← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 150962

الكوكب الدري على جامع الترمذي

رشيد الكنكوهي

Полный текст (1 886 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

ما عسى أن يبقى شيء من الدسومة بعد زوال عين النجس ليكون أبعد من الكراهة والتنفر في غسل سائر الأعضاء لا سيما المضمضة والاستنشاق. [ولم يتوضأ أجزأه] يعني عن فرض الغسل لا تحصيل الطهارة عن الحدث الأصغر فإن الترتيب (١) المفروض عند هؤلاء لم يحصل على هذا التقرير ولا يبعد أن يكونوا قائلين بأجزاء الانغماس واللبث فيه عن فرضية الترتيب فإن علمائنا رحمهم الله تعالى صرحوا بأن المغتسل إذا دخل الماء ولبث فيه قدر ما يمكن فيه من إتيان الترتيب أجزأه ذلك عن سنة الترتيب (٢) وكذلك إذا انتقل فيه من موضع ماء إلى غيره أجزأه عن سنة الغسل فلا يبعد القول بمثل ذلك من هؤلاء الذين ذهبوا

стр. 142

إلى افتراض الترتيب وعلى هذا فالأجزاء كامل مع أداء السنة والفريضة معًا وعلى الأول وإن أجزاه عن الفريضة إلا أن السنة لم تتحصل. [إنما يكفيك] هذا بمنزلة الاستثناء من عموم قوله ﷺ تحت كل شعرة جنابة فإن أم سلمة رضي الله تعالى عنها لما علمت بذلك، وعلمت أن فيه حرجًا سألته ﷺ عن ذلك فقال: إنما ذلك الرجال (١) لا لكن، وهذا لأن الحرج مدفوع وفي إيجاب النقض على المرأة حرج بخلاف الرجل مع أن الخطاب في قوله يكفيك للمرأة فيخص الاستثناء بها إذ لا ضرورة في غيرها، والضرورة هي التي نيط بها الترخص، والحاصل أن الأجزاء من غير أن يغسل شعرة شعرة لما خالف القياس لا من كل وجه عدى إلى نوعه، ولولا أنه يخالف القياس من وجه لعدى إلى كل مكلف، ولولا أنه موافق له من وجه لما عدى إلى غير أم سلمة رضي الله تعالى عنها ولأختص بها حملاً بكاف الخطاب على التخصيص إلا أن الخصوص ههنا نوعي لا شخصي وإليه يشير قول المؤلف فيما بعد أن المرأة إذا اغتسلت إلخ.

стр. 143

[باب ما جاء أن تحت كل شعر جنابة] قوله [شيخ] الشيخ ههنا بمعنى العالم (١) لا الشيخ اللغوي. [باب ما جاء إذا التقى الختانان إلخ] الختان موضع الختنة من الرجل والمرأة، وهو من الرجل (٢) ما إذا قطع ظهرت الحشفة لا محالة وقد زيد في

стр. 144

بعض الروايات كلمة ((وغابت الحشفة)) وعلى كل تقدير فالسبب فيه إقامة الداعي مقام المدعو والسبب مقام المسبب فالتقاء الختانين لما كان في غالب أمرهم يتسبب إلى خروج المني وهو نفسه يتغيب عن البصر. والزمان زمان التلذاذ واضطراب، فلعله لا يحس بخروجه لذهوله عن مثل هذه الأمور في أمثال تلك الحالات أقيم هذا مقام ذاك تيسيرًا على (١) العباد واحتياطًا في العبادات، وربما يتوهم أن الرواية التي اكتفى فيها بلفظ الالتقاء تخالف ما ورد فيها لفظ المجاوزة فإن الأولى منهما توجب الغسل حيث لا توجبه الثانية، وذلك لأن الالتقاء لا يتوقف على المجاوزة والمجاوزة لا تتصور بدونه، ولعل الجواب أن رواية المجاوزة لا تدافع رواية الالتقاء بل هي ساكتة عن وجوب الغسل بنفس الالتقاء، ورواية الالتقاء تؤكد رواية المجاوزة إذ هي لا تتحقق دونه ولما لم تكن مدافعة بين الأسباب لم تحمل على المقيد بالمجاوزة فكان وجوب الغسل بالمجاوزة ثابتًا بالروايتين معًا والوجوب بالالتقاء ثابتًا بإحداهما، فلا خلاف بين مفهوميتها ولا شقاق والروايتان توجبان الغسل بالمجاوزة على الاتفاق، ومما ينبغي أن يعلم أن دخول الحشفة لازم على التقديرين لما قدمنا أن قطع موضع الختان يبرز الحشفة فالتقاء الختانين لا يتصور (٢) من دون دخولها، وبذلك يعلم أن الغسل لا يجب بإدخال

стр. 145

بعضها لعدم موجب الغسل فبقى المرء على طهره كما هو الأصل وليس ذلك استدلالاً بالعدم، ثم لا يبعد القول بأن إيراد المؤلف رواية المجاوزة بعد عقد الباب بلفظ الالتقاء إشارة إلى ما ذكرنا من اتفاق مدلوليهما ويشهد له رواية المجاورة بالراء المهملة. [إنما الماء من الماء في الاحتلام (١)] هذا يحتمل معنيين أحدهما أنه وإن كان معمولاً به في أول الإسلام إلا أنه لم يبق حكمه اليوم إلا في الاحتلام، فإن المحتلم إذا رأى ما يريبه ثم لم ير بللا لم يوجب ذلك غسلاً فإن الماء من الماء لا غير، والثاني أنه لم يرد به في الحديث إلا ذاك قبلاً وبعدًا غير أن الناس حملوه على النوم واليقظة معًا ثم لما تبين مراده ﷺ اقتصر على النوم للعلم بأن ذلك مراده ﷺ إلا أن هذا التأويل الأخير يرده صريح روايات الصحاح فإن فيها تنصيصًا على أنه ﷺ قررهم على ما فهموه من التعميم وهذا في غير رواية، ومع هذا فباب التأويل مفتوح بعد بسعته كما لا يخفى على من ألقى السمع وهو شهيد إلا أن التأويل بعضه قريب وبعضه بعيد. [باب في من يستيقظ ويرى بللا] . [عبد الله بن عمر إلخ] هما أخوان (٢) كان الأول منهما عابدًا زاهدًا

стр. 146

ورعًا مجاهدًا لنفس فساء حفظه والآخر كان حافظًا متقنًا وأبوهما عمر هو ابن حفص بن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهم. [إذا استيقظ الرجل فرأى بلة إلخ] المذهب (١) عندنا أن المحتلم إذا تيقن بكون البلل منيًا أو ظن به أوجب الغسل وإلا فلا ولا ينافيه إطلاقه ﷺ في لفظ البلل وذلك لأن المسئول عنه إنما هي بلة المني لا غير فالتخصيص بكونه منيًا ناش عن قرينة المقام لا بالرأي فقط إذ لا يمكن أن يتوهم أحد وجوب الغسل على من استيقظ وفي ثوبه بلل بول فكذا المذي نعم ذهب بعضهم إلى وجوب الغسل بالمذي في مثل هذا بناء على الاحتياط في أمر العبادة، وأما الذي ذهب إليه بعضهم (٢) من وجوب الغسل على المرأة إذ تذكرت حلمًا وإن لم تر بللاً لاحتمال أنه وصل إلى رحمها أو لاحتمال أنه خرج ثم عاد فأمر لا ينبغي أن يعول عليه وذلك لأنه مجرد احتمال فلا يزول به الطهارة المتيقنة بها مع أن المناط فيه الخروج من الفرج ولم يوجد على سبيل اليقين. [باب ما جاء في المني والمذي] .

