Полный текст (1 886 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.
стр. 1121
ما أمر به] المراد به الإخلاص فإنه مأمور به، قال الله تعالى ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ وليس المراد به العبادات، وقد سبق تقريره فيم سبق (١) . قوله [رايات سود] هؤلاء مقاتلة المهدي يقاتلون الدجال والمهدي يكون أميرًا (٢) عليهم. الحواشي
(١) في أبواب الجهاد قبيل ((باب من خرج إلى الغزو وترك أبويه)) ..(٢) كما يدل عليه ما في المشكاة برواية أحمد والبيهقي عن ثوبان قال قال رسول الله ﷺ : إذا رأيتم الرايات السود قد جاءت من قبل خراسان فاتوها فإن فيها خليفة الله المهدي، قال القارئ: أي نصرته وإجابته فلا ينافي أن ابتداء ظهور المهدي إنما يكون في الحرمين الشريفين.стр. 1122
أبواب الرؤيا (١) عن رسول الله ﷺ الحواشي
(١) قال الحافظ: هي ما يراه الشخص في منامه، وهي على وزن ((فعلي)) وقد تسهل الهمزة، وقال الواحدي: هي في الأصل مصدر كاليسرى، فلما جعلت اسمًا لما يتخيله النائم أجريت مجرى الأسماء، وقال الراغب: الرؤية بالهاء إدراك المرء بحاسة البصر، وتطلق على ما يدرك بالتخيل نحو أرى أن زيدًا مسافرًا، وعلى التفكر النظري نحو إني أرى ما لا ترون، وعلى الرأي، وهو اعتقاد أحد النقيضين على غلبة الظن، وقال القرطبي في المفهم قال بعض العلماء: وقد تجئ الرؤيا بمعنى الرؤية كقوله تعالى ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾ فزعم أن المراد بها ما رآه النبي ﷺ ليلة الإسراء من العجائب، وكان الإسراء جميعه في اليقظة، وعكسه بعضهم فزعم أنه حجة لمن قال: إن الإسراء كان منامًا، والمعتمد الأول، وقد تقدم في تفسير الإسراء قول ابن عباس إنها رؤيا عين، قال ابن العربي: الرؤيا إدراكات علقها الله تعالى في قلب العبد على يدي ملك أو شيطان، إما بأسمائها أي حقيقتها، وإما بكناها أي عبارتها، وإما تخليط ونظيرها في اليقظة الخواطر فإنها قد تأتي على نسق في قصد، وقد تأتي مترسلة غير محصلة، وقال أبو بكر بن الطيب: إنها اعتقادات لما أن الرائي قد يرى نفسه بهيمة مثلاً، وليس هذا إدراكًا فوجب أن يكون اعتقادًا، لأن الاعتقاد قد يكون على خلاف المعتقد، قال ابن العربي: والأول أولى وما ذكره ابن الطيب من قبيل المثل فالإدراك إنما يتعلق به لا بأصل الذات، وقال المازري: كثر كلام الناس في حقيقة الرؤيا، وقال فيها غير الإسلاميين أقاويل كثيرة منكرة لأنهم حاولوا الوقوف على حقائق لا تدرك بالعقل ولا يقوم عليه برهان، وهم لا يصدقون بالسمع فاضطربت أقوالهم، فمن ينتمي إلى الطب ينسب جميع الرؤيا إلى الأخلاط فيقول: من غلب عليه البلغم رأى أنه يسبح في الماء ونحو ذلك لمناسبة الماء طبيعة البلغم، ومن غلبت عليه الصفراء رأى النيران والصعود في الجو وهكذا إلى آخره، وهذا وإن جوزه العقل لكنه لم يقم عليه دليل ولا اطردت به عادة، والقطع في موضع التجويز غلط، ومن ينتمي إلى الفلسفة يقول: إن صور ما يجرى في الأرض هي في العالم العلوي كالنقوش فما حاذى بعض النقوش منها انتقش فيها، قال: وهذا أشد فسادًا من الأول لكونه تحكمًا لا برهان عليه، والانتقاش من صفات الأجسام، وأكثر ما يجرى في العالم العلوي الأعراض والأعراض لا ينتقش فيها، قال: والصحيح ما عليه أهل السنة أن الله يخلق في قلب النائم اعتقادات كما يخلقها في قلب اليقظان، وتلك الاعتقادات تقع تارة بحضرة الملك، فيقع بعدها ما يسر أو بحضرة الشيطان فيقع بعدها ما يضر، والعلم عند الله، ونقل القرطبي عن بعض أهل العلم أن لله ملكًا يعرض المرئيات على المحل المدرك من النائم فيمثل له صورة محسوسة فتارة تكون أمثلة موافقة لما يقع في الوجود، وتارة تكون أمثلة لمعان معقولة، وتكون في الحالين مبشرة ومنذرة، وقيل: إن الرؤيا إدراك أمثلة منضبطة في التخيل جعلها الله أعلامًا على ما كان وما يكون إلى آخر ما بسطه الحافظ.стр. 1123
قوله [إذا اقترب الزمان] قيل (١) زمان الساعة، وقيل زمان الصبح، الحواشي
(١) اختلفوا في معنى الحديث على أقوال بسطها شراح البخاري، اكتفى الشيخ على بعضها اختصار فقيل: وقت استواء الليل والنهار أيام الربيع، فذلك وقت اعتدال الطبائع غالبًا، وقيل: المراد من اقتراب الزمان انتهاء مدته إذا دنا قيام الساعة، ذكر هذين المعنيين الخطابي، قال ابن بطال: الصواب الثاني، وقال الداؤدي: المراد بتقارب الزمان نقص الأيام والليالي بسرعة مرورها وذلك قرب قيام الساعة، وقيل: المعنى الرؤيا في آخر الزمان لا تحتاج إلى التعبير فلا يدخلها الكذب، والحكمة فيه أن المؤمن إذ ذاك يكون غريبًا كما في الحديث بدء الإسلام غريبًا وسيعود غريبًا، فيقل أنيس المؤمن إذ ذاك، فيكرم الله تعالى بالرؤيا الصادقة، وقيل: المراد بالزمان المذكور زمان المهدي عند بسط العدل، وكثرة الأمن، وقيل: المراد زمان الطائفة الباقية مع عيسى بعد قتله الدجال، مأخوذ من العيني زاد القارئ على بعضها، ويمكن أن يراد به زمن الدجال وأيام يأجوج ومأجوج فإنه من كثرة التعب والآلام وعدم الشعور بأزمنة الليالي والأيام تتقارب أطرافه في الأعوام، وأيضًا يحتاج المؤمن حينئذ إلى ما يستدل به على مطلوبه، ويستأنس به في طريق محبوبه فيعان له بجزء من أجزاء النبوة، انتهى. وسيأتي قريبًا قوله ﷺ في آخر الزمان لا تكاد رؤيا المؤمن تكذب.стр. 1124
أي رؤيا آخر الليل، وقيل: إذا استوى الليل والنهار فإن الملوين حينئذ لا يطول أحدهما على الآخر.
قوله [وأصدقهم رؤيا إلخ] [لتأثير (١) صدق ظاهره في باطنه الحواشي
(١) قال النووي: ظاهره أنه على إطلاقه، وحكى القاضي عن بعض العلماء أن هذا يكون في آخر الزمان عند انقطاع العلم، وموت العلماء والصالحين ومن يستضاء بقوله وعمله، فجعله الله جابرًا وعوضًا ومنبهًا لهم، والأول أظهر لأن غير الصادق في حديثه يتطرق الخلل إلى رؤياه، وحكايته إياها. انتهى. قال الحافظ: وإنما كان كذلك لأن من كثر صدقه تنور قلبه، وقوى إدراكه فانتقشت فيه المعاني على وجه الصحة، وكذلك من كان غالب حاله الصدق في يقظته استصحب ذلك في نومه فلا يرى إلا صدقًا، وهذا بخلاف الكاذب والمخلط فإنه يفسد قلبه ويظلم فلا يرى إلا تخليطًا وأضغاثًا، وقد يندر المنام أحيانًا فيرى الصادق ما لا يصح، ويرى الكاذب ما يصح، ولكن الأغلب الأكثر ما تقدم، انتهى.стр. 1125
وصدقه في كلامه في تصديقه في منامه.
قوله [جزء من ستة وأربعين جزءًا] ووجه (١) ذلك انحصار زمان نبوته ﷺ الحواشي
(١) اختلفوا في توجيه الحديث على أقاويل كثيرة بسطها شراح الحديث لا سيما الحافظ في الفتح، وما أفاده الشيخ من التوجيه حكاه الخطابي عن بعض العلماء كما قاله النووي، وما أورد عليه الخطابي أجاب عنه الحافظ، وحكى الشيخ في البذل قال التاج بن مكتوم في تذكرته: هذا من أحسن التنزيل على هذا اللفظ وأقرب مأخذًا مما قيل في ذلك، انتهى. وسيأتي بعض الأقوال الآخر قريبًا على هامش قوله جزء من أجزاء النبوة، ثم التقييد بقوله رؤيا المسلم لإخراج الكافر، وجاء مقيدًا بالصالح تارة وبالصالحة وبالحسنة وبالصادقة، فيحمل المطلق على المقيد، وهو الذي يناسب حاله حال النبي فيكرم بما أكرم به النبي، وهو الاطلاع على شيء من الغيب، فأما الكافر والمنافق والكاذب والمخلط وإن صدقت رؤياهم في بعض الأوقات فإنها لا تكون من الوحي ولا من النبوة، إذ ليس كل من صدق في شيء ما يكون خبره ذلك نبوة، فقد يقول الكاهن كلمة حق، وقد يحدث المنجم فيصيب، لكن كل ذلك على الندر والقلة، قاله الحافظ في الفتح، وقال أيضًا في موضع آخر: قال ابن العربي رؤيا المؤمن الصالح هي التي تنسب إلى أجزاء النبوة، وعندي أن رؤيا الفاسق لا تعد في أجزائها. وقيل: تعد من أقصى الأجزاء، وأما رؤيا الكافر فلا تعد أصلاً، وقال القرطبي: المسلم الصالح الصادق هو الذي يناسب حاله حال الأنبياء فأكرم بنوع مما أكرم به الأنبياء، وأما الكافر والفاسق والمخلط فلا، ولو صدقت رؤيا هم أحيانًا فذلك كما يصدق الكذوب، وليس كل من حدث عن غيب يكون خبره من أجزاء النبوة، كالكاهن والمنجم، ولفظ الرجل ذكر للغالب فلا مفهوم له، فإن المرأة الصالحة كذلك، قاله ابن عبد البر، انتهى.стр. 1126
في ثلاث وعشرين سنة، وكانت رؤياه ستة أشهر هي جزء من ستة وأربعين جزءًا من ثلاث وعشرين سنة، وقد اختلفت الروايات (١) في ذلك فقد ورد في بعض منها جزء من أربعين جزءًا إلى غير ذلك، ووجه الجمع اختلاف أحوال الرجال إخلاصهم، وتفاوتهم في صدق نياتهم.
