غير واحد من أهل التفسير نعم لا يستبعد الاستدلال بقول امرئ القيس:
فظل طهاة اللحم من بين منضج ... صفيف شواء أو قدير معجل
إذ لا يتصور التصفيف في اللحم القدير، والله تعالى أعلم (١).
[قوله في باب الوضوء مرة مرة، وليس هذا بشيء]
يعني أن الرواية (٢) منسوبة إلى ابن عباس هو الصحيح وأما نسبته إلى زيد بن أسلم عن أبيه عن عمر فليس بشيء لمخالفته الثقات فإنهم لم يرووه كذلك.
[قوله في باب الوضوء مرتين مرتين، وقد روى عن أبي هريرة إلخ] يعني بذلك أن نقل أبي هريرة رواية التثنية لا يستلزم كونها سنة عنده فقد روى هو بنفسه رواية الوضوء ثلاثًا ثلاثًا فليس مقصوده رضي الله تعالى عنه إلا مجرد إثبات أن الاكتفاء بالمرتين جائز في باب الوضوء وتحصل الطهارة به وهو كاف في إسقاط الفرض وهذا هو الغرض من إيراد المؤلف هذه الأبواب ههنا حتى لا يظن فرضية شيء من تلك الأمور المذكورة ههنا التي أكثرها سنن وبعضها آداب ومستحبات إلى غير ذلك فعلم به أن الطهر الكافي في إسقاط الفرضية أمر (٣) وأداء الطهارة
стр. 72
على حسب ما أمروا به من الإتيان بالسنن والآداب أمر آخر والله (١) تعالى أعلم.
[قوله مبتلي] أي مجنون أو من ابتلى بالوهم أو من أبلاه الله بالمحنة فجعل حظه التشقق بما ليس يجديه والتغفل عما ينجيه ويغنيه.
[وثابت بن أبي صفية] وإن كان رافضيًا إلا أن رواية البدعي (٢) مقبولة
стр. 73
ما لم يكن داعية كيف وقد أخذ منه (١) البخاري وكان صدوقًا.
[باب وضوء النبي ﷺ كيف كان]
لما فرغ من بيان الوضوء وبيان أركانه ركنًا ركنًا وسرد ذكر الأعضاء المغسولة فيه والممسوحة عضوًا عضوًا فقد أن يذكر وضوء النبي ﷺ على طريق شمل المتفرق ليقتدي به دائمًا ويحمل ما خالفه من الروايات على العوارض والأسباب، وعلى هذا فما يذكر في هذه الرواية يكون أعمد وأوثق مما ورد في غيرها وما ورد في هذه الرواية أنه مسح برأسه مرة فهو نص في أنه كان بماء واحد فحيث يرد تكرار المسح يحمل على كونه بماء واحد لا بمياه لئلا تتخالف الروايات، وقوله فغسل كفيه هذا وإن كان موضوعًا لباطن اليد لغة لكن المراد بها ههنا الكل من اليد إلى الرسغ مجازًا وذكر فيه أنه ﷺ مضمض ثلاثًا واستنشق ثلاثًا، وظاهرة يقتضي إفرادهما بمياه لا أنهما جمعًا بماء إذ لو كانا لكان حقه أن يقال مضمض واستنشق ثلاثًا من غير تكرير كلمة الثلاث.
وأما مقولة عبد خير فمزيدة بعد (٢) قوله فشربه وهو قائم مقام قوله ثم
стр. 74
قال أحببت والتقدير قال أبو خبر (١) وكان على إذا توضأ وضوءه ﷺ فعل ذلك ثم الذي ذكر فيه من شرب الماء قائمًا ينافي ما ورد في غير هذا من النهي عنه فأما أن يحمل النهي على التنزيه (٢) والأدب أو النهي الطبي لا الشرعي فيقال إنه مقصور على ما إذا كان الماء المشروب كثيرًا إذ لا إضرار في القليل منه إذا شربه قائمًا ثم إن تحضير البركة بشربه لا يقتضي كونه بحيث لا يجوز به الاستنجاء كما هو معتقد العوام والله أعلم.
[وروى شعبة هذا الحديث إلخ] هذا ليس باضطراب (٣) حتى يخل بصحة الحديث أو حسنه وإنما هو خطأ في تسمية شخص واحد والاضطراب إنما يكون حيث يختلف المسمى دون الاسم فقط.
[باب في النضح]
لما كان النضج مشتركًا لفظيًا بين معنيين (٤) أحدهما الاستنجاء
стр. 75
لما فيه من النضح على الذكر، والثاني الرش على الازار الذي يماس الذكر وكان المعنى الأول لا يفيد فائدة جديدة إذ الاستنجاء بعد الحدثين معلوم ومندوب إليه في الكتاب العزيز، وفي غير رواية حمل الحافظ رضي الله تعالى عنه النضج ههنا على المعنى الثاني بزيادة قوله في الترجمة بعد الوضوء فإن النضج بالمعنى الاول لا يكون إلا قبل الوضوء ومعنى قوله إذا توضأت على المعنى الأول أنك إذا أردت الوضوء وقد بلت فانتضح، وأما على المعنى الثاني فهو على ظاهره وفائدة هذا النضج دفع الوسوسة عن نفس المصلي لو أحس بردًا في أثناء الصلاة، ومن البين أنه لو تبين بعد الصلاة خروج شيء فيها لم تصح صلاته ولو أحس فمضى على صلاته ثم ظهر أنه لا شيء صحت صلاته غير أن النضج في الصورتين يفيد الطمأنينة في وقت أدائه الصلاة حتى لا تلتبس عليه صلاته.
[قوله واضطربوا في هذا الحديث] لفظ الحديث ههنا بالمعنى اللغوي (١) أي في هذا اللفظ من الحكم بن سفيان أو سفيان بن الحكم أو المعنى اضطربوا في هذا الحديث لأجل هذا اللفظ فالحديث بمعناه المصطلح والاضطراب يقع تارة في المتن وأخرى في الإسناد (٢).
[قوله ألا أدلكم إلخ] فائدة السؤال الإيقاع في النفس بأوكد كرز إذ ربما
стр. 76
يتوهم أن ذلك الحظ الجسيم من الثواب كيف يحصل بالحقير من العمل فيظن أن النبي ﷺ لعله أراد بكلامه الترغيب والمجاز لا حقيقته المفهومة منه بحسب الظاهر فلما سألهم وتشوقوا إليه أجاب بقوله إسباغ الوضوء إلخ أي إتمام فرائضه وسننه على المكاره أي مع مكاره النفس من يرد الماء وصرد الهواء وغير ذلك.
