وحرص لها على الأكل ما ليس لغيره، كما أن هذا الرجل يريد أن يتطاول بلسانه على الأنام، ويجوز ببيانه ما ينحاز له من الحلال والحرام.
قوله [فإن الفويسقة ربما جرت الفتيلة] المراد بها الفارة فإنها تشرب الزيت وتعتاد جمع الأشياء في بيتها، فتجر الفتيلة (١) لذلك يحرق البيت، ولا ضير في تركه إذا أمن (٢) الاحتراق.
стр. 1367
قوله [فأعطوا الإبل حظها من الأرض] أي إذا نزلتم (١) لحاجة فاتركوه يرعى لما أن الكلاء حينئذ توجد في كل أرض ولا تتركوه بحيث لا يقدر على الرعي، وكذا غيره من الدواب.
قوله [فبادروا بها نقيها إلخ] أي عجلوا في قطع المسافة ولا تتمهلوا في الطريق، فإن الراحلة تستضر بذلك فإنها لا تجد (٢) ما تأكله فتأثر بالجوع ويذوب نقيها. قوله [أن ينام الرجل إلخ] أي قريبًا من الطرف حتى يخاف السقوط، وأما إذا بعد أو كان على مثل ما تنام (٣) عليه فلا كراهة إذ لا يخاف السقوط،
стр. 1368
وأما إذا خيف كان منهيًا عنه حينئذ أيضًا.
قوله [سئلت] على زنة الغائبة (١) من المجهول. قوله [وإن قل] فإنه يكثر كميته بطوله (٢).
стр. 1369
أبواب الأمثال عن رسول الله ﷺ
وضعها ليعلم بذلك أن التمثيل جائز وأن التشبيه إنما يعتمد الكمال في وجه الشبه، ولا ينظر فيه إلى سائر ما يلزم، فإن تطبيق كل المشبه على كل المشبه به لا يكون مقصودًا، فإن الله شبه بالصراط المستقيم وهو على الأرض بالإسلام (١)، ولا تشبه بينهما في كثير من الأمور بجامع الإيصال إلى المقصود، وكذلك ما قال: وداع (٢) يدعو فوقه فإنه لا ينظر فيه إلى ما لزم من تحيزه إذ
стр. 1370
التشبيه والتصوير إنما هو لمجرد دعائه مستقبلاً، فإن الداعي إذا كان في الجهة المقابلة من المدعو كان الوصول إليه أسهل وسمع قوله أصوب فكان القبول له أهم.
قوله [حتى يكشف الستر] والله أعلم ماذا أريد (١) بالستر، وما الفرق بينه وبين الحد؟ ولعله أراد بالستور الشبهات وبالحدود المنهيات، أو أراد بالستور ما على المنهيات من الصور المرغوبة فيها كما قال ﷺ : حفت النار بالشهوات وحفت الجنة بالمكاره، أو المراد بالحدود المنهيات، والستر نفس النهي، ولا ينحل المقام إلا
стр. 1371
بالاستفسار عن الأستاذ العلام، والله الهادي إلى الصراط المستقام.
قوله [والذي يدعو من فوقه] وكذلك ما تقدم من قوله [وداع يدعو فوقه] الكناية راجعة إلى الصراط أو إلى العبد، أي من فوق الصراط أو من فوق العبد المدعو، والمراد به الأنبياء ونوابهم، أو ملهم الخير من الله سبحانه، فقد تحقق بتعدد التجارب أن القلب لا يبادر إلى الجرائم إلا بعد تردد فيه ومنازعة أن يفعله وأن يتركه، إلا إذا جعل السيئات ديدنه ودأبه فكان (١) كما قال: ((كلا بل رأن على قلوبهم ما كانوا يكسبون)).
