← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 150962

الكوكب الدري على جامع الترمذي

رشيد الكنكوهي

Полный текст (1 886 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

القود إلا بالسيف والجواب أنه كان تعزيزًا وتغليظًا لا تشريعًا أو كما قال ابن سيرين إنه كان قبل نزول الحدود فإن قوله ﵎ ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ أوجب مساواة بينها ولم يمكن ذلك في العين وأمثالها فوجب القول بانتساخ ما وقع ذلك، وأما ما يتوهم من خلافه لقول النبي ﷺ لا تمثلوا فمدفوع بحمله على النسخ أو بأن مثلتهم كانت قصاصًا وأمكن هناك أو بأنه كان تغليظًا والنهي عن المثلة حيث لا يفتقر إليها وفيه ما فيه.

стр. 107

[باب ما جاء في الوضوء من الريح] الريح المذكورة ههنا في الترجمة معناها الهواء (١) والمذكور في الحديث بمعنى الرائحة أي ما يدرك بالشم والحصر في قوله ((لا وضوء من صوت أو ريح)) إضافي والمعنى لا وضوء في الريح الخارجة إلا إذا وجد (٢) رائحة أو صوتًا فلا يرد فساد الوضوء بالدم والقيء أو البول وغيره من نواقض الوضوء. والمراد بقوله [يقدر أن يحلف عليه] غالب الظن فإن اليمين سائغة على غالب الظن أيضًا كما هي سائغة على اليقين، فأما الريح الخارجة من قبل (٣) المرأة وذكر

стр. 108

المرء فلا تنقض الوضوء لعدم انبعاثها من محل النجاسة فإن المثانة لبعدها لا تصل ريحها إلى خارج وتتلاشى فيما بين ذلك وتتحلل بخلاف الدودة الخارجة من دبرهما فإنها ناقضة لأنها وإن لم تكن نجاسة (١) إلا أن ما عليها من النجاسة ناقض وإن قل، ولا كذلك الدودة الخارجة من القبل والذكر فإن المثانة لحدتها لا يمكن تكون الدود فيها فلا يكون إلا من جرح ثمة والقليل من غير السبيلين لا يكون ناقضًا ولعله السبب في حرمة المثانة دون الأمعاء. [باب الوضوء من النوم] لا خلاف في أن النوم ليس سببًا لنقض الوضوء بنفسه وإنما القول (٢) بانتقاض الطهارة بالنوم مبني على كونه علة للاسترخاء الداعي

стр. 109

للخروج وإنما الخلاف بينهم في المقدار المعتبر في ذلك الاسترخاء وهو الغلبة على العقل فكل منهم عبر عنه بما كان معتبرًا عنده في الغلبة على العقل فالاختلاف في تحديد النوم المعتبر في نقض الطهارة اختلاف تجربة وزمان لا اختلاف حجة وبرهان، وأما جوابه ﷺ عن نوم نفسه الشريفة فكان ممكنًا بأنه لا ينام قلبه اليقظان وإن نامت فيما يبدو لنا العينان غير أنه ﷺ لم يجبه به إفتاء للسائل بجواب عام يشمل كل مكلف نام ولولا أنه أجاب بذلك بل أدار الأمر على الفرق بينه وبين الآخرين لما أفاد إفادة جوابه هذا الذي ذكر ههنا ثم إن مسألة ابن عباس هذا إما لعدم علمه بذلك الاختصاص الحاصل له ﷺ أو يكون قد علم بذلك غير أنه اعتراه ذهول عند ذاك والأول أقرب والله تعالى أعلم. [كان أصحاب النبي ﷺ ينامون ثم يقومون إلخ] هذا ظاهر على ما مهدنا فإن الرطوبة لم تكن قد غلبت على معداتهم حتى يستغرقوا في النوم استغراق أهل زمننا والغلبة على العقل هو الملاك في ذلك وعلى هذا لا تخالف بين الأقوال التي ذكرها الترمذي ههنا فإن الغلبة على العقل وذهاب الاستمساك جريه بعضهم بالرؤيا وبعضهم بالاضطجاع، والمعنى المقصود واحد لكن ينبغي لأحناف زماننا ترك مذهبهم القديم من أنه إذا نام على الهيئة الصلاتية لم تنتقض طهارته إذ كثيرًا ما رأينا من الناس أحدث في نومه جالسًا متربعًا ولم يشعر به.

стр. 110

[باب الوضوء مما غيرت النار] إما أن يقال كان هذا في ابتداء الإسلام ثم نسخ أو الأمر استحباب لا إيجاب أو المراد به ما قاله مجاهد من غسل فاه فقد توضأ. [أنتوضأ من الدهن أنتوضأ من الحميم] يعني بالدهن ما أخذ (١) بطبخ الشيء المأخوذ دهنه في الماء ثم طبخه في الدهن أي الشيرج (٢) ومثله أو المراد بالدهن ما طبخ الشيء المأخوذ ذهنه في الشيرج وأيًا ما كان فالدهن المذكور ههنا (٣) من قبيل ما مسته النار وكذلك ثور الأقط أريد به المطبوخ فإن من الثور (٤) ما هو حاصل بالطبخ ومنه ما هو حاصل من دون ملامسته بالنار، ثم إن إيراد ابن عباس ومعارضته إنما هو بفهم أبي هريرة الراوي لا الحديث فإن ابن عباس ﵁ لما رأى الصحابة والنبي ﷺ أيضًا أنهم لا يتوضأون بعد أكل الأشياء التي مست النار ظن أن ابا هريرة هو الذي حمل الحديث غير محمله المراد وأن النبي ﷺ لم يعن بكلامه هذا المفاد. [فدخل على امرأة من الأنصار] لعلها كانت محرمة له أو عجوزة أو لم يكن خالية (٥) بل كان معها غيرها والله تعالى أعلم.