[وكثرة الخطأ] جمع خطوة إلى المساجد إما لبعده عنه أو لكثرة دوره إليه في الفرائض والنوافل والمراد بالانتظار انتظاره في مجلسه من المسجد بعد الصلاة لصلاة أخرى وإلى هذه الخصلة الثالثة أشار بقوله ((فذلكم الرباط (١))) وإن كان بمعنى ربط الخيول لكنه أريد به ههنا القيام على الثغور رابطي خيولهم وهذا على مراتب الجهاد وإن كان الجهاد كله خيرًا إذ المجاهد يجاهد ويقاتل في حين من الأحيان معلوم وسائر أوقاته فارغة تحصل له طمأنينة ولا كذلك المرابط فإنه لا يأمن أن يناله العدو في حين وذلك للصوق أرضهم وديارهم ووجه الشبه غير مختلف فإن المقيم في المسجد لانتظار الصلاة يجاهد نفسه الباعثة على الخروج من المسجد كل وقت والمحرضة على الاشتغال بأشغاله الدنيوية كل ساعة وممكن إرجاعه إلى الثلاثة جميعًا فأفهم وبالله التوفيق.
ثم المحو المذكور في الرواية محو عن كتاب الأعمال (٢) لا المحو عن اللوح المحفوظ فيمحى من كتب الأعمال التي تكتبه الملائكة ويمحى ما أثره منه في قلبه وعلى وجهه تراه الأرواح المطهرة والملائكة وإن لم نشاهده والمراد بالخطايا هي كل ما اقترفه من الصغائر والكبائر وحقوق الله، وأما حقوق العباد فيغتفر بالندم ما فيه من الذنب والإثم، وأما نفس حقه فلا يغتفر بنفس الندم والتوبة لما كانت هي الرجوع عما اكتسب فالتوبة من حقوق العباد إنما هو إيتاء حقوقهم
стр. 77
وردها إليهم فكيف يكتفي بمجرد الندم ولا يذهبن عليك الفرق بين الإثم والحق وهما موجودان في أخذ حقوق العباد والتعدي عليهم والأول لما كان حقه تعالى اغتفر بالندم والاستغفار دون الثاني فأحفظ وبالله التوفيق.
[قوله يقال عبيدة] بفتح العين المهملة مكبرًا ككريمة، والأول صغر، ومما (١) إنسانيه الشيطان.
[حديث المسح بالمنديل] واختلف فيه أقوال العلماء (٢) وجملة الأمر عندنا أن مسحه ﷺ كان لبيان الجواز وثبوته الذي كان لابسه لبيان الجواز وإظهار أن المستعمل من الماء لا يكون نجسًا ولا منجسًا، غاية الأمر أنه لا يبقى مطهرًا للنجس الحكمي ويكون اختلاطه بالماء الغير المستعمل منافيًا للتنظيف فقط لا مورثًا للتنجيس فيه ما لم يغلب، والسبب فيه أن النجاسة الظاهرة لا توجب حكمًا (٣) باطنًا والنجاسة
стр. 78
الباطنة لا تورث حكمًا ظاهرًا فالماء المستعمل لما لم يخالطه شيء من النجاسات التي نجاساتها ظاهرة لم يحكم بنجاسته بحسب الظاهر بل يجوز به إزالة النجاسات الظاهرة، وأما في الباطن الغيب عنا فقد أزيلت به نجاسة الآثام فلا يتصور إزالة النجاسة كذلك به ثانيًا كما لا يتصور إزالة النجاسة الحقيقية ثانيًا بالماء الذي أزيلت هي به مرة وهذه هي الرواية المعتمدة من مذهب الإمام التي ينبغي أن يعتد بها من أن الماء المستعمل طاهر غير مطهر فيجوز استعماله في إزالة النجاسات الحقيقية دون الحكمية فيكتفي به حيث يكون المناط إزالتها عن محالها بخلاف ما لا يكتفي فيه بذلك.
[وقد رخص قوم إلخ] هذه الفرقة لا ترى بأسًا ولا كراهة بخلاف الآتين (١) ذكرهم فإنهم قربوا ذلك بالكراهة التحريمة.
стр. 79
واعلم أن الوضوء الموزون هو الذي (١) التصق بالعضو، فأما ما تقطر منه كان غسالة، ومما ينبغي أن يعلم أن الفرق بين المستحب (٢) والمكروه بمعنى ترك الأولى مما يعسر ويشتبه لما بين التعريفين من التشابه وصدق تعريف المستحب على كثير مما فعله النبي ﷺ لبيان الجواز مع أنها كانت أحرى أن لا تفعل، والتفصي عنه بأن الذي فعله النبي ﷺ مرة أو مرتين إما أن يكون بعد العلم بكونه محظورًا أو فعله لئلا يعد محظورًا فهو على ترك الأولى وبيان الجواز، وإما أن يكون فعله تحصيلاً للمثوبة والحسنى وإنما كان تركه شفقة على الأمة وخوفًا من أن تتأكد السنية أو تصل إلى حد الوجوب فيتشققوا فهو مستحب فترك الفعل ههنا مع رغبته إليه بخلاف الأول فإن الترك ثمة مرغوب فيه والفعل لعارض البيان، وهذا التمييز موقوف على استقراء تام وتصفح وافر، ثم إن قوله ((الوضوء يوزن)) لفظ الحديث (٣) وكونه من قول الزهري وسعيد مما يحمل على ذلك لكونه مما لا يدرك بالرأي، وهذا الحديث دال على طهارة المستعمل من الماء.
стр. 80
[قوله حدثنيه على بن مجاهد إلخ] كان جرير قد تداخله النسيان في كبره فأراد أن ينبه أن روايتي هذه مما يرويها علي بن مجاهد عني فكان إسناده أولاً: حدثني علي بن مجاهد قال حدثنا جرير عن ثعلبة عن الزهري، ثم آل أمر الإسناد بعد أخذ جرير عن مجاهد (١) حدثنا محمد بن حميد قال حدثنا جرير قال حدثنا علي بن مجاهد قال حدثنا جرير عن ثعلبة عن الزهري ولما كان علي بن مجاهد ثقة أخذ أستاذه بقوله وإن لم يتذكر روايته (٢) إياه، فأفهم، ومن العجائب في هذا المقام ما وقع لبعض من لا ممارسة له بهذا الفن فقال علي بن مجاهد عنين بكسر العين وتشديد الياء والنون فقال معناه أن عليًا وإن كان عنينًا غير قادر على النساء إلا أنه ثقة فسبحان الله.