стр. 147

[عن علي قال سألت إلخ] قد اختلفت (١) الروايات في تلك القصة حيث أسند السؤال إلى علي والمقداد، والجواب أن الذي تكلم معه ﷺ هو المقداد وكان السبب الحامل عليه علي رضي الله تعالى عنه فإسناد السؤال إلى أحدهما حقيقة وإلى الآخر مجاز. [باب في المذي في الثوب، فقال بعضهم لا يجزئ إلا الغسل] وهذا الاختلاف عائد (٢) إلى اختلاف أحوال الرجال بحسب غلظ المذي ورقته فيفتقر في إزالة

стр. 148

الأول بحسب معالجة الشدة بما لا يفتقر إليه في الثاني، وفي لفظ الحديث إشارة ما إلى ذلك حيث خص الخطاب بعلي ولم يعمم لعلمه من حاله ما أوجب له هذا الحكم لا غير، فكل من كان ممن يكثر ورود المذي فيه كفاه ذلك لحصول المقصود وكذلك من ليس بمثابته. [باب في المني يصيب الثوب، صفراء] من غير عصفر أو زعفران فإن باقي الألوان لا ضير في استعمالها للرجال كما هو المذهب المنصور. [وحديث الأعمش أصح] أي من حديث أبي معشر حيث وضع الأسود موضع همام وما كتبه (١) بين السطور خطأ ومما ينبغي أن ينتبه له أن الاختلاف بين أئمتنا الحنفيين والشافعي رحمهم الله تعالى في نجاسة المني وطهارته مبني على أصل آخر مختلف فيه بيننا وبينهم وذلك أنه رضي الله تعالى عنه لم يجوز الصلاة إذا تلبس المصلي بشيء من النجاسات قليلاً كان أو كثيرًا فليس عنده العفو في شيء من النجاسات وأثبته الإمام رضي الله تعالى عنه في النجس المغلظ قدر الدرهم وفي المخفف أقل من ربع الثوب كما هو مبسوط في كتب مذهبه فإذا كان كذلك كان التلبس ببعض تلك الأشياء حيثما ثبت لا يمنع الحكم بنجاسته عند الإمام بخلاف الشافعي رحمه الله تعالى وذلك لأن الإمام يحمله على أنه أقل من القدر المانع ولا يمكن هذا الحمل عند الشافعي رحمه الله تعالى فإذا ثبت من الروايات بما فيه كثرة أنه ﷺ اكتفى فيه بالمسح والقرص والفرك والحك والحت، ومن المعلوم أنه غير مقلع وإنما (٢) أثره التقليل لا غير كما هو ظاهر فلزم القول بطهارته (٣)

стр. 149

فيمن لم يجوز الصلاة بملابسة شيء منها وإن قل، وأما الإمام (١) ومن تبعه فلما لم يكن هذا من أصوله لم يلزمه القول بطهارته ومما لا ينبغي أن يغفل عنه أن الاكتفاء بالفرك إنما هو الثياب (٢) وأمثالها لا البدن، أما أولاً فلأن الرواية إنما وردت في الثوب لا في البدن فلا تتعدى موردها مع أن الثوب ليس في معنى البدن حتى يلتحق أحدهما بالآخر، وأما ثانيًا فلأن حرارة البدن جاذبة فلا يعود ما انجذب منه في الجلد إلى جرمه مع أن الإزالة على تقدير عوده إليه إنما يكون بالفرك ولا يمكن فرك البدن، وقيل (٣) بل البدن يطهر أيضًا بالفرك واستظهر

стр. 150

بدلالة النص فإن البلوى والضرورة في البدن أشد منه في الثياب واستبدل بالفرك الدلك لقريه منه ثم إن هذا كله (١) إذا لم يتلطخ رأس الذكر بشيء من النجاسات الآخر كالبول ونحوه فإنه إذا تنجس بشيء من تلك لم يطهر بالفرك ثوبًا كان أو غيره فإن التخفيف والاكتفاء بالفرك ثبت في المني لا غير على خلاف القياس فلا يمكن الحكم بطهارته بالفرك فيما لم يرو فيه النص ويشكل عليه ما يروى (٢) من أن كل فحل يمذي ثم يمني فلم يكن المذي منفكًا عن المني وقت خروجه إذا الرواية صرحت بأن المني لا يخرج إلا وقد خرج المذي قبله فلا يتحقق للرخصة معنى لعدم مصداقه ويكون قول عائشة رضي الله تعالى عنها كنت أفركه من ثوب رسول الله ﷺ محتاجًا إلى ضرب من التأويل وإلا لزم التطهير من غير المني أيضًا والاكتفاء فيه بالفرك، والجواب أن الإذن بالشيء يستلزم الإذن بلوازمه الغير المنفكة عنه فلما كان البول غير لازم للمني في خروجه والمذي لازمًا وقد عرف الشارع ذلك تم إذن بالاكتفاء بالفرك في المني علم منه أن هذا القدر من المذي معفو عنه تبعًا وإلا لأورث حرجًا ولا كذلك إذ كان المذي منفردًا من المني لا معه فإنه غير معفو عنه إذ ذاك فلا بد من الغسل إذًا ثم لا يذهب عليك أن الإجزاء بالفرك والحت وغيره في الغليظ منه لا الرقيق لأن الفرك فيه لا يأتي بفائدة من نحو التقليل والقلع وهو المقصود ولعلك عرفت مما هنا أن الشرع إنما رخص في الاكتفاء بالفرك في المني تخفيفًا منه ورخصة مع الحكم بنجاسته فلا يفهم منه طهارته، وأما قول ابن

стр. 151

عباس (١) رضي الله تعالى عنه فالمراد فيه التشبيه بما شبهه به في الاكتفاء فيهما بالفرك أو في زوالهما بالحك والحت أو في تقذر الطبع لهما معًا لا في الطهارة والنجاسة كيف وقد أمر هو نفسه بإزالته وأصل الأمر الوجوب ما لم يقم قرينة خلافه فلا يضر قوله لمن قصد إثبات نجاسته شيئًا. [باب الجنب ينام قبل أن يغتسل إل خ] كأنه جعل النوم قبل الغسل مصدقًا بنوعين فإن النائم قبل الغسل إما أن لا يتوضأ أيضًا كما أنه لم يغتسل أو يكتفي بالوضوء ولا يغتسل فأورد المؤلف كلاً من هذين النوعين في الترجمتين وهذا بالنظر إلى نفس الروايات التي أوردها وأما رأيه (٢) ﵁ فلا يوافق إلا وجوب الوضوء أو استحبابه سيما في نقل فعله ﷺ وهذا الذي (٣) ذكره من نسبة الغلط إلى أبي إسحاق دون من أخذ منه مبني على أن الآخذين من أبي إسحاق كثيرون ممن لا يكاد العقل يجوز تطابقهم في الغلط مثل شعبة والأعمش والثوري وغيرهم فكان عزو الغلط إلى أبي إسحاق وحده أهون منه إلى هؤلاء بأسرهم وأنت تعلم أن المؤلف رحمه الله تعالى كان في سعة من ورد هذا الإشكال لو فعل إذ الروايتان لا يرد صدق إحداهما صدق الأخرى فأية ضرورة إلى القول بوهم أحد من الرواة مع إمكان الوجه الصحيح فإن عائشة رضي الله تعالى عنها يمكن أنها ذكرت للأسود كلاً من الأمرين إذ الظاهر أن النبي ﷺ وإن كان غالب أحواله النوم بعد الوضوء إلا أنه