стр. 1372
قوله [والدار الإسلام] ولم يقل والدار (١) الإيمان إشارة إلى أن
стр. 1373
مجرد التصديق المعبر بالإيمان لا ينفع ما لم ينضم إليه قسط من الإقرار، والتسليم المعبر عنه بالإسلام، وأدناها اعتقاد فرضية الشرائع والأحكام، فصار الإسلام منقسمًا إلى نوعين، فالمسلم حقيقة من أدى الأركان كما وجبت، وفي حكم المسلم الحقيقي من لم يؤدها غير أنه مقر بوجوبها عليه، ومعترف بتقصيره بتركها، وأما من أنكر وجوب الشرائع رأسًا فليس له من الإسلام حظ قليل ولا كثير، فلا يدخل الدار ولا هو ذائق من أطعمة اللطيف الخبير.
قوله [وأنت يا محمد رسول إلخ] ووجه التخصيص مع أن سائر الأنبياء دعاة إلى الجنة هداة إلى موائد المنة أن الأنبياء صلوات الله عليهم لا حصر لأحد على نبي منهم معين أن لا يدخل الجنة إلا بأن يؤمن به بل الأمر مرجو بعد كل
стр. 1374
منهم، فإن أحدًا من الناس لو لم يؤمن بإبراهيم ﵇ (١) أو موسى ﵇، وكذلك عيسى ﵇، لكان في سعة أن يؤمن بنبينا محمد ﷺ فينجو، وأما إذا لم يؤمن به ﷺ فأنى يرجى له الجنة بعد ذلك.
قوله [ثم خط عليه خطأ] من ها هنا يستنبط جواز الأعمال للحفظ من الجن ودفعهم بل استحبابه، وإنما منعه عن التكلم بهم لئلا يدهش منهم أو لغير ذلك من المنافع.
قوله [أشعارهم (٢) إلخ] يعني أنهم كانوا كالزط (٣) في أشعارهم وأجسامهم غير أنهم مع أني لم أر عليهم ثيابًا تسترهم لم أر عوراتهم، فكان كالاستثناء عما قبله حيث ساواهم بالزط.
قوله [إذا رقد نفخ] أي تنفس شديدًا، ويكون لقوة في البدن (٤). قوله [إن
стр. 1375
عينيه تنامان إلخ] بكسر الهمزة ليكون كلامًا مستقلاً على حدة، فإنه ليس بيانًا لما تقدم من قولهم: ما رأينا قط عبدًا أوتى إلخ لأن ذلك ليس مما يختص به ﷺ بل الأنبياء كلهم كذلك، ولذلك لم يكن نوم الأنبياء بناقض طهارتهم، وكذا تصير الأولياء أيضًا، فإنهم يقفون (١) على ما يتكلم به عندهم، فكان مرادهم أنه مختص بخصائص لم يؤتها أحد قبله ولا بعده، وهو يشارك سائر الأنبياء في أن عينيه تنامان ولا ينام قلبه، ثم ضربوا المثل له ليعلم (٢) لما علموا أنه ﷺ يسمعه ويفهمه.
стр. 1376
قوله [فقال سمعت ما قال هؤلاء إلخ] على زنة المتكلم من المعروف (١) لا بصيغة الحاضر، فإن سماع بن مسعود كان غير مرتاب فيه.
قوله [وسليمان التيمي إلخ] إنما (٢) ذكر ها هنا سليمان التيمي مع أنه ليس
стр. 1377
بمذكور في الرواية فرقًا بين التميمي (١) والتيمي، فلعل السامع يلتبس بينهما.
[باب مثل النبي والأنبياء ﷺ وعليهم أجمعين]
قوله [فأكملها إلخ] يعني أن الشرائع التي كلف الله بها الأمم السابقة لم تكن كملت ولا تمت لقصور (٢) في المكلفين بها، فبعث نبينا ﷺ مكملاً ما بقى من الخيرات والبركات، هاديًا إلى أرشد السبل في الطاعات والعادات، بشرائع لا خلاف في أنها أحسن الشرائع ولا شقاق، ويشير إليه قوله: بعثت لأتمم مكارم الأخلاق.