[قوله عن ربيعة بن يزيد] هذا هو المعطوف عليه لقوله عن أبي عثمان لا كما يتوهم من ظاهر العبارة أن عقبة (٣) بن عامر وأبا عثمان في درجة واحدة بل الأمر على ما وصفناه من العطف، وكذلك فيما بعد في قوله عن معاوية بن صالح عن
стр. 81
ربيعة بن يزيد عن أبي إدريس عن عقبة بن عامر عن عمرو عن أبي عثمان عن جبير بن نفير عن عمر، ويمكن أن يقال إن زيد (١) بن حباب أخطأ في هذا الإسناد في موضعين في ترك الراويين عن عمرو هما عقبة بن عامر وجبير بن نفير، وفي جعل أبي إدريس شريكًا لأبي عثمان فجعلهما تلميذًا على أستاذ مع أنهما مختلفان في الأخذ وبينهما وسائط لا تخفى فإن ربيعة وأبا عثمان قد حدثا معاوية بن صالح ولم يأخذا عن واحد بل أخذ أبو عثمان عن جبير وأخذ ربيعة عن أبي إدريس هذا وقد ذكر النووي في شرحه (٢) على المسلم ما نصه، اختلفوا من القائل لقول ((وحدثني أبو عثمان)) فقيل معاوية بن صالح، وقيل ربيعة، والصحيح الأول فمعاوية يروي بإسنادين أحدهما عن ربيعة عن يزيد عن أبي إدريس عن عقبة والثاني عن أبي عثمان عن جبير بن نفير عن عقبة، انتهى، فأفهم وتذكر.
[وقوله كثير شيء] أي شيء معتبر يعتد به وهذا ذهول منه فإن حديث الباب رواه مسلم في صحيحه بإسناد (٣) جيد.
[كان يتوضأ بالمد ويغتسل بالصاع] وهو مكيل يسع أربعة أمداد والمد
стр. 82
رطل وثلث وبه قالت الشافعية وفقهاء الحجاز، وقيل المد رطلان وبه قالت الحنفية فالصاع ثمانية أرطال وقد ثبت رجوع أبي يوسف (١) إلى مذهب الشافعية لما ورد المدينة مع الخليفة هارون الرشيد (٢) فأراد أن يتكلم مع فقهاء المدينة وكان ذا فصاحة ولسان وصاحب تقرير وبيان فامتنعوا أن يتكلموا معه وكان قد ألزم مالكًا ﵀ من قبل وكان السبب في ذلك أن الرشيد لما وصل المدينة وكان معه أبو يوسف أراد أن تقع بين ذينك الإمامين مناظرة كما هو دأب أرباب الدولة والثروة وكان مالك رضي الله تعالى عنه قد صم فسأله أبو يوسف عن سجدتي السهو (٣) قبل
стр. 83
السلام أو بعده فأجاب عنه مالك حسب مذهبه إن زاد بسهوه شيئًا في صلاته فبعد السلام، وإن نقص فقبله فقال أبو يوسف فإن أتى بهما أي الزيادة والنقصان معًا فسكت مالك ولم يدر ما يقول له فقال الرشيد لمالك ما لك لا تجب يا إمام فقال أبو يوسف أشيخ يخطئ مرة فلا يصيب (١) أبدًا وفهمه مالك ظانًا أنه يقول الشيخ يخطئ مرة ويصيب أخرى فقال على هذا وجدنا مشايخنا وأخذ أرباب المجلس في القهقهة فقال مالك: وقد أحفظه ضيعهم ذلك وقام مغضبًا من ذهب معاصروه ووقع بأيدي الشأن هكذا سخرت به الأحداث فطار الحديث وامتنع أهل المدينة من المناظرة معه في تعيين الصاع والمد وقالوا نجيب غدًا إن شاء الله تعالى فلما كان من الغد حضروا ومعهم من الأمداد ما شاء الله بعضها قديم وبعضها جديد وما منها مد وزنه رطلان فأنصف أبو يوسف من نفسه ورجع عما كان عليه واستقر رأيه أن الصاع والمد الحجازيين هما المعتبران دون العراقي، وأما الإمام الهمام قدوة العلماء الأعلام فقد ذهب إلى الأحوط ومستدله ما قد نص عليه في بعض الروايات في بيان الوضوء المد رطلان (٢) وعلى هذا فلو أراد الشارع بالمد والصاع
стр. 84
ما أردنا لزم عدم انفراغ الذمة أن لو عمل على الصاع المدني فإنه خمسة أرطال وثلث فلا بد من الاعتماد على الصاع العراقي احتياطًا بتلك الرواية التي أسلفناها لا بمجرد الوهم، وأما الوضوء (١) فليس تقدير الماء فيه تحديدًا أو تعيينًا لا يجوز الزيادة عليه أو النقص عنه وإنما هو تقريب (٢) وتخمين حيث اعترف به المؤلف
стр. 85
أيضًا فلا يرد أن الاحتياط في صدقة الفطر وإن كان هو الاعتماد على الصاع العراقي غير أن الأحوط في ماء الطهارة هو العبرة بصاع أهل الحجاز.
[باب كراهية الإسراف في الوضوء]
الولهان (١) نوع منه وقسم لا أنه واحد بالشخص، اعلم أن لكل من أمم المكلفين فرقًا وطوائف كما أن للرياسة الملكية والانتظامات السلطانية فرقًا وطوائف يختص كل صنف منهم باسم مشترك بين جملة تلك الطائفة فالولهان كل شيطان من أمره الوسوسة في باب الطهارة لا أنه واحد بالشخص يوسوس كل متوضئ والعمل الذي التزموا إتيانه إلقاء الوساوس في قلوب المتطهرين فيشتغلوا به حتى تفوتهم الصلاة فإن المتوسوس إذا أخذ في الطهارة وعلم من نفسه أنه لم يكمل الطهارة يأخذ في إتمامها وإسباغها حتى يستوعب هذا الأمر وقت صلاته وربما آل الأمر إلى أن المرء صلاته رأسًا حيث يظن أن صلاته فاسدة لنقص في طهارته فكان التكلف في أدائها هدرًا لا فائدة فيه، أعاذنا الله من شر كل ذي شر.
