Полный текст (1 886 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.
стр. 1086
السؤال والجواب ليس على المطابقة بينهما فإن ظهور المهدي لا يشفيهم عما سألوه إذ ذلك لا ينفي الحدث، والجواب أن النبي ﷺ لما كان أخبرهم بخيرية القرن الذي هو فيه ثم بخيرية من بعدهم، وهكذا إلى ثان وثالث، علموا بوقوع الأحداث بعد ذلك فخافوا أن تأتيهم الساعة بغتة وهم لا يشعرون، فكان ذلك شفقة منهم على أمة نبيهم محمد ﷺ وحسرة على حالهم أن يفاجئهم الموت في حال غفلتهم واشتغالهم بما لا ينفعهم في غدهم، فدفعه النبي ﷺ بإظهار ظهور المهدي (١) إذ ذاك، فيزكيهم ويعلمهم ويطهرهم عن دنس البدعات ويكلمهم، فلا يهلك الأمة بأسرها غافلة عن ربها لاهية في زهرة الدنيا وحبها، ويمكن أن يقال في الجواب أنهم لما علموا أن كل يوم شر من الأمس فكان مقتضى ذلك أن يضل الآخرون شر ضلالة لما رووا عن النبي ﷺ قوله: ثم يفثو الكذب إلخ، وكذلك ما رووا في الروايات الأخر من أحوال هذه الأمة الذين لم يأتوا بعد فخافوا على إخوانهم المسلمين بابًا لهم (٢) في هاتيك الضلالات، ومن ذا الذي ينبههم عن سنة الغفلات مع وفور الشرارات وتزايد الجهالات على مر الشهور والسنوات، فسلاهم النبي ﷺ بأن بين حال المهدي الذي هو آخر مجددي هذه الأمة، وبذلك علم حال ما يقدمه من الزمان دلالة، فإن ظهور الهداة في ذلك الزمان الذي هو غاية في الضلال والغواية وظهور الفتن الحواشي
(١) قال الدمنتي: قال الرافعي في تاريخ قزوين أورده الخطيب في تاريخ بغداد في ترجمة أمير المؤمنين المهدي العباسي فكأنه أشار لحمل الحديث عليه، انتهى. قلت: ولا يخفي ما فيه، وهذا أحد الأقوال الأربعة التي ذكرها صاحب الإشاعة في المهدي، والصحيح أنه رجل من أهل بيت النبي ﷺ يخرج في آخر الزمان، وقد ملئت جورًا فيملئوها قسطًا وعدلاً كما عليه أكثر الأحاديث.(٢) هكذا في الأصل، ويحتمل أن يكون ما بالهم أي ما يكون حالهم إذ ذاك، أو يكون ما نابهم أي ما يصل إليهم من الحوادث، أو با بانتهم وإبانة الرجل كل أصحابه، أو بابالتهم والإبالة الجماعة.стр. 1087
وفشو الجهالة دال على أن مادة الخير كانت باقية بعد لم تنقطع، وعروق تعليم الدين وإفشاء السنن متصلة لم ترتفع. قوله [فيعيش خمسًا إلخ] والتوفيق بين هذه الروايات (١) أن تجهيزه الجيش في خمس سنين، ثم محاربته مع الكفار سنتان، ثم يعيش بعد ذلك سنتين فتلك تسع بأسرها.
[باب في نزول عيسى]
قوله [فيكسر الصليب ويقتل الخنزير] إنما ذكر هذين مع أن كافرًا لا يبقى إذًا ولا يقبل الجزية من أحد بل يصير الأمر دائرًا بين السيف والإسلام فحسب بغلبة النصارى إذ ذاك.
[باب ما جاء في الدجال (٢) ] قوله [لم يكن نبي بعد نوح إلا قدر أنذر قومه] ليس المراد أنه أنذره أن يخرج إليهم كما فهمه الشراح (٣) ، كيف وقد الحواشي
(١) وعلى هذا فالترديد في هذه الرواية ليس بشك من الراوي بل هو تنويع في الرواية.(٢) اختلف في حقيقته فقيل: هو صافي بن الصياد أو الصائد ومولده المدينة، هذا بناء على أن ابن الصياد والدجال واحد، والأصح أنه غيره كما سيأتي. وعلى هذا فأما هو شيطان موثق ببعض الجزائر، أو هو من أولاد شق الكاهن المشهور، أو هو شق نفسه وكانت أمه جنية عشقت أباه فأولدها شقًا، وكانت الشياطين تعمل له العجائب، فحبسه سليمان النبي ﵇ ولقبه المسيح وصفته الدجال، هكذا في الإشاعة والبسط في الفتح.(٣) فقد قال الحافظ: قد استشكل إنذار نوح قومه بالدجال مع أن الأحاديث قد ثبتت أنه يخرج بعد أمور ذكرت، وأن عيسى يقتله بعد أن ينزل من السماء فيحكم بالشريعة المحمدية، والجواب أنه كان وقت خروجه أخفى على نوح ومن بعده فكأنهم أنذروا به ولم يذكر لهم وقت خروجه فحذروا قومهم من فتنة ويؤيده قوله ﷺ في بعض طرقه: إن يخرج وأنا فيكم فأنا حجيجه، فإنه محمول على أن ذلك كان قبل أن يتبين له وقت خروجه وعلاماته فكان يجوز أن يخرج في حياته ﷺ ، ثم بين له بعد ذلك حاله ووقت خروجه فأخبر به فبذلك تجتمع الأخبار، وقال ابن العربي: إنذار الأنبياء تحذير من الفتن وطمأنينة لها حتى لا يزعزعها عن حسن الاعتقاد، وكذلك تقريب النبي ﷺ له زيادة في التحذير، انتهى. قلت: فكأن رأي الشيخ موافق لابن العربن، وقال القارئ: ويحتمل أن الإبهام إنما وقع بسبب أن العلاقات قد يكون وجودها معلقًا بشرط فإذا قد يتصور خروجه بعدم ظهورها، ونظيره خوف الأنبياء والمرسلين صلوات الله تعالى عليهم أجمعين مع تحقق عصمتهم، أو لأنه لا يجب على الله تعالى شيء وأفعاله لا تعلل، والأسباب لا يتعين وجودها ولا تأثير لها بعد حصولها، انتهى.стр. 1088
كان الأنبياء يعلمون أنه لا يمكن أن يخرج قبل بعثة نبينا محمد ﷺ ، بل المراد بالإنذار بيان فتنة التي هي هي ليتسارعوا إلى امتثال أوامر الله سبحانه الذي قيض لعباده أمثال هذه الفتن، كيف وهو على ما يشاء قدير، ولعل الحكمة في إنذار الأنبياء أقوامهم من فتنته أن الإنذار منها لما لم يكن عرفًا مجددًا بل قدر توارثه الآباء كابرًا عن كابر كان أوقع في نفوس أمة محمد ﷺ وأدهش لهم فيكون أفيد، ولعل إنذار الأنبياء أقوامهم من قبيل ما كانوا يخبرونهم من أعاجيب مقدوراته كما أسلفناه لك آنفًا. قوله [لعله سيدركه بعض من رآني (١) ] قيل: هو خضر، وقيل: الحواشي
(١) قال في فتح الودود: يمكن أن يحمل على سماعه أعم من أن يكون بلا واسطة أو بواسطة، فيكو المراد بقاء كلامه ﷺ إلى حين ظهور الدجال، وحمله بعضهم على خضر ﵇، قال الشيخ في البذل: حمل السماع على الأعم الشامل بالواسطة ممكن لكن لا يمكن حمل الرؤية على الواسطة، فيلزم على هذه الرواية أن الرؤية إما يحمل على الخضر أو على بعض الجنيين، وأما ما وقع في رواية الترمذي ((أو سمع كلامي)) بلفظ أو فكما يحتمل أن يكون الواو بمعنى أو فكذلك يحتمل أن يكون أو بمعنى الواو، انتهى.стр. 1089
بعض معمري الجن. قوله [لم يقله نبي لقومه] ووجه ذلك ما قدمنا أنهم كانوا (١) يعلمون أنه لا يفاجئهم فلم يحتاجوا إلى بيان علامته، وأما النبي ﷺ فبين علامته لكوننا أحوج إليها منهم.
قوله [إنه لن يرى أحد منكم ربه حتى يموت] خطاب للأمة فلا نقض برؤيته ﷺ ربه ليلة (٢) الإسراء، وأما ما نقل عن بعضهم من رؤيته (٣) الحواشي
(١) وقال الحافظ: إن السر في اختصاص النبي ﷺ بالتنبيه المذكور مع أنه أوضح الأدلة في تكذيبه أنه إنما يخرج في أمته دون غيرها ممن تقدم من الأمم، ودل الخبر على أن علم كونه يختص خروجه بهذه الأمة كان طوى عن غير هذه الأمة كما طوى عن الجميع علم وقت قيام الساعة، انتهى. قلت: فكلام الحافظ مبني على مختاره من عدم العلم للأنبياء ﵈ بوقت خروجه، وكلام الشيخ يبنى على مختاره من علمهم بذاك، وأما بيان هذه العلامة وهي كونه أعرو فسيأتي قريبًا.(٢) والمسألة خلافية شهيرة، أنكرت عائشة وابن مسعود الرؤية، وأثبتها أنس والحسن وعكرمة، وروى عن ابن عباس جعل بصره في فؤاده فرأى وبه بفؤاده، هكذا في الجمل.(٣) قال الحافظ في الفتح: جوز أهل التعبير رؤية الباري عز اسمه في المنام مطلقًا، ولم يجروا فيها الخلاف في رؤيا النبي ﷺ ، وأجاب بعضهم عن ذلك بأمور قابلة للتأويل في جميع وجوهها، فتارة يعبر بالسلطان، وتارة بالوالد، وتارة بالسيد، وتارة بالرئيس في أي فن كان، فلما كان الوقوف على حقيقة ذاته ممتنعًا وجميع من يعبر به يجوز عليهم الصدق والكذب كانت رؤياه تحتاج إلى تعبير دائمًا بخلاف النبي ﷺ ، فإذا رئى على صفته المتفق عليها، وهو لا يجوز عليه الكذب كانت في هذه الحالة حقًا محضًا لا يحتاج إلى تعبير، وقال الغزالي: من يرى الله في المنام، فإن ذاته منزهة عن الشكل والصورة، ولكن تنتهي تعريفاته إلى العبد بواسطة مثال محسوس من نور أو غيره، ويكون ذلك المثال حقًا في كونه واسطة التعريف فيقول الرائي: رأيت الله في المنام لا يعني أن رأيت ذات الله تعالى كما يقول في حق غيره، وقال أبو القاسم القشيري ما حاصله أن رؤياه على غير صفته لا يستلزم أن لا يكون هو، فإنه لو رأى الله على وصف يتعالى عنه، وهو يعتقد أنه منزه عن ذلك لا يقدح في رؤيته بل يكون لتلك الرؤيا ضرب من التأويل، كما قال الواسطي: من رأى ربه على صورة شيخ كان إشارة إلى وقار الرأي، انتهى. قال القاضي: اتفق العلماء على جواز رؤية الله تعالى في المنام وصحتها، وإن رآه الإنسان على صفة لا تليق بجلاله من صفات الأجسام لأن ذلك المرئي غير ذات الله تعالى إذ لا يجوز عليه التجسم، ولا اختلاف الأحوال بخلاف رؤية النبي ﷺ ، قال ابن الباقلاني: رؤية الله تعالى في المنام خواطر في القلب، وهي دلالات للرائي على أمور مما كان أو يكون كسائر المرئيات، قاله النووي.стр. 1090