قوله [ولا يحدث (٢) به الناس] فإن لتقاولهم فيما بينهم وتذاكرهم لها أثرًا في وسوسة القلب، فيستقر بذلك، وأما إذا لم يذكرها لهم ونفل وأعرض ثم الحواشي
(١) وقد جمعها الحافظ وقال: جملة ما ورد من العدد في ذلك عشرة وهي: ٢٦ - ٤٠ - ٤٤ - ٤٥ - ٤٦ - ٤٧ - ٤٩ - ٥٠ - ٧٠ - ٧٦ - ثم قال: وأصحها مطلقًا الأول، وقد ورد أيضًا ٢٤ - ٧٢ - ٤٢ - ٢٧ - ٢٥ - فبلغت على هذه الروايات خمسة عشر لفظًا، ثم بسط الكلام على توجيه الحديث.(٢) قال الحافظ: فحاصل ما ذكر من أدب الرؤيا الصالحة ثلاثة أشياء: أن يحمد الله عليها، وأن يستبشر بها، وأن يتحدث بها لكن لمن يحب دون من يكره، وحاصل ما ذكر من أدب الرؤيا المكروهة ستة أشياء: أن يتعوذ بالله من شرها وشر الشيطان، وأن يتفل حين يهب من نومه عن يساره ثلاثًا، ولا يذكرها لأحد أصلاً، وأن يصلي ويتحول عن جنبه الذي كان عليه، ورأيت في بعض الشروح ذكر سابعة وهي قرأة آية الكرسي ولم يذكر لذلك مستندًا، فإن كان أخذه من عموم قوله في حديث أبي هريرة: ولا يقربنك شيطان فيتجه، وينبغي أن يقرأها في صلاته المذكورة، انتهى مختصرًا. ثم قال: وقد ذكر العلماء حكمة هذه الأمور، ثم بسطها فأرجع إليه لو شئت، وقال أيضًا: وأما كتمها مع أنها قد تكون صادقة فخفيت حكمته، ويحتمل أن يكون لمخالفة اشتغال سر الرائي بمكروه تفسيرها لأنها قد تبطئ، فإذا لم يخبر بها زال تعجيل روعبها وتخويفها، ويبقى إذا لم يعبرها له أحد بين الطمع في أن لها تفسيرًا حسنًا أو الرجاء في أنها من الأضغاث فيكون ذلك أسكن لنفسه، انتهى. وقال النووي: ولا يحدث بها أحدًا فسببه أنه ربما فسرها تفسيرًا مكروهًا على ظاهر صورتها، وكان ذلك محتملاً فوقعت كذلك بتقدير الله تعالى، فإن الرؤيا على رجل طائر، ومعناه أنها إذا كانت محتملة وجهين، ففسرت بأحدهما وقعت على قرب تلك الصفة، انتهى.стр. 1127
حوقل بعد ذلك واستغفر فإنه ليس مما يستقر في القلب بعد ذلك.
[باب ذهبت النبوة وبقيت المبشرات]
. قوله [فشق ذلك على الناس] لكونهم استيقنوا بقائهم في عمه (١) من الأمر وغمة من الجهل، لا ينذر أحد على سيئاته ولا يبشر على حسناته، فصاروا كالحبارى (٢) في الصحارى، فدفعه النبي ﷺ فقال: لكن المبشرات (٣) على زنة الفاعل من باب التفعيل أو مصدر ميمي من المجرد الحواشي
(١) قال المجد: العمه محركة التردد في الضلال والتبحير في منازعة أو طريق أو أن لا يعرف الحجة. انتهى.(٢) طائر معروف تقدم ذكره في الأطعمة يضرب به المثل في الحمق يقال: فلان أبله من الحبارى، فقد قيل: إن أنثاه إذا فارقت بيضها تذهل عنه، فتحضن بيض غيرها.(٣) وبالأول ضبطه عامة الشراح، والتعبير بالمبشرات خرج مخرج الغالب فإن من الرؤيا ما تكون منذرة، وهي صادقة يريها الله للمؤمن رفقًا به ليستعد لما يقع قبل وقوعها، كذا في المرقاة.стр. 1128
بفتح الميم وكسر الشين. قوله [جزء من أجزاء النبوة] أي (١) خصلة من الحواشي
(١) قال الحافظ: وقد استشكل كون الرؤيا جزءًا من النبوة مع أن النبوة انقطعت بموت النبي ﷺ فقيل في الجواب: إن وقعت الرؤيا من النبي ﷺ فهي جزء من أجزاء النبوة حقيقة، وإن وقعت من غير النبي فهي جزء من أجزاء النبوة على سبيل المجاز، وقال الخطابي قيل: معناه أن الرؤيا تجئ على موافقة النبوة لا أنها جزء باق من النبوة، وقيل: المعنى أنها جزء من علم النبوة، لأن النبوة وإن انقطعت فعلمها باق، وتعقب بقول مالك أنه سئل أيعبر بالرؤيا كل واحد؟ فقال: أبالنبوة يلعب، ثم قال: الرؤيا جزء من النبوة فلا يلعب بالنبوة، والجواب أنه لم يرد أنها نبوة باقية، وإنما أراد أنها لما أشبهت النبوة من جهة الاطلاع على بعض الغيب لا ينبغي أن يتكلم فيها بغير علم، وقال ابن بطال: كون الرؤيا جزءًا من النبوة مما يستعظم ولو كانت جزءًا من ألف جزء فيمكن أن يقال: إن لفظ النبوة مأخوذ من الأنباء، وهو الإعلام لغة، فالمعنى أن الرؤيا خبر صادق من الله لا كذب فيه، كما أن معنى النبوة نبأ صادق من الله لا يجوز عليه الكذب، فشابهت الرؤيا للنبوة في صدق الخبر، وقال المازري: يحتمل أن يراد بالنبوة في هذا الحديث الخبر بالغيب لا غير، وإن كان يتبع ذلك إنذار أو تبشير، فالخبر بالغيب أحد ثمرات النبوة، وهو غير مقصودة لذاته، وقال ابن العربي: أجزاء النبوة لا يعلم حقيقتها إلا ملك أو نبي، وإنما القدر الذي أراده النبي ﷺ أن يبين أن الرؤيا جزء من أجزاء النبوة في الجملة، لأن فيه اطلاعًا على الغيب من وجه ما، وأما تفصيل النسبة فيختص بمعرفة درجة النبوة، وقال المازري: لا يلزم العالم أن يعرف كل شيء جملة وتفصيلاً فقد جعل الله للعالم حدًا يقف عنده، فمنه ما يعلم المراد به جملة وتفصيلاً، ومنه ما يعلمه جملة لا تفصيلاً، وهذا من هذا القبيل، انتهى.стр. 1129
خصال النبي وكمال من كماله.
قوله [يراها المسلم أو ترى له] أما الأول فكأن يرى نفسه في خير أو غيره ففي ذلك فضل لمن رآه ظاهر، وأما للرائي ففضل أيضًا لكونه قد رأى خيرًا، وإن رأى لآخر، وأما الثاني أي ترى له ففيه فضل ظاهر لمن رآه الرائي في خير، وأما الرائي فله في ذلك بشارة أيضًا.
[باب قول النبي ﷺ : من رآني في المنام (١) إلخ] ذهب المتقدمون إلى أن ذلك حيث الحواشي
(١) اختلفت الروايات في هذا الحديث، ولفظ حديث الباب: من رآني في المنام فقد رآني، وفي روايات: فقد رأى الحق، وفي أخرى فسيراني، وبسط الحافظ الكلام على هذا الحديث، وذكر للسياق الثالث ستة معان، وقال النووي: اختلف العلماء في معنى قوله ﷺ : فقد رآني فقال ابن الباقلاني: معناه أن رؤياه صحيحة ليست بأضغاث، ولا من تشبيهات الشيطان، ويؤيده قوله: فقد رأى الحق أي الرؤية الصحيحة، قال: وقد يراه الرائي خلاف صفته المعروفة كمن رأه أبيض اللحمة، وقد يراه شخصان في زمن واحد أحدهما في المشرق والآخر في المغرب، ويراه كل منهما في مكانه، وحكى المازري هذا عن ابن الباقلاني، ثم قال: وقال آخرون: بل الحديث على ظاهره والمراد من رآه فقد أدركه، ولا مانع يمنع من ذلك، والعقل لا يحيله حتى يضطر إلى صرفه عن ظاهره، فأما قوله: بأنه قد يرى على خلاف صفته أو في مكانين معًا، فإن ذلك غلط في صفاته، وتخيل لها على خلاف ما هي عليه، وقد يظن الظان بعض الخيالات مرئيًا لكون ما يتخيل مرتبطًا بما يرى في العادة فتكون ذاته مرئية، وصفاته متخيلة غير مرئية، والإدراك لا يشترط فيه تحديق الأبصار ولا قرب المسافة، ولا كون المرئي مدفونًا في الأرض، ولا ظاهرًا عليها، وإنما يشترط كونه موجودًا، ولم يقم دليل على فناء جسمه ﷺ ، بل جاء في الحديث ما يقتضي بقاءه قال: ولو رآه يأمر بقتل من يحرم قتله كان هذا من الصفات المتخيلة لا المرئية، هذا كلام المازري، وقال القاضي: ويحتمل أن يكون قوله ﷺ : فقد رآني إذا رآه على صفته المعروفة له في حياته، فإن رأى على خلافها كانت رؤيا تأويل لا رؤيا حقيقة، وهذا الذي قاله القاضي ضعيف، بل الصحيح أنه يراه حقيقة سواء كان على صفته المعروفة أو غيرها، كما ذكره المازري، انتهى كلام النووي، وقال القارئ: فكأنه قد رآني في عالم الشهود، ولكن لا يبتني عليه الأحكام لبصير به من الصحابة، وليعمل بما سمع به في تلك الحالة، كما هو مقرر في محله، وقيل: أراد به أهل زمانه، أي من رآني في المنام يوفقه الله تعالى لرؤيتي في اليقظة إما في الدنيا أو في الآخرة، ويدل عليه رواية: فسيراني، ولعل التعبير بصيغة الماضي تنزيلاً للمستقبل منزلة المحقق الواقع في الحال، وإن كان يقع في المآل، وقيل: يراه في الآخرة على وفق منامه بحسب مقامه، وقيل: هو بمعنى الإخبار أي من رآني في المنام فأخبروه بأن رؤيته حقيقة ليست بأضغاث أحلام، انتهى. وقد أخرج البخاري عن ابن سيرين قال: إذا رآه في صورته، قال الحافظ: روينا هذا التعليق موصولاً عن أيوب قال: كان محمد يعني ابن سيرين إذا قص عليه رجل أنه رأى النبي ﷺ قال: صف لي الذي رأيته، فإن وصف له صفة لا يعرفها قال: لم تره، وسنده صحيح، ويؤيده ما أخرج الحاكم من طريق عاصم بن كليب حدثني أبي قلت لابن عباس: رأيت النبي ﷺ في المنام قال: صفه لي قال: ذكرت الحسن بن علي فشبهته قال: قد رأيته، وسنده جيد، ويعارضه ما أخرجه ابن أبي عاصم عن أبي هريرة مرفوعًا: من رآني في المنام فقد رآني فإني أرى في كل صورة، وفي سنده صالح مولى التوأمه وهو ضعيف لاختلاطه، وهو من رواية من سمع منه بعد الاختلاط، ويمكن الجمع بينهما بما قال ابن العربي: رؤية النبي ﷺ على صفته المعلومة إدراك على الحقيقة، ورؤيته على غير صفته إدراك للمثال، إلى آخر ما بسطه الحافظ في الفتح بما لا مزيد عليه، انتهى.стр. 1130
وآه في الحلية التي هي حلية آخر عمره ﷺ ، وقال الآخرون: بل كل حلية النبي ﷺ سواء كان حلية آخر عمره أو غير ذلك، وذهب المتأخرون وهو الحق (١) إلى أن الرائي لما رآه ﷺ في أي حلية كانت وعلم بالقرائن أنه النبي ﷺ فهو هو لا غيره، سواء رآه على حليته المنقولة عنه أولاً (٢) والاختلاف فيه حينئذ يرجع إلى اختلاف حال الرائي بحسب إيمانه ونياته وأموره الباطنية.