[عتى] بضم العين (٢) المهملة وفتح المثناة التحتية وتشديد التحتية.
[باب الوضوء لكل صلاة]
اعلم أن بعض الروايات (٣) دالة على أن النبي ﷺ كان يجب عليه تجديد الوضوء لكل صلاة، والبعض الآخر (٤) على خلاف
стр. 86
ذلك ويجمع بأن الوجوب (١) نسخ بعد ما كان أولاً وبقى الاستحباب فكان النبي ﷺ يتوضأ أولاً وجوبًا ثم بعد ذلك كان يتوضأ استحبابًا لما أنه ﷺ كان يواظب على ما وجب عليه ثم نسخ فقد روى أن النبي ﷺ كان يصلي خمسين ركعة في اليوم والليلة كما فرض عليه أولاً وغير ذلك من النظائر التي فيها كثرة، والله أعلم.
[قوله وقد كان بعض أهل العلم يرى الوضوء لكل صلاة] استحبابًا يعني بذلك (٢) أن بعض هؤلاء صرح في كلامه بذلك مما وجدنا كلماتهم وإلا فهذا مذهب العلماء كافة.
[قوله مشرقي] لم يرد بذلك تضعيف الإسناد (٣) والاعتراض عليه فإن المشرقية لا تعتمد ذلك وإنما أراد بذلك بيان الحال من أنه لم يرو من أهل المدينة
стр. 87
والحرم المنيف وإنما اشتهر من أهل المشرق وهم أهل الكوفة والبصرة ومن حلم حول حماهم والإسناد مع ذلك ضعيف في نفسه لا لكونه مشرقيًا بل لأن فيه الإفريقي وهو ضعيف عند أهل الحديث.
[فلما كان عام الفتح] يعني به يوم فتح مكة خاصة ثم إنا قد قدمنا أن تجديد الوضوء كان واجبًا عليه ﷺ ثم نسخ الوجوب وبقى استحبابه فهذا الذي فعله يوم الفتح يحتمل أن يكون أول ما فعله بعد نسخ الوجوب ويحتمل أن يكون النبي ﷺ فعل ذلك قبل (١) هذا إلا أنه خفى على عمر وأصحابه فأعاد النبي ﷺ ذاك الفعل ليكون سنة لهم كافة.
[وهذا إسناد ضعيف] إلا أنه لما توبع عليه صار قويًا معتبرًا به ومما ينبغي أن يعلم أن الحديث الأول من هذا الباب رواية سفيان عن علقمة بن مرثد والثاني روايته عن محارب بن دثار واختلف فيه وكيع وغيره من آخذي رواية سفيان (٢) فرفعه وكيع وأرسله غيره فقال الترمذي وهذا أصح من حديث وكيع
стр. 88
يعني أن إرساله أصح من رفعه لكون من أرسل أوثق ممن رفعه وأكثر فيكون الإرسال أعمد، والله أعلم.
[باب في وضوء الرجل والمرأة من إناء واحد]
لما كانت أمزجة النسوان مائلة لا إلى النظافة الطبيعية أمر النبي ﷺ باجتناب الرجل فضل طهور المرأة أن يستعمله لاحتمال أن تقع غسالتها فيه بخلاف الرجال فإنهم ليسوا كذلك فلا ضير في استعمال المرأة فضل طهوره وإنما نهى الفقهاء رحمهم الله تعالى عن شرب الرجل فضل سور المرأة دون العكس فلأن المرأة مستورة بجميع أجزائها وشرب المائع سبب لاختلاط شيء من لعابها به فيكون شرب الرجل إياه استعمالاً لجزئها المستور وكون الذوق من الحواس لا ينكر وهذا كله إذا لم يخف الفتنة، وأما إذا خيفت فالنهي عام لكل من الرجل والمرأة، ثم إن النهي عن استعمال فضل طهور المرأة لما كان مشعرًا بالتحريم (١) كما هو الأصل أظهر النبي ﷺ بالغسل والوضوء من
стр. 89
فضل طهور بعض أزواجه أن النهي تنزيه وليس بتحريم وإنما اختص النهي بما إذا كانت المرأة قد تطهرت بغيبة من الرجل دون ما إذا تطهرت بمرأي عينه لأنها إذا كانت بمحضر منه فالظاهر أنها تحتاط في أمر الماء مع أنها لو تبادرت إلى شيء مما يفسد الماء منعه، وقوله الماء لا يجنب من الأفعال أي لا يصير ذا جنابة.
[باب ما جاء أن الماء طهور لا ينجسه شيء]
أعلم أن مسألة طهارة الماء ونجاسته تحيرت فيها آراء ذوي الألباب ولم يأتوا بشيء واف شاف صاف في هذا الباب فنقول وعلى الله التوكل وبه الاعتصام إنه كريم مفضل منعام فعليك أولاً أن العلماء كافة أجمعوا على أن (١) ملاقاة النجس بالماء الطاهر يفسده وإنما اختلفوا (٢) في
стр. 90
مقدار الملاقي في تأثيره ذلك فتفرقت فيه الأقوال (١) أوسعها (٢) مذهب مالك ﵏ ودليله الحديث الوارد في الباب وقد ورد في بعض طرقه زيادة قوله ما لم يتغير فلذلك قيد طهارته بعدم تغير شيء من أحد الأوصاف الثلاثة فاعتبر غلبة الملاقي بحسب الوصف فإن غلب الماء وصفًا ولم يظهر فيه شيء من أوصاف النجس كان طاهرًا وإن غلب النجس بحسب الوصف وظهر شيء من أوصافه في الماء كان نجسًا، وثانيها ما روى (٣) عن عائشة ﵂ من أن العبرة لغلبة الماء أو النجس بحسب الذات فإن زالت رقة الماء وسيلانه لغلبة النجاسة كان الماء نجسًا وإلا لا، فإن ثبت هذا العزو لعائشة رضي الله تعالى عنها لكان كافيًا ومغنيًا عن تفتيش غيره من المذاهب لما فيه من الوسعة ولما كانت (٤) من التمكن على المراجعة والبحث في كل ما تشاء إلى النبي ﷺ ما لا يستمكنه غيره ولما لها من غزارة العلم وجودة القريحة وإصابة الفهم وقدم في التفقه راسخة وأعلام في التحقيق شامخة فكيف يتوهم أن مسألة طهارة الماء ونجاسته يخفى عليها مع طول ملابستها بالنبي ﷺ وقلة المياه عندهم الداعية إلى كثرة البحث عنه والعلم بحاله إلا أن رواية هذا المذهب الذي أشرنا إليه لما لم يثبت بإسناد صحيح يعول إليه ولا طريق جيد يطمئن إليه لزمنا القول بتركه والمصير إلى غيره من المذاهب ولذا لم يذهب إليه أحد من الأئمة
стр. 91
الأعلام ولو أنه ثبت لكان قولها هو القول الثابت الراجح ومذهبها هو المذهب المقبول للكل من غير قادح.