стр. 111

[باب الوضوء من لحوم الإبل] هذا بمنزلة الاستثناء من الاستثناء الأول والجواب عنه مثل ما سبق في الباب السابق إلا أن بعضهم فرقوا (١) بين لحوم الإبل ولحوم غيرها من الأنعام لغلظ في لحوم الإبل ما ليس في لحوم الغنم والبقر وغيرها. [عن ذي الغرة (٢)] بتقديم المعجمة الغين المضمومة على الراء المهملة المشددة وهذا الحديث (٣) أي حديث عبيدة الضبي أيضًا لا يصح وإنما الصحيح حديث البراء وجابر كما صرح به في آخر الباب، وقوله روى هذا الحديث حماد بن سلة عن الحجاج بن أرطاة فأخطأ فيه، وقال عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي ليلى هذا

стр. 112

هو الخطأ فإن عبد الله علم لرجلين: ابن عبد الرحمن (١) بن أبي ليلى وابن عبد الله الرازي فوضع الأول في موضع الثاني، وقوله عن أسيد بن حضير هذا خطأ ثان لوضعه أسيدًا موضع البراء كما أن في الأول خطًا (٢) فقط ذكر أسيد في محل البراء. [باب الوضوء من مس الذكر] هذا مما ذهب إليه شرذمة (٣) من الفقهاء والرواية التي ذكرها الترمذي قصتها (٤) أن مروان حاج فيه عروة بن الزبير المذكور في الرواية مطلقًا وهو المراد حيث أطلق ولم ينسب وكان مذهب عروة أن مس الذكر لا ينقض الطهارة فلما تحاجا في ذلك أرسل مروان شرطيًا إلى بسرة بنت صفوان يسألها عن الوضوء يمس ذكره فأتى الشرطي من عندها وذكر أنها قالت بالوضوء من مس الذكر فهذه هي الرواية التي رواها عروة عن بسرة أفترى عروة رواها عن بسرة بنت صفوان إلا بواسطة مروان (٥) أو ذلك الشرطي ولذلك

стр. 113

لم يروه إلا بلفظة ((عن)) دون التصريح بالسماع والتحديث ولو أنه رواها عنها بقوله سمعت بسرة أو حدثتني بسرة لكنا سلمنا كيف وأنه مصرح بتوسط مروان في الإسناد الآخر فيحمل عليه ما لم يصرح فيه بتوسطه والقرينة عليه لفظة ((عن)) وهذه القصة هي مشهورة معروفة، وفي كتب الحديث مسوقة مرصوفة مع أن لفظ الحديث يحمل (١) معاني آخر فكيف يعارض ما هو نص في مدلوله وقد رواه أجلة الصحابة وكبار التابعين وحجم غفير ممن تبعهم من المستندين وهو قوله ﷺ «هل هو إلا مضغة منك أو بضعة منك» وقد تأيد قوله هذا بعمل فقهاء الصحابة مثل علي رضي الله تعالى عنه وغيره (٢)، وأما الروايات التي ذكر فيها الوضوء بمس الذكر فأعلاها وأجودها حديث بسرة كما اعترف به الترمذي حيث قال قال محمد: أصح شيء في هذا الباب حديث بسرة وقد عرفت حاله وصحته (٣) فما بال الروايات

стр. 114

التي ليست بتلك المثابة ومنهم من قال إن مروان ليس ممن لا يحتج بروايته ويرد حديثه كيف وقد أخذ عنه البخاري في صحيحه والجواب أنه إنما روى عنه ما روى قبل إمرته أو يقال (١) إنه إنما أخذ منه إذا وثقه بغيره لا أنه اكتفى به ولو سلم أنه كان معتبرًا في باب الروايات ولم يكن يكذب فيها فحال هذا الشرطي غير معلوم فإن قيل مرسل التابعي عندكم مقبول فمالكم لا تعتبرون بما أرسله عروة قلنا هذا عندنا إذا لم يعلم حال المتروك وأما إذا علم كما فيما نحن فيه فلا، ومن المعلوم أن فسق مروان وأتباعه أظهر من الشمس وأبين من الأمس ويرد عليكم معشر الشافعية إنكم كيف أثبتم بتلك الرواية المرسلة مذهبًا وقد أنكرتم حجيتها ثم الرواية إما محمولة على أنها منسوخة أو الأمر استحباب لا إيجاب لئلا يخالف الرواية الصحيحة التي ذكرناها وعمل الصحابة على ما سردناها أو هو مقيد بما إذا خرج منه شيء ولا يبعد أن يقال ترك مفعول المس ولم يذكر استهجانًا بذكره وصونًا للسانه الشريفة عنه والمعنى من مس ذكره بفرج امرأة فليتوضأ إقامة للداعي والسبب مقام المدعي والمسبب فإن التقاء الختانين داع إلى خروج شيء ونفسه يتغيب عن البصر فأدير الأمر على المس احتياطًا وتيسرًا وهذا مذهب لا يشك فيه عندنا فإن قيل قد وقع في بعض الروايات من أفضى بيده فكيف يتمشى هذا التأويل فيه مع أن فيه تصريحًا بذكر اليد ولا يمكن تقدير المفعول قلنا لما كانت الرواية بالمعنى شائعة ذائعة روى من فهم عنه هذا المعنى هذا اللفظ على حسب ما فهمه ظانًا أنهما بمعنى وإن لم يكن الأمر كذلك في نفس الأمر مع أن التأويل فيه ممكن أيضًا فإن الإفضاء يستدعي مفعولاً واليد ليست إلا آلة له مع أن حمل الأمر على استحباب يغنينا عن ارتكاب تكلف ويرد على الشافعي ﵀ فرقه بين باطن الكف وظاهره مع أن لفظ الحديث يتناول اليد مطلقًا فتخصيصه النقض بباطن الكف تخصيص من