[باب إذا رأى في المنام ما يكره ما يصنع]
قوله [فإنها لا تضره] أي يذهب بذلك وسواسه (٣) وإلا فالمقدور كائن لا محالة إن كان الذي رآه حقًا مطابقًا الحواشي
(١) ففي البذل عن فتح الودود: قيل هذا مختص بصورته المعهودة فيعرض على الشمائل الشريفة المعلومة فإن طابقت الصورة المرئية تلك الشمائل فهي رؤيا حق، وإلا فالله تعالى أعلم بذلك، وقيل: بل في أي صورة كانت، وقد رجحه كثير بأن الاختلاف إنما يجئ من أحوال الرائي، انتهى.(٢) نسبة الحلية إليه ﷺ باعتبار ما هو المعروف عند أهل الفن أن روايات الحلية مرفوعة، قال الحافظ ابن حجر: الأحاديث الواردة في صفته ﷺ من قسم المرفوع اتفاقًا مع كونها ليست قولاً له، ولا فعلاً ولا تقريرًا، قاله المناوي.(٣) قال الحافظ: استدل به على أن للوهم تأثيرًا في النفوس، لأن التفل وما ذكر معه يدفع الوهم الذي يقع في النفس من الرؤيا، فلو لم يكن للوهم تأثير لما أرشد إلى ما يدفعه، انتهى. وقال أيضًا في حديث أبي سعيد رفعه إذا رأى أحدكم رؤيا يحبها فإنما هي من الله فليحمد الله عليها، وليحدث بها، وإذا رأى غير ذلك مما يكره فإنما هي من الشيطان الحديث، ظاهر الحصر أن الرؤيا الصالحة لا تشتمل على شيء مما يكرهه الرائي، ويؤيده مقابلة رؤيا البشرى بالحلم، وإضافة الحلم إلى الشيطان، وعلى هذا ففي قول أهل التعبير ومن تبعهم أن الرؤيا الصادقة قد تكون بشرى، وقد تكون إنذارًا نظر لأن الإنذار غالبًا يكون فيما يكره الرائي، ويمكن الجمع بأن الإنذار لا يستلزم وقوع المكروه، وبأن المراد بما يكره ما هو أعم من ظاهر الرؤيا، ومما نعبر به، قال القرطبي: ظاهر الخير أن هذا النوع من الرؤيا يعني ما كان فيه تهويل أو تخويف أو تحزين هو المأمور بالاستعاذة منه، لأنه من تخيلات الشيطان، فإن استعاذ الرائي منه صادقًا في التجائه إلى الله وفعل ما أمر به من التفل والتحول والصلاة أذهب الله عنه ما به، وما يخافه من مكروه ذلك، ولم يصبه منه شيء، وقيل: بل الخبر على عمومه فيما يكرهه الرائي يتناول ما تسبب به الشيطان، وما لا تسبب له فيه، وفعل الأمور المذكورة مانع من وقوع المكروه كما جاء أن الدعاء يدفع البلاء، والصدقة تدفع ميتة السوء، وكل ذلك بقضاء الله وقدره، لكن الاسباب عادات لا موجودات، انتهى.стр. 1131
للواقع، وغير المقدور غير واقع لا محالة. قوله [إلا لبيبًا أو حبيبًا] لأن (١) الحواشي
(١) قال أبو إسحق في قوله لا تقصها إلا على واد أو ذي رأي: الواد الذي لا يحب أن يستقبلك في تعبيرها إلا بما تحب، وإن لم يكن عالمًا بالعبارة فلا يعجل لك بما يغمك، لا أن تعبيرها يزيلها عما جعلها الله عليه، وأما ذو الرأي فمعناه ذو العلم بعبارتها وأنه يخبرك بحقيقة تفسيرها أو بأقرب ما يعلم منها، فلعله أن يكون في تفسيره موعظة يردعك عن قبيح أنت عليه، أو يكون فيه بشرى فتشكر الله على النعمة فيها، كذا في البذل.стр. 1132
الحبيب لمحبته إياك واللبيب للبه لا يقول إلا خيرًا فيسرك، وإن كان غير ذلك عبر بما يضرك فيسوءك
قوله [وهي على رجل طائر] قال الأستاذ أدام الله علينا ظلال جلاله وأفاض علينا بركات أفضاله: لا يناسب ههنا تقرير الشراح وأصحاب الحواشي (١) لكثرة ما يرد عليه من الشبهات والغواشي، ولعل مراده ﷺ بكونه على رجل طائر أن صاحبه لا يكون منه استقرار على أمر ما محصل، وإنما يتخلج في نفسه تعبير لرؤياه، ثم يبدو له ثان وثالث، فيأخذ في تغليظ ما فهم أولاً وهكذا، فكأن رؤياه على رجل طائر فلا يستقر على مقر، حتى إذا عبره أول المعبرين رسخ قوله في قلبه لعدم المزاحم كما يظهر بالتأمل في قاعدة أصحاب المعاني من أن خالي الذهن عن الحكم والتردد لا يحتاج في الإخبار له إلى توكيد، وهذا هو المعبر عنه بقوله ﷺ : سقطت أي استقرت على مستقر، وقرت في مقر، حتى أن إزالته عن القلب لا يمكن إلا بعد معالجة زائدة. قوله [وكان يقول] هذا يحتمل (٢) كونه من الحواشي
(١) ففي الحاشية عن المجمع: على رجل طائر أي على رجل قدر جار وقضاء ماض من خير أو شر، وإنه هو الذي قسمه الله لصاحبها، من قولهم اقتسموا دارًا فطار سهم فلان في ناحيتها، أي وقع سهمه وخرج، وكل حركة من كلمة أو شيء تجري لك هو طائر، يعني أن الرؤيا هي التي يعبرها المعبر الأول فكأنها كانت على رجل طائر فسقطت حين عبرت، كما يسقط ما يكون على رجل طائر بأدنى حركة، انتهى. وفي البذل: قال الخطابي: هذا مثل ومعناه أنه لا يستقر قرارها ما لم يعبر، انتهى.(٢) رويت الرواية بألفاظ مختلفة في كتب الروايات، ولفظ البخاري في ((باب القيد في المنام)) بسنده إلى عوف عن محمد بن سيرين أنه سمع أبا هريرة يقول قال رسول الله ﷺ : إذا اقترب الزمان لم تكد رؤيا المؤمن تكذب، ورؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة، وما كان من النبوة فإنه لا يكذب، قال محمد: وأنا أقول هذه، قال: وكان يقال الرؤيا ثلاث: حديث النفس، وتخويف الشيطان، وبشرى من الله، فمن رأى شيئًا يكرهه فلا يقصه على أحد وليقم فليصل، قال: وكان يكره الغل في النوم وكان يعجبهم القيد، ويقال: القيد ثبات في الدين، ورواه قتادة ويونس وهشام وأبو هلال عن ابن سيرين عن أبي هريرة عن النبي ﷺ ، وأدرجه بعضهم كله في الحديث، وحديث عوف أبين، وقال يونس: لا أحسبه إلا عن النبي ﷺ ، انتهى. وبسط شراح البخاري سيما الحافظان ابن حجر والعيني في شرح كلام البخاري، وبسطًا في ذكر من وقف ووصل أجزاء الرواية، والاحتمالات الثلاثة التي ذكرها الشيخ حكاها الحافظ ابن حجر عن الطيبي وغيره، ثم بسط طرق الرواية وذكر في جملتها حديث الترمذي هذا، وقال: هذا ظاهر في أن الأحاديث كلها مرفوعة، وقال قال القرطبي: هذا الحديث وإن اختلف في رفعه ووقفه فإن معناه صحيح لأن القيد في الرجلين تثبيت للمقيد في مكانه، فإذا رآه من هو على حالة كان ذلك دليلاً على ثبوته على تلك الحالة، وأما كراهة الغل فلأن محله الأعناق نكالاً وعقوبة وقهرًا وإذلالاً، وقد يسحب على وجهه ويخر على قفاه فهو مذموم شرعًا وعادة، انتهى. فقد ورد في الآيات الكثيرة الأغلال في أعناق الكفار، قال القارئ: وفيه إيماء أيضًا على اختيار الخلوة وترك الجلوة كما هو شأن أرباب العزلة من ترك الخروج بالأقدام، وكره الغل لأنه صفة أهل النار، وأيضًا الرقبة مستثقلة بالذمة من حقوق الله وغيره، فهو تقييد للعنق بتحمل الدين أو المظالم، انتهى.стр. 1133
كلامه ﷺ ، ومن كلام أبي هريرة، ومن كلام ابن سيرين، إلا أنه ثبت بإسناد آخر كونه مرفوعًا فالحمل عليه هو الأولى.
стр. 1134
[باب الذي في يكذب في حلمه (١) ] قوله [كلف يوم القيامة عقد شعيرة] وجه ذلك (٢) أنه أخبر بالمحال فيكلف المحال، ففي الكذب في الرؤيا زيادة نسبة إلى الحواشي
(١) وافق المصنف في ذلك تبويب البخاري إذ بوب في صحيحه ((باب من كذب في حلمه)) أي باب في إثم الذي يكذب، والحلم بضم المهملة وسكون اللام ما يراه النائم، قال الحافظ: وحديث على هذا سنده حسن، وقد صححه الحاكم، ولكنه من رواية عبد الأعلى بن عامر ضعفه أبو زرعة، انتهى.(٢) ولفظ البخاري بسنده إلى ابن عباس مرفوعًا: من تحلم بحلم لم يره كلف أن يعقد بين شعرتين ولن يفعل، ومن صور صورة عذب وكلف أن ينفخ فيها، وليس بنافخ، قال الحافظ: ومعنى العقد بين الشعرتين أن يفتل إحداهما بالأخرى، وهو مما لا يمكن عادة، ومناسبة الوعيد المذكور للكاذب في منامه وللمصور أن الرؤيا خلق من خلق الله، وهي صورة معنوية فأدخل بكذبه صورة لم تقع، كما أدخل المصور في الوجود صورة ليست بحقيقية، لأن الصورة الحقيقية هي التي فيها الروح، فكلف صاحب الصورة اللطيفة أمرًا لطيفًا، وهو الاتصال المعبر بالعقد بين الشعرتين، وكلف صاحب الصورة الكثيفة أمرًا شديدًا، وهو أن يتم ما خلقه بزعمه بنفخ الروح، ووقع وعيد كل منهما بأنه يعذب حتى يفعل ما كلف به، وهو ليس بفاعل، فهو كناية عن تعذيب كل منهما على الدوام، وقال أيضًا قال المهلب: في قوله كلف أن يعقد بين شعرتين حجة الأشعرية في تجويزهم تكليف ما لا يطاق، ومثله في قوله تعالى ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ(٤٢) ﴾ وأجاب من منع ذلك بقوله تعالى ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ وحملوه على أمور الدنيا وحملوا الآية والحديث المذكورين على أمور الآخرة، انتهى. والمسألة مشهورة فلا نطيل بها، والحق أن التكليف المذكور في قوله: كلف أن يعقد ليس هو التكليف المصطلح، وإنما هو كناية عن التعذيب كما تقدم، انتهى.стр. 1135
غيره من الكذبات، وهو أنه لما كان جزء من النبوة كان الكذب فيه خيانة في التبليغ وهي أشد، وفيه دعوى (١) أنه تعالى ألقى إلي وألهمني مع أنه لم يلق ولم يلهم. قوله [ثم أعطيت فضلي عمر بن الخطاب] هذا (٢) لا يشير إلى أبي بكر بشيء حتى يجاب عنه، فإن علوم الصحابة وكذا غيرهم من أمته ﷺ إنما هي من علومه، وليس في ذلك الحديث مقدار علمه أو مرتبته في العلم بين الصحابة ومزيته عليهم فيه، حتى يحتاج إلى الجمع بينه وبين روايات أعلمية أبي بكر. الحواشي
