفعله مخالفاً لما فعله على مذهب أبي حنيفة، ولهذا قال الكمال المحقق في شرحه على الهداية، المسمى "بفتح القدير" من باب التحكيم في "الفتاوى الصغرى"؛ حكم الحاكم في الطلاق المضاف ينفذ، لكن لا يفتي به، وفيما روي عن أصحابنا وهو أوسع من هذا، وهو أنه إذا استفتى أولاً فقيهاً فأفتاه ببطلان اليمين، وسع إمساك المرأة. فإن تزوج أخرى وكان حلف بطلاق كل امرأة يتزوجها، فاستفتى فقيهاً فأفتاه بصحة اليمين؛ فإنه يفارق الأخرى ويمسك الأولى بفتواها. انتهت عبارة الكمال ﵀.
ومثاله في "الفتاوى البزازية": قلت: فهذا المراد بقوله في "التحرير" لا يرجع فيما قلد فيه، أي بخصوص عينه، أما مثاله فيقلد ما يوافق المفتي مخالفاً للسابق في حادثتين، وإلا ناقض كلام في الأصول، إذ هو رجوع ما عمل به إذا أريد به الجنس، وإذا أريد العين؛ لا مناقضة، وقد نص عليه في "الفتاوى الصغرى" حنث.
стр. 701
قال: فلو أفتاه مفت بالحل، ثم أفتاه آخر بالحرمة بعد ما عمل بالقول الأول؛ فإنه يعمل بالفتوى.
الثاني: في حق امرأة وأخرى لأولى، ويعمل بكلام المفتي في الحادثتين. انتهى. والله أعلم، وصلى الله على سيدنا محمد عدد ما ذكرك الذاكرون، وغفل عن ذكرك الغافلون، عدد معلوماتك أبداً، وما ينهى سرمداً. انتهى).
وقد نص في "الفتاوى الصغرى"، حيث قال: فلو أفتاه مفت بالحل، ثم أفتاه آخر بالحرمة بعدما عمل بفتوى الأول؛ فإنه يعمل بفتوى الثاني في حق امرأة أخرى، لا في حق الأولى، ويعمل بكلام المفتي في الحادثتين. انتهى ملخصاً، والله أعلم.
سئل الشيخ التقي أبو العباس: عمن يقلد لبعض العلماء في مسائل الاجتهاد، ومن عمل منها بقول بعض العلماء، هل ينكر عليه ويهجر، أم لا. وكذلك من يعمل بأحد القولين؟
فأجاب: مسائل الاجتهاد، من فعل منها بقول بعض العلماء؛ لم ينكر عليه ولم يهجر، ومن عمل بأحد القولين؛ لم ينكر عليه ولم يهجر، وإذا كان في المسألة قولان. فإن كان يظهر للإنسان رجحان أحد القولين، وإلا قلد بعض العلماء الذين يعتمد عليهم في بيان أرجح القولين، وإذا أفتاه من يجوز له استفتاؤه؛ جاز له أن يعمل بفتواه، ولو كان ذلك القول لا يوافق الإمام الذي ينسب إليه، وليس عليه أن يلتزم قول إمام بعينه في جميع إيمانه. انتهى.
قال الشيخ ابن عطوة، فيما وجدته بخطه: والذي أعرفك عرفك الله كل خير؛ أني من سنتين ما أفتيت، وقد عزمت على ترك الإفتاء، وقد ذكرت خمسة عشر دليلاً في ركن الإفتاء، بعضهما يخيره، وبعضها يوجبه علي، وعلى كل حال؛ فيحرم على كل أحد أن يفتي أو يفعل ما لا يعلم
стр. 702
جوازه بفعل صحيح صريح. انتهى.
ومن جواب للعلامة، زين العابدين الصديقي البكري الشافعي: العامي لا مذهب له، ويجب عليه التعلم من العلماء، وبذل المال في ذلك، والسعي إليه، وإذا انتسب شخص لمذهب معين؛ وجب عليه اعتقاد صحته، أي ما انتسب إليه، وأنه الحق لا شبهة فيه.
ولا يجوز تقليد غير الأربعة في الحكم والفتوى، ولا يجوز تلفيق التقليد في مسألة بعينها، ولا تتبع الرخص، بأن يأخذ من كل مذهب مما رخص فيه من كل أمر فيه سهولة.