стр. 115

غير مخصص ولعل (١) العذر له رضي الله تعالى عنه أن االعرف خصص اللمس بما إذا كان بباطن الكف (٢) فإن الذي تماس ظاهر كف بشيء لا يقال إنه لمسه وإنما يقال إنها وقعت يده عليه والحكم الغير المعقول معناه لا يجوز تعديته إلى غير المنصوص فيه فلم يحكم بانتقاض الطهارة إلا بما تناوله النص دون ما لم يتناوله ولا يبعد أن يكون الوارد في بعض الروايات لفظ الكف صراحة فجعل رواية اليد عليه لحمله المطلق على المقيد كما تقرر عنده والله تعالى أعلم. [وكأنه لم ير هذا الحديث صحيحًا] يعني أن البخاري لما لم يثبت عنده سماع مكحول عن عنيسة وما رواه مكحول عن عنيسة فبواسطة آخر لا مشافهة فالظاهر من ذلك أن محمدًا لا يرى حديث مكحول عن عنبسة صحيحًا لعدم ثبوت اللقاء وكون الرواية معنعنة ولما كان هذا الأمر غير مستيقن (٣) به زاد لفظة ((كان)) إشارة إلى ذلك

стр. 116

والمراد بحديث مكحول هذا هو الذي أشار إليه بقوله قال أبو زرعة ولما كان استدلال الشافعية على انتقاض الوضوء بلمس الرماة بالنص لقوله تعالى ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ لم يفتقر إلى إيراد حديث لذلك ولم يضع له بابًا بخلاف مذهبهم في انتقاض الطهارة بلمس اليد فإنه غير ثابت بالنص فاحتيج إلى إثباته بالرواية وكذلك ترك الوضوء من القبلة مخالف لمعنى الآية عندهم لحملهم اللمس في قوله تعالى ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ على المعنى الشامل للمس الخالي عن الجماع والذي فيه فعقد له بابًا فقال: [باب ترك الوضوء من القبلة] [قوله من هي إلا أنت إلخ] هذا بظاهره وإن كان ينسب إلى سوء أدب لما أن عائشة رضي الله تعالى عنها أم المؤمنين وخالته فإنه ابن أسماء بنت أبي بكر كما أن عائشة رضي الله تعالى عنها بنت أبي بكر رضي الله تعالى عنه إلا أنه لما كان يتضمن تحقيق مسألة فقهية ساغ له ذلك إذ ليس في تحقيق مسألة الدين وقاحة فإن القضية لو كانت قد وقعت لغير عائشة لم يكن لها تحقيقها كتحقيقها إذا وقعت معها فإن الأول بيان والثاني عيان وليس الخبر كالمعاينة فأراد عروة رضي الله تعالى عنه أن يعلم أي النوعين من العلم حصلته فعلم أن ما يستحي من ذكره يجوز إذا توقف عليه البحث عن مسألة شرعية ثم أن ضحكها رضي الله تعالى عنها جواب بقبول مقالته بمنزلة قوله نعم. [علي بن المديني] هذه نسبة إلى مدينة (١) أخرى غير مدينة الرسول ﷺ

стр. 117

وأثبتت ياؤه عند النسبة فرقًا بينه وبين المنسوب إلى مدينة الرسول ﷺ ولم يعكس الأمر طلبًا للتخفيف في استعمال ما يكثر دوره على الألسنة دون ما ليس بتلك المثابة. [قال وسمعت إلخ] المقر بالسماع وفاعل القول هو المؤلف رضي الله تعالى عنه. [قوله حبيب بن أبي ثابت إلخ] يريد أن عروة عروتان، عروة المزني وعروة بن الزبير ورواية (١) حبيب هذا إنما هو عن عروة المزني دون عروة

стр. 118

بن الزبير وليس له سماع عن عروة المزني هذا الذي روى عنه فكان مرسلاً هو مما لا يعتد به وأنت تعلم ما فيه فإنهم قد اصطلحوا على أن مطلق تسميتهم عروة غير منسب منصرف إلى ابن الزبير (١) دون غيره مع أن أبا دؤاد مصرح بسماع حبيب عن عروة بن الزبير وأثبت هو في سننه لهذا الحديث إسنادًا جيدًا فكان شبه (٢) شيء لا شبه لا شيء، وأما الذي ذكره من أن إبراهيم (٣) التيمي ليس له سماع عن عائشة فهو حق لا يرتاب فيه لكنه لا يضرنا فإنه وصله في رواية أخرى فقال عن إبراهيم التيمي عن أبيه كما رواه الدارقطني وغيره فعلم أن التي لم يذكر فيه الواسطة أرسلها على اعتماد ذكره في موضع آخر فلا ضير في انقطاعه بعد علم اتصاله

стр. 119

[باب الوضوء من القيء والرعاف] لما كان القول بنقض الوضوء بما يخرج من غير السبيلين من النجاسة يشمل القيء والرعاف لم يفتقر إلى إيراد حديث للرعاف على حدة لعدم القائل بالفصل فإن الذاهب (١) إلى انتقاضه بالقيء ذاهب إلى انتقاضه بالرعاف وأمثاله والنافي له ناف له فكان إثبات شيء من ذلك إثباتًا لكل ذلك ونفيه نفيًا لكل ذلك، ثم إن التعقيب بالفاء في قوله قاء فتوضأ مما يدل على كونه علة له لترتبه عليه ترتب الأجزية على شروطها والتقييد بكونه ملاء الفم لتحقق النجاسة إذا لكونه منبعثًا من قعر المعدة وهي محل النجاسة دون ما إذا كان دون (٢) ذلك ولتخصيص الروايات بذلك فإن الروايات في ذلك مختلفة تدل بعضها على انتقاض الطهارة بالقيء والبعض الآخر بعدم انتقاضها به والجمع بينهما (٣) حمل الرواية