والثالث مذهب الشافعي رحمه الله تعالى من كون الماء إذا بلغ قلتين لم يحمل خبثًا إلا أن يتغير شيء من أوصافه الثلاثة فإنه يفسده كائنًا ما كان، وقد أخذ في ما اختاره بحديث جيد الإسناد قابل للاعتماد وزاد هذا القيد اعتبارًا لما في غير هذه الرواية من العبرة بالنجاسة إذا ظهر أثرها في الماء أيضًا فإن الأئمة مجمعون على عبرة النجاسة إذا غلبت وهذا الثالث هو الذي تخيره الأئمة الآخرون مثل أحمد (١) وإسحاق وغيرهما لموافقته ظاهر قول النبي ﷺ إذا كان الماء قلتين لم يحمل خبثًا وأما الإمام الهمام قدوة الأئمة الأعلام فقد ذهب نظرًا إلى اختلاف الروايات في ذلك إلى أن الأمر موكول إلى رأي (٢) من ابتلى به فإن ظنه نجسًا كان نجسًا وإن طاهرًا فطاهرًا، وعلى هذا لا يضره شيء مما ورد في هذا الباب مما أخذ به الأئمة الثلاثة أو أخذ به مالك رضي الله تعالى عنه، فأما الرواية التي أخذ بها مالك رضي
стр. 92
الله تعالى عنه من قوله ﷺ الماء طهور لا ينجسه شيء فلأن السؤال (١) عن بئر بضاعة قد أخرجه مخرج الجواب فإنهم لما ظنوا أن البئر إذا تنجس مرة فإنه لا يمكن تطهيره أبدًا لملاقاة الماء النجس جدرانه عند الإخراج مع أن البئر كيفما أخرج ماؤها فإنه لا يخلو عن بقية من الماء النجس فيها فكان مظنة أن لا يتطهر فسألوا عنه، ولا يمكن أن يكون السؤال عن الماء النجس القليل حين لم تخرج النجاسة عنه إذ من الظاهر أن الماء القليل الذي وقع فيه شيء من النجاسات لا يسأل عنه عام فضلاً عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم أجمعين، وكذلك لا يشربه مؤمن فكيف بهذا النبي الأطهر الأكرم، فعلم أن منشأ السؤال أن النجاسة إذا أخرجت واستقى الماء الذي كان فيها وقت الوقوع فالماء الجديد المجتمع فيها ينبغي أن يكون نجسًا لملاقاته الجدران النجسة وعلالة الماء النجس فأجابهم النبي ﷺ بأن الماء طهور بتعريف العهد إذ الجواب على وفق السؤال، والأصل في اللام العهد الخارجي فما أمكن حملها عليه لم تحمل على غيره وممن صرح بكون الأصل في اللام هو العهد العلامة في التلويح والشريف الجرجاني في بعض تصانيفه فإذا كان الأمر كما وصفنا كان المعنى أن الماء (٢) الذي سألتم عنه لا ينجسه شيء مما ذكرتم إذا أخرجت النجاسة والماء الذي كان ملاقيها فهذا الذي أخذ به مالك يؤيد ما ذكرنا من إدارة الأمر على رأي المبتلي به فإنه ﷺ لما ظن برأيه الشريف أن الماء لا يتنجس بذلك المذكور كان طاهرًا لا يتنجس، وأما رأي الصحابة رضوان الله عليهم فلم يعتد به على خلاف رأيه حتى يقال إنها كانت نجسة في حقهم وإنما لم يتنجس الماء فيها لجريانه (٣) في البساتين
стр. 93
إما بتدارك الاستقاء منها أو لما في داخلها من كوة تخرج منها الماء كما يشاهد في بعض الآبار واعترض المخالفون على الواقدي (١) في قوله في بئر بضاعة أن مائه كان جاريًا في البساتين وقالوا إن البئر كانت كغيرها من الآبار والسبب في إيرادهم ذلك أنهم فهموا أن مراد الواقدي أن البئر كانت كالنهر فأوردوا عليه بأنه لم يكن كذلك وكان كغيره من الآبار وأنت تعلم أنه برئ من تلك الإدارة (٢) وإنما أراد أنه كان في حكم الجاري لكثرة ما يستقي منها وهذا غير خفي على ذي روية فإن من البديهي الغير المحوج إلى فكر ونظر أن البئر (٣) في البستان لا يكون إلا لسقي أشجاره وقد علم أن بئر بضاعة كانت قليلة الماء فإذا سقيت منها الأشجار ولم يبق فيها شيء من تلك النجاسات ولا هذا الماء كيف وقد ذكر على ما هو (٤) مذكور في سنن أبي داؤد: إني ذهبت في سفري إلى بستان بئر بضاعة فرأيتهم وذرعتها وكان قطرها ستة أذرع فسألت مالك البستان من تغير بناءها فأنكر وسألت عن مقدار مائها فقال إذا كثر فإلى ما فوق السرة وإذا قل فإلى ركبتيه فكيف يظن أن هذا البئر إذ
стр. 94
وقعت فيه نجاسة ثم استقى منها البستان تبقى فيها النجاسة ولا تخرج ولا يخرج كل ماءها فأما إذا أخرجا كلاهما فأمر طهارتها ظاهر على مذهب الإمام، بقى الجواب عما تمسك به الشافعي ﵀ من حديث القلتين (١) فنقول إنه لا يضر مذهب الإمام شيئًا فإن مذهبه رضي الله تعالى عنه أن الماء إذا كان أقل من قلتين ولم يقتض رأي المبتلي بتنجسه بوقوع شيء من النجاسات فيه لم يحكم بنجاسته فضلاً عما إذا كان الماء قلتين كيف وقد جربه الأستاذ العلامة حين قراءتنا تلك الروايات فكان قلتا الماء قدر غدير عظيم لا يتحرك أحد طرفيه بتحريك الطرف الآخر وكان نحوًا من ستة أشبار في مثلها ولله الحمد، وعلى هذا يرتفع الخلاف من البين ويكون مذهبنا كمذهب الشافعي رحمه الله تعالى من غيري مين (٢) ويؤل الأمر إلى ما ذكرنا أولاً
стр. 95