وأجاب أيضاً: يجوز تقليد الشافعي في الحيلة في الربا. انتهى.
سئل السيد عمر: ما قولكم في رجل حنبلي مثلاً، أراد تقليد الإمام الشافعي في لحم الجزور، فهل إذا أصاب بدنه أو ثوبه من أبوال ما يؤكل لحمه ما هو طاهر في مذهبه، يسوغ له الصلاة من غير وضوء، أم يجب عليه اجتناب كل نجس عند من أراد تقليده في مسألة؟ وهل يجب أن تكون تلك الصلاة جارية على مذهب الشافعي في الشروط والأركان، أم لا؟ وما حقيقة التلفيق؟ وما يقول سيدي في العامي المنتسب لمذهب أحمد إذا حلف بالطلاق فبان بخلاف ما ظنه، أو فعل المحلوف عليه ناسياً أو معسراً عند الأجل ونحو ذلك؟ فهل للشافعي إذا سأله عن مثل ذلك إجابته بعدم الوقوع على قاعدة مذهب المسؤول من غير كراهة في ذلك؟ وهل يجوز له ترك الجواب فيما قد علمه في ذلك أم لا؟
الجواب: المسألة الأولى يعلم جوابها مما سنورده من كلام الأئمة في ضابط التلفيق الممتنع؛ ففي "شرح خطبة المنهاج" لابن حجر، ونصه: ولا ينافي ذلك قول ابن الحاجب، كالآمدي، من عمل في مسألة بقول؛ لا يجوز له العمل فيها بقول غيره اتفاقاً؛ لتعين حمله على ما إذا بقي من آثار العمل الأول ما يلزم عليه مع الثاني تركب حقيقة لا يقول بها
стр. 703
كل من الإمامين، كتقليد الإمام الشافعي في مسح بعض الرأس، ومالك في طهارة الكلب في صلاة واحدة. انتهى.
وفي "فتاوى" الوجيه ابن زياد ما نصه: سئل عما إذا قلد شافعي مذهب غير الشافعي، فهل يشترط له أن لا يقع فيما يخالف ذلك المذهب من الأفعال، كما إذا قلد شافعي أبا حنيفة في الاكتفاء باستقبال الجهة من القبلة في الصلاة، فهل يشترط أن يمسح ربع الرأس، وأن لا يسيل منه دم، أم لا؟
أجاب ﵀: إن الذي فهمنا من أمثلتهم أن التركيب القادح في التقليد إنما يمنع إذا كان في قضية واحدة، فمن أمثلتهم: إذا توضأ ومس تقليداً لأبي حنيفة، وافتصد تقليداً للشافعي، ثم صلى؛ فصلاته باطلة، لاتفاق الإمامين على بطلان طهارته، وكذلك لو توضأ ومس بلا شهوة تقليداً لمالك، ولم يدلك تقليداً للشافعي، ثم صلى؛ فصلاته باطلة، لاتفاق الإمامين على بطلان طهارته، بخلاف ما إذا كان الترتيب من قضيتين؛ فالذي يظهر أن ذلك غير قادح في التقليد، كمسألة السؤال، فإنه إذا توضأ ومسح بعض رأسه، ثم صلى إلى الجهة تقليداً لأبي حنيفة، فالذي يظهر صحة صلاته، لأن الإمامين لم يتفقا على بطلان طهارته، فإن الخلاف فيها بحاله، لا يقال: اتفقا على بطلان صلاته، لأنا نقول: هذا الاتفاق نشأ من التركيب من قضيتين، والذي فهمنا من كلامهم أنه غير قادح في التقليد.
ومثله: إذا قلد الإمام أحمد أن العورة السوأتان (١) وترك المضمضة، والاستنشاق، والتسمية، الذي يقول أحمد بوجوبها ص ١٣١، فالذي يظهر صحة صلاته إذا قلده في قدر العورة، لأنهما لم يتفقا على بطلان طهارته في
стр. 704
قضية واحدة، ولا يقدح في ذلك اتفاقهما على بطلان صلاته؛ فإنه تركب من قضيتين، وهو غير قادح في التقليد، كما يفهمه تمثيلهم، وقد رأيت في "فتاوى البلقيني" ما يقتضي أن التلفيق من قضيتين غير فادح في التقليد. انتهى.