سبحانه وتعالى في المنام، فإنما هي رؤية مثال وشبه لا رؤية ذات. قوله [مكتوب (١) الحواشي
(١) قال النووي: الصحيح الذي عليه المحققون أن الكتابة المذكورة حقيقة جعلها الله علامة قاطعة بكذب الدجال، فيظهر الله المؤمن عليها ويخفيها على من أراد شقاوته، وحكى عياض خلافًا وأن بعضهم قال: هي مجاز عن سمة الحدوث عليه، وهو مذهب ضعيف، ولا يلزم من قوله يقرؤه كل مؤمن كاتب وغير كاتب أن لا تكون الكتابة حقيقة بل يقدر الله عز اسمه على غير الكاتب علم الإدراك فيقرأ ذلك وإن لم يكن سبق له معرفة الكتابة، يعني أن الإدراك في البصر يخلقه لله للعبد كيف يشاء ومتى شاء فهذا يراه المؤمن وإن كان لا يعرف الكتابة، ولا يراه الكافر ولو كان يعرف الكتابة، كذا في الفتح.стр. 1091
بين عينيه كافر (١) ] هذا حاصل ما يحصل منه، وإلا فالمكتوب مقطعات الحروف ك ف ر. قوله [يقرؤه من كره (٢) عمله] ولعل الله (٣) يغطي أبصار معتقديه عن رؤيته، أو لا يكادون يبصرون إلى وجهة هيبة وإجلالاً له حتى يروا ما كتب ثمة. قوله [حتى يقول الحجر] وكل شيء سوى شجرة الغرقد لمناسبته (٤) باليهود. الحواشي
(١) اختلفت الروايات في بيان المكتوب هل هو كافر على صيغة اسم الفاعل أو بالهجاء، وما أفاده الشيخ هو الموجه بالروايات الكثيرة، ويؤيده رواية هشام عن قتادة عن أنس بلفظ: مكتوب بين عينيه ك ف ر أي كافر، ومن طريق شعيب عن أنس مكتوب بين عينيه، كافر ثم تهجاها ك ف ر يقرؤه كل مسلم، ولأحمد عن جابر مكتوب بين عينيه كافر مهجاة، ومثله عند الطبراني من حديث أسماء بنت عميس، قال ابن العربي: في قوله ك ف ر إشارة إلى أن فعل وفاعل من الكفر إنما يكتب بغير ألف، وكذا هو في رسم المصحف وإن كان أهل الخط اثبتوا في فاعل ألفًا لزيادة البيان، كذا في الفتح.(٢) قال الحافظ: هذا أخص مما ورد من قوله يقرؤه كل مسلم، وفي أخرى كل مؤمن، فيحتمل قوله من كره عمله أن يراد به المؤمنون عمومًا، ويحتمل أن يختص ببعضهم ممن قوى إيمانه.(٣) قال النووي: هذه الكتابة على ظاهرها وإنها كتابة حقيقة جعلها الله آية وعلامة من جملة العلامات القاطعة بكفره وكذبه وإبطاله، ويظهر الله تعالى لكل مسلم كاتب وغير كاتب ويخفيها عمن أراد فتنته وشقاوته، ولا امتناع في ذلك، انتهى.(٤) فقد ورد نصًا من رواية أبي هريرة عند مسلم بلفظ فيقول الحجر أو الشجر: يا مسلم يا عبد الله هذا يهودي خلفي فتعال فاقتله إلا الغرقد فإنه من شجر اليهود، قال القارئ: استثناء من الشجر، وهو نوع شجر ذو شوك يقال له العوسج وأضيف إلى اليهود بأدنى ملابسة، قيل: هذا يكون بعد خروج الدجال حين يقاتل المسلمون من تبعه من اليهود، انتهى.стр. 1092
[باب من أين يخرج الدجال]
قد وردت هذه الكلمة في معنيين، خروجه علينا وخروجه مطلقًا، فالأول حيث ورد أنه يخرج من أرض بالمشرق يقال لها خراسان كما وقع ههنا، والثاني يراد حيث قيل إنه يخرج من بين الشام والعراق، أو وقع أنه يخرج من جزيرة تسمى (١) ، كما سيأتي في الأحاديث الآتية بعد ذلك. قوله [في سبعة أشهر] وقد ورد في بعض الروايات سبعة سنين، ولذلك (٢) الحواشي
(١) هكذا في المنقول عنه، فإن لم يكن هناك بعد قوله تسمى بياض في الأصل فالمعنى جزيرة مسماة ومعينة، وقد وقع أنه يخرج من خلة بين الشام والعراق، واختلفوا في ضبط خلة ومعناه. ووقع في خبر الجسامة عند أبي داؤد وغيره في جزيرة عند المغرب، وفيه أيضًا أنه في بحر الشام أو بحر اليمن، لا بل من قبل المشرق، انتهى.(٢) أي ولأجل اختلاف الروايات في ذلك والتعارض فيها حاول جماعة إلى ترجيح رواية السنين، فقد أخرج أبو داؤد حديث الأشهر من رواية عيسى بن يونس، ثم أخرج حديث عبد الله بن بسر أن رسول الله ﷺ قال: بين الملحمة وفتح المدينة ست سنين، ويخرج الدجال في السابعة، قال أبو داؤد: هذا أصح من حديث عيسى، قال في فتح الودود: قوله هذا أصح إشارة إلى جواب ما يقال بين الحديثين تناف فأشار إلى أن الثاني أرجح إسنادًا فلا يعارضه الأول. انتهى ما في البذل. والمشهور في الجمع بينهما هو ما أفاده الشيخ، وجمع بينهما القارئ بوجه آخر وهو أن تغاير بين الملحمتين، فقال في حديث السنين: اللام في الملحمة غير القسطنطينية من سائر الملاحم فاللام للعهد بالنظر إلى ملحمة سابقة، ويدل عليه أنها ما وصفت بالعظمى، انتهى.стр. 1093
نسب بعضهم رواية الأشهر إلى الغلط من قائله، والصحيح أن تأويل الشهور أيضًا ممكن فلا ضرورة إلى أن يصار إلى التغليظ، وهو أن يقال: مدة القتال وهو الفتح غير داخلة في ذلك فكأنه قال ما بين الملحمة العظمى وخروج الدجال سبعة أشهر، لأنه لما لم يجمع مدة القتال فيه بل أخذ آخره تبقى سبعة أشهر.
قوله [والقسطنطينية] والقسطنطينية واحد وغرضه أنها فتحت مرة (١) وستفتح أخرى لغلبة النصارى ثمة. قوله [فخفض فيه إلخ] بينه في الحاشية (٢) الحواشي
(١) هذا هو المشهور في معنى الحديث وتوجيهه، وظاهر سياق كلام المصنف يدل على أنهما مدينتان فتحت إحداهما في زمن بعض الصحابة، وتفتح الأخرى عند خروج الدجال، وليس كذلك، بل القسطنطينة والقسطنطينية واحدة صرح بها غير واحد من أهل اللغة كالقاموس وغيره، وما في النسخ الهندية من تغير اللفظين لعله من النساخ، فإن في النسخ المصرية كلا اللفظين بسياق واحد، غاية ما فيه وضع المظهر موضع المضمر، وفي المجمع: هي مدينة مشهورة من أعظم مدائن الروم فتحت زمن الصحابة وتفتح عند خروج الدجال قاله الترمذي، انتهى. فهذا كالصريح بأن مراد الترمذي تكرار الفتح، والمراد بزمن بعض الصحابة زمان خلافة الأمير معاوية فإنها فتحت أولاً سنة خمسين أو بعيدها على اختلاف الأقوال، وتوفى في هذه الغزوة أبو أيوب الأنصاري، قال الحافظ في الإصابة: سنة اثنتين وخمسين هو الأكثر، انتهى. قلت: ثم استرجعها الروم ففتحت ثانيًا نهار الأربعاء لعشرين من جمادى الآخرة سنة سبع وخمسين وثمان مائته، وكانت أيام محاصرتها إحدى وخمسين يومًا، فغنم المسلمون من الأموال والدواب ما لم يسمع بمثله، هكذا في الفتوحات الإسلامية للسيد أحمد بن السيد زيني دخلان مفتي الشافعية بمكة المكرمة.(٢) ولفظها: هما بتشديد فاء أي حقر أمره بأنه أعور وأهون على الله وأنه يضمحل أمره، وعظم أمره بجعل الخوارق بيده انتهى، وهكذا في المجمع، وزاد: أي عظم فتنته ورفع قدره، ثم وهن أمره وقدره وهونه، وقيل: أي رفع صوته وخفضه في اقتصاص أمره، أو خفض صوته بعد تعبه لكثرة التكلم فيه، ثم رفعه بعد الاستراحة ليبلغ كاملاً، انتهى. قال النووي: في معناه قولان، أحدهما أنه حقره وعظمه فمن تحقيره وهوانه على الله عوره، ومنه قوله ﷺ : هو أهون على الله من ذلك وأنه لا يقدر على قتل أحد إلا ذلك الرجل، ثم يعجز عنه وأنه يضمحل أمره وأنه يقتل بعد ذلك هو وأتباعه، ومن تفخيمه وتعظيم فتنته والمحنة به هذه الأمور الخارقة للعادة، وأنه ما من نبي إلا وقد أنذر قومه. والوجه الثاني أنه خفض من صوته في حال كثرة ما تكلم فيه فخفض بعد طول الكلام والتعب ليستريح، ثم رفع ليبلغ صوته كل أحد بلاغًا كاملاً، انتهى.стр. 1094
ويمكن أن يكون معناه بين كل حاله كما يقال في لساننا: أونج نيج سب سمجهادي. قوله [حتى ظنناه في طائفة (١) النخل] ليس المراد قربه في ظنهم بل ذلك كناية عن كثرة هولهم وشدة خوفهم، كما يخاف عن الشيء القريب غاية القرب إذا كان هائلاً ففي العادة أن المرأ لا يخاف عن الهائل أيًا ما كان إذا أبعد عنه. قوله [قائمة] يعني أن يبصر منها لا أنها قائمة على حالها ولا عيب (٢) فيها.