стр. 120

الأولى على الكثير والثانية على القليل وأيضًا فقد ورد في قول علي رضي الله تعالى عنه أو وسعة (١) تملأ الفم. [وقد جود حسين المعلم إلخ] أي أورد هذا الحديث جيدًا. وروى [معمر هذا الحديث إلخ] فيه خطأ من وجهين بل ثلاثة ترك الأوزاعي فإنه قال عن يحيى بن كثير عين يعيش بن الوليد، والثاني وضع خالد بن معدان موضع معدان بن أبي طلحة، والثالث ترك قوله عن أبيه. [باب الوضوء بالنبيذ] النبيذ أقسام (٢) نقوع التمر غير مطبوخ والامتراء

стр. 121

في جواز الوضوء وإن لم يسلمه المخالفون كيف والأخبار فيه مستفيضة وقال النبي ﷺ تمرة طيبة وماء طهور وهو منادي الصم بصوت جمهوري أن اختلاط الطاهر بالماء لا يخرجه من الطهورية سواء كان ذلك الشيء مما يقصد به النظافة أو لم يكن وإنما الخلاف واحتياج الإثبات إنما هو في ثاني أقسامه وهو المطبوخ الذي لم يبلغ حد السكر لكنه صار حلوًا، وأما القسم الثالث الذي صار مسكرًا فلا يجوز التوضئ به عندنا أيضًا فنقول لما كان إطلاق النبيذ على النقيع وجب أن يحمل على أحد القسمين الباقيين ومن الظاهر أن عبد الله بن مسعود ذلك الفقيه الأجل شأنه أرفع من أن يأخذ في أدواته ما بلغ الاسكار وصار حرامًا لا سيما وكان مطمح نظره أن يشربه النبي ﷺ فإنما كان قد أخذ النبيذ الحالي لوفور رغبته ﷺ في شرب الحالي فلم يبق المفتقر إلى الإثبات إلا القسم الثاني وهو ما حصل له بالطبخ تغير ما ولم يبلغ أن يسكر فالتوضئ بذلك الماء الذي لم يبق ماء مطلقًا وإن لم يجز

стр. 122

نظرًا إلى ظاهر قوله تعالى ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ لأنه لم يبق ماء مطلقًا والآية تتناول المطلق منه إلا أن فعله ﷺ صار تفسيرًا للآية ببيان أن هذا الماء ملحق بالماء المطلق وترك القياس في مقابلة النص وكيف لا والحديث (١) صحيح أقربه الترمذي في التفسير (٢) وأما قولهم إن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه لم يكن معه ﷺ ليلة الجن مستندًا بما قاله ابن مسعود رضي الله تعالى عنه لم يك مع النبي ﷺ ليلة (٣) الجن منا أحد، فالجواب عنه (٤) أن ليلة الجن كانت غير مرة فإنكار المعية في مرة

стр. 123

من تلك المرات لا يستلزم إنكار معيته في التارة الأخرى أو المعنى أنه لم يكن منا معه في موضع تعليمه الأحكام إياهم إذ كان النبي ﷺ قد أجلسه على حدة منهم وخط حوله خطأ ومنعه أن يخرج منه كما هو مصرح في الروايات. [وقوله أبو زيد رجل مجهول] قول من غير بينة ولا دليل ليس لمدعيه إلى إثباته من سبيل ولا يجب تسليمه على أن عدم علم المؤلف بحاله لا يخرجه عن الشهرة والمعلومية إلى الغربة والجهالة كيف وقد روى (١) عنه جماعة. [قال أبو عيسى وقول من قال إلخ] هذا بظاهره لا يرد، لكن الحديث الصحيح لما أخبره أن النبيذ ملحق بالماء المطلق صار ما قلنا أشبه بكتاب الله تعالى وأولى به مع موافقته لفعل النبي ﷺ . [وقوله باب المضمضة من اللبن] لما كان فيه نم الدسومة (٢) ما يبقى به

стр. 124

ذائقته في القم تدب المضمضة منه لئلا يشغل قلب المصلي في صلاته، وكذلك كل ما فيه لزج أو دسم، وقوله هذا عندنا على الاستحباب وقوله ولم ير بعضهم المضمضة من اللبن إنما هما (١) مذهب واحد لا مذهبان كما يتوهم من ظاهر العبارة

стр. 125

غاية ما في الباب أن منهم من صرح بذلك فعزاه إليه ومنهم من لم يوجد في كلامه تصريح بشيء من ذلك فنسب إليه انه لم ير ذلك يعني به لم يرو عنه شيء في هذا الباب لا أنه لا يرى المضمضة جائزة. [باب في كراهية رد السلام غير متوضئ] هذا وإن لم يفهم من الرواية التي ذكرها (١) ههنا إلا أن بقية هذا الحديث التي لم تذكر توضح الترجمة وهي أن