стр. 1378
قوله [وإنه كاد أن يبطئ بها] فإن الأمر إما مطلق أو مؤقت والتأخير في الأول لا يوجب مذمة ولا يعد المأمور به قاضيًا، وفي الثاني عصيان والمأمور بالتأخير فيه يعد قاضيًا، والأمر ليحيى ﵇ لعله كان من قبيل الثاني، فلذلك صح قوله: كاد أن يبطئ بها، وعيسى ﵇ لم يكن بعد أوحى إليه كتاب، فلا يشكل أنه كيف أمر يحيى مع وجود عيسى، وكيف ساغ لعيسى ﵇ أن يطلب نيابة من الذي هو دونه، لأنهما (١) كانا مساويين إذًا، وفي قوله: ((أخشى إن سبقتني بها)) إشارة إلى جواز الخلف في الوعد وامتنع لغيره، فإن العذاب في حق الأنبياء لو استحال لذاته لم يكن لخشيته ﵇ معنى.
قوله [فامتلأ وقعدوا على الشرف (٢)] يمكن أن يستنبط من ها هنا أن الإمام إذا كان من أسفل وصار بعض القوم في موضع عال منه جاز عند الضرورة والزحمة، فإن قوم عيسى لما ارتفعوا على الشرف بعد امتلاء بيت المقدس لم ينكر عليهم ذلك (٣).
قوله [فقال] أي قال قائل وهو (٤) الصدقة ها هنا، فإن الصدقة تطفئ
стр. 1379
غضب الرب، ولا يرد البلاء إلا الصدقة والدعاء، واتقوا النار ولو بشق تمرة.
قوله [السمع والطاعة] لما كان النبي ﷺ أوتى جوامع الكلم بين في هذين اللفظين ما يربو كثيرًا على الخمس التي بينه يحيى ﵇، فإن السمع شامل لسمع أمر الله سبحانه وأنبيائه ونوابهم إلى يوم القيامة، فكأن المعنى إني آمركم أن تسمعوا أمر كل من أمركم موافقًا لأمر الله ورسوله ولو مباحًا، لو أميرًا (١) عليكم في كل ما لا يحصى تفاصيله، ثم إن السمع البحت لما لم يفد فقد قال قوم ممن سمع: سمعنا وعصينا، أردف السمع بالطاعة، فشمل ما في الشريعة من الأركان والعادات، والسنن والطاعات، وكرائم الأخلاق والحسنات، فلله دره، ثم إنه خص منه بعض ما اهتم به فقال:
[والجهاد والهجرة] وهما مثل الأولين يشملان معاني لا تحصى، وفي تخصيص الأمر بموافقة الجماعة مزيد اهتمام بها فإن التأسي بأصحاب النبي ﷺ إنما هو ملاك الأمر وسنام العمل.
قوله [ومن أدعى دعوى الجاهلية] علاوة على الخمس التي وعد بها، وليس شيئًا يباين ما سبق، فإن كلا من السمع والطاعة والجماعة يشمله إلا أنه فصله وبينه لما رأى ابتلاءهم بذلك، والمراد بدعوى الجاهلية يمكن أن يعم بحيث يصدق على كل ما خالف الشرع من الأمور، وإن يخص (٢) بما اعتاده أهل
стр. 1380
الجاهلية من دعاء أصنامهم، أو دعاء أعوانهم على الحطام الدنيوي للحرب والفساد، ودعائهم فيما بينهم بأسماء منعهم النبي ﷺ عنها.
قوله [عباد الله] منادى بحذف حرف النداء.