قوله [قلنا: يا رسول الله وما لبثه في الأرض؟ (٣) ] سألوا شوقًا إلى التخلص الحواشي
(١) قال في المجمع: أي في ناحيته وجانبه.(٢) فسيأتي قريبًا أن كلتا عينيه معيبتان وسيأتي البسط فيها.(٣) ذكر هذا الحديث مدة لبثه أربعون يومًا، وهكذا هو في رواية مسلم وغيره، وفي المشكاة عن شرح السنة برواية أسماء مرفوعًا: يمكث الدجال في الأرض أربعين سنة السنة كالشهر والشهر كالجمعة الحديث، قال القارئ: لا يصلح أن يكون معارضًا لرواية مسلم، وعلى تقدير صحته لعل المراد بأحد المكثين مكث خاص على وصف معين مبين، ويمكن اختلافه باختلاف الأحوال والرجال، قلت: وههنا حديث ثالث أخرجه ابن ماجة وغيره من رواية أبي أمامة مرفوعًا بلفظ: إن أيامه أربعون سنة السنة كنصف السنة والسنة كالشهر والشهر كالجمعة، وآخر أيامه كالشررة، قيل: يا رسول الله كيف نصلي في هذه الأيام القصار؟ قال: تقدرون فيها الصلاة كما تقدرونها في هذه الأيام الطوال الحديث، قال الشيخ في الانجاح: إن صح هذه الرواية فالمراد منه أنه باعتبار هذا الزمان بالسرعة أيامًا وباعتبار غروب الشمس وطلوعها ولو في زمن قليل سماه سنين، ولذا لم يعتبر في أداء الصلاة قصر الوقت وطوله انتهى، قلت: وبسط في الجمع بينها صاحب الإشاعة أيضًا فأرجع إليه لو شئت، وذكر أيضًا في فتنته أنه يقول: أنا رب العالمين، وهذه الشمس تجري بأذني، أفتريدون أن أحبسها؟ فيقولون نعم فيحبس الشمس حتى يجعل اليوم كالشهر والجمعة كالسنة، ويقول: أتريدون أن أسيرها؟ فيقولون نعم، فيجعل اليوم كالساعة، رواه نعيم بن حماد والحاكم عن ابن مسعود انتهى، فهذا الحديث يجمع بين الروايات المتقدمة بأحسن جمع ويزيل أكثر الإشكالات.стр. 1095
منه ورجاء للنجاة إن كانت مدة لبثه قليلة. قوله [ولكن اقدروا له] وذلك لأنه من قبيل السحر، فطول اليوم (١) الأول وكذا الأخيرين فيما يبدو لنا، وإلا فالشمس تخرج وتغرب على عادتها المعروفة في الطلوع والغروب، ولكن لا يظهر لنا لإقامته شمسًا بأعيننا لا تغرب، وبذلك ظهر أنه لا خدشة في إضافة وجوب الصلوات إلى أوقاتها بذلك الحديث (٢) . الحواشي
(١) ومقتضى طول هذه الأيام الثلاثة أن يكون لبثه أربعة عشر شهرًا وأربعة عشر يومًا كما لا يخفى.(٢) لأن طول ذلك اليوم يكون لشعبدة من الدجال لا حقيقة فحينئذ وجوب الصلوات بأوقاتها الواقعية لا غبار فيه، وعلى هذا فلا يصح الاستدلال بذلك الحديث على إيجاب العشاء على أهل بلغار الذين لا يجدون وقت العشاء فإن فيها يطلع الفجر قبل غروب الشفق في أربعينية الشتاء، والمسألة خلافية شهيرة بسطها ابن عابدين، وحكى تصحيح كلا القولين الإيجاب وعدمه عن جمع من الفقهاء.стр. 1096
قوله [ثم يدعو رجلاً شابًا ممتلئًا (١) شبابًا إلخ] فيه اختصار (٢) يعني أنه يذهب إلى المدينة فيخرج منها رجل على هذه الصفة، فيقول: أنت كذاب دجال لست باله ولا بنبي، وإنك مضل للناس فحسب. قوله [فيضربه الدجال بالسيف فيقطعه جزلتين (٣) ] وفي بعض الروايات (٤) أنه ينصفه بالمنشار، ثم يحييه الحواشي
(١) قال القارئ: أي تامًا كاملاً قويًا، وشبابًا تمييز عن النسبة، وقال الطبي: الممتلي شبابًا هو الذي يكون في غاية الشباب، انتهى.(٢) كما يدل عليه رواية البخاري عن أبي سعيد قال: حدثنا النبي ﷺ يومًا حديثًا طويلاً عن الدجال فكان فيما يحدثنا به إنه قال يأتي الدجال وهو محرم عليه أن يدخل نقاب المدينة فينزل بعض السباخ التي تلي المدينة فيخرج إليه يومئذ رجل هو خير الناس أو من خيار الناس فيقول: أشهد أنك الدجال، الحديث يأتي بقيته.(٣) قال القارئ: بفتح الجيم وتكسر أي قطعتين تتباعدان ويضربه غضبًا عليه لآبائه قبول دعوته الألوهية أو إظهارًا للقدرة وتوطئة لخرق العادة، انتهى.(٤) ذكر الحافظ اختلاف الروايات في ذلك، ثم قال قال ابن العربي: هذا اختلاف عظيم يعني في قتله بالسيف وبالمنشار، قال: فيجمع بأنهما رجلان يقتل كل منهما قتلة غير قتلة الأخر كذا قال، والأصل عدم التعدد، ورواية المنشار تفسر رواية الضرب بالسيف فلعل السيف كان فيه فلول فصار كالمنشار، أو أراد المبالغة في تعذيبه بالقتلة المذكورة، ويكون قوله فضربه بالسيف مفسرًا لقوله إنه نشره، وقوله فيقطعه جزلتين إشارة إلى آخر أمره لما ينتهي نشره، انتهى.стр. 1097
بعد ذلك، فيأخذ الرجل (١) فيما كان يقوله من سب الدجال، فيريد الدجال أن يذبحه فلا يقدر (٢) لانتهاء خوارقه إذ ذاك، فإن الشيء ينتهي بتمامه وتمام الخوارق بإحياء الموتى، ثم لا شيء بعد ذلك فيرجع الدجال من المدينة خائبًا وخاسرًا، وذلك الرجل (٣) خضر ﵇. الحواشي
(١) كما في حديث أبي سعيد عند البخاري، وفيه فيخرج إليه رجل هو خير الناس أو من خيار الناس فيقول: أشهد أنك الدجال الذي حدثنا رسول الله ﷺ حديثه فيقول الدجال: أرأيتم إن قتلت هذا ثم أحييته هل تشكون في الأمر؟ فيقولون: لا، فيقتله، ثم يحييه فيقول: والله ما كنت فيك أشد بصيرة مني اليوم، فيريد الدجال أن يقتله فلا يسلط عليه، قال الحافظ: وفي رواية ما ازددت فيك إلا بصيرة، ثم يقول: يا أيها الناس إنه لا يفعل بعدي بأحد من الناس، وفي رواية فيقول الدجال: أما تؤمن بي؟ فيقول: أنا الآن أشد بصيرة فيك مني، ثم نادى في الناس يا أيها الناس هذا المسيح الكذاب، من أطاعه فهو في النار ومن عصاه فهو في الجنة، انتهى.(٢) فقد تقدم في رواية أبي سعيد عند البخاري فلا يسلط عليه، قال الحافظ: وفي رواية فيأخذ الدجال ليذبحه فيجعل ما بين رقبته إلى ترقوته نحاس فلا يستطيع إليه سبيلاً، وفي أخرى فقال له الدجال: لتطيعني أو لأذبحنك فقال: والله لا أطيعك أبدًا، فأمر به فأضجع فلا يقدر عليه ولا يتسلط عليه مرة واحدة، ووقع عند أبي يعلى وعبد بن حميد من رواية حجاج بن أرطاة عن عطية أنه يذبحه ثلاث مرات، ثم يعود ليذبحه الرابعة فيضرب الله على حلقه بصفيحة نحاس فلا يستطيع ذبحه، والأول هو الصواب، ووقع في حديث عبد الله بن عمرو رفعه في ذكر الدجال يدعو برجل لا يسلطه الله إلا عليه، انتهى.(٣) قال الحافظ: وقع في صحيح مسلم عقب رواية عبيد الله بن عبد الله بن عتبة قال أبو إسحاق يقال: إن هذا الرجل هو الخضر، وأبو إسحاق ليس بسبيعي كما ظنه القرطبي بل هو إبراهيم بن محمد بن سفيان راوي صحيح مسلم عنه كما جزم به عياض والنووي وغيرهما، ولعل مستنده في ذلك ما قاله معمر في جامعه بعد ذكر الحديث قال معمر: بلغني أن الذي يقتل الدجال الخضر، وكذا أخرجه ابن حبان من طريق عبد الرازق عن معمر قال: كانوا يرون أنه الخضر، وقال ابن العربي: سمعت من يقول إن الذي يقتله الدجال هو الخضر، وهذا دعوى لا برهان لها، قال الحافظ: وتمسك من قاله بما أخرجه ابن حبان في صحيحه من حديث أبي عبيدة بن الجراح رفعه في ذكر الدجال لعله أن يدركه بعض من راني أو سمع كلامي الحديث، ويعكر عليه ما تقدم من لفظ شاب ممتلئ شبابًا، ويمكن أن يجاب بأن من جملة خصائص الخضر أن لا يزال شابًا ويحتاج إلى دليل، انتهى. وقال صاحب الإشاعة: هذا الرجل المؤمن هو الخضر ﵇ على الأصح كما صرح به في الأحاديث الصحيحة، ودل عليه الكشف الصحيح، ثم ذكر الروايات المؤيدة لذلك، قال: روى الدارقطني في الأفراد عن ابن عباس قال: نسئ للخضر في أجله حتى يكذب الدجال، ثم قال: وقيل: هو أحد أصحاب الكهف، وهو ضعيف، انتهى.стр. 1098
قوله [بشرقي دمشق] الظاهر (١) أن نزوله يكون بدمشق ولذلك استشكل الحواشي
(١) يعني أن الظاهر من حديث الباب أن نزول عيسى ﵇ يكون في شرقي دمشق، وهو مشكل بما ورد من رواية النزول ببيت المقدس واختلفوا في الجمع بينهما، ومختار الشيخ ترجيح رواية بيت المقدس وإليه مال السيوطي، كما حكاه عنه القارئ إذ قال: ذكر السيوطي في تعليقه على ابن ماجة أنه قال الحافظ ابن كثير في رواية أن عيسى ﵇ ينزل ببيت المقدس، وفي رواية بالأردن، وفي رواية بمعسكر المسلمين، قلت: حديث نزوله ببيت المقدس في ابن ماجة هو عندي أرجح، ولا ينافي سائر الروايات لأن بيت المقدس شرقي دمشق وهو معسكر المسلمين إذ ذاك، والأردن اسم الكورة كما في الصحاح، وبيت المقدس داخل فيه وإن لم يكن في بيت المقدس الآن منارة فلا بد أن تحدث قبل نزوله انتهى، ومال الأكثرون إلى ترجيح رواية شرقي دمشق وبها منارة بيضاء موجودة الآن، وإليه مال صاحب الإشاعة والدمنتي في نور مصباح الزجاجة، وحكى عن ابن كثير أنه الأشهر.стр. 1099
بعضهم هذه الروايات مع ملاحظة ما ورد أن نزوله يكون في بيت المقدس، والإشكال ممكن رفعه بأن يقال: المراد في هذا الحديث أن نزوله في بيت المقدس إنما يكون في الجانب الشرقي، ولما كان هذا يحتمل مواضع كثيرة لما في الجانب الشرقي من الاتساع عين أحد المحتملات بإبدال (١) دمشق من الشرقي أو ببيانه عنه، فكان المعنى أن نزوله يكون في الجانب الشرقي من بيت المقدس (٢) . الحواشي
(١) حاصله أن شرقي بيت المقدس لما كان صادقًا على جهة وسيعة عينه بقوله دمشق، أي الجانب الشرقي الذي بجانب دمشق، وتأويل الشيخ يشير إلى أن دمشق في جانب الشرق من بيت المقدس، وهذا ينافي ما تقدم من كلام القارئ عن السيوطي من أن البيت بشرقي دمشق، ولعل الحق مع الشيخ فإن دمشق في زاوية بين الشرق والشمال من بيت المقدس، وهكذا صورتها.
غرب
شمال دمشق- الدرعا- بيت المقدس- معان- تبوك جنوب
شرق(٢) بياض في المنقول عنه بعد ذلك ولعله ﵀ ذكر شيئًا ترك في النقل أو لم يتفق له ذكر ما أراد إيراده وزاد في الإرشاد الرضى بعد ذلك أن نزوله ﵇ يكون عند صلاة العصر بعد ما أقيمت ويتقدمهم أمامهم المهدي، فيقال لعيسى ﵇ تقدم، فيقول لا، ويكون مجتهدًا. فما قيل أنه يتبع الإمام أبا حنيفة غلط، نعم لا يبعد أن يكون اجتهاده موافقًا لاجتهاده، فإن قيل: لم يحتج ﵇ في نزوله من السماء إلى شيء حتى وصل إلى المنارة فاستدعى المرقاة، يقال: سبب ذلك أن الدنيا دار الأسباب فناسب أن يراعى في ذلك الأحكام الدنيوية، انتهى.стр. 1100
قوله [قطر] وفيما بعد [تحدر] الفرق بينهما أن التقطر بالانفصال من الجسم، والتحدر هو السيلان (١) على الجسم نفسه إلى السفل. قوله [فيقتله] هذا القتل لتحصيل (٢) اليقين للمؤمنين أن لا يوهم لهم بقاؤه وإلا فإن موته يحصل الحواشي
(١) قال المجد: الحدر الحط من علو إلى سفل كالحدور وسيلان العين بالدمع، وتحدر تنزل، انتهى.(٢) احتاج الشيخ إلى هذا التوجيه لما أن هذه الجملة من الحديث بظاهرها تخالف الجملة الأولى، وهي قوله لا يجد ريح نفسه أحد إلا مات، وقد ورد في الجمع بينهما أقوال آخر، قال القارئ: قوله لا يحل لكافر يجد من ريح نفسه إلا مات، يجوز كون الدجال مستثنى من هذا الحكم لحكمة إراءة دمه في الحربة ليزداد كونه ساحرًا في قلوب المؤمنين، ويجوز كون هذه الكرامة لعيسى أولاً حين نزوله، ثم تكون زائلة حين يرى الدجال إذ دوام الكرامة ليس بلازم، وقيل: النفس الذي يموت الكافر هو النفس المقصود به إهلاك كافر لا النفس المعتاد فعدم موت الدجال لعدم النفس المراد، وقيل: المفهوم منه أن من وجد من نفس عيسى من الكفار يموت، ولا يفهم منه أن يكون ذلك أول وصول نفسه فيجوز أن يحصل ذلك بهم بعد أن يريهم عيسى ﵇ دم الدجال في حربته للحكمة المذكورة، ثم من الغريب أن نفس عيسى تعلق به الإحياء لبعض والإماتة لبعض، انتهى.стр. 1101
بخروج نفس عيسى ﵇ ووصوله إليه، وكذلك ما ورد في الحديث الآتي بعد ذلك أنه يطعنه فإنه مجرد استيقان لموته ودفع لما عيسى أن يتوهم أنه حي بعد. قوله [ويمر أولهم] أي أول (١) صفوفهم. قوله [لقد كان بهذه مرة ماء] بيان لاستشفافهم الماء في الشرب حتى لم يبق منه إلا مجرد أثر.