стр. 126

النبي ﷺ لما تفرغ عن حاجته وكاد الرجل أن يغيب عن مرأى نظره تيمم فرد ﵇ بقي الجواب من أنه ﷺ كيف أخر الجواب مع وجوبه ويمكن أن يقال إنه ﷺ علم من حال المسلم ومن حال نفسه الشريفة أنه لا يفوته الرد عليه فإنه كان بمحضر منه وظن أنه لا يغيب عنه إلى أن يتمم أحب أن يرد عليه وهو طاهر مع أن رد السلام على من سلم على من يقضي حاجته غير واجب (١) فكان الرد مجرد فضل ولطف وتأخير في التفضل لا ضير فيه وكذلك من سلم على الآكل والقارئ وغيرهما لم يجب رده ولو رد هؤلاء على المسلم كان حسنًا وإحسانًا، وفيه دلالة على استحباب الطهارة للعبادات التي لا تشترط لها الطهارة وأن التيمم في مثل هذا جائز مع القدرة على الماء ولو استنبط من هذا المقام جواز الاكتفاء بالتيمم لكل قربة خيف (٢) فوتها على انتظار الماء كالجنائز والأعياد مما يفوت إلى غير خلف لم يبعد أيضًا. [باب ما جاء في سور الكلب إلخ] قد اختلفت الروايات في تطهير سور

стр. 127

الكلب كما ستقف عليها ومذهب الحنفية فيه مثل مذهبهم في سائر النجاسات المغلظة من غير تفاوت (١) إلا أن الأنصار لما لم يكن فيهم مبالاة بأمر الكلاب لكثرة ملابستهم بأهل الكتاب وكانوا يتساهلون في التحامي عنها غلظ فيها في أول الأمر ويرشدك إليه الأمر بقتلها ثم لما تمكنت نجاستها في نفوسهم ورسخت المنافرة عن مخالطتها عاد أمر نجاستها إلى ما هو أمر سائر النجاسات وعلى هذا فلا تنافي ما بين تلك الروايات فإن لكل من روايات الغسل سبعًا أو ثمانيًا محملاً (٢) صحيحًا لا يخالف روايات الغسل ثلاثًا، وكذلك كل رواية في ذلك فهي واردة على حسب ما ناسب هذا المقام من التغليظ هذا عندنا، وأما مالك (٣) ﵀ فقد يرد عليه في تلك

стр. 128

الروايات ما لا يخفي وذلك لأنه رضى الله تعالى عنه لم يقل بنجاسة الماء ما لم يتغير شيء من أوصافه الثلاثة ومن المعلوم أن شرب الكلب في ظرف ولو لم يكن الماء فيه كثيرًا لا يؤثر فيه تغيرًا فكيف أمروا بالغسل بتلك المبالغة ورام أصحابه التفصي عنه بأن الأمر بتطهير الأواني وإراقة الماء بولوغ الكلاب ليس مبنيًا على نجاسة وإنما ذلك لضرر فيه مختص بالكلاب من بين سائر أنواع الحيوانات هذا وإن المالكية (١) قد وافقونا على أن تطهير بول الكلب لا يفضل تطهير سائر النجاسات فنجاسة بوله أدون من نجاسة سورة الذي سموها ضررًا بالخاصية والله تعالى أعلم، والشافعية (٢) رجحوا بحال الإسناد كما هو دأبهم. [باب ما جاء في سور الهرة، قوله إنما هي من الطوافين عليكم والطوافات] هذه العلة عامة تناول كل ما كان من هذا القبيل مما يكثر ملابسته وذلك للحرج في التحامي منه وهذا الحديث أصل كبير يتفرع منه أصول: منها (٣) قولهم الضرر

стр. 129

مسقط والحرج مدفوع والمشقة تجلب التيسير ويؤيد كل ذلك قوله تعالى ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾. ثم إن قوله [فرآني أنظر إليه إلخ] دلالة على أنها إنما تعجبت لما رأت ذلك الأمر مخالفًا لقاعدة الشرع الذي هو أصل في حرمة السور من حرمة اللحم فلحم الهرة لما كان معلوم النجاسة كان سوره (١) كذلك لما أن السور معتبر باللحم أو لأنه ﷺ لعله أمر بالتحامي عنها أولاً حكمًا بنجاسة سورها ثم رخص فيه فلما لم يبلغها نسخ الحرمة تعجبت من فعله المخالف لعلمها أو لأن حرمتها أو تقذرها كان مستقرًا في الطبائع فرأت فعله ذلك مخالفًا له فتعجبت لأجله.

стр. 130

[باب المسح على الخفين، قوله وهذا حديث مفسر] يجوز كونه على زنة الفاعل فالمعنى أنه مفسر للآية التي يفهم منها الغسل وتفسيره إياها بيانه أن الغسل إنما هو عند عدم التخفف أو المعنى أن هذا الحديث مفسر لسائر الروايات المروية عن النبي ﷺ في المسح فإنها تحتمل أن تكون حكاية لما قبل نزول المائدة لا بعده فهذا الحديث يبين أنها حكاية لما قبله وما بعده معًا لا أنها مقصورة لحكاية مسحه ﵊ قبل نزول المائدة ويجوز كونه على زنة المفعول والمعنى أن جريرًا فسره بكونه حكاية لفعله ﷺ بعد المائدة فليس فيها احتمال النسخ أو التأويل والتخصيص وعلى هذا فالمفسر مستعمل بالمعنى المصطلح عليه لأهل الأصول، ثم إن حديث المسح على الخفين قد بلغ الاشتهار بحسب المعنى بل ادعى بعضهم (١) تواتره ولا ينكر فجاز نسخ عموم الآية بها وإنما يفتقر إلى القول بالنسخ على القول بأن قرأتي النصب والجر في لفظ أرجلكم محمولتان على الغسل وهو الحق، وأما ما اشتهر بينهم من أن النصب فيه يدل على الغسل عطفًا على الوجوه والخفض على المسح عطفًا على الرؤس فلا يفتقر فيه إلى القول بالنسخ وإنما حملوا القراءتين على حالتي التخفف وعدمه لما أن القراءتين في حكم الآيتين إلا أن المحققين ردوا هذا