стр. 152

لا يبعد أن يكون فعل هذا (١) أيضًا بيانًا للجواز ولو مرة أو مرتين كيف وذكر كل من الأمرين لا يتوقف صحته على استغراق عادة هذا الأمر كان زمان من أزمنته ﷺ حتى يلزم التناقض بحمل كل منهما على الصحة (٢) فقد ذكرت عائشة رضي الله تعالى عنها في غير موضع من أفعاله ﷺ وعاداته في أحواله ما دل على أن الأمر كان واسعًا عنده ﷺ ولم يكن يلتزم شيئًا من أمثال هذه الأمور خوفًا من أن يثقل على أمته القيام به عينًا فقد قالت في قيام الليل أنه كان ينام ويصلي وفي وتره أنه أوتر من آخر الليل وأوسطه وأوله وفي نومه بعد الجنابة أنه نام قبل الغسل وبعده فأية استبعاد على أنه نام قبل الوضوء وهذا هو المذهب عندنا من أن النوم بعد الوضوء وإن كان يتضمن فضلاً ولا كذلك النوم دونه إلا أن ذلك لا يوجب إساءة وكراهة هذا ويحتمل (٣) أن يراد بمس الماء المنفي في الرواية المس الكامل الذي لا يغادر شيئًا من أجزاء جسمه المصدق بالغسل لا مطلقه الشامل لكل مس

стр. 153

المصدق بالوضوء والاستنجاء، وعلى هذا فلا يخالف هذه الرواية سائر الروايات لأن المنفى فيها حينئذ هو الغسل لا غير فلا ينافيه ثبوت الوضوء ونحوه في سائر الروايات وهذا وإن كان يستبعد فيما يبدو للناظر إلا أنه غير مستبعد نظرًا إلى محاوراتهم فكثيرًا ما يورد القصر على وجه العموم ولا يراد إلا القصر بالنسبة إلى من فهمه المخاطب متفردًا بالنسبة أو متشاركًا للمقصور عليه في ثبوت النسبة ومن ذلك قول أبي هريرة رضي الله تعالى عنه «لا وضوء إلا من فساء أو ضراط» وقوله ﷺ إن الوضوء لا يجب إلا على من نام مضجعًا إلخ، وقوله إنما الماء من الماء مع اتفاق العلماء قاطبة على وجوب الغسل للحائض والنفساء إلى غير ذلك فأفهم. [أينام أحدنا وهو جنب قال نعم إذا إلخ] وهذا ندب إلى المندوب (١) المستحب لا أنه نفى لأصل الجواز كما قدمنا آنفًا. [باب ما جاء في مصافحة الجنب] وهذا وإن لم (٢) يذكره المؤلف ههنا إلا أنه مصرح (٣) به في تلك الرواية وبه تتم إيراده في هذا الباب والمنفى في قوله

стр. 154

لا ينجس نجاسة لا يجوز معها مخالطة الناس ومصافحتهم والتكلم معهم والخروج في الأسواق وغير ذلك من المقاصد كما يظنه كثيرًا من العوام وليس المنفى النجاسة مطلقًا أعم من الحقيقي والحكمي كيف والنجاسة التي حرمت عليه قراءة القرآن ومس المصحف ودخول المسجد غير منكرة ثم إن النبي ﷺ وإن كان قد أخذ بيده جنبًا ليمشي معه لكنه رضي الله تعالى عنه لما علم أنه ﵊ سيرضى بفعلي الذي أفعله لعلمه بأن النبي ﵇ يحب التطهر ويأمرنا به لا سيما حين نلقي أحد صلحاءنا ذهب من غير استئذان منه ﷺ ولم يعد هذا عصيانًا منه ومخالفة لأمره ﵊ ويستنبط من القصة وألفاظها مسائل. منها جواز مصافحة الجنب الذي عقد الباب لأجله. ومنها أن النجاسة لا تؤثر تلويثًا في غيره ولا تنجيسًا ما لم يكن ثمة نجس حقيقي وإلا لما أمكن أن يعطي أبو هريرة له ﷺ يده النجسة. ومنها (١) جواز خروج الجنب لحوائجه في الأسواق والمشاهد إذ لو لم يجز لأنكر النبي ﷺ عليه خروجه من بيته جنبًا حين علم به. ومنها جواز تأخير الغسل ما لم تحضر الصلاة. ومنها جواز ترك الامتثال لأمر أحد من الأكابر إذا علم أنه وإن كان أمر بما أمر به صريحًا غير أنه لا يسخط على مخالفته ويرتضيه فإن الظاهر أنه ﵊ قصد مصاحبته له حين أخذ بيده لكنه لما علم رضاه في خلافه لم يبال بمخالفة هذا الأمر لعلمه أن هذه المخالفة لكونه خلافًا إلى خير لا يعد عصيانًا ولا يوجب سخطه ﵊ ولذا لم ينكر عليه انخناسه وسؤاله بقوله أين كنت يدل على ما قلنا من كونه معه ومصاحبته ومماشاته.

стр. 155

ومنها سؤال الرجل عمن صدر منه ما فيه مساغ للإنكار عذره فيه ليعتذر لو معقولاً ويبين له الصواب ويرشد إلى الحق أو يعزز على ما ارتكبه لو افتقر إليه. ومنها أن لا يبادر إلى التعنيف ما لم يعلم باعثه على ما فعله. ومنها جواز التكلم بين يدي الأكابر والعلماء ولو أئمة وخلفاء بأمثال تلك الأمور التي لا تستقبح شرعًا كيف ولو سكت أبو هريرة عن ذكره حياء لعد هذا عصيانًا منه حين يسأله النبي ﷺ وهو لا يجيبه، وبذلك علم أن ما شاع في جهلة زماننا من عد أمثال هذه الكلمات مع كبراءهم وقاحة حتى إن أحدهم يظل يومه جنبًا ولا يتمكن من الغسل حياء من أهل بيته وإن فاتته في ذلك صلاة أو صلوات فإنه يبعد عنه أن يغتسل وهو بمرئ من أعينهم أو بحيث يعلمون به ولو غيبًا وكان من قلة حيائه من ربه تعالى أنه عد قضاء فرض صلاته حياء مع أنه ليس في شيء منه وإنما كان ذلك حيلة من شيطانه تسبب بها إلى ارتكاب عصيانه وكاد يبلغ إلى أن يسلب عنه نور إيمان. ومنها جواز الحكم على الشيء بلفظ أعم من المعنى المقصود إثباته ونفي الشيء عنه وإن لم ينتف غير نوع منه معلوم فإن قوله ﷺ إن المؤمن لا ينجس مع ما ثبت له من النجاسة المعتبرة عند الشرع بأنواعها الحدث والجنابة والحيض والنفاس بعضها فوق بعض حتى إنه حرم عليه في كثير منها قيامه بأكثر القربات مع تلبسه بها مشير إشارة ثابت مناب التصريح بأن الشيء كثيرًا ما يطلق على الشيء والمراد إثبات بعض أنواعه له وإنه كثيرًا ما ينتفي به بانتفاء بعض أنواعه وإن كان ظاهر اللفظ يدل على العموم إلا أنه لا ضير فيه بعد حصول المقصود فإن من الظاهر الذي لا يكاد يستره ساتر أن المخاطب لا يلتبس عليه المراد بهذا الإطلاق وبهذا ينحل كثير من الروايات التي تظن أنها تخالف غيرها حيث أثبت في إحداها الحكم مع نفيه في أخراها فتلك المخالفة إنما نشأت من حمل كلتيهما على العموم الجنسي ولو حملتا على العموم النوعي لم يكن بينهما معارضة.

стр. 156

ومنها استحباب الطهارة للحضور بين يدي العلماء الصلحاء. [باب ما جاء في المرأة ترى مثل ما يرى الرجل] وهذا وإن كانت قد سبقت إليه الإشارة ما إلا أنه كان استطرادًا وتبعًا لذكر الرجال فأراد الإشارة إلى حكمهن إصالة فإن كان الكلام في الأول مسوقًا للرجال وههنا لا ذكر لغيرهن أصلاً. [إن الله لا يستحي إلخ] هذا اعتذار منها عن تبادر مثل ما سألت عنه ومعنى قولها إن الله لا يستحي عن الحق أنه لا يأمر بها ولا يرتضيها ثم إن قول أم سليم فضحت النساء معناه أنك أعلمت النبي ﷺ بكثرة شهوتهن حتى إنهن يرين بأمثال تلك الأحلام وهذا القول منها جرى على حسب العادة وتكلم بما تقتضيه الطبيعة وإلا فشأنه ﷺ أرفع من أن يخفى عليه مثل هذا الأمر حتى يعرفونه بقولها. [باب الرجل يستدفئ بالمرأة بعد الغسل] وهذا الحديث يدل على طهارة سور (١) المرأة المجنبة كالرجل المجنب وكذلك الحكم في الحائض والنفساء فإن نجاسة المذكورين حكمية لا غير وكذلك الحكم في العرق لاتحاد حكمهما لتولدهما من اللحم معًا فلما استدفأ النبي ﷺ بها وهي لم تغتسل ولم يكن يد من التماس وبدنه ﷺ مبتل الماء دل ذلك على طهارة العرق والسور معًا ثم إن الرواية دالة أيضًا على طهارة المستعمل من الماء فإن الماء المستعمل هو المنفصل عن عضو المتطهر بعد الطهر ولا شك أنه ﷺ لما استدفأ بها ينفصل عن جسده الشريف شيء من البلة وتبتل بها شيء من ثياب عائشة رضي الله تعالى عنها وجسدها ثم يعود النجس إليه ﷺ ولم يثبت في شيء من الروايات الضعيفة أو القوية أنه كان يعاود إلى غسل مواضع إصابة هذا الماء فيثبت المدعي لا محالة. [وبه يقول سفيان إلخ] والاكتفاء بذكر من ذكر إما لعدم ظفره بالتصريح

стр. 157

عن غيرهم أو لأن يعني (١) عن ذكرهم إذ المخالفة لا بد من التنصيص عليها وأما الوفاق فلكونه أصلاً لا يتوقف الحكم به على تصريحه به فأفهم ولا يبعد القول بكونه لم يقف على مذهب الآخرين في تلك المسألة لا صراحة ولا دلالة، والله تعالى أعلم. [باب التيمم للجنب إذا لم يجد الماء] [الصعيد الطيب طهور المسلم] إضافته (٢) إلى المسلم مع العلم بكونه محتاجًا إلى إزالة الحدثين الأصغر والأكبر جميعًا مشعرة بأن التراب مطهر له عن جنابته كتطهيره له عن حدثه الموجب للوضوء مع أن المسلم بحسب عادته الجارية على أكثر أفراده لا يستغني عن الغسل ولا يكاد يسلم عن موجباته عشر سنين (٣) فلا بد من القول بجواز التيمم لإزالة الجنابة وبذلك يظهر مطابقة الرواية للترجمة.

стр. 158

[فإن ذلك خير] استعمال (١) صيغة التفضيل يشير إلى الخيرية في كليهما فإن أصل الفعل ما لم يوجد في الفاضل والمفضول جميعًا لم يصح إطلاق صيغة التفضيل وهذا يستدعي جواز الاكتفاء بالتيمم وإن وجد الماء والجواب أما أولاً فبأنه من قبيل قولهم أعلم من الجدار وأفقه من الحمار أو هو مجرد (٢) عن معنى التفضيل. وأما ثانيًا فبأن المعنى تفضيله عليه ولكن لا عليه مطلقًا بل مقيدًا بعدم الماء والمعنى فإن استعمال الماء خير من استعمال التراب عند عدم الماء ولا شك في ثبوت الخيرية فيه عند ذاك ولا يلزم منه ثبوته له عند وجود الماء أيضًا وصار الحاصل أن الاكتفاء بالتراب وإن كان مجزيًا عند عدم الماء إلا أن الطهارة بالماء أكمل وبهذا يعلم أن راجي الماء يؤخر الصلاة إلى آخر وقتها لتقع صلاته بأكمل الطهارتين فإن استعمال الماء بعد وجوده خير من الاكتفاء بالتراب عند عدمه. وأما ثالثًا فبأن التيمم خلف عن الوضوء وهذا هو المعنى بالخيرية في الوضوء فلما كان الوضوء أصلاً والتيمم خلفًا لم يجز الاكتفاء بالتيمم عند قدرته على الوضوء لما يلزم فيه من العمل بالخلف عند قدرته على الأصل فأفهم. [ويروى عن ابن مسعود (٣) أنه كان لا يرى إلخ] هذا على ما روى

стр. 159

بعضهم من مذهبه ظاهر إلا أنه يبعد من هذا البحر المدره التحرير أن يخفى عليه هذا الحكم الذي لا يكاد يخفى على جليل ولا حقير كيف، ومن أهل التفسير من ذهب إلى أن المراد باللمس في الآية هو الوطى لا المس ويروى هذا التفسير عن ابن مسعود أيضًا فالحق أنه رضي الله تعالى عنه لم ينكر أصل شرعية التيمم للجنب ومن في حكمه وإنما أراد رد العوام عما هم عليه من المبادرة إلى التيمم بأدنى ما يعتري لهم من المرض وغيره وإن لم يبلغ إلى حد يبيح التيمم وهذا الذي ذكرنا هو الظاهر لمن تتبع آثاره وأقواله وجعل يتفحص أحواله وأفعاله ثم في صنيعه رضي الله تعالى عنه دلالة على أن بعض المسائل الشرعية يجوز أن يخفى عن العوام إذا تضمن إظهاره عليهم مفسدة أو كان في إخفائه عنهم مصلحة مرصدة فأفهم. [باب في المستحاضة (١)] اعلم أن مسألة المستحاضة قد تحيرت فيها الأفهام (٢) وزلت فيها الأقدام قد تشتت فيها آراء العلماء واختلفت فيها أقوال الفقهاء وقد

стр. 160

قرر الأستاذ العلامة والبحر النحرير الفهامة ههنا تقريرًا يشفي البال ويذهب البلبال فنلقيه عليك كما ألقاه علينا ونفيده لك كيما تقر عينًا (١) فنقول: إن المؤلف رحمه الله تعالى جزاه الله عنا وعن سائر أصحاب المذاهب خيرًا عقد لبيان هذه المسألة أربعة أبواب لما فيها من الاختلاف الوافر والأحاديث التي كل منها يقضي على خلاف الآخر فيما يبدو للناظر فالباب الأول معقود لبيان أن المستحاضة ليست في حكم الحائض حيث لا تمنعها الاستحاضة صومًا (٢) ولا صلاة ولا غيرها بخلاف الحائض وهذا الباب وإن كان المقصود عنه ما ذكرنا إلا أنه ذكر فيه بعض أحكام المستحاضة الجارية عليها عند قوم ولكن هذا الذكر تبع واستطراد. والباب الثاني معقود لبيان حكم المستحاضة عند قوم (٣) وهو أنها تتوضأ

стр. 161

لكل صلاة ومستندهم في ذلك ما رواه في هذا الباب من أنها تغتسل وتتوضأ عند كل صلاة. والباب الثالث لما روى من حكم المستحاضة في رواية أخرى وهو الجمع بين الصلاتين الظهر والعصر في غسل وبين المغرب والعشاء في غسل وإفراد صلاة الفجر بغسل وهو متمسك لقوم أيضًا كما سيذكره. والباب الرابع لبيان حكمها عند آخرين واستدلالهم بحديث أم حبيبة المروي في هذا الباب هذا وقد اختار إمامنا الأعظم الهمام الأفخم رواية الوضوء لكل صلاة بحمل اللام فيها على الوقت كما هو الشائع فيها لوقوعه مفسرًا (١) في رواية أخرى فلم يكن للعدول عنه مساغ وسيرد عليك وجه ترجيحه إن شاء الله تعالى ثم اختلفوا في الجواب عما يخالف مذهب كل مجتهد من تلك الروايات فقال الإمام قدوة العلماء الأعلام أن النبي ﷺ أمر فاطمة بنت أبي حبيش بما يجب العمل به لسائر بنات حواء من غير فصل وليس في شيء من تلك الروايات ما يخالف مفهوم الرواية الثانية المثبتة للوضوء لكل صلاة بل الذي تثبته الروايات بأسرها إنما هو الوضوء لكل صلاة، وأما الغسل حيثما أمرت به فإنما هو معالجة لها لا تشريع كما سيرد عليك تفصيله إن شاء الله تعالى، والشافعي (٢) رحمه الله تعالى وإن وافقنا في وجوب الوضوء لا الغسل لكل صلاة إلا أنه حمل الصلاة على معناها المصطلح ولم يحمل اللام فيها على الوقت وهو محجوج في ذلك بالرواية المفسرة للمراد وبكثرة

стр. 162

استعمال اللام في مثل ذلك في الوقت ومنه قوله تعالى ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ إلى غير ذلك. [باب ما جاء أن المستحاضة تتوضأ لكل صلاة (١)] مطابقة هذا الباب للحديث الوارد فيه ظاهرة وظهر من عقد الترجمة بما عقدها المؤلف به أن الظرف وهو قوله عند كل صلاة لا يتعلق إلا بقوله تتوضأ فقط وأن قوله تغتسل غير مقيد به فأفهم. [قال أحمد وإسحاق] هذا جمع منهما بين الروايات الثلاثة بأن النبي ﷺ لما أمر كلاً من تلك النسوة بشيء منها، ومن المعلوم أن أحكام الشرع لا تختص فردًا دون فرد علم منها جواز العمل لكل امرأة على كل منها حسب ما يوافقها. [فقد منعتني الصيام والصلاة] وذلك لأنها زعمتها حيضة فلم يسغ لها الإتيان بالصلاة ولا الصوم حسب زعمها غير أنها بعد زمان يسير أو كثير أتت النبي ﷺ تسأله ذلك فكان المنع عنهما قبل الورود إليه أول ورود الاستحاضة عليها بحملها على الحيض فلما كبر عليها تركهما أتت تستفتيه ثم في قول النبي ﷺ . [أنعت لك الكرسف] وغيره دلالة على أن المعذور يجب عليه رد عذره ما استطاع وذلك لأن الحكم بجواز الصلاة مع سيلان الدم وانفلات الريح وسلسل البول وغير ذلك من أسباب العذر مبني على كونه غير قادر على الامتناع عنه وأما إذا قدر عليه بنوع معالجة فلا ومن ههنا يعلم أن المعذور إن كان بحيث لو صلى يركع ويسجد سأل عذره ولو قائمًا أو قاعدًا يؤمى بالركوع والسجود لا فإنه يصلي بالإيماء لأنه قادر على أداء الصلاة بالطهارة مع أن للركوع والسجود بدلاً إلى غير ذلك من الجزئيات التي فيها كثرة. [قوله سآمرك بأمرين] يعني بعد بيان (٢) ما يجب عليك لأجل جواز

стр. 163

صلاتك وتحصيل طهارتك كما يرشدك إليه سين التسويف فإنها لا تؤتى بها في الكلام إلا إذا قصد الإمهال والإرخاء وههنا قد أخذ النبي ﷺ في أمرها بما كان لها أن تأتمر به فلا يصح (١) إتيانه بالسين إلا للبناء على ما قلنا من أنه بين لها أولاً ما يجب عليها من الغسل أول انقطاع حيضتها ثم الاكتفاء بالوضوء لكل وقت صلاة إلا أن الرواة أوردوها في بعض طرقها بحيث يلتبس المراد كما ههنا وإلا فالأمر أظهر كما ستقف عليه. [قوله أيهما فعلت أجزأ (٢) عنك] في شفاء مرضك وتقليل دمك حتى لا تثجين

стр. 164

كما تثجين، ثم بين لها أن الذي وقع لها من ترك الصوم والصلاة. [إنما هي ركضة من الشيطان] وهو مجاز عن سروره بذلك وانشراح صدره به وضمير هي راجعة إلى الوسوسة التي هجست في قلبها حتى منعتها الصوم والصلاة ولا يبعد إرجاعها إلى الحيضة لكونها سببًا لتلك الوسوسة. [وقوله إن قويت عليهما فأنت أعلم] بما تختارين منهما لنفسك وهذا مشير إلى أن هذين الأمرين اللذين أمرها بهما لم يكونا بحسب التشريع لها ولا إيجابًا عليها وإنما هي معالجة وتدبير لإزالة مرضها وتقليل دمها وإلا لما كان للتخيير معنى ويؤيده قوله إنك أعلم وربما (١) يتوهم أن التخيير لا يمكن أن يجعل دليلاً على كون المذكور ههنا معالجة لا تشريعًا إذ ربما يخير المكلف بين أمرين أو أمور أيهما فعله سقط عنه الواجب وإن لم يكن الواجب واحدًا عينًا حتى يلزم أن لا يفرغ ذمته بفعل أحدهما وله في الشرع نظائر منها جمعة المسافر وظهره فإنه مخير بين إتيانه هذه أو هذه وكمن حلق رأسه في الإحرام بعد زفافه مخير في إحدى الخصال الثلاثة المذكورة في النص مع أنه ليس شيء منها واجبًا عليه عينًا فالتخيير لا يتمشى دليلاً على أنه معالجة لجواز كونه واجبًا والجواب أن التخيير بين نوعي جنس واحد غير معقول، وإنما المعهود التخيير بين أجناس مختلفة كما في الحلق وقتل صيد الحرم، وأما صلاة المسافر فليس له تخيير فيها وإنما الواجب عليه هو الظهر

стр. 165

عينًا لا أحدهما لا بعينه غاية الأمر أن فريضة الظهر تسقط عنه بالجمعة فضلاً من الله ومنة ولئلا تجتمع الوظيفتان في وقت واحد مع أنا لواد عينًا أن الجمعة والظهر لبون بائن بين أحكامهما من الاختلاف الكثير في شرائط الوجوب والأداء وعدد الركعات وغير ذلك فأما مقام الجنسين لا نوعي جنس واحد لم يبعد وههنا الغسل في كل وقت صلاة لكل صلاة أو في كل وقت مشترك بين الصلاتين لأجلهما معًا لا يخفى كونهما نوعي جنس واحد فلا يكون التخيير فيهما من هذا القبيل ويمكن الجواب عن أصل التوهم أيضًا بأن الرواية (١) المذكورة مفصلة في سنن أبي داؤد ذكر فيها الأمرين اللذين ذكرهما علاجًا فلو حملاً على التشريع لأحدهما عين كما ذكره المتوهم لم يكن معنى (٢) لقوله فتحيضي ستة أيام إلى أن قال صومي وصلى وكذلك فأفعلي بلفظ الإيجاب فإن مقتضاه الإتيان بالصوم والصلاة مع أنه لم يذكر فيه الغسل بعد فبقى على ما هو الظاهر من الاكتفاء بالوضوء لكل صلاة ثم أكد ذلك بالتشبيه حيث قال كما تحيض النساء وكما يطهرن لميقات إلخ وليس فيه تخيير حتى يلزم ما لزم فعلم إنما التخيير إنما هو في أمر آخر وراء ما أمرها به عينًا ونص رواية (٣) أبي داؤد في سننه هكذا أن سهلة بنت سهيل استحيضت فأتت النبي ﷺ فأمرها أن تغتسل عند كل صلاة فلما جهدها ذلك أمرها أن تجمع بين الظهر والعصر بغسل والمغرب

стр. 166

والعشاء بغسل وتغتسل للصبح، وفي رواية له بعد هذه أن فاطمة بنت أبي حبيش استحيضت منذ كذا وكذا سنة إلخ (١) ثم قال ورواه مجاهد عن ابن عباس لما اشتد عليها الغسل أمرها أن تجمع بين الصلاتين، وفي رواية له جاءت فاطمة بنت أبي حبيش إلى النبي ﷺ فذكر خبرها قال ثم اغتسلي ثم توضئ لكل صلاة وصلى فهذا كله (٢) يرشدك إلى أن الواجب شرعًا إنما كان هو الوضوء لا غير نعم أمرها بالغسل إفرادًا أو جمعًا معالجة ومن أصرح ما يدل على ما ذكرنا ما في سنن أبي داؤد أيضًا أن امرأة كانت تهراق الدم وكانت (٣) تحت عبد الرحمن بن عوف أن رسول الله ﷺ أمرها أن تغتسل عند كل صلاة وتصلي فهذا الاختلاف في أمرها لا يجتمع إلا بما ذكرنا وكم من رواية (٤) دلت على أن الواجب في مثل هذا هو الوضوء

стр. 167

لا غير وسيأتي لذلك زيادة بيان ثمة. [قال أحمد وإسحاق إلخ] هذا جمع منهما رضي الله تعالى عنهما بين الروايات المختلفة الواردة في حكم المستحاضة فإن النبي ﷺ لما أمر بأمور ثلاثة مختلفة ومن المعلوم أن الأحكام لا تختلف بحسب اختلاف أشخاص المكلفين وأفرادهم إذا كانوا من نوع واحد لزم القول بجواز كل من تلك الثلاث لكل من النسوة اللاتي تبتلين بأمر الاستحاضة ثم هذا تكرار ظاهر فيما يبدو للناظر حيث كان المؤلف ذكر مذهبهما أولاً ثم عاد إلى بيانه ثانيًا من غير فائدة جديدة في إحداهما لا تكون في الأخرى مع أن ما ههنا لو حمل على الإيجاب كان مناقضًا لما تقدم حيث ذكر التخيير لكل منها بكل منها وههنا ليس كذلك، والجواب أن ما ذكر أولاً كان بيانًا للمذهب وما ههنا جمع بين الروايات بحمل كل منها على اختلاف أحوال السائلات أو بأن الأول كان بيانًا لما يجوز لكل من النسوة وهذا بيان الأفضلية والاستحباب أو المراد في الأول ليس هو الإطلاق في العمل لكل امرأة بل المراد العمل بكل من الروايات لكل من كانت داخلة في مصداق تلك الرواية المعينة وإنما التخيير بحسب ظاهر الحال لعدم العلم بحال تلك المرأة المعينة وعلى هذا فلم يكن بد من بيان التفصيل ثانيًا ليتقيد ما أطلقه في أول بيان مراده والله أعلم بمعاني كلمات عباده. [قوله فتحيضي] عدي نفسك حائضًا وعاملي معك معاملة الحيض سبعة (١) أيام أو ستة وتفصيل تحقيق الترديد مذكور في الحاشية (٢) بما لا يزيد عليه غير

стр. 168

أن الأوجه بناء الأمر على ما هو العادة في نسائهم فلما كانت مختلفة أورد على الترديد. [فإن ذلك يجزئك] أي يفرض طهارتك وكذلك فأفعلي كل شهر كما تحيض النساء وكما تطهرن أي ليس بينك وبين سائر تلك النسوة اللاتي تعرفين حكمين فرق وهو الذي ذكرنا سابقًا من الاكتفاء بالوضوء لكل صلاة. [وقوله فإن قويت على أن تؤخري إلخ] بيان لأول (١) الأمرين الموعود بهما وقد ترك الرواة ثانيهما وقد ذكرنا لك ما يبين أن الثاني مذكور في كثير من الروايات وإن لم يبين ههنا وأيضًا فقد علمت في غير ما رواية أن الواجب لأجل جواز الصلاة إنما هو الوضوء لا غير وإنما كان الاكتفاء بالغسل لكل صلاتين أعجب إليه ﷺ لسهولته وكان رسول الله ﷺ يحب ما سهل (٢) على أمته ولم يتعسر سواء كان من أمور دينهم أو دنياهم مع أن الدوام على السهل أسهل وعلى العسير أعسر فينجر تعسره إلى الترك أصلاً. [قال الشافعي] رحمه الله تعالى وهذا وإن كان مستحسن الظاهر لما فيه من البناء على الأقل في أمر الحيض فيما مر وما يأتي لإلزام القضاء في أوله والأمر بالأداء فيما بعد ذلك إلا أنه لا يخلو من مفسدة الأداء في أيام الحيض فإن اليوم الثاني من الشهر الثاني من أيام استمرار الدم الذي بعد أول الاستمرار متردد بين كونه حيضًا واستحاضة فالأمر بأداء الصلاة في أمثال تلك الأيام ليس في شيء من الاحتياط مع أن ترك الواجب أهون من أداء الواجب (٣) وأما ما ذهب إليه

стр. 169

أصحابنا رحمهم الله تعالى فالأمر ظاهر إذ الصلاة حق الله تعالى فلما أسقطه في ابتداء أيام الدم لا محالة لا يعود الوجوب بالشك لأن اليوم الثاني والثالث مشكوك في كونه حيضًا وطهرًا فإن اليقين يعارض لليقين ولا يعارضه الشك فإذا تم العشر من أيام الدم علم خروج أيام الحيض يقينًا فهذا اليقين يصلح لمعارضة مثله. [باب المستحاضة تغتسل عند كل صلاة] . [قوله لا إنما ذلك دم عرق إلخ] فيه دلالة على أن الحكم في الخارج من السبيلين وغيرهما مشترك في النقض وإن كان التفاوت بينهما ثابتًا بوجوه مفصلة في الفقه ولا يتوهم خروج دم الاستحاضة من إحدى السبيلين وإن كان هذا هو الظاهر بحسب ما يبدو للناظر وذلك لأن المراد بالسبيل ههنا مخرج البول لا أعم منه ودم

стр. 170

الاستحاضة لا يخرج (١) منه كما هو ظاهر لمن له أدنى درية بأحوالهن نعم سبيل المني والاستحاضة واحد وكذلك الحكم في سبيل البراز فإن الخارج منها بحسب الظاهر لا يؤتي له حكم الخارج من المبرز ما لم يكن منه حقيقة كما في غدد البواسير فإن الطهارة لا تنتقض بخروج شيء منها ما لم يسل لأنها غير السبيلين فالخارج منها ليس له حكم الخارج منها بل هو خارج من حكمها وقاسوا على دم الاستحاضة كل ما هو خارج من غير السبيلين نجس وجعلوا الخارج النجس من غير السبيلين ناقضًا للوضوء بهذا الحديث وأمثاله غير أن قوله ﷺ في جواب السائل ما الناقض كل ما خرج من السبيلين أهدر التفاوت بين الكثير والقليل إبقاء لكلمة ما على عمومها سيما وقد وصفت بصفة عامة ولا كذلك فيما خرج من غير السبيلين وليس هذا موضع تفصيله. [باب ما جاء في الحائض أنها لا تقضي (٢) الصلاة] لما فيه من التضاعف الموجب للحرج وليس عليكم في الدين من حرج ولما فيه من الدم والتنجس، وفيه من المضادة لأمر الصلاة ما لا يخفى وذلك لأن الصلاة يشترط لها الطهارة فالتلبس بها ينافي كون الملتبس بها قابلاً لأداء الصلاة ولا كذلك الصيام فإن الركن ثمة هو الإمساك عن المفطرات الثلاثة نهارًا ناويًا فليس في مفهومه منافاة بالتلبس بشيء من الأنجاس، والحاصل أن منافاة التنجس بنجاسة الدماء لكون المتلبس قابلاً لأداء الصوم

стр. 171

أكثر (١) من منافاته لكونه قابلاً لأداء الصلاة وإن كان نفس التلبس بدماء الحيض والنفاس يساوي في كون المتلبس بها غير قابل (٢) لأداء الصوم كما أنه غير قابل لأداء الصلاة وإذا كان كذلك فلا يبعد أن يكون شهود رمضان يقتضي وجوب صيامها لتلك القابلية التي أشرنا إليها بخلاف وقت الصلاة إلا أنها مع كونها أهلاً للوجوب منعت عن أدائه لهذا التلبس المانع عن الأداء فأفهم فإنه وإن كان أمرًا لم يقرع سمعك قبله مثله إلا أنه لا يخلو عن لطافة وهذا من أدنى إفادات شيخنا العلامة أدام الله ظلال مجده وأفاض على العالمين من بره ورفده. [باب الجنب والحائض (٣) لا يقرآن القرآن]. [وقال أحمد بن حنبل: إسماعيل بن عياش إلخ] لأن إسماعيل (٤) لا يروي

стр. 172

منكرًا إلا عن أهل الحجاز والعراق وليس يروي منكرًا عن ثقة بخلاف بقية فإن له مناكير من الثقات. [باب ما جاء في مباشرة الحائض] . [قوله اتزر] تكلموا في لفظه وفي معناه أما الكلام في لفظه (١) فإنه لا يصح ادغام همزة الافتعال بقلبها تاء في التاء وندر اتخذ إلا أن يثبت تكلم رضي الله تعالى عنها بعين تلك الكلمة فحينئذ لا يمكن في صحتها كلام وإن لم يوافق قواعدهم المستنبطة من كلام هؤلاء وذلك لأن تلك القواعد أكثرية لا كلية وأيضًا فإن اللسان قاضية على القاعدة دون العكس وأما المعنى فإن العلماء قد اختلفوا في المباشرة حسب اختلافهم في فهم المعنى من تلك الرواية فمنهم من ذهب إلى أن إصلاح الأزار كان للاتقاء عن الركبة إلى السرة، ومنهم من قال معناه أن تجعل إزارها كالسراويل ليسترها عن السرة إلى القدم، وهذا ما اختاره (٢) الإمام وهو الأحوط وما ثبت

стр. 173

من فعله ﷺ مما يدل على سوى ذلك فهو عنده من خصوصياته المبنية على كونه ﷺ أملك لأربه فلا يكون فعله هذا تشريعًا لسائر أفراد أمته ممن ليس بتلك المثابة إذ لا يخفى أن مباشرة ما تحت الأزار في أكثر الأمر يفضي إلى ارتكاب ما هو حرام قطعًا فيكون حرامًا لأن سبب الشيء في حكمه فيون سبب (١) الحرام كما أن تحصيل أسباب المفروض من الصلاة فرض، ومنهم من قال إن المنهي عنه الاستمتاع بموضع الدم لا غير فإصلاح الأزار عند هؤلاء كناية عن عقده ليتقي به شعار الدم وأنت تعلم أن من يرعى حول الحمي يوشك أن يقع فيه والله المسول للعصمة عن معاصيه. [قوله سألت النبي ﷺ ] والحامل على المسألة ما أثرت فيهم مجاورة اليهود وملابستهم تشدد في أمر الحيض فإن اليهود كانت إذا حاضت (٢) فيهم المرأة اعتزلوا عنها فلم يواكلواها ولم يشاربوها ولم يخالطوها فاستثبتوا من حكم النساء في حيضها ليكونوا على بصيرة منه وأما حكم سورها وطهورها فلعلي ذكرته من قبل (٣). [باب الحائض تتناول الشيء من المسجد] .

стр. 174

[إن حيضتك ليست في يدك] لما علمت عائشة رضي الله تعالى عنها أن النهي عن دخول الحائض المسجد لمعنى يعم الجسم كله فلا بد وأن يكون اليد متلبسة بشيء منه أيضًا فإن حلول هذا المعنى في الجسم يقتضي حلوله في جزء جزء منها، فدفعه النبي ﷺ بأن النهي عن الدخول لا يستلزم النهي عن إدخال اليد وغيرها مما لا يعد دخولاً عرفًا أو لغة أو شرعًا فإدخال سائر تلك الأجزاء منفردة لا يكون متهيأ عنه لعدم دخوله تحت الدخول ولعل الوجه في ذلك أن الحدث بنوعيه يسري في الجسم كله بحيث اتصف به المجموع كله اتصافًا واحدًا ولذا اشتهر فيما بينهم أن الحدث غير متجز كنقيضه فليس الجسم كله إلا متصفًا بمعنى واحد جعل سببًا لترتب النهي عليه لا أن حدث الرأس مثلاً وراء حدث الرجل وحدث اليد سوى حدث الوجه فإذا أدخل شيئًا من أجزائه في المسجد مثلاً لم يلزم دخول هذا المعنى المبني عليه النهي عن الدخول بل دخول شيء منها وذا لا يضر لا يقال على هذا التقرير أن الداخل في المسجد إذا أبقى رجله أو يده خارجة يعد غير داخل فيه لعدم دخول الجسم كله فلا يلزم دخول المعنى المبني عليه النهي لكون الجزء الحال منه في اليد أو الرجل غير داخل فيه لأنا نقول لما أمكن اتصاف الجسم بالحدث ونقيضه مع عدم بعض هذه الأجزاء كمن قطعت يده ورجله أو كلتاهما لم تعتبر تلك الأجزاء في مقابلة الجسم كله وكذلك الرأس فإن الجسم يتصف بالطهر ونقيضه من دون الرأس ولذلك إذا وجد الميت بغير الرأس غسل وصلى عليه وإذا وجد الرأس فقط لم يغسل ولم يصل عليه وما ذلك إلى لاتصافه بالطهارة في الصورة الأولى دون الثانية، والصلاة مترتبة على الغسل فهذا كله يدل على أن انعدام بعض هذه الأجزاء لا يمنع صحة اتصاف الجسم بالحدث والطهارة فلذلك قلنا من دخل المسجد وهو جنب، ورأسه أو رجله أو غيره من الأجزاء خارج منه كان أثمًا لوجود الدخول لا يقال يلزم من هذا الذي ذكرتم جواز مس المصحف للجنب والمحدث كليهما إذ ليست المماسة إلا بجزء من الجسم كإدخال اليد في المسجد ولا يظهر بينهما فرق والجواب

стр. 175

أن مماسة المصحف لا يمكن بحسب العادة إلا بجزء منه ولا يعقل مس المصحف بالجسم كله أو بعضه فكان النهي عن المس الوارد فيه واردًا على هذا المس لا غير إذا المس بمعنى ماسة سائر أجزاء الجسم فممنوع من قبل فلو حمل النهي ههنا عليه أيضًا لم يبق للنهي فائدة لوروده على ما هو ممتنع عادة وما يتوهم من مضمون الحديث من جواز استعمال آلات المسجد وأسبابه فباطل إذ البورياء (١) لم تكن ههنا من أوقاف المسجد إذ لم تجر العادة بذلك بعد بل الخمرة كانت له ﷺ كان يفرشها في المسجد تارة وفي البيت أخرى ومما يدل عليه قوله الخمرة بتعريف العهد ولولا أنه معروف معهود لتعينه لقيل ناوليني خمرة من المسجد لا يقال كانت واحدة فتعينت لذلك لأنا نقول لو كان كذلك لقيل ناوليني خمرة المسجد مع أن الخمرة الواحدة وهي البورياء الصغيرة ماذا تغني في المسجد النبوي ومما ينبغي أن يتنبه له أن الظاهر مما ذكرناه كونه ﷺ خارج المسجد في حجرته وأن قوله من المسجد متعلق بقوله من المسجد (٢) وأنه لا حاجة إلى ما نقله النووي عن القاضي أن قوله من المسجد متعلق بقوله قال ونص عبارة القاضي على ما في النووي هذا معناه أن النبي ﷺ قال لها ذلك من المسجد أي وهو في المسجد لتناوله إياها من خارج المسجد لا أن النبي ﷺ أمرها أن تخرجها له من المسجد لأنه ﷺ كان في المسجد معتكفًا وكانت عائشة في حجرتها وهي حائض لقوله ﷺ إن حيضتك ليست في يدك فإنما خافت من إدخال يدها المسجد ولو كان أمرها بدخول المسجد لم يكن لتخصيص اليد معنى انتهى كلامه، وأنت تعلم أن الذي جعله القاضي رحمه الله تعالى

стр. 176

داعيًا للعدول عن الظاهر لا يكفي له ولا يتعين ما ادعاه إذ يمكن كون الخمرة على قرب باب الحجرة بحيث تتلقى بأدنى امتداد اليد فلا حاجة للعدول عن ظاهرة العبارة نعم لا يبعد القول بأنه ﷺ لما كان أكثر نافلته بل كلمها في البيت فلم تفرش الخمرة في المسجد إلا عند صلاته بالناس ويتعين المحراب له ومما يدل على تضعيف ما قصده القاضي رحمه الله تعالى أنها لو كانت هي المعطية للخمرة والنبي ﷺ أخذها وهو في المسجد وهي خارجة عنه لما افتقرت إلى إدخال يدها في المسجد لإيتاء الخمرة بل كان النبي ﷺ يأخذها منها ويدها خارجة من المسجد فأفهم وقد يساعد ما قلنا وضع المؤلف (١) هذا الباب لإثبات تناول الحائض شيئًا من المسجد، وقوله بعد ذلك وهو قول عامة أهل العلم لا نعلم بينهم اختلافًا في ذلك بأن لا بأس أن تتناول الحائض شيئًا من المسجد. [باب في كراهية إتيان الحائض] . [قوله من أتى كاهنًا إلخ] المراد بإتيانه إياه تصديقه (٢) له فيما يذكره من أخبار المغيبات لا مطلق الإتيان حتى يلزم تكفير من أتاه ولو لحاجة أو تكذيبًا له وتبكيتًا أو ليسخر به ويستهزئ وكذلك لا يكفر لو أتاه وهو يعلم أو أن الجن تخير الكهنة وأن بعض أخبارهم صادق وبعضها كاذب ثم اعلم أنهم اختلفوا في تأويل قوله ﷺ في من ارتكب كبيرة قد كفر كما في قوله من أتي حائصًا أو امرأة في ديرها، لأن أهل الملل الحقة قاطبة متفقون على أن المسلم بارتكاب الكبيرة لا يكفر ولو كانت حرمتها قطعية ذاتية وما ههنا وإن كان ثابتًا بعبارة النص أو بإشارته كما هو ظاهر فارتكابها لا يكون كفرًا بواحًا فقال بعضهم هذا تغليظ حيث سمى ما ليس كفرًا كفرًا بنوع من التأويل ليحذروا أن يقعوا فيه، وقال بعضهم (٣) هو على الاستحلال

стр. 177

والذي يتحصل من كلام الأستاذ أدام الله ظلال جلاله وأفاض على الطالبين من زلال نواله أن الشرك (١) والكفر لتضمنها من المراتب المتناهية ما يربو على حصر حاصر واشتمالهما من الدرجات المتفاوتة على ما لا يكاد يضبطه لسان ذاكر صارا معدودين في عداد الكليات الغير المتواطئة فكل منهما مقول بالتشكيك على الصغائر حتى اللمم وعلى الكبائر حتى الكفر الحقيقي المقابل للإيمان الأنوار والظلم فكل من تلك المراتب ساغ عليها إطلاق كل منهما لدخوله في مدلول لفظه من غير ارتكاب تكلف وتجتمع به أكثر تلك الروايات من غير عدول عن جادة الطريق وتعسف ومما يدل عليه أنهم اتفقوا من آخرهم على أن المراد بالشرك في قوله تعالى ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ هو الزياء لكونه شركًا خفيًا فهذا التفسير منهم تنصيص على أن كل مرتبة من مراتب الإثم مرتبة من الكفر ويؤيده أيضًا ما ورد في بعض الروايات من قوله شرك (٢) دون شرك ولعلك بعد تدبرك

стр. 178

فيما ههنا تعده كالبديهي لكثرة ما يدل على صحته فلتكن على ذكر منك وتدبر في فهم هذا المرام حتى لا تتحير في كثير من أخبار سيد الأنام والله الهادي إلى سبيل الرشاد وأنه الموفق للصواب والسداد. [إذا كان دمًا أحمر فدينار] لغلظ الجنابة (١) بسبب شدة الأضرار في هذا الوقت وإن كان أصفر فنصف دينار لما فيه من قلة الضرر إضافة إلى الأول وإن تساوى في شمول النهي لهما ثم إن الأمر بالتصديق كما في هذا الحديث فمبني

стр. 179

على أن الشيخ المجبولة عليه الطباع يتقضي الضن بالمال وفي إنفاقه على الجناية إقلاع عنها وامتناع منها لما يتعقبه من بذل المال الثقيل على النفس مع ما فيه من إطفاء نار غضب الرب تعالى وذخيرة الخير المكافئة لما نقصته الخطايا ثم المراد بأمر التكفير (١) في قول الأولين إن كان هو الوجوب فالمراد بقول الآخرين لا كفارة عليه نفي الوجوب ليظهر بين قوليهما فرق وإن كان المراد في قول الأولين هو الاستحباب فمعنى قول هؤلاء لا كفارة عليه أن الكفارة ليست بكافية ما لم يتب منها وأن الكفارة لا تفيد رفع الجناية وإن لم يخل عن فائدة ما، والأظهر أن يقال مقصود الفريقين واحد وإن من أثبت الكفارة قصد استحباب الإتيان بها ومن نفاه نفى الوجوب أو الاكتفاء بها دون التوبة وعلى هذا فذكر المؤلف كلاً من القولين بعبارة أخرى لاختلاف أقوالهما التي وصلت إليه بحسب ألفاظها وإن اتفقت معانيها وأيًا ما كان فاستحباب التكفير لا ينكر (٢). [باب ما جاء في غسل دم الحيض من الثوب] لما كان الأمر بفرك المني

стр. 180

والتخفيف فيه حتى اكتفى بالتقليل وإن لم يوجد الإزالة يوهم أن الحكم في باب الحيض كذلك لكثرة ما يرد على النساء منه سأل السائل عنه فدفع النبي ﷺ شبهته ذلك بالمبالغة في أمر إزالتها فقال حتيه أي يابسًا ثم أقرصيه بالماء أي بالغي في الدلك بعد صب الماء عليه ثم رشي عليه الماء ليخرج عن الثوب بالكلية ولعل الوجه في التخفيف في باب المني حيث اكتفى فيه بالتقليل والحك وشدد في دم الحيض مع أن الضرورة تشملهما على السوية أن أمر الحيض متعلق بالنساء والمني (١) بالرجال ولا يخفى ما في أمزجتهن من قلة المبالات في أمثال هذه الأمور فلو وجدن فيه سبيلاً إلى التخفيف لأتى الأمر إلى ما لا يكاد يرتضيه عقل ولا شرع فلم يسغ فيه ما ساغ في باب المني لأجل ذلك مع أن النجاسة لعلها في دم الحيض أكثر منها في المني وإن كانت النجاسات كلها تشترك في أنها لا تصح معها صلاة إلا أن منع الحيض عن وجوب الصلاة على المرأة يرشد إلى غلظ في الدم بحسب النجاسة ولا كذلك المني ويمكن توجيه أصل الرواية بأن الفرق بين دم الحيض والاستحاضة بجواز الصلاة والصوم وإتيان الزوج في الثاني دون الأول لما كان يوهم أن نجاسة دم الحيض لعلها تزيد على نجاسة دم الاستحاضة لما ظهر من بون بين بين آثارهما ظن السائل أن دم الحيض لعله لا يطهر بالغسل بالماء بل لا بد له من قرص ذلك الموضع وقرضه حتى يزول بالكلية فقال النبي ﷺ مجيبًا له إن ذلك غير لازم بل الثوب يطهر بالغسل إلا أنه شدد فيه مراعاة لظن السائل لئلا يخرج من قلبه نجاسته وعلى هذا فالأصل في الجواب قوله صلى فيه والباقي تمهيدًا له. [ولم يوجب بعض أهل العلم إلخ] والظاهر (٢) أن معنى هذا القول أنهم
следующие страницы →