(١) قال الحافظ: أما الكذب في المنام، فقال الطبري: إنما اشتد فيه الوعيد مع أن الكذب في اليقظة قد يكون أشد مفسدة منه، إذ قد تكون شهادة في قتل، أوحد أو أخذ مال، لأن الكذب في المنام كذب على الله تعالى أنه أراده ما لم يره، والكذب على الله أشد من الكذب على المخلوقين، لقوله تعالى ﴿وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ﴾ الآية، وإنما كان الكذب في المنام كذبًا على الله لحديث الرؤيا جزء من النبوة، وما كان من أجزاء النبوة فهو من قبل الله تعالى، انتهى ملخصًا.(٢) لله در الشيخ ما أجاد ولم تبق إذًا فاقة إلى توجيهات ذكرها الشراح، ووجه الحافظ بتوجيه آخر، فقال: ووجه التعبير بذلك من جهة اشتراك اللبن والعلم في كثرة النفع وكونهما سببًا للصلاح، فاللبن للغذاء البدني، والعلم للغذاء المعنوي، وفي الحديث فضيلة عمر وأن الرؤيا من شأنها أن لا تحمل على ظاهرها، وإن كانت رؤيا الأنبياء من الوحي لكن منها ما يحتاج إلى تعبير، ومنها ما يحمل على ظاهره، والمراد بالعلم ههنا العلم بسياسة الناس، بكتاب الله وسنة رسول الله ﷺ ، واختص عمر بذلك لطول مدته بالنسبة إلى أبي بكر وباتفاق الناس على طاعته بالنسبة إلى عثمان، فإن مدة أبي بكر كانت قصيرة فلم يكثر فيها الفتوح التي هي أعظم الأسباب في الاختلاف، ومع ذلك فساس عمر فيها مع طول مدته الناس بحيث لم يخالفه أحد، ثم ازدادت اتساعًا في خلافة عثمان، فانتشرت الأقوال واختلفت الآراء، ولم يتفق له ما اتفق لعمر من طواعية الخلق له، فنشأت من ثم الفتن إلى أن أفضى الأمر إلى قتله، واستخلف علي فما ازداد الأمر إلا اختلافًا، والفتن إلا انتشارًا، انتهى. وقال القارئ: قال العلماء بين عالم الأجسام وعالم الأرواح عالم آخر يقال له عالم المثال، والنوم سبب لسير الروح في عالم المثال ورؤية ما فيه من الصور غير الجسد، والعلم مصور بصور اللبن في ذلك العالم بمناسبة أن اللبن أول غذاء البدن وسبب صلاحه، والعلم أول غذاء الروح وسبب صلاحه، وقيل: التجلي العلمي لا يقع إلا في أربع صور، الماء، واللبن، والخمر، والعسل، تناولتها آية فيها ذكرت أنهار الجنة فمن شرب الماء يعطي العلم اللدني، ومن شرب اللبن يعطي العلم بأسرار الشريعة، ومن شرب الخمر يعطي العلم بالكمال، ومن شرب العسل يعطي العلم بطريق الوحي، وقد قال بعض العارفين: إن الأنهار الأربعة عبارة عن الخلفاء، ويطابقه تخصيص اللبن بعمر في هذا الحديث، انتهى.стр. 1136
قوله [رأيت الناس إلخ] لا يذهب عليك أن اللام فيه ليس للاستغراق بل المراد بذلك بعض من أمته ليس (١) فيه أبو بكر. الحواشي
(١) على أنه ليس في الحديث كلمة حصر، وتخصيص يخرج غيره، وقد قال الحافظ: والجواب تخصيص أبي بكر من عموم قوله عرض على الناس، فلعل الذين عرضوا إذ ذاك لم يكن فيهم أبو بكر، وإن كون عمر عليه قميص يجره لا يستلزم أن لا يكون على أبي بكر قميص أطول منه وأسبغ، فلعله كان كذلك إلا أن المراد كان حينئذ بيان فضيلة عمر فاقتصر عليها، قال القارئ: قوله ومنها ما دون ذلك، أي قمص أقصر منه أو أطول منه أو أعم، بناء على أن دون ذلك بمعنى غير ذلك، لقوله تعالى ﴿وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ﴾ وفي فتح الباري: يحتمل أن يريد دونه من جهة السفل وهو ظاهر فيكون أطول، ويحتمل أن يريد دونه من جهة العلو فيكون أقصر، ويؤيد الأول ما في رواية الحكيم الترمذي من طريق آخر عن ابن المبارك عن يونس عن الزهري في هذا الحديث: فمنهم من كان قميصه إلى سرته، ومنهم من كان قميصه إلى ركبته، ومنهم من كان إلى إنصاف ساقيه، وقوله الدين بالنصب أي أولته الدين، وفي نسخة بالرفع أي المؤول به الدين، والمعنى يقام الدين في أيام خلافته مع طول زمان إمارته وبقاء أثر فتوحاته، أو لأن الدين يشيد الإنسان ويحفظه ويقيه المخالفات كوقاية الثوب وشموله، قال النووي: القميص الدين، وجره يدل على بقاء آثاره الجميلة وسنته الحسنة في المسلمين، انتهى. قلت: ومما يشير إلى أن أبا بكر لا يذكر في هذه المواضع لما أنه يفوق منها بمراحل ما أخرجه صاحب المشكاة برواية رزين عن عائشة قالت: بينا رأس رسول الله ﷺ في حجري في ليلة ضاحية إذ قلت: يا رسول الله هل يكون لأحد من الحسنات عدد نجوم السماء؟ قال: نعم عمر، قلت: فأين حسنات أبي بكر؟ قال: إنما جميع حسنات عمر كحسنة واحدة من حسنات أبي بكر.стр. 1137
[باب ما جاء في رؤيا النبي ﷺ في الميزان والدلو]
إنما قال ذلك مع أن النبي ﷺ لم ير شيئًا في الميزان هو مذكور ههنا كما يتضح بالنظر في الأحاديث الآتية (١) (بياض في الأصل). قوله [فرأينا الكراهية في وجه رسول الله ﷺ ] قال الأستاذ أدام الله بره على الوافدين وغمر بالمنة الصادرين منهم والواردين: الحواشي
(١) بياض في الأصل، ولا أدري هل سقط ههنا شيء في النقل أو لم يتفق للشيخ نور الله مرقده كتابته، ولعله أراد إشارة إلى ما ورد عن رؤيا ﷺ في الميزان: فقد قال القارئ: أخرج أحمد في مسنده عن ابن عمر قال: خرج علينا رسول الله ﷺ ذات غداة بعد طلوع الشمس فقال: رأيت قبل الفجر كأني أعطيت المقاليد والموازين، فأما المقاليد فهي المفاتيح، وأما الموازين فهي التي يوزن بها، ووضعت في كفة ووضعت أمتي في كفة فرجحت، ثم جيء بأبي بكر فوزن بهم فرجح، ثم جيء بعمر فوزن بهم فرجح الحديث.стр. 1138
لا أدري ماذا قالوا (١) ههنا في وجه الكراهية وليست أحصله، فإن قولهم لم يكن بينهما معادلة فيه نقض ظاهر، وعدول عن الحق باهر، أفلست ترى أن ما بين عثمان وعلي كما بين أبي بكر وعمر وهكذا، فلا معنى لنفي ما يوازن رأسًا كما ارتكبوا (٢) الحواشي
(١) قال القارئ: أحزن النبي ﷺ ما ذكر الرجل من رؤياه، وذلك لما علم ﷺ من أن تأويل رفع الميزان انحطاط رتبة الأمور وظهور الفتن بعد خلافة عمر، ومعنى رجحان كل من الآخر في الميزان أن الراجح أفضل من المرجوح، وإنما لم يوزن عثمان وعلي لأن خلافة علي على اختلاف الصحابة، فرقة معه وفرقة مع معاوية، فلا تكون خلافة مستقرة متفقًا عليها، ذكره ابن الملك، وقال التوربشتي: إنما ساءه -والله أعلم- ما عرفه من تأويل رفع الميزان، فإن فيه احتمالاً لانحطاط رتبة الأمر في زمان. القائم به بعد عمر عما كان عليه من النفاذ والاستعلاء والتمكن بالتأييد، ويحتمل أن يكون المراد من الوزن موازنة أيامهم لما كان نظر فيها من رونق الإسلام وبهجته، ثم إن الموازنة تراعي في الأشياء المتقاربة مع مناسبة فيظهر الرجحان، فإذا تباعدت كل التباعد لم يوجد للموازنة معنى فلهذا رفع الميزان، انتهى.(٢) كما تقدم في آخر كلام القارئ، وهكذا حكاه المحشي عن اللمعات إذ قال: إن الموازنة إنما يراعي في أشياء متقاربة مع مناسبة ما، فإذا تباعدت كل تباعد لم يوجد للموازنة معنى فلذا رفع الميزان، انتهى.стр. 1139
بل الحق عندي في وجه الكراهية أن النبي ﷺ حين تذكر بذكرة منامه ما يرد على أمته من الفتن والمصائب حزن لذلك (بياض) (١) . قوله [عن رؤيا النبي الحواشي
(١) بياض ههنا في المنقول عنه، ولا أدري هل سقوط من الناقل أو من الشيخ بنفسه، ولا يبعد أن يكون ههنا شيء يتعلق بحديث ورقة، واختلف في إسلامه وصحبته، وظاهر حديث الباب، وكذا ظاهر حديث الوحي عند البخاري وغيره أنه مؤمن، قال القسطلاني تحت حديث الوحي: ظاهره أنه أقر بنبوته ولكنه مات قبل الدعوة إلى الإسلام فيكون مثل بحيرًا، وفي إثبات الصحبة له نظر لكن في زيادات المغازي من رواية يونس عن ابن إسحاق فقال له ورقة: أبشر ثم أبشر، فأنا أشهد أنك الذي بشر به ابن مريم وأنك نبي مرسل الحديث، وفي آخره: فلما توفى قال رسول الله ﷺ : لقد رأيت القس في الجنة عليه ثياب الحرير لأنه آمن بي وصدقني، وأخرجه البيهقي من هذا الوجه في الدلائل، وقال: إنه منقطع، ومال البلقيني إلى أنه يكون بذلك أول من أسلم من الرجال، وبه قال العراقي في نكته علي ابن الصلاح، وذكره ابن مندة في الصحابة، انتهى. قلت: وذكره الحافظ في القسم الأول من الإصابة، وذكر الاختلاف فيه، وقال العيني: قال الكرماني: إن قلت ما قولك في ورقة أيحكم بإيمانه؟ قلت: لا شك أنه كان مؤمنًا بعيسى ﵇، وأما الإيمان بنبينا فلم يعلم أن دين عيسى قد نسخ عند وفاته أم لا، فلئن ثبت أنه كان منسوخًا في ذلك الوقت فالأصح أن الإيمان التصديق، وهو صدقه من غير أن يذكر ما ينافيه، وفي مستدرك الحاكم من حديث عائشة أن النبي ﷺ قال: لا تسبوا ورقة فإنه كان له جنة أو جنتان، ثم قال: هذا حديث صحيح على شرطهما، ثم ذكر العيني حديث الترمذي هذا وأجاب عن كلام المصنف في عثمان بالتقوية بما ورد في الباب.стр. 1140
صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر] معناه رؤيا النبي ﷺ نفسه وأبا بكر وعمر، فالإضافة فيه إلى المفعول، والفاعل متروك (١) الذكر.