стр. 131

التوجيه فلا ينبغي التعويل (١) عليه وليس هذا من مقاصدنا حتى نلتفت إليه والله ولي التوفيق. [وقد روى (٢) عن بعض أهل العلم إلخ] ووجه (٣) قولهم مع جوابه مذكور في سنن أبي داؤد وتعاليقها فلا علينا أن نتركه وقول الترمذي والتوقيت ظاهر الوجه فإن التوقيت لما استند بالروايات الصحيحة كان الأخذ به هو الصحيح. [باب في المسح أعلى الخف وأسفله] هذا ما اختاره (٤) بعضهم ودلالة

стр. 132

الرواية على ما ذهبوا إليه ظاهرة وأجاب عنه العامة (١) أن مسحه ﵊ إنما كان لعذر فلا تشريع فلا يؤخذ به سنة نعم لو فعله أحد لمثل ذلك العذر كان غير مثرب والعذر أن خفه ﵊ كان بالغًا إلى ركبته فلم يستمسك ركبته الشريفة بنفسها لمنع الخف بثخانته أن تجتمع إليه ساقه فأخذ رجله اليمنى بيده اليسرى ومسح عليه باليمنى ومدها فامتد اليسرى ففهم من رآه ولم يتبين السبب فيه أنه ﷺ مسحهما تشريعًا مع أن الأمر لم يكن كذلك والله أعلم. وربما يتوهم أن المسح على الجانبين كليهما إكمال للفرض في محله فلا يمنع بل يكون سنة لما أن السنة إكمال للفرض في محله والجواب أن محل الفرض حين التخفف هو الجانب الأعلى معا لا الجميع فإن الغسل لم يبق مشروعًا ما دام المرء متخففًا وإنما المشروع المفروض المسح لا غير ومحل المسح هو الأعلى نعم لو كان الفرض هو الغسل لكان المسح في أعلاه وأسلفه كما لا للفرض في محله ولا كذلك إذا سقط الغسل وصار المسح مشروعًا ففيما نحن فيه الفرض قد ثلاث أصابع والزيادة عليها إكمال للفرض في محله ولا ينبغي أن يتوهم عاقل أن غسل الساق والركبة يكون إكمالاً للفرض في محله ولا يبعد أن يستنبط من هذا أن مسح الحلقوم بدعة لأن الحلقوم ليس محلاً للفرض حتى يكون المسح عليه إكمالاً له فأفهم. [معلول (٢)] وهو في عرفهم ما فيه علة خفية لا يكاد يصل إليه إلا الماهر في الفن المنطلع على الأسانيد والروايات ثم أخذ يبينه (٣) بقوله لم يسنده يعني

стр. 133

أن كل من أخذه من ثور أرسله عن كاتب المغيرة غير الوليد بن مسلم فإنه أسنده حيث قال عن كاتب المغيرة عن المغيرة عن النبي ﷺ ثم إن الذي رواه البخاري عن ابن المبارك فيه فرق آخر أيضًا فإنه قال حدثت عن كاتب المغيرة فإنه مشير إلى أن رجاء لم يسمعه من كاتب المغيرة إلا بتوسط فكان في عنعنة الوليد بن مسلم في ذلك شيء أيضًا. [ولا نعلم أحدًا يذكر عن] عروة عن المغيرة على ظاهرهما بل إنما (١) رووا يمسح على الخفين. [قال محمد وكان مالك يشير بعبد الرحمن] أشار المؤلف بذكر هذا القول بعد ما حكم على الرواية بالحسن إلى أن إشارة مالك بضعفه لم يبلغ إلى حيث يخرجه من رواة الحسن نعم لا تكون روايته صحيحة لذاتها أو المعنى بذكر هذا الكلام عقيب ما أثبته من المرام أن مالكًا وإن أشار إلى ضعفه إلا أنه لم يكن كذلك فيما أراه (٢) فكان حديثه حسنًا عندي فلا يغرنك إشارة مالك بضعفه أن تنسبني إلى غلط

стр. 134

فيما فعلته من تحسين روايته فنبه على تضعيف تضعيف مالك بعد حكايته. [باب في المسح على الجوربين والنعلين] أي على الجوربين مع النعلين وهذا يحتمل معنيين أحدهما أن يمسح على الجوربين مع كون النعلين ملبوستين له، والثاني المسح على الجوربين المنعلين أو الجوربين أو المنعلين أو الجوربين والمنعلين (والمنعل ما فيه جرم تحته كنعال العرب) وتفصيل (١) المقام أن في مسح الجوارب مذاهب جواز المسح عليها مطلقًا ثخانًا كانت أو لا، منعلة كانت أو لا، وهذا ما ذهب إليه شرذمة قليلة من أهل الظاهر ولا يصح عند أحد من أصحاب المذاهب المعتبرة بهم المأخوذة أقوالهم ومع هذا كله فدلالة الرواية على ما ادعوه مسلمة بعد فإن الجوربين مطلقة فيها وهذا إذا كان الواو للعطف لا بمعنى مع.