من إدارة الأمر على رأي المبتلي به وذلك لأن علمائنا رحمهم الله تعالى لما شاهدوا في مذهب الإمام الذي قدمناه اختلاف أمر العوام لبون بعيد في آرائهم فمن منجس ماء البحر بإلقائه يده النجسة فيه ومن مجوز طهارة ماء الكوز إذا وقعت فيه قطرة من البول حددوا فيه حدودًا ينتظم بها أمرهم فمنهم من قدره بعشر في عشر وأصله على ما نقلوا أن محمدًا رحمهم الله تعالى سئل عن الماء الكثير فقال نحو مسجدي هذا فلما خرج ذرعوه فكان داخله ثمانيًا في ثمان وخارجه عشرًا في عشر فأخذوا بالمزيد احتياطًا ولعل محمدًا رحمه الله تعالى إن سئل عن الأقل من ذلك لأجاب بقوله نعم فإنه لم يرد بذلك تحديدًا بل تقريبًا ومنهم من قدر الكثير بقوله هو الغدير (١) العظيم الذي لا يتحرك أحد طرفيه بتحريك الطرف الآخر ثم اختلفوا فيما بينهم في التحريك المعتبر هل هو باليد أو بالتوضئ أو الاغتسال وإلى كل ذهب ذاهب ولا يذهب عليك أن التحرك المعتبر إنما هو التحرك الذي ينشأ في الجانب الآخر ويسري إليه معًا لا التحرك الناشئ بالتموج وتدريجًا وهذا القول الأخير يوافق رأي الشافعية في اعتبار الكثرة بالقلتين فقد ذكرنا أن الأستاذ العلامة جربه فكان كذلك فإنه مد الله ظلال جلاله وسقى الطلاب وإياي من نمير (٢) نواله أمر بحفر حفيرة فألقى فيها الماء مقدار قلتين ولم يتحرك أحد طرفيها بتحريك الطرف الآخر، وأما ما
стр. 96
طول البحث فيه صاحب شرح الوقاية من إثبات العشر في العشر فقد رده ابن نجيم المصري في بعض (١) تصانيفه حرفًا حرفًا، وقد أجاب بعض الأحناف عن حديث القلتين بأجوبة لا ترضاها الطبائع السليمة فقيل إسناده ضعيف (٢) وأن فيه اضطرابًا حيث ورد في بعضها قلتان، وفي البعض الآخر ثلاث، وفي البعض الآخر أربع حتى قيل: وردت فيه الروايات إلى أربعين قلال وأن القلة غير متعينة المقدار فإنها مختلفة المقادير فتعذر العمل بأحد معانيها إلى أن يتعين أحد المعاني لدخولها في الإجمال والمجمل لا يمكن العمل به إلا بعد بيان المجمل وأنت تعلم أن كل ذلك تعسفًا، أما الأول فلما فيه من إنكار البداهة فإن صحة روايات القلتين غير منكرة (٣) والروايات
стр. 97
الواردة في السنن شاهد صدق على ذلك أما الاضطراب فمندفع يحمل تعدد الروايات على تعدد الواقعات (١) وكثرة التساؤلات فأجاب النبي ﷺ كلا من السائلين حسب ما تضمنه سؤاله فلا اضطراب ولا اختلاف والأسانيد شاف كل صاف وإلزام الإجمال تحكم أما أولاً فلأن القلة كانت معلومة عندهم فلا يضر جهالتها عندكم، وأما ثانيًا فلما ورد في بعض الروايات من زيادة لفظ يفسر المراد ويبين الإجمال وهو قوله من قلال (٢) هجر بل الجواب (٣) هو الذي أشرنا إليه من أن الأمر موكول إلى رأي المبتلي به فلا يحكم بنجاسة الماء إذا لم يتنجس الماء قدر ذلك عنده بوقوع النجاسة فيه ومعنى قول محمد بن إسحاق القلة هي الجرار إلخ إنها تكون صغيرة (٤)
стр. 98
وكبيرة يقلها الأرض ولا يحملها الإنسان لثقلها ويقلها الإنسان أي ما هو آله للشرب يحملها الإنسان لصغرها.
[باب كراهية البول في الماء الراكد]
هذا بظاهره إثبات (١) لما ذهب إليه الحنفية كما أن أول الأحاديث لإثبات مذهب مالك مع ما فيه إشارة إلى ما نقلنا أولاً من مذهب عائشة رضي الله تعالى عنها وذلك لأن الرواية مطلقة عن قيد التغير والماء ماء ما لم يذهب مائية وإن غلب عليه النجس وصفًا وأوسط الروايات مسوق لإثبات ما اختاره الشافعي ووجه إثبات مذهب الأحناف بهذه الرواية أن
стр. 99
النهي مطلق عن قيد القلة والكثرة ثم وصف الماء بكونه راكدًا ولا يصدق الركود على ما أعطى له حكم الجاري إذ لا ركود بعد كونه جاريًا لما بينهما من المنافاة الظاهرة ثم قوله ﵊ ثم يتوضأ منه، وفي بعضها ثم يغتسل منه يبين أن المراد بذلك الماء ما هو أزيد من القلتين بل فوق القلال فإن الغسل في ماء القلتين أو التوضئ منه من دون أخذ الماء على حدة مستبعدة عادة والنهي أصله التحريم كما أن الأمر أصله الوجوب لا سيما وقد أكد بنون التأكيد وعمم الحكم بذكر الاغتسال من الجنابة إزالة الحدث والخبث، فعلم من مجموع ذلك أن البول في الماء الذي ليس جاريًا ولا في الحكم الجاري محرم كالغسل فيه وإن كان فوق القلتين ويفسد الماء ببوله فيه وإن لم يتغير شيء من أوصافه الثلاثة وهذا لأن تغير هذا المقدار من الماء الذي يغتسل فيه ويتوضأ عادة ببول رجل أو باغتساله فيه مشكل فهذه الرواية ظاهرة على مذهب الإمام فإن المبتلي به يعده نجسًا بعد قليل من الزمان إن كان هذا الماء كثيرًا وإن كان قليلاً لا يبلغ قدر الغدير العظيم فتنجسه عنده ظاهر، وأما مالك والشافعي رحمهما الله تعالى فمحمل الحديث عندهما الكراهة التنهزيهية أو هو محمول على ما إذا كان الماء أقل من القلتين أو يتغير بذلك شيء من أوصافه الثلاثة وأنت تعلم ما فيه، فالأول عدول عن الأصل وهو التحريم من غير ضرورة إليه، والثاني عدول عن الظاهر الذي ينبغي التعويل عليه والله تعالى أعلم.