قوله [فيه ضعف والله يغفر له] وأما وجه (٢) الضعف فليس يرجع الحواشي
(١) هذا هو الظاهر في رواية الترمذي بلفظ: وأبي بكر بحرف العطف، بخلاف رواية البخاري بسنده إلى سالم عن أبيه عن رؤيا النبي ﷺ في أبي بكر وعمر، الحديث. ففي هذا السياق الإضافة إلى الفاعل، ونسخ الترمذي من الهندي والمصرية متظافرة على هذا السياق، أي على حرف العطف، قال الحافظ: قوله عن رؤيا النبي ﷺ كأنه تقدم للتابعي سؤال عن ذلك، فأخبره الصحابي، وفي الحديث (أي في سياق البخاري) اختصار يوضحه غيره، وإن النبي ﷺ بدأ أولاً فنزع في البئر، ثم جاء أبو بكر، انتهى بتغير.(٢) قال القارئ: قوله والله يغفر له جملة حالية دعائية وقعت اعتراضية مبينة أن الضعف الذي وجد في نزعه لما يقتضيه تغير الزمان وقلة الأعوان، غير راجعة إليه بنقيصة، وقال القاضي: لعل القليب إشارة إلى الدين الذي هو منبع ما به تحيا النفوس، ويتم أمر المعاش، ونزع الماء في ذلك إشارة إلى أن هذا الأمر ينتهي من الرسول إلى أبي بكر، ومنه إلى عمر، ونزع أبي بكر ذنوبًا أو ذنوبين إشارة إلى قصر مدة خلافته، وأن الأمر يكون بيده سنة أو سنتين، ثم ينتقل إلى عمر، وكان مدة خلافته سنتين وثلاثة أشهر، وضعفه فيه إشارة إلى ما كان في أيامه من الاضطراب والارتداد، أو إلى ما كان له من لين الجانب والمداراة مع الناس، ويدل عليه قوله غفر الله له، وهو اعتراض ذكره ﷺ ليعلم أن ذلك موضوع ومغفور عنه غير قادح في منصبه، وقال النووي: قوله في نزعه ضعف ليس فيه حط لمنزلته، ولا إثبات فضيلة عمر عليه، إنما هو إخبار عن مدة ولايتهما، وكثرة انتفاع الناس في ولاية عمر لطولها واتساعها، وقوله والله يغفر له ليس فيه نقص، ولا إشارة إلى ذنب، إنما هي كلمة كان المسلمون يزينون بها كلامهم، وقد جاء في صحيح مسلم أنها كلمة كان المسلمون يقولونها، افعل كذا والله يغفر لك، انتهى. وقال الحافظ في الفتح: اتفق من شرح هذا الحديث على أن ذكر الذنوب إشارة إلى مدة خلافته، وفيه نظر، لأنه ولى سنتين وبعض سنة، فلو كان ذلك المراد لقال: ذنوبين أو ثلاثة، والذي يظهر لي أن ذلك إشارة إلى ما فتح في زمانه من الفتوح الكبار وهي ثلاثة، ولذلك لم يتعرض في ذكر عمر إلى ذكر ما نزعه من الدلاء، وإنما وصف نزعه بالعظمة إشارة إلى كثرة ما وقع في خلافته من الفتوحات، وقوله في نزعه ضعف أي على أنه على مهل ورفق، وقوله والله يغفر له قال النووي: هذا دعاء من المتكلم، أي لا مفهوم له، وقال غيره: إشارة إلى قرب وفاة أبي بكر، وهو نظير قوله تعالى لنبيه ﷺ : ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا(٣) ﴾ فإنها إشارة إلى قرب وفاة النبي ﷺ ، ويحتمل أن يكون إشارة إلى أن قلة الفتوح في زمانه لا صنع له فيه لأن سببه قصر مدته، فمعنى المغفرة له رفع الملامة عنه، انتهى. والحديث ذكره البخاري في مناقب أبي بكر، ومال العيني إلى أن وجهه ذكره قبل عمر، وتقدمه عليه في النزع، قلت: أو لما أنه وقع له نظير ما وقع للنبي ﷺ من الإشارة بقرب الأجل كما تقدم، ففيه مناسبة تامة معه ﷺ .стр. 1141
إلى نقص في فضل الصديق، بل السبب في ذلك ما كان في زمنه من تزلزل في الملك، وارتداد في الإسلام، حتى أن أمثال عمر -وكان علمًا في بأسه (١) ونجدته- قد كان تخوف كما يظهر بالمراجعة إلى كتب السير. الحواشي
(١) قال المجد: البأس العذاب، والشدة في الحرب بؤس ككرم، باسًا فهو بئيس شجاع، وقال: أيضًا النجد الشجاع الماضي فيما يعجز غيره، وقد نجد ككرم نجادة ونجدة، والذي أشار إليه الشيخ مشهور في كتب السير، فقد قال السيوطي في تاريخ الخلفاء: أخرج الإسماعيلي عن عمر قال: لما قبض رسول الله ﷺ ارتد من ارتد من العرب، وقالوا: نصلي ولا نزكي، فأتيت أبا بكر فقلت: يا خليفة رسول الله تألف الناس وارفق بهم، فإنهم بمنزلة الوحش، فقال: رجوت نصرتك وجئتني بخذلانك، جبارًا في الجاهلية خوارًا في الإسلام، بماذا عسيت أتألفهم، بشعر مفتعل أو بسحر مفتري، هيهات هيهات مضى النبي ﷺ وانقطع الوحي، والله لأجاهدنهم ما استمسك السيف في يدي وإن منعوني عقالاً، قال عمر: فوجدته في ذلك أمضى مني وأصرم، وأدب الناس على أمور هانت على كثيرة من مؤنتهم حين وليتهم، انتهى.стр. 1142
قوله [في آخر الزمان لا تكاد رؤيا المؤمن تكذب] ووجه (١) ذلك أن الغرائب والخوارق تظهر حينئذ إتمامًا للحجة، وإيقاظًا عن سنة الغفلة كتكلم الحواشي
(١) قال الحافظ: وحاصل ما اجتمع من كلامهم في معنى قوله ﷺ إذا اقترب الزمان إذا كان المراد به آخر الزمان ثلاثة أقوال: أحدها أن العلم بأمور الديانة لما يذهب غالبه بذهاب غالب أهله، وتعذرت النبوة في هذه الأمة عرضوا بالمرأى الصادقة ليجدد لهم ما قد درس من العلم، والثاني أن المؤمنين لما يقل عددهم، ويغلب الكفر والجهل والفسق على الموجودين يؤنس المؤمن ويعان بالرؤيا الصادقة إكرامًا له، وعلى هذين القولين لا يختص ذلك بزمان معين، بل كلما قرب فراغ الدنيا، وأخذ أمر الدين في الاضمحلال تكون رؤيا المؤمن الصادق أصدق، والثالث أن ذلك خاص بزمان عيسى بن مريم، وأولها أولاها، انتهى. قلت: والأوجه من الكل ما أفاده الشيخ.стр. 1143
الفخذ والسوط إلى غير (١) ذلك من الفتن.
قوله [كاذبين يخرجان من بعدي] أي بعد رؤيتي (٢) هذه، ووجه (٣) الحواشي
(١) فقد تقدم قريبًا عن أبي سعيد مرفوعًا: والذي نفسي بيده لا تقوم الساعة حتى تكلم السباع الأنس، وحتى تكلم الرجل عذبة سوطه، وشراك نعله، وتخبره فخذه بما أحدث أهله بعده، انتهى.(٢) وهذا أوجه مما أول هذا الحديث النووي وغيره من شراح الحديث، وتوضيح ذلك أنه اختلفت الروايات في هذا اللفظ، فلفظ البخاري من حديث أبي هريرة: فأولتهما الكذابين أنا بينهما، صاحب صنعاء وصاحب اليمامة، قال الحافظ: هذا ظاهر في أنهما كانا حين قص الرؤيا موجودين، وهو كذلك، لكن وقع في رواية ابن عباس يخرجان بعدي، والجمع بينهما أن المراد بخروجهما بعده ظهور شوكتهما ومحاربتهما ودعواهما النبوة، نقله النووي عن العلماء، وفيه نظر لأن ذلك كله ظهر للأسود بصنعاء في حياته ﷺ ، فأدعى النبوة، وعظمت شوكته، وحارب المسلمين، وغلب على البلد، وآل أمره إلى أن قتل في حياة النبي ﷺ ، وأما مسيلمة فأدعى النبوة في حياة النبي ﷺ لكن لم تعظم شوكته، ولم تقع محاربته إلا في عهد أبي بكر، فأما أن يحمل ذلك على التغليب، وإما أن يكون المراد بقوله بعدي أي بعد نبوتي، انتهى.(٣) اختلف في وجه هذا التعبير كما بسطه الحافظ، وما أفاده الشيخ أيضًا موجه، وقريب منه ما حكاه القارئ عن القاضي إذ قال: قال القاضي وجه تأويل السوارين بالكذابين المذكورين -والعلم عند الله- أن السوار يشبه قيد اليد والقيد فيها يمنعها عن البطش، ويكفها عن الاعتمال والتصرف على ما ينبغي، فيشابه من يقوم بمعارضته، ويأخذ بيده فيصده عن أمره، انتهى.стр. 1144
التأويل المذكور أنهما قبضًا على يدي النبي ﷺ ، وهما الجارحة والكاسبة، فكأنهما منعاه عن إشاعة دينه، ونشر نبوته، وطيرانهما بالنفخ هلاكهما من دون افتقار إلى فضل علاج.
قوله [أصبت بعضًا وأخطأت بعضًا] قد تفرقوا (١) في تبيين الخطأ على الحواشي
(١) اختلفوا في موضع الخطأ على أقوال ذكر الشيخ منها ثلاثة لشهرتها وكثرة قائليها، فقد قال الحافظ: قال الملهب موضع الخطأ قوله: ثم وصل له، لأن في الحديث: ثم وصل، ولم يذكر ((له)) وتعقبه الحافظ: بأن ((له)) ثابت في الروايات، ثم قال: والعجب من القاضي عياض فإنه قال في الإكمال: قيل خطؤه في قوله: فيوصل له، وليس في الرؤيا إلا أنه يوصل، وليس فيها ((له))، ولذلك لم يوصل لعثمان، وإنما وصلت الخلافة لعلي، وموضع التعجب سكوته عن تعقب هذا الكلام مع كون هذه اللفظة ثابتة في صحيح مسلم الذي يتكلم عليه. ثم قال: وقيل الخطأ ههنا بمعنى الترك. أي تركت بعضًا لم تفسره، وقال الإسماعيلي: قيل السبب في قوله أخطأت بعضًا أن الرجل لما قص على النبي ﷺ رؤياه كان النبي ﷺ أحق بتعبيرها من غيره، فلما طلب تعبيرها كان ذلك خطأ، والمراد بقوله قيل ابن قتيبة فإنه القائل بذلك، ووافقه على ذلك جماعة، وتعقبه النووي تبعًا لغيره فقال: هذا فاسد لأنه ﷺ قد أذن له ذلك، قال الحافظ: مراد ابن قتيبة أنه لم يأذن له ابتداء، بل بادر هو بالسؤال، لكن في إطلاق الخطأ على ذلك نظر لأنه خلاف ما يتبادر من جواب قوله: هل أصبت؟ فإن الظاهر أنه أراد الإصابة والخطأ في التعبير، ومن ثم قال ابن التين ومن بعده: الأشبه بظاهر الحديث أن الخطأ في تأويل الرؤيا، قال الحافظ: ويؤيده تبويب البخاري حيث قال: من لم يرد الرؤيا لأول عابر إذا لم يصب، وقال ابن هبيرة: إنما كان الخطأ لكونه أقسم ليعبرنها بحضرة النبي ﷺ ، ولو كان الخطأ في التعبير لم يقره عليه، وقال ابن التين: قيل أخطأ لكون المذكور في للرؤيا شيئين العسل، والسمن، ففسرهما بشيء واحد، وكان ينبغي أن يفسرهما بالقرآن والسنة، ذكر لك عن الطحاوي وحكاه الخطيب عن أهل العلم بالتعبير، وجزم به ابن العربي فقال: قالوا ههنا وهم أبو بكر فإنه جعل السمن والعسل معنى واحدًا، وهما معنيان القرآن والسنة، قال: ويحتمل أن يكون السمن والعسل العلم والعمل، ويحتمل أن يكونا الفهم والحفظ، وقيل: المراد بقوله اخطأت وأصبت أن تعبير الرؤيا مرجعه الظن، والظن يخطئ ويصيب، وقيل: الخطأ في خلع عثمان لأنه في المنام رأى أنه آخذ بالسبب فانقطع به، وذلك يدل على انخلاعه بنفسه، وتفسير أبي بكر بأنه يأخذ به رجل فينقطع به ثم يوصل له، وعثمان قد قتل قهرًا، ولم يخلع نفسه، فالصواب أن يحمل وصله على ولاية غيره، وقد اختلف في تفسير القطع، فقيل: معناه القتل. وأنكره ابن العربي إذ لو كان كذلك لشاكه عمر، لكن قتل عمر لم يكن بسبب العلو، بل بجهة عداوة مخصوصة، وقتل عثمان كان من الجهة التي علا بها، وهي الولاية فلذلك جعل قتله قطعًا، وقال ابن العربي: أخبرني أبي أنه قيل: وجه الخطأ أن الصواب في التعبير أن الرسول هو الظلة، والسمن والعسل القرآن والسنة، وقيل: وجه الخطأ أنه جعل السبب الحق وعثمان لم ينقطع به الحق، وإنما الحق أن الولاية كانت بالنبوة، ثم صارت بالخلافة فاتصلت لأبي بكر وعمر، ثم انقطعت بعثمان لما كان ظن به، ثم صحت براءته فأعلاه الله ولحق بأصحابه، قال: وسألت بعض الشيوخ العارفين عن تعيين الوجه الذي أخطأ فيه أبو بكر فقال: من الذي يعرفه؟ ولئن كان تقدم أبي بكر بين يدي النبي ﷺ للتعبير خطأ، فالتقدم بين يدي أبي بكر لتعيين خطأه أعظم وأعظم، فالذي يقتضيه الدين والحزم الكف عن ذلك، قلت: وهذا الأخير هو الوجه عندي، قال الحافظ: وجميع ما تقدم من لفظ الخطأ والتوهم وغيرهما إنما أحكيه عن قائليه، ولست راضيًا بإطلاقه في حق الصديق، وقال الكرماني: إنما أقدموا على تبيين ذلك مع كون النبي ﷺ لم يبينه لأنه كان يلزم من تبيينه مفسدة إذ ذاك فزالت بعده، مع أن جميع ما ذكروه إنما هو بطريق الاحتمال، ولا جزم في شيء من ذلك، انتهى ما في الفتح.стр. 1145
ثلاثة أقوال، والظاهر أن الثلاثة بأسرها لا تصح، أما الذي قالوا من أن الخطأ
стр. 1146
تعبير السمن والعسل بالقرآن، وحقهما أن يعبرا بالكتاب والسنة، ففيه أن الكتاب والسنة كأنهما شيء واحد فإن الكتاب تبيان لكل شيء، وإنما السنة تظهره، أو يقال: إن الكتاب والسنة كلاهما وحي، وإنما التفاوت في التلاوة، فهذا لا يستلزم التخطية، وأما قولهم: إن الخطاء إقدامه للتعبير فليس بشيء، لأنه بعد الإجازة لا يسمى خطأ، وأما قولهم: إن الخطأ تركه تعيين الرجال فهذا لا يسمى خطأ، وإنما هو تقصير في بيان المرام، وإجمال في سوق الكلام، بل الأوجه في توجيه الخطأ أن يقال: إن قول الرائي: ثم أخذ به رجل فقطع به، ثم وصل له فعلاً به، كان محتاجًا إلى تعبير، ولم يكن على ظاهره من أن الرجل المقطوع له هو الذي يوصل له الحبل، بل الموصول له إنما هو نائبه وخليفته، وعبر عنه في منامه عنه لأن فعله فعله، وأما أبو بكر فعبره على ظاهره.