стр. 135

والثاني (١) مذهب الإمام الهمام رضي الله تعالى عنه وهو جواز المسح عليهما إذا كانا ثخينين ومنعلين وإذا عدم وصف منهما لم يجز وإن وجد الآخر، والحاصل اشتراط اتصافه بكل من الثخانة والتنعل. والثالث مذهب صاحبيه والشافعي وأحمد وإسحاق من جوازه إذا كانا ثخينين أو منعلين، وحاصل هذا الأخير أن كلاً من الثخانة كاف لجواز المسح عليهما فكل من أصحاب المذاهب الثلاثة ذهب بالرواية على حسب ما يوافق رأيه فقال الظاهرية: إن الواو على ظاهرها وهو ظاهر، وقال الإمام الهمام: الواو بمعنى مع أي مسح عليهما مع كونهما منعلين فلا يكفي أحد الوصفين بانفراده ولا يخفى أن جواز تخلل العاطف بين الأوصاف المتعددة للشيء الواحد كالشريعة المتفقهة عليها فلا يبعد إبقاء الواو على أصلها ويلتزم أنها متخللة بين وصفي موصوف واحد ويشهد له من كلامهم ما في اشتهاره استغناء عن ذكره وتكراره وقالت البقية معنى الحديث أنه رضي الله تعالى عنه مسح على الجوربين ومن المعلوم المتفق عليه بين أصحاب

стр. 136

الاجتهاد والذين على آرائهم تعويل واعتماد أن المسح لا يجوز إلا على الثخينين فوجب تقييده لئلا يلزم مخالفة قضية الإجماع وبقى قوله ((نعلين)) بمعنى منعلين على انفراده فلزم القول بجواز المسح عليهما إذا كانا منعلين وإن لم يكونا ثخينين لما في الرواية من التصريح به فأما المعنى (١) الذي ذكرناه قبل الكل فلا يخفى موافقته لرأي أصحاب المذاهب كلها فأفهم إذ لا ضير فيه وغاية ما يلزم فيه انقطاع أثر الأنامل بشراك النعل أو سيورها ولا يلزم ترك واجب بل ولا مستحب إذ المسح المسنون قد حصل قبل هذا، ولهذا الحديث معنى آخر (٢) وهو أنه ﷺ مسح على الجوربين ومسح على النعلين لكنه ليس مما ذهب إليه غير أهل الظاهر وهو منسوخ عندنا والله ولي التوفيق. [باب المسح على الجوربين (٣) والعمامة] هذا (٤) الذي يروي من المسح على العمامة يجب حمله على ما في بعض طرق تلك الرواية من أنه ﵊

стр. 137

مسح على ناصيته وعمامته ولا يلزم مخالفة (١) المذاهب كلها ومخالفة الروايات

стр. 138

الصحيحة أيضًا ويبطل موجب الكتاب الذي هو مسح الرأس لا ما يستره، فأما أن يجاب عنه بأن كان زائدًا على أصل الفرض فكان قد مسح عمامته بعد مسح مقدار الفرض من رأسه فلا يخفى أن المسح على العمامة إن كان اتفاقًا بأن يكون قصده ﷺ تسوية العمامة فظنه الراوي مسحًا فلا بعد فيه وإن كان المعنى أنه ﷺ مسح عليها قصدًا فهو غير معقول المعنى لكونه إكمالاً في غير محله هذا ما هنا وقد وجهه (١) الأستاذ أدام الله علوه ومجده وأفاض على العالمين بره ورفده بما ذكرناه في تعليقات أبي داؤد (٢) فانتظره فإنه أدق وألطف وإن أجاب أحد عن أصل الأشكال

стр. 139

بأن ذلك كان قبل تزول المائدة لكان له وجه صحة أيضًا إلا أنه يرد عليه ما ورد في غير حديث أنه ﷺ قال هذا وضوئي ووضوء الأنبياء قبلي فإن المشار إليه ثمة كل ما هو مشروع منه يومنا هذا من غير استثناء ويبطله اتفاقهم على وجوب الصلوات بمكة وأن المائدة مدنية وأن سنة الوضوء متلقاة من شريعة من قبلنا وأن فائدة إنزال الآية التوكيد وأمثاله لا إفادة الحكم باشتراط الطهارة فإن كأنه حاصلاً من قبل. [سمعت أحمد بن حنبل إلخ] أراد بذلك توثيق يحيى بن سعيد المذكور في الرواية المارة من قبل لئلا يظن به سوء حفظ وعدم إتقان وغيره لإتيانه بالرواية على ما يخالفه رواية الثقات ويرده اتفاق الروايات والآيات. [وهو قول غير واحد إلخ] أي المسح على العمامة بعد المسح على الناصية (١)

стр. 140

فإن كانوا أرادوا به الجواز فلا شك أنه لا يعد بذلك آثمًا إلا إذا رآه سنة وإن قصد أنه مشروع في الجملة ورد عليه ما قلنا من كونه إكمالاً في غير محله فلا يعتبر، وأما على ما ذكرناه في تعليقات أبي داؤد فقد عرفت أن له وجهًا. [والخمار] أراد بالخمار (١) ههنا ما يستر الرأس فيصدق على العمامة وغيرها أو يكون أراد به العمامة نفسها بجامع اشتماله على الرأس. [باب ما جاء في الغسل من الجنابة] [ثم دلك بيده الحائط أو الأرض] هذا الدلك (٢) للمبالغة في التنظيف بإزالة

стр. 141

ما عسى أن يبقى شيء من الدسومة بعد زوال عين النجس ليكون أبعد من الكراهة والتنفر في غسل سائر الأعضاء لا سيما المضمضة والاستنشاق. [ولم يتوضأ أجزأه] يعني عن فرض الغسل لا تحصيل الطهارة عن الحدث الأصغر فإن الترتيب (١) المفروض عند هؤلاء لم يحصل على هذا التقرير ولا يبعد أن يكونوا قائلين بأجزاء الانغماس واللبث فيه عن فرضية الترتيب فإن علمائنا رحمهم الله تعالى صرحوا بأن المغتسل إذا دخل الماء ولبث فيه قدر ما يمكن فيه من إتيان الترتيب أجزأه ذلك عن سنة الترتيب (٢) وكذلك إذا انتقل فيه من موضع ماء إلى غيره أجزأه عن سنة الغسل فلا يبعد القول بمثل ذلك من هؤلاء الذين ذهبوا