قوله [ويحاصر عيسى بن مريم إلخ] أي يبقون في الحصن والحصار الذي على الطور، لا أن (٢) يأجوج ومأجوج يحاصرونهم فإن الله يغطي (٣) أعينهم عنهم، فلا يفوزون ولا يصلون إلى حيث مستقرهم حتى يعلموا بحالهم. قوله [حتى يكون رأس (٤) الثور إلخ] خصه بالذكر لما فيه من العظام الكثيرة، وما فيه من اللحم يتحصل بشق من الأنفس، ومع ذلك فلا يدفع من الاشتهاء إلا يسيرًا لقلة اللحمية فيه وللاكتناز (٥) ، وبذلك يعلم مقدار احتياجهم إلى ما يوكل، فإن رأس الثور لما كان خيرًا لهم من مائة دينار وقد علمت ما في رأس الثور من الصفات فما بال اللحم والأطعمة الأخرى، والله أعلم. الحواشي
(١) ولفظ المشكاة عن مسلم ويمر أوائلهم على بحيرة طبرية، قال القارئ: بالإضافة وبحيرة تصغير بحرة وهي ماء مجتمع بالشام طوله عشرة أميال وطبرية بفتحتين اسم موضع وهي قصبة الأردن بالشام، انتهى.(٢) ويؤيد ذلك لفظ المشكاة عن مسلم ويحصر نبي الله وأصحابه، قال القارئ: بصيغة المفعول أي يحبس في جبل الطور، انتهى.(٣) كما يدل عليه لفظهم في هذا الحديث: لقد قتلنا من في الأرض فهلم فلنقتل من في السماء، انتهى.(٤) قال القارئ: أي يصير من شدة المحاصرة والمضايقة رأس البقر مع كمال رخصه في تلك الديار خيرًا من مائة الدينار، قال التور بشتى: أي تبلغ بهم الفاقة إلى هذا الحد، وإنما ذكر رأس الثور ليقاس البقية عليه في القيمة.(٥) أي لاجتماع لحمه وصلابته، قال المجد: اكتنز اجتمع وامتلأ.стр. 1102
قوله [كأعناق البخت (١) ] قوله [بالمهبل (٢) ] كأن المهابل هي مغارات الجبال. قوله [كالزلفة (٣) ] هي المرآة المزينة. قوله [ويستظلون الحواشي
(١) بياض في الأصل، وقال القارئ: بضم موحدة وسكون معجمة نوع من الإبل، أي طير أعناقها في الطول والكبر كأعناق البخت، والطير جميع طائر، انتهى.(٢) قال الدمنتي: بميم وموحدة كمقدس موضع، وفي المجمع: وفي حديث الدجال فيطرحهم بالمهبل هو الهوة الذاهبة في الأرض انتهى، وقال المجد: كمنزل الهوى من رأس الجبل إلى الشعب، وقال أيضًا في نهبل: وفي الترمذي في حديث الدجال فيطرحهم بالنهبل وهو تصحيف والصواب بالميم، انتهى، قلت: ليس في النسخ التي بأيدينا من الترمذي بالنون بل فيها بالميم كما في الأحمدية والمصرية وغيرهما، نعم في المشكاة برواية مسلم تطرحهم حيث شاء الله وفي رواية تطرحهم بالنهبل، قال القارئ: بفتح النون وسكون الهاء وفتح المؤحدة موضع، وقيل: مكان ببيت المقدس، وفيه أنه كيف يسعهم، ولعل المراد به موضع بعضهم، أو على طريق خرق العادة يسعهم، وقيل: هو حيث تطلع الشمس، ثم حكى عن القاموس أن النهبل تصحيف والصواب بالميم، انتهى.(٣) قال القارئ: بفتح الزاي واللام ويسكن وبالفاء، وقيل: بالقاف هي المرآة بكسر الميم، وقيل: ما يتخذ لجمع الماء من المصنع، والمراد أن الماء يعم جميع الأرض بحيث يرى الرائي وجهه، قال القاضي: روى بالفاء والقاف وبفتح اللام وبإسكانها وكلها صحيحة، قال القارئ: الأصح هو الذي عليه الأكثر بفتحتين والفاء واقتصر عليه القاموس في المعاني الآتية كلها، قال: واختلفوا في معناها فقال ثعلب وأبو زيد وآخرون كالمرآة، وحكى صاحب المشارق هذا عن ابن عباس، وقيل: كمصانع الماء وقيل الإجانة الخضراء، وقيل كالصحفة، وقيل كالروضة، انتهى.стр. 1103
بقحفها (١) ] دفع لما عسى أن يتوهم من قلة الشهوة في الأكل فيشبعون لذلك لا لبركة فيه. قوله [باللقحة] واللقحة هي القريبة بالولاد والحامل، واللبن يقل في الحامل، فلما كان كذلك حال الحوامل فما بال غير الحوامل.
قوله [كأنها عنبة طافية] ضبطوه ههنا بالياء وقد ورد في (٢) في بعض الحواشي
(١) قال القارئ: بكسر القاف أي بقشرها، قال النووي: هو معقر قشرها، شبهها بقحف الآدمي، وهو الذي فوق الدماغ، وقيل: هو ما انفاق من جمجمته وانفصل، وقال شارح: أراد نصف قشرها الأعلى، وهو في الأصل العظم المستدير فوق الدماغ، وهو أيضًا إناء من خشب على مثاله كأنه نصف المستدير فوق الدماغ، وهو أيضًا إناء من خشب على مثاله كأنه نصف صاع، واستعير ههنا لما يلي رأسها من القشر، انتهى.(٢) اختلفت الروايات في عيني الدجال، قال صاحب الإشاعة: أعور العين اليمنى كأنها عنبة طافية، وفي رواية: أعور العين اليسرى، وفي حديث سمرة عند الطبراني وصححه ابن حبان والحاكم: ممسوح العين اليسرى، وفي رواية: أعور العين مطموسها وليست حجراء، وهذا معنى طافئة مهموزة، قال الحافظ في الفتح نقلاً عن القاضي عياض: الذي رويناه عن الأكثر وصححه الجمهور وجزم به الأخفش طافية بغير همزة، وضبطه بعض الشيوخ بالهمزة، ومعناه أنها ناتئة نتوء العنبة، وأنكره بعضهم ولا وجه لإنكاره، ثم جمع القاضي عياض بين الروايات بأن عينه اليمنى طافية -بغير همز- ومسموحة أي ذهب ضوئها، وهو معنى حديث أبي داؤد مطموس العين ليست بناتئة ولا حجراء، أي ليست عالية ولا عميقة كما في حديث ابن عمر في الصحيحين، واليسرى طافئة -بالهمز- كما في الرواية الأخرى عنه وهي الجاحظة التي كأنها كوكب دري، وكأنها نخاعة في حائط، أي وهي الخضراء كما جاء كل ذلك في الأحاديث، قال: وعلى هذا فهو أعور العينين معًا فكل واحدة منهما عوراء، وذلك أن العور العيب والأعور من كل شيء المعيب وكلا عيني الدجال معيبة، إحداهما بذهاب نورها والأخرى بنتوئها وخضرتها، قال النووي: وكلام القاضي عياض في نهاية من الحسن، انتهى.стр. 1104
الروايات طافئة مهموزًا وبينها تناف، فالمهوز من طفئت النار، فكأن العين لما كانت طافئة فهي ممسوحة لا تبصر شيئًا، والناقص من طفى السمك على الماء فهو طاف، وهذا يستلزم خروج حدقتها من موضعها لكنها مبصرة بعد، فالجمع أن إحدى عينيه طافئة والأخرى طافية، وحيث ورد طافية بالياء فيمكن أن يكون مهموزًا قلبت همزتها ياء لكسرة ما قبلها.
قوله [الإيمان يمان] بينه (١) في الحاشية واستحسن الأستاذ أدام الله علوه الحواشي
(١) ولفظها: قوله الإيمان يمان أصله يمنى حذف إحدى اليائين، وعوض عنها الألف، وقيل قدم إحداهما وقلبت فصار كقاض، كذا في المجمع، وصرفوا الحديث عن ظاهره من حيث أن مبدأ الإيمان من مكة ثم من المدينة، فقيل: المراد أن الإيمان بدأ من مكة، وهي من تهامة، وهي من أرض اليمن، ولذا يقال الكعبة اليمانية، أو لأن مكة يمانية باعتبار المدينة، وقيل قاله النبي ﷺ بتبوك ومكة والمدينة حينئذ بينه وبين اليمن، فأشار إلى ناحية اليمن وهو يريد الحرمين، أو لأنهما يمانيتان باعتبار الشام، وقيل: أراد الأنصار لأنهم اليمانون في الأصل، وهم نصروا الإيمان والمؤمنين وآووهم فنسب الإيمان إليهم، ذهب إليه كثير من الناس، وهو أحسنها عند أبي عبيد أمام الغريب، قال النووي: ولا مانع من حمله على الحقيقة لأن من قوى في شيء نسب إليه، وهكذا كان حال الوفدين منهم لحديث: جاؤكم أهل اليمن أرق أفئدة، وإنما جاء حينئذ غير الأنصار، وهكذا كان حال أهل اليمن حينئذ في الإيمان، وحال الوافدين منه في حياته ﷺ وفي أعقاب موته كأويس القرني وأبي مسلم الخولاني وشبهها ممن سلم قلبه وقوى إيمانه، فكانت نسبة الإيمان إليهم لذلك إشعارًا بكمال إيمانهم من غير أن يكون في ذلك نفى له عن غيرهم، فلا منافاة بينه وبين قوله ﷺ : الإيمان في أهل الحجاز، ثم المراد بذلك الموجودين منهم حينئذ لا كل أهل اليمن في كل زمان فإن اللفظ لا يقتضيه، هذا هو الحق في ذلك ونشكر الله تعالى على هدايتنا له، انتهى بزيادة عن النووي والفتح.стр. 1105
ومجده وأفاض على العالمين بره ورفده توجيه النووي، وما أورده (١) صاحب المجمع غير وارد (٢) فإن التفصيل على مؤمني الحرمين الشريفين غير لازم منه.