قوله [لا يسقط ورقها] هذا يحتمل أن يكون وجه (١) الشبه، وأن يكون بيانًا لبعض خواصه ليسهل عليهم فهمه، ومع هذا فهو بعض (٢) من الوجوه
стр. 1381
التي وقع التشبيه لأجلها، وهي عدم سقوط ورقها، والورق بهاء النخل وزينتها وحياتها فهي لا تنفك عنها كالمؤمن، فإن الإيمان لا ينفك عنه ساعة، وهو بهاؤه وزينته وحياته، وطيب ثمرتها ونفعها، كما أن ثمرة المؤمن -وهي الأعمال الحسنة- طيبة نافعة، وأن النخل لا يطيب ثمارها بغير التأثير كما أن المؤمن لا يستجيد دينه ولا يكمله إل بتلقين وتعليم من الأستاذ والمرشد، وأن منفعة النخل تبقى بعد قطعها في منافع شتى، فكذا المؤمن يخلف من آثاره ما ينتفع به، وقد يقال: إن الماء إذا ارتفع على رأس النخلة فإنها تموت كما أن الإنسان كذلك.
قوله [فاستحييت إلخ] أشار إلى أن (١) الأدب مع الكبراء أن لا يتكلم بين أيديهم، لكن ذلك حسن في غير مسائل الدين وأحكامه، لقول عمر: لأن تكون قلتها إلخ، وفي الحديث جواز إدارة الأحاجي (٢) فيما بينهم وأن لا منع
стр. 1382
من امتحان (١) الرجل صاحبه إذا لم يقصد بذلك إهانته، وقول عمر ﵁: لأن تكون إلخ إشارة إلى أن مسرة الرجل يعلو أحد من أقاربه وأوليائه لا شناعة فيه إذا كان لأمر ديني، وإنما هو من مسرة بمنة من الله تعالى وإحسانه على من يدانيه.
[باب ما جاء مثل الصلوات الخمس إلخ] اختلفوا في أن المغفور بالطاعات هل هي الصغائر من الذنوب أم كبائرها أيضًا، فقال أكثرهم (٢): هي الصغائر فقط ولا يغتفر الكبائر إلا بالتوبة والاستغفار، وقال بعضهم (٣): إنها الكبائر
стр. 1383
والصغائر حتى حقوق العباد أيضًا كالحج، واستدلوا على ما ذهبوا إليه برواية ابن ماجة (١)
стр. 1384
وإن كانت ليست بذاك (١) لما ورد (٢) لها من المتابعات والشواهد، وهي
стр. 1385
أن النبي ﷺ لما حج استغفر لأمته في عرفات، فاستجيب له فيهم إلا الحقوق التي لهم فيما بينهم، ثم استغفر لهم ثانيًا في المزدلفة فاستجيب له في ذنوب أمته صلى الله عليه وسلم
стр. 1386
صغائرها وكبائرها من حقوقه تعالى عليهم وحقوقهم فيما بين أنفسهم، والإيراد
стр. 1387
بأن العفو عن الظالم ظلم على المظلوم، وإن كان منًا على الظالم ساقط، فإن الله تعالى لا يغفر لهم إلا بعد أن يعد للمظلومين أجورًا ونعمًا حذاء من عند نفسه، ولكن الاستدلال لا يتم بعد، فإن المقصود -وهو أن الحج يغتفر فيه الحقوق بأسرها وتنمحي الذنوب عن آخرها- لم يثبت (١) بعد، إذ غاية ما ثبت بهذه الرواية
стр. 1388
المأخوذة عن ابن ماجة أن ذنوب الأمة قبلت فيها شفاعة النبي ﷺ في حجة فغفرت، وأما أن كل من حج فإنه يغفر له كل ذنب وإثم وما عليه من حقوق الله وحقوق العباد فغير ثابت (١) إلا أن يعتذر عن المستدلين بأنهم لم يريدوا بذلك إقامة على أن الحج يغتفر فيه جميع ذلك بهذه الرواية، بل الذي أراده أصحاب الاستدلال أن العفو عن حقوق العباد سائغ، وليس بظلم، فلما ظهر بالرواية جواز الصفح عنها وقد وردت في أكثر العبادات كالحج وصلاة التسبيح وغيرها صيغ ظاهرها العموم تحمل على