قوله [لا تقسم] لأن الاستحسان (١) في بره، وهذا ينافي المصالح الحواشي
(١) يعني مقتضى الاستحسان بر قسمه وفيه مفسدة، قال النووي: هذا الحديث دليل لما قاله العلماء أن إبرار المقسم المأمور به في الأحاديث الصحيحة إنما هو إذا لم تكن في الأبرار مفسدة ولا مشقة ظاهرة، فإن كان لم يؤمر بالأبرار لأن النبي ﷺ لم يبرر قسم أبي بكر لما رأى في إبراره من المفسدة، ولعل المفسدة ما علمه من سبب انقطاع السبب في عثمان، وهو قتله وتلك الحروب والفتن المترتبة عليه، فكره ذكرها مخافة من شيوعها، أو أن المفسدة لو أنكر عليه مبادرته ووبخه بين الناس، أو أنه أخطأ في ترك تعيين الرجال الذين يأخذون بالسبب بعد النبي ﷺ ، وكان في بيانه ﷺ أعيانهم مفسدة، انتهى. قال الخطابي: فيه مستدل لمن ذهب إلى أن القسم لا يكون يمينًا بمجرده حتى يقول: أقسمت بالله، وذلك أن النبي ﷺ قد أمر بإبرار المقسم، فلو كان يمينًا لأشبه أن يبره، وإلى هذا ذهب مالك والشافعي، وقد يستدل به من يرى القسم يمينًا بوجه آخر، فيقول: لولا أنه يمين ما كان النبي ﷺ يقول لا تقسم، وإلى ذلك ذهب أبو حنيفة وأصحابه، انتهى، هكذا في البذل. قلت: لفظ القسم يمين عندنا الحنفية كما صرح به في الفروع، وما حكى الخطابي من موافقة مالك الشافعي يأبى عنه كلام ابن رشد إذ قال في البداية: اختلفوا في قول القائل أقسم أو أشهد إن كان كذا وكذا هل هو يمين أم لا، على ثلاثة أقوال، فقيل: ليس بيمين وهو أحد قولي الشافعي، وقيل: يمين ضد القول الأول، وبه قال أبو حنيفة، وقيل: إن أراد الله بها فهو يمين وإلا لا، وهو مذهب مالك، انتهى مختصرًا. فعلم أن في مذهب مالك تفصيلاً، وما ذكر الخطابي من الاستدلال بالحديث فلا يصح، فقد قال القاضي: في الحديث أن من قال: أقسم لا كفارة عليه، لأن أبا بكر لم يزد على قوله أقسم، قال النووي: وهذا الذي قاله القاضي عجب، فإن الذي في جميع نسخ صحيح مسلم أنه قال: فوالله يا رسول الله لتحدثني، وهذا صريح يمين، انتهى.стр. 1147
العديدة. وبذلك يعلم أن الرجل إذا حلف آخر لا يجب عليه إبراره ولا على الحالف، ولو أبره المحلوف فهو مستحسن، ولا شيء في الخنث على أحد منهما.
стр. 1148
أبواب الشهادات (١) عن رسول الله ﷺ
قوله [الذي يأتي بشهادته قبل أن يسألها] قد وقع في ظاهر هذا والذي يأتي (٢) من بعد من ذم قوم يشهدون ولا يستشهدون تعارض دفعه العلماء بأن الأول: حين خاف فوت الحق. والثاني: في غير ذلك، والظاهر أن منطوق أحدهما غير متناول للآخر حتى يلزم التعارض، فإن الخيرية في الحديث الأول تنبئ عن كونه أدى شهادته لله تعالى، لا لنفسه أو غير ذلك، وفشو الكذب (٣) في الحواشي
(١) جمع شهادة، وهي مصدر شهد يشهد، قال الجوهري: الشهادة خبر قاطع، والمشاهدة المعاينة مأخوذة من الشهود أي الحضور، لأن الشاهد مشاهد لما غاب عن غيره، مأخوذة من الإعلام، هكذا في الفتح، وقال الراغب: الشهادة قول صادر عن علم حصل بمشاهدة بصيرة أو بصر، انتهى. وفي حواشي الهداية: الشهادة في اللغة عبارة عن الإخبار بصحة الشيء عن مشاهدة وعيان، ولذا قالوا: إنها مشتقة عن المشاهدة التي تنبئ عن المعاينة، وفي اصطلاح أهل الفقه عبارة عن إخبار صادق في مجلس الحكم بلفظ الشهادة، انتهى.(٢) ما سيأتي من لفظ الحديث: يعطون الشهادة قبل أن يسألوها، وفي حديث عمر: حتى يشهد الرجل ولا يستشهد، وما أفاده الشيخ من لفظ الحديث تقدم قريبًا من حديث عمران عند المصنف في الفتن.(٣) فلفظ الحديث: ثم يفشوا الكذب حتى يشهد الرجل ولا يستشهد، فلفظстр. 1149
_________
((حتى)) أصرح قرينة على ما أفاده الشيخ، وإلى هذا التوجيه أشار المصنف أيضًا فيما سيأتي من كلامه، قال النووي: قوله ألا أخبركم بخير الشهداء إلخ في المراد بهذا الحديث تأويلان: أصحهما وأشهرهما تأويل مالك وأصحاب الشافعي أنه محمول على من عنده شهادة لإنسان بحق ولا يعلم ذلك الإنسان أنه شاهد، فيأتي إليه فيخبره بأنه شاهد له، والثاني أنه محمول على شهادة لحسبة، وذلك في غير حقوق الآدميين المختصة بهم، فمما تقبل فيه شهادة الحسبة الطلاق والعتق والوقف والوصايا العامة والحدود ونحو ذلك، فمن علم شيئًا من هذا النوع وجب عليه رفعه إلى القاضي وإعلامه به، وحكى تأويل ثالث أنه محمول على المجاز والمبالغة في أداء الشهادة بعد طلبها لا قبله، كما يقال: الجواد يعطي قبل السؤال، أي يعطي سريعًا عقب السؤال من غير توقف، وليس في هذا الحديث مناقضة للحديث الآخر في ذم من يأتي بالشهادة قبل أن يستشهد في قوله ﷺ : يشهدون ولا يستشهدون، وقد تأول العلماء هذا تأويلات: منها أنه محمول على شاهد الزور، فيشهد بما لا أصل له ولم يستشهد، ومنها أنه محمول على من ينتصب شاهدًا وليس هو من أهل الشهادة، ومنها أنه يشهد لقوم بالجنة أو بالنار من غير توقف، وهذا ضعيف، انتهى. وزاد العيني على بعضها قال ابن بطال: والشهادة المذمومة لم يرد بها الشهادة على الحقوق، إنما أريد بها الشهادة في الإيمان يدل عليه قول النخعي رواية في آخر الحديث: وكانوا يضربوننا على الشهادة، فدل هذا من قول إبراهيم أن الشهادة المذمومة هي قول الرجل: أشهد بالله ما كان كذا على كذا على معنى الحلف فكره ذلك، وهذه الأقوال أقوال الذين جمعوا بين الحديثين، انتهى. يعني ومال آخرون إلى ترجيح أحد الحديثين على الآخر، قال الحافظ: اختلف العلماء إلى ترجيحهما فجنح ابن عبد البر إلى ترجيح حديث زيد بن خالد لكونه من رواية أهل المدينة فقدمه على رواية أهل العراق، وبالغ فزعم أن حديث عمران لا أصل له، وجنح غيره إلى ترجيح حديث عمران لاتفاق صاحبي الصحيح عليه، وانفراد مسلم بإخراج حديث زيد، انتهى.
стр. 1150
الحديث الثاني قرينة على أن إقدامه على الشهادة من غير استشهاد مبني على كذبه، أو هو مبني على الشر، وإن كان صدقًا في الواقع.