قوله [والكفر من قبل المشرق] ولقد كانت القبائل اليمنيون سارعوا إلى الإسلام كأسلم وغفار وغيرها، وأبطأ (٣) أهل المشرق كمضر وغيرها مع ما يظهر الحواشي
(١) إذ قال بعد ذكر كلام النووي المذكور، ولعل المانع أنه يلزم قوة إيمانهم وفضلهم به على المهاجرين الأول والأنصار وفيهم العشرة وغيرهم، انتهى.(٢) لما تقدمت الإشارة إليه في كلام النووي أيضًا إذ قال: ليس فيه نفي له عن غيرهم، وذلك لأنه ليس فيه لفظ حصر أو ما في معناه.(٣) فقد قال الحافظ: كان أهل المشرق يومئذ أهل كفر فأخبر ﷺ أن الفتنة تكون من تلك الناحية، فكان كما أخبر وأول الفتن كان قبل المشرق فكان ذلك سببًا للفرقة بين المسلمين، وذلك مما يحبه الشيطان ويفرح به، وكذلك البدع نشأت من تلك الجهة، وقال أيضًا تحت قوله ﵇ لأرى الفتن تقع خلال بيوتكم: إنما اختصت المدينة بذلك لأن قتل عثمان كان بها ثم انتشرت الفتن في البلاد بعد ذلك، فالقتال بالجمل وبصفين كان بسبب قتل عثمان، والقتال بالنهر وإن كان بسبب التحكيم، ثم قتل عثمان كان أشد أسبابه الطعن على امرأته وأول ما نشأ ذلك من العراق وهي من جهة المشرق، فلا منافاة بينه وبين قوله ﷺ : ألا إن الفتنة من قبل المشرق، انتهى.стр. 1106
فيما بعد من تفاوت بينهما فإن خروج الدجال على أهل المدينة يكون من (١) قبل الشرق واليمنيون يقابلونه ما لا يقابله من سواه، فلذلك قال النبي ﷺ في كلا الفريقين أهل الشرق واليمن ما يبين حالهم.
[باب في ذكر ابن صياد (٢) ] قوله [حيث تلك الشجرة] وأريته (٣) شجرة قريبة أو بعيدة مني، كأن أبا سعيد أراد بذلك أن ينجو منه بنفسه فقال له ذلك. قوله [وإني أكره الحواشي
(١) فقد قال الحافظ في بيان الدجال: أما سبب خروجه فأخرج مسلم في حديث ابن عمر عن حفصة أنه يخرج من غضبة يغضبها، وأما من أين يخرج فمن قبل المشرق جزمًا، إلى آخره.(٢) قال القارئ: وفي القاموس ابن صائد أو صياد الذي كان يظن أنه الدجال، وقال الأكمل: ابن صائد اسمه عبد الله، وقيل: صياف ويقال ابن صائد، وهو يهودي من يهود المدينة وقيل هو دخيل فيهم، وكان حاله في صغره حال الكهان يصدق مرة ويكذب مرارًا، ثم أسلم لما كبر وظهرت منه علامات من الحج والجهاد مع المسلمين، ثم ظهرت منه أحوال وسمعت منه أقوال تشعر بأنه الدجال، ثم قيل: إنه تاب ومات بالمدينة، وقيل: بل فقد يوم الحرة، وقال ابن الملك: ما يقال أنه مات بالمدينة لم يثبت إذ قد روى أنه فقد يوم الحرة، وقال أيضًا: روى أبو داؤد بسند صحيح عن جابر قال فقدنا ابن صياد يوم الحرة، وهذا يبطل رواية من روى أنه مات بالمدينة وصلى عليه، انتهى.(٣) يعني أشرت إلى شجرة وأبصرته إياها لينزل تحتها، ولا ينزل عند أبي سعيد، ولفظ حديث مسلم عن أبي سعيد قال: خرجنا حجاجًا وعمارًا ومعنا ابن صائد قال: فنزلنا منزلاً فتفرق الناس، وبقيت أنا وهو فاستوحشت منه وحشة شديدة مما يقال عليه، قال: وجاء بمتاعه فوضعه مع متاعي فقلت: إن الحر شديد فلو وضعته تحت تلك الشجرة، قال: ففعل، قال فرفعت لنا غنم الحديث، انتهى.стр. 1107
فيه اللبن] أي من يديك أو يراد به اللبن المعهود، وهو الذي في يديه حتى لا يكون (١) قوله ذلك كذبًا ويبقى تورية. قوله [فقلت له تبًا ذلك (٢) سائر اليوم] إنما قال له ذلك لأنه لبس عليه أمره بهذه الكلمة بعد ما كان أبو سعيد قد ظن أن الناس كذبوا عليه، ووجه التلبيس بذلك أنهما لما كانا معًا (أي في موضع واحد) فعلمه بحال الدجال بحيث يعلم أنه أين هو الساعة (٣) من الأرض مشير إلى أنه هو الدجال وإن لم يكن هذا أمرًا يقينًا، وتأويل (٤) ما قال من قبل من عدم الولادة له وكفره وأنه لا يدخل المدينة أن هذه الأمور من علاماته إذا ظهر وادعى النبوة أو الألوهية أيًا ما كان، وليس المراد أنه لا يولد له أبدًا ولا يدخل المدينة أبدًا وأن كفره موبد، والحق (٥) في ذلك أنه غيره، وإليه ذهب أكثر العلماء، الحواشي
(١) وذلك لما في حديث مسلم المذكور قال: فرفعت لنا غنم، فانطلق فجاء بعس فقال: اشرب أبا سعيد فقلت: إن الحر شديد، واللبن حار، ما بي إلا أني أكره أن أشرب عن يده أو قال آخذ عن يده الحديث، انتهى.(٢) قال النووي: أي خسرانًا وهلاكًا لك في باقي اليوم، وهو منصوب بفعل مضمر متروك الإظهار، انتهى.(٣) ولفظ المشكاة برواية مسلم عن أبي سعيد: أما والله إني لأعلم مولده ومكانه وأين هو، وأعرف أباه وأمه الحديث، وفيه أنه يحتمل أنه كان يعرف هذه الأمور لكهانته بواسطة شيطانه.(٤) وبذلك جزم النووي إذ قال: أما احتجاجه بذلك فلا دلالة فيه لأن النبي ﷺ إنما أخبر عن صفاته وقت فتنته وخروجه في الأرض.(٥) قال القارئ: قال بعض المحققين الوجه في الأحاديث الواردة في ابن صياد مع ما فيها من الاختلاف والتضاد، أن يقال أنه ﷺ حسبه الدجال قبل التحقيق بخبر المسيح الدجال، فلما أخبر ﷺ بما أخبر به من شأن قصته في حديث تميم الداري، ووافق ذلك ما عنده تبين له ﷺ أن ابن الصياد ليس بالذي ظنه، وأما توافق النعوت في أبوي الدجال وأبوي ابن صياد فليس مما يقطع به قولاً، فإن اتفاق الوصفين لا يلزم منه اتحاد الموصوفين، وكذا حكى الحافظ عن البيهقي أنه قال: ليس في حديث جابر أكثر من سكوت النبي ﷺ على حلف عمر فيحتمل أن يكون النبي ﷺ كان متوقفًا في أمره، ثم جاءه الثبت من الله تعالى أنه غيره على ما تقتضيه قصة تميم الداري، وبه تمسك من جزم بأن الدجال غير ابن الصياد وطريقه أصح، انتهى وإليه مال الحافظ إذ قال: وأقرب ما يجمع به ما تضمنه حديث تميم، وكون ابن صياد هو الدجال أن الدجال بعينه هو الذي شاهده تميم موثقًا، وأن ابن صياد شيطان تبدي في صورة الدجال في تلك المدة إلى أن توجه إلى أصبهان فاستتر مع قرينه إلى أن تجيء المدة التي قدر الله تعالى خروجه فيها، انتهى. وبه جزم صاحب الإشاعة إذ قال: ومما يرجح أنه غيره أن قصة تميم الداري متأخرة عن قصة ابن صياد فهو كالناسخ له، ولأنه حين إخباره ﷺ بأنه في بحر الشام أو اليمن لا بل من قبل المشرق كان ابن صياد بالمدينة فلو كان هو لقال بل هو في المدينة، انتهى.стр. 1108
وأما (١) النبي ﷺ فلم ينكر على من قال إن ابن صياد هو الدجال قوله لعدم علمه ﷺ بحاله هل هو الدجال أو غيره، ولعله كان يعلم بذلك لكنه لم يؤذن الحواشي
(١) قال القارئ: قالوا وظاهر الأحاديث أنه ﷺ لم يوح إليه بأنه المسيح الدجال ولا غيره وإنما أوحى إليه بصفات الدجال، وكان لابن صياد قرائن محتملة فلذلك كان النبي ﷺ لا يقطع بأنه الدجال ولا غيره، وهكذا حكى الحافظ عن النووي أنه قال قال العلماء: قصة ابن صياد مشكلة وأمره مشتبه لكن لا شك أنه دجال من الدجاجلة، والظاهر أن النبي ﷺ لم يوح إليه في أمره بشيء، وإنما أوحى إليه بصفات الدجال وكان في ابن صياد قرائن محتملة فلذلك كان النبي ﷺ لا يقطع في أمره بشيء، انتهى.стр. 1109
له في الأخبار، وأما (١) من قال بأنه هو استدل بعدم إنكاره ﷺ على المدعي توحدهما قوله، كيف وقد حلف (٢) بعضهم بين يدي النبي ﷺ بأنه هو، وهذا البعض جمع بين مذهبه وحديث تميم الداري الآتي بعيد ذلك أن وجود شخص في مكانين حسب ما يرى لنا (٣) غير مستبعد. الحواشي
(١) يعني من قال إن ابن صياد هو الدجال استدل بأنه ﷺ سكت على من ادعى بوحدتهما في مجلسه وسكوته ﵇ تقرير وحجة، ويظهر من كلام الحافظ أن ميل البخاري إلى ذلك إذ قال: ولشدة التباس الأمر في ذلك سلك البخاري مسلك الترجيح فاقتصر على حديث جابر عن عمر في ابن صياد، ولم يخرج حديث فاطمة في قصة تميم، وقد توهم بعضهم أنه غريب فرد، وليس كذلك فقد رواه مع فاطمة أبو هريرة وعائشة وجابر، انتهى.(٢) منهم عمر وابن عمر وجابر وغيرهم بسط رواياتهم الحافظ في الفتح في باب من رأى ترك النكير من النبي ﷺ حجة وقال: وقد أخرج أحمد من حديث أبي ذر لأن أحلف عشر مرار أن ابن صياد هو الدجال أحب إلى من أن أحلف واحدة أنه ليس هو، وسنده صحيح، ومن حديث ابن مسعود نحوه لكن قال سبعًا بدل عشر مرات، أخرجه الطبراني، انتهى.(٣) قال القارئ: ولا ينافيه قصة تميم الداري إذ يمكن أن يكون له أبدان مختلفة فظاهره في علم الحس والخيال دائر مع اختلاف الأحوال وباطنه في عالم المثال بقيد السلاسل والأغلال، ولعل المانع من ظهور كماله في الفتنة وجود سلاسل النبوة وأغلال الرسالة، انتهى. وقال الحافظ: كأن الذين يجزمون بأن ابن صياد هو الدجال لم يسمعوا قصة تميم وإلا فالجمع بينهما بعيد، إذ كيف يلتئم أن يكون من كان في أثناء الحياة النبوية شبه المحتلم ويجتمع به النبي ﷺ ويسأل أن يكون في آخرها شيخًا كبيرًا يستفهم عن خبر النبي ﷺ هل خرج أولاً؟ فالأولى أن يحمل على عدم الاطلاع، انتهى. قلت: وحكى الحافظ في موضع آخر أن في بعض طرق البيهقي أنه شيخ وسنده صحيح، انتهى.стр. 1110
قوله [فقال النبي ﷺ آمنت بالله ورسله] إنما (١) لم يرد النبي ﷺ عليه قوله لأنه كان متصديًا سؤال حاله، فلو أنكر قوله صريحًا لفات ذلك، لكنه ﷺ رد عليه قوله ضمنًا حيث قال: آمنت بالله ورسله، ومعلوم أنه لم يكن من رسله حتى يؤمن عليه.