стр. 1389
العموم ولا يخص منه الكبائر، والمراد عند الأولين بهذه الصيغ خاص، فكل ذنب هو باعتباره في نفسه كبيرة أو صغيرة، فهو بنسبته إلى ما فوقه أو تحته صغيرة أو كبيرة، هذا ولعل الحق (١) الذي لا ينبغي أن يعدل عنه أن الطاعات والعبادات بأسرها تتفاوت بتفاوت القائمين بها إلى مراتب لا تحصى، فكم من (٢) نائم له عند الله أعلى منزلة ومقام، ورب قائم في جوف (٣) الليل ليس له من قيامه
стр. 1390
غير ترك الهجوع والمنام، وإذا كان كذلك كانت العبادات ليس حكمها بأسرها واحدًا (١) بل البعض منها ترك العبد كيوم ولدته أمه إذا ندم فيها على ما فرط في جنب الله، وتحسر على ما اكتسبته في سالف زمانه يداه، والبعض منها لا توجب إلا مغفرة صغائرها لا كبائرها، ولا عجب في أن البعض تورث له وبالاً ويحق على العبد معتبة ونكالاً، فقد ورد (٢) أن الصلاة إذا لم يحافظ عليها المصلي وإن أدى أركانها وشرائطها، فإنها تدعو على المصلي وتقول: ضيعك الله كما ضيعتني، إلى غير ذلك من الروايات، وفي حديث الباب إشارة إلى ما قلنا،
стр. 1391
فإن النبي ﷺ شبه (١) الصلاة بالغسل، وأنت تعلم ما في مراتب الغسل من التفاوت، فمن غاسل ليس له غير سقوط الفرض عنه لو جنبًا، وغير البرد لو طاهرًا، ومن غاسل يهتم باغتساله بالماء الحار والصابون والأشنان إلى غير ذلك من الأسباب، وآخر منهم يدخل في الحمام فلا يخرج في أقل من نصف يوم، أفتراهم تساووا في تحصيل النظافة ونقاء البدن؟ لا والله! ولعلك تتوهم أن المرتبة الأخيرة من المشبه لا يتحصل في المشبه به، فإن شيئًا من صنوف الغسل لا يوجب تلوثًا وتلطخًا له، كما في المشبه من إيراث صلاته سخطًا عليه ومقتًا من الله ، قلنا: هذا غير بعيد فإن السؤال قد نشأ من عدم الممارسة بحياض الأعراب، وغدران الفلوات، فإنها لطول مكث المياه وكثرة ورود الحمير والبغال والجواميس والجمال، لا تورث شيئًا من النظافة بل ضده، وإن حكم الفقيه بطهارتها على حسب الشرع الشريف سيما على مذهب الشافعية والمالكية رحمهم الله تعالى، فإنه يعد غاسلاً باغتساله فيها، ولم يحصل له برد الجسم ولا سرور القلب، فكيف بإزالة الوسخ والدرن، والحمد لله ذي الأنعام والمنن، وفقنا الله بأداء طاعاته على حسب مرضاته، وأجارنا عن وساوس الشيطان ونزغاته، وأحلنا دار كراماته بمحض ألطافه وعناياته، إنه كريم جواد، وبيده مقاليد الضلال والسداد، وهو مالك أزمة الرشاد، وأنامله قابضة على أفئدة العباد، يصرفه (٢) كيف شاء على الصلاح والفساد.