قوله [لا تجوز شهادة خائن (١) ولا خائنة] النظر إلى مجموع (٢) الحواشي
(١) قال القارئ: أي المشهور بالخيانة في أمانات الناس دون ما ائتمن الله عليه عباده من أحكام الدين، كذا قاله بعض علمائنا من الشراح، قال القاضي: ويحتمل أن يكون المراد به الأعم منه، وهو الذي يخون فيما اتئمن عليه، سواء ما ائتمنه الله عليه من أحكام الدين أو الناس من الأموال، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ﴾ فالمراد بالخائن هو الفاسق، وهو من فعل كبيرة أو أصر على الصغائر، انتهى.(٢) كما يدل عليه رد شهادة الخائن للفسق، وكذا المحدود، وكما يدل رد شهادة ذي الغمر والمجرب والقانع، لا سيما الظنين في الولاء للتهمة، فتهمة الوالد للولد أكثر من تهمة هؤلاء الأربع، قال ابن رشد في البداية: والنظر في الشهود في ثلاثة أشياء: في الصفة، والجنس، والعدد، أما عدد الصفات المعتبرة في قبول الشاهد بالجملة فهي خمسة: العدالة، والبلوغ، والإسلام، والحرية، ونفى التهمة، وهذه منها متفق عليها، ومنها مختلف فيها، فأما العدالة فإن المسلمين اتفقوا على اشتراطها في قبول شهادة الشاهد لقوله تعالى ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ واختلفوا فيما هي العدالة، ثم بسط الاختلاف، وقال: اتفقوا على أن شهادة الفاسق لا تقبل لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ﴾ الآية، ثم قال: وأما التهمة التي سببها المحبة، فإن العلماء أجمعوا على أنها مؤثرة في إسقاط الشهادة، واختلفوا في رد شهادة العدل بالتهمة لموضع المحبة أو البغضة التي سببها العداوة الدنيوية، فقال بردها فقهاء الأمصار، إلا أنهم اتفقوا في مواضع على إعمال التهمة، وفي مواضع على إسقاطها، وفي مواضع اختلفوا فأعملها بعضهم وأسقطها بعضهم، فما اتفقوا عليه رد شهادة الأب لابنه والابن لأبيه، وكذلك الأم لأبنها وابنها لها، ثم ذكر بعض فروع هذا الباب سيأتي بيان بعضها قريبًا، وقال: أما أبو ثور، وشريح، وداؤد، فإنهم قالوا: تقبل شهادة الأب لابنه فضلاً عمن سواه، انتهى مختصرًا.стр. 1151
ألفاظ هذا الحديث حاكم بأن شهادة الفاسق والمتهم غير مقبولة، وكذا شهادة الولد للوالد وعكسه، لكونه متهمًا في ذلك، ثم قوله: مجلود حدًا إن أريد بالحد غير حد القذف، فهو ما لم يتب، وإن أريد حد القذف فشهادته (١) مردودة وإن تاب، ووجه ذلك أما نقلاً فاتفاق القراء على جواز الوقف على قوله تعالى أبدًا، فكان قوله: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ جملة على حدة فيتصل الاستثناء به، وأما عقلاً فلكون القاذف قد اجترم ما كان حقه أن يقطع لسانه لكنه لما كان مثله، الحواشي
(١) اختلف ههنا في مسألتين إحداهما ما ذكرها الجصاص في أحكام القرآن إذ قال: حكم الله تعالى في القاذف إذا لم يأت بأربعة شهداء على ما قذفه بثلاثة أحكام: الجلد، وبطلان الشهادة، والحكم بتفسيقه إلى أن يتوب، واختلف أهل العلم في لزوم هذه الأحكام له بعد اتفاقهم على وجوب الحد عليه بنفس القذف عند عجزه عن إقامة البنية على الزنا، فقال قائلون: قد بطلت شهادته، ولزمته سمة الفسق قبل إقامة الحد عليه، وهو قول الليث والشافعي، وقال أبو حنيفة وأبو يوسف وزفر ومحمد ومالك: شهادته مقبولة ما لم يحد، انتهى. وهذه المسألة بسطها الرازي لكن الشيخ لما لم يذكرها طوينا عن ذكرها، والثانية التي نظم جواهرها الشيخ فيстр. 1152
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(٤) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ الآية، إلى أقرب مذكور إليه، أو على الجملة إلا ما خصصه الإجماع، وهو أن التوبة لا تسقط عنه الحد، انتهى. قال العيني: شهادته لا تقبل أبدًا عند الحنفية لأن رد الشهادة من تتمة الحد لأنه يصلح جزاء، فيكون مشاركًا للأول في كونه حدًا، وقوله ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ لا يصلح جزاء، لأنه ليس بخطاب للأئمة، بل هو إخبار عن صفة قائمة بالقاذفين، فلا يصلح أن يكون من تمام الحد، لأنه كلام مبتدأ على سبيل الاستيناف منقطع عما قبله، لعدم صحة عطفه على ما سبق، لأن قوله: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ جملة إخبارية ليس بخطاب للأئمة، وما قبله جملة إنشائية خطاب للأئمة، وكذا قوله: ولا تقبلوا جملة إنشائية خطاب للأئمة، فيصلح أن يكون عطفًا على قوله فاجلدوا، والشافعي قطع قوله ولا تقبلوا عن قوله فأجلدوا مع دليل الاتصال وهو كونه جملة إنشائية صالحة للجزاء مفوضة إلى الأئمة مثل الأولى، وواصل قوله ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ مع قيام دليل الانفصال وهو كونه جملة اسمية غير صالحة للجزاء، انتهى.стр. 1153
وأيضًا ففيه تعطيله عن مصالح دنياه وآخرته جوزي بأن قوله لا يعتبر أبدًا، وأيضًا فمبنى الجنايات على الخفاء ما أمكن الجاني كالزنا والسرقة وشرب الخمر، إلا القذف فمبناه على التشهير، وإلا فالقذف في موضع خال عن غير القاذف لا يفيد فجوزي على ذلك باشتهاره في سوءته.
قوله [ولا ذي غمر لاحنة ولأخيه (١) ] وعلى الوجهين فاللام متعلق الحواشي
(١) كلام الشيخ مبني على النسختين، واختلفت نسخ الترمذي في هذا اللفظ، ففي النسخة المصرية ((ولا ذي عمر لأخيه)) وفي النسخ الهندية ((لاحنة))، وجمع الشيخ كلتا النسختين تعميمًا وتوضيحًا للمعنى، وفي الحواشي الهندية عن اللمعات: قوله لاحنة، هكذا وقع، والصواب ولا ذي غمر لأخيه بالياء، وقد ذكره الدارقطني وصاحب الغريبين بلفظ يدل على صحة هذا، وهو إلا ذي غمر لأخيه، قلت: أكثر ما روى ولا ذي غمر على أخيه، وهو الموافق للقياس، إلا أن يقال: اللام بمعنى على، انتهى. قلت: ولا يحتاج إلى تصريف اللام إلى معنى على في توجيه الشيخ، وهو أن يقال: إنه متعلق بالغمر، نعم يحتاج إذا قيل: إنه يتعلق بالشهادة كما لا يخفى، والحديث ذكره صاحب المشكاة عن الترمذي بلفظ: على أخيه بالياء، قال القارئ: أي قوله على أخيه أي المسلم، يعني لا تقبل شهادة عدو على عدو، سواء كان أخاه من النسب أو أجنبيًا، وعلى هذا إنما قال: على أخيه تليينًا لقلبه وتقبيحًا لصنيعه، انتهى. وما في النسخ الهندية من قوله لاحنة لم يذكر صاحب المجمع وغيره في هذا اللفظ هذا الحديث، نعم قال في شرح حديث آخر: وفي صدره إحنة أي حقد، وجمعها إحن وإحنات، والحنة والحنات لغة فيه، وقال المجد: الاحنة بالكسر الحقد والغضب، وقد أحن كسمع فيهما والمواحنة المعاداة، انتهى.стр. 1154
بالغمر لا الشهادة يعني أن غمره لوجه (١) دنياوي، كذلك الإشارة في قوله ولا ذي غمر لأخيه ثابتة إلى أن الغمر لوجه دنياوي، وإلا فالإخوة لا تبقى دون ذلك. الحواشي
(١) قال ابن رشد: أما اختلافهم في قبول شهادة العدو على عدوه فقال مالك والشافعي: لا تقبل، وقال أبو حنيفة: تقبل، انتهى. قلت: ما في عامة فروع الحنفية أنها لا تقبل شهادته، قال الزيلعي على الكنز: لأن المعاداة لأجل الدني حرام، فمن ارتكبها لا يؤمن من التقول عليه، أما إذا كانت العداوة دينية فتقبل، لأنها من التدين فتدل على قوة دنيه وعدالته، وهذا لأن المعاداة قد تكون واجبة بأن رأى فيه منكرًا شرعًا، ولم ينته بنهيه، والذي يوضح هذا المعنى أن المسلمين مجمعون على قبول شهادة المسلم على الكافر، والعداوة الدينية قائمة بينهما، انتهى. وهكذا في البحر، ثم قال ابن نجيم: إن المصرح به في غالب كتب أصحابنا، والمشهور على ألسنة فقهائنا ما ذكره المصنف من التفصيل، ونقل في القنية أن العداوة بسبب الدنيا لا تمنع ما لم يفسق بسببها، أو يجلب منفعة، أو يدفع بها عن نفسه مضرة، وهو الصحيح وعليه الاعتماد، ثم بسط الكلام على ذلك، وأجاب عن الحديث بأنه يمكن حمله على ما إذا كان غير عدل بدليل أن الحقد فسق للنهي عنه، ثم قال: وقد ذكر ابن وهبان تنبيهات حسنة لم أرها لغيره، الأول الذي يقتضه كلام صاحب القنية والمبسوط أنا إذا قلنا: إن العداوة قادحة في الشهادة تكون قادحة في حق جميع الناس لا في حق العدو فقط، وهو الذي يقتضيه الفقه، فإن الفسق لا يتجزأ حتى يكون فاسقًا في حق شخص عدلاً في حق آخر، انتهى. وفي الفتاوى الخير سئل في جماعة بينهم وبين شخص عداوة دنيوية هل تقبل شهادتهم عليه؟ أجاب لا تقبل شهادتهم عليه للتهمة مطلقًا ولا على غيره حيث كانت فسقًا لأن الفسق لا يتجزأ، ثم ذكر التنبيه الأول المذكور في كلام ابن وهبان وتعقبه، فقال: بل الظاهر من كلامهم أن عدم القبول للتهمة لا للفسق، ويؤيده ما في كلامهم أن شهادة العدو على عدوه لا تقبل، فالتقييد بكونها على عدوه ينفي ما عداه، انتهى مختصرًا.стр. 1155
قوله [ولا القانع (١) أهل البيت لهم] أي الذين منافعهم مشتركة، ورد الحواشي
(١) وفي المرقاة: قال المظهر القانع السائل المقتنع الصابر بأدنى قوت، والمراد به ههنا أن من كان في نفقة أحد كالخادم والتابع، لا تقبل شهادته له لأنه يجر نفعًا بشهادته إلى نفسه، لأن ما حصل من المال للمشهود له بعود نفعه إلى الشاهد لأنه يأكل من نفقته، ولذلك لا تقبل شهادة من جر نفعًا بشهادته إلى نفسه، كالوالد يشهد لولده أو الوالد لوالده، أو الغريم يشهد بمال للمفلس على أحد، وتقبل شهادة أحد الزوجين للآخر خلافًا لأبي حنيفة وأحمد، وتقبل شهادة الأخ لأخيه خلافًا لمالك، انتهى. قلت: وما حكى من الاختلاف في شهادة الزوجين والأخ يأباه كلام ابن رشد إذ قال في شهادة الزوجين أحدهما للآخر: إن مالكًا ردها وأبا حنيفة، وأجازها الشافعي وأبو ثور، وقال ابن أبي ليلى: تقبل شهادة الزوج لزوجه لا شهادتها له، وبه قال النخعي، ومما اتفقوا على إسقاط التهمة فيه شهادة الأخ لأخيه ما لم يدفع بذلك عن نفسه عارًا على ما قال مالك، وما لم يكن منقطعًا إلى أخيه يناله بره وصلته ما عدا الأوزاعي فإنه قال لا تجوز، انتهى. وفي الهداية: لا تقبل شهادة أحد الزوجين للآخر، قال ابن الهمام: قال الشافعي تقبل، وبقولنا قال مالك وأحمد، وقال ابن أبي ليلى والثوري والنخعي: لا تقبل شهادة الزوجة لزوجها، لأن لها حقًا في ما له لوجوب نفقتها، وتقبل شهادته لها لعدم التهمة، انتهى. وفي الهداية تحت قوله ﷺ : ولا الأجير لمن استأجره: والمراد بالأجير على ما قالوا التلميذ الخاص الذي يعد ضرر أستاذه ضرر نفسه ونفعه نفع نفسه، وهو معنى قوله ﷺ : لا شهادة للقانع بأهل البيت لهم، قال ابن الهمام: قال أبو عبيد: القانع التابع لأهل البيت كالخادم لهم يعني ويطلب معاشه منهم، انتهى. وفي الدر المختار: أو التلميذ الخاص الذي يعد ضرر أستاذه ضرر نفسه ونفعه نفع نفسه، وهو معنى قوله ﷺ : لا شهادة للقانع بأهل البيت، أي الطالب معاشه منهم، من القنوع لا من القناعة، انتهى.стр. 1156
شهادته للتهمة، والقانع المنحصر قوته على أهل بيت، وكذلك الحكم لغيره (١) ممن منافعهم متحدة مشتركة. قوله [ولا ظنين إلخ] الظنين (٢) في الولاء له معنيان، أي المتهم في ادعائه ولاء أو قرابة، كأن يدعي أنه مولي لفلان أو قريب لفلان، وقد كان المدعي لذلك متهمًا في ذلك القول فشهادته غير مقبولة مطلقًا، لما أن الظاهر من الحواشي
(١) كما سيأتي التصريح بذلك في كلام الجصاص في أحكام القرآن، وفي البدائع: ومنها (أي من الشرائط) أن لا يجر الشاهد إلى نفسه مغنمًا، ولا يدفع عن نفسه مغرمًا بشهادته، لقوله ﷺ لا شهادة لجار المغنم ولا لدافع المغرم، ولأن شهادته إذا تضمنت معنى النفع أو الدفع، فقد صار متهمًا، ولا شهادة للمتهم على لسان رسول الله ﷺ ، انتهى.(٢) قال القارئ: وإنما رد شهادته لأنه ينفي الوثوق عن نفسه، وقال المظهر: يعني من قال أنا عتيق فلان وهو كاذب فيه بحيث يتهمه الناس في قوله ويكذبونه لا تقبل شهادته، لأنه فاسق لأن قطع الولاء عن المعتق وإثباته لمن ليس بمعتقه كبيرة وراكبها فاسق، وكذلك الظنين في القرابة، وهو الداعي القائل أنا ابن فلان أو أخو فلان من النسب والناس يكذبونه انتهى.стр. 1157
حاله لما كان هو الكذب ارتفع الأمان من شهادته، ويحتمل (١) أن يكون المراد بقوله الظنين في الولاء أن المتهم في ولاء قوم أو قرابتهم لا تقبل شهادته لهم خاصة، لما له في ذلك من التهمة.