قوله [خلط عليك الأمر] لعدم التمييز بين الصادق والكاذب. قوله [فلن تعدو (٢) قدرك] أي إنك لا تكاد تخبر إلا بيسير من كثير، ولست تقدر الحواشي
(١) قال الزين بن المنير: إنما عرض النبي ﷺ الإسلام على ابن صياد بناء على أنه ليس الدجال المحذر منه، قال الحافظ: ولا يتعين ذلك، بل الذي يظهر أن أمره كان محتملاً فأراد اختباره بذلك، فإن أجاب غلب ترجيح أنه ليس هو، وإن لم يجب تمادي الاحتمال، أو أراد باستنطاقه إظهار كذبه المنافي لدعوى النبوة، ولما كان ذلك هو المراد أجابه بجواب منصف فقال: آمنت بالله ورسله، انتهى.(٢) قال القارئ: بضم الدال أي فلن تجاوز القدر الذي يدركه الكهان من الاهتداء إلى بعض الشيء ذكره النووي، وقال الطيبي: أي لا تتجاوز عن إظهار الخبيئات على هذا الوجه كما هو دأب الكهنة إلى دعوى النبوة، فتقول أتشهد أني رسول الله؟ وقال القارئ: حاصل الجملة أنك وإن أخبرت عن الخبئ فلن تستطيع أن تتجاوز عن الحد الذي حد لك، يريد أن الكهانة لا ترفع بصاحبها عن القدر الذي عليه هو، وإن أصاب في كهانته، انتهى.стр. 1111
علم العلم بالقضية بأسرها لأنك لم تفز من الآية الطويلة إلا بلفظ ولم تفز بها كلها.
قوله [صادقين وكاذبًا أو كاذبين وصادقًا] يعني أن (١) الأخبار الواصلة إلى قد يصدق كثيرها ويكذب قليلها، وقد يكون الأمر على عكسه.
قوله [فدعاه] بتخفيف العين (٢) وتشديده، والأول أمر لأبي بكر وعمر بتركه، والثاني إخبار من الراوي أنهما دفعاه بعنف عن أمام النبي ﷺ .
قوله [فسمعت (٣) بمولود في المدينة] أي أنه على هذه الصفة. الحواشي
(١) وعلى هذا التوجيه فلفظة أو ليست للشك بل هو تنويع وهو محتمل بل وجيه، وحمله عامة الشراح على الشك، قال القارئ: أي يأتيني شخصان يخبراني بما هو صدق، وشخص يخبرني بما هو كذب، والشك من ابن صياد في عدد الصادق والكاذب يدل على افترائه، إذ المؤيد من عند الله لا يكون كذلك، انتهى.(٢) فعلى الأول صيغة أمر من ودع بمعنى ترك، وعلى الثاني صيغة ماض من دع المضاعف بمعنى الطرد والدفع.(٣) قال الحافظ: يوهي هذا الحديث أن أبا بكرة إنما أسلم لما نزل من الطائف حين حوصرت سنة ثمان من الهجرة، وفي حديث ابن عمر في الصحيحين أنه ﷺ لما توجه إلى النخل التي فيها ابن صياد كان ابن صياد يومئذ كالمحتلم، فمتى يدرك أبو بكرة زمان مولده بالمدنية، وهو لم يسكن المدينة إلا قبل الوفاة النبوية بسنتين، فكيف يتأتى أن يكون في الزمن النبوي كالمحتلم، فالذي في الصحيحين هو المعتمد، ولعل الوهم وقع فيما يقتضي تراخي مولد ابن صياد، أولاً وهم فيه بل يحتمل قوله: بلغنا أنه ولد لليهود مولود على تأخر البلاغ، وإن كان مولده سابقًا على ذلك بمدة بحيث يأتلف مع حديث ابن عمر الصحيح، انتهى.стр. 1112
قوله [فيما يتحدثونه إلخ] أي إن الناس (١) فهموا منه أن الساعة آتية لا محالة في هذه المائة.
قوله [يريد أن ينخرم ذلك القرن] هذا ما أراد بهذا الحديث عنده، وعليه أكثر العلماء، ويمكن أن يكون على عمومه، والذين لم يكونوا على ظهر الأرض حين ما قاله النبي ﷺ مستثنون عن ذلك كالخضر والجن والدجال (٢) . الحواشي
(١) قال الشيخ في البذل: (فوهل) أي غلط الناس (في مقالة رسول الله ﷺ أي في فهم مقالته تلك (فيما يتحدثون عن هذه الأحاديث) أي فيما بينهم (عن مائة سنة) كأنهم فهموا أن تقوم القيامة على رأس سنة، انتهى. وقريب منه ما في المجمع إذ قال: فوهل بفتح هاء ويجوز كسرها أي غلطوا أو ذهب وهمهم إلى خلاف الواقع في تأويله، فقيل تقوم الساعة عنده، وإنما مراده أنه لا يبقي أحد من الوجودين تلك الليلة، انتهى. وبنحوه فسر الحديث النووي، والظاهر عندي أن وهل بمعنى فزع، والمراد فيما يتحدثون أي في أحاديث الفتن، والمعنى فزعوا لما فهموا أن أحاديث الفتن كلها من خروج الدجال ونزول عيسى وخروج يأجوج ومأجوج ونحوها كلها تتم في مائة سنة فتأمل.(٢) لفظة ما موصولة وضمير أراد إلى النبي ﷺ ، أي مراده ﷺ كان انخرام القرن وإن بقى بعض منهم، قال النوي: قد احتج بهذه الأحاديث من شذ من المحدثين فقال: الخضر ﵇ ميت، والجمهور على حياته ويتأولون هذه الأحاديث على أنه كان على البحر لا على الأرض، أو أنها عام مخصوص، انتهى. قال الأشرف: معناه ما تبقى نفس مولودة اليوم مائة سنة، أراد به موت الصحابة، وقال ﷺ هذا على الغالب، وإلا فقد عاش بعض الصحابة أكثر من مائة سنة، انتهى. منهم أنس بن مالك وسلمان وغيرهما، والأظهر أن المعنى لا تعيش نفس مائة سنة بعد هذا القول كما يدل عليه الحديث الآتي، يعني حديث أبي سعيد رفعه لا يأتي مائة سنة وعلى الأرض نفس منفوسة اليوم، فلا حاجة إلى اعتبار الغالب، فلعل المولودين في ذلك الزمان انقرضوا قبل تمام المائة من زمان ورود الحديث، ومما يؤيد هذا المعنى استدلال المحققين وغيرهم على بطلان دعوى من ادعى الصحبة وزعم أنه من المعمرين إلى المائتين والزيادة، بقى أن الحديث يدل بظاهره على عدم حياة الخضر وإلياس، وقد قال البغوي: أربعة من الأنبياء في الحياة اثنان في الأرض: الخضر وإلياس، واثنان في السماء: عيسى وإدريس، فالحديث مخصوص بغيرهم، أو المراد ما من نفس منفوسة من أمتي والنبي ﷺ لا يكون من أمته نبي آخر، وقيل: قيد الأرض يخرج الخضر وإلياس فإنهما كانا على البحر حينئذ كذا في المرقاة، ومال ابن قتيبة في تأويل الحديث إلى أن الحكم مختص بمن حضر في هذا المجلس، وسقط من الروايات لفظ ((منكم)).стр. 1113
قوله [لباسة] كثيرة (١) الملابس، ولعله عبر عن كثرة الشعر بكثرة اللباس.
قوله [قالت: أنا الجسامة] كانت (٢) امرأة تجسس الأخبار للدجال. قوله الحواشي
(١) ذكر في الحاشية عن القاموس رجل لباس كثير اللباس، لكن معناه ههنا على الظاهر أنه ملق في اللبس والاختلاط بأن تكون صبغة مبالغة من اللبس، انتهى. قلت: ويؤيد ما أفاده الشيخ أن كثرة الشعر من صفاتها، ففي المشكاة عن مسلم دابة أهلب كثير الشعر لا يدرون ما قبله من دبره من كثرة الشعر، وعن أبي داؤد فإذا أنا بامرأة تجر شعرها.(٢) لفظ حديث الباب هي دابة، وما تقدم قريبًا عن أبي داؤد فإذا أنا بامرأة، قال الشيخ في البذل والقارئ في المرقاة وغيرهما في الجمع بينهما بأنه يحتمل أن للدجال جساستين: إحداهما دابة والثانية امرأة، ويحتمل أن تكون شيطانة تمثلت تارة في صورة دابة، وأخرى في صورة امرأة، وللشيطان التشكل في أي شكل شاء، ويحتمل أن تسمى المرأة دابة باعتبار اللغة وقد قال عز اسمه ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾، ثم هي جساسة للدجال، ورجح في الإرشاد الرضى كونها امرأة وإطلاق الدابة عليها لكثرة شعرها، وفي الحاشية عن اللمعات. قيل: هي دابة الأرض التي تخرج في آخر الزمان ولا دليل عليه، انتهى. قلت: بل ذكر صاحب الإشاعة عن علي يخرج الدجال ومعه سبعون ألفًا من الحاكة، وهي موضع على مقدمته أشعر أي رجل كثير الشعر رواه الديلمي، فالظاهر أنه هي الدابة.стр. 1114
[موثق بسلسلة] وقد ورد (١) في الروايات أنه كان معلقًا بين السماء والأرض.
قوله [فنزى نزوة] ونزوته هذه إما أن يكون لفرحه بقرب زمان خروجه الحواشي
(١) لم أجد النص بذلك بعد ويظهر من كلام القارئ أن بعضهم أخذوا ذلك من حديث أبي داؤد ولفظه: فإذا رجل يجر شعره مسلسل في الأغلال ينزو فيما بين السماء والأرض، قال القارئ: وأبعد (*) من قال: إنه متعلق بمسلسل، انتهى. ويظهر في الإرشاد الرضى أن الشيخ لم يرد الرواية بذلك، بل أراد الجواب عن حديث لا يبقى ممن هو على ظهر الأرض أحد على رأس مائة سنة بأنه لا يصح الاستدلال به على موت الخضر فإنه مستثنى كالدجال، فإن قيل: إن الدجال كان إذ ذاك معلقًا، يقال: يمكن أن لا يكون الخضر أيضًا على الأرض، انتهى. قلت: وقد أجابوا عن الخضر بأنه كان في البحر، وعن إبليس بأنه كان في الجو، وغير ذلك من الأجوبة، انتهى.
(*) ففي بين سطور أبي داؤد عن فتح الودود فيما بين السماء متعلق بقوله ينزو أو بمسلسل، انتهى.стр. 1115
لبعث النبي ﷺ ، أو لترحه (١) لما علم مسارعة الناس إلى قبول الإسلام، وهذا معاكس لمرامه.
قوله [حتى كاد] أي كاد أن يقطع السلاسل ويتخلص منها. قوله [فكيف أنصره ظالمًا] إنما احتاج إلى السؤال عن ذلك لما أن الظاهر من نصرته ظالمًا أن يعينه على ظلمه والإعانة على الظلم حرام قبيح لا يأمر به الشارع ﵇.
قوله [من سكن البادية جفا] هذا لا ينافي ما في سكون البادية من الخير أيام الفتنة، فالخيرية والشرية بجهتين، والمراد بالجفاء غلظ القلب وقساوته، وما يغلب عليه من الجهل بالشرائع والأحكام.