стр. 1392
قوله [مثل أمتي مثل المطر إلخ] ذهب ابن عبد البر (١) إلى ظاهره فقال: لا يمتنع أن يكون في آخر الأمة من يفضل على بعض الصحابة ﵃، والجمهور على خلافه، ولهم روايات كثيرة تثبت مرامهم، منها قوله (٢) ﷺ : خير القرون قرني إلخ، ومنها ما ورد (٣): لو أنفق أحدهم مثل أحد ذهبًا ما بلغ مدهم أو نصيفه،
стр. 1393
أو كما قال، فلما كان كذلك تعارضت الأخبار لا محالة، والجواب أن روايات فصل الصحابة ناطقة على فضلهم الكلي نسبة إلى من بعد، وأما رواية الباب فإنما المراد بها الفضيلة الجزئية، ولا يبعد أن يكون في آخر الأمة من يربو على الأولين بصفة لم تكن فيهم، فإن الصحابة ﵃ لم يكونوا دون في أيامهم من المسائل الشرعية والأصول الفقهية ما دون في أيام الفقهاء المجتهدين ﵃، فلا ضير في أن يحكم بأن هذا الزمان أفضل من ذاك في هذه الفضيلة، ولا يلزم بذلك إساءة أدب الصحابة الكرام رضوان الله عليهم إلى يوم القيام، ولا تفضيل لهؤلاء عليهم حتى يرد مخالفة الآثار المروية في إثبات فضل هؤلاء العظام، وفي حديث الباب إشارة إلى ما قلنا، فإن التشبيه لما وقع بالمطر كان أول الأمة كأوله وآخرها كآخره، ولا يخفى على من له أدنى ممارسة بعاداته سبحانه بأصحاب الزراعة أن ماء الربع (١) إنما هو أول المطر فلا يمكن أن يبذر في الأرض فتنبت من غير مطر، وأما إذا مطر السماء أولاً فإن الزرع قد تنبت ثم بعد ذلك قد يفيد المطر وقد يضر، وثم وثم، فلا ضير في أن يفضل بعض من الأمطار الآخرية على الأمطار الأولية، ولو حمل مقال ابن عبد البر على تقريرنا لكان موافقًا للجمهور، قلت: ولا يبعد (٢) أن يقال: إن
стр. 1394
المراد بالأول ليس هو الأول الحقيقي حتى يراد بأول المطر الصحابة الكرام، ومن وردت فيهم الأخبار بل المراد بالأول من بعد هؤلاء، ولعل في التشبيه إشارة إلى ذلك إذ الأول الحقيقي من المطر إنما هو نفع محض وخير بحت فلا يحسن الترديد فيه، بل المشبه (١) هو المطر الذي دار في كونه نافعًا وضارًا كما أن الناس بعد القرون الثلاثة كذلك.
قوله [ورمى بحصاتين] إحداهما وراء الأخرى، ولما كان كل منهما مع ذلك قريبًا منه ﷺ صح الإشارة إليهما بلفظ موضوع لمرتبة واحدة من القرب والبعد.
قوله [إنما الناس كابل مائة] على التوصيف بتنوين اللفظين معًا، والمراد الكمال (٢) في أي صفة أخذت، فالمسلمون في جنب الكفار كذلك، والعلماء في الجهلاء والمقبولون في العوام كذلك إلى غير ذلك من الخلال الحسنة.
стр. 1395
قوله في حديث (١) سعيد بن عبد الرحمن المخرومي [عن سالم عن ابن عمر إلخ]
стр. 1396
إنما أراد أن يتم الإسناد ويذكر المتن كملاً فوصل قوله [عن سالم] بقوله السابق على قوله بهذا الإسناد عن الزهري، يعني أن رواية سعيد أيضًا إنما هي عن الزهري عن سالم عن ابن عمر كما كانت رواية الحسن كذلك، إلا أن الترمذي اشتغل ببيان الفرق بين الروايتين قبل أن يذكر الإسناد بتمامه، ثم بعد بيان الفرق أكمل الإسناد وذكر المتن ليظهر بذلك أي بذكر المتن فرق آخر بين الروايتين، وهو أن المذكور في الثانية على الشك بين قوله راحلة وإلا راحلة.
قوله [إنما مثلي ومثل أمتي إلخ] هذا الحديث واجب المراجعة إلى الأستاذ أدام الله علوه ومجده، وأفاض على العالمين بره ورفده، فإنه أدام الله ظلال جلاله وأدار علينا كؤوس نواله قرره على الذي لم أفهمه بعد، ثم تبين (١) بعد
المعاودة أن الأمر فيه سهل، والمعنى أنى كموقد نار أضاءت ما حولها، فمن منتفع بنورها، ومن هالك بالاعتداء وعدم الانتفاع بها، فكذلك إني بينت لكم الشرائع والأحكام فمن عمل فيها بما وجب نجا، ومن اعتدى فيها بالزيادة فيها كإخراج البدع أو النقصان كعدم العمل هلك ولم ينج.