إذا تقرر ذلك، فإن فرعنا على الأول؛ كان قضية إطلاقه منع التقليد في مسألة السؤال؛ فإنه أطلق منع ما يؤدي إلى التركيب، ولم يقيده بكونه يرجع إلى قضية أو قضيتين، يعني إلى حكم أو حكمين، ولا يرد عليه قول السائل: إن التقليد إنما شرع للترخص والتخفيف؛ لأن فيه الحمل عند توفر شروطه، وإلا فلا اعتداد به، والتخفيف موجود فيه في الجملة عند توفر شروطه إذا نسبناه إلى من يمنعه بالكلية، وإن فرعنا على الثاني؛ اقتضى جواز التقليد في مسألة السؤال، لأن التركيب فيها يرجع إلى حكمين، عدم النقض بأكل لحم الجزور الراجع إلى طهارة الحدث، وطهارة بول ما يؤكل لحمه، الراجع إلى طهارة الخبث، وهو شرط مغاير للذي قبله في الحقيقة والحكم وإن شاركه في اللفظ، ولكل من المقالين وجهة، وكفى بكل من القائلين قدوة، والأول أوفق بمشارب الخاصة، والثاني أوفق بمشارب العامة، وأما إذا سئل الشافعي عن مسألة مثلا ذات اختلاف بين المجتهدين، وكان السائل فيها يعتقد تبعا لإمامه خلاف مذهب المسؤول؛ فينبغي للمسؤول أن يبين له حقيقة الأمر، ثم هو بالخيار، إن أراد التقليد وكان من قضية مذهبه جواز تقليد غير إمامه قلد، وإلا فلا.
وقول السائل: هل الأولى له إرشاد السائل أو تركه الخ. فالظاهر أنه ينظر في حال الحالف، فإن كان من أهل الورع ويرجى منه الوقوف مع قضية مذهبه؛ فالأولى تركه مع اعتقادنا حصول البر ببعض المسالك على قضية مذهبنا، لا نرتاب في أن الورع لنا تركه خروجا من الخلاف،
стр. 705
وللوسائل حكم المقاصد، وإن لم يكن الحالف كذلك، أو يخشى انتهاك حرمة الشرع من غير استناد إلى تقليد أحد من الأئمة؛ فينبغي إرشاده إلى التقليد، لأن التقليد نجاة له؛ إذ الأئمة ﵃ على هدى من ربهم، والله أعلم، كتبه عمر بن عبد الرحيم الحسيني الحسني الشافعي، غفر الله ذنوبه، وستر في الدارين عيوبه.
ومن "الآداب" لابن مفلح: قال الشيخ أبو العباس، بعد ذكره كلام ابن حمدان: هذا يراد به شيئان:
أحدهما: أن من التزم مذهباً معيناً، ثم فعل بخلافه من غير تقليد لعالم آخر أفتاه، ولا استدلال بدليل يقتضي خلاف ذلك، من غير عذر شرعي يبيح ذلك؛ فإنه يكون متبعاً لهواه، وعاملاً بغير اجتهاد ولا تقليد، فاعلا للمحرم بغير عذر شرعي، وهذا الذي أراد نجم الدين.
الثاني: العامي، هل عليه أن يلتزم مذهباً معيناً يأخذ بعزائمه ورخصه؟ فيه وجهان لأصحاب أحمد، وكذا لأصحاب الشافعي، والجمهور يوجبونه ما دام ملتزماً له. انتهى.
ومن "تنقيح الأصول": قال الزناقي: يجوز تقليد المذاهب في النوازل، والانتقال من مذهب إلى مذهب بثلاثة شروط:
أن لا يجمع بينهما على صفة تخالف الإجماع، كمن تزوج بغير صداق، ولا ولي، ولا شهود؛ فإن هذه الصورة لم يقل بها أحد. وأن يعتقد فيمن يقلده الفضل بوصول أخباره إليه، ولا يقلده رمياً في عماية. وأن لا يتتبع رخص المذاهب، والمذاهب كلها مسالك إلى الجنة، وطرق إلى الخيرات.
تنبيه: قال غيره: يجوز تقليد المذاهب في كل ما لا ينقض فيه قضاء القاضي، وهو أربعة: الإجماع، والقواعد، والنص، والقياس الجلي، فإن أراد بالرخص هذه الأربعة؛ فهو حسن متعين، فإن ما لا نقره