قوله [ومن أتى أبواب (٢) السلطان افتتن] لأنه لا يخلو من الابتلاء بفتنة دينه أو ديناه. قوله [فتنة الرجل (٣) في أهله وماله وولده وجاره إلخ] هذا مما ينبغي أن يفتش عنه إذ المراد بذلك أن امرأته مثلاً إذا قصرت في أداء شيء من خدماته فسبها على ذلك، فإن تعديها في أمثال هذه الأمور تكفر بالصلاة وغيرها، الحواشي
(١) قال المجد: الترح محركة الهم.(٢) قال السيوطي في مرقاة الصعود: قال فضيل بن عياض: كنا نتعلم اجتناب السلطان كما نتعلم السورة من القرآن، رواه البيهقي في شعب الإيمان، والأحاديث والآثار في النهي عن مجيئ العلماء إلى السلطان كثيرة جمعتها في مؤلف يسمى ((ما رواه الأساطين في عدم المجيئ إلى السلاطين، انتهى. كذا في البذل، وقال الدمنتي في نفع القوت: افتتن ببناء فاعل ومفعول، قال ابن الخازن: سبب فتنته أنه يرى سعة الدنيا والخير هنالك فيحتقر نعمة الله عليه، وربما استخدمه، فلا يكاد يسلم في تصرفه من إثم بآجل أو عقوبة بعاجل، أو لأنه لا يمكنه إنكاره عليه بما يجب إنكاره، انتهى.(٣) قال العيني: بعد ما بسط الكلام على معنى الفتنة قال ابن بطال: فتنة الرجل في أهله أن يأتي من أجلهم ما لا يحل له من القول أو العمل مما لم يبلغ كبيرة، وقال المهلب: يريد ما يعرض له معهن من شر أو حزن أو شبهة وقوله: فتنة الرجل في ماله أن يأخذه من غير مأخذه، ويصرفه في غير مصرفه، أو التفريط بما يلزمه من حقوق المال، فتكثر عليه المحاسبة، وفتنة الرجل في ولده فرط محبتهم وشغله بهم عن كثير من الخير، أو التوغل في الاكتساب من أجلهم من غير اكتراث من أن يكون من حلال أو حرام، وفتنة الرجل في جاره أن يتمنى أن يكون حاله مثل حاله إن كان متسعًا، قال تعالى ﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً﴾ انتهى. قلت: وعلى هذه المعاني لا يرد الإشكال الذي أفاده الشيخ، وأما على مختار الشيخ في معنى الفتنة فما يخطر في ذهني القاصر من الجمع بينهما أن يقال: إن مؤدي التفكير ومؤدي المحاسبة واحد فالمقدار الذي يسقط عند المحاسبة لأجل الصلاة والصوم يسمى مكفرة، وكذلك من الجانب الآخر من أن صلاته وصومه وغيرهما مقدار ما يكفر من العدوانات تحاسب والباقي من العدوانات يجازي به، والله غفور رحيم ورحمته سبقت عذابه، قال صاحب المجمع: أو فتنته فيهم لتفريط حقوقهم وتأديبهم فإنه راع لهم، فمنها ذنوب يحاسب عليهما ومنها يرجى تكفيرها بالحسنات، انتهى.стр. 1116
وهذا مشكل بما ورد (١) في بعض الروايات أن رجلاً سأل النبي ﷺ أنه يضرب عبيده وإماءه على ما يفسدون من أموره فماذا يفعل به وبهم؟ قال النبي ﷺ : يوزن يوم القيامة خطاياهم وجناياتهم، وما أفسدوا من أمورك وما فعلت بهم على ذلك، فيجازي الظالم من كان منكم أنت أم عبيدك فأعتقهم. الحواشي
(١) فسيأتي عند المصنف عن عائشة أن رجلاً قعد بين يدي رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله إن لي مملوكين يكذبونني ويخونونني ويعصونني وأشتمهم وأضربهم، فكيف أنا منهم؟ قال: بحسب ما خانوك وعصوك وكذبوك وعقابك إياهم، فإن كان عقابك إياهم بقدر ذنوبهم كان كفافًا لا لك ولا عليك، وإن كان عقابك إياهم دون ذنوبهم كان فضلاً لك، وإن كان عقابك إياهم فوق ذنوبهم اقتص لهم منك الفضل، قال: فتنحى الرجل فجعل يبكي ويهتف، فقال رسول الله ﷺ : أما تقرأ كتاب الله ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾ الآية، فقال الرجل: والله يا رسول الله ما أجد لي ولهم شيئًا خيرًا من مفارقتهم، أشهدك أنهم أحرار كلهم، قلت: وقد ورد في معنى هذا الحديث روايات كثيرة في يوم الحساب.стр. 1117
قوله [فقال عمر] والظاهر أن (١) جثة عمر باب حاجز على حصنه، والمراد به في قوله بينك روحه فإن التأذي بالصدمات (٢) إنما هو لها لا للجسم.
قوله [ونحن تسعة: خمسة وأربعة] إنما فسر لتعيين المراد وللتقسيم بين الطائفتين. قوله [فسكتوا] إنما كان سكوتهم (٣) لما أنهم فهموا أن النبي ﷺ يسميهم الحواشي
(١) قال العيني: فإن قلت: قال أولاً إن بينك وبينها بابًا فالباب يكون بين عمر وبين الفتنة، وههنا يقول: الباب عمر، وبين الكلامين مغائرة، قلت: لا مغائرة بينهما لأن المراد بقوله بينك وبينها أي بين زمانك وبين زمان الفتنة وجود حياتك، وقال الكرماني: أو المراد بين نفسك وبين الفتنة بدنك إذ الروح غير البدن، أو بين الإسلام والفتنة، انتهى.(٢) قال المجد: الصدم ضرب صلب بمثله والفعل كضرب وإصابة الأمر، انتهى. وفي المجمع في قوله ﷺ الصبر عند الصدمة الأولى: أي عند فورة المصيبة وشدتها، والصدم ضرب الشيء بمثله، ثم استعمل في كل مكروه حصلت بغتة، انتهى.(٣) قال القارئ: سكتوا متوقفين في أن السؤال أولى أو السكوت أحرى خوفًا من أن يكون من باب ﴿لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ وعملاً بقوله ﷺ : وسكت عن أشياء رحمة لكم من غير نسيان فلا تبحثوا عنها، فلما أفاد التكرار أنه لا بد من الاختيار (قال رجل) أي كان الرجل شديد القلب فتنوينه للتعظيم (وقوله خيركم من يرجى خيره) فخير الأول بمعنى الأخير والثاني مفرد الخيور، أي من يرجو الناس منه إحسانه إليهم، وترك ذكر من يأتي منه الخير والشر ونقيضه فإنهما ساقطًا الاعتبار حيث تعارضا تساقطًا، انتهى. قلت: أو لأنهما لوجود الصفتين لم يكونا ممن يعد خيرًا أو شرًا، انتهى.стр. 1118
فيعين الخير والشر، فلم يقولوا نعم لأنهم لم يكونوا يعلمون أيهم يسمى خيرًا وأيهم شرًا، وقد كانوا يرون لتسمية النبي ﷺ وقوله في أحد خيرًا أو شرًا تأثيرًا ظاهرًا وباطنًا (١) ، فخافوا على أنفسهم أن يوسموا بسمة الشر فيخسروا في الدنيا والآخرة، إلا أنهم لما رأوا إصرار النبي ﷺ على السؤال عن ذلك بدر أحد منهم إلى التسليم رائيًا أن المقدور واقع لا محالة، وأن النبي ﷺ أرحم بهم من آبائهم وأمهاتهم فلا يفعل ما يسنضرون به.
قوله [إذا مشت أمتى المطيطاء (٢) إلخ] هذا لا يستلزم الفور في تسليط الحواشي
(١) وكان كذلك كما يدل عليه الروايات الكثيرة منها ما في الشفاء قال لرجل يأكل بشماله: كل بيمينك، فقال: لا أستطيع، قال: لا استطعت، فلم يرفعها إلى فيه، وقال لحم بن أبي العاص وكان يختلج بوجهه ويغمز: كذلك كن، فلم يزل يختلج حتى مات.(٢) قال القارئ: بضم الميم وفتح المهملة الأولى وكسر الثانية ممدودة وتقصر بمعنى التمطي، وهو المشي فيه التبختر ومد اليدين، ويروى بغير الياء الأخيرة، ونصبه على أنه مفعول مطلق أي مشى تبختر، وقيل: إنه حال أي إذا صاروا في نفوسهم متكبرين، وعلى غيرهم متجبرين، وقوله أبناء فارس والروم بدل مما قبله وبيان له، قال الشراح: هذا الحديث من دلائل نبوته ﷺ لأنه أخبر عن المغيب ووافق الواقع خبره فإنهم لما فتحوا بلاد فارس والروم، وأخذوا أموالهم وتجملاتهم وسبوا أولادهم فاستخدموهم سلط الله قتلة عثمان حتى قتلوه، ثم سلط بني أمية علي بن هاشم ففعلوا ما فعلوا وهكذا، انتهى كلام القارئ.стр. 1119
الشرار، ولا أن الفتنة تعم الكل، فلا نقص به (١) في شأن الصحابة رضوان الله تعالى عليهم أجمعين. قوله [ولا يعرف لحديث أبي معاوية عن يحيى بن سعيد إلخ] يعني أن رواية موسى بن عبيد متصلة، ورواية يحيى بن سعيد غير متصلة، فوصل أبي معاوية حديث يحيى بن سعيد يكون خطأ. قوله [عصمني الله بشيء سمعته إلخ] الباء للسببية. قوله [فلما قدمت (٢) عائشة] وكأنها كانت هي الأميرة عليهم. الحواشي
(١) أما على التوجيه الأول وهو عدم الفوز فظاهر، وأما على الثاني يعني أن الفتنة لا تعم الكل فالصحابة داخلون في الاستثناء، وكذلك في ما تقدم من كلام القارئ لا يدخل الصحابة في الشرار كما لا يخفى.(٢) ولفظ رواية البخاري عن أبي بكرة قال: لقد نفعني الله بكلمة أيام الجمل لما بلغ النبي ﷺ أن فارسًا ملكوا ابنة كسرى قال: لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة، قال الحافظ: نقل ابن بطال عن المهلب أن ظاهر حديث أبي بكرة يوهم توهين رأي عائشة فيما فعلت وليس كذلك لأن المعروف من مذهب أبي بكرة أنه كان على رأي عائشة في طلب الإصلاح بين الناس ولم يكن قصدهم القتال، لكن لما انتشبت القتال لم يكن لمن معها بعد من المقاتلة، ولم يرجع أبو بكرة عن رأي عائشة وإنما تفرس بأنهم يغلبون لما رأى الذين مع عائشة تحت أمرها لما سمع في أمر فارس، قال: ويدل لذلك أن أحدًا لم ينقل أن عائشة ومن معها نازعوا عليًا في الخلافة ولا دعوا إلى أحد منهم ليولوه الخلافة، وإنما أنكرت هي ومن معها على علي منعه من قتل قتلة عثمان، وترك الاقتصاص منهم، وكان علي ينتظر من أولياء عثمان أن يتحاكموا إليه فإذا ثبت على أحد بعينه أنه ممن قتل عثمان اقتص منه، فاختلفوا بحسب ذلك، فلما انتصر علي عليهم حمد أبو بكرة رأيه في ترك القتال معهم وإن كان رأيه موافقًا لرأي عائشة في الطلب يدم عثمان، انتهى كلامه، قال الحافظ: وفي بعضه نظر فقد أخرج البخاري في باب ((إذا التقى المسلمان بسيفهما)) من حديث الأحنف أنه كان خرج لينصر عليًا فلقيه أبو بكرة فنهاه عن القتال، وأخرج قبله بباب من قول أبي بكرة لما حرق ابن الحضرمي ما يدل على أنه كان لا يرى القتال في مثل ذلك أصلاً، فليس هو على رأي عائشة، ولا على رأي علي في جواز القتال بين المسلمين أصلاً، وإنما كان رأيه الكف وفاقًا لسعد بن أبي وقاص ومحمد بن مسلمة وعبد الله بن عمر وغيرهم، ولهذا لم يشهد صفين مع معاوية ولا علي، انتهى.стр. 1120