[باب في ماء البحر آه]
لما كان النبي ﷺ قال لماء (١) البحر أنه نار لما ينشأ منه آثار النار مثل الجرب واليبس وغير ذلك فهم منه بعض أصحاب النبي
стр. 100
صلى الله عليه وسلم أن الغسل والوضوء لا يجوزان به فلذلك سألوه عنه فدفعه النبي ﷺ بأن الذي ذكرنا ليس في باب الطهورية والكلام (١) في ميتة البحر سيأتي في موضعه غير أن المراد بها السمك عندنا وأعم منه عند الشافعي ﵀.
[باب التشديد في البول إلخ]
أي التغليظ في أمر نجاسته كي يستبرأوا منه ويستنزهوا ولا يعدوه سهلاً فيعذبوا بسببه (٢).
[وما يعذبان في كبير] ليس المعنى أنهما ليسا كبيرين في نفس الأمر، وفي أنفسهما إذ ليس التعذيب إلا على الكبيرة بل المعنى أنهما لم يكونا كبيرتين عندهما أو المعنى لا يعذبان في أمر يكبر ويشق على المرأ أو عليهما خاصة التحرز عنهما والتنزه منهما.
[قوله من بوله] وفي بعض الروايات ((من البول)) فيجب حمل كل منهما على حسب مقتضاه فالمطلق يجري على إطلاقه فالمقيد على تقييده والقائلون بحل بول مأكول اللحم وطهارته حملوا الروايتين معًا على معنى واحد يحمل اللام على العهد قلنا لا حاجة إليه لاحتمال تعدد الوقائع مع أن الذي ذكر الإطلاق من الروايات لم يأت بالمطلق إلا لفهمه الإطلاق من قرائن هذا المقام على أن القصة (٣) التي كانت
стр. 101
سبب قوله ﷺ «استنزهوا من البول فإن عامة عذاب القبر منه» تعين الذي أردنا من المعنى فإنه ﷺ قاله في رجل كان يرعى غنمًا له وكان لا يستتر من أبوالها فكيف يسوغ لهم حمل البول ههنا على بول نفسه.
[وروى منصور هذا الحديث عن مجاهد إلخ] اعلم أن مجاهدًا وطاؤسًا أكثر ما يأخذان عن ابن عباس وقد يأخذ أحدهما عن الآخر وهذا الحديث من هذا القبيل فقد أخذه مجاهد عن طاؤس عن ابن عباس فرواية منصور في هذا لا يصح (١) لأنه لم يذكر فيها طاؤسًا ثم أراد توثيق الأعمش بنسبته إلى المنصور ليعتمد على روايته بمقابلته فقال الأعمش أحفظ لإسناد إبراهيم من منصور ولما ثبت ذلك في إسناده عن إبراهيم كان الأمر في غير إسناد إبراهيم، كذلك أيضًا ما لم يقم قرينة خلافه أو يعلم اختصاصه بهذا المقام فهذا إثبات للمرام بقرينة القياس والبناء على ما هو الظاهر من حفظ
стр. 102
الحافظ حيثما كان ومن ليس بحافظ في موضع فهو كذلك في غيره، وهذا هو الوجه في تعرض المؤلف لإسناد إبراهيم وإن لم يكن إبراهيم مذكورًا ههنا فأفهم وتشكر.
[باب ما جاء في نضح بول الغلام (١) قبل أن يطعم] ليس المراد بالنضح هو الرش (٢) بل المراد به ههنا الغسل الخفيف الذي ليس فيه كثير عصر ولا مبالغة في الدلك وهذا لأنه لما كان لطيفًا غير لزج لحرارة مزاجه دون الجارية لم يحتج
стр. 103
إلى كثير معالجة في إخراجه من الثوب وأما إذا جعلا يطعمان لم يبق بين بولهما فصل لغلبة أثر الغذاء على ما لهما من الطبيعية.
[باب ما جاء في بول ما يؤكل لحمه]
فيه مذاهب (١) ثلاثة طهوره وحله مطلقًا وذهب إليه مالك وأحمد وإسحاق ومحمد من أئمتنا الثلاثة ونجاسته وحله للتداوي لا مطلقًا وهذا ما ذهب إليه أبو يوسف، ونجاسته مع حرمته مطلقًا إلا إذا أخبر حاذق من الأطباء بانحصار المعالجة فيه وهذا مذهب الإمام رحمه الله تعالى فجواز استعماله إذًا ليس إلا كجواز أكل الميتة والخمر أوان الاضطرار وأورث اختلاف العلماء فيه تخفيفًا عنده أيضًا حتى لا يحكم عنده بنجاسة الأرض والثوب ما لم يفحش وإن كان الماء يفسد بوقوع قليله فيه استدلال أصحاب المذهبين الأولين بحديث الباب ظاهر وجواب الإمام قد ذكر عن قريب فإن عموم قوله ﷺ (٢)
стр. 104
«استنزهوا من البول» ينادي بأعلى الصوت على نسخ ما ههنا، أو يرجع (١) فيه إلى تأويل أنه ﷺ علم انحصار شفائهم فيه مع أن فعله ﷺ لا يعارض قوله فيه مع أن واقعة معاذ (٢) فيها ما يؤيد مذهب الإمام فإنه ﷺ حين فرغ من دفن معاذ رؤيت عليه آثار الحزن فسأل امرأته عن بعض ما كان يقترفه فقالت كان لا يستنزه من أبوال الغنم فقال النبي ﷺ استنزهوا من البول إلخ ففيه دلالة ظاهرة على عموم النهي وأيضًا ففيه دلالة على نسخ حكم حديث العرينيين فإن قدوم العربنيين (٣)
стр. 105
لا يرتاب في كونه قبل موت (١) معاذ فإن موت معاذ رضي الله تعالى عنه كان في آخر الإسلام فهذا العام لو لم ينظر إلى خصوص الواقعة حكم بنجاسة بول مأكول اللحم، وإن نظر إلى أن العبرة بعموم اللفظ لا لخصوص المورد كان شموله له أظهر مع أنه مؤيد بفهم الصحابية أيضًا إذ لو لم يكن بوله نجسًا عندها لما ذكرته في موضع التفتيش عما أوجب تضييقًا عليه رضي الله تعالى عنه، ثم إن صنيع المؤلف رضي الله تعالى عنه من إيراده هذا الباب بعد باب التشديد في البول مشير إلى أن هذا التشديد عنده إنما هو في غير هذا النوع من البول لكونه مأكولاً طاهرًا عنده ولذلك تراه تعرض للجواب عن المثلة المذكورة في رواية الباب ولم يتعرض للجواب عن البول حيث أمر النبي ﷺ بشربه وذلك لأنه طاهر عنده فلا حاجة إلى الجواب ثم إن سمر (٢) أعين العرينيين مشكل على مذهب الإمام فإنه لا يرى
стр. 106
القود إلا بالسيف والجواب أنه كان تعزيزًا وتغليظًا لا تشريعًا أو كما قال ابن سيرين إنه كان قبل نزول الحدود فإن قوله ﵎ ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ أوجب مساواة بينها ولم يمكن ذلك في العين وأمثالها فوجب القول بانتساخ ما وقع ذلك، وأما ما يتوهم من خلافه لقول النبي ﷺ لا تمثلوا فمدفوع بحمله على النسخ أو بأن مثلتهم كانت قصاصًا وأمكن هناك أو بأنه كان تغليظًا والنهي عن المثلة حيث لا يفتقر إليها وفيه ما فيه.