قوله [ولا نعرف معنى هذا الحديث] ووجه ذلك مخالفته لمذهبهم فإن هؤلاء يقبلون (٢) شهادة كل قريب لقريبه، وأما أصحاب الإمام وتابعوهم فقد حملوا الحديث على ما هو كامل (٣) في القرابة الولاد، وسلموا عن وصمة مخالفة الحديث، ولا يلزم (٤) تخصيص قوله تعالى ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ لأن الحديث بين أن الحواشي
(١) وباعتبار هذا المعنى الثاني قال المنصف: لا نعرف معنى هذا الحديث، وأما باعتبار المعنى الأول فقال صاحب الحاشية: إنه يجري على المذاهب، انتهى. قلت: فالحديث لا يخالف الحنفية على كلا معنييه بل ولا الجمهور، إذ يراد بالقرابة القرابة الكاملة، كما وجهه الشيخ علي ما سيأتي في كلامه.(٢) قلت: عدم قبول شهادة الوالد لابنه وكذا العكس إجماعي لم يختلف فيه إلا بعض أصحاب الظواهر، كما تقدم في كلام ابن رشد، والحديث باعتبار ما وجهه الشيخ لا يخالف أحدًا من الأئمة، ولعل المصنف حمل القرابة على مطلق القرابة، فقال: ولا نعرف معنى الحديث، وهذا كله على الاحتمال الثاني من احتمالي معنى الظنين، وأما على الأول فهو فسق كما عرفت.(٣) فقد قال صاحب البدائع بعد ما ذكر عدم قبول شهادة الوالد وإن علا لولده وإن سفل وكذا العكس: أما سائر القربات كالأخ والعم والخال ونحوهم فتقبل شهادة بعضهم لبعض، لأن هؤلاء ليست لبعضهم تسلط في مال البعض عرفًا وعادة فالتحقوا بالأجانب، وكذا تقبل شهادة الوالد من الرضاع لولده من الرضاع، وكذا العكس.(٤) جواب عما يرد على الجمهور أن نفي قبول شهادة الولد لوالده، وكذا العكس ينافي عموم الآية، وأجاب عنه الجصاص في أحكام القرآن بوجه آخر فقال: إن قيل إذا كان الشاهد عدلاً فواجب قبول شهادته لهؤلاء، كما تقبل لأجنبي، لأن من كان متهمًا في الشهادة لابنه بما ليس بحق له فجائز عليه مثل هذه التهمة للأجنبي، قيل له: ليست التهمة المانعة من قبول شهادته لابنه ولأبيه تهمة فسق ولا كذب، وإنما التهمة فيه من قبيل أنه يصير فيها بمعنى المدعي لنفسه، ألا ترى أن أحدًا من الناس وإن ظهرت أمانته وصحت عدالته، لا يجوز أن يكون مصدقًا فيما يدعيه لنفسه، لا على جهة تكذيبه ولكن من جهة أن كل مدع لنفسه فدعواه غير ثابتة إلا ببينة تشهد له بها، فالشاهد لابنه بمنزلة المدعي لنفسه لما بينا، وكذلك قال أصحابنا إن كل شاهد يجر بشهادته إلى نفسه مغنمًا أو يدفع بها عن نفسه مغرمًا فغير مقبول الشهادة، لأنه حينئذ يقوم مقام المدعي، والمدعي لا يجوز أن يكون شاهدًا فيما يدعيه، ثم اشتهد على ذلك بشهادة خزيمة في قصة بيع الأعرابي مع أنه لا أحد من الناس أصدق من نبي الله ﷺ إذ دلت الأعلام المعجزة على أنه لا يقول إلا حقًا، وأن الكذب غير جائز عليه، انتهى.стр. 1158
شهادة الولد للوالد والعكس ينافي العدالة، فكأن الحديث بين في معنى النص أن العدل من لا يتهم في خبره، وهذا متهم فلم يك عدلاً، فليس مما تناوله النص حتى يلزم تخصيص الكتاب بالسنة.
قوله [عدلت شهادة الزور إشراكًا بالله] لإخفاء أن المتعاطفين لا بد لهما من الشركة في وصف وإن اختلفا في آخر، كما هو مبين في البلاغة بأوضح بيان، وعلى هذا فلا بد من الوصف المشترك في هذين حتى يصح عطف أحدهما (١) الحواشي
(١) أي في الآية الكريمة، وكأنه أشار بذلك إلى أن قوله ﷺ : عدلت شهادة الزور، مستنبط من الآية الشريفة لهذا الوجه، قال الرازي في التفسير الكبير: وإنما جمع الشرك وقول الزور في سلك واحد لأن الشرك من باب الزور، لأن المشرك زاعم أن الوثن تحق له العبادة، فكأنه قال: فاجتنبوا عبادة الأوثان التي هي رأس الزور واجتنبوا قول الزور كله، انتهى. وقال القارئ: أي جعلت الشهادة الكاذبة مماثلة للإشراك بالله في الإثم، لأن الشرك كذب على الله تعالى بما لا يجوز، وشهادة الزور كذب على العبد بما لا يجوز، وكلاهما غير واقع في الواقع، انتهى.стр. 1159
على الآخر، وهو الاشتراك في كونهما كذبًا، وإن كان موجب أحدهما أشد من الآخر، فقوله عدلت لا يستلزم التكافؤ من كل وجه.
قوله [واجتنبوا قول الزور] في إعادة لفظ الأمر مزيد توكيد حيث كرر أمر الاجتناب، ولم يذكره تبعًا لما قبله. قوله [ثلاثًا] أي كرر الفقرة المذكورة ثلاثًا. قوله [ثم الذين يلونهم] في بعض النسخ مرتين، وفي البعض الآخر ذكره ثلاثًا، ومآلهما (١) بعد ذكر الراوي قوله ثلاثًا واحد (٢) . الحواشي
(١) يعني لما ذكر الراوي لفظ ثلاثًا بالتصريح فلا بد أن تحمل النسخ التي وقعت فيها هذه الجملة مرتين على الاختصار ولا يكون بين النسختين تضاد، وقد أخرج البخاري من حديث عمران قال رسول الله ﷺ : خير أمتي قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، قال عمران: فلا أدري أذكر بعد قرنه قرنين أو ثلاثة، قال الحافظ: وقع مثل هذا الشك في حديث ابن مسعود وأبي هريرة عند مسلم، وفي حديث بريدة عند أحمد، وجاء في أكثر الطرق بغير شك، منها عن النعمان بن بشير عند أحمد، وعن مالك عند مسلم عن عائشة، قال رجل: يا رسول الله أي الناس خير؟ قال: القرن الذي أنا فيه، ثم الثاني ثم الثالث، ووقع في رواية الطبراني وسمويه ما يفسر به هذا السؤال، وهو ما أخرجاه من طريق بلال بن سعد بن تميم عن أبيه، قلت: يا رسول الله أي الناس خير؟ قال: أنا وقرني، فذكر مثله، وللطيالسي من حديث عمر رفعه خير أمتي القرن الذي أنا منهم، ثم الثاني ثم الثالث، ووقع في حديث جعدة بن هبيرة عند ابن أبي شيبة والطبراني إثبات القرن الرابع ولفظه: خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم الآخرون أردأ، ورجاله ثقات، إلا أن جعدة مختلف في صحبته، انتهى. واقتضى الحديث أن تكون الصحابة أفضل من التابعين، والتابعون أفضل من أتباع التابعين، لكن هل هذه الأفضلية بالنسبة إلى المجموع أو الأفراد؟ محل بحث، وإلى الثاني نحا الجمهور، والأول قول ابن عبد البر، قاله الحافظ، وسيأتي تمام كلامه في أبواب الأمثال تحت قوله ﷺ : مثل أمتي مثل المطر، الحديث، وفي أبواب المناقب تحت حديث القرون(٢) وهي خيرية القرن الثالث بعد قرنه ﷺ ، وعلى هذا فالحديث يخالف الأحاديث التي ورد فيها بعد القرنين: ثم يفثو الكذب، ومقتضاها فشو الكذب ونحوه في القرن الثالث، وجمع بينهما في الإرشاد الرضى بأن الخيرية والشرية إضافيتان، فالقرن الثالث بعد قرنه ﷺ شر باعتبار القرون الثلاثة التي سبقت، وخير باعتبار القرون الآتية، قلت: ويؤيده ما في المشكاة بوراية البخاري عن أنس مرفوعًا: لا يأتي عليكم زمان إلا الذي بعده أشر منه، قال القارئ: وفي الجامع عن أنس مرفوعًا بلفظ: لا يأتي عليكم عام ولا يوم إلا والذي بعده شر منه، رواه أحمد والبخاري والنسائي، وفي الكبير للطبراني عن أبي الدرداء مرفوعًا: ما من عام إلا ينقص الخير فيه، ويزيد الشر، انتهى.стр. 1160
قوله [وبيان هذا في حديث عمر] حيث ذكر الشهادة بعد (١) ذكر فشو الكذب فكانت كذبًا. الحواشي
(١) وجعل الإشهاد غاية لفشو الكذب، إذ قال: ثم يفشو الكذب حتى يشهد الرجل، فكأن الكذب يترتب على الإشهاد.
هكذا بالألف في المشكاة، وفي المرقاة: قال القاضي: أخير وأشر أصلان متروكان لا يكاد يستعملان إلا نادرًا، وإنما المتعارف في التفضيل خير وشر، انتهى.следующие страницы →