قوله [فقد برئ] أي برأت ذمته فلا يسأل عنه، ومن سلم (١) فإنما هو سالم عن العذاب، ولعله يسأل عنه. قوله [أفلا نقاتلهم؟ قال: لا] هذا مثل ما تقدم (٢) من أن الرعية لا تكاد تقابل الجند فمنعهم من المقابلة والمقاتلة وإن استحق الأمير العزل أو انعزل على اختلاف فيه. قوله [من ترك منكم عشر الحواشي
(١) وفسر القارئ من أنكر أي من قدر أن ينكر بلسانه عليهم قبائح أفعالهم وأنكر فقد برئ من المداهنة والنفاق، ومن كره أي من لم يقدر على ذلك -ولكن أنكر بقلبه وكره ذلك- فقد سلم من مشاركتهم في الوزر والوبال، ثم لفظ مسلم في ذلك موافق للفظ الترمذي، وخالفهما لفظ حديث أبي داؤد، والظاهر هو لفظ الترمذي وغيره.(٢) أي قبيل باب الهرج تحت قوله ﷺ : اسمعوا وأطيعوا، قال القارئ: إنما منع عن مقاتلتهم ما داموا يقيمون الصلاة التي هي عنوان الإسلام والفاروق بين الفكر والإيمان حذرًا من هيج الفتن واختلاف الكلمة، وغير ذلك مما يكون أشد نكاية من احتمال نكرهم والمصابرة على ما ينكرون منهم، انتهى.стр. 1121
ما أمر به] المراد به الإخلاص فإنه مأمور به، قال الله تعالى ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ وليس المراد به العبادات، وقد سبق تقريره فيم سبق (١) . قوله [رايات سود] هؤلاء مقاتلة المهدي يقاتلون الدجال والمهدي يكون أميرًا (٢) عليهم. الحواشي
(١) في أبواب الجهاد قبيل ((باب من خرج إلى الغزو وترك أبويه)) ..(٢) كما يدل عليه ما في المشكاة برواية أحمد والبيهقي عن ثوبان قال قال رسول الله ﷺ : إذا رأيتم الرايات السود قد جاءت من قبل خراسان فاتوها فإن فيها خليفة الله المهدي، قال القارئ: أي نصرته وإجابته فلا ينافي أن ابتداء ظهور المهدي إنما يكون في الحرمين الشريفين.стр. 1122
أبواب الرؤيا (١) عن رسول الله ﷺ الحواشي
(١) قال الحافظ: هي ما يراه الشخص في منامه، وهي على وزن ((فعلي)) وقد تسهل الهمزة، وقال الواحدي: هي في الأصل مصدر كاليسرى، فلما جعلت اسمًا لما يتخيله النائم أجريت مجرى الأسماء، وقال الراغب: الرؤية بالهاء إدراك المرء بحاسة البصر، وتطلق على ما يدرك بالتخيل نحو أرى أن زيدًا مسافرًا، وعلى التفكر النظري نحو إني أرى ما لا ترون، وعلى الرأي، وهو اعتقاد أحد النقيضين على غلبة الظن، وقال القرطبي في المفهم قال بعض العلماء: وقد تجئ الرؤيا بمعنى الرؤية كقوله تعالى ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾ فزعم أن المراد بها ما رآه النبي ﷺ ليلة الإسراء من العجائب، وكان الإسراء جميعه في اليقظة، وعكسه بعضهم فزعم أنه حجة لمن قال: إن الإسراء كان منامًا، والمعتمد الأول، وقد تقدم في تفسير الإسراء قول ابن عباس إنها رؤيا عين، قال ابن العربي: الرؤيا إدراكات علقها الله تعالى في قلب العبد على يدي ملك أو شيطان، إما بأسمائها أي حقيقتها، وإما بكناها أي عبارتها، وإما تخليط ونظيرها في اليقظة الخواطر فإنها قد تأتي على نسق في قصد، وقد تأتي مترسلة غير محصلة، وقال أبو بكر بن الطيب: إنها اعتقادات لما أن الرائي قد يرى نفسه بهيمة مثلاً، وليس هذا إدراكًا فوجب أن يكون اعتقادًا، لأن الاعتقاد قد يكون على خلاف المعتقد، قال ابن العربي: والأول أولى وما ذكره ابن الطيب من قبيل المثل فالإدراك إنما يتعلق به لا بأصل الذات، وقال المازري: كثر كلام الناس في حقيقة الرؤيا، وقال فيها غير الإسلاميين أقاويل كثيرة منكرة لأنهم حاولوا الوقوف على حقائق لا تدرك بالعقل ولا يقوم عليه برهان، وهم لا يصدقون بالسمع فاضطربت أقوالهم، فمن ينتمي إلى الطب ينسب جميع الرؤيا إلى الأخلاط فيقول: من غلب عليه البلغم رأى أنه يسبح في الماء ونحو ذلك لمناسبة الماء طبيعة البلغم، ومن غلبت عليه الصفراء رأى النيران والصعود في الجو وهكذا إلى آخره، وهذا وإن جوزه العقل لكنه لم يقم عليه دليل ولا اطردت به عادة، والقطع في موضع التجويز غلط، ومن ينتمي إلى الفلسفة يقول: إن صور ما يجرى في الأرض هي في العالم العلوي كالنقوش فما حاذى بعض النقوش منها انتقش فيها، قال: وهذا أشد فسادًا من الأول لكونه تحكمًا لا برهان عليه، والانتقاش من صفات الأجسام، وأكثر ما يجرى في العالم العلوي الأعراض والأعراض لا ينتقش فيها، قال: والصحيح ما عليه أهل السنة أن الله يخلق في قلب النائم اعتقادات كما يخلقها في قلب اليقظان، وتلك الاعتقادات تقع تارة بحضرة الملك، فيقع بعدها ما يسر أو بحضرة الشيطان فيقع بعدها ما يضر، والعلم عند الله، ونقل القرطبي عن بعض أهل العلم أن لله ملكًا يعرض المرئيات على المحل المدرك من النائم فيمثل له صورة محسوسة فتارة تكون أمثلة موافقة لما يقع في الوجود، وتارة تكون أمثلة لمعان معقولة، وتكون في الحالين مبشرة ومنذرة، وقيل: إن الرؤيا إدراك أمثلة منضبطة في التخيل جعلها الله أعلامًا على ما كان وما يكون إلى آخر ما بسطه الحافظ.стр. 1123
قوله [إذا اقترب الزمان] قيل (١) زمان الساعة، وقيل زمان الصبح، الحواشي
(١) اختلفوا في معنى الحديث على أقوال بسطها شراح البخاري، اكتفى الشيخ على بعضها اختصار فقيل: وقت استواء الليل والنهار أيام الربيع، فذلك وقت اعتدال الطبائع غالبًا، وقيل: المراد من اقتراب الزمان انتهاء مدته إذا دنا قيام الساعة، ذكر هذين المعنيين الخطابي، قال ابن بطال: الصواب الثاني، وقال الداؤدي: المراد بتقارب الزمان نقص الأيام والليالي بسرعة مرورها وذلك قرب قيام الساعة، وقيل: المعنى الرؤيا في آخر الزمان لا تحتاج إلى التعبير فلا يدخلها الكذب، والحكمة فيه أن المؤمن إذ ذاك يكون غريبًا كما في الحديث بدء الإسلام غريبًا وسيعود غريبًا، فيقل أنيس المؤمن إذ ذاك، فيكرم الله تعالى بالرؤيا الصادقة، وقيل: المراد بالزمان المذكور زمان المهدي عند بسط العدل، وكثرة الأمن، وقيل: المراد زمان الطائفة الباقية مع عيسى بعد قتله الدجال، مأخوذ من العيني زاد القارئ على بعضها، ويمكن أن يراد به زمن الدجال وأيام يأجوج ومأجوج فإنه من كثرة التعب والآلام وعدم الشعور بأزمنة الليالي والأيام تتقارب أطرافه في الأعوام، وأيضًا يحتاج المؤمن حينئذ إلى ما يستدل به على مطلوبه، ويستأنس به في طريق محبوبه فيعان له بجزء من أجزاء النبوة، انتهى. وسيأتي قريبًا قوله ﷺ في آخر الزمان لا تكاد رؤيا المؤمن تكذب.стр. 1124
أي رؤيا آخر الليل، وقيل: إذا استوى الليل والنهار فإن الملوين حينئذ لا يطول أحدهما على الآخر.
قوله [وأصدقهم رؤيا إلخ] [لتأثير (١) صدق ظاهره في باطنه الحواشي
(١) قال النووي: ظاهره أنه على إطلاقه، وحكى القاضي عن بعض العلماء أن هذا يكون في آخر الزمان عند انقطاع العلم، وموت العلماء والصالحين ومن يستضاء بقوله وعمله، فجعله الله جابرًا وعوضًا ومنبهًا لهم، والأول أظهر لأن غير الصادق في حديثه يتطرق الخلل إلى رؤياه، وحكايته إياها. انتهى. قال الحافظ: وإنما كان كذلك لأن من كثر صدقه تنور قلبه، وقوى إدراكه فانتقشت فيه المعاني على وجه الصحة، وكذلك من كان غالب حاله الصدق في يقظته استصحب ذلك في نومه فلا يرى إلا صدقًا، وهذا بخلاف الكاذب والمخلط فإنه يفسد قلبه ويظلم فلا يرى إلا تخليطًا وأضغاثًا، وقد يندر المنام أحيانًا فيرى الصادق ما لا يصح، ويرى الكاذب ما يصح، ولكن الأغلب الأكثر ما تقدم، انتهى.стр. 1125
وصدقه في كلامه في تصديقه في منامه.
قوله [جزء من ستة وأربعين جزءًا] ووجه (١) ذلك انحصار زمان نبوته ﷺ الحواشي
(١) اختلفوا في توجيه الحديث على أقاويل كثيرة بسطها شراح الحديث لا سيما الحافظ في الفتح، وما أفاده الشيخ من التوجيه حكاه الخطابي عن بعض العلماء كما قاله النووي، وما أورد عليه الخطابي أجاب عنه الحافظ، وحكى الشيخ في البذل قال التاج بن مكتوم في تذكرته: هذا من أحسن التنزيل على هذا اللفظ وأقرب مأخذًا مما قيل في ذلك، انتهى. وسيأتي بعض الأقوال الآخر قريبًا على هامش قوله جزء من أجزاء النبوة، ثم التقييد بقوله رؤيا المسلم لإخراج الكافر، وجاء مقيدًا بالصالح تارة وبالصالحة وبالحسنة وبالصادقة، فيحمل المطلق على المقيد، وهو الذي يناسب حاله حال النبي فيكرم بما أكرم به النبي، وهو الاطلاع على شيء من الغيب، فأما الكافر والمنافق والكاذب والمخلط وإن صدقت رؤياهم في بعض الأوقات فإنها لا تكون من الوحي ولا من النبوة، إذ ليس كل من صدق في شيء ما يكون خبره ذلك نبوة، فقد يقول الكاهن كلمة حق، وقد يحدث المنجم فيصيب، لكن كل ذلك على الندر والقلة، قاله الحافظ في الفتح، وقال أيضًا في موضع آخر: قال ابن العربي رؤيا المؤمن الصالح هي التي تنسب إلى أجزاء النبوة، وعندي أن رؤيا الفاسق لا تعد في أجزائها. وقيل: تعد من أقصى الأجزاء، وأما رؤيا الكافر فلا تعد أصلاً، وقال القرطبي: المسلم الصالح الصادق هو الذي يناسب حاله حال الأنبياء فأكرم بنوع مما أكرم به الأنبياء، وأما الكافر والفاسق والمخلط فلا، ولو صدقت رؤيا هم أحيانًا فذلك كما يصدق الكذوب، وليس كل من حدث عن غيب يكون خبره من أجزاء النبوة، كالكاهن والمنجم، ولفظ الرجل ذكر للغالب فلا مفهوم له، فإن المرأة الصالحة كذلك، قاله ابن عبد البر، انتهى.следующие страницы →