стр. 107
[باب ما جاء في الوضوء من الريح]
الريح المذكورة ههنا في الترجمة معناها الهواء (١) والمذكور في الحديث بمعنى الرائحة أي ما يدرك بالشم والحصر في قوله ((لا وضوء من صوت أو ريح)) إضافي والمعنى لا وضوء في الريح الخارجة إلا إذا وجد (٢) رائحة أو صوتًا فلا يرد فساد الوضوء بالدم والقيء أو البول وغيره من نواقض الوضوء.
والمراد بقوله [يقدر أن يحلف عليه] غالب الظن فإن اليمين سائغة على غالب الظن أيضًا كما هي سائغة على اليقين، فأما الريح الخارجة من قبل (٣) المرأة وذكر
стр. 108
المرء فلا تنقض الوضوء لعدم انبعاثها من محل النجاسة فإن المثانة لبعدها لا تصل ريحها إلى خارج وتتلاشى فيما بين ذلك وتتحلل بخلاف الدودة الخارجة من دبرهما فإنها ناقضة لأنها وإن لم تكن نجاسة (١) إلا أن ما عليها من النجاسة ناقض وإن قل، ولا كذلك الدودة الخارجة من القبل والذكر فإن المثانة لحدتها لا يمكن تكون الدود فيها فلا يكون إلا من جرح ثمة والقليل من غير السبيلين لا يكون ناقضًا ولعله السبب في حرمة المثانة دون الأمعاء.
[باب الوضوء من النوم]
لا خلاف في أن النوم ليس سببًا لنقض الوضوء بنفسه وإنما القول (٢) بانتقاض الطهارة بالنوم مبني على كونه علة للاسترخاء الداعي
стр. 109
للخروج وإنما الخلاف بينهم في المقدار المعتبر في ذلك الاسترخاء وهو الغلبة على العقل فكل منهم عبر عنه بما كان معتبرًا عنده في الغلبة على العقل فالاختلاف في تحديد النوم المعتبر في نقض الطهارة اختلاف تجربة وزمان لا اختلاف حجة وبرهان، وأما جوابه ﷺ عن نوم نفسه الشريفة فكان ممكنًا بأنه لا ينام قلبه اليقظان وإن نامت فيما يبدو لنا العينان غير أنه ﷺ لم يجبه به إفتاء للسائل بجواب عام يشمل كل مكلف نام ولولا أنه أجاب بذلك بل أدار الأمر على الفرق بينه وبين الآخرين لما أفاد إفادة جوابه هذا الذي ذكر ههنا ثم إن مسألة ابن عباس هذا إما لعدم علمه بذلك الاختصاص الحاصل له ﷺ أو يكون قد علم بذلك غير أنه اعتراه ذهول عند ذاك والأول أقرب والله تعالى أعلم.
[كان أصحاب النبي ﷺ ينامون ثم يقومون إلخ] هذا ظاهر على ما مهدنا فإن الرطوبة لم تكن قد غلبت على معداتهم حتى يستغرقوا في النوم استغراق أهل زمننا والغلبة على العقل هو الملاك في ذلك وعلى هذا لا تخالف بين الأقوال التي ذكرها الترمذي ههنا فإن الغلبة على العقل وذهاب الاستمساك جريه بعضهم بالرؤيا وبعضهم بالاضطجاع، والمعنى المقصود واحد لكن ينبغي لأحناف زماننا ترك مذهبهم القديم من أنه إذا نام على الهيئة الصلاتية لم تنتقض طهارته إذ كثيرًا ما رأينا من الناس أحدث في نومه جالسًا متربعًا ولم يشعر به.
стр. 110
[باب الوضوء مما غيرت النار]
إما أن يقال كان هذا في ابتداء الإسلام ثم نسخ أو الأمر استحباب لا إيجاب أو المراد به ما قاله مجاهد من غسل فاه فقد توضأ.
[أنتوضأ من الدهن أنتوضأ من الحميم] يعني بالدهن ما أخذ (١) بطبخ الشيء المأخوذ دهنه في الماء ثم طبخه في الدهن أي الشيرج (٢) ومثله أو المراد بالدهن ما طبخ الشيء المأخوذ ذهنه في الشيرج وأيًا ما كان فالدهن المذكور ههنا (٣) من قبيل ما مسته النار وكذلك ثور الأقط أريد به المطبوخ فإن من الثور (٤) ما هو حاصل بالطبخ ومنه ما هو حاصل من دون ملامسته بالنار، ثم إن إيراد ابن عباس ومعارضته إنما هو بفهم أبي هريرة الراوي لا الحديث فإن ابن عباس ﵁ لما رأى الصحابة والنبي ﷺ أيضًا أنهم لا يتوضأون بعد أكل الأشياء التي مست النار ظن أن ابا هريرة هو الذي حمل الحديث غير محمله المراد وأن النبي ﷺ لم يعن بكلامه هذا المفاد.
[فدخل على امرأة من الأنصار] لعلها كانت محرمة له أو عجوزة أو لم يكن خالية (٥) بل كان معها غيرها والله تعالى أعلم.