стр. 142

إلى افتراض الترتيب وعلى هذا فالأجزاء كامل مع أداء السنة والفريضة معًا وعلى الأول وإن أجزاه عن الفريضة إلا أن السنة لم تتحصل. [إنما يكفيك] هذا بمنزلة الاستثناء من عموم قوله ﷺ تحت كل شعرة جنابة فإن أم سلمة رضي الله تعالى عنها لما علمت بذلك، وعلمت أن فيه حرجًا سألته ﷺ عن ذلك فقال: إنما ذلك الرجال (١) لا لكن، وهذا لأن الحرج مدفوع وفي إيجاب النقض على المرأة حرج بخلاف الرجل مع أن الخطاب في قوله يكفيك للمرأة فيخص الاستثناء بها إذ لا ضرورة في غيرها، والضرورة هي التي نيط بها الترخص، والحاصل أن الأجزاء من غير أن يغسل شعرة شعرة لما خالف القياس لا من كل وجه عدى إلى نوعه، ولولا أنه يخالف القياس من وجه لعدى إلى كل مكلف، ولولا أنه موافق له من وجه لما عدى إلى غير أم سلمة رضي الله تعالى عنها ولأختص بها حملاً بكاف الخطاب على التخصيص إلا أن الخصوص ههنا نوعي لا شخصي وإليه يشير قول المؤلف فيما بعد أن المرأة إذا اغتسلت إلخ.

стр. 143

[باب ما جاء أن تحت كل شعر جنابة] قوله [شيخ] الشيخ ههنا بمعنى العالم (١) لا الشيخ اللغوي. [باب ما جاء إذا التقى الختانان إلخ] الختان موضع الختنة من الرجل والمرأة، وهو من الرجل (٢) ما إذا قطع ظهرت الحشفة لا محالة وقد زيد في

стр. 144

بعض الروايات كلمة ((وغابت الحشفة)) وعلى كل تقدير فالسبب فيه إقامة الداعي مقام المدعو والسبب مقام المسبب فالتقاء الختانين لما كان في غالب أمرهم يتسبب إلى خروج المني وهو نفسه يتغيب عن البصر. والزمان زمان التلذاذ واضطراب، فلعله لا يحس بخروجه لذهوله عن مثل هذه الأمور في أمثال تلك الحالات أقيم هذا مقام ذاك تيسيرًا على (١) العباد واحتياطًا في العبادات، وربما يتوهم أن الرواية التي اكتفى فيها بلفظ الالتقاء تخالف ما ورد فيها لفظ المجاوزة فإن الأولى منهما توجب الغسل حيث لا توجبه الثانية، وذلك لأن الالتقاء لا يتوقف على المجاوزة والمجاوزة لا تتصور بدونه، ولعل الجواب أن رواية المجاوزة لا تدافع رواية الالتقاء بل هي ساكتة عن وجوب الغسل بنفس الالتقاء، ورواية الالتقاء تؤكد رواية المجاوزة إذ هي لا تتحقق دونه ولما لم تكن مدافعة بين الأسباب لم تحمل على المقيد بالمجاوزة فكان وجوب الغسل بالمجاوزة ثابتًا بالروايتين معًا والوجوب بالالتقاء ثابتًا بإحداهما، فلا خلاف بين مفهوميتها ولا شقاق والروايتان توجبان الغسل بالمجاوزة على الاتفاق، ومما ينبغي أن يعلم أن دخول الحشفة لازم على التقديرين لما قدمنا أن قطع موضع الختان يبرز الحشفة فالتقاء الختانين لا يتصور (٢) من دون دخولها، وبذلك يعلم أن الغسل لا يجب بإدخال

стр. 145

بعضها لعدم موجب الغسل فبقى المرء على طهره كما هو الأصل وليس ذلك استدلالاً بالعدم، ثم لا يبعد القول بأن إيراد المؤلف رواية المجاوزة بعد عقد الباب بلفظ الالتقاء إشارة إلى ما ذكرنا من اتفاق مدلوليهما ويشهد له رواية المجاورة بالراء المهملة. [إنما الماء من الماء في الاحتلام (١)] هذا يحتمل معنيين أحدهما أنه وإن كان معمولاً به في أول الإسلام إلا أنه لم يبق حكمه اليوم إلا في الاحتلام، فإن المحتلم إذا رأى ما يريبه ثم لم ير بللا لم يوجب ذلك غسلاً فإن الماء من الماء لا غير، والثاني أنه لم يرد به في الحديث إلا ذاك قبلاً وبعدًا غير أن الناس حملوه على النوم واليقظة معًا ثم لما تبين مراده ﷺ اقتصر على النوم للعلم بأن ذلك مراده ﷺ إلا أن هذا التأويل الأخير يرده صريح روايات الصحاح فإن فيها تنصيصًا على أنه ﷺ قررهم على ما فهموه من التعميم وهذا في غير رواية، ومع هذا فباب التأويل مفتوح بعد بسعته كما لا يخفى على من ألقى السمع وهو شهيد إلا أن التأويل بعضه قريب وبعضه بعيد. [باب في من يستيقظ ويرى بللا] . [عبد الله بن عمر إلخ] هما أخوان (٢) كان الأول منهما عابدًا زاهدًا
следующие страницы →