قوله [إنما أجلكم فيما خلا من الأمم إلخ] فقيل: المراد بالأجل زمان نبوة (١) نبيهم وأيام بقاء شريعتهم، من غير أن يرد عليها النسخ كما بين موسى وعيسى ﵉، أو كما بين عيسى ونبينا محمد عليها الصلاة والسلام، وعلى هذا فلا ينطبق التمثيل إذ الزمان الذي عملت فيه شريعة عيسى ﵇ أقل بكثير من زمان شريعتنا، فالمراد بالأجل (٢) مدد أعمارهم وقصر أعمالهم، يعني
стр. 1399
أمة محمد ﷺ مع قصر أعمارهم وقلة أعمالهم يؤتون من الأجور ما لم يؤت الأمم السالفة مثله، وعلى هذا يشكل ما ورد (١) من أن الأجير الأول ترك العمل عند
стр. 1400
الظهر والأجير الثاني عند العصر إذ لا ينطبق ذلك على المشبه، فإن الذين عملوا ممن قضى نحبة من الفرقتين لم يتركوا والذين تركوا العمل وهم يهود زمان النبي ﷺ والنصارى الموجودون في ذلك الوقت لم يعملوا حتى يصح التشبيه، والجواب إن الفعل من
стр. 1401
البعض منسوب إلى كل الأمة فيصح التشبيه، ثم إن القصة مشيرة إلى مسألة فقهية وهي أن الاعتبار للتمام فإن الأجيرين لما لم يتموا العمل لم يستحقوا الأجر، وما أتى لهم كان منة وفضلاً، فإذا أضيف الحكم إلى علتين كانت الأخيرة منهما هي الموجبة.
تم الجزء الثالث ويليه
الجزء الرابع وأوله ((أبواب فضائل القرآن)).
стр. 1402
الكوكب الدري على جامع الترمذي
- (الجزء الرابع) -
مجموع إفادات وتحقيقات للإمام المحدث الفقيه، المربي الجليل،
المصلح الكبير، الداعي إلى عقيدة التوحيد الخالص، والسنة
السنية البيضاء، الإمام رشيد أحمد الكنكوهي (م ١٣٢٣ هـ)
العلامة الكبير الشيخ المحدث محمد يحيى بن محمد إسماعيل الكاندهلوى
(م ١٢٣٤ هـ)
стр. 1403
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 1404
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
أبواب فضائل (١) القرآن (٢)
стр. 1405
[باب في فضل فاتحة الكتاب]
قوله [فالتفت أبي (١)] وهذا الالتفات لم يضر في صلاته لكونه إلى النبي ﷺ ولكن أبيا نظر إلى قوله تعالى: ﴿وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣]، فاشتغل بإتمام صلاته، ومن ها هنا يعلم أن العالم قطعي العمل ما لم يقم ما يخصه والنبي ﷺ أورد صيغة عموم أخرى فظهر أن الإبطال بحكم الشارع ليس (٢) إبطالًا، فجاز نقض الصلاة لحادثة نجمت من التي (٣) أذن الشارع لها في إبطال الصلاة إذ كل ذلك داخل في قوله الله : ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٤]، ولا يتوهم أن الحديث دال على أن الأمر يوجب الائتمار على الفور لإنكار النبي ﷺ على أبي تأخيره ائتماره بقدر إتمام الصلاة؛ لأن الفورية عرضت بقوله: ﴿إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُم﴾ [الأنفال: ٢٤]، وفي الحديث دلالة على تخفيف الصلاة لعارض بتقرير النبي ﷺ وعدم إنكاره على أبي. قوله [من المثاني] هي ما دون (٤) المئين من